
الأقليات السورية - عبد الله أمين الحلاق وإياد العبد الله
يستقصي كتاب "الأقليات السورية" لعبد الله أمين الحلاق وإياد العبد الله جذور "المسألة الطائفية" في سوريا وتطورها، مركزاً بشكل خاص على موقع العلويين والإسماعيليين فيها. يدافع المؤلفان عن أطروحة مفادها أن الطائفية في سوريا ليست قدراً تاريخياً أو جوهراً ثابتاً في الجماعات، بل هي نتاج تفاعلات سياسية واجتماعية واقتصادية حديثة، لعبت فيها الدولة دوراً محورياً في صناعتها وتوظيفها لضمان بقائها. يبدأ الكتاب بتحليل نقدي لمحاولات بناء "عمومية إسلامية" في مواجهة الحداثة الغربية في أواخر العهد العثماني، مستشهداً بكتاب "البينات" للشيخ عبد القادر المغربي الصادر عام 1909، الذي أرجع ضعف الأمة إلى تمسكها بـ"الاستبداد والتقليد" وما نتج عنه من "تناحر طوائفها". يرى المؤلفان أن هذه الدعوة للوحدة الإسلامية كانت حديثة بامتياز، واستُخدمت لتجاوز الانقسامات المذهبية في وجه الخطر الغربي، لكنها أخفت توتراً تجاه "الأقليات" التي ارتبطت في المخيال الإسلامي بالغزو الحضاري، خصوصاً مع دعم المسيحيين العرب للحداثة.
ينتقل الكتاب إلى دور الغرب في خلق "قضية الأقليات" كأداة للتدخل في المشرق العربي، محرراً إياها من حماية الدولة العثمانية وإلحاقها برعاية خارجية. ويشير إلى مفارقة تاريخية مهمة: أن العلويين، على عكس الدروز والمسيحيين، لم يحظوا بدعم غربي خلال الحقبة العثمانية، مما حرمهم من أن يكونوا فاعلين في صناعة التاريخ الحديث. يورد المؤلفان شهادات تاريخية قاسية عن أوضاع العلويين، منها شهادة يوسف الحكيم الذي وصفهم بأنهم كانوا "مضطهدين في كل العهد العثماني الذي استمر أربعة قرون"، فمنعت عنهم الوظائف الحكومية، وكانوا عرضة للامتهان، ويُمنعون حتى من دخول مساجد المدن السنية. ويذكر الكتاب محاولات إصلاحية محدودة، كتلك التي قام بها الوالي ضياء باشا في اللاذقية بين عامي 1885 و1892، والتي رفعت الظلم عن النصيرية وأنشأت لهم جوامع ومدارس، لكنها انتهت بزوال عهده.
مع دخول الفرنسيين إلى سوريا عام 1918، دخل العلويون مرحلة جديدة، حيث استقبلوا "الدولة العلوية" التي أقامها الفرنسيون عام 1922 بالترحيب، بعد تاريخ من التهميش. هنا يبرز تناقض آخر: فبينما كانت الثورة السورية الكبرى بقيادة الشيخ صالح العلي ضد الفرنسيين جسراً للتواصل مع باقي السوريين ودعم من الحكومة العربية الهاشمية في دمشق، كانت هناك نزعة انفصالية أخرى بين بعض النخب العلوية. يوضح الكتاب أن انتصار تيار الوحدة في أربعينيات القرن الماضي، وضم الساحل السوري إلى الدولة السورية، لم ينهِ المشاكل. فبعد الاستقلال عام 1945، عانى العلويون من إقصاء مقصود، كما توثقه ثلاث مذكرات رفعها وجهاء علويون لمحافظ اللاذقية، متهمين السلطات بإتباع سياسة "تسويد" العلويين وإثارة الفتن الطائفية. ويورد الكتاب اتهاماً صريحاً لأحد النواب، جمال علي صالح، قال فيه لوجهاء علويين: "إننا سنرصد ملايين الليرات لتشريدكم من هذه الجبال".
ينتقل التحليل إلى الصراع على السلطة في سوريا بعد استقلال، ويركز على دور الجيش كقوة فاعلة. يشير الكتاب إلى أن النخب الاقتصادية المدينية (الدمشقية والحلبية) لم ترتاح لصعود حزب البعث الذي كان ملاذاً للفقراء والريفيين، فدعمت خصومه الإسلاميين. وهنا تتشكل إحدى الحجج القابلة للنقاش: يرى المؤلفان أن التفسير الطائفي للصراع، الذي يختزله في مؤامرة علوية للاستيلاء على السلطة، هو تفسير قاصر، ويجب النظر إلى العامل الطبقي وأسسه الاجتماعية. فانقلاب عام 1963، الذي قادته لجنة عسكرية بعثية ضمت ثلاثة ضباط علويين (حافظ الأسد، صلاح جديد، محمد عمران) وضابطين إسماعيليين، كان رد فعل على حكم الانفصال الذي أعاد السلطة للنخب الدمشقية. ومع ذلك، يؤكد الكتاب أن الطائفية "صناعة النخب الحاكمة" التي استخدمتها لتفتيت المجتمع وإظهار أنه لا جامع له إلا عصا السلطة.
يصل الكتاب إلى ذروته بتحليل المواجهة الدامية بين نظام الأسد والإخوان المسلمين في الثمانينيات. يصف المؤلفان كيف أن النظام، بعد صراعه مع الإسلاميين، نجح في إقناع كثير من العلويين بأنه "حاميهم" الوحيد، مستغلاً الاستهداف الطائفي لهم من قبل بعض الجماعات الإسلامية. ومع ذلك، يرفض الكتاب فكرة أن العلويين كتلة واحدة مؤيدة للنظام، مشيراً إلى وجود معارضين علويين زج بهم في السجون. ويورد شهادات صادمة عن التحريض الطائفي من كلا الجانبين، مثل فتاوى لشيوخ جهاديين (كأبي بصير الطرطوسي) تكفر "النصيرية" وتستبيح دماءهم وأموالهم، وصوراً لافتات كتيبة أحرار الشام التي كتب عليها: "لنا الشهادة.. وللعلوي الإبادة". في المقابل، يذكر الكتاب فيديو لضابط في النظام يخاطب شباناً علويين معتبراً حربهم امتداداً لحرب علي بن أبي طالب.
الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها تشمل: مذبحة مدرسة المدفعية عام 1979 التي راح ضحيتها عشرات الطلاب الضباط معظمهم من العلويين، وتدمير مدينة حماة عام 1982 بتقدير ضحايا يزيد عن 20,000. كما يشير الكتاب إلى تقارير تذهب إلى أن خسائر العلويين في الحرب السورية تجاوزت 100,000 شاب، وهو رقم مرعب بالنظر إلى تعدادهم الذي يتراوح بين 2.5 و3.5 مليون نسمة. ويقرّ الكتاب بحدوده: فهو يركز على العلويين والإسماعيليين بشكل خاص، ويعترف بأن المسألة الطائفية معقدة ومتشابكة، ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد. ويترك أسئلة مفتوحة مثل: لماذا فشل الإخوان المسلمون في حشد السنة السوريين خلفهم في الثمانينيات؟ وكيف سيكون مستقبل العلاقة بين العلويين والنظام بعد انتهاء الحرب؟
الحجج القابلة للنقاش في الكتاب تتمثل في تأكيد المؤلفين على أن الطائفية "صناعة حديثة" بالدرجة الأولى، وهو ما قد يقلل من أهمية الأبعاد العقائدية والتاريخية العميقة للخلافات. كما أن تركيزهما على مسؤولية الدولة والنخب الحاكمة في تفكيك المجتمع قد لا يفسر بشكل كامل كيف تمكن الخطاب الطائفي من اختراق القواعد الشعبية بهذه السرعة والقوة. يختتم الكتاب بفصل عن الإسماعيليين في السلمية، مؤكداً أن الجماعات الأهلية ليست كتلاً متجانسة، ويعيد التأكيد على أطروحته المركزية: أن الطائفية ليست قدراً، بل هي مشروع سياسي يحتاج إلى تفكيك وبناء وطن قائم على المواطنة لا على الهويات الجزئية.
التحليل والكلمات المفتاحية
أحداث