العطش للدولة والريبة منها
يطرح الكتاب سؤالاً محورياً حول مفهوم الدولة في العالم العربي والعالم أجمع، ويسعى للإجابة عن سبب التناقض الحاد في تعاملنا مع الدولة: فمن جهة، هناك "عطش" مجتمعي وفكري عميق لدولة حديثة قوية وعادلة، ومن جهة أخرى، تسود "ريبة" مبررة من الدول القائمة التي باتت أداة للقمع أو نهب الثروات. يقدم الكاتب غسان سلامة، وهو أكاديمي وسياسي لبناني بارز، قراءة تاريخية وفلسفية وسياسية لولادة فكرة الدولة الحديثة وتطورها، ثم ينتقل لتحليل المسار المشوّه الذي سلكته هذه الفكرة في المنطقة العربية، ليخلص في النهاية إلى تحديد مواصفات "الدولة-الفكرة" التي يشتهيها الناس، بعيداً عن "الدولة-الأداة" التي يرتابون منها. أما بقية فصول الكتاب، فهي حوارات نقدية مع طرح سلامة، تسعى إلى تعميقه أو الاعتراض عليه من زوايا نظرية وتاريخية مختلفة.
يبدأ الفصل الأول بتأصيل نظري لمفهوم الدولة، معتمداً على الأطروحة الكلاسيكية التي لخصها جوزيف شتراير في العام 1970، والتي ترى أن الدولة فكرة أوروبية نشأت في بدايات الألفية الثانية وتبلورت تدريجياً حتى القرن السادس عشر. ويوضح المؤلف أن الدولة، كما صاغها فلاسفة مثل توماس هوبز، هي كيان متخيّل خارج عن الأفراد، ينشأ لإنقاذهم من "حرب الكل ضد الكل"، ويتجسد في بناء قانوني وإداري يحتكر القوة والضرائب. هذا المفهوم، الذي وسّعه لاحقاً نوربيرت إلياس ليربطه بضبط النفس الاجتماعي وقبول الأفراد بمقايضة حريتهم بالأمان، انتشر عالمياً عبر الاستعمار، ليصبح الشكل القياسي للتنظيم السياسي، حتى صرنا نتصور أن كل علم يرفرف أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك يرمز لدولة سيادية.
يركّز الكاتب على مفهوم "السيادة" الذي وصفه ستيفن كراسنر بـ"الرياء المنظم"، ويحلل مضامينه الثلاثة: الداخلي (احتكار القرار والعنف)، والويستفالي (عدم التدخل في الشؤون الداخلية)، والدولي (الاعتراف المتبادل والمساواة القانونية). ويشير إلى تحول جوهري حدث في القرن العشرين، حيث تضاعف عدد الدول ذات السيادة ست أو سبع مرات في أقل من قرن، بعد انهيار الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية، ثم موجات الاستقلال عن الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وأخيراً بعد سقوط جدار برلين. هذا التوسع حوّل السيادة من أداة لشرعنة السيطرة الغربية على العالم إلى درع يحمي دولاً حديثة الاستقلال من تدخلات المركز، غير أن هذا الدرع أصبح محور جدل عالمي حاد؛ فبينما يتمسك الجنوب بالسيادة المطلقة، يشهد الغرب نفسه موجة صاعدة من "النيو-قومية" والشعبوية والانعزالية، كما تجلى في انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وفوز معسكر "لا" في استفتاءي بريطانيا وإيطاليا، وهي موجة يراها الكاتب متجذرة وستستمر، وفي مشهد رمزي للتغير نجد الرئيس الصيني يدافع عن العولمة في منتدى دافوس بينما يبني الغرب جدراناً ويمنع دخول المهاجرين.
بعد هذا التأصيل العالمي، ينتقل الكاتب إلى صلب الموضوع: ما الذي فعله العرب بمفهوم الدولة السيادية؟ هنا يقدّم تشخيصاً قاسياً، مركزاً على فكرة أن أعظم الخطايا كان "الخلط المبكر بين السيادة والملكية". فمنذ ابن خلدون، الذي رأى الدولة مجرد "امتداد مكاني وزماني لحكم عصبية" زائلة، لم يخرج الفكر العربي عن تصور الدولة ككيان هش مرتبط بمن يملكها. ويستشهد الكاتب بمؤرخين وشعراء عرب، مثل أبو البقاء الرندي ومرثيته الشهيرة للأندلس ("لكل شيء إذا ما تم نقصان")، لإثبات أن البداهة العربية ظلت ترى الدولة قابلة للزوال والانقراض، في مقابل النموذج الأوروبي الذي يفترض استمرار الدولة وتداول السلطة داخلها. ويضيف المؤلف أن هذا الإرث الفكري تعزز بتيارات مستوردة شككت في الدولة من زوايا مختلفة: فالماركسية رأت فيها أداة في يد البورجوازية، وغرامشي نظر إليها كمجرد حامل لهيمنة فئوية، والأنثروبولوجيا الحديثة كما عند بيتر إيفانس اعتبرتها ليست "سلعة معلبة" بل تنتج بأشكال وأحجام متنوعة. هذا التقاطع أدى إلى انشغال النخب العربية بدراسة "الرسالة الخالدة" أو "الطبقة العاملة" أو "السلالات"، بدلاً من دراسة فاعلية الدولة وعلاقتها بالمجتمع، وقاد هذا الإهمال في النهاية إلى نمو "حركية تعتبر الملكية ملكية"، حيث استُخدمت الخصخصة لصالح الأهل والخلان، وتسنّم الحاكم دور "رب العائلة"، ووصل الانحراف ذروته بتوريث الدولة للأبناء.
في خضم هذا التشخيص، يعيد الكاتب تعريف "العطش" الذي يعنيه: إنه ليس عطشاً لدولة الأداة أو دولة السلالة أو النظام، بل عطش لدولة مختلفة تماماً؛ دولة "تمكنت تدريجياً من فرض منطقها على من يتحكم بها"، وليست أداة في يدهم. إنها "الدولة-الفكرة" التي يحمي موظفوها من تسلط الطبقة الحاكمة، والتي تضع حدوداً للعواطف الهائجة، والتي تتمتع مؤسساتها وعلى رأسها القضاء باستقلالية ومناعة عن السياسة، والتي ترفض أن يحملها أحد عبء "رسالة عظمى" سوى أمن الناس ورفاهيتهم. ويقدم الكاتب مقارنة عربية وعالمية للدول، مشيراً إلى تنوع كبير بين الدول العربية نفسها: دول تسعى لأن تكون "تنموية-إنتاجية" مقابل أخرى "ريعية-توزيعية"، ودول ما زالت تحت قبضة عصبية حاكمة وأخرى انفتحت على جماعات أخرى وفق آلية "الالتحام الخلدوني". كما يقارن الموقف العربي المقلق من الحدود والخرائط مع موقف أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مشيراً إلى أن العرب أكثر هوساً بإعادة تقسيم الحدود التي فرضها الاستعمار، كما في الدعوات لإنهاء "سايكس-بيكو" أو إعادة تقسيم اليمن، بينما ارتضى الأفارقة وسكان أمريكا اللاتينية بحدودهم وتركيزهم على طبيعة السلطة التي تديرها بدلاً من الجغرافيا.
يحدد الكاتب أربعة تحديات رئيسية تواجه بناء الدولة العربية الحديثة: أولها، عجز الدول عن نقل الولاءات من البنى القبلية والطائفية والمشاريع القوموية العابرة للحدود إلى مشاعر وطنية جامعة. وثانيها، غياب أو ضحالة "العقد الاجتماعي" المؤسس، الذي يجعل المواطن يلجأ لولاءاته التقليدية بحثاً عن الأمان بدلاً من الدولة. وثالثها، الضغوط الهائلة التي تفرضها "ثورة الاتصالات" على المجتمعات المغلقة والحكومات. أما التحدي الرابع والأخير والأكثر عمقاً فهو الديمقراطية، ويقدم الكاتب هنا نموذج ليبيا كحالة حادة تعكس معضلة شائعة: فبناء ديمقراطية حقيقية شبه مستحيل في غياب دولة مكتملة، لكن بناء هذه الجماعة والدولة يحتاج بدوره لوقت طويل لا يمكن للشعوب أن تنتظره. لذلك، يرى الكاتب أنه لا خيار أمام الليبيين أو العراقيين أو اليمنيين سوى "حرق المراحل" ومحاولة بناء الجماعة الوطنية وجهاز الدولة والديمقراطية في الوقت نفسه، مستذكراً تجربة انهيار العراق بعد العام 2003 كتحذير مرير من انهيار الدولة. في ختام الفصل، يقرّ الكاتب بحدود محاولته، معترفاً بأن ما قدمه هو "اختزال واجتراء" أمام تعقيد الموضوع، لكنه يجدد إيمانه بأهمية إعادة الدولة إلى صلب التحليل الاجتماعي.
الكتاب لا يتوقف عند تحليل سلامة، بل يضم حوارات نقدية تعمق الطرح وتشتبك معه. فالكاتبة رحمة بورقية تنطلق في فصلها من فكرة أن الدولة كيان متعدد النماذج أفرزه تاريخ البشرية، وأن النموذج المهيمن اليوم، وهو الدولة الديمقراطية الليبرالية، لم يكن سوى نتاج سياق حداثي أوروبي محدد، فتعيش البلدان العربية حالة من "العطش للدولة والريبة منها" في آن واحد، حيث تتوق إلى دولة حديثة قادرة على تحقيق الحرية والعدالة، لكنها في الوقت نفسه تريب من نموذج الدولة المستورد الذي لم يستوعب أسسه المعرفية والعقلانية بشكل كامل، وتستخدم مفهوم السيادة بشكل إيديولوجي لحجب الحريات الفردية وقمع المعارضة. وتسير عبر أربعة محاور رئيسية: تأريخ مفهوم الدولة، وأزمة السيادة في عصر العولمة، وبروز أشكال جديدة لمقاومة الدولة في البلدان العربية، ثم تفتح باب النقاش حول مستقبل الدولة في العالم العربي.
تنتقد بورقية الاقتباس السطحي لعناصر النموذج الليبرالي في البلدان العربية، مثل الانتخاب والتنظيم الحزبي، دون إدراك عمق أسسه الفكرية. وتشير إلى أن العولمة أضعفت السيادة عبر الأزمات المالية العابرة للحدود، وتدفق المهاجرين، وتقلبات السوق العالمية، مما جعل الدول النامية تدافع عن سيادتها. وتلفت إلى أن مفهوم السيادة أصبح غامضاً كما يرى برتران بادي، ويوظف بشكل متناقض؛ فبينما تستخدمه الدول الغربية "السيادية" للانغلاق وبناء الأسوار ضد المهاجرين، تستخدمه الدول العربية للتحفظ على الاتفاقيات الدولية وقمع الحريات باسم الخصوصية الثقافية والدينية. وتستعرض أربعة نماذج لمقاومة الدولة: حركات المجتمع المدني، وحركات الفاعلين في الفضاء الرقمي التي تستخدم الشبكات الاجتماعية للتعبير عن الرأي وتنظيم الاحتجاجات، والحركات الشعبوية التي تظهر بشكلها الديني حيث يحتكر الفاعلون فيها تمثيل الشعب باسم الدين والأخلاق، وأخيراً قوة الدين في المجال العام التي اكتسحت الفضاء العام في الدول الإسلامية والعلمانية على حد سواء.
أما مصطفى كامل السيد فيقدّم في فصله مراجعة نقدية لتحليل غسان سلامة، منطلقاً من ملاحظة واقعية مفادها أن الدولة العربية أصبحت هشة وعاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، ليس فقط في توفير الأمن لمواطنيها، بل أيضاً في تحقيق المشاركة السياسية الواسعة ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل قبول المواطنين لسلطاتها يتم عبر القهر والتهديد بدلاً من الطواعية. وبعد عرض التفسير الذي قدمه سلامة لأزمة الدولة العربية، يقدّم المؤلف أربع ملاحظات نقدية أساسية عليه. الأولى تنتقد توصيف سلامة للدولة كفكرة مستقلة عن المجتمع ومرتبطة بعقد مؤسس مع المواطنين، معتبراً أن هذا هو الطرح الليبرالي فقط، فهناك تيار فكري آخر تستند جذوره إلى كتابات هيجل، يعطي الدولة أولوية تعلو المجتمع وينسب لها رسالة أخلاقية تسمو على الصراعات الداخلية، والتي ألهمت حركات فاشية ونازية في أوروبا وكان لها اتباعها في الوطن العربي أيضاً.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بتفسير قوة الدولة أو هشاشتها في الشرق الأوسط بالرجوع إلى التاريخ السابق على الاستعمار، والتمييز بين الدول التي تتمتع باستمرارية تاريخية في حدودها وهوية قوية في الحكم، فدول مثل إيران وتركيا أقل هشاشة من دول مثل لبنان والأردن وليبيا، لأنها تمتلك تقاليد قديمة في الدولة. ويستشهد المؤلف هنا بمثال مصر، حيث يرى أن استقلالية جهاز الدولة النسبية عن المجتمع والمؤسسة الدينية، والتي تجلت في الصراع بين الفرعون والكهنة، تفسر القوة النسبية للدولة المصرية عبر التاريخ. أما الملاحظة الثالثة فتثير تساؤلات حول هذا التفسير القائم على الاستمرارية التاريخية، فتتساءل عن تلك الدول التي كانت مراكزاً لحضارات قديمة وكيانات سياسية واسعة، مثل سوريا التي كانت دمشق عاصمة الخلافة الأموية، والعراق الذي كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، لكنها انتهت إلى دول هشة تقترب من وصف "الدولة الفاشلة"، ويوضح أن عنصر الاستمرارية لم يتحقق لهذه الدول، إذ قسمت في العهد العثماني إلى ولايات متعددة قبل أن يجمعها الاستعمار في كيان واحد.
الملاحظة الرابعة والأخيرة تتعلق بذكر سلامة للأسباب التي شجعت على النظر للدولة كأداة، ومنها المقولات الماركسية التي تصف الدولة كهيئة أركان للطبقة المسيطرة اقتصادياً، فيعترض المؤلف على تبسيط سلامة للموقف الماركسي، مؤكداً أنه أكثر تنوعاً وعمقاً مما ذكره. ويقدم حالتين من كتابات ماركس ذاتها تُظهران استقلالية جهاز الدولة: الأولى هي حالة الدول التي تعتمد على الأنهار في الري، وهو ما سماه ماركس "نمط الإنتاج الآسيوي"، حيث تحتاج المجتمعات إلى سلطة مركزية قوية لضبط النهر وبناء الجسور وشق الترع، مما يؤدي إلى سيطرة هذه السلطة على الأرض وغيب الملكية الخاصة، ويشير إلى أن هذا التحليل وجد صدى لدى كتاب عرب مثل جمال حمدان وأحمد صادق سعد في تفسير سلطة الدولة في مصر والعراق. أما الحالة الثانية فهي حالة الدولة البونابرتية، كما في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، حينما تتنافس الطبقات المالكة فيما بينها، فيتمكن جهاز الدولة من الانتصاب فوق المجتمع كله وفرض سيطرته على جميع الطبقات، ويرى المؤلف أن هذا التحليل الماركسي المتطور، الذي يؤكد على "الاستقلال النسبي" للدولة، يجد صدى واضحاً في المجتمعات العربية المعاصرة، ويختتم بالإشارة إلى تحالفات ثلاثية بين مؤسسات الدولة والرأسمالية المحلية الكبيرة والشركات الأجنبية، التي قادت تجارب تنموية ناجحة في بعض دول الجنوب مثل البرازيل.
يمكن القول إن البحث في هذا الكتاب قابل للنقاش حول عدة نقاط، أبرزها: هل "المسؤولية" هي فعلاً مضمون رابع للسيادة أم مجرد غطاء جديد للتدخل الغربي؟ وهل المطلوب فعلاً "حرق المراحل" لبناء الجماعة والدولة والديمقراطية معاً أم أن هذا حلم غير واقعي يؤدي إلى مزيد من الفوضى؟ وبأي معنى يمكن الحديث عن "دولة-فكرة" محايدة تماماً بعيداً عن أي مشروع أيديولوجي أو رسالة كبرى، كما يدّعي الكاتب؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، لكن الكتاب يقدم إسهاماً فكرياً مهماً بإعادة صياغة السؤال الأساسي من "لماذا فشلت الدولة؟" إلى "ما هي الدولة التي نريد ولماذا فشلنا في بنائها؟"، ويقدّم تحليلاً تاريخياً ونظرياً عميقاً لفهم الإشكاليات التي تحيط بمفهومي الدولة والسيادة في العالم العربي، تاركاً القارئ مع سؤال مفتوح حول إمكانية بناء نموذج عربي للدولة يوفق بين متطلبات الحداثة والخصوصية الثقافية، وما إذا كانت السيادة مفهوماً كافياً لحماية الاستقلال الوطني في زمن العولمة.