المورد
صعوبات الزراعة السورية الحديثة

صعوبات الزراعة السورية الحديثة

ا. فيلونيك١ كانون الثاني ١٩٧١arدار الجمهورية للطباعة

يقع كتاب «صعوبات الزراعة السورية الحديثة» للمؤلف ا. فيلونيك في صميم التحليل الماركسي للتحولات الاجتماعية والاقتصادية في الريف السوري خلال فترة حاسمة من تاريخه الحديث. الموضوع المحوري للكتاب هو تشريح الأزمة البنيوية العميقة التي تعاني منها الزراعة السورية، وهي أزمة يراها المؤلف ناتجة عن التخلف الموروث وعدم التوازن مع القطاعات الأخرى، في خضم عملية تحول اشتراكي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي. يدافع المؤلف عن موقف أساسي مفاده أن هذه العملية تجري في ظروف معقدة، لأن البنية الاقتصادية-الاجتماعية للبلاد لم تتحرر بعد من بقايا الإقطاع، وهي ليست مهيأة للانتقال المباشر إلى علاقات الإنتاج الاشتراكية. لذلك، يرى فيلونيك أن قبول الأشكال الرأسمالية في الزراعة، بل وتشجيعها، هو مرحلة ضرورية تفرضها متطلبات السير نحو أشكال تنظيمية أكثر تقدماً، فهي تلعب دوراً اقتصادياً إيجابياً في رفع المستوى الإنتاجي، على الرغم من الخطر الاجتماعي الذي تشكله على خط التوجه الاشتراكي. ويعزو التأخير في التحولات الاشتراكية لأسباب تكتيكية يفرضها الوضع الخارجي المحيط بالبلاد، وهي أسباب قد تؤدي إلى ترسيخ العلاقات الرأسمالية وتعميق الأزمة في القرية السورية.

يسير الكتاب في بناء حجته من العام إلى الخاص، ومن التشخيص الكلي إلى التحليل التفصيلي للقطاعات المختلفة. يبدأ المؤلف في المقدمة بوضع الإطار النظري العام، مؤكداً على الأهمية الحيوية للزراعة التي كان يعمل فيها أكثر من 50% من السكان في النصف الثاني من السبعينات، وكانت تساهم بنحو 52% من الدخل القومي وتغطي أكثر من 55% من قيمة الاستثمارات الصناعية. ومع ذلك، يخلص إلى أن الفرق الشاسع بين تطور الصناعة وتطور الزراعة أدى إلى اختلال التناسب في الاقتصاد الوطني، حيث استُخدمت الزراعة كمصدر رئيسي لتمويل تطور الفروع الأخرى، مما أنهكها وحدّ من تطورها. ثم ينتقل الكتاب في فصوله الأربعة لتحليل المكونات الأساسية لهذه الأزمة: العلاقات الزراعية وقوانين الإصلاح، والحركة التعاونية، وقطاع الدولة والمزارع الحكومية، وأخيراً التحديث التقني والميكنة. هذا التسلسل يبني حجة متكاملة: فالإصلاح الزراعي لم يحقق العدالة بل خلق طبقة رأسمالية جديدة، والتعاونيات التي كان يفترض أن تكون الحل واجهت صعوبات تنظيمية وإدارية خانقة، والمزارع الحكومية فشلت في إثبات تفوقها الاقتصادي، والميكنة دون إصلاح اجتماعي حقيقي تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

في الفصل الأول، يقدم المؤلف تحليلاً نقدياً لتطور العلاقات الزراعية، وصولاً إلى قانون الإصلاح الزراعي. كانت الملكية قبل الإصلاح مركزة بشكل صارخ، حيث كان يوجد أكثر من 7 آلاف عائلة إقطاعية تملك حوالي 200 ألف هكتار من أخصب الأراضي المروية، بينما كان حوالي نصف مليون عائلة لا تملك سوى 7% فقط من الأراضي المزروعة. يخلص المؤلف إلى أن القوانين الزراعية السورية، رغم أهميتها في كسر بنية الإقطاع، لم تحقق العدالة الكاملة في توزيع الأرض ولم تكن نقطة تحول جذرية في حل المسألة الزراعية. فعل سبيل المثال، حدد قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 الصادر في أيلول عام 1958 سقف الملكية بـ 80 هكتاراً للأراضي المروية و300 هكتار للأراضي البعل، لكنه سمح بتملك أفراد العائلة الواحدة لنفس المساحة، مما رفع السقف الفعلي إلى 250 هكتاراً و800 هكتار على التوالي. ونتيجة لذلك، شمل القانون حوالي 4 آلاف مالك فقط، وصودرت منهم مساحة تقدر بـ 1.5 مليون هكتار، أي ما يعادل 15% فقط من الأراضي الزراعية. والأهم من ذلك، أن هذه القوانين لم تحل مشكلة صغار الفلاحين، بل وسّعت ملكية فئة «الكولاك» والبرجوازية الريفية، وساعدت في تكوين طبقة رأسمالية زراعية جديدة تستغل الفلاحين بأساليب ما قبل الرأسمالية والرأسمالية معاً. ويقر المؤلف بحدود هذه القوانين التي وصفت بأنها «مستوردة» من القانون المصري ولا تراعي الخصائص السورية، ويشير إلى ظاهرة بيع الفلاحين للأراضي التي حصلوا عليها بسبب عدم قدرتهم على استثمارها، مما أدى إلى تركيز الملكية مجدداً في أيدي الأغنياء.

أما الفصل الثاني، فيركز على التنظيم التعاوني في القرية السورية، معتبراً إياه أحد أهم السبل لإعادة بناء الزراعة. يحدد المؤلف أربع مراحل رئيسية في تطور الحركة التعاونية، تبدأ بولادة الحركة في الأربعينيات مع تشكل أول جمعيتين فلاحيتين في دير عطية (محافظة دمشق) وصدد (محافظة حمص)، وتمر بفترة الوحدة السورية المصرية بين عامي 1958 و1961، وتصل إلى مرحلة وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة. يبرز المؤلف فجوة كبيرة بين خطط إنشاء التعاونيات (مثل خطة إنشاء 642 تعاونية) والتنفيذ الفعلي الذي لم يتجاوز نسباً ضئيلة، ويعزو ذلك إلى عدم واقعية الخطط وعدم وجود مقدمات موضوعية في البلاد لانتشار الجمعنة بشكل واسع. ويخصص حيزاً مهماً لمناقشة المرسوم رقم 79 الصادر عام 1967، والذي وحد «الجمعيات الحرة» و«جمعيات الإصلاح الزراعي»، حيث يرى أن دوافع هذا التوحيد لم تكن اقتصادية فقط بل سياسية أيضاً. كما يتناول بالتفصيل الصعوبات العملية، وعلى رأسها النقص الحاد في الكوادر المختصة حيث لم يكن في الريف سوى 41 اختصاصياً تعاونياً في بداية السبعينات، أي بمعدل اختصاصي واحد لكل خمس جمعيات، كما يشير إلى التناقضات الاجتماعية والقبلية داخل الجمعيات حيث استطاعت بعض العائلات احتكار الامتيازات واستخدام إمكانيات الجمعية لخدمة مصالحها الشخصية.

في الفصل الثالث، ينتقل المؤلف إلى تحليل قطاع الدولة في الزراعة، وتحديداً المزارع الحكومية التي وُلدت كجزء من تطبيق قانون الإصلاح الزراعي. يخلص الفصل إلى أن هذه المزارع، رغم أهميتها النظرية، ظلت تعاني من صعوبات جمة حالت دون تحقيق أهدافها، مما أدى إلى توقف نموها واقتصار دورها على نطاق محدود. وتتنوع هذه الصعوبات بين قانونية وإدارية، مثل القيود على تجديد عقد العامل الموسمي لأكثر من 150 يوماً في السنة، ومالية حيث اعتمدت المزارع على أرباحها الهزيلة وقروض المصرف الزراعي، وتقنية حيث بلغ عدد الآليات في مزرعة «القامشلي» أكثر من 150 جراراً و12 حصادة في منتصف السبعينات، لكن التوزيع كان غير متساوٍ، فتوجد مزارع فيها جرار واحد لكل 10 هكتارات بينما تعاني أخرى في المالكية من جرار واحد لكل 500 هكتار. ويكشف الفصل عن أزمة حادة في الكوادر البشرية، ففي بداية السبعينات لم يبلغ عدد المهندسين الزراعيين العاملين في قطاع الدولة أكثر من 2% فقط من إجمالي المهندسين في وزارة الزراعة، مما أدى إلى خسائر مالية متكررة وارتفاع كلفة الإنتاج كما حدث في 1974 حيث دفعت المزارع 17 ل.س عن كل دونم لجمع المحصول، أي أكثر بثلاث مرات من الحد المتعارف عليه.

أخيراً، يتناول الفصل الرابع قضية تحديث القاعدة التقنية للعمل الزراعي، ويقدم تحليلاً نقدياً لمسيرة المكننة الزراعية. يوضح المؤلف أن عملية تسريع الإنتاج الزراعي لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على الجانب التكنولوجي فقط، بل يجب أن تقترن بتحولات اجتماعية اقتصادية، محذراً من أن إهمال العامل الاجتماعي قد يؤدي إلى تفاقم التناقضات خاصة مع وجود فيض سكاني زراعي نسبي. يعرض الفصل بيانات كمية عن تطور عدد الآلات الزراعية، مشيراً إلى زيادة عدد الحصادات بمعدل 11 مرة، والجرارات بمعدل 68 مرة، والبذارات 12 مرة، والمضخات بمئات المرات، مما يدل على ضعف المستوى التكنيكي الذي انطلقت منه العملية. ويبرز من بين العقبات الجدية التي تعيق التحديث بنية العمل الزراعي واستخدام الأرض، حيث يؤدي انتشار الملكية الفلاحية الصغيرة وبعثرة الأراضي إلى إعاقة استخدام الآلات، فعلى سبيل المثال تبلغ مساحة القطعة الواحدة في اللاذقية 0.46 هكتاراً، وهذا يقل عن الحد الأدنى المطلوب للعمل الآلي والذي يتراوح بين 1 و2 هكتارين. كما يلقي الضوء على أن فقر الفلاح السوري يشكل عقبة كبيرة، فارتفاع أسعار الآلات الزراعية وكلفة صيانتها تجعل امتلاكها حكراً على أغنياء الريف، مما يجعل سياسة التسويق ذات طابع طبقي. ويستعرض الفصل أزمة الأسمدة عام 1974-1975 حيث انخفضت الكمية المستوردة من 148 ألف طن في عام 1973 إلى 10 آلاف طن عام 1975، ويناقش تجربة صناعة الجرارات المحلية في حلب عبر الشركة السورية الإسبانية «شركة الفرات» التي بدأت بإنتاج الجرار «فوردسون ميجر».

يقر المؤلف في أكثر من موضع بحدود عمله وتحفظاته، فهو يشير في المقدمة إلى الصعوبات التي واجهته عند كتابة الكتاب، وعلى رأسها غياب المعطيات أو تضاربها، خاصة فيما يتعلق بخصائص التطور الزراعي منذ السبعينات، معتمداً في معلوماته بشكل أساسي على منشورات الوزارات السورية المختصة والمنشورات الدورية. كما يطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل المزارع الحكومية، مشيراً إلى أن الحكومة أوقفت نموها العددي بعد فترة، ويرى أن ذلك يعود لإدراك أن حجم المهام الملقاة على عاتقها أكبر من إمكانياتها، وأن استمرارها أو التوسع فيها مرهون بإثبات فاعليتها ونجاحها. ويشير أيضاً إلى أن المزارع الحكومية فقدت أهم ميزاتها، وهي إجراء عمليات إنتاجية كبيرة على أراضٍ مجمعة، بسبب تبعثر أراضيها وتقطعها بأراضٍ مملوكة لأفراد أو تعاونيات أخرى.

من الناحية المنهجية، يقدم الكتاب مادة غنية بالوقائع والأرقام التي يصعب نسيانها، مثل أن أكثر من 6 آلاف عائلة (أو 70% ) لم تكن تملك أي أرض إطلاقاً قبل الإصلاح، وأن مدفوعات الفلاحين للحركة التعاونية بلغت 73.6 مليون ليرة سورية بأسعار عام 1971، وأن مخصصات المصرف الزراعي التعاوني للقروض الزراعية ارتفعت من 150 مليون ليرة سورية عام 1967 إلى 200 مليون عام 1975، وأن مساحة أراضي الدولة في محافظة الحسكة بلغت 587 ألف هكتار بحلول منتصف عام 1965. كما يشير إلى نجاح بعض المزارع مثل «أبو فراس الحمداني» التي قفز دخلها من الفستق من 12 ألفاً إلى 157 ألفاً بين عامي 1972 و1977، وإلى أن القطاع التعاوني استطاع تغطية 71% من ديونه في عام 1969 مقابل 58% للقطاع الخاص. هناك أيضاً وقائع لافتة عن محطات الاتحاد العام للفلاحين التي خفضت أجور الحصاد في دمشق إلى 6 ل.س للدونم مقابل 10 ل.س للقطاع الخاص، مما أجبر الأخير على تخفيض أجوره بنسبة 60%، وعن التفتيش الذي جرى في منتصف السبعينات على 134 جمعية في محافظتي الرقة ودير الزور وأظهر عدم وجود قيادة تعمل بشكل صحيح.

في الختام، يمكن القول إن كتاب فيلونيك يقدم صورة معقدة ومتشائمة أحياناً عن واقع الزراعة السورية، مبرزاً الفجوة الكبيرة بين الطموحات الاشتراكية الرسمية والواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي ظلت تسيطر عليه العلاقات الرأسمالية وتبعية القطاع الزراعي للصناعة. من الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة، أن المؤلف يرى أن فشل الإصلاح الزراعي لم يكن بسبب عيوب جوهرية في فكرة توزيع الأرض نفسها، بل بسبب ثغرات قانونية وغياب إرادة سياسية حقيقية، وهو ما قد يكون تفسيراً مقبولاً لكنه لا يأخذ في الاعتبار بشكل كافٍ التحديات البنيوية العميقة للاقتصاد السوري وعلاقاته الخارجية. كما أن دعوته لاعتبار الرأسمالية الزراعية مرحلة ضرورية قد تتعارض مع أولويات العدالة الاجتماعية التي يبدو أنه يدافع عنها في مواضع أخرى من الكتاب، مما يخلق توتراً فكرياً داخلياً في الأطروحة العامة، وهو توتر يعكس في الحقيقة التناقضات الأساسية لمرحلة تاريخية بأكملها.

الفصول(5)

1.مقدمة5–14▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل التمهيدي الإطار العام لدراسة المؤلف حول صعوبات الزراعة السورية الحديثة، ويؤكد في جوهره على أطروحة مركزية مفادها أن الزراعة السورية، رغم أهميتها الحيوية، تعاني من أزمة بنيوية عميقة ناتجة عن التخلف وعدم التوازن مع القطاعات الأخرى، وذلك في خضم عملية تحول اجتماعي-اقتصادي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي ذو التوجه الاشتراكي. يرى المؤلف أن هذه العملية تجري في ظروف معقدة، لأن البنية الاقتصادية-الاجتماعية للبلاد لم تتحرر بعد من بقايا الإقطاع، وهي ليست مهيأة للانتقال المباشر إلى علاقات الإنتاج الاشتراكية، مما يفرض واقعاً تظل فيه العلاقات الرأسمالية مسيطرة على عملية الإنتاج، رغم التوجهات الرسمية.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتشخيص الوضع الراهن، حيث يشير إلى أن التحولات الديمقراطية الحالية أدت إلى تطور الاتجاهات الرأسمالية في الزراعة. وينقل المؤلف تقويماً ورد في بيان صادر عن اجتماع للأحزاب الشيوعية عام 1966 مفاده أن العلاقات الرأسمالية لا تزال مسيطرة في البلدان ذات التوجه الاشتراكي، لكنه يرى أن تطبيق هذا التقويم على سورية بشكل مطلق هو أمر سابق لأوانه. ويقدم المؤلف تبريراً لذلك، معتبراً أن قبول الأشكال الرأسمالية في الزراعة، بل وتشجيعها، هو مرحلة ضرورية تفرضها متطلبات السير نحو أشكال تنظيمية أكثر تقدماً، فهي تلعب دوراً اقتصادياً إيجابياً في رفع المستوى الإنتاجي، على الرغم من الخطر الاجتماعي الذي تشكله على خط التوجه الاشتراكي. ويعزو المؤلف التأخير في التحولات الاشتراكية لأسباب تكتيكية يفرضها الوضع الخارجي المحيط بالبلاد، وهي أسباب قد تؤدي إلى ترسيخ العلاقات الرأسمالية وتعميق الأزمة في القرية السورية.

بعد ذلك، ينتقل الفصل لإبراز أهمية الزراعة بالنسبة لسورية، فيذكر أن أكثر من 50% من السكان كانوا يعملون في الزراعة في النصف الثاني من السبعينات، وأنها كانت تساهم بنحو 52% من الدخل القومي وتغطي أكثر من 55% من قيمة الاستثمارات الصناعية وغيرها، بالإضافة إلى حصتها الكبيرة من مجموع صادرات البلاد. وبرغم هذه الأهمية القصوى، يؤكد المؤلف أن قوى الإنتاج في الزراعة ما تزال متخلفة جداً، بسبب بقايا أشكال الإنتاج الاجتماعي التي تعود إلى عهد ما قبل الإقطاع، مما يعيق ظهور أشكال أكثر تطوراً ويمنع حل القضايا الملحة التي تعيق التوازن الداخلي للقطاع الزراعي. ويشير إلى أن هذا التخلف ترافق مع تفاقم أزمة القرية، المتمثلة في تدهور ظروف عمل الفلاح، وانخفاض حصة القطاع الفلاحي في التراكم الزراعي، وزيادة الهجرة.

ويخلص الفصل إلى أن الفرق الشاسع بين تطور الصناعة وتطور الزراعة أدى إلى اختلال التناسب في الاقتصاد الوطني، حيث استُخدمت الزراعة كمصدر رئيسي لتمويل تطور الفروع الأخرى، مما أنهكها وحدّ من تطورها. ويرى المؤلف أنه من الضروري إحداث تغيير جذري في نظام القوى المنتجة في الزراعة الذي يعود للعصور المبكرة، وتحديث القاعدة المادية للإنتاج الزراعي لتخطي التأخر الملحوظ في حياة القرية. ويذكر أنه في بداية السبعينات أصبحت ضرورة إجراء تغييرات جدية في السياسة الزراعية للدولة واضحة، من خلالمكننة الزراعة لتقريب مستوى التطور الزراعي من الصناعي. ومع ذلك، يعترف المؤلف بأن إدراك الدولة لهذه القضية في الوقت المناسب لا يعني امتلاكها الإمكانيات اللازمة لاتخاذ خطوات فعالة.

يتناول الفصل بعد ذلك سياسة الاستثمارات، مشيراً إلى أن توظيفات رؤوس الأموال في القطاع الصناعي خلال سنوات الخطط الخمسية فاقت عدة مرات توظيفاتها في القطاع الزراعي. ويوضح أنه بينما زادت الاستثمارات الزراعية من حيث الأرقام المطلقة بين أعوام 1960 و1980 (من 95,956 ألفاً إلى 101,810 آلاف ليرة سورية)، فإن قيمتها النسبية هبطت مقارنة بالقيمة الإجمالية للتوظيفات في الاقتصاد الوطني كله. ويعتقد المؤلف أن سياسة الاستثمارات هذه، حتى لو كان لها ما يبررها كالرغبة في توسيع شبكة الري في حوض الفرات والخابور، لم تؤدِ إلى تجاوز مظاهر التخلف في القطاع الزراعي، بل أعطت مشاكل القرية طابعاً مزمناً، وجعلت حتمية تجاوز البطء التقليدي في تطور القطاع الزراعي شرطاً أساسياً لتحقيق خطة التحولات الزراعية وإعادة بناء القاعدة الاقتصادية للمجتمع السوري المعاصر.

في الجزء الأخير، يستعرض المؤلف الدراسات السابقة حول الزراعة السورية، مشيراً إلى مساهمات عدد من المؤلفين السوفييت مثل ف. ف. فافيلوف، ف. ب. فيكتوروف، وأ. تكاتشنكو، لكنه يلاحظ أن المسائل الزراعية عندهم لم تبحث بشكل مستقل بل كفقرات في أعمال أكثر شمولاً. ويشير أيضاً إلى أعمال م. ف. كاتاولين وأف. م. فيديرينكو وبعض المؤلفين السوفييت الآخرين التي لعبت دوراً هاماً في تبيان اتجاهات تطور القرية السورية. أما بالنسبة للأدبيات الغربية، فيذكر أن المسألة الزراعية السورية لم تحظَ باهتمام كبير، وإن وجد فهي موجهة لبحث بعض الاتجاهات أو تقديم معلومات عامة، مع استثناء بعض المؤلفين مثل و. رينس، م. بيرغير، ي. غازوري، ب. كليت، ور. هنيبوتس. ويوضح المؤلف أن كتابه هذا هو محاولة لتحليل بعض النقاط الهامة التي أعاق بحثها سابقاً نقص المعلومات أو تناقضها، مثل تأثير الإصلاح الزراعي على نظام ملكية الأرض واستثمارها، وطابع الاتجاهات العامة للسياسة الزراعية التي تنتهجها الدولة. وأخيراً، يقرّ المؤلف بالصعوبات التي واجهته عند كتابة الكتاب، وعلى رأسها غياب المعطيات أو تضاربها، خاصة فيما يتعلق بخصائص التطور الزراعي منذ السبعينات، معتمداً في معلوماته بشكل أساسي على منشورات الوزارات السورية المختصة والمنشورات الدورية، وعلى أعمال اقتصاديين سوريين مثل س. الوزان وس. خير وج. الحميد.

2.الفصل الأول14–74▼ ملخص

يتركز هذا الفصل على تحليل التطورات التي شهدتها العلاقات الزراعية في سورية، وخاصة فيما يتعلق بتطور أشكال ملكية الأرض واستثمارها، والقوانين التي نُظمت بها، وصولاً إلى قانون الإصلاح الزراعي. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن هذه القوانين، رغم أهميتها في كسر بنية الإقطاع، لم تحقق العدالة الكاملة في توزيع الأرض ولم تكن نقطة تحول جذرية في حل المسألة الزراعية.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بتصوير الوضع في مرحلة ما قبل الإصلاح، حيث كانت الملكية مركزة في أيدي قلة. فقبيل صدور قوانين الإصلاح الزراعي، كان يوجد أكثر من 7 آلاف عائلة إقطاعية تملك حوالي 200 ألف هكتار من أخصب الأراضي المروية، بينما كان حوالي نصف مليون عائلة لا تملك سوى 7% فقط من الأراضي المزروعة، وكان حوالي 6 آلاف عائلة (أو 70% ) لا تملك أي أرض إطلاقاً. يوضح المؤلف أن هذا الانقسام الطبقي الحاد أدى إلى تأزيم الوضع الاجتماعي، وجعل المسألة الزراعية إحدى المسائل الملحة في الحياة السياسية بعد الاستقلال، إلا أن حلولها كانت تؤجل بسبب الصراع الحزبي وتضارب مصالح البرجوازية مع مصالح الإقطاع، إذ كانت البرجوازية ترغب في تقليص وزن الإقطاع لكنها تخشى في الوقت نفسه نهوض الحركة الديمقراطية التقدمية.

ينتقل الفصل بعدها إلى تتبع الجهود التشريعية الأولى، مثل إقرار الدستور عام 1950 مبدأ تحديد الملكية، وتشكيل لجنة عام 1952 لبحث مشروع يخفض سقف الملكية، لكن البرلمان رفضه. ثم صدرت قوانين متفرقة مثل القوانين رقم 86 و 45 عام 1947، والقوانين رقم 176 و 158 عام 1949، والقانون رقم 148 عام 1952، لكنها لم تمس أساس نظام الملكية. ويشير الكاتب إلى دور الحزب الشيوعي السوري وحزب البعث العربي الاشتراكي في النضال، حيث قدم الأخير مشروع قانون حماية الفلاح عام 1954، والذي لم يُقر إلا بعد عامين، ثم استُبدل بالقانون رقم 177 بعد الوحدة مع مصر عام 1958، والمعروف بقانون «تنظيم العلاقات الزراعية». يشرح الفصل تفاصيل هذا القانون، الذي نظم العلاقة بين المالك والمستأجر، وحدد ريع الأرض، ونظم عقود العمل، ومنع تشغيل الأطفال دون سن 12 عاماً، وأنشأ الاتحادات الفلاحية، لكنه ترك ثغرات واسعة سمحت للملاك بالالتفاف عليه، مثل إمكانية زيادة الريع إذا أدخل المالك تحسينات، وإمكانية طرد الفلاح بحجة أن المالك سيزرع أرضه بنفسه.

يخصص الفصل قسماً كبيراً لتحليل قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 الصادر في أيلول عام 1958، والذي كان أول إجراء قانوني موجه ضد الملكية الإقطاعية. حدد القانون سقف الملكية بـ 80 هكتاراً للأراضي المروية و300 هكتار للأراضي البعل، لكنه سمح بتملك أفراد العائلة الواحدة لنفس المساحة، مما رفع السقف الفعلي إلى 250 هكتاراً و800 هكتار على التوالي. كما نص على تعويض الإقطاعيين بعشرة أضعاف الريع السنوي، وفرض على الفلاحين المستفيدين دفع ثمن الأرض على أقساط. يكشف الفصل أن نتائج هذا القانون كانت محدودة، إذ شمل حوالي 4 آلاف مالك فقط، وصودرت منهم مساحة تقدر بـ 1.5 مليون هكتار، أي ما يعادل 15% فقط من الأراضي الزراعية. ويوضح المؤلف أن الهدف من القانون كان زيادة ملكية الفلاحين، لكنه في الواقع وسّع ملكية فئة «الكولاك» والبرجوازية الريفية، ولم يحل مشكلة صغار الفلاحين الذين حصلوا على قطع صغيرة لا تكفي لسد حاجاتهم.

يتناول الفصل بعد ذلك التعديلات التي طرأت على قانون الإصلاح الزراعي، خاصة بعد انفصال الوحدة مع مصر عام 1961، حيث صدر القانون رقم 161 الذي رفع سقف الملكية، ثم عاد العمل بالقانون القديم بعد ذلك. ومع مجيء حزب البعث إلى السلطة، صدر المرسوم رقم 58 عام 1963 والمرسوم رقم 152 عام 1964، اللذان خفضا سقف الملكية وفقاً لوسيلة الري وكمية الأمطار، وأعفيا الفلاحين من بعض النفقات، لكنهما لم يغيرا جوهر القانون. كما يشير الفصل إلى قوانين أخرى متعلقة بأراضي الدولة، مثل المرسومين رقم 96 و 155، والتي سمحت ببيع مساحات واسعة من الأراضي الحكومية لأصحاب رؤوس الأموال، مما ساهم في نمو العلاقات الرأسمالية في الزراعة.

يقدم الفصل في النهاية تحليلاً نقدياً شاملاً، فيخلص إلى أن القوانين الزراعية السورية عكست تصورات برجوازية صغيرة، وأنها نجحت في الحد من الملكية الإقطاعية الكبيرة لكنها لم تقضِ عليها، بل ساعدت في تكوين طبقة رأسمالية زراعية جديدة تستغل الفلاحين بأساليب ما قبل الرأسمالية والرأسمالية معاً. كما يقر المؤلف بحدود هذه القوانين، التي وصفت بأنها «مستوردة» من القانون المصري ولا تراعي الخصائص السورية، ويشير إلى ثغرات كبيرة، مثل عدم تحديد سقف استثمار الأراضي، وعدم معالجة بعض أشكال المحاصصة مثل «المفارسة» و«التضمين» و«المساقاة». ويستشهد بانتقادات الصحافة السورية التي تؤكد أن هذه القوانين لا يمكنها تحرير الفلاح نهائياً من الاضطهاد، وأنها غالباً ما تخدم مصالح كبار المستأجرين والشخصيات المتنفذة.

في خضم التحليل، يشير الكاتب إلى أن الانخفاض في الإنتاج الزراعي خلال السنوات الأولى لتطبيق الإصلاح كان بسبب الجفاف وسوء الظروف المناخية، وليس نتيجة لتوزيع الأرض، وأن حجم الإنتاج عاد إلى مستوياته السابقة بعد انتهاء الجفاف. كما يلفت النظر إلى ظاهرة بيع الفلاحين للأراضي التي حصلوا عليها، بسبب عدم قدرتهم على استثمارها، مما أدى إلى تركيز الملكية مجدداً في أيدي الأغنياء، وهي ظاهرة تشكل خطراً حقيقياً على أهداف الإصلاح الزراعي. من النقاط القابلة للنقاش في الفصل، أن المؤلف يرى أن القوانين فشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية، وأن توسيع ملكية الفئة الوسطى جاء لصالح البرجوازية الريفية الجديدة، وهذا ما يعتبره الأساسي في تحليله لمحدودية الإصلاح الزراعي في سورية.

3.الفصل الثاني75–131▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول التنظيم التعاوني في القرية السورية، معتبراً إياه أحد أهم السبل لإعادة بناء الزراعة وتحقيق التطور الاقتصادي المستقل للبلاد. يرى المؤلف أن قيام التعاونيات وتطورها يواجه تحديات معقدة تنبع من الحاجة إلى إدخال أشكال عمل متطورة في ظل إمكانيات مادية محدودة للدولة، ومن ضرورة تجاوز عقلية الملكية الصغيرة وإقناع الفلاحين بجدوى العمل الجماعي. يشير المؤلف إلى أن الجمع بين هذين العاملين الاقتصادي والاجتماعي هو ما يحدد الطابع المعقد لقيام الحركة التعاونية وتطورها في الريف السوري.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني وتاريخي، حيث يحدد أربع مراحل رئيسية في تطور الحركة التعاونية. تبدأ المرحلة الأولى في الأربعينيات، وتعتبر مرحلة ولادة الحركة التعاونية حيث تشكلت أول جمعيتين فلاحيتين في دير عطية (محافظة دمشق) وصدد (محافظة حمص) لتحسين شبكات الري. أما المرحلة الثانية فتمتد حتى عام 1958 مع بدء تطبيق قانون الإصلاح الزراعي. وتشمل المرحلة الثالثة فترة الوحدة السورية المصرية بين عامي 1958 و1961 التي اتسمت بعدم الاستقرار السياسي، وتبدأ المرحلة الرابعة مع وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة وتستمر حتى وقت كتابة النص.

ينتقل المؤلف بعدها لتحليل نتائج الإصلاح الزراعي، مشيراً إلى أنه لم يستأصل كل أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية، بل أدى إلى تطور رأسمالي غير متساوٍ في المناطق الزراعية، واتسم بطابع "جزر" معزولة. ويستعرض الفصل الصعوبات التي واجهت الحركة التعاونية في مراحلها المبكرة، وأبرزها الموقف السلبي من حكومة الانتداب التي اعتبرتها خطراً سياسياً، وعدم وجود تشريعات قانونية واضحة، مما أدى إلى خضوع الجمعيات لقوانين الشركات المساهمة. ويشير إلى أن القانون رقم 160 الصادر في بداية الخمسينات لم يحقق النتائج المرجوة بسبب عموميته وعدم تحديده لأهداف الجمعيات أو توفير الدعم المالي والإداري لها، فلم يُشكل خلال ثماني سنوات سوى 18 جمعية زراعية تعاونية فقط.

يخصص الفصل حيزاً مهماً لمناقشة قانون التعاون الجديد الصادر عام 1956 الذي أُعد على غرار القانون المصري، وأسس لظهور "التعاونيات الحرة" التي ضمت إلى جانب الفلاحين ممثلي أغنياء الريف. مع صدور قانون الإصلاح الزراعي، أصبح الانتساب إلى "تعاونيات الإصلاح الزراعي" شرطاً إلزامياً للحصول على الأرض، مما مثل تحولاً جوهرياً في مفهوم العمل التعاوني من الطوعي إلى الإلزامي، ومن عفوي إلى منظم، لكنه فرض من الأعلى دون مراعاة كافية لظروف القرية واستعداد الفلاحين، مما أدى إلى موقف سلبي من جانبهم وعدم ثقة بالحركة التعاونية.

يتناول الفصل بعدها بالتفصيل الصعوبات التنظيمية والإدارية التي عانت منها الحركة التعاونية، خاصة خلال فترة الانفصال عن مصر حيث أهمل البناء التعاوني تماماً. ويشير إلى أن التذبذب في تبعية الجمعيات لوزارات مختلفة، ووجود نوعين من التعاونيات (الحرة وتعاونيات الإصلاح الزراعي) بشكل منفصل، عكس الفروقات الاجتماعية وأضعف الجهود. ورغم تشكيل لجنة في عام 1962 لدراسة أوضاع القطاع التعاوني واقتراح دعمه، إلا أن التنفيذ الفعلي ظل محدوداً. ويبرز المؤلف فجوة كبيرة بين خطط إنشاء التعاونيات (مثل خطة إنشاء 642 تعاونية) والتنفيذ الفعلي الذي لم يتجاوز نسباً ضئيلة، ويرى أن ذلك يعكس عدم واقعية الخطط وعدم وجود مقدمات موضوعية في البلاد لانتشار الجمعنة بشكل واسع.

يستعرض الفصل بعدها موقف حزب البعث العربي الاشتراكي من مسألة الجمعنة بعد وصوله للسلطة، معتبراً أن تغيير العلاقات الاجتماعية في الريف هو طريق التحول الزراعي، وأن إنشاء التعاونيات إجراء اجتماعي ضروري. وتشير "الخطة المرحلية" التي أُقرت في عام 1965 إلى اتجاهين: الأول إنشاء "قطاع اشتراكي في الزراعة" يقوم على الأراضي المصادرة والحكومية، والثاني تقوية دور الدولة عبر إنشاء مزارع حكومية كبيرة. ويناقش المؤلف بعض الغموض والتناقضات في الطروحات النظرية للحزب، خاصة فيما يتعلق بمفهوم "القطاع الزراعي الاشتراكي" وخلطه بين نماذج مختلفة من التعاونيات، كما يثير أسئلة حول الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية للوحدات الإنتاجية الجماعية التي لم تجد إجابات واضحة في الوثائق الحزبية.

ينتقل الفصل إلى تحليل التطبيق العملي لسياسة الجمعنة، فيشير إلى أن المرسوم رقم 88 الصادر عام 1963 عدّل قانون الإصلاح الزراعي، وخفض سقف الملكية، ونص على تحويل قيمة الأراضي الموزعة إلى دعم للحركة التعاونية، حيث بلغ حجم هذا المبلغ 73.6 مليون ليرة سورية بأسعار عام 1971. لكن مدفوعات الفلاحين كانت أقل من المتوقع ولم تغطِ احتياجات الجمعيات المتزايدة. ويضرب مثالاً بجمعية تعاونية في قرية الغزلانية التي سددت مبلغاً ضئيلاً من مستحقاتها. ويشير إلى أن الجمعيات واجهت صعوبات مالية كبيرة، حيث أصبحت مدينة بمبالغ كبيرة، مما زعزع ثقة الفلاحين بها، خاصة وأنها كُلّفت بجباية ديون الفلاحين لمنظمة الإصلاح الزراعي، فاعتبروها جهازاً لجباية الضرائب.

يخصص الفصل جزءاً هاماً لمناقشة المرسوم رقم 79 الصادر عام 1967، والذي وحد "الجمعيات الحرة" و"جمعيات الإصلاح الزراعي" وأخضع الأولى لالتزامات الثانية. يرى المؤلف أن دوافع هذا التوحيد لم تكن اقتصادية وتنظيمية فقط، بل سياسية أيضاً، لأن "التعاونيات الحرة" لم تتوافق مع الخط السياسي للقيادة. ويشير إلى أن أغنياء الريف كانوا يسيطرون على هذه الجمعيات الحرة، بل وتمكنوا من التسلل إلى "تعاونيات الإصلاح الزراعي"، مما أدى إلى تقارب في بنيتهما الاجتماعية رغم الاختلاف النظري.

يتناول الفصل بالتفصيل الصعوبات العملية في تنظيم الحركة التعاونية، وعلى رأسها النقص الحاد في الكوادر المختصة. ففي بداية السبعينات، لم يكن في الريف سوى 41 اختصاصياً تعاونياً، أي بمعدل اختصاصي واحد لكل خمس جمعيات، كما كان يوجد مهندس زراعي واحد لكل 95 جمعية في منتصف الستينات. ويشير إلى أن النقص في المحاسبين وأمناء الصناديق كان حاداً أيضاً، مما أدى إلى خسائر ملموسة في عمل الجمعيات. كما يناقش الفصل التناقضات الاجتماعية والقبلية داخل الجمعيات، حيث استطاعت بعض العائلات احتكار الامتيازات واستخدام إمكانيات الجمعية لخدمة مصالحها الشخصية، حتى أن التفتيش الذي جرى في منتصف السبعينات على 134 جمعية في محافظتي الرقة ودير الزور أظهر عدم وجود قيادة تعمل بشكل صحيح.

يستعرض الفصل أيضاً دور المصرف الزراعي التعاوني في تمويل الجمعيات، مشيراً إلى أن مخصصاته للقروض الزراعية ارتفعت من 150 مليون ليرة سورية عام 1967 إلى 200 مليون عام 1975. ويوضح أن القانون رقم 51 الصادر عام 1970 عزز دور المصرف، ومنح التعاونيات امتيازات في الفائدة والخصومات على القروض العينية. ومع ذلك، يرى المؤلف أن المصرف ظل يفضل تمويل القطاع الخاص البرجوازي على حساب الجمعيات التعاونية، مما أدى إلى خروج بعض الفلاحين من الجمعيات. ويشير إلى أن اشتراط المصرف تسديد القروض بمنتجات زراعية معينة، مثل القمح في محافظة اللاذقية، يعكس سعي الدولة لتوجيه الإنتاج الزراعي.

أخيراً، يتناول الفصل قضية تسويق المنتجات الزراعية، حيث يرى المؤلف أنها لا تقل أهمية عن تقديم القروض. فالتسويق الجماعي يساعد الجمعيات على تسديد ديونها للمصرف بشكل منظم، ويشير إلى أن القطاع التعاوني استطاع تغطية 71% من ديونه في عام 1969 مقابل 58% للقطاع الخاص. لكنه يلاحظ أن التسويق الجماعي لم يكتسب طابعاً نهائياً رغم كونه إلزامياً شكلياً، ولم يشمل كل المنتجات، وبقي التجار الخاصون يلعبون دوراً هاماً، مما يعني استمرار استغلال البرجوازية التجارية للمنتجين.

4.الفصل الثالث132–167▼ ملخص

يُعدّ قطاع الدولة في الزراعة السورية، وتحديداً المزارع الحكومية، الموضوع المحوري لهذا الفصل. يرى المؤلف أن هذه المزارع وُلدت كجزء من تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، حيث تحولت الأراضي المصادرة من كبار الملاك، وخاصة تلك التي تعذر توزيعها على الفلاحين لأسباب اقتصادية، إلى ملكية للدولة. ويخلص الفصل إلى أن هذه المزارع، رغم أهميتها النظرية كأداة لتحديث الإنتاج الزراعي وإدخال التخطيط إلى الريف، ظلت تعاني من صعوبات جمة حالت دون تحقيق أهدافها، مما أدى إلى توقف نموها واقتصار دورها على نطاق محدود.

يسير الفصل بمنهجية تحليلية، فيبدأ بذكر المبررات النظرية لإنشاء هذه المزارع استناداً إلى وثائق حزب البعث العربي الاشتراكي. ينتقل بعدها إلى سرد التطبيق العملي، فيوضح أن أول تحويل للأراضي المصادرة إلى ملكية الدولة حدث في غوطة دمشق بموجب المرسوم رقم 1 الصادر في عام 1952، والذي أصبح الأساس القانوني لمعهد الأبحاث الزراعية الحكومية. ثم ينتقل إلى الحديث عن الأراضي البعلية، خاصة في محافظة الحسكة، حيث بلغت مساحة أراضي الدولة فيها 587 ألف هكتار بحلول منتصف عام 1965، لكن بقيت هذه المساحات دون استثمار واضح لسنوات بسبب طبيعتها غير المتجانسة اقتصادياً، وعدم مناسبتها للملكية الفلاحية الصغيرة.

يتناول الفصل بالتفصيل الصعوبات التي واجهتها المزارع الحكومية، ويصنفها إلى عدة مجموعات رئيسية. أولها الصعوبات القانونية والإدارية، حيث أشار إلى أن المرسوم الصادر في عام 1971 لم يراعِ خصوصية العمل الزراعي، مما خلق مشاكل في تقويم الفاعلية الاقتصادية وتمويل الإنتاج وتحديد أجور اليد العاملة. ومن أبرز هذه المشاكل القيود على التعاقد مع العمال، ومنها منع تجديد عقد العامل الموسمي لأكثر من 150 يوماً في السنة، مما أدى إلى نقص مزمن في اليد العاملة وإعاقة تحول العمال الزراعيين إلى بروليتاريا ريفية مستقرة. ثانيها الصعوبات التمويلية، حيث أن اعتماد المزارع على أرباحها الهزيلة وقروض المصرف الزراعي لم يكن كافياً، مما جعل الدولة تمولها من ميزانيتها على حساب مشاريع التنمية، بينما أدى سوء استخدام التمويل في بعض الأحيان إلى "ابتلاع" المخصصات المخصصة لتوسيع القطاع بأكمله.

أما ثالث الصعوبات فكانت التقنية، حيث لم تكن المزارع مزودة بالتكنولوجيا اللازمة في بداياتها، فكانت مزرعة "القامشلي" تستأجر الجرارات والحصادات من القطاع الخاص مما زاد نفقاتها وأخر عملياتها. ورغم تحسن التجهيز لاحقاً في منتصف السبعينات، إذ بلغ عدد الآليات فيها أكثر من 150 جراراً و12 حصادة، إلا أن التوزيع كان غير متساوٍ، فتوجد مزارع فيها جرار واحد لكل 10 هكتارات بينما تعاني أخرى في المالكية من جرار واحد لكل 500 هكتار. وقد أشار المؤلف إلى أن التفاوت في المكننة بين القطاع الحكومي والخاص بقي كبيراً، حيث كان في قطاع الدولة جرار واحد لكل 100 هكتار، بينما كان في القطاع الخاص جرار واحد لكل 50 هكتاراً، أي أن مكننة الخاص كانت أكبر بمرتين.

يوضح الفصل النتائج المترتبة على هذه الصعوبات، أبرزها الخسائر المالية المتكررة وارتفاع كلفة الإنتاج، خاصة عند اللجوء للمتعهدين في القطاع الخاص لجمع المحصول بأسعار مرتفعة كما حدث في 1974 حيث دفعت المزارع 17 ل.س عن كل دونم، أي أكثر بثلاث مرات من الحد المتعارف عليه. كما أشار إلى تدني كثافة استثمار الأراضي، ففي ظل مستوى تكنيكي منخفض كان يُخصص 60% من الأراضي لزراعة الحبوب فقط، مع بقاء مساحات واسعة بوراً، وهو ما حاولت المزارع معالجته بالتحول إلى نظام الاستثمار الثلاثي واستنباط محاصيل ذات مردود عالٍ مثل القمح المكسيكي. ورغم نجاح بعض المزارع مثل "أبو فراس الحمداني" التي قفز دخلها من الفستق من 12 ألفاً إلى 157 ألفاً بين عامي 1972 و1977، إلا أن هذه الحالات كانت استثنائية وسط خسائر أغلب المزارع الأخرى مثل "بني تغلب" و"صايل" التي بلغت خسارتها في سنواتها الأولى 196 ألف ل.س.

كما كشف الفصل عن أزمة حادة في الكوادر البشرية، ففي بداية السبعينات لم يبلغ عدد المهندسين الزراعيين العاملين في قطاع الدولة أكثر من 2% فقط من إجمالي المهندسين في وزارة الزراعة، وقد وُزع هذا العدد الزهيد بشكل غير متناسب، ففي محافظة الحسكة كان النقص فادحاً، حيث قدرت الحاجة بـ91 مهندساً زراعياً و141 مهندس ميكانيك، بينما لم يغطَّ سوى 6% من هذه الحاجة. ونتيجة لذلك، واجهت المزارع في تلك المناطق صعوبات حتى في تأمين العمال الموسميين، الذين يفضلون العمل في أراضيهم الخاصة أو في القطاع الخاص حيث الأجور والحوافز أفضل، مما أدى إلى تأخير أعمال مثل مكافحة أمراض القطن، وفقدان جزء من المحصول في المالكية عام 1966، وعدم قدرة بعض المزارع مثل "السعالو" التي كان عدد عمالها الدائمين خمسة فقط أي ما يعادل 20% من حاجتها.

ينتقل الفصل بعدها لمناقشة "البحث عن أشكال مثلى لإدارة الانتاج"، وهو ما يراه المؤلف ضرورة لأن الملكية الصغيرة غير قادرة على تحديث القطاع الزراعي. تبرز هنا تجربة مراكز تجميع الآليات الزراعية الحكومية، التي أُنشئت في الستينات بهدف خدمة التعاونيات بكسر احتكار القطاع الخاص، لكنها فشلت لأسباب تنظيمية وبيروقراطية وتم إيقاف تمويلها عام 1967. ويوضح المؤلف أن نجاح هذه المراكز مستقبلاً يظل ممكناً، لكنه يرتبط بجمع الأراضي المبعثرة وتوفر الإرادة السياسية، حيث تُعد هذه المراكز أداة للسيطرة على الاقتصاد التعاوني ومنع استغلال أغنياء الريف للفلاحين. في هذا السياق، يبرز دور الاتحاد العام للفلاحين الذي أنشأ محطات مماثلة كانت أكثر قدرة على الاستمرار، حيث خفضت أجور الحصاد في دمشق إلى 6 ل.س للدونم مقابل 10 ل.س للقطاع الخاص، مما أجبر الأخير على تخفيض أجوره بنسبة 60%، لكن قلة عدد هذه المحطات حال دون أن تشكل تهديداً حقيقياً للقطاع الخاص على مستوى البلاد.

يقرّ المؤلف في ختام الفصل بحدود تجربة مزارع الدولة ويطرح أسئلة حول مستقبلها، فيلاحظ أن الحكومة أوقفت نموها العددي بعد فترة، ويرى أن ذلك يعود لإدراك أن حجم المهام الملقاة على عاتقها أكبر من إمكانياتها، وأن استمرارها أو التوسع فيها مرهون بإثبات فاعليتها ونجاحها، وإلا فإن فكرة تدخل الدولة في الاقتصاد الزراعي قد تتعرض للفشل. كما يشير إلى أن هذه المزارع فقدت أهم ميزاتها، وهي إجراء عمليات إنتاجية كبيرة على أراضٍ مجمعة، بسبب تبعثر أراضيها وتقطعها بأراضٍ مملوكة لأفراد أو تعاونيات أخرى، كما في مزرعة في محافظة دمشق التي كانت تتألف من تسع قطع متفرقة بمساحة 150 هكتاراً. ويخلص المؤلف إلى أن حل هذه المعضلات يتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً كبيرة، وأن نجاح هذا الشكل الإنتاجي رهين بقدرته على إثبات تفوقه الاقتصادي والاجتماعي، ليصبح نواة حقيقية لتحديث البنية الإنتاجية للقرية السورية.

5.الفصل الرابع168–254▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل قضية تحديث القاعدة التقنية للعمل الزراعي في سورية، ويقدّم تحليلاً نقدياً لمسيرة المكننة الزراعية، معتبراً أن تصنيع القوى المنتجة في القرية شرط ضروري لتجاوز النقص في المنتجات الزراعية. يوضح المؤلف أن عملية تسريع الإنتاج الزراعي لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على الجانب التكنولوجي فقط، بل يجب أن تقترن بتحولات اجتماعية اقتصادية، محذراً من أن إهمال العامل الاجتماعي قد يؤدي إلى تفاقم التناقضات، خاصة مع وجود فيض سكاني زراعي نسبي وعجز المدن عن استيعاب الأيدي العاملة المُزاحة.

يمر تطور المكننة الزراعية في سورية بمرحلتين رئيسيتين؛ الأولى امتدت حتى نهاية الخطة الخمسية الأولى عام 1960 وتميزت بالإدخال العشوائي غير المبرمج للتقنيات الزراعية، والتي كانت نتيجة لمبادرات فردية من كبار ملاك الأراضي وأغنياء الريف سعياً لزيادة أرباحهم. أما المرحلة الثانية فقد تميزت بتنامي دور الدولة كمنظم للعملية، خاصة من خلال الخطط الخمسية، حيث بدأت الخطة الخمسية الثانية (1961-1965) بتقديم لائحة مهام في مجال الزراعة تشترط إحراز تقدم في المكننة، وركزت الخطة الثالثة على الانتقال لنطاق أوسع في المكننة، لكنها بقيت عامة دون تحديد احتياجات الفروع الزراعية المختلفة.

يعرض الفصل بيانات كمية عن تطور عدد الآلات الزراعية، مشيراً إلى زيادة عدد الحصادات بمعدل 11 مرة، والجرارات والمحاريث المجرورة بمعدل 68 مرة، والبذارات 12 مرة، والمضخات بمئات المرات، مما يدل على ضعف المستوى التكنيكي الذي انطلقت منه العملية. ويشير إلى أن المكننة كانت أكثر وضوحاً في المحافظات الشمالية الشرقية حيث توفرت الظروف الملائمة، ففي بداية الستينات كان يوجد أكثر من 62% من ملاك الجرارات في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، بينما لم يتجاوز عدد الجرارات في محافظة السويداء جراراً واحداً، مما يؤكد التفاوت الكبير في توزيع الآلات.

يحدد المؤلف ثلاث خصائص للمرحلة الأولى من المكننة: اقتصارها على مستوى نوعي لكنة العمل، قلة عدد وسائل الإنتاج الحديثة في بنية القاعدة المادية، والحفاظ على الوسائل القديمة بشكل عام. ويبرز من بين العقبات الجدية التي تعيق التحديث بنية العمل الزراعي واستخدام الأرض، حيث يؤدي انتشار الملكية الفلاحية الصغيرة وبعثرة الأراضي إلى قطع صغيرة إلى إعاقة استخدام الآلات، فعلى سبيل المثال تبلغ مساحة القطعة الواحدة في اللاذقية 0.46 هكتاراً، وهذا يقل عن الحد الأدنى المطلوب للعمل الآلي والذي يتراوح بين 1 و2 هكتارين.

يلقي الفصل الضوء على أن فقر الفلاح السوري يشكل عقبة كبيرة في وجه المكننة، فارتفاع أسعار الآلات الزراعية وكلفة صيانتها تجعل امتلاكها حكراً على أغنياء الريف. كما أن نظام تسويق الجرارات القائم على أسس تجارية بحتة، حيث يُدفع أكثر من نصف القيمة نقداً والباقي على أقساط خلال عامين، يعيق وصولها للفلاحين الصغار والتعاونيات، مما يجعل سياسة التسويق ذات طابع طبقي، وتصب في النهاية لصالح رفع المستوى التكنيكي للاستثمارات الزراعية الخاصة الكبيرة.

يستعرض الفصل أيضاً مسألة إدخال الكيمياء إلى الزراعة السورية كعنصر أساسي في التحديث، فيشير إلى أن استخدام الأسمدة المعدنية بدأ بعد الحرب العالمية الثانية كتجربة أولية من بعض ملاك العقارات الكبيرة، وتوسع نطاقه في الخمسينات خاصة في غوطة دمشق. ويشير إلى أن الصعوبات التي واجهت انتشار الأسمدة المعدنية لا تقتصر على الجانب التقني، بل تشمل أسباباً عامة أبرزها نظام ملكية الأراضي واستخدامها، حيث كان الفلاحون يحرثون أراضي يملكها غيرهم مما جعلهم لا يحرصون على خصوبة الأرض، كما أن استخدام الأسمدة المعدنية دون مراعاة المبادئ الأولية أدى إلى أخطاء وأثر سلباً على انتشارها.

يعرض الفصل أيضاً سياسة الدولة في تنظيم استيراد الأسمدة وتسويقها، حيث كان القطاع الخاص يحتكر الاستيراد ويبيع بأسعار احتكارية مرتفعة، مما دفع الدولة لاحقاً إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية بعد إنشاء الشركة العامة للاستيراد والتصدير، وإلغاء الرسوم الجمركية على الأسمدة في النصف الثاني من الستينات. ومع ذلك، ففي نهاية الستينات وبداية السبعينات ظهر وضع متوتر في سوق الأسمدة نتيجة زيادة الطلب والارتفاع العالمي في الأسعار، وكانت أسوأ أزمة عام 1974-1975 حيث انخفضت الكمية المستوردة من 148 ألف طن في عام 1973 إلى 10 آلاف طن عام 1975.

يتناول الفصل في نهايته موضوع صناعة الجرارات المحلية في سورية، مشيراً إلى إنشاء الشركة السورية الإسبانية «شركة الفرات» في مدينة حلب بناءً على قرار يقضي بإنشاء صناعة تجميع الجرارات محلياً، والتي بدأت بإنتاج الجرار «فوردسون ميجر» كنموذج معروف لدى الفلاح السوري. وعلى الرغم من أن الإنتاج المحلي كان أقل فائدة من الاستيراد، مضت الدولة قدماً في ترسيخ هذا الفرع الصناعي بهدف وضع أساس متين للتصنيع وتقليل الاعتماد على الخارج، لكن طاقة المصنع الإنتاجية لم تعد كافية لتلبية حاجة القرية من حيث العدد والأنواع، مما دفع الحكومة لتوقيع اتفاق عام 1976 لتوسيعه وزيادة إنتاجيته خمس مرات.

يقدم الفصل تحليلاً لمسألة الري بالمضخات كأحد جوانب رفع المستوى التكنيكي، فيشير إلى النمو المتسارع لعدد المضخات بعد الحرب العالمية الثانية، وأدى العدد الهائل منها على نهر العاصي إلى تغيرات في نظام المياه وحرمان الحقول الواقعة في أسفل النهر من حصتها، مما أجبر الدولة على اتخاذ إجراءات لتوزيع المياه بشكل عادل عبر إعطاء أذونات خاصة، لكن عدد الحاصلين على هذه الأذونات أقل بكثير من عدد ملاك المضخات، مما مكّن فئة قليلة من التحكم بتوزيع المياه على الفلاحين واستغلالهم.

يختم الفصل بالتأكيد على أن مكننة الانتاج الزراعي التي تهدف لرفع مستوى الإنتاجية لن تعطي نتائجها المرجوة إذا بقيت إجراءً منفرداً ومعزولاً، فالتوجه نحو المكننة يترافق مع إجراءات أخرى لا تقل أهمية كإدخال الكيمياء إلى الزراعة. وتجدر الإشارة إلى أن الفصل يقرّ بأن محاولات تجاوز النقص في الآليات وإعادة بناء القاعدة التكنولوجية للانتاج في الريف يمكن تحقيقها في المستقبل فقط، مما سيعطي عملية تسريع الإنتاج الزراعي طابعاً ناقصاً غير مكتمل. كما يثير الفصل نقطة قابلة للنقاش عندما يعتبر أن استخدام الآلات الزراعية الحديثة ليس له أهمية جوهرية في ظروف القرية السورية بسبب وجود فائض في الأيدي العاملة، وأن الأولوية تُعطى للنتائج التي تظهر على المستويات المحدودة كالاقتصاد في عناصر الإنتاج، وهو ما قد يتعارض مع دعوات التحديث الشامل التي يطالب بها بعض الباحثين السوريين.