
أوروبا والمشرق من البلقنة إلى اللبننة، تاريخ حداثة غير منجزة
هذا الكتاب المهم لجورج قرم هو محاولة جريئة وموسوعية لتفكيك الأصول الفكرية والتاريخية للأزمات المزمنة التي تعصف بمنطقة المشرق العربي والبلقان، رافعاً شعاراً أساسياً: إن ما نعيشه اليوم ليس نتاج "تخلف" أو "همجية" شرقية، بل هو النتيجة المباشرة والمنطقية لتصدير النموذج الأوروبي للدولة القومية الحديثة إلى مجتمعات كانت تقوم على التعددية والهويات المركبة. يدافع المؤلف بحماسة عن أطروحة مركزية مفادها أن انهيار الإمبراطوريتين العثمانية والهابسبورغية، اللتين كانتا وريثتين لنزعتين شموليتين هما التوحيد المسيحي والإسلامي، لم يكن نتيجة طبيعية لتفوق "الدولة القومية"، بل خلف فراغاً سياسياً واجتماعياً معقداً ما زالت تداعياته تتجلى في حروب البلقان والصراعات الطائفية و"لبننة" الصراعات و"بلقنة" المناطق.
تسير حجة الكتاب بتعقيد وإحكام عبر فصوله المترابطة، حيث يبدأ بتشريح "انهيار الإمبراطوريات" بوصفه المفتاح الأساسي للفهم. يرفض قرم النظرة الأوروبية المختزلة التي تعزو الانهيار لتفوق طبيعي للقومية، ويشير إلى أن الاهتمام الأوروبي بما يسمى "المسألة الشرقية" كان أداة أيديولوجية لتبرير التدخلات الاستعمارية، متجاهلة أن أوروبا لم تكن تواجه "رجل مريض" واحد، بل ثلاث إمبراطوريات سلالية أوتوقراطية كتب عليها الزوال مع الحرب العالمية الأولى: إمبراطورية آل رومانوف، وآل هابسبورغ، وآل عثمان. يبين المؤلف أن هذه الانهيارات كانت جزءاً من لعبة توازن قوى أوروبية كبرى، حيث أطالت التحالفات المتقلبة والتدخلات المتكررة، التي كانت تبرر بحماية الأقليات المسيحية، أمد احتضار هذه الإمبراطوريات، لكنها في النهاية زرعت بذور الصراعات المستقبلية. وكانت النتيجة الأهم هي استبدال نظام "التعددية" المعقد، حيث كان بإمكان المرء أن يكون مسلماً وسلافياً في آن واحد، بهوية قومية أحادية البعد قائمة على اللغة والعرق، وهو النموذج الذي ثبت فشله التام عند تطبيقه على مجتمعات متنوعة، مما أدى لاحقاً إلى تحويل التنوع الطبيعي إلى مصدر تهديد وصراع.
يبني الفصل الثاني على هذه الأرضية لتفكيك العلاقة بين مبدأ توازن القوى والمثالية الولسونية، والتي يراها المؤلف نتاجاً للثقافة الأوروبية نفسها وليس بديلاً عنها. يستعرض حنين مفكرين مثل كارل بولانيي وجورج كينان إلى "سلم المئة عام" (1815-1914) وانتقادهم لفرساي ومثالية ويلسون التي وصفها كينان بالساذجة والخطيرة، لكنه يقلب هذا الحنين رأساً على عقب، مشيراً إلى أن هذا السلام الأوروبي العظيم كان مبنياً على تصدير الحرب والاقتلاع إلى خارج القارة عبر الحروب الاستعمارية والمذابح في البلقان والأناضول. ثم يحلل المؤلف النقاط الأربع عشرة مبيناً تناقضاتها الداخلية وجمودها أمام الواقع التركيبي المعقد، فصيغها الفضفاضة عن "القوميات الواضحة المعالم" و"تقرير المصير" اصطدمت بالواقع، حيث كانت المنطقة العربية قد قُسمت بالفعل بموجب اتفاقية سايكس-بيكو (1916) ومعاهدة لندن (1915) قبل مؤتمر باريس (1919). ويفنّد فكرة تطبيق مبدأ القوميات بالاستشهاد بإحصاءات سكانية دقيقة لدول جديدة مثل تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وبولونيا، ومثال مقدونيا بوصفها "عقدة خيوط غير قابلة للحل"، ليصل إلى مفهوم "الأقلية القومية" الذي يراه متناقضاً لاغياً في ذاته، لأنه يحوّل الأفراد إلى أدوات ضغط في أيدي دول خارجية، ويحيي نظام الامتيازات الأجنبية القديم بصيغة حديثة. ويختم الفصل بالمثالين اليوناني والأرمني، مستشهداً بأرنولد توينبي ليبين كيف دمرت "الجرثومة القومية" الغربية التعايش المتسامح في الإمبراطورية العثمانية، محولةً الأحلام القومية إلى مجازر وتبادل سكان دموي، كما حدث في إزمير عام 1922، ومقدماً دليلاً صارخاً على الاستهتار الأوروبي بمصير الشعوب، حيث لم يخصص مؤتمر باريس سوى ثلاثة أسابيع للشؤون اليونانية-التركية من أصل ثمانية أشهر.
يتعمق الكتاب في الفصل الثالث بتحليل كيف أصبحت فرنسا رهاناً في "المسألة الشرقية الجديدة" من خلال دراستين مقارنتين للكيان الصهيوني والمملكة السعودية. يبدأ بتحليل تفصيلي لتقرير لجنة كينغ - كرين (1919)، التي توصلت رغم الضغوط إلى نتائج تنبؤية، حيث طالبت غالبية العرائض التي تسلمتها اللجنة (أكثر من 70% منها) بانتداب أمريكي، وعارضت نسبة كبيرة (أكثر من 70%) الانتداب الفرنسي، وحذّرت من أن البرنامج الصهيوني لا يمكن تطبيقه إلا بالقوة. يكشف المؤلف عن توافق مفهومي عميق بين الحركتين الصهيونية والوهابية، فهو يعتبرهما "قومية يهودية وقومية إسلامية" جديدتين، نشأتا في القرن العشرين كنتاج مباشر للظرف الاستعماري الأوروبي، وكلاهما تقوم على تحويل دين جامد إلى مشروع قومي حديث، فإسرائيل قامت على يد حركة كانت هامشية في أوساط اليهود أنفسهم، بدافع لاهوتي بروتستانتي من اللورد بلفور، والمملكة السعودية قامت على دعوة محمد بن عبد الوهاب التي انطلقت من هوامش الصحراء لتحالف آل سعود. ويقدم المؤلف تحليلاً نقدياً للجذور الفكرية لهذه الأيديولوجيات، من خلال مناقشة آراء الدكتور يال داخل اللجنة الذي رأى في القومية السورية أمراً مصطنعاً وأن التقدم يتطلب دعم الصهيونية، تاركاً الفلسطينيين ضحية "ظلم لأفراد" وليس "ظلماً لأمة"، وهي الرؤية التي يربطها قرم بتحليل حنة آرانت حول الثورات.
مع انتقال الكتاب إلى الفصل الرابع حول "الشرعية السياسية والتحولات الاجتماعية"، يتحول التحليل من الإطار السياسي والقومي إلى الغوص العميق في البنية الاجتماعية والثقافية للمشرق العربي، معتبراً أن أزمة الشرعية التي تعصف بالبلدان العربية هي في جوهرها أزمة اجتماعية. يقر المؤلف بأن هذه الأزمة توارت مؤقتاً خلف صعود القوة المصرية في عهد عبد الناصر، لكنها عادت لتظهر بشكل عنيف، ويحللها بعيداً عن المنظورات الأنثروبولوجية السائدة عن "الإسلام" السياسي. يبدأ برسم صورة المشرق في العشرينات حيث حل التجزئة السياسية محل حلم الملكة العربية الكبرى، وفي قبالة فشل وجهاء المدن السوريين أفلح بدو نجد في إقامة مملكة واسعة جسدت شرعية دينية جديدة. يستعرض المؤلف التجديد الفكري في عصر النهضة، مستشهداً بكتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق (1925) الذي أُحرق في الساحات العامة، وأثار قضية الخلط بين الإسلام الديني والنظام الزمني واعتبره المصدر الأول للاستبداد، واضعاً إياه في سياق جهود الإصلاح التي بذلها شخصيات مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين والكواكبي. يكشف المؤلف عن البنية الاجتماعية المعقدة التي انهارت مع التغلغل الأوروبي، الذي كان تغلغلاً اقتصادياً بالدرجة الأولى، فسدد ضربة قاصمة لاقتصاد الأسواق (البازار) الذي كان يوفر الرزق للحرفيين وصغار التجار، وحول الأرياف إلى زراعة أحادية المنتوج، مما أدى إلى تغير سريع وفظ في العلاقات الاجتماعية دون أن ترافقه التحولات السياسية التي عرفتها أوروبا على مدى حقبة طويلة.
يبني المؤلف في هذا الفصل حجة قوية ضد الرؤى التي تفصل بين مسار النخب المثقفة المسيحية والمسلمة في عصر النهضة، ناقداً بشدة رؤية هشام شرابي في كتابه "المثقفون العرب والغرب" الذي يرسم خطاً فاصلاً بين المسيحيين الناقلين للأفكار الأوروبية والمسلمين حراس الخصوصية، ويعتبر هذا النمط من التحليل تجريداً للكتابات من سياقها الاجتماعي والاقتصادي. يقدم قرم قراءة دلالية مغايرة تماماً، يرى فيها أن المذهب العقلاني الليبرالي الفردي على الطريقة الانكليزية يصبغ فكر العلماء المسلمين، بينما كانت "رومانسية الرحلات إلى الشرق" هي التي روت فكر جبران ونعيمة المسيحيين اللبنانيين، ليخلص إلى أنه إذا قرئت كتاباتهم قراءة استيعابية، يتبدى المسلمون وكأنهم هم "التقدميون" والمسيحيون وكأنهم "الرجعيون"، ويشير إلى أن شخصيات مسيحية مثل جورج سمنه وميشال شيحا حذرت من آثار الصهيونية على العرب المسيحيين. ويبرز المؤلف الدور المركزي للمملكة العربية السعودية في ما يسميه "حرب الشرعيات"، فهي التي طردت الأسرة الهاشمية من الأماكن المقدسة عام 1925، وستلعب بورقة إسلام العودة إلى الأصول لتعارض به الحداثة العلمانية، وكان من البديهي أن تتعاطف وتمول حركات الإخوان المسلمين، فيلاحظ بـ"ذهول" التعتيم في الدراسات الفرنسية الحديثة على الركيزة الاقتصادية الاجتماعية التي تقدمها السعودية للظاهرة الإسلامية.
ينتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى "الثورة الفلسطينية وانفجار لبنان"، محاولاً الإجابة عن السؤال المركزي: لماذا أدت الثورة الفلسطينية إلى تفجير لبنان بدلاً من تفجير دولة إسرائيل؟ يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذا الحدث المأساوي لم يكن نتيجة صراع قومي بحت، بل كان انعكاساً لصراع اجتماعي عميق، وثمرة لتفاعل عوامل داخلية لبنانية وفلسطينية مع لعبة المنافسات الإقليمية والدولية التي ورثها المشرق من أوروبا. يحلل الجذور الاجتماعية للحركة الوطنية الفلسطينية، بدءاً من ثورات الفلاحين في أعوام 1911 و1921 و1935-1939، وكيف كانت النخب التقليدية وعلى رأسها مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني تقود هذه الحركات لكنها كانت توقف العمليات المسلحة عند تلقي تطمينات بريطانية. بعد نكبة 1948، تكدس الفلاحون المطرودون في مخيمات بائسة، ولم تكن الاقتصادات العربية الفقيرة قادرة على دمجهم كما فعلت ألمانيا الغربية أو فرنسا، فاكتفت وكالة "الأونروا" بتأمين معونة غذائية وبعض المدارس. يتناول الفصل "الانفجار الثوري" في المخيمات بعد هزيمة حزيران 1967، حيث برزت طبقات وسطى فلسطينية جديدة قادت الحركة، ويبين أن انفجار المخيمات في لبنان تحديداً وليس في الأردن (الذي قمع الحركة في "أيلول الأسود" عام 1970)، يعود لصغر مساحة لبنان وطبيعته الطائفية الهشة، ولأنه كان "آخر مزقة من النسيج الاجتماعي العثماني".
يحلل الفصل في المقابل المشروع الكتائبي "للمجتمع المسيحي" في لبنان، ويصفه بأنه مشروع "قومية دينية" وُلد من رحم الخوف والرد على عنف التحالف "الفلسطيني-التقدمي"، ويوضح أن الكتائبيين، رغم ادعائهم تمثيل المسيحيين، كانوا أقلية ضئيلة فرضت سيطرتها بالعنف على الأغلبية المسيحية المعارضة، بمساعدة لاحقة من إسرائيل، مستشهداً بجرائمهم مثل مذبحة إهدن عام 1978 ومجزرة الصفراء عام 1980 ومذبحة الكرنتينا و"السبت الأسود" في أيلول 1976، والتي كانت تهدف إلى فك التخالط السكاني وترسيم حدود "الغيتوات" بالدم. يخصص المؤلف قسماً مهماً لتحليل "إحراجات الأيديولوجيا الثورية"، حيث يوضح أن الثورة الفلسطينية اصطدمت بسؤال جوهري: هل هي ثورة عربية بالدرجة الأولى أم فلسطينية؟ ويصل أخيراً إلى تفسير "أسباب الغلو والشطط في الردود العسكرية الإسرائيلية"، حيث يرى أن إسرائيل لم ترَ في منظمة التحرير تهديداً عسكرياً حقيقياً، بل رأت فيها رمزاً لشرعية سياسية واجتماعية جديدة يشكل خطراً على "الشرعية" الإسرائيلية القائمة على "نزعة حصرية دينية وأسطورية"، مما يفسر الغارات على بيروت لقتل ياسر عرفات، وقصف مقر المنظمة في تونس عام 1985، واغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) عام 1988، معتبراً أن استهداف لبنان كان جزءاً من لعبة إسرائيلية أوسع لبلقنة المنطقة.
في الخاتمة، يرفع قرم استنتاجاته إلى مستوى أكثر شمولاً وتجريداً، معتبراً أن انفجار لبنان هو الدليل الصارخ على أن الأنسجة الاجتماعية والثقافية للإمبراطورية العثمانية التي كانت ضاربة الجذور في التاريخ قد زالت من الوجود، فقد تم استئصال التعددية الثقافية والهويات المركبة بسرعة هوجاء بفعل عجلة الحداثة السياسية الأوروبية، من حرب القرم عام 1856، إلى الحروب البلقانية، ومذابح الأرمن واليونان، وقمع الأكراد، وطرد الفلسطينيين، وتهجير الموارنة من الشوف وجنوب لبنان. ينتقد المؤلف بشدة نموذج الدولة القومية الحديثة التي تبتلع الفرد في بيروقراطيتها، ويشير إلى أن المجتمع المدني لا يجد له أثراً في أوروبا نفسها، فدولة القانون التي تفخر بها تقف عند حد القومية ولا تنطبق على المهاجر العادي. وينتقل إلى إشكالية علاقة أوروبا بجوارها المباشر، منتقداً الموقف الأوروبي الذي يتحدث عن الإسلام ككتلة مجردة خارج نطاق أي تحديد جغرافي أو تاريخي، معتبراً أن هذا التجريد هو "تعمية متعددة الوظائف"، ويستشهد بخطاب فرانسوا ميتران ونضال رينيه كاسان، وبالمثال النادر للاتحاد الكونفدرالي السويسري الجامع بين ألمان وفرنسيين وإيطاليين ورومانيين لوثريين وكالفينيين وكاثوليكيين، قائلاً: "ما أكثر الدروس في الديمقراطية المدنية التي يمكن لسويسرا أن تعطيها لأوروبا!". ويطرح تساؤلات حول إمكانية دمج تركيا وحدها في السوق الأوروبية المشتركة دون بقية العالم المسلم المتوسطي، ويؤكد أن التفكير بتفتح أوروبا يعني أولاً وضع حقوق الإنسان موضع التطبيق ومد دولة القانون إلى جميع المقيمين في أوروبا بمن فيهم المهاجرون.
يختم المؤلف بتأكيد صفة الحالة المستعجلة للأوضاع في المشرق العربي، مشبهاً تل أبيب بسراييفو التي قد تشعل حرباً عالمية ثالثة، ويدعو إلى العودة إلى علم السياسة الكلاسيكي المتحرر من أقنعة الاستشراق، ووضع حد للتجريد الإسلامي، وإعادة الاعتبار للشعوب في خصوصيتها البشرية المتعددة الأبعاد، مذكراً بأن وحدة الحضارة الإسلامية تقاسمها حتى عام 1918، ملايين من اليونانيين والأرمن والبلغار والألبان بالإضافة إلى العرب المسيحيين أو اليهود. ويقر المؤلف ضمنياً بحدود تحليله عندما يؤكد أن الهدف ليس الدفاع عن الإمبراطوريات الاستبدادية ولا محاكمة النزعة القومية، بل فهم الآليات التي تحول اختلال توازن القوى إلى كوارث إنسانية جماعية، ويطرح أسئلة مفتوحة حول كيفية ضمان التعايش بين الجماعات المختلفة في المستقبل. كما يلمح إلى فكرة لها جذور استعمارية قديمة، وهي محاربة التوتاليتارية السوفياتية عبر التحريض الإسلاموي، والتي ستتم مناقشتها في فصول لاحقة من الكتاب [يحتاج تحققاً]، ويشير ضمناً إلى أن هذه الحجج القابلة للنقاش تكمن في رؤيته للصهيونية والوهابية كنتاجين متوافقين للظرف الاستعماري، وفي تحميله المثقفين "الثوريين" وصفهم بـ"الحلفاء الموضوعيين" للمشروع الكتائبي، وهي قراءات تضع مسؤولية كبيرة على عاتق القوى الخارجية والتاريخ الأوروبي في تشكيل مآسي المنطقة، وتفتح الباب أمام نقاش عميق حول دور العوامل الداخلية والإرادة المحلية في صناعة التاريخ.
الأشخاص
الفصول(6)
1.في انهيار الامبراطوريات8–49▼ ملخص
في هذا الفصل، يتناول جورج قرم مسألة انهيار الإمبراطوريات المتعددة القوميات، ويركز بشكل خاص على الإمبراطوريتين العثمانية والهابسبورغية، معتبراً أن هذا الانهيار هو المفتاح الأساسي لفهم الأوضاع المضطربة في منطقة الشرق الأوسط والبلقان حتى اليوم. يرفض المؤلف النظرة الأوروبية المختزلة التي تصور هذه الانهيارات كنتيجة طبيعية لتفوق الدولة القومية الحديثة، ويقدم بدلاً من ذلك تحليلاً يرى أن زوال هاتين الإمبراطوريتين، اللتين كانتا وريثتين لنزعتين شموليتين هما التوحيد المسيحي والإسلامي، قد خلف فراغاً سياسياً واجتماعياً معقداً، وأن المشكلات الحالية في هذه المناطق هي نتاج مباشر لهذا التاريخ، وليس مجرد تخلف أو "همجية" كما تروج الثقافة الأوروبية.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه الأطروحة، فيبدأ بتفسير سبب إهمال الثقافة الأوروبية لدراسة هذه الانهيارات بجدية، ويشير إلى أن هذا يعود إلى "النرجسية الثقافية" التي تجعل أوروبا ترى نفسها كقمة التطور السياسي، وتنظر إلى غيرها بعين التفوق والاستعلاء. وينتقل بعدها لمناقشة ما يسمى بـ"المسألة الشرقية"، أي الأدبيات الأوروبية الغزيرة في القرن التاسع عشر عن ضعف الإمبراطورية العثمانية، ويبين أن هذه الأدبيات كانت في حقيقتها أداة أيديولوجية لتبرير التدخلات الاستعمارية، وأنها ركزت على "الرجل المريض" (الإمبراطورية العثمانية) بينما تجاهلت أن انهيارها كان جزءاً من لعبة توازن قوى أوروبية أكبر. ويوضح المؤلف أن أوروبا لم تكن تواجه "رجل مريض" واحد، بل ثلاث إمبراطوريات سلالية أوتوقراطية كتب عليها الزوال مع الحرب العالمية الأولى: إمبراطورية آل رومانوف، وآل هابسبورغ، وآل عثمان، وأن العوامل التي أدت لانهيارها كانت متشابكة ومعقدة.
يستعرض الفصل بعد ذلك "لعبة التوازن الأوروبي" كعامل حاسم في إطالة أمد احتضار هذه الإمبراطوريات، ويضرب أمثلة تاريخية متعددة على ذلك، مثل التحالفات المتقلبة بين القوى الكبرى، وتدخلاتها المتكررة في شؤون البلقان والمنطقة العربية. ويشير إلى أحداث مفصلية مثل حرب القرم (1853-1856)، ومعاهدة باريس (1856)، ومعاهدة برلين (1878)، وصولاً إلى اغتيال الأرشيدوق في سراييفو عام 1914 الذي أشعل شرارة الحرب العالمية الأولى. ويؤكد المؤلف أن التدخلات الأوروبية، التي كانت تبرر بحماية الأقليات المسيحية في الأقاليم العثمانية، لم تكن سوى غطاء لمصالح استراتيجية واقتصادية، وأن هذه السياسات هي التي خلقت الكثير من المشكلات التي يعاني منها الشرق الأوسط والبلقان راهناً.
أما القسم المتبقي من الفصل فيتناول قضية الهوية القومية التي سعت أوروبا لتصديرها، ويبين المؤلف أن هذه الهوية الأحادية البعد، القائمة على اللغة والعرق، حلت محل نظام "التعددية" المعقد الذي كان سائداً في الإمبراطوريات الكبرى، حيث كان بإمكان المرء أن يكون مسلماً وسلافياً في آن واحد، أو أن يجمع في هويته بين عدة عناصر دينية ولغوية دون تناقض. ويقدم أمثلة على هذا التعايش، مثل المدن الكوزموبوليتية كإسطنبول وسالونيكي وفيينا، ويشير إلى أن هذا التنوع كان مصدر غنى وليس ضعفاً. ويختم الفصل بالتحذير من أن فرض نموذج الدولة القومية على مجتمعات متنوعة هو ما أدى إلى "لبننة" الصراعات و"بلقنة" المناطق، وأن الحلول المستقبلية يجب أن تبحث في أشكال تنظيمية جديدة لا تحاكي النموذج الأوروبي حرفياً.
يقر المؤلف ضمنياً بحدود تحليله عندما يذكر أن الهدف ليس الدفاع عن الإمبراطوريات الاستبدادية، ولا محاكمة النزعة القومية، بل فهم الآليات التي تحول اختلال توازن القوى إلى كوارث إنسانية جماعية. ويطرح أسئلة مفتوحة حول كيفية ضمان التعايش بين الجماعات المختلفة في المستقبل، مشيراً إلى أن التجربة الأوروبية في الديمقراطية الليبرالية لم تكن بالضرورة نموذجاً قابلاً للتصدير، لأنها أنتجت أيضاً التهميش والاستبعاد داخل أوروبا نفسها. كما يلمح إلى أن محاربة التوتاليتارية السوفياتية عبر التحريض الإسلاموي هي فكرة لها جذور استعمارية قديمة ستتم مناقشتها في فصول لاحقة من الكتاب.
2.الحرب العالمية الأولى ونتائجها في المشرق العربي50–98▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول مسؤولية الرؤى الأوروبية للتاريخ والسياسة في إشعال الحروب وزرع بذور العنف، وذلك من خلال تفكيك العلاقة بين مبدأ توازن القوى الأوروبي الذي هيمن على القرن التاسع عشر، والمثالية الولسونية التي سعت لاستبداله بعد الحرب العالمية الأولى. يرى المؤلف أن كلا الموقفين، رغم تناقضهما الظاهري، يشتركان في نظرة أوروبية مركزية تتجاهل تعقيدات الهويات المحلية في البلقان والشرق الأوسط، وتتعامل مع شعوبها كأدوات في لعبة المصالح الكبرى. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الكارثة لم تكن مجرد نتيجة لسوء نية أو فشل سياسي، بل هي نتاج منطق ثقافي أوروبي متجذر، يصدّر الحرب والاقتلاع خارج حدوده ليحافظ على سلامه الداخلي، ويخفق في فهم طبيعة المجتمعات المركبة التي يتعامل معها.
يبدأ المؤلف بتأسيس حجته عبر مناقشة مفهوم "سلم المئة عام" (1815-1914)، مستشهداً بمفكرين مثل كارل بولانيي وجورج كينان وجاك بيرين الذين مجّدوا هذا العصر كفترة استقرار نادر في التاريخ الأوروبي، وانتقدوا ويلسون ومعاهدة فرساي لتدميرهم هذا التوازن الهش. يورد المؤلف مقولة كينان التي يصف فيها مثالية ويلسون بالساذجة والخطيرة، ويعتبر أن عصبة الأمم لم تكن بديلاً عملياً عن نظام توازن القوى لأنها افتقرت إلى القوة المستقلة التي تضمن توازناً حقيقياً، مستشهداً بمواد الميثاق التي بقيت حبراً على ورق. لكن المؤلف يقلب هذا الحنين رأساً على عقب، مشيراً إلى أن هذا "السلام" الأوروبي العظيم كان مبنيّاً على تصدير الحرب إلى خارج القارة، عبر الحروب الاستعمارية والمذابح في البلقان والأناضول، وهو ما أسقطه المفكرون السابقون من حساباتهم عندما وصفوا تلك الصراعات بأنها "محلية" أو ذات طابع "كولونيالي" هامشي.
ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل المثالية الولسونية، ليس كبديل راديكالي عن التوازن الأوروبي، بل كنتاج للثقافة الأوروبية نفسها، فهو يستلهم فلسفة كانط والثورات الغربية. يستعرض المؤلف النقاط الأربع عشرة بالتفصيل، مبيناً تناقضاتها الداخلية: فبينما تدعو للنوايا العلنية وعدم ضم الأراضي، فإن صيغها الفضفاضة عن "القوميات الواضحة المعالم" و"تقرير المصير" تركت الباب واسعاً للتفسيرات المختلفة، كما يتجلى في مبدأ "الانتداب" الذي ولدته النقطة الخامسة. ويلاحظ المؤلف بسخرية أن ويلسون ندد بالمعاهدات السرية، في حين أن المنطقة العربية كانت قد قُسمت فعلياً بموجب اتفاقية سايكس-بيكو (1916) ومعاهدة لندن (1915)، مما جعل مؤتمر باريس (1919) أشبه بمسرح لتصفية الحسابات بين كليمنصو ولويد جورج وويلسون، حيث اصطدمت المبادئ الأخلاقية بالمطامع الاستعمارية، واحتل الحلفاء أراضي العثمانيين السابقة دون أي خطة واضحة، مكتفين بتجنيد "زبائن" محليين من المغامرين.
يخصّص المؤلف قسماً كبيراً لتفنيد فكرة أن مبدأ القوميات الأوروبي يمكن تطبيقه على الواقع التركيبي المعقد في البلقان وشرق البحر الأبيض المتوسط. يعرض إحصاءات سكانية دقيقة للدول الجديدة المنشأة بعد الحرب، مثل تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وبولونيا ورومانيا، لإظهار استحالة تحقيق تجانس قومي فيها، إذ كانت تضم أعداداً كبيرة من الألمان والمجر والأوكرانيين واليهود. ويستخدم مثال مقدونيا، بوصفها "عقدة خيوط غير قابلة للحل" كما وصفها مؤرخ، لتوضيح التمازج السكاني الفائق التعقيد الذي يجعل أي تقسيم عرقي مستحيلاً. من هنا ينشأ مفهوم "الأقلية القومية"، والذي يراه المؤلف مفهوماً متناقضاً لاغياً في ذاته، لأنه يحوّل التنوع الطبيعي إلى مصدر تهديد، ويجعل من الأفراد "أقليات" بانتظار "الحماية" من دول خارجية تستخدمهم كأوراق ضغط، وهو ما يحيي نظام الامتيازات الأجنبية القديم ويضعه في صيغة حديثة.
يتعمق المؤلف في تحليل كيفية نسج الدول الأوروبية لشبكة "زبائن" عبر الحماية الدينية والقنصلية، حيث تنصّبت روسيا حاميةً للأرثوذكس، وفرنسا للكاثوليك والموارنة، وانكلترا للطوائف الهامشية كالدروز والأقباط، واضعةً بذلك أسس الانقسام الطائفي في المنطقة. ويضيف دور الإرساليات الدينية والتعليمية، وخاصة الأميركية منها مثل الكلية السورية الإنجيلية في بيروت، التي قدمت تعليماً حديثاً جذاباً خارج حسابات القوة الاستعمارية التقليدية، مما أعطى للمبادئ الولسونية مصداقية ودوياً هائلاً في المشرق العربي. هذا كله خلق بيئة من الولاءات المتنافرة داخل الأسرة الواحدة، فأصبح الجار يُحاكم على أساس هويته القومية أو الدينية أو انتمائه السياسي الأوروبي، وهو ما يفسر ازدياد العنف وعمليات التهجير في تلك المناطق.
يختتم المؤلف تحليله بالتركيز على الحالة اليونانية والأرمنية كمثالين صارخين على الآلية الفتاكة لتصدير القومية. يستشهد بأرنولد توينبي ليبين كيف أن "الجرثومة القومية" الغربية، التي انتقلت إلى اليونانيين ثم الأتراك، دمرت التعايش المتسامح الذي كانت تعرفه الإمبراطورية العثمانية، وتحولت الأحلام القومية إلى مجازر وتبادل سكان دموي، كما حدث في إزمير عام 1922. يبرز المؤلف أن تدخلات القوى العظمى، التي قادتها المصالح التجارية والاستراتيجية لا المبادئ، كانت بعيدة كل البعد عن إيجاد حلول عادلة، واستشهد بتوينبي الذي لاحظ أن مؤتمر السلام في باريس لم يخصص سوى ثلاثة أسابيع للشؤون اليونانية-التركية من أصل ثمانية أشهر، وهو ما يدل على استهتار أوروبي مطلق بمصير هذه الشعوب، وتركها عرضة لخفة القوات العسكرية الفرنسية والإنكليزية التي شجعت الأرمن على التمرد ثم تخلت عنهم، كما حدث في كيليكيا.
أخيراً، يقر المؤلف في خاتمة الفصل بأن القصد ليس محاكمة جيل الساسة الأوروبيين بذاتهم، بل فهم الجذور الثقافية والفكرية العميقة للفواجع التي حلت بمنطقة البلقان والشرق الأوسط. ويلاحظ أن استحضار التاريخ الأوروبي نفسه، وليس فقط استشراقه، يكشف عن تناقض مأساوي: فبينما كانت أوروبا تصدّر أحدث أيديولوجيات الحرية وتقرير المصير، كانت تمارس أقسى أشكال الاغتراب والاقتلاع خارج حدودها. ويشير ضمناً إلى أن هذه "الأقلية" المتحول إلى "قنبلة موقوتة"، هو تراث ما زالت آثاره ملموسة في صراعات المنطقة المعاصرة، وهو نقد مخصص لأولئك الذين يلومون المبادئ الولسونية على فشلها وحدها، متجاهلين كيف أن البدائل الأوروبية الأخرى كانت أكثر دموية وافتقاداً للرؤية.
3.فرنسا الرهان في المسألة الشرقية الجديدة: الكيان الصهيوني والمملكة السعودية99–163▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول الكيفية التي أصبحت بها فرنسا رهاناً في «المسألة الشرقية الجديدة» بعد الحرب العالمية الأولى، متخذةً من الكيان الصهيوني والمملكة السعودية مثالين أساسيين لفهم تحولات المشرق. يقدم المؤلف جورج قرم إجابة تفيد بأن هذه الكيانات الحديثة لم تنبثق من أعماق التاريخ، بل هي نتاج مباشر لفراغ القوة الذي خلقه انهيار الإمبراطورية العثمانية، وللمزاحمة الاستعمارية بين القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا، مع التركيز على الدور الذي لعبته الأيديولوجيات القومية الأوروبية في إعادة تشكيل المنطقة.
يبدأ الفصل بتحليل تفصيلي لتقرير لجنة كينغ - كرين، التي أرسلها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام 1919 لاستطلاع أماني السكان في الشرق. يبرز الكاتب كيف أن اللجنة، رغم محاولات فرنسا وبريطانيا إثنائها عن مهمتها، توصّلت إلى نتائج تنبؤية دقيقة. كانت التوصيات الرئيسية تدعم وحدة سورية، وترى أن لبنان يجب أن يبقى داخلها، وتشير إلى أن غالبية العرائض التي تسلمتها اللجنة (أكثر من 70% منها) طالبت بانتداب أمريكي، في حين عارضت نسبة كبيرة (أكثر من 70%) الانتداب الفرنسي. كما حذّرت اللجنة من خطورة البرنامج الصهيوني، معتبرةً أنه لا يمكن تطبيقه إلا بالقوة، ونادت بتعديله بشكل جذري وحماية الحقوق الفلسطينية.
يُجري المؤلف مقارنة لافتة بين بروز الحركة الصهيونية والحركة الوهابية، معتبراً أنهما «قومية يهودية وقومية إسلامية» جديدتان. يوضح أن الدولتين إسرائيل والمملكة العربية السعودية كيانان حديثان نشآ في القرن العشرين، ولم يكن لهما وجود سياسي محدد سابقاً. فإسرائيل قامت على أساس الحركة الصهيونية التي كانت حركة هامشية في أوساط اليهود أنفسهم، ولم تحظَ بالتأييد إلا في وقت متأخر، وبشكل خاص من قبل اللورد بلفور بدافع لاهوتي بروتستانتي. وبالمثل، فإن المملكة السعودية قامت على أساس دعوة محمد بن عبد الوهاب، التي انطلقت من هوامش الصحراء لتحالِف آل سعود وتؤسس كياناً جديداً. يركز المؤلف على أن تسمية المملكة بـ «العربية» دون «الإسلامية» كانت خطوة سياسية ذكية في زمن صحوة القومية العربية، تماماً كما أن وصف إسرائيل بأنها دولة يهودية كان نتاجاً للأيديولوجيا القومية الأوروبية.
يقدم الفصل أيضاً تحليلاً نقدياً عميقاً للجذور الفكرية للأيديولوجيات القومية. يستعرض المؤلف آراءً مخالفة داخل لجنة كينغ - كرين نفسها، ممثلة بالدكتور يال الذي رأى في النزعة القومية السورية أمراً مصطنعاً، معتبراً أن التقدم الحضاري يتطلب دعم المشروع الصهيوني، تاركاً بذلك الأفراد الفلسطينيين ضحية لما اعتبره «ظلماً لأفراد» وليس «ظلماً لأمة». يناقش قرم هذه الرؤية باعتبارها جوهر التناقضات الأوروبية، حيث يعلو مفهوم «تحرير الشعب» على حقوق الفرد، وهي الفكرة التي يربطها بتحليل حنة آرانت حول الثورات. ويرى أن هذا المنطق هو نفسه الذي أدى لتجاهل الفكر الأوروبي للعلاقة الجوهرية بين نشوء الأمة وآليات السلطة التي تصنعها وتستبعد الآخرين.
بعد ذلك، ينتقل الكاتب لتشريح البنية الاجتماعية لليهود الأوروبيين التي نشأت منها الصهيونية، مفرقاً بين ثلاث فئات: أثرياء يهود البلاط المنادين بالاندماج، والبرجوازية الوسطى التي هزتها قضية دريفوس، وجماهير الغيتوات المتدينة التي رأت في الصهيونية كفراً. يؤكد المؤلف أن الحركة الصهيونية لم تكن تمثل أيّاً من هذه الفئات، وأن المؤيدين الأوائل لها كانوا ساسةً بروتستانتيين مثل بلفور، الذين رأوا في عودة اليهود إلى فلسطين بشارة دينية تخدم المصالح الاستعمارية البريطانية، ويستشهد بنص رسالة بلفور إلى اللورد روتشيلد عام 1917 لبيان غموضها المتعمد حول مفهوم «الوطن القومي».
يخلص الكاتب في هذا القسم إلى أن الصهيونية والوهابية تشتركان في كونهما نتاجاً للظرف الاستعماري الأوروبي، وأنهما تقومان على أيديولوجيات دينية محولة إلى مشاريع قومية حديثة. فالصهيونية حوّلت دين اليهود إلى قومية جامدة، والوهابية حوّلت الإسلام إلى أيديولوجيا سلطة. ويرى قرم أن هذا «التوافق المفهومي» بين الحركتين هو ما يفسر استمرار التوترات في الشرق الأوسط، لأنها ليست مجرد صراع على أرض، بل هي صراع على تحديد الهوية والشرعية السياسية ضمن إطار مفاهيم الحداثة الأوروبية التي فرضت نفسها على المنطقة. ويشير في هذا السياق إلى احتلال إسرائيل لجنوب لبنان بين 1978 و1985، وإلى استمرار وجودها في شريط حدودي، كمثال على تفاعل هذه الأيديولوجيات مع الواقع.
يُنهي المؤلف الفصل بإضاءة تاريخية عن الدعم البروتستانتي للصهيونية، رابطاً إياه بفكرة «الأمة المقدسة» و«الشعب المختار» كما وردت في العهد القديم، وشدد على تأثير هذه الأفكار في تشكيل الفكر السياسي الأوروبي الحديث، بدءاً من هوبز وصولاً إلى المؤرخين الفرنسيين مثل ميشليه. هذا التحليل يقدم سردية بديلة لتفسير الصراع، مبنية على نقد النموذج الوطني الأوروبي ذاته، وإظهار كيف أن تصديره إلى الشرق كان مقدمة لصراعات ومآسٍ لا تزال مستمرة. وبذلك، يحاول قرم إعادة قراءة التاريخ الحديث للمشرق بعيداً عن النظرة الاستعمارية التي تتعامل مع المنطقة كمسرح لأيديولوجيات «العالم المتحضر»، معتبراً أن الفهم الحقيقي يتطلب تفكيك هذه الأفكار وجذورها الأوروبية.
4.الشرعية السياسية والتحولات الاجتماعية في المشرق العربي المعاصر164–238▼ ملخص
يطرح هذا الفصل أزمة الشرعية السياسية التي تعصف بالبلدان العربية منذ بزوغ السلطة الوهابية في شبه الجزيرة العربية وتكريسها إقليمياً ودولياً، والتي بلغت ذروتها في انفجار لبنان المأساوي. يرى المؤلف أن هذه الأزمة، التي توارت مؤقتاً خلف صعود القوة المصرية في عهد عبد الناصر وانتشار القومية العربية، عادت لتظهر على عدة أصعدة، ويحلل هنا عواملها الاجتماعية بشكل أساسي، مبتعداً عن المنظورات الأنثروبولوجية السائدة عن "الإسلام" السياسي أو المنظورات الماركسية معادية الامبريالية.
يبدأ الفصل برسم صورة المشرق العربي في العشرينات من القرن العشرين، حيث حل التجزئة السياسية محل الحلم بالملكة العربية الكبرى، فظهرت أربع ممالك وجمهوريتان تحت الوصاية الفرنسية أو الانكليزية، باستثناء المملكة العربية السعودية. وقد تُوّج فيصل ملكاً على العراق وعبد الله على شرق الأردن تعويضاً للشريف حسين الذي توفي في عمان. أما سورية ولبنان فقد أصبحتا جمهوريتين تحت الرقابة الفرنسية، التي اعتمدت اللعبة الطائفية بقسمها سورية إلى دول درزية وعلوية. وفي مقابل فشل وجهاء المدن السوريين في مشروعهم القومي، أفلح بدو نجد في إقامة مملكة واسعة جسدت هوية عربية وشرعية دينية جديدة تقوم على مفهوم العودة إلى الأصول.
يستعرض المؤلف بعدها طبيعة الحضارة الإسلامية الكلاسيكية التي حافظت الدولة العثمانية على تقاليدها في التعددية الاجتماعية، مستشهداً بشكل مطول بمؤرخ فرنسا كلود كاهن الذي يؤكد أن التعصب لم يكن سمة inside المجتمعات الإسلامية، وأن غير المسلمين عاشوا في وضع "لا غبار عليه"، مع وجود تمييزات لكن دون اضطهاد أو قطيعة. هذا الوصف، بحسب المؤلف، يتيح فهم طبيعة الأنسجة الاجتماعية الحضرية في مصر وسورية ولبنان وفلسطين التي تسارع تفككها في القرن العشرين، ويلقي ضوءاً جديداً على مشكلة "الأقليات"، خصوصاً نصارى الشرق.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن التجديد الفكري في عصر النهضة، حيث تعرض مصر كنقطة استدلال سياسي واجتماعي في مواجهة التجزئة، رغم مشكلة الهيمنة الثقيلة للاستعمار الانكليزي. وفي هذا السياق، يتناول المؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق الذي صدر عام 1925 رداً على ادعاء الملك فؤاد الأول الخلافة، وأُحرق في الساحات العامة بحض من الملك. يبين المؤلف أن الكتاب يندرج في خط مستقيم من تراث التجديد الفكري، ويحمل شحنة تفجيرية ضد كل حاكم يواجه أزمة شرعية يتمسك بأذيال الشرعية الدينية التقليدية، إذ يثبت أن الإسلام دين روحي لا علاقة له بالخلط بينه وبين النظام الزمني، وهو الخلط الذي يعتبره المصدر الأول للاستبداد. ويضع المؤلف الكتاب في سياق جهود الإصلاح الإسلامي التي بذلت خلال القرن التاسع عشر، مستعرضاً شخصيات مثل عبد الرحمن الكواكبي الذي نقد الاستبداد العثماني، ورفاعة الطهطاوي الذي تغنى بفضائل "الوطنية" و"المواطنة" و"الحكومة التمثيلية" بعد بعثته إلى باريس، ومحمد عبده شيخ الأزهر الذي سمح بالقرض بفائدة والتأمين كمظاهر للرأسمالية الحديثة، وقاسم أمين الذي كتب عن تحرر المرأة، وأحمد أمين الذي أعاد كتابة تاريخ الدين الإسلامي متعاطفاً مع حركة المعتزلة.
يؤكد المؤلف أن هذا الإصلاح يختلف جذرياً عما يسمى اليوم خطأً بـ"الإسلامية" أو "الإسلام الجذري" أو "النضالي"، وهو إسلام جامد يخلق حاجزاً بين الشرق والغرب. ويشير إلى أنه في قبالة تلك الأرستقراطية الثقافية من العلماء، ظهر في مصر في نهاية العشرينات حسن البنا "المرشد الأعلى" الذي نظم كتائب "الإخوان" المسلمين على منوال الوهابيين، مجنداً جمهوره من الشرائح الاجتماعية المهمشة بسبب التفكك الاقتصادي والاجتماعي.
يتناول الفصل بعدها صدمة التغلغل الأوروبي، معتبراً أنه كان تغلغلاً اقتصادياً في المقام الأول قبل أن يتحول إلى هيمنة سياسية. يوضح المؤلف أن هذا التغلغل سدد ضربة قاصمة لاقتصاد الأسواق (البازار) الذي كان يوفر الرزق للحرفيين وصغار التجار، وحول الأرياف إلى زراعة أحادية المنتوج، كما حدث في مصر مع زراعة القطن، وفي لبنان حيث انهارت صناعة الحرير لصالح الصناعات الليونية. ويشرح المؤلف الطبيعة المعقدة للتسلسل الهرمي الاجتماعي في النظام العثماني الذي يقوم على "الاقتصاد الخراجي"، حيث يتولى الوجهاء المحليون جباية الخراج نيابة عن السلطان، وهو النظام الذي انهار عندما "تأوربت" بنى الإمبراطورية العثمانية أو "تحدثت"، مما أدى إلى تغير سريع وفظ في العلاقات الاجتماعية دون أن ترافقه التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها أوروبا على مدى حقبة طويلة.
يشير المؤلف إلى أن الرواية العربية التي ازدهرت في مصر وسورية ولبنان تقدم معلومات عن هذه التحولات أكثر مما تقدمه الأبحاث العلمية حول علم الكلام أو الخطاب الأيديولوجي، مستشهداً بروايات مثل "مدن الملح" لعبد الرحمن منيف التي تصف الزلزال الاجتماعي والثقافي الذي مثلته المدن النفطية الجديدة على بدو الصحراء، وروايات أخرى تصف عذابات المثقفين العرب الممزقين بين التقليد والحداثة. ويرى المؤلف أن أيديولوجيي "الإسلام الجذري" الذين لا يرون سوى لعبة المداخلات الخارجية، يعتقدون أن المشاعر الشعبية الحقيقية ستعبّر عن النفس الاجتماعية الشاملة، لكنه يؤكد أن قانون إيمانهم مجرد تكرار تحت غلاف إسلامي للنظريات الماركسية التبسيطية.
يقدم المؤلف مقارنات مع حالات أخرى، مثل اليابان التي نجحت في التحديث لأنها جزيرة بعيدة عن التصورات الأوروبية للحداثة، رغم أنها عاشت حرباً أهلية بين مختلف الأجنحة، ومثل روسيا القيصرية بين أنصار النزعة السلافية والغربية، والبرازيل مع حركة الفلاحين بقيادة كاهن صاحب رؤية في "حرب نهاية العالم". هذه التوغلات في علم الاجتماع السياسي لمناطق أخرى تتيح، بحسب المؤلف، فهم حقيقة الحرب الأهلية والثقافية العربية العربية التي تستعر اليوم.
ينتقل الفصل إلى تحليل النخب المثقفة العربية التي تصدت لمهمة الإصلاح الإسلامي والنهضة العربية، والتي تميل الذاكرات اليوم إلى نسيان وطنيتها وليبراليتها. يصف المؤلف العلماء بأنهم العنصر المركزي في النخبة العربية، الذين اضطلعوا منذ قرون بدور حماة المجتمع المدني في مواجهة الاستبداد، لأنهم يحوزون السلطة القضائية والفقهية، ولأنهم الوحيدون القادرون على أن يكونوا مصدراً مستقلاً للرزق من الأوقاف. ويشير إلى أن جامعة الأزهر والمحاكم الشرعية وإدارات الأوقاف والصحافة كانت من مرتكزاتهم، ومن حولهم كانت تلتحم النخبة المدنية ذات الأصول المتنافرة التي تتحدر من الأسر الوجيهة القديمة أو الأسر التي عرفت كيف تستفيد من تداول حلقات النخبة الجديدة، وكان في عدادها العديد من النصارى اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين.
يتناول الفصل دور المسيحيين العرب في هذه النهضة، مشيراً إلى أن هجرتهم كانت نتيجة أزمة اجتماعية ناجمة عن أفول الصناعة اليدوية واقتصاد الأسواق، وسياسية ناجمة عن التنافس الأوروبي الذي حول الطوائف إلى "زبائن"، ومذبحة النصارى في دمشق سنة 1860. ويستعرض المؤلف شخصيات مهمة من هذا الجيل، مثل أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي، وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة العملاقين في النهضة اللغوية والفلسفية، وأمين الريحاني الذي رحل في العشرينات على ظهر جمل في صحراء شبه الجزيرة العربية يعظ الأمراء بضرورة الاتحاد، وترك أثراً أدبياً بعنوان "ملوك العرب". كما يذكر جرجي زيدان الذي هاجر إلى مصر وأسس دار الهلال ومجلة الهلال، وألبرت حوراني أستاذ جامعة أوكسفورد الذي أعطانا باللغة الانكليزية عام 1953 كتابه عن "الفكر العربي في عصر النهضة".
ينتقد المؤلف بشدة رؤية هشام شرابي في كتابه "المثقفون العرب والغرب" الذي يعمد إلى رسم خط فاصل داخل صفوف المثقفين بين المسيحيين والمسلمين، مصوراً الأوائل كأنهم مجرد نقلة للأفكار الأوروبية و"لا جذور عميقة" لهم، بينما يجعل من الثانين حراس خصوصية الثقافة الإسلامية. يرى المؤلف أن هذا النمط من التحليل يجرد الكتابات من سياقها الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي، ذلك أن كتابات المفكرين العرب "المسيحيين" في عصر النهضة كانت في العديد من مظاهرها أقل "تأورباً" من كتابات الكثيرين من المسلمين، فنتاج جبران ونعيمة بأسره كان صرخة ضد المادية الحضارة الأوروبية ودفاعاً عن الشرق الصوفي. ويشير إلى أن المتقدمين على جبران من اللبنانيين المسيحيين، من أمثال البستاني واليازجي والشدياق، كانوا متحزبين للشرعية وموالين للدولة العثمانية، ومؤمنين بفضائل الوطن بالمعنى العربي الأصيل أي الأرض التي يولد فيها الإنسان، داعين إلى النهضة على أساس اللامركزية الديموقراطية ضمن الولاء للباب العالي. ويذكر أن فارس الشدياق اعتنق الإسلام احتجاجاً على عدم تسامح البطريرك الماروني الذي زج بأخيه في السجن فمات، وعمل باسم أحمد فارس الشدياق لتعزيز البنى السياسية للامبراطورية العثمانية، وهو الهدف الذي عمل له أيضاً سليم البستاني وجمال الدين الأفغاني شكيب أرسلان، وهؤلاء جميعاً كانوا من أنصار ما عرف بـ"القومية الإسلامية"، على الرغم من أنهم كانوا على الأرجح غير مؤمنين أو لاأدريين، إذ كانوا يرون أن سقوط خلافة الآستانة سيعني انتصار أوروبا واستعباد الشعوب الإسلامية.
يخلص المؤلف إلى أنه ليس ثمة خط يفصل فصلاً حاداً بين المثقفين المسيحيين والمسلمين، فالفكر الأوروبي كان حاضراً بقوة في فكر تلك النخبة بجماعها، والأصول الاجتماعية الواحدة الميسورة تضمن تجانساً ثقافياً. ويؤكد أن مفكري تلك الأجيال في مصر وسورية ولبنان وفلسطين الذين يغطي نتاجهم الحقبة الممتدة من 1870 إلى 1950 كانوا يضعون في رأس همومهم تشجيع حرية الفكر وتطوير آليات التمثيل السياسي، وأن أسماء كبار العلماء المسلمين تلقى بظلها العملاق على كل حركة النهضة. ويرفض المؤلف بشدة الاتهامات الموجهة لحركة النهضة بأنها مصطنعة أو عميلة لأوروبا الاستعمارية، معتبراً أن مثل هذه الأقوال إنما مردها إلى معرفة ناقصة بنتاج النهضة وإلى جهل بالتعقيد الاجتماعي والثقافي للمرحلة، ويضرب مثلاً بمن يضعون في وصيد السلفية الإسلامية مجموعة متضادة من الظواهر، من أفعال العنف للجماعات الخلاصية إلى الآراء الفلسفية لكبار مفكري النهضة المسلمين، وهو خلط لا يصح لأن القراءة المتأنية تدل على أن هؤلاء المفكرين كانوا يحرصون فقط على إضفاء الشرعية على تفكير فلسفي واجتماعي بتر صلته بجمود الفكر الديني التقليدي، تماماً مثل ديكارت أو كانط أو هيغل مع المرجعية المسيحية.
يقدم المؤلف قراءة دلالية مغايرة تماماً لتمييز بين المسلمين والمسيحيين في تلك الأجيال، فيرى أن المذهب العقلاني الليبرالي الفردي على الطريقة الانكليزية هو الذي يصبغ فكر العلماء المسلمين، وفي المقابل كانت "رومانسية الرحلات إلى الشرق" هي التي روت فكر جبران ونعيمة المسيحيين اللبنانيين اللذين كانا يطالبان بملء صوتهما بـ"شرقية" وروحانية صوفية يريدها الغرب أن تجردهما منها. ويخلص إلى أنه إذا قرئت كتابات جبران ونعيمة قراءة استيعابية، يتبدى المسلمون وكأنهم هم "التقدميون" والمسيحيون وكأنهم "الرجعيون"، ويشير إلى أن الشخصيات المسيحية في نهاية القرن التاسع عشر كانت تدرك أن انهيار الإمبراطورية العثمانية يفتح الباب أمام المغامرة ونزع الاستقرار، وقد خبر اللبنانيون ذلك من خلال مذابح 1840-1860، ويكتب جبران في المهجر قصيدة تنذر بالمأساة اللبنانية التي ستنفجر ابتداءً من عام 1975: "ويل لأمة تكثر معتقداتها وينعدم دينها". كما يشير إلى شخصيات مسيحية أخرى مثل جورج سمنه الذي حذر من آثار الصهيونية على العرب المسيحيين، وميشال شيحا صاحب دور في الميثاق الوطني اللبناني عام 1943 والذي حذر العرب من إغراء الانسياق وراء القومية المؤسسة على الدين. ويختم المؤلف هذا القسم بالتأكيد على أن القومية العربية لم تكن اختراعاً مؤقتاً لنصارى الشرق، فهذا الزعم لا يهين كل انتلجانسيا العصر المسلمة فحسب، بل يمس خطأً بالمعرفة التاريخية لحركة الفكر العربي، ويدرج هذه الظاهرة في سياق الرؤى المتجمدة للانثروبولوجيا الأوروبية التي تعزو إلى الأعراق والشعوب أرواحاً ثابتة لا تتبدل عبر الزمن.
يشير الفصل إلى الخلط الذي حدث في الخمسينات، حيث كانت تيارات القومية الدينية تمثل أقلية، لكن فرنسا لعبت سياسة تحريضية في أوساط نصارى لبنان وسورية لمواجهة الانتداب، بالتواطؤ مع البطريركية المارونية، وظهرت "المجلة الفينيقية" التي أسسها شارل قرم، وهو شاعر لبناني كبير يكتب بالفرنسية، الذي تغنى في قصيدة "الجبل الملهم" باللغة الفينيقية وأعرب عن ازدرائه بالعروبة البدوية. يرى المؤلف أن المرجعية الأوروبية فرضت نفسها بقوة بعد الحرب العالمية الأولى، فتأكدت الرؤية التي تقسم الشرق إلى كتلتين دينيتين متجانستين، العرب بمقتضاها جميعهم مسلمون، والمسيحيون جميعهم "مسيحيون" حصراً، ويستشهد بمرسوم كريميو الشهير عام 1870 الذي منح اليهود قاطبة الجنسية الفرنسية وهو ما أدان عملية اقتلاع من الجذور عجل بها إنشاء إسرائيل وعهد الاستقلالات. ويلاحظ المؤلف أن تصوراً مانوياً جديداً انضاف إلى هذا الخلط ابتداءً من الخمسينات، وهو تصور النخب المشبعة بالماركسية الذي يقسم المجتمعات إلى بورجوازية "كمبرادورية" وجماهير كادحة، وهو ما جعل البعض يعتبر الأحزاب الشيوعية حركات مصطنعة اختلقها مسيحيون أو يهود، متناسين الآلاف من المسلمين الشيوعيين الذين اضطهدوا في أقطار شتى.
يحدد الفصل ظهور النخب الجديدة المنبثقة عن الانقلابات العسكرية في الخمسينات، حيث حدث التحول من نخب البورجوازية العليا إلى النخبة التي ضمت ضباطاً من أصول متواضعة ومعلمين وصحافيين وأساتذة جامعة وأطباء ومحامين، وهم ما يسمى في أوروبا بـ"الطبقة الوسطى" أو "البورجوازية الصغيرة"، الذين صعدوا اجتماعياً بفضل تطور مؤسسات الدولة الحديثة والتعليم العام والجيش والأحزاب السياسية العلمانية، وهو ما قضى على المدارس القديمة وهمّش جامعة الأزهر التي باتت مقصورة على الشرائح الأكثر حرماناً. وفيما كانت هذه النخبة العلمانية تتطور، كان "الإخوان المسلمون" يتحولون إلى قوة سياسية فاعلة يجندون أنصارهم من بين الشرائح الهامشية: العلماء المدقعين، ووجهاء الريف الآفلة سلطتهم، وأصحاب اقتصاد السوق الآفل، وكان مرشدهم الأعلى حسن البنا محرضاً سياسياً موهوباً. لكن المؤلف يحذر من الخلط بين أفكار حسن البنا وسيد قطب الرومانسية، وبين الحركة الفكرية لبعض علماء الأزهر من "المصلحين المحافظين" الذين يطالبون بتطبيق الشريعة لكنهم من أنصار النظام البرلماني والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين والتحرر المعتدل للمرأة، وهم أنصار الشرعية لا يطعنون في السلطات القائمة، ومأثورهم مستمر في مصر عبر تأثيرهم على حزب الأخوان الذي شرعنه السادات.
يبرز المؤلف الدور المركزي للعربية السعودية في ما يسميه "حرب الشرعيات" بين الأنظمة العربية، فهي التي طردت الأسرة الهاشمية من الأماكن المقدسة عام 1925، وستلعب بورقة إسلام العودة إلى الأصول لتعارض به الإسلام الكلاسيكي الحضري الذي تحول نحو الحداثة العلمانية، خاصة عندما انتصرت القومية العربية الجمهورية الاشتراكية في الخمسينات، والتي تعني موت المملكة السعودية التي تبدو مجرد قاعدة عسكرية ونفطية أميركية، لذلك كان من البديهي أن تتعاطف وتمول حركات الإخوان المسلمين في مختلف أنحاء العالم، فكان سيد قطب وتلامذته الذين عانوا من ملاحقة عبد الناصر "الأولاد المدللين" للمملكة التي مولت طبع وتوزيع كتابه "في ظلال القرآن". ويلاحظ المؤلف بـ"ذهول" التعتيم في الدراسات الفرنسية الحديثة على الركيزة الاقتصادية الاجتماعية التي تقدمها السعودية للظاهرة الإسلامية، والتي يستحيل بدونها فهم عدم الاستقرار السياسي الاجتماعي في المشرق العربي.
يخصص المؤلف جزءاً من الفصل لنقد تحليلات بعض المستشرقين الجدد حول الظاهرة الإسلامية، مثل كتاب كاريه وسورا حول الإخوان المسلمين الذي يعد "تقريظاً للحركة وتشنيعاً على عبد الناصر"، وكتاب جيل كيبل "النبي والفرعون" الذي يعد "أهجية ذات نبرة توراتية ضد مصر الناصرية"، ومقالات سورا الأخيرة التي كرسها لشيخ طرابلس "سعيد شعبان" مؤسس "حركة التوحيد الإسلامي"، معتبراً أن هذا النمط من التحليل الذي يعتمد على مفهوم العصبية الخلدونية "منقطع عن تعقيد الواقع المعاصر". ويشير المؤلف أيضاً إلى الأخطاء التأويلية التي وقع فيها المراقبون الغربيون عام 1952 بصدد حركة الضباط الأحرار الذين خلعوا الملك فاروق، إذ تصوروهم كأنهم نشؤوا في مدرسة الإخوان المسلمين، متناسين أن النموذج الذي احتذوه كان نموذج ضباط تركيا الفتاة المتأثرين بالثورة الفرنسية، والذين احتك بهم العسكريون العرب في صفوف الجيش العثماني، والذين تحولوا إلى شوفينيين طورانيين قمعوا القوميات الأخرى، مما دفع الضباط العرب إلى تشكيل جمعيات سرية للعمل على إحياء كيان الأمة العربية وتحريرها من نير المضطهد التركي.
5.الثورة الفلسطينية وانفجار لبنان239–286▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية فهم أشكال العنف الجديدة التي اجتاحت المشرق العربي، ويسعى إلى تفسير السبب الذي جعل «الثورة» الفلسطينية، التي تأسست مع قيام منظمة التحرير الفلسطينية، تؤدي إلى تفجير لبنان بدلاً من تفجير دولة إسرائيل. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذا الحدث المأساوي لم يكن نتيجة صراع قومي بحت، بل كان انعكاساً لصراع اجتماعي عميق، وثمرة لتفاعل عوامل داخلية لبنانية وفلسطينية مع لعبة المنافسات الإقليمية والدولية، التي ورثها المشرق من أوروبا ومنطق «البلقنة» و«اللبننة». يخلص الكاتب إلى أن ما حدث في لبنان هو استمرار لصراعات القوة التي انطلقت من أوروبا، حيث تحول البلد إلى ساحة لتصفية الحسابات على حساب سكانه المدنيين.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليحلل الجذور الاجتماعية للحركة الوطنية الفلسطينية، بعيداً عن قراءتها كحركة قومية فقط. يبدأ المؤلف بتتبع أصولها في ثورات الفلاحين الفلسطينيين ضد الاستيطان الصهيوني في مطالع القرن العشرين، مشيراً إلى ثورات أعوام 1911 و1921 و1935-1939، وكيف كانت النخب التقليدية وعلى رأسها مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني، تقود هذه الحركات لكنها كانت توقف العمليات المسلحة عند تلقي تطمينات من السلطات البريطانية، كما حدث عام 1939. بعد نكبة 1948، التي سبقتها مجازر مثل دير ياسين، تكدس الفلاحون المطرودون في مخيمات بائسة، بينما وجدت البورجوازية العليا ملاذاً في عواصم عربية. يؤكد المؤلف أن الاقتصادات العربية الفقيرة حينها، وبخلاف ألمانيا الغربية أو فرنسا، لم تكن قادرة على دمج اللاجئين، فاكتفت وكالة «الأونروا» بتأمين معونة غذائية وبعض المدارس، بينما رفضت إسرائيل المساهمة في تمويلها.
يتناول الفصل بعدها "الانفجار الثوري" في المخيمات الفلسطينية، خاصة بعد هزيمة حزيران 1967، التي احتلت فيها إسرائيل الضفة الغربية وسيناء وغزة والقدس الشرقية، ودعمتها الولايات المتحدة بلا تحفظ. يبين المؤلف أن هذا الانفجار جاء تتويجاً لتحول اجتماعي وثقافي، حيث برزت طبقات وسطى فلسطينية جديدة في دول مثل لبنان والكويت، وقادت الحركة شرائح اجتماعية كانت مهمشة. ويشير إلى أن الحركة اعتمدت خطاباً أيديولوجياً يسارياً عالمثالثياً، لكنه يحلل الطبيعة الاجتماعية للظاهرة لفهمها. ويؤكد أن انفجار المخيمات في لبنان تحديداً، وليس في الأردن الذي قمع الحركة في «أيلول الأسود» عام 1970، يعود لصغر مساحة لبنان وطبيعته الطائفية الهشة، ولأنه كان "آخر مزقة من النسيج الاجتماعي العثماني" التي تجاذبتها الصراعات.
يقدم الفصل تفاصيل حول كيفية تشكل "سلطة فلسطينية" في لبنان منذ نيسان 1975، حيث تخلت الدولة اللبنانية تدريجياً عن سيادتها، بدءاً من اتفاقية القاهرة عام 1969 التي كرست حق المقاومة في حمل السلاح. ويصف المؤلف كيف أسست منظمة التحرير الفلسطينية بيروقراطيات واسعة وصحفاً ومصارف، مما أدى إلى ازدهار اقتصادي غير مسبوق في لبنان خلال سنوات الحرب، لكنه أغرق البلاد في فوضى سياسية وعسكرية. ويشير إلى أن هذه القوة الجديدة اصطدمت مباشرة بالمشروع السوري، الذي سعى للهيمنة على المشرق، معتبراً أن الصدام بينهما كان لعبة منطق دولة ومصالح عليا، وليس نتيجة سيكولوجيا أقلية علوية.
في المقابل، يحلل الفصل المشروع الكتائبي "للمجتمع المسيحي" في لبنان، ويصفه بأنه مشروع "قومية دينية" وُلد من رحم الخوف والرد على عنف التحالف "الفلسطيني-التقدمي". يوضح المؤلف أن الكتائبيين، رغم ادعائهم تمثيل المسيحيين، كانوا أقلية ضئيلة فرضت سيطرتها بالعنف على الأغلبية المسيحية المعارضة، بمساعدة لاحقة من إسرائيل. يستشهد بأمثلة على جرائمهم، مثل مذبحة إهدن عام 1978 التي قتل فيها نجل سليمان فرنجية، ومجزرة الصفراء عام 1980، ومذبحة الكرنتينا و«السبت الأسود» في أيلول 1976. ويشير إلى دور المخابرات الإسرائيلية في تأطير هذه الميليشيات، ويذكر أن هذه الجرائم كانت تهدف إلى فك التخالط السكاني وترسيم حدود "الغيتوات" بالدم.
يخصص الفصل قسماً مهماً لتحليل "إحراجات الأيديولوجيا الثورية"، حيث يوضح أن الثورة الفلسطينية اصطدمت بسؤال جوهري: هل هي ثورة عربية بالدرجة الأولى أم فلسطينية؟ ويشير إلى أن هذا الإحراج النظري أدى إلى تراجع الحديث عن دولة علمانية في فلسطين، خاصة بعد ضغوط سعودية عام 1980. ويؤكد المؤلف أن منظمة التحرير الفلسطينية، على عكس جبهة التحرير الجزائرية، لم تطور شبكات مقاومة فعالة داخل الأراضي المحتلة، واكتفت بتأكيد وجودها السياسي والاجتماعي على الساحة الدولية والإقليمية.
أخيراً، يناقش الفصل "أسباب الغلو والشطط في الردود العسكرية الإسرائيلية"، ويخلص إلى أن إسرائيل لم ترَ في منظمة التحرير تهديداً عسكرياً حقيقياً، بل رأت فيها رمزاً لشرعية سياسية واجتماعية جديدة. يشرح المؤلف أن تدمير هذا الرمز أصبح هدفاً استراتيجياً لإسرائيل، لأن بقاءه يشكل خطراً على "الشرعية" الإسرائيلية القائمة على "نزعة حصرية دينية وأسطورية"، ويشير إلى أن هذا ما يفسر الغارات على بيروت الغربية لقتل ياسر عرفات، وعملية قصف مقر المنظمة في تونس عام 1985، واغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) عام 1988. ويرى أن استهداف لبنان كان جزءاً من لعبة إسرائيلية أوسع لبلقنة المنطقة، بدءاً من دعم الرائد سعد حداد لإعلان "دولة لبنان الحر" في نيسان 1979، مروراً باجتياحي 1978 و1982، بهدف فصل المسيحيين عن المسلمين وخلق حليف طبيعي، محملاً المسؤولية أيضاً للمثقفين "الثوريين" الذين وصفهم بـ"الحلفاء الموضوعيين" للمشروع الكتائبي بسبب عنفهم الطائفي.
6.خاتمة287–301▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل الختامي تتويجاً لاستقصاء تاريخي طويل قام به المؤلف عبر أرجاء أوروبا والمشرق العربي، متتبعاً ما يسميه "المدى الطويل" في التاريخ، من النهضة الأوروبية والإصلاح البروتستانتي، وصولاً إلى الحروب الأهلية التي هزّت البنى الاجتماعية والسياسية الأوروبية، والتي بلغت ذروتها في الحربين العالميتين، حيث اقتُلعت جماعات بأكملها من جذورها وأُبيدت باسم العرق والدين والهوية المتجانسة. لقد نجحت أوروبا الليبرالية في تحقيق السلام في ظل الهيمنة الأميركية، لكن بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا الشرقية ما زالت تعاني من عقابيل تلك المواجهات التي اتخذت بعداً دولياً. ويرى المؤلف أن أوروبا التي أنتجت الحداثة، وتمكنت من تداولها كونياً، لم تعد ترغب في تحمل مسؤولية نتائجها المدمرة.
ينتقل المؤلف لتحليل تداخل الصراعات الاجتماعية في المشرق العربي مع التطورات الأوروبية، حيث يرى أن القطيعة الحضارية عمّت الأقاليم العربية العثمانية عبر أعمال العنف والاقتلاع التي رافقت تداول الحداثة. ويضرب أمثلة على هذه القطائع كاختراق البداوة للهيمنة الحضرية عبر "الملحمة الوهابية"، وتطور الغيتوات اليهودية في أوروبا الوسطى وزوالها المأساوي، والذي تمخض عنه ظهور الحركة الصهيونية وإنشاء دولة إسرائيل على يد مستوطنين بولونيين وألمان وروس ورومانيين. ويخلص إلى أن التمغنطات القوية للثنائية القطبية الدولية ونظام التنافس الشرقي-الغربي أنجزت عملية تفكيك بنى الشرق الأوسط العربي، وأن الأنسجة الاجتماعية والثقافية للإمبراطورية العثمانية قد زالت من الوجود، ويرى في انفجار لبنان دليلاً صارخاً على ذلك، فهو آخر بقاياها التي تتعرض للضربات المزدوجة من توكيد الهوية الفلسطينية والديناميكية الإسرائيلية. ويؤكد أن هذه الأنسجة الممتزجة ضاربة الجذور في التاريخ، فالتعددية الثقافية والهويات المركبة كانت سمة سحيقة القدم في المشرق، تم استئصالها بسرعة هوجاء بفعل عجلة الحداثة السياسية الأوروبية، من حرب القرم عام 1856، إلى الحروب البلقانية، ومذابح الأرمن واليونان، وقمع الأكراد، وطرد الفلسطينيين، وتهجير الموارنة من الشوف وجنوب لبنان.
يركز المؤلف على هدف رئيسي من وراء استقصائه، وهو تقدير فرص إحياء التعددية والتراكب في تعريف الهوية، لأنها شرط ضروري لقيام مجتمع مدني حقيقي يضمن تفتح الفرد. وينتقد بشدة نموذج الدولة القومية الحديثة التي تبتلع الفرد في بيروقراطيتها، ويشير إلى أن "الإنسان ذو البعد الواحد" عند ماركوز يتحول اليوم إلى إنسان "فائض عن الحاجة". فالمجتمع المدني لا يجد له أثراً في أوروبا نفسها، ودولة القانون التي تفخر بها تقف عند حد القومية، فهي لا تنطبق على الأجنبي غير الأوروبي إلا إذا كان لاجئاً سياسياً، أما المهاجر العادي فيبقى خارج حمايتها رهن كلية قدرة أجهزة الأمن. ويستشهد المؤلف بخطاب فرانسوا ميتران بمناسبة دخول رينيه كاسان إلى البانثيون، حيث يرفض كاسان تقديم الجنسية على المسكن، ويدافع عن الاعتراف بالفرد كذات للقانون الدولي، ويشيد بجهود جمعية "القانون ضد منطق المصلحة العليا للدولة" وكتاب أوليفييه روسباخ "فساد منطق الدولة".
ينتقل المؤلف إلى إشكالية علاقة أوروبا بجوارها المباشر، بلدان جنوبي البحر الأبيض المتوسط، ويصف الملايين من "المسلمين" في فرنسا وحدهم بأنهم يشوهون الهوية القومية للبلد المضيف، مستشهداً بعنوان كتاب جيل كيبل "ضواحي الإسلام". وينتقد بشدة الموقف الأوروبي الذي يتحدث عن الإسلام وعالم الإسلام خارج نطاق أي تحديد جغرافي أو تاريخي، معتبراً أن هذا التجريد هو "تعمية متعددة الوظائف" داخل حقل تفكير أوروبا بهويتها الخاصة. ويتعجب من استمرار هذا الخطاب منذ ميلاد "المسألة الشرقية"، ويشير إلى أن أوروبا تضع بين قوسي الجغرافية والتاريخ شعوباً متنوعة كالعرب والأتراك والإيرانيين، حتى أن مفكراً مثل فرنان بروديل يقدم في كتابه "علم قواعد الحضارات" وصفاً يسقط فيه هذا التجريد. ويرى المؤلف أن العالم الإسلامي صار في نظر أوروبا "منطقة ظلمات" تفصلها عن الهند والشرق الأقصى، وهو خريطة للحاجة إلى "همج" لتأكيد هويتها المتحضرة، متجاهلة أن غزوات القبائل الجرمانية والفرنجية هي التي دمّرت وحدة العالم المتوسطي، وأن المسيحية تستمد جذورها من مراكز ثقافية في الإسكندرية وبيروت وإنطاكية وبغداد.
يذهب المؤلف إلى أن أوروبا، التي ورثت القبلية وتنكر جذورها البيزنطية، لن تتحقق حداثتها إلا عندما تهتدي إلى جذورها التاريخية بكل تنوعها، ولن تعود بحاجة إلى "همج غرائبيين" لتوكيد حداثتها. ويحذر من أن الانبعاث الجديد للاستشراق الغرائبي، والرحلات الجديدة إلى عالم "الكفاحية الإسلامية"، هي معرفة بالانعكاس عن الذات التي أفلت منها الزمام، ولن تتحقق الحداثة من خلالها. كما ينتقد الندوات المرائية حول تصالح الأديان والحوار الإسلامي-المسيحي، لأن التوجه إلى الدين في هذا السياق هو جزء من آليات التعتيم على المشكلات الحقيقية، وهي مشكلات صراع القوى الاجتماعية التي تختفي خلفها أنظمة السلطة التي تتلاعب بالدين. ويرى أن المثال الديمقراطي الحقيقي هو ما وصفه توكفيل في أميركا، والذي يفسح المجال أمام تفتح المجتمع المدني، ويضرب مثلاً نادراً على ذلك بالاتحاد الكونفدرالي السويسري، الذي يجمع ألماناً وفرنسيين وإيطاليين ورومانيين، لوثريين وكالفينيين وكاثوليكيين، يعيشون معاً في الحرية واحترام الآخر، ويقول: "ما أكثر الدروس في الديمقراطية المدنية التي يمكن لسويسرا أن تعطيها لأوروبا!".
يطرح المؤلف تساؤلات حول إمكانية دمج تركيا وحدها في السوق الأوروبية المشتركة، متسائلاً عن سبب استبعاد بقية العالم المسلم المتوسطي، ويخلص إلى أن التفكير بتفتح أوروبا واستكمال مسيرتها يعني أولاً وضع حقوق الإنسان موضع التطبيق، ومد دولة القانون إلى جميع المقيمين في أوروبا، بمن فيهم المهاجرون، وهو ما سيمكنهم من نقل رسالة إلى بلدان الضفة الأخرى مفادها أن حقوق الإنسان تستاهل مشقة الكفاح بدلاً من الركون إلى أوهام النزعات الخلاصية الإسلامية. ويعني ذلك أيضاً نفي صفة الدولة الديمقراطية عن إسرائيل ما دام الفلسطينيون يضطهدون ويقتلون يومياً، والتنديد بالجرائم ضد الإنسانية التي يقترفها زعماء الميليشيات اللبنانية، والذين تجد عواصم الديمقراطيات الأوروبية الكبرى أذرعها مفتوحة لاستقبالهم، والتنديد بالمداورة السياسية للدين الإسلامي وتوظيفه في خدمة الصراعات الدولية، والاعتراف بمسؤولية أوروبا عن الوضع الذي يحرمها من شريك فاعل، لأنها تؤثر الربح القصير المدى في سياق التنافس الاقتصادي الدولي الأهوج على البناء الصبور لمستقبل مشترك.
يختم المؤلف بتأكيد صفة الحالة المستعجلة للأوضاع في المشرق العربي، مشبهاً تل أبيب بسراييفو التي قد تشعل حرباً عالمية ثالثة، ويشدد على ضرورة تحطيم لعبة الصور المنعكسة التي يتبادلها المسلمون والأوروبيون من خلال المرايا المشوهة. ويدعو إلى العودة إلى علم السياسة الكلاسيكي المتحرر من أقنعة الاستشراق، ووضع حد للتجريد الإسلامي، وإعادة الاعتبار للشعوب في خصوصيتها البشرية المتعددة الأبعاد، فالخلط بين العرب والترك والفرس والأكراد تحت غطاء إسلام مجرد ولا تاريخي هو إنكار لوجودها ونفي لتنوعها الداخلي. ويذكّر بأن وحدة الحضارة الإسلامية تقاسمها، حتى عام 1918 تاريخ انهيار الإمبراطورية العثمانية، ملايين من اليونانيين والأرمن والبلغار والألبان بالإضافة إلى العرب المسيحيين أو اليهود، ويحذر من أن "انتصار" الأصولية الإسلامية في أوروبا هو نتيجة منطقية لرؤى المشرق المتخمة بالحداثة الأوروبية، وعلى عاتق الأوروبيين وحدهم تقع مسؤولية وضع حد له. ويشير إلى أن المعارك الفكرية مستعرة في مصر ولبنان ضد الأصولية، وأوروبا تجهل وجودها، ويختتم بأن أوروبا يمكنها أن تسهم إسهاماً حاسماً في حل النزاع العربي الإسرائيلي إذا ما وضعت قدرتها الثقافية تحت تصرف الأفكار الديمقراطية، وساندت النضالات ضد أشكال الأصولية والإرهاب الفكري، وضغطت على حليفها الأميركي للانفراج والحوار، وتحييد هذه المنطقة البركانية.