
المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين
الكتاب محاولة فكرية عميقة لتفكيك الظاهرة التي باتت تُعرف بـ«عودة الديني» في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. يرفض المؤلف جورج قرم الافتراض الشائع بأن هذه العودة كانت تعبيراً عفوياً عن حاجة إنسانية طبيعية أو نتيجة حتمية لانهيار الأيديولوجيات العلمانية. بؤرة الكتاب هي الجدل المركزي الذي يطرحه الكاتب منذ السطور الأولى: نحن لا نشهد عودة حقيقية للدين، بل استعانةً بالديني، أي توظيفاً أيديولوجياً وسياسياً للمقدس من أجل إضفاء الشرعية على نظام جيوبوليتيكي جديد تقوده القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. الموقف الذي يدافع عنه قرم هو أن هذا التوظيف يشكل شكلاً جديداً من أشكال الإيديولوجيا التي أُعلن عن موتها، وهي أشد خطراً لأنها تعمل باسم المقدس وبمقتضى إرهاب فكري يمنع النقاش.
يسير بناء الحجة في الكتاب عبر تسلسل منطقي محكم يبدأ بتشخيص الظاهرة ثم تفكيك مكوناتها الفكرية والتاريخية ليصل إلى اقتراح مخرج عملي. يفتتح المؤلف بطرح السؤال المركزي حول كيفية استحواذ الظاهرة الدينية على اهتمامات العالم، مستعرضاً التحول الجذري في المشهد الفكري والسياسي خلال عقود قليلة. فبعد أن كان العالم يبدو وكأنه يعيش بدون حضور كلي لله، مع هيمنة أيديولوجيات علمانية وإنسانية مؤاتية لإزالة الاستعمار، عاد الدين بقوة إلى عناوين الصحف والنقاشات العامة في الشرق والغرب. يلاحظ قرم أن هذا التحول لم يحدث بشكل عشوائي، بل تزامن مع أحداث مفصلية مثل الثورة الإيرانية في 1979، وسقوط جدار برلين في 1989، وتحرير الكويت في 1991، وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي خلق فراغاً أيديولوجياً. في هذا السياق، برزت أطروحات مفكرين أميركيين مثل فرنسيس فوكوياما الذي أعلن نهاية التاريخ بانتصار الديمقراطية، وصموئيل هانتينغتن الذي تنبأ بصدام الحضارات الذي يعني بصورة خاصة صدام الأديان، وهي الأطروحة التي تشكلت حولها أجندة الجيوبوليتيكا العالمية في مطلع القرن الحادي والعشرين.
لا يكتفي قرم برصد الأحداث السياسية الكبرى، بل يتعمق في التحولات الفكرية التي مهّدت لهذا التحول. يخصص حيزاً مهماً لدور جيل من «الفلاسفة الجدد» في فرنسا وأوروبا الذين عملوا في نهاية السبعينيات على خلع الملابس الماركسية والوجودية والاعتراف بذنوبها ومسؤوليتها عن التوتاليتارية، مما ساهم في إطلاق موضة العودة إلى الدين. كما يشير إلى صعود فلسفة ليو ستراوس، الفيلسوف الألماني المهاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1937، الذي عارض نموذج الأنوار الأفلاطوني بنموذج الوحي الإلهي، وكان له تأثير واسع في دوائر المحافظين الجدد وفي نظرتهم للعالم. يستشهد المؤلف بتصريح المحلل النفسي الشهير جاك لاكان في مؤتمر عقد في روما سنة 1974، حيث أعلن أن الدين سينتصر على التحليل النفسي وعلى أمور أخرى كثيرة، لأن الدين سيجد معاني لجميع المحن والأسئلة الوجودية. هذه الشهادات وغيرها تخدم حجة قرم بأن العودة إلى الديني لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج تحول أيديولوجي كبير مخطط له في الغرب.
في الفصل الثاني، يحلل الكاتب مكونات هواجس الهوية، رافضاً الأطروحة القائلة بأن انهيار الإيديولوجيات العلمانية يفتح الباب حتماً أمام عودة الديني. يصف هذا الهجوم الفكري على تراث الأنوار والثورة الفرنسية بأنه بدأ في أواخر السبعينيات والثمانينيات، خصوصاً في فرنسا، بقيادة مؤرخين مثل فرانسوا فوريه وتلامذته، الذين أعادوا قراءة الثورة الفرنسية بإدانتها العنف والإرهاب، معتبرين أن أفكار الأنوار واليعقوبية هي «رحم التوتاليتارية». يوضح المؤلف أن هذا الهجوم الفكري مهّد الطريق لأطروحة تبسيطية تزعم أن انهيار الماركسية يفتح الباب حتماً أمام عودة الديني، لكنه يرفض هذه الأطروحة جذرياً، مشيراً إلى أن ما حدث ليس عودةً عفوية للدين، بل هو «استعانة» بالدين أيديولوجيةً لشرعنة سياسات معينة. ويقدم تحليلاً لظاهرة ازدهار الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة، متتبعاً جذورها إلى كاليفورنيا الجنوبية في بدايات القرن العشرين، ومعاركها ضد تدريس نظرية التطور منذ «محاكمة القرد» في ولاية تينيسي سنة 1925.
يقدم قرم في هذا السياق نقداً لاذعاً لما يسميه «الجوهرانية»، وهي النظرة التي تزعم أن في الطبيعة البشرية جوهراً ثابتاً يصنعه الدين، معتبراً أنها نظرة خاطئة تتجاهل المكونات المتعددة للهوية، وهي النسب العائلي واللغة والمحيط الجغرافي. ويكشف عن الارتباط الوثيق بين العرقية والجوهرانية والاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين، وكيف أن تقسيم البشرية إلى «أجناس» أو «حضارات» متفوقة وأخرى دنيا خدم مشروع التوسع الاستعماري الأوروبي. ويواجه المفارقة المركزية في أطروحته: كيف يمكن للدين، وهو مصدر الأخلاق، أن يولّد عرقية فتاكة؟ ويحيل تفسير هذه المفارقة إلى تفريق أساسي بين الحاجة الإنسانية إلى الدين، وبين الدين المؤسسي الدوغمائي.
يغوص الفصل الثالث في التاريخ الطويل لتشكل الهويات، رافضاً فكرة أن الهوية ظاهرة متصلبة، معتبراً أنها ظاهرة اجتماعية تتطور باستمرار. يسير عبر مراحل تاريخية متدرجة، بدءاً من تكريم الأجداد بوصفه الرحم الأولى للهوية، ثم الانتقال إلى الأديان التوحيدية التي وسعت قاعدة الهوية من القبيلة إلى الشعب المختار. يبين المؤلف كيف أن مفهوم الشعب في الثقافة الأوروبية الحديثة استعار أنموذجه من العهد القديم، حيث تحولت الشعوب الأوروبية خلال حركة تكوين القوميات إلى «قبائل ذات توجه إعلاني» تحمل رسالة ووحي، على صورة بني إسرائيل الذين وجدوا أرض الميعاد. يفرد حيزاً مهماً لتحليل مفهوم «الغرب» بوصفه هوية عملاقة أسطورية، مبيناً أن جذوره تعود إلى الانقسام بين الكنيسة الشرقية البيزنطية والكنيسة الكاثوليكية الغربية، وإلى نظرية نقل السلطة والحضارة من الشرق إلى الغرب التي طورها مثقفون مسيحيون في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وينتقل بعدها إلى تحليل كيفية انتشار الأفكار القومية الأوروبية خارج أوروبا، واستعمال القوى الاستعمارية لمفهوم الأمة للدلالة على تجمعات دينية في المشرق، مثل «الأمة المارونية» و«الأمة الدرزية»، موظفة إياها كأقليات مضطهدة تحتاج إلى الحماية الأوروبية. ويشير إلى أن هذه الحماية أصبحت فرعاً مهماً من القانون الدولي وأداة للتدخل في شؤون السلطنة العثمانية، وأن حصيلة هذه التدخلات كانت كارثية على المسيحيين المشرقيين الذين تعرضوا للمذابح والتهجير، وكذلك على الجاليات اليهودية ذات الأصول العربية التي انحلت بعد إنشاء إسرائيل.
يصل الكتاب في الفصل الرابع إلى صلب موضوعه التاريخي، وهو البحث في الأنماط الأولية لأشكال العنف الحديث. يرفض المؤلف الادعاء الشائع الذي يحصر مصادر العنف السياسي الحديث في الثورة الفرنسية وفلسفة الأنوار، ويقدم إجابة واضحة: إن الأنماط الأولية لهذا العنف، بما في ذلك القمع الأيديولوجي، والتطهير العرقي، ومراقبة الفكر، والإبادة الجماعية، قد نشأت وترسخت في أوروبا خلال قرون من الحروب الدينية التي مزقت القارة بين الكاثوليك والبروتستانت. يخصص حيزاً كبيراً لوصف إنكلترا كأنموذج أول للعنف الديني، متتبعاً مسارها من قطيعة هنري الثامن مع البابوية عام 1534، مروراً بقوانين الإرغام والتنكيل المزدوج بالكاثوليك والبروتستانت، ووصولاً إلى مراحل الاضطهاد المتبادل في عهدي ماري تودور وإليزابيت. يذكر أن مؤامرة البارود (1605) وصفت بأنها أول عمل إرهابي حديث، ويشير إلى أن قوانين مثل «قانون الاختبار» (1673) كانت تستهدف الكاثوليك. ثم ينتقل إلى فرنسا ليروي فظائع الحروب بين الهوغنو والكاثوليك، ويصف بالتفصيل مذبحة سان بارتيليمي (1572) التي طالت خمس عشرة مدينة، ويورد أرقاماً مختلفة لعدد الضحايا، منها ما ذكره جان دليمو وهو 30,000 ضحية، ورقماً أقل نحو 10,000 ضحية كما ورد عن المؤرخة أرليت جوانا. يخصص قسماً هاماً لتاريخ محاكم التفتيش، واصفاً إياها بأنها الأصل الذي تفرعت منه جرائم الرأي في العصر الحديث، ويربط نشأتها بمجمع لاتران (1179) وتطورها في إسبانيا في عهد فيليب الثاني الذي حكم بين 1555 و1598.
في الفصل الخامس، يناقش المؤلف أزمة الحداثة الثقافية والسلطة، متخذاً من تحليل الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت في مؤلفها «أزمة الثقافة» نقطة ارتكاز لفهم الأزمة المعاصرة. تصف آرندت المسار التدميري للفلسفات الحديثة التي تُرجعها إلى ديكارت، وتشرح كيف أن الثورات الحديثة ظهرت كأنها محاولات جبارة لوصل الخيط التراثي المقطوع، وللاسترجاع بتأسيس هيئات سياسية جديدة لما أُعطي خلال قرون إلى إعطاء شؤون البشر كرامة وعظمة. يحلل قرم كيف أن اللجوء الكاريكاتوري إلى الديني المُسمى يهودياً-مسيحياً، والذي يمكنه أن يكون في حالة حرب «حضارية» مع عالم ظل منغلقاً في الهمجية و«الإرهاب»، إنما يُستعمل كتعويض عن فقدان معمم لمصداقية معاني الحياة المجتمعية. ويشير إلى أن ظهور دولة إسرائيل تبلور كأيقونة حقيقية للعودة الديني بالمعنى الأصولي والحرفي، الذي يربط ممارسة العلم والديمقراطية بمطلب إعادة تجسيد المصدر الأول للتوحيد. ويتناول بالتحليل ظهور تعبير «التراث اليهودي المسيحي» الذي استعمله هيغل وكييركغارد في محاولة لجعل التوحيد عموماً أساس العقل الحديث، مشيراً إلى أن ثالث الأديان التوحيدية، الإسلام، ما برح مستبعداً من هذا الحقل الميتولوجي والنسابي للغرب.
يتوسع الفصل السادس في تحليل الأزمة الدينية والسياسية المزدوجة في المجتمعات التوحيدية المعاصرة، مطرحاً أطروحة محورية مفادها أن جوهر الاضطرابات المعاصرة ليس صراع حضارات بل أزمة شرعية مزدوجة. يرى المؤلف أن الاستعمال السياسي المكثف للديني هو ترجمة لأزمة شرعية السلطة السياسية في هذه المجتمعات، وفي الوقت نفسه يعكس أزمة المؤسسة الدينية ذاتها التي تلجأ للسلطة السياسية لاحتواء انحدارها. يسير الفصل عبر مسار تاريخي مقارن، فيبدأ بتحليل الديناميات التاريخية المعقدة للمجابهات بين الأديان التوحيدية الثلاثة، ويوضح كيف أن التوحيد بصفته وحياً مجسداً في نص مقدس أثار دوماً الجدال حول التأويل، مما أدى إلى انشقاقات وهرطقات وحروب دينية داخلية. يتناول بالتفصيل أزمة الإسلام الأصولية، مشيراً إلى أن جوهرها ليس في الدين ذاته بل في قلة تمأسسه السياسي مقارنة بالكاثوليكية، ومستعرضاً الانقسام التاريخي بين السنة والشيعة، وازدهار التأويل في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في بغداد تحت حكم هارون الرشيد (766-809م) والمأمون (814-833م)، ثم الانتكاسة التي مثلها الغزاة السلاجقة في القرن الحادي عشر والتي فرضت مذهباً سنياً جامداً. ويؤكد أن إغلاق باب الاجتهاد منذ القرن التاسع أدى إلى جمود التفسير الديني، ويرى أن هذا الجمود كان سبباً في الانحطاط السياسي.
يحلل الفصل السابع بشكل نقدي علاقة الحرب والسلم في النظام الدولي المعاصر، ويفضح الخطاب الغربي والأميركي الذي يروّج لفكرة «حرب الحضارات». يرى المؤلف أن هذا الخطاب هو أيديولوجيا منحرفة ولعبة خداع سياسي تهدف إلى إضفاء الشرعية على التدخلات العسكرية والحروب الاستباقية، وأن الصراع ليس بين حضارات أو أديان، بل هو صراع قوى ومصالح سياسية واقتصادية تختفي وراء أقنعة أيديولوجية ودينية. يقدم المؤلف نظرة واسعة على التاريخ العنيف للإرهاب غير المرتبط بالحركات الإسلامية، مذكراً بأعمال إرهابية قامت بها حركات قومية أوروبية وجماعات يسارية متطرفة مثل «الألوية الإيطالية الحمراء» و«الجيش الأحمر الياباني»، وحركات يمينية متطرفة في أميركا اللاتينية، وحرب العصابات الماوية في النيبال وحزب «نمور التاميل»، كما يسرد تاريخ الإرهاب في الشرق الأدنى منذ عقد الأربعينيات مع منظمة «إيرغون» واغتيال الكونت برنادوت، وهجمات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش. هذا السرد يخدم حجته في أن تخصيص الإرهاب بالإسلام فقط هو تبسيط مغرض وتشويه للحقيقة، وأن التهديد الحقيقي الذي تسوقه السياسة الأميركية هو بناء إيديولوجي وليس واقعاً تاريخياً.
يختم المؤلف كتابه بفصل يطرح سؤالاً محورياً حول إمكانية صياغة «ميثاق علماني عالمي» كإطار بديل لإدارة العلاقات الدولية، ويقدم إجابة واضحة مفادها أن هذا الميثاق ضرورة ملحّة لمواجهة الاستغلال المتنامي للدين في الصراعات الجيوبوليتيكية المعاصرة. بدلاً من النظرة التي تُختزل فيها الصدامات الدولية إلى حروب حضارات، يدعو قرم إلى إعادة تأسيس النظام الدولي على أسس جمهورية وعلمانية تُخرج الهوية الدينية من المجال العام الدولي، تماماً كما فُصلت عن الدولة في المجتمعات الديمقراطية. ينتقد بشدة مفهوم «الغرب» ذاته، الذي يرى أنه مصطلح تجاوزه الزمن بسبب أصوله الدينية، ويدعو إلى تجديد القانون الدولي ليكون «جمهورياً» وواحداً للجميع، رافضاً تمنّع بعض الدول مثل إسرائيل عن تطبيقه. يميز بوضوح بين مفهومي التعددية الثقافية والكوسموبوليتية، منتقداً الأول لأنه نظام خاص ببعض المجتمعات، ومتمسكاً بالثاني بوصفه تراثاً أوروبياً مستمداً من الثورة الفرنسية وفكرة «إرادة الأمة». يدعو المؤلف في النهاية إلى «إعادة تأسيس» للعالم من خلال مصالحة الأفكار التقليدية والتقدمية في حوار مفتوح على المنظومات الفكرية خارج الغرب.
يمثل الكتاب جهداً فكرياً استثنائياً في تفكيك خطاب «عودة الديني» وكشف مصالحه الخفية، وهو يستند إلى سرد تاريخي مقارن غني بالأمثلة والشهادات. من أبرز الأرقام والوقائع التي يصعب نسيانها في الكتاب، الرقم التقديري البالغ 18,000 كعدد الأشخاص الذين أُعدموا في سكوتلندا خلال «زمن المقتلة» في الصراعات الدينية، وفترة الحكم الإسباني لفيليب الثاني بين 1555 و1598 التي شهدت ذروة محاكم التفتيش، وتأسيس هرتزل للحركة الصهيونية عام 1897، ورحلة الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي إلى باريس سنة 1826 التي تمثل بداية حركة الإصلاح الديني في العالم العربي، ومأساة سجن أبو غريب في العراق بعد الغزو الأميركي، وقاعدة غوانتانامو العسكرية في كوبا.
يعترف المؤلف في مواضع متعددة بحدود تحليله، خاصة في ما يتعلق بصعوبة التكهن بمستقبل الأنموذج الحضاري السائد، مؤكداً أنه من الصعب معرفة إن كان مدعواً للبقاء أو كم سنحتاج من حروب باسم الحضارة لاسترجاع الحكمة. كما يقر بأن تشبيه الجيش الأميركي بالأرهاط النازية المبيدة قد يكون من الشطط، لكنه يلفت النظر في الوقت نفسه إلى أمثلة العنف والتعذيب التي شهدتها السجون الأميركية. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول وظيفة حلف شمال الأطلسي بعد زوال الاتحاد السوفياتي، وحول الهدف من إعطاء مفهوم الغرب مركز الصدارة في الأدب السياسي، وما إذا كان الهدف هو مواجهة قوة الصين الصاعدة.
تظل بعض الحجج التي يقدمها الكتاب قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بفكرة أن التمأسس السياسي القوي للمسيحية كان عاملاً في تطورها وحداثتها، بينما كان التمأسس الضعيف للإسلام سبباً في انحطاطه، وهي مقارنة قد تكون مبسطة وتتجاهل العوامل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة. كما أن تركيز المؤلف على العامل الديني كأساس للأزمة قد يقلل من أهمية التحولات البنيوية العالمية والصراعات الجيوسياسية التي تساهم بشكل كبير في تشكيل هذه الأزمات. وأخيراً، تبقى دعوته إلى إحياء النموذج الجمهوري الفرنسي وتطبيقه على الصعيد الدولي فكرة محل نقاش واسع، خاصة في عصر تتجه فيه المجتمعات نحو مزيد من التعددية الثقافية والاعتراف بالاختلاف. لكن الكتاب بلا شك يشكل مساهمة فكرية جريئة وضرورية لفهم تحولات خطاب الهوية والدين في العلاقات الدولية المعاصرة، ويقدم تحذيراً صريحاً من مخاطر الانزلاق وراء خطابات تستغل المقدس لخدمة أجندات سياسية واقتصادية ضيقة.
الفصول(8)
1.كيف استحوذت «الظاهرة الدينية» على اهتمامات العالم؟17–50▼ ملخص
يطرح هذا الفصل التساؤل المركزي حول كيفية استحواذ «الظاهرة الدينية» على اهتمامات العالم بشكل متزايد، ويحاول فهم طبيعة هذا التحول الجذري الذي طغى على الديكورات الفكرية والسياسية التي كانت سائدة قبل عقود فقط. يلاحظ المؤلف أن الدين، الذي كان يبدو وكأنه في طريقه إلى الانحسار لصالح أيديولوجيات علمانية، عاد بقوة ليصبح حاضرا في عناوين الصحف والنقاشات العامة في كل من الغرب والشرق، حيث تحول النقاش من الإيديولوجيات اليسارية والقومية إلى أسئلة الهوية الدينية والجذور والذاكرة.
يبني جورج قرم ملاحظته على تباين المشهد بين الماضي والحاضر، مشيرا إلى أنه قبل ثلاثين عاما فقط، كان العالم يبدو وكأنه يعيش بدون الحضور الكلي لله، حيث هيمنت أيديولوجيات علمانية وإنسانية مؤاتية لإزالة الاستعمار. وقد برزت علامات هذا التحول مع أحداث مثل الثورة الإيرانية في 1979 التي أسقطت ملكية كانت تملك طموحات إمبراطورية، وفي الوقت نفسه، بدأت في الولايات المتحدة موجة إحياء ذكرى المحرقة اليهودية مع إطلاق متحف للمحرقة في واشنطن تحت إدارة الرئيس جيمي كارتر، مما أسس لاهتمام متزايد بالبعد الديني في فهم التاريخ والسياسة.
يعزو المؤلف هذا التغير الكبير إلى عدة عوامل وأحداث مفصلية، منها سقوط جدار برلين في 1989 وتحرير الكويت في 1991، وما تلا ذلك من إعلان عن نظام عالمي جديد، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي الذي خلق فراغا أيديولوجيا. في هذا السياق، يبرز المؤلف أثر أطروحات مفكرين أميركيين مثل فرنسيس فوكوياما الذي أعلن نهاية التاريخ بانتصار الديمقراطية، وصموئيل هانتينغتن الذي تنبأ بصدام الحضارات الذي يعني بصورة خاصة صدام الأديان، وهي الأطروحة التي تشكلت حولها أجندة الجيوبوليتيكا العالمية في مطلع القرن الحادي والعشرين.
يلفت الكتاب الانتباه إلى دور التيارات الفكرية والسياسية، خاصة في فرنسا وأوروبا، حيث قام جيل من «الفلاسفة الجدد» في نهاية سنوات السبعين بخلع الملابس الماركسية والوجودية والاعتراف بذنوبها ومسؤوليتها عن التوتاليتارية، مما ساهم في إطلاق موضة العودة إلى الدين. كما يشير إلى صعود فلسفة ليو ستراوس، الفيلسوف الألماني المهاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1937، الذي عارض نموذج الأنوار الأفلاطوني بنموذج الوحي الإلهي، وقد أصبح له تأثير واسع في دوائر المحافظين الجدد وفي نظرتهم للعالم.
يخصص الكاتب جانبا مهما للحديث عن التنبؤات الفكرية حول المستقبل، متوقفا عند تصريح المحلل النفسي الشهير جاك لاكان في مؤتمر عقد في روما سنة 1974، حيث أعلن أن الدين سينتصر على التحليل النفسي وعلى أمور أخرى كثيرة، لأن الدين سيجد معاني لجميع المحن والأسئلة الوجودية. يشير قرم إلى أن هذه الأقوال والتحولات الفكرية تزامنت مع أحداث دامية ألقت بظلالها على العالم، مثل المجازر الجزائرية في سنوات 1990، والحروب في يوغسلافيا وأفغانستان والشيشان، ومأساة العراق بعد الغزو الأميركي حيث ما عاد الناس يرون سوى تقسيمات طائفية بين سنة وشيعة وأكراد.
يتساءل المؤلف عن كيفية حدوث هذا التغير الحاسم في فترة قصيرة كهذه، وينتقد الطريقة التي تم بها، من وراء ظهر الناس ودون أن يلحظوه، كما ينتقد الدور الكبير لوسائل الإعلام والصحف والمجلات الأسبوعية النافذة التي تفرض هذا الديكور الجديد على المجتمعات. ويرى قرم أن هذا الديكور المفروض يتكون من كتابات صحفية ونقاشات متلفزة تغذي الكليشيهات حول اليهودية والإسلام والنهضة الإنجيلية في الولايات المتحدة، وتساهم في إنتاج حضور كلي ومحرق للدين في الحياة العامة.
يطرح الكتاب سؤالا جوهريا حول ما إذا كنا نشهد «نهاية السياسي» بالمعنى الرفيع، أم أن السياسي بمعناه الأكثر انتهازية قد تمكن من السيطرة على العالم متذرعا بالديني والمقدس لكي يتخفى بشكل أفضل. يحذر المؤلف من أن هذا قد يكون شكلا جديدا لإيديولوجية أشد خبثا وإيذاء من الأيديولوجيات التي أعلن عن موتها، لأنها تعمل بمقتضى الإرهاب الفكري الذي ينتجه الادعاء بالمقدس. كما يناقش الفرضية التي تقول إن تجديد الديني قد يكون تجليا لحرية حقيقية مستعادة بعد انهيار الأنظمة التوتاليتارية، بما فيها ديكتاتوريات الأفكار القوموية والعلمانية.
يتناول الفصل بالتحليل صعود مذهب المحافظين الجدد الذي يسعى إلى إضفاء الشرعية الفلسفية على القوة الأميركية الهائلة، مستعينا بعودة الديني وبالقيم المفقودة مثل سلطة الأديان المنزلة التي أصبحت تدعى تراثا يهوديا-مسيحيا. يضرب المؤلف مثلا على هذا الخطاب من خلال إيف روكوت، أحد المذاهين الفرنسيين لمذهب المحافظين الجدد، الذي يستدعي شخصية البطل اليوناني عوليس لوصف صراعه ضد الطغاة والإرهاب، مؤكدا أن الحرب هي ضد الإسلامويين الذين يسعون إلى تدمير الحضارة. بالمقابل، يجد قرم أن آلية التفكير هذه تشبه ما سماه ستراوس «العدمية الألمانية» التي شرعنت النازية كرد فعل على خطر نهاية الحضارة، حيث يؤدي الشعور بحب الأخلاق إلى التفلت من القوانين والمناداة بنظام جديد للعنف باسم الدفاع عن الحضارة المتعرضة للخطر.
يقدم المؤلف تحفظا على هذا التشبيه، معترفا بأنه قد يكون من الشطط تشبيه الجيش الأميركي بالأرهاط النازية المبيدة، لكنه يلفت النظر في الوقت نفسه إلى أمثلة مثل معسكر سجناء حرب أفغانستان داخل قاعدة غوانتانامو العسكرية الأميركية في كوبا، أو المفاسد التي شهدها سجن أبو غريب في العراق، متسائلا عن التعذيب و«القنابل الذكية» التي تقتل مدنيين أبرياء وتعتبرها الدوائر العسكرية الأميركية «أضرارا جانبية». بهذا المعنى، يسعى المؤلف إلى تفكيك دلالة التعابير الجيوبوليتيكية الجديدة التي تخلط الديني والسياسي بطريقة مشينة، مستعرضا تجربته الفكرية التي بدأت في السوربون منذ أكثر من أربعين سنة مع أطروحة الدكتوراه حول تأثير التعددية الدينية في الأنظمة السياسية في الحوض المتوسطي، وهي التجربة المرتبطة باهتمامه بمصير بلده لبنان.
يلاحظ المؤلف أن الفكر السياسي على مر التاريخ ينزع في الأغلب إلى تسويغ قوة «الأمير» وتنظيرها، بينما يكون الفكر النقدي أكثر ندرة وأشد محاربة من قبل الانتهازيين المستفيدين من النظام القائم، إلا في عصور قليلة مثل بدايات المسيحية أو الحروب الدينية في أوروبا أو عصر الأنوار. ويجد أننا اليوم ندخل عصرا تسوده العودة إلى امتثالية فكرية جديدة ذات طبيعة استبدادية خاضعة للقوى الاقتصادية، تهدف إلى فرض رؤية أحادية الجانب للعالم تستبعد كل حس نقدي وتستند إلى عودة الديني لإقامة سلطتها الفكرية وإضفاء الشرعية على نظام جيوبوليتيكي جديد. وفي ختام الفصل، يصرح المؤلف بأنه سيقدم في الكتاب القادم تحليلا نقديا لمراحل العنف الجماعي التي جرى تسويغها باللجوء إلى الديني، معتبرا أن السياسات العنفية هي امتداد لأزمة «تأسيس» النظام الدولي وشرعيته أكثر مما هي فصل جديد في تاريخ المجتمعات التوحيدية.
2.مكوّنات هواجس الهويّة51–94▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل الأسباب الفكرية والسياسية التي قادت إلى ما يُسمّى «عودة الديني» في أواخر القرن العشرين، ويرى المؤلف أن هذه العودة ليست ظاهرة عفوية أو تعبيراً عن حاجة إنسانية طبيعية، بل هي نتاج تحوّل أيديولوجي كبير في الغرب. يبدأ الفصل برسم صورة العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث هيمنت كتلتان كبيرتان، شيوعية ورأسمالية، وكلتاهما منحدرة من فلسفة الأنوار، وكانت القوميات الجديدة في آسيا وأفريقيا تتأسس على النمط العلماني، كما تجلّى في حركة عدم الانحياز التي انطلقت من مؤتمر باندونغ في إندونيسيا سنة 1955، وفي جامعة الدول العربية التي تجاهلت في ميثاقها الصادر في آذار/مارس 1945 الرابط الديني بين المجتمعات العربية.
يشرح المؤلف أن التحول بدأ في الغرب عندما تعرّض التراث الثوري الفرنسي وفلسفة الأنوار لهجوم فكري منظم في أواخر السبعينيات والثمانينيات، خصوصاً في فرنسا، بقيادة مؤرخين مثل فرانسوا فوريه وتلامذته. ويبين كيف أن هذه المدرسة الفكرية أعادت قراءة الثورة الفرنسية بإدانتها العنف والإرهاب، معتبرة أن أفكار الأنوار واليعقوبية هي «رحم التوتاليتارية»، ومتجاهلةً في ذلك أعمالاً مهمة مثل كتاب حنة آرندت «بحث في الثورة» الذي رأى في الثورة الأميركية نموذجاً مختلفاً، وكتاب إدغار كينيه الذي ربط بين المسيحية والثورة الفرنسية. ويشير الفصل إلى دور مفكرين آخرين في هذا الهجوم، مثل ليو ستراوس في الولايات المتحدة الذي طرح الفلسفة السياسية الحديثة باعتبارها مجرد أيديولوجيا، وفريدريك روشهوا وألان بزانسون في فرنسا، وصولاً إلى جذور هذه الأفكار عند مفكرين قدماء مثل إدموند بورك ولويس دو بونالد ورينه غينون.
يؤكد المؤلف أن هذا الهجوم الفكري على الأنوار والثورة الفرنسية مهّد الطريق لأطروحة تبسيطية تزعم أن انهيار الإيديولوجيات العلمانية، وخصوصاً الماركسية، يفتح الباب حتماً أمام عودة الديني. ويوضح أن سقوط جدار برلين سنة 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 قد بلورا هذا الإجماع الجديد. لكنه يرفض هذه الأطروحة جذرياً، مشيراً إلى أن ما حدث ليس عودةً عفوية للدين، بل هو «استعانة» بالدين أيديولوجيةً لشرعنة سياسات معينة. ويستشهد في هذا السياق بخطاب الرئيس الأميركي رونالد ريغان عن «الإمبراطورية الشريرة»، وبروز التيارات الدينية المحافظة مع انتخاب يوحنا بولس الثاني وبابويته في 1979.
يدرس الفصل ازدهار الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة كأنموذج على هذا التوظيف السياسي للدين، فيناقش أعمال ماليز روين التي تتتبع أصول هذه الحركة إلى كاليفورنيا الجنوبية في بدايات القرن العشرين، من خلال كراريس «الأصول» التي كانت تهدف إلى الدفاع عن عصمة التوراة ونظرية الخلق، ومعاركها ضد تدريس نظرية التطور منذ «محاكمة القرد» في ولاية تينيسي سنة 1925. ويشير إلى أن هذه التيارات الدينية تستخدم لإضفاء الشرعية على سياسات أميركية خارجية، لا سيما في الشرق الأوسط، من خلال نظريات مثل «صدام الحضارات» لـصموئيل هانتينغتن، وأفكار باحثين آخرين قريبين من المحافظين الجدد مثل روبرت كاغان وروبرت كابلان.
يتوسع الفصل بعدها في نقد «الجوهرانية» التي تزعم أن في الطبيعة البشرية جوهراً ثابتاً يصنعه الدين، ويرى أن هذه نظرة خاطئة تتجاهل المكونات المتعددة للهوية، وهي النسب العائلي واللغة والمحيط الجغرافي. ويكشف عن الارتباط الوثيق بين العرقية والجوهرانية والاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين، وكيف أن تقسيم البشرية إلى «أجناس» أو «حضارات» متفوقة وأخرى دنيا خدم مشروع التوسع الاستعماري الأوروبي. ويشير إلى أن هذه الأفكار استمرت بصيغ جديدة في خطاب «نقل الحضارة» كما عبر عنه مثقفون مثل ألبير باييه في مؤتمر سنة 1931، وهو ما يصوغ اليوم بمفاهيم «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» في إطار إمبريالية أميركية تسوّغ تدخلاتها بذريعة مكافحة الإرهاب.
يعقد المؤلف أخيراً مقارنة تاريخية بين انحطاط القوميات الأوروبية العلمانية بعد حربين عالميتين دمرتاها، وبين هذا الرفض الحالي للقومية الذي خلّف فراغاً في الهوية، دفع إلى البحث عن «الجذور» الذي يظهر في صيغ دينية وإثنية مختلفة. ويطرح سؤالاً مهماً حول مصير الهوية الأوروبية في ظل بناء الاتحاد الأوروبي، وما إذا كانت الدول القومية القديمة ستقبل بالانحلال في كيان اقتصادي أوسع منه سياسياً. ويواجه المفارقة المركزية في أطروحته: كيف يمكن للدين، وهو مصدر الأخلاق، أن يولّد عرقية فتاكة؟ ويحيل تفسير هذه المفارقة إلى تفريق أساسي بين الحاجة الإنسانية إلى الدين، وبين الدين المؤسسي الدوغمائي، الذي يَعِد بتناوله تفصيلاً في الفصول التالية من الكتاب.
3.نشوء الأمّة وتحوّلات أنظمة تشكّل الهويّة95–161▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية تحديد المجتمعات لهوياتها وتنظيم علاقاتها بالآخر المختلف قبل ظهور الأمم الحديثة، لفهم انحرافات القومية الحديثة وانحلالها اليوم لمصلحة أنظمة هويتية أخرى. يرى المؤلف أن الهوية ليست ظاهرة متصلبة كما تذهب الأطروحات الجوهرانية، بل هي ظاهرة اجتماعية تتطور باستمرار وفق المتغيرات في أنظمة الحكم والقوة ومعايير الحضارة. فاليوناني في القرن العشرين لم يعد كما كان في القرن السادس عشر أو في عصر بريكليس، والأمة الأوروبية بناء متأخر جرى تكريسه كنظام هويتي أساسي انطلاقاً من هويات محلية جزئية داخل بنى حكم أوسع قائمة على هويات دينية شمولية.
يسير الفصل عبر مراحل تاريخية متدرجة لتفكيك تطور مفهوم الهوية، بدءاً من تكريم الأجداد بوصفه الرحم الأولى للهوية، حيث كانت العصبية القبلية والنسب هما أساس تنظيم الهوية ونظام الحكم، ثم الانتقال إلى الأديان التوحيدية التي وسعت قاعدة الهوية من القبيلة إلى الشعب المختار. يبين المؤلف كيف أن مفهوم الشعب في الثقافة الأوروبية الحديثة استعار أنموذجه من العهد القديم، حيث تحولت الشعوب الأوروبية خلال حركة تكوين القوميات إلى "قبائل ذات توجه إعلاني" تحمل رسالة ووحي، على صورة بني إسرائيل الذين وجدوا أرض الميعاد. ويشير إلى أن العلمانية الحديثة لم تقضِ على هذا المفهوم المقدس للشعب بل نقلته إلى سجل علماني مع الإبقاء على إحساسه بالمطلقية والتعالي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تتبع بناء الهويات العملاقة الجامعة في أوروبا، مثل "الديار المسيحية" التي أسسها شارلمان في القرن التاسع، مروراً بالحروب الصليبية وحروب الاسترداد الإسبانية، وصولاً إلى قرن الحروب الدينية بين 1517 و1648، ثم الثورة الإنكليزية بين 1640 و1660. يوضح المؤلف كيف أن هذه الأحداث الدينية المتواصلة شكلت خلفية ضرورية لفهم الثورة الفرنسية، رافضاً قراءة فرانسوا فوريه لها كحدث فريد معزول عن سياقه التاريخي. ويشير إلى أن غزو الأمريكيتين ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالدوافع الدينية، حيث رأى البروتستانت فيه أرض ميعاد جديدة، وكان البحث عن "المسيحيين والتوابل" دافعاً مزدوجاً للبرتغاليين والإسبان.
يفرد الفصل حيزاً مهماً لتحليل مفهوم "الغرب" بوصفه هوية عملاقة أسطورية، مبيناً أن جذوره تعود إلى الانقسام بين الكنيسة الشرقية البيزنطية والكنيسة الكاثوليكية الغربية، وإلى نظرية نقل السلطة والحضارة من الشرق إلى الغرب التي طورها مثقفون مسيحيون في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ويرى أن هذه الهوية العملاقة التي تمتلك إحساساً عميقاً بالتفوق هي وريثة تراث الديار المسيحية والتماثيل المسماة "يهودية-مسيحية"، فضلاً عن الأفكار العنصرية حول تفوق العرق الآري، وأن النازية كانت التعبير الأكثر تطرفاً عن إيديولوجيا العرق بوصفها رحماً هويتية أسطورية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل كيفية انتشار الأفكار القومية الأوروبية خارج أوروبا واستعمال القوى الاستعمارية لمفهوم الأمة للدلالة على تجمعات دينية في المشرق، مثل "الأمة المارونية" و"الأمة الدرزية" و"الأمة الأرثوذكسية"، موظفة إياها كأقليات مضطهدة تحتاج إلى الحماية الأوروبية. يذكر المؤلف أن هذه الحماية أصبحت فرعاً مهماً من القانون الدولي وأداة للتدخل في شؤون السلطنة العثمانية، وأن النفوذ الفرنسي والروسي والبريطاني تسابق على استغلال الطوائف الدينية المختلفة لتحقيق مصالحه. ويخلص إلى أن حصيلة هذه التدخلات كانت كارثية على المسيحيين المشرقيين الذين تعرضوا للمذابح والتهجير القسري والهجرة، وكذلك على الجاليات اليهودية ذات الأصول العربية والأمازيغية التي انحلت بعد إنشاء إسرائيل.
يتناول الفصل أيضاً ظهور الجامعة الإسلامية بوصفها إيديولوجيا مقاومة عابرة للقوميات في مواجهة الإمبريالية الأوروبية، خصوصاً في عهد السلطان عبد الحميد بين 1876 و1909، مبيناً أن هذه الدعوة لم تكن نابعة من التعصب الديني بل من الاقتناع بضرورة تشكيل جبهة مشتركة ضد الاعتداء الأوروبي. وتعود بعض الجذور الفكرية لهذه الحركة إلى مفكرين حداثيين مثل جمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان الذين جمعوا بين التعلق بالحداثة والدعوة إلى الجامعة الإسلامية. ويشير المؤلف إلى أن الولايات المتحدة نفسها استنفرت الإسلام وتعبئته لمجابهة التوسع السوفياتي في العالم الثالث، بتحريض من السعودية وباكستان اللتين كانتا المروجين النشطين للأصولية الإسلامية.
يعقد الفصل مقارنة بين الهويات القومية والدينية، مبيناً أن أوروبا الحديثة خلطت بين الدين والقومية في تعاملها مع اليهودية على نحو خاص، إذ ظلت اليهودية تُنظر إليها كجماعة إثنية-قومية متميزة وليس مجرد طائفة دينية، على الرغم من الإدماج الألفي للطوائف اليهودية في بيئات ثقافية متنوعة. ويشير إلى أن هذا المفهوم الأوروبي لليهودية لا ينطبق على الطوائف اليهودية غير الأوروبية، وأن "المسألة اليهودية" هي نتاج التجربة الأوروبية الخاصة وتشكل القوميات فيها. كما يميز بين مفهوم الشعب ومفهوم المجتمع، فإتمام بنيان الأمة ليس هو تكوين شعب بالمعنى الديني المقدس، بل النجاح في تكوين مجتمع يضم كل أطيافه.
يختتم الفصل بالإشارة إلى أن الخلط بين الدين والقومية لم يقتصر على السياسات الاستعمارية، بل طال أيضاً الاتحاد السوفياتي الذي أنشأ جنسية يهودية ومنحها إقليماً في بيروبيدجان بمساحة 42000 كلم مربع، والماريشال تيتو الذي أنشأ "قومية مسلمة" للبوسنيين، ومنظمة المؤتمر الإسلامي التي تأسست سنة 1969 ولم تثر أي نقاش حول مشروعية إعادة تجميع دول على أساس ديني مشترك. ويشير المؤلف إلى إحدى العلامات الأكثر وضوحاً على انبعاث الذاكرة الدينية في الغرب، وهي بناء ذاكرة "المحرقة" التي تنزع إلى أن تصبح مركزية في المنظومة الهويتية الغربية. ويخلص في النهاية إلى أن القوميات الأوروبية الحديثة التي بدت وكأنها أسقطت كل إيديولوجيا قائمة على هوية عملاقة جامعة، عادت لتظهر من جديد بصيغ مختلفة، وأن التحولات الجارية اليوم تؤكد أن مفهوم الهوية العملاقة لم يختفِ، بل يتحول ويتكيف مع الظروف الجديدة.
4.الأنماط الأولية لأشكال العنف الحديثة: الحروب الدينية في أوروبا162–219▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول أصول أشكال العنف الحديثة، رافضاً الادعاء الشائع الذي يحصر مصادرها في الثورة الفرنسية وفلسفة الأنوار. يرى المؤلف أن الأنماط الأولية لهذا العنف، بما في ذلك القمع الأيديولوجي، والتطهير العرقي، ومراقبة الفكر، والإبادة الجماعية، قد نشأت وترسخت في أوروبا خلال قرون من الحروب الدينية التي مزقت القارة بين الكاثوليك والبروتستانت. يقدم الفصل إذاً إجابة واضحة: إن العنف المعاصر ليس وليداً حداثياً فحسب، بل هو امتداد وتطوير لتراث طويل من الاضطرابات الدينية التي سبقته، والتي تتعمد الذاكرة التاريخية الأوروبية نسيانها أو تهميشها.
يسير الكاتب في بناء حجته عبر تسلسل زمني ومنطقي. يبدأ بتأكيد الحاجة البشرية الفطرية إلى الدين والتسامي، نابعة من الخوف من الموت والحيرة الوجودية، ثم ينتقل إلى تحليل كيفية استغلال الأنظمة السياسية لهذه الحاجة عبر "مأسسة" الدين، مما يؤدي غالباً إلى انفصال تام عن جوهر الرسالة الأصلية. ويبين كيف أن هذه المأسسة جعلت الأديان، وخاصة التوحيدية منها، عرضة للتحولات التاريخية والاستنزاف، فتصبح أداة للصراع على السلطة ومصدراً للعنف بين المؤمنين أنفسهم. ينتقل بعدها إلى صلب الموضوع وهو تفصيل "قرن الحروب الدينيّة الطويل" (1648-1517)، بدءاً من البوادر الأولى للانشقاق مع جون ويكليف وجان هوس، مروراً بحالة التدهور الداخلي للكنيسة، وصولاً إلى الانفجار اللوثري.
يخصص المؤلف حيزاً كبيراً لوصف إنكلترا كأنموذج أول للعنف الديني، متتبعاً مسارها من قطيعة هنري الثامن مع البابوية عام 1534 وإصدار "مرسوم السيادة"، الذي جعل الملك رئيساً للكنيسة، مروراً بقوانين الإرغام والتنكيل المزدوج بالكاثوليك والبروتستانت، ووصولاً إلى مراحل الاضطهاد المتبادل في عهدي ماري تودور وإليزابيت. يذكر المؤلف أن مؤامرة البارود (1605) وصفت بأنها أول عمل إرهابي حديث، ويشير إلى أن قوانين مثل "قانون الاختبار" (1673) كانت تستهدف الكاثوليك، حيث كان يُنظر إليهم كعملاء محتملين لقوى أجنبية مثل إسبانيا والبابوية. ويشير أيضاً إلى أن الاضطرابات لم تقتصر على الكاثوليك والبروتستانت، بل شملت الصراعات بين الأنغليكانيين والبرسبيتريين، ويورد رقم 18,000 كتقدير عدد الأشخاص الذين أُعدموا في سكوتلندا خلال "زمن المقتلة"، مع تحفظ على دقة هذا الرقم.
لا يقتصر الفصل على إنكلترا، بل ينتقل إلى فرنسا ليروي فظائع الحروب بين الهوغنو والكاثوليك، مستشهداً بأمثلة من المذابح في مدن كسانس وتور، ويصف بالتفصيل مذبحة سان بارتيليمي (1572) التي طالت خمس عشرة مدينة. يورد المؤلف أرقاماً مختلفة لعدد الضحايا، منها ما ذكره جان دليمو وهو 30,000 ضحية، ورقماً أقل نحو 10,000 ضحية كما ورد عن المؤرخة أرليت جوانا. ينقل الكاتب شهادات مؤرخين كثر لوصف "عنف وحشي" شمل التمثيل بالجثث، والإغراق، والحرق، وإجبار الأطفال على المشاركة في طقوس التشويه، موضحاً أن هذه الأفعال كانت تُرتكب باسم تطهير المجتمع من الهرطقة التي تُجسد الشيطان، وكأنها عمل إلهي. ويختتم هذا القسم بالقول إن الطرفين، الكاثوليك والبروتستانت، كانا متساويين في الوحشية، وأن كلاً منهما نظر إلى الآخر كـ"طابور خامس" في خدمة عدو خارجي.
أخيراً، يخصص المؤلف قسماً هاماً لتاريخ محاكم التفتيش، واصفاً إياها بأنها الأصل الذي تفرعت منه جرائم الرأي في العصر الحديث. يربط نشأتها بمجمع لاتران (1179) وتطورها في إسبانيا في عهد فيليب الثاني الذي حكم بين 1555 و1598. يصف إجراءاتها القمعية التي تقوم على السرية والوشاية وغياب المحامين، وإمكانية محاكمة الموتى وحرق جثثهم. ينقل الكاتب تفسيرات مؤرخين لهذه الوحشية، التي كانت تُبرر كفعل محبة لإنقاذ القطيع من العدوى، ويؤكد أن مفاهيم مثل "التخريب" و"الأقلية الشريرة" كانت مستخدمة في تلك الحقبة تماماً كما هي اليوم في خطاب الديكتاتوريات.
يمثل الفصل بأكمله حجة قوية قابلة للنقاش، مفادها أن الثورة الفرنسية لم تكن بداية العنف السياسي الجماعي بل خاتمة لمسار طويل بدأ بالحروب الدينية. من خلال إعادة الربط بين هذه الأحداث، يقترح المؤلف أن الحداثة السياسية والعلمنة قد وُلدت من رحم هذا العنف الديني، وأن التفسير التقليدي الذي يقدس عصر الأنوار ويتجاهل فظائع ما قبله هو انحياز يخدم رواية تاريخية معينة. يترك الفصل القارئ أمام سؤال مفتوح حول ما إذا كانت هذه الأشكال من العنف الديني قد انتهت فعلاً، أم أنها تحولت واستمرت في صور جديدة، ويدعو إلى ضرورة فهم هذا الإرث التاريخي لتحليل أزمات العالم الراهن بدلاً من تجاهله.
5.الحداثة بوصفها أزمة الثقافة والسلطة220–264▼ ملخص
الحداثة بوصفها أزمة الثقافة والسلطة إذاً. أعاد لنا فلاسفة جُدُد ومؤرخون جُدُد رسم ديكورات العالم، وأنشأوا نظاماً جديداً للحقيقة حيث تنصهر عودة الديني ومبادئ الأخلاق والنظرة «العنصرية» إلى العالم في مفهوم «الحضارة» الغامض ذاته. وبهذا المفهوم تعلّقت على نحو تعزيمي مفردات الديمقراطية والحرية والعولمة وقانون الأسواق. فمنذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 استأنف الخطاب السياسي السائد، أكثر فأكثر، البنية التي كانت بنيته إبان الحرب الباردة، على الرغم من المتغيرات الكبرى في المشهد العالمي. فـ «محور الشر» تلا «إمبراطورية الشر» المجسدة في الاتحاد السوفياتي، بحسب التعبير الذي أطلقه رونالد ريغان، وقد حل «الإرهاب» الذي لم يعد هناك شك في النظرة الغربية إلى العالم، بلونه الإسلامي، محل الاعتقاد بالخطر الشيوعي على نظام العالم؛ وهذا ما يعزز أطروحة «حرب الحضارات». الأزمة غير المكتملة لإعادة تأسيس الغرب تُشكّل الاستعانة بالديني الوسيلة المركزية التي من خلالها أصبحنا نكوّن نظرة إلى العالم والتاريخ متميزة بتصوّر صراع دائم بين الخير والشر. وجرى بضرب اليد استبعاد كل تحليل سياسي متأنٍّ ودقيق، يحاول تحديد الرهانات الوضعية الجارية ميدانياً، بوصفه خليقاً بإلحاق الضرر بالوحدة الضرورية داخل الكتلة الحضارية لمواجهة الأخطار الجديدة التي حددتها الولايات المتحدة: محور الشر، «الإرهاب»، أسلحة الدمار الشامل، الفاشيستية الإسلامية.
وكما رأينا، صارت هوية «الغرب» العملاقة يهودية-مسيحية حصراً، متخلية عن إنسانيتها العلمانية والكوسموبوليتية. غير أن هذه «الثورة»، التي تبدو شاذّة ومتراجعة في نظر معايير العقل والإنسانية الكلاسيكية، يمكن اندراجها بطريقة منطقية جداً في أزمة الحداثة والثقافة الأوروبيتين التي وصفتها الفيلسوفة الألمانية الكبيرة حنة آرندت بكثير من العلم والحسّ السليم من خلال أعمالها كلها. وبشكل خاص، تصف حنة آرندت في مؤلفها أزمة الثقافة، المسار التدميري الأكّال للفلسفات الحديثة، التي تُرجعها إلى ديكارت، بالنسبة إلى مفاهيم التراث والسلطة والحرية والحقيقة التي قامت عليها الحضارة الغربية. فهذه الحضارة قامت، في نظرها، على اقتران الفلسفة الإغريقية بقداسة مفهوم «التأسيس» والأجداد، الموروث عن القانون الروماني. وبحسب تحليلها، فإن الكنيسة، مقابل انقطاعها عن رسالة المسيح الأصلية، وهو حصل منذ القرن الميلادي الخامس، اندرجت في تلك الطاحونة الرومانية المزينة بالفلسفة الإغريقية، وهذا يفسّر نجاحها في الديمومة، بتواصل تراث متجدّد يضمن بقاء السلطة حتى عصر النهضة، التي شاءت أن تكون عَوْداً إلى الينابيع الإغريقية-الرومانية. هذا العَوْدُ إلى الينابيع ألهم الثورة الفرنسية، التي لعبت بالرموز الرومانية القديمة وَسَعَتْ إلى تكوّنها الذاتي في عمل مؤسِّس لعالم جديد. كذلك هو الحال بالنسبة إلى الثورة الأميركية والثورة الروسية. كما تفسّر آرندت كيف أمكن أن تكون المدارس الفلسفية الهيغلية، الماركسية والنيتشوية محاولات لإنقاذ التراث الذي قامت عليه الحضارة الغربية حتى ذلك الحين، مكتشفة فيه أو مجدّدة اكتشاف الأسس التي أتاحت المتغيّرات التي يستلزمها تطور العلوم والثورة الصناعية، ومنحتها شرعية ما. «لأنَّ إذا كان من حقّي الاشتباه» كتبت آرندت «بأن أزمة عالم اليوم هي جوهرياً أزمة سياسية وأنَّ «انحطاط الغرب» يكمن جوهرياً في انحلال الثالوث الروماني للدين والتراث والسلطة؛ وفي الانحطاط الملازِم للمؤسسات الرومانية خصوصاً في المجال السياسي، فإن ثورات العصر الحديث ظهرت كأنها محاولات جبّارة لوصل الخيط الترائي المقطوع، وللاسترجاع، بتأسيس هيئات سياسية جديدة، لما أُعطي خلال قرون كثيرة إلى إعطاء شؤون البشر كرامة وعظمة». وتضيف: «مهما يكن الأمر، فإنَّ الثورات، التي نعتبرها عموماً بمثابة قطيعة جذرية مع التراث، تظهر في سياقنا كأنها أحداث لا تزال فيها أفعال البشر البرّاقة مُستلهمة ومستمدة قوتها الأعظم من أصول ذلك التراث. فهي تبدو كأنها الخلاص الأوحد الذي قدّمه هذا التراث الروماني-الغربي لمواجهة الظروف العصيبة». إن كون مختلف ثورات القرن العشرين، بل أكثر من ذلك كل الثورات منذ الثورة الفرنسية، قد ساء مسارها وأدّت إلى العودة إلى العهد السابق أو إلى الطغيان، يبدو مؤشّراً على أن حتى هذه الوسائل الخلاصية التي أتاحها التراث قد أصبحت غير مناسبة. فالسلطة كما عرفت في الماضي، التي وُلِدت من تجربة التأسيس الرومانية والتي جرى تأويلها في ضوء الفلسفة السياسية الإغريقية، لم يجر تجديد تأسيسها في أي مكان، لا من قبل الثورات ولا بالوسيلة الأقل وعداً بالعودة إلى العهد السابق، وخصوصاً لا من قبل الأحوال الفكرية والتيارات المحافظة التي تجتاح أحياناً الرأي العام. ذلك أن العيش في مجالٍ سياسي من دون السلطة ومن دون المعرفة الملازمة بأن مصدر السلطة يعلو بشكل مطلق على جهاز الحكم وأولئك الذين هم في سدة الحكم، يعني أن المرء يجد نفسه مجدّداً في مجابهة المشكلات الأولية لعيش البشر المشترك، من دون الثقة الدينية ببداية مقدسة، ومن دون حماية معايير وأعراف السلوك التقليدية، وتالياً البيّنة الواضحة.
إذا تبنّينا تحليل آرندت لفهم الخطاب السياسي السائد اليوم حول «عودة الديني» - التي تخدم عملياً، كما رأينا، إضفاء الشرعية على الاستعانة بالديني وفقاً للنمط الأشدّ أصولية وحرفية - يغدو ممكناً فهم دوافع هذا الخطاب وجمهوره. ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل أيضاً في أوروبا، على الرغم من التضاؤل المتواصل فيها للممارسة الدينية. لقد بلغت ذروتها أزمة السلطة المرتبطة بالممارسة الوظيفية للحكم كما صنعها العلم الحديث، مع فشل الثورات الحديثة (الروسية، الصينية وثورات العالم الثالث الأخرى) في خلق أشكال جديدة لسلطة سياسية شرعية ومستديمة. والحال، يمكن اعتبار انهيار الاتحاد السوفياتي بمثابة آخر أشكال الفشل هذه، التي أثارت ظواهر الاستعانة بالديني للحفاظ أو لإحياء تراث مُتلاش منذ أمدٍ بعيد. فالاستعارة المسيحية القائمة على انصبابها في عالم المؤسسات الرومانية وعلى إبقاء مفاهيم السلطة والتراث الرومانية فعالة، لم تتمكن من التجدد في الأزمنة الحديثة. واللجوء الكاريكاتوري إلى الديني المُسمّى يهودياً-مسيحياً، والذي يمكنه من هذا المنظار الغربي أن يكون في حالة حرب «حضارية» مع عالم ظل منغلقاً في الهمجية و«الإرهاب» المجسّد لقوى الشر، إنما يُستعمل كتعويض عن فقدان مُعمَّم لمصداقية معاني الحياة المجتمعية الخاصة بمختلف مسارات مرحلة ما بعد الحداثة. من هنا نجاح الديكورات الجديدة التي تُوهمنا بقيام تأسيس جديدٍ يُبنى عليه، في نطاق تواصل التراث الديني، مع التشديد على القيمة المركزية الكائنة في الحرية الفردية. إن أحد الرموز المركزية لإعادة التأسيس هذه قد تبلور لاحقاً حول ظهور دولة إسرائيل، الأيقونة الحقيقية للعَوْدِ الديني، بالمعنى الأصولي والحرفي، الذي يربط ممارسة العلم والديمقراطية بمطلب إعادة تجسيد المصدر الأول للتوحيد، اليهودية. من هنا أيضاً، في هذا البناء الجديد للتراث، إجلاء التراث الروماني-المسيحي (والإغريقي-الروماني) لمصلحة «تراث» يهودي-مسيحي لم يكن كائناً ومحسوساً حتى ذلك الحين؛ إذ إن التوحيدين قد عاشا في تعارض لاهوتي شديد وحالة خصام مطلقة. ومن هنا أيضاً وأيضاً صعوبة نقد دولة إسرائيل أو دعم المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال وقضم الأراضي المحتلة بتوسيع المستوطنات السكانية؛ أو أيضاً صعوبة تطبيق الأحكام الكلاسيكية للقانون الدولي على هذا النزاع. كان هيغل وكييركغارد من أوائل الذين استعملوا في أعمالهما، وفي أحيانٍ نادرة، تعبير «التراث اليهودي المسيحي»؛ في محاولة منهما لجعل التوحيد عموماً، وليس المسيحية وحدها، أساس العقل الحديث و«الروح». لكن، وبشكل مثير، ما برح ثالث الأديان التوحيدية، الإسلام، مستبعداً من هذا الحقل الميتولوجي والنسابي للغرب، فيما دوره كموصل وناقل لثقافة الشرق في القرون الوسطى - المتطورة للغاية حينذاك والمنفتحة على الثقافات الأخرى إلى الغرب - لا يمكن إسدال ستار الصمت عليه. مع ذلك، هذا ما يفعله منذ أمد طويل عدد من المفكرين الأوروبيين، كالفيلسوف الفرنسي فيليب نيمو مثلاً، الذي حاول تثبيت ذاكرة الغرب الدوغمائية والذي استبعد باستخفاف كل احتمال لتأثير العالم الإسلامي في الغرب، معتمداً على دليل غير مباشر على أنَّ فكر الغرب العلمي لا يدين بشيء جوهري للعالم الإسلامي، في واقع أنَّ فكر ابن رشد لم يكن له غد في الإسلام ذاته، وتالياً لم تعرف المجتمعات المسلمة تطور العقلانية والعلم ذاته، ولا البروميثوسية العاملة على تعجيل التطور، المميزة للمجتمعات الغربية. إنها حقاً علامة على أنَّ فكراً آخر كان يسود في الإسلام. بهذا المعنى يمكن اعتبار إسرائيل بمثابة «مرحلة» أخيرة لحداثة باحثة عن شرعية دينية لضمان إعادة تأسيس للثقافة الأوروبية؛ وهي شرعية ظلت مفقودة حتى ذلك الحين. ناهيك بأننا قد ذكرنا في الفصل الثاني السهولة التي واصلت بها الثقافة الأوروبية اعتبار الهوية الدينية كمعيار ممكن قبوله لوجود 'أمّة'، أو كمبدأ بناء في النظام الدولي، حينما يتعلق الأمر بمناطق خارج أوروبا (إنشاء باكستان سنة 1947، إنشاء إسرائيل سنة 1948، تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي سنة 1969، الثورة الدينية الإيرانية سنة 1979، وفي سنوات 1980 تعبئة ألوف الشبّان العرب تحت راية الجهاد للذهاب إلى محاربة القوات السوفياتية في أفغانستان). إذاً، ليست استعانة القوى الغربية المعاصرة بالديني وليدة الأمس، بل تندرج في تواصل سوابق كانت وراء نزاعات عديدة ولامتناهية، صارت عابرة للقوميات. من هذا المنظور، إنَّ تحول العالم تحت وطأة القوة المتعاظمة للتقنيات، والإيمان بسيطرة ممكنة على مسار التاريخ لتسريع مجراه، والجهود الفكرية لاختراق «نظام الأشياء» بغية تفسير كل محرّكاتها وأحداث انقلاب فيه، قد تكون كلها وراء التقلبات المأسوية وأعمال العنف في القرن العشرين: البولشقية، الفاشية، النازية، المحرقة والحربين العالميتين. وإذا تخطينا الانتهازية السائدة في تدبير الشؤون الدولية، فإنّ معاودة تأسيس العالم بالديني تعمل مع ذلك كعلاج وهمي لما كان الفيلسوف الفرنسي الصوفي الذي أسلم رينيه غينون يسميه (أزمة العالم الحديث) أو لما كانت حنة آرندت تصفه ب «أزمة الثقافة»، وهي أزمة روحية في أساسها عند الأول، وفلسفية وسياسية جوهرياً عند الثانية.
منذ النهضة الأوروبية، جاءت فلسفات التاريخ لتحل مكان الهيكليات اللاهوتية الكبرى للعالم منذ القديس أوغسطين، والتي أنتجتها المسيحية الممأسسة. فهي تشكل المميّز الأوضح للحداثة: من حيث زوال استقرار العالم ونظام الأشياء الذي يتم بناء على الفعل الأولي المؤسس للدين. فبينما كان انهيار الإمبراطورية الرومانية يُعتبر حتى ذلك الحين بمثابة فعل للمشيئة الإلهية التي سمحت بانبثاق المؤسسة «العالمية» للمسيحية، صار هذا الحدث موضوع مساءلة شديدة ذات طبيعة وضعانية عن أسباب عظمتها، وكذلك عن أسباب انهيارها. إن العالم الأوروبي حين اكتشف عوالم أخرى، واحتكّ بحضارات أخرى (خارج المدار التوحيدي، الإسلامي والمسيحي ضرباً على وجه التقريب)، إنما أصبح قلقاً على استمرار حضارته الخاصة. فهو أصبح يرى ذاته تماماً في تأسيس المسيحية له، بصفتها وريثة الإمبراطورية الرومانية. لكنه صار يخشى انحطاطاً جديداً ناجماً عن أسباب بشرية خالصة طالما أنَّ الله لم يعد المنظم الأعظم لنظام الأشياء، حيث بات يرى، منذ ذلك الحين وبنحو واضح، أن تدخل الإنسان يلعب أيضاً دوراً مركزياً في مسار الحضارات. من هنا هذا الالتباس المميز للثقافة الأوروبية؛ التي يتجاذبها ما يسميه عالم السوسيولوجيا الألماني الشهير ماكس فيبر «خيبة أمل» العالم، جرّاء فقدان المفعول «السحري» للدين، والتوجس من انحطاط الحضارة الغربية؛ فهي حضارةٌ منخورةٌ في آنٍ بهذا «الحسران للمعنى» (الذي كان يؤمّنه الدين) من جهة، وبأوهام اللامحدود إلى درجة العنصرية والنرجسية، اللتين أثارتهما مائرها التقنية وانفجار القوى المنتجة والرفاهية المادية وتأسيس الحرية الفردية على حساب كل القيم التقليدية، من جهة أخرى. فكل فلسفات القرن العشرين، التي فقدت الثقة الكبيرة بالذات التي تميّزت بها فلسفات القرن التاسع عشر، تعبّر عن هذا الوجود الرديء الذي كانت الرومانسية من روّاده على الصعيد الأدبي، فنادت بالعودة إلى الينابيع، وجعلت من الشرق المتوسطي مزاراً أو محجاً صوفياً. وكما رأينا في الفصل الثاني، هذا النمط من الرومانسية غذى أيضاً الحُمّى الاستعمارية وأسهم في إناطتها بشرعية قوية، مندرجة ومرتسمة في سياق الصورة النرجسية التي كوّنها الغرب عن ذاته وعن توجّهه إلى تجديد العالم. من الواضح، في كل الأحوال، أنَّ فلسفات التاريخ التي أنتجتها الحداثة الأوروبية والتي قامت على تراتبية الحضارات والأديان والثقافات، إنما أنتجت أزمات في كل مكان: في قلب أوروبا ذاتها، مع بروز الفاشية والنازية؛ وخارج العالم الغربي، أينما سَرَتْ وجَرَتْ وحيثما لم تنجح بشكل أفضل في تأمين الاستقرار والازدهار.
لكن، أينبغي حقاً تجريم ترك التراث بمحتواه الديني والمؤسِّس، كما ذهب إلى ذلك جميع المفكرين المحافظين الأوروبيين، الأعداء الشديدين للثورة الفرنسية ولمبادئها السياسية، وكما تذهب اليوم إلى ذلك الفلسفات السياسية الجديدة الرائجة التي تحاول أن تصالح اللجوء الأميركي إلى التراث الديني مع الديمقراطية والحريات الفردية، لتسويغ استبدادية دولية بمرجعية ليق مطلقة؟ فإذا ذهبنا مع حنة آرندت إلى أن الحداثة تُعتبر لحظة تمزق في الهيكل الترائي الضامن للاستقرار والسلام، فإننا لا نشك في أن الوضع المعيش للحضارة الغربية عند عتبة القرن الواحد والعشرين ما برح بعيداً جداً من النجاح في تهدئة الأزمة هذه. فوق ذلك يمكن، في تصوّرٍ كهذا، التأكيد أنَّ العالم يعيش اليوم مرحلة إضافية، ربما ذروةً، في محيط نكري وثقافي مُفقر أكثر فأكثر: ديكتاتورية الأسواق الاقتصادية، رؤىّ سياسية متصلبة وضيقة، خطابات تنذر بنهاية الكون بسبب التهديد الذي يُثقِل به الإرهاب مستقبل البشرية، فقدان كل مثال اجتماعي خارج الخطب التقنوية أو الاقتصادوية حول ضرورة اجتثاث الفقر، ومكافحة الفساد، وإقامة حسن التدبير والشفافية في إدارة شؤون العالم. لكن إذا عدنا قليلاً إلى الوراء، إلى جذور هذا القلق، فلا ينبغي تجريم الثورة الفرنسية وبدائلها خارج أوروبا، بقدر ما ينبغي تجريم تضافر عوامل عدّة سابقة للثورة، وبنحو خاص انهيار سلطة الكنيسة الرومانية واكتشاف العالم الجديد. فالشكل الجديد لإبادة الآخر، كما رأينا، بالحرب الشعبية الشاملة، حيث المواطن على سلاحه، إنما جاءنا من الحروب الدينية. ثم إنَّ الحروب الثورية استرجعت هذا الشكل من العنف وضخمته؛ وقد كانت هي أيضاً ذات تلوين قوموي. جاء هو نفسه من انهيار السيادة الإلهية، المنقولة إلى الشعب المتجسّم في أمّة. وحين صار التفكير السياسي يأخذ طابعاً تاريخياً وفلسفياً، أهمل أهمية الحروب الدينية الداخلية في أوروبا. أقلّه أن التحليل قد انصب بكيفية شبه حصرية على الطبيعة «التحريرية» لتلك الحروب بالنسبة إلى العقل البشري. في حركة التاريخ، حاولت الفلسفة الهيغلية أن تعطي تلك الحركة دلالة مصالحة بين غائيّة التاريخ المحدد بالتراث الديني وبين التاريخ العادي، الدنيوي، المنكبّ على التقدم، والذي رصّنته وصاغته فلسفة الأنوار. على هذا النحو صارت الفلسفة بديلاً للاهوت واكتسبت فلسفة التاريخ مع هيغل مقام المعرفة الأرفع، الذي كان يجسدها حصراً اللاهوت حتى ذلك الحين. ففي نظر هذا الفيلسوف، لم يعد تاريخ البشرية ذلك الذي تكون فيه الرسالة الدينية والوحي الإلهي عبر الأنبياء ثم عبر تجلي الله وتجسّده في المسيح، هي اللحظة المؤسسة؛ بل إنه أصبح تأريخ مسار تَقَدم الروح البشري؛ حيث يُنظر إلى الوحي الإلهي بصفته مرحلة لازمة وضرورية؛ وليس بوصفها نهاية للتاريخ أو بمثابة إقامة نهائية لإطار ثابتٍ يعيّش الدين الإنسان فيه. لم يعد الدينَ غايةً «بذاته ولذاته»، كما كان يمكن هيغل أن يقول، بل هو أداة لتقدّم الروح والعقل. من المحتمل أن تكون الهيغلية، وهي في صميم الحداثة الأوروبية بعددٍ من جوانبها (بما فيها الجوانب الأكثر استبدادية ونرجسية)، قد أجرت أنجح توليف بين حالات التوتر الناشئة عن المجابهة بين الفكر الديني التقليدي والفكر الوضعي المتكون خلال الحروب الدينية من جهة، وبين الحركة الملازمة المتحدرة من اكتشاف المجتمعات خارج أوروبا، عن الحضارات الأخرى وعن الفضول العلمي الذي يميز عالم النهضة الأوروبية من جهة ثانية. محل عالم الشك الميتافيزيقي حول معنى الوجود البشري الذي استهلّه ديكارت، أحلت الفلسفة الهيغلية رؤيةً تريد أن تكون تصالحية، توفيقية، محترمة في أن للتأسيس على التراث الديني ولحركة تطوّر عقلانية الفكر البشري. من هنا، في رأينا، النجاح الهائل لهذه الفلسفة، الذي سيؤدي لاحقاً إلى ولادة إيديولوجيات القرن التاسع عشر الدنيوية الكبرى، الوضعية، التاريخانية والماركسية. في الرؤية الهيغلية للتاريخ يُعتبر التوحيد بمثابة مرحلة كبرى من تطورات الروح البشري. فهو الذي استبدل التصوّر الدائري للتاريخ، العزيز على اليونانيين، بتصوّر أخروي حيث انتظار أحداث مقبلة (عودة المسيح إلى الأرض، أو مجيء المسيح المنقذ بالنسبة إلى اليهودية) يخلق توتراً دائماً، يسمح بتطورات الروح من خلال اللاهوت. مكان رؤية الإغريق الحزينة البطولية للتاريخ، حلت الرؤية الشمولية، العالمية والعقلانية المفترضة للتوحيد الذي وضع في الوقت نفسه، أقله في الرؤية المسيحية، الفرد في صدارة الشأن التاريخي، وليس الأجداد أو القبيلة: فالخلاص يمكن نيله على المستوى الفردي وليس على المستوى الجماعي.
لكن، عملياً، وخلافاً لما يقرّره هؤلاء الكتاب، إنَّ حركة المصالحة هذه بين الدين والعقل التي أرسى هيغل ركائزها الكبرى، ستقوم بلا ريب بدور التأسيس ل «غربية» حديثة في الثقافة الأوروبية، أي لإعادة كتابة التاريخ الأوروبي لإناطته بوحدة وبعقلانية منذ اللحظة التوحيدية المؤسِّسة. تدرجياً سيجري تأهيل العصر الوسيط حتى لا يعود معتبراً كمرحلة انحطاط وظلامية: فقد صار غرفة الانتظار التي تُحضّر فيها التطورات المقبلة؛ وجرى إبراز أعمال بعض اللاهوتيين الكبار على أنها طليعة العلمانية. من انهيار الإمبراطورية الرومانية، وظهور وزوال كيانات سياسية متباينة القوام والطبيعة، انكبّ البحث التاريخي منذ هيغل على إظهار وحدة الحضارة المسماة غربية وتواصلها. حتى الحروب الدينية جرى إدراكها، على الرغم من أهوالها ومن همجيتها، كمقدمة ضرورية لتحرر البشرية، المتجسد في التاريخ الطليعي للغرب. سيكمّل ماكس فيبر التأسيس الهيغلي لتاريخ الغرب المعاد تكوينه على هذا النحو، جاعلاً من البروتستانتية عنصراً مركزياً في الحضارة الأوروبية، سيما في جوانب تقدّمها المادي والاقتصادي. وهكذا تمَّ تسخير أوسع لتراثٍ أنتروبولوجي وسوسيولوجي بدأه مونتسكيو وضبطه هيغل، قوامه إقامة علاقة مباشرة بين الدين وتقدّم العلم والعقل. إن إيديولوجية «استثنائية» الغرب بالنسبة إلى الشعوب والأعراق والأمم والحضارات والأديان الأخرى، التي حاولنا وصفها بخطوطها العريضة في مؤلفٍ آخر، ترتدي هنا شكلها الأتم والأكمل. وإنَّ وظيفية هذه الإيديولوجيا متعددة. فهي لا تفيد في شرعنة المودة العالمية المكتسبة (وتالياً شرعنة الغزوات الاستعمارية الكبرى أو الهيمنة على إدارة النظام الدولي الحديث الذي يربط الدول بعضها ببعض) وحسب، بل تفيد أيضاً في المصالحة، حتى داخل كتلة البلدان «الغربية» الكبرى، بين الآراء المحافظة للمتشوّقين إلى الأشكال السلط
6.الأزمة الدينية والسياسة المزدوجة في المجتمعات التوحيدية المعاصرة265–317▼ ملخص
يطرح هذا الفصل أطروحة محورية مفادها أن الأزمة الدينية والسياسية المزدوجة التي تعصف بالمجتمعات التوحيدية (الإسلامية والمسيحية واليهودية) هي جوهر الاضطرابات المعاصرة، وليست مجرد صراع حضارات كما يروّج خطاب غربي سائد. يرى المؤلف أن الاستعمال السياسي المكثف للديني هو ترجمة لأزمة شرعية السلطة السياسية في هذه المجتمعات، وفي الوقت نفسه يعكس أزمة المؤسسة الدينية ذاتها التي تلجأ للسلطة السياسية لاحتواء انحدارها. هذه الحلقة المغلقة من الأزمة المزدوجة تخلق حالة من الفوضى والتوتر المتواصل، وغالباً ما تتحول إلى أعمال عنف، وتجد شرعيتها الفكرية في نظرية "حرب الحضارات" التي تتصور العالم منقسماً بين عالم يهودي-مسيحي ليبرالي متسامح وعالم إسلامي متأخر واستبدادي وعنيف.
يسير الفصل عبر مسار تاريخي مقارن لفهم هذه الأزمة، فيبدأ بتحليل الديناميات التاريخية المعقدة للمجابهات بين الأديان التوحيدية الثلاثة. يوضح المؤلف كيف أن التوحيد، بصفته وحياً مجسداً في نص مقدس، أثار دوماً الجدال حول التأويل، مما أدى إلى انشقاقات وهرطقات وحروب دينية داخلية، خصوصاً في المسيحية والإسلام بسبب تمأسسهما السياسي القوي. ويشير إلى أن اليهودية تجنبت هذا التمأسس الجغرافي منذ هدم هيكل أورشليم على يد الإمبراطورية الرومانية عام 70م، مما ساهم في بقائها ولكن أيضاً في تعرضها لاضطهادات متواصلة. ينتقل بعدها لتحليل البروتستانتية بوصفها ثورة أصولية أعادت قراءة النص المقدس حرفياً، وكسرت وحدة أوروبا الدينية ومهدت لانفجار القوميات الحديثة، مع الإشارة إلى أن تجديدها الأصولي يظهر اليوم في الولايات المتحدة ودعمها لليهودية عبر دولة إسرائيل.
يتناول الفصل بالتفصيل أزمة الإسلام الأصولية، ويشير إلى أن جوهرها ليس في الدين ذاته بل في قلة تمأسسه السياسي مقارنة بالكاثوليكية. يستعرض الانقسام التاريخي بين السنة والشيعة، وازدهار التأويل في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في بغداد تحت حكم هارون الرشيد (766-809م) والمأمون (814-833م)، ثم الانتكاسة التي مثلها الغزاة السلاجقة في القرن الحادي عشر والتي فرضت مذهباً سنياً جامداً. ويؤكد أن إغلاق باب الاجتهاد منذ القرن التاسع أدى إلى جمود التفسير الديني، ويرى أن هذا الجمود كان سبباً في الانحطاط السياسي. كما يسلط الضوء على أن الإسلام، بخلاف المسيحية، حافظ على تقاليد التسامح مع "أهل الكتاب" والزرادشتيين وغيرهم، لكنه رفض لاحقاً تعدديته الداخلية في الرأي.
يقدم الفصل قراءة تحليلية للتعبير الأصولي الإسلامي كمرآة لجيوبوليتيكا التنمية وفشلها، ويربطه باضطرابات روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبالحروب الدينية في أوروبا. يوضح كيف تستغل الحركات الأصولية الراديكالية، وهي أقلوية، مشاعر القمع والظلم الشائعة لدى الشعوب المسلمة بسبب الهيمنة الغربية، وتعيد قراءة التاريخ بمنطق ديني يخلط بين فترات زمنية مختلفة. يميز بين ردود الفعل الشعبية الانطوائية على أشكال القمع وبين التنظير الدوغمائي للأصوليين العقائديين. ويفضح استغلال الأنظمة الحاكمة نفسها للإسلاموية، إما بإضفاء الطابع الإسلامي على مؤسساتها للتعويض عن فشلها، أو بتوظيف الجماعات المتطرفة لقمع المعارضة، مع أمثلة على ذلك من مصر وأندونيسيا وتركيا والجزائر، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة كانت رائدة في هذا النمط من الاستعمال.
أخيراً، يحلل خصوصية التوحيد اليهودي الذي نجا من التشنجات الكبرى بفقدانه المبكر لمركز سلطته السياسية، لكنه واجه تحديات الحداثة عبر حدثين كبيرين: صعود اللاسامية الذي بلغ ذروته في المحرقة، والولادة التلازمية للحركة الصهيونية التي أسسها ثيودور هرتزل عام 1897. يشير إلى أن الصهيونية لاقت معارضة شديدة من داخل اليهودية ذاتها، سواء من العلمانيين الذين رأوا فيها خطراً أو من الدينيين الذين اعتبروها هرطقة وتحدياً للمشيئة الإلهية. ويختم الفصل بتقييم أن التوحيد بفكرة الإله الواحد سعى لتحقيق وحدة البشرية، لكن النصوص المقدسة المعقدة أفضت إلى تأويلات متنوعة، وأن السلطة التي تستند إليها لضمان النظام الاجتماعي تولد الانشقاقات والفتن على قدر ما تولد الاستقرار. وبهذا المعنى، فإن الاستعانة بالديني ليست السبيل الأضمن لضمان السلطة، والأزمة الحالية تعطي صدقية لأطروحات حرب الحضارات، لكن السؤال الكبير الذي يتركه مفتوحاً: هل يمكن الخروج من هذه الحلقة الجهنمية المغلقة التي تترابط فيها الأزمات السياسية والدينية بلا نهاية مرئية؟
من بين الحجج القابلة للنقاش في الفصل، فكرة أن التمأسس السياسي القوي للمسيحية كان عاملاً في تطورها وحداثتها، بينما كان التمأسس الضعيف للإسلام سبباً في انحطاطه، وهي مقارنة قد تكون مبسطة وتتجاهل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعقدة التي لعبت دوراً في مسار الحضارتين. كما أن التركيز على العامل الديني كأساس للأزمة قد يقلل من أهمية التحولات البنيوية العالمية والصراعات الجيوسياسية التي تساهم بشكل كبير في تشكيل هذه الأزمات.
7.حول الحرب والسلم في القرن الواحد والعشرين318–352▼ ملخص
هذا الفصل يتناول الموضوع المحوري للعلاقة بين الحرب والسلم في النظام الدولي المعاصر، وينتقد بشدة الخطاب الغربي والأميركي الذي يروّج لفكرة "حرب الحضارات" كتفسير للصراعات العالمية. يرى المؤلف أن هذا الخطاب هو أيديولوجيا منحرفة وعبارة عن لعبة خداع سياسي تهدف إلى إضفاء الشرعية على التدخلات العسكرية والحروب الاستباقية، بدلاً من السعي نحو سلام وأمن جماعي حقيقيين. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الصراع ليس بين حضارات أو أديان، بل هو صراع قوى ومصالح سياسية واقتصادية تختفي وراء أقنعة أيديولوجية ودينية.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليُظهر كيف انحرفت الأفكار الأممية النبيلة للسلم، التي دعا إليها مفكرون مثل الأب دو سان بيار وكانط، عن مسارها في التطبيق، مثلما حدث مع عصبة الأمم والأمم المتحدة ومع أفكار الأممية البروليتارية في ظل هيمنة الاتحاد السوفياتي الستاليني. يوضح المؤلف أن القوى الكبرى تستحوذ على الأفكار السامية وتحولها إلى آليات لتوسيع نفوذها. ثم ينتقل إلى تفكيك مفهومي "الثقافة" و"الحضارة"، مشيراً إلى التباساتهما، ويؤكد أن الثقافات الحية هي ثقافات وطنية، وأن الكلام عن "حرب حضارات" ليس له معنى لأن العلاقات بين الثقافات تتغير وتتفاعل، وأن هذا المفهوم سياسي بامتياز يستخدم لتبرير الانتشار العسكري.
في تطويره للحجة، يحلل المؤلف وظائف الخطاب الأميركي، خاصةً بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، حيث تم استبدال عبارة "التخريب الشيوعي" بعبارة "الإرهاب العابر للقوميات"، والذي يُنظر إليه على أنه قادم من البلدان المسلمة ومن "محور الشر" الذي ضم دولاً وصفها الرئيس جورج بوش الابن بأنها "مارقة" مثل إيران وكوريا الشمالية والعراق قبل الغزو. ويشير المؤلف إلى أن هذا الخطاب يمنح أهمية خرافية للجماعات الإرهابية، مما يساهم في نجاحها وتجنيد المزيد من المتطوعين في صفوفها. كما ينتقد المؤلف تأثير هذه العقيدة على موقف الأمم المتحدة، مستشهداً بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في آذار/مارس 2005 بعنوان "في سبيل حرية أكبر"، والذي يجعل من مكافحة "الإرهاب الكارثي" مركز اهتمامات الأمن الدولي، متجاهلاً النزاعات الأخرى والصراع الفلسطيني وغزو العراق خارج إطار قانوني، في حين أن تقريراً سابقاً للجنة خبراء رفيعة المستوى في عام 2004 كان قد أشار إلى أسباب الإرهاب من يأس وإذلال وفقر وقمع واحتلال أجنبي.
يقدم المؤلف نظرة واسعة على التاريخ العنيف للإرهاب غير المرتبط بالحركات الإسلامية، مذكراً بأعمال إرهابية قامت بها حركات قومية أوروبية وجماعات يسارية متطرفة مثل "الألوية الإيطالية الحمراء" و"الجيش الأحمر الياباني"، وحركات يمينية متطرفة في أميركا اللاتينية، وحرب العصابات الماوية في النيبال وحزب "نمور التاميل"، كما يسرد تاريخ الإرهاب في الشرق الأدنى منذ عقد الأربعينيات مع منظمة "إيرغون" واغتيال الكونت برنادوت، وهجمات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، إلى جانب عمليات كارلوس واختطاف رعايا غربيين في لبنان. هذا السرد يخدم حجة المؤلف في أن تخصيص الإرهاب بالإسلام فقط هو تبسيط مغرض وتشويه للحقيقة، وأن التهديد الحقيقي الذي تسوقه السياسة الأميركية هو بناء إيديولوجي وليس واقعاً تاريخياً.
يختم الفصل بمناقشة مفهوم "الغرب" نفسه، مبيناً أنه ليس كتلة حضارية منسجمة بل هو تحالف حضارات متنوع، وأنه لا يمكن وصف البلدان المسلمة بأنها كتلة حضارية موحدة، نظراً للنزاعات العديدة التي نشبت بينها على مر التاريخ، حتى أن بعضها حليف عسكري للغرب. كما ينقد التطبيق الانتقائي للقانون الدولي والمعايير المزدوجة في التعامل مع القضايا العالمية، خاصةً فيما يتعلق بدعم إسرائيل دون قيود في انتهاكها القانون الدولي. يتناول الفصل أيضاً مقترحات "حوار الحضارات" من الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في 21 أيلول/سبتمبر 1998، و"تحالف الحضارات" من رئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس زاباترو في 21 أيلول/سبتمبر 2004، كنماذج لمحاولات الخروج من منطق الحرب، لكنه يشير إلى أن تبني هذه الموضوعة يعني ضمنياً التسليم بصحة تشخيص هانتينغتن، في حين تبقى هذه المبادرات مجرد صرخات احتجاج وسط ضجيج خطاب الحرب.
أقرّ المؤلف في نصه بوجود حدود للتحليل وصعوبات في التكهن بمستقبل الأنموذج الحضاري السائد، مؤكداً أنه من الصعب معرفة إن كان مدعواً للبقاء أو كم سنحتاج من حروب باسم الحضارة لاسترجاع الحكمة. كما أن الفصل يترك أسئلة مفتوحة حول وظيفة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد زوال الاتحاد السوفياتي وحول الهدف من إعطاء مفهوم الغرب مركز الصدارة في الأدب السياسي، وما إذا كان الهدف هو مواجهة قوة الصين الصاعدة. الحجج التي يقدمها الفصل قابلة للنقاش، خاصةً فيما يتعلق بتقييمه السلبي لدور الأمم المتحدة وتأثرها الكبير بالسياسة الأميركية، وبتركيزه على التناقضات داخل العالمين "الغربي" و"الإسلامي" لإثبات عدم قابلية تطبيق نظرية "صراع الحضارات"، وهو تحليل قد يعتبره البعض متحيزاً ضد السياسات الأميركية وداعماً لوجهة نظر العالم العربي والإسلامي.
8.خاتمة: نحو ميثاق علماني عالمي؟353–393▼ ملخص
يطرح هذا الفصل الختامي سؤالاً محورياً حول إمكانية صياغة "ميثاق علماني عالمي" كإطار بديل لإدارة العلاقات الدولية، ويقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن هذا الميثاق ضرورة ملحّة لمواجهة الاستغلال المتنامي للدين في الصراعات الجيوبوليتيكية المعاصرة. فبدلاً من النظرة التي تُختزل فيها الصدامات الدولية إلى حروب حضارات أو صراعات دينية، يدعو قرم إلى إعادة تأسيس النظام الدولي على أسس جمهورية وعلمانية تُخرج الهوية الدينية من المجال العام الدولي، تماماً كما فُصلت عن الدولة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة. يرى المؤلف أن الحل لا يكمن في استبدال خطاب ديني بآخر، بل في تجاوز الإشكاليات الفكرية السائدة والخروج من استخدام الدين كأداة لتغذية القوميات الحضارية الجديدة، سواء في العالم الإسلامي أو الغربي، والعمل على تغيير جذري في المصطلحات والمقولات السياسية المتداولة عالمياً.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر نقد الممارسات الخطابية والسياسية التي أسهمت في تأجيج التوترات، ليقترح في النهاية رؤية متفائلة تقوم على إحياء الروح الجمهوري والكوسموبوليتية. يبدأ المؤلف بانتقاد حاد لخطاب "الإرهاب العابر للقوميات" الذي تروجه الولايات المتحدة والأمم المتحدة، معتبراً أنه مفهوم كشكولي يحجب الأسباب الحقيقية للعنف ويُحيل ذهنياً إلى فكرة "الإرهاب الإسلاموي"، وهو ما يرى فيه استعارة واعية لمفهوم "التخريب الشيوعي" الذي كان يُستخدم سابقاً لوصف كل معارضي النظام. ويلاحظ قرم أن معظم العمليات الإرهابية الكبرى منذ 11/9/2001، وبصرف النظر عن هجمات مدريد في آذار/مارس 2004 وهجمات لندن في تموز/يوليو 2005، وقعت في بلدان مسلمة مثل المغرب والسعودية واليمن والأردن والعراق وباكستان ومصر، مما يشير إلى أبعاد وطنية واجتماعية-سياسية غالبة على الطابع العابر للقوميات. ويسائل المؤلف: ألم تتسم حروب الدين في أوروبا بأقسى أنواع العنف والعبثية؟ فلماذا لا يُحلَّل هذا العنف في سياقه الجيوبوليتيكي بدلاً من اختزاله في خطاب "حملة صليبية" ضد جماعات يستحيل القبض عليها، مثل بن لادن "الأسطوري"؟
ينتقل النقاش بعدها إلى الاستعمال المفرط لوصف "إسلام" كحيز جغرافي أو قومية، رغم أن الإسلام دين عالمي مثل المسيحية أو البوذية، وليس ثقافة واحدة لأن لغات عدّة تُحكى في البلدان التي يسودها. ويضرب المؤلف مثالاً دالاً على ذلك بصفة "القنبلة الذرية الإسلامية" التي أُطلقت على الجهود النووية الباكستانية، متسائلاً بتهكم: هل يُقال "قنبلة ذرية مسيحية" على الترسانة الغربية أو "يهودية" على إسرائيل أو "هندوسية" على الهند؟ هذا الخلط بين الديني والجغراسياسي، بحسب قرم، يغذي الاحتجاج الاجتماعي في البلدان المسلمة ذاتها، إلا أنه يرفض بشكل قاطع البحث عن أسباب الإرهاب في القرآن أو الشريعة، واصفاً ذلك بأنه "سوريالي تماماً" وثرثرة تحجب المشكلات الحقيقية ذات الطابع الدنيوي الكامل، وعلى رأسها: الاحتلال والاستيطان في فلسطين، التهميشات الاجتماعية العميقة، التوزيع المجحف للثروات في اقتصادات الريع النفطي، والأنظمة الاستبدادية التي تمزج السياسي بالديني. ويدعو المؤلف إلى إيقاف النقاشات الفارغة حول الإسلام من غير المسلمين، مؤكداً أن على المسيحيين واليهود الاعتراف بالإسلام كدين توحيد كامل يستحق الاحترام نفسه، والانتقال إلى حوار لاهوتي حقيقي بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة بدلاً من الخلط العشوائي بين السياسي والأنتروبولوجي.
بل إن النقد يمتد ليشمل وسائل الإعلام العربية التي تُبسّط الأمور وتنتقد العلمانية بفظاظة باعتبارها حركة إلحادية، ويستشهد على ذلك بالتغطية المنقوصة لقانون شباط/فبراير 2004 الفرنسي المتعلق بمنع ارتداء الحجاب في المدارس العامة، والذي قُدّم كحظر عام في كل الأراضي الفرنسية دون توضيح طبيعته الحقيقية أو السجالات الغنية التي دارت حوله في فرنسا، بما فيها مداولات اللجنة برئاسة برنار ستازي. في المقابل، يرى المؤلف أن استعادة ذاكرة الحضارة الإسلامية الكاملة، التي مارست التعددية الدينية والإثنية وتكيّفت مع حضارات فارس والهند وإسبانيا ومصر وسورية والعراق ولبنان، ضرورة لفهم حركة الإصلاح الديني التي بدأت منذ الثورة الفرنسية وحملة نابليون بونابرت على مصر، معتبراً أن هذه النهضة "أجهضتها الصحوة الإسلامية" الناشئة في سياق الحرب الباردة. ويشير إلى أن الحركة الإصلاحية البادئة منذ أكثر من 175 سنة برحلة الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي إلى باريس سنة 1826، وشاركت فيها أعمال مفكرين مثل أنور عبد الملك وألبرت حوراني، قد بُترت عن الأجيال العربية الشابة لتُستبدل بمؤلفات الأصوليين، مما يفسر تزايد مشاعر العداء وردود الفعل العنيفة.
لا يقتصر التحليل على الإسلام، بل يتناول المؤلف الوضع في اليهودية، مندداً بنفوذ الأوساط المحافظة التي تدافع عن كل مواقف دولة إسرائيل وتخلطها مع الدفاع عن اليهودية ذاتها، متجاهلة تعددية الآراء في الفكر اليهودي. ويذكر المؤلف شخصيات يهودية ناقدة تُصمت أصواتها وتُتهم بكره الذات، مثل عالم الألسنية نعوم تشومسكي، وأستاذ الكيمياء في جامعة القدس العبرية إسرائيل شاحاك، الذي توفي سنة 2001 بعدما صار ناقداً راديكالياً لممارسات الدولة ضد الفلسطينيين. ويرى قرم أن الامتثالية المحافظة في الإسلام واليهودية معاً تصنعان صورة جوهرانية غير تاريخية لكلا الدينين، مما يشجع على ظهور قومية مغلقة من نوع جديد. كما يستشهد بتصريح رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلسكوني في برلين يوم 26/9/2001، غداة هجمات نيويورك وواشنطن، حين قال إن جزءاً من الحضارة الإسلامية "تأخر 1400 سنة"، على النقيض تماماً من خطاب رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد خلال قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في كوالا لامبور في تشرين الأول/أكتوبر 2003، والذي ندّد بعدم اتحاد المسلمين وبانحطاط العالم الإسلامي، مع أنه هو الآخر لم يخلُ من تصريحات ذات طابع لاسامي ضد الملياردير جورج سوروس.
في محاولة للخروج من هذا المأزق، ينتقل المؤلف إلى تقديم بديل نظري، معتبراً أن الدفاع عن رؤية علمانية ودنيوية للعالم هو الكفيل بصد هذه الألاعيب الدينية والقوموية. يبدأ بانتقاد مفهوم "الغرب" ذاته، الذي يرى أنه مصطلح تجاوزه الزمن بسبب أصوله الدينية (الانشقاق بين كنيسة الشرق والغرب)، وشرعيته عبر النظريات العرقية والاستعمارية، وتجاوزه الزمن بسقوط النظام السوفياتي التوتاليتاري. ويرى أن أحكام الاتفاقية الدستورية الأوروبية الجديدة، التي خضعت لاستفتاءات البرلمانات منذ 2005 والتي تُلزم الاتحاد الأوروبي بسياسة خارجية "مطابقة للالتزامات داخل منظمة معاهدة الحلف الأطلسي" (المادة 1-41.7)، تُنبئ بمستقبل مشؤوم يمنع أوروبا من لعب دور المُصلح المعتدل لكبح الانحرافات الإمبريالية للقوة الأميركية، مع أن اعتمادها يبدو قليل الاحتمال بعد رفضها في استفتاءي فرنسا وهولندا في ربيع 2005. كما يطالب بتجديد القانون الدولي ليكون "جمهورياً" وواحداً للجميع في الحماية والعقاب، رافضاً تمنّع بعض الدول مثل إسرائيل عن تطبيقه، ومؤكداً أن تطبيق حقوق الإنسان بمعايير مختلفة يعزز الأنظمة الاستبدادية، وأن أفضل سبيل لتوطيد القيم الديمقراطية هو احترامها في تسيير الشؤون الدولية أولاً.
يميز المؤلف بوضوح بين مفهومي التعددية الثقافية والكوسموبوليتية، منتقداً الأول لأنه نظام خاص ببعض المجتمعات كالولايات المتحدة أو الإمبراطوريات المتعددة القوميات مثل السلطنة العثمانية، بينما يتمسك بالثاني بوصفه تراثاً أوروبياً مستمداً من الثورة الفرنسية وفكرة "إرادة الأمة"، حيث لا يمكن للأصول الإثنية والدينية أن تكون ذات قيمة في المجال العام. ويستشهد بمؤرخ الفن الفرنسي لويس ريو في تعريفه للكوسموبوليتية بأنها "مواطن العالم"، المثال الأعلى للفيلسوف الأصيل، مشيراً إلى أن هذه الثقافة التي لم تمنع الاستعمار، أعطت أيضاً تراثاً مضاداً له منذ مؤلفات الأب الدومينيكاني بارتولومي دو لاس كازاس في القرن السادس عشر، ما ساهم لاحقاً في تسريع إزالة الاستعمار. وعلى هذا الأساس، يرى أن الكوسموبوليتية قيمة أفضل من التعددية الثقافية، ويجب تشجيعها في أوروبا، إذ يتعين على المهاجرين التقيّد بقيم المجتمعات المضيفة، وعلى أوروبا الامتناع عن ممارسة سلطة أخلاقية انتقائية في علاقاتها بمحيطها المتوسطي، لأن الضغوط الخارجية المنقوصة يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية. وينقل قول الكاتب جورج ستايئر عن أوروبا الغربية: "في عالم هو اليوم طريدة أصولية قاتلة... تستطيع أوروبا أن يكون لها الامتياز المُلزِم بصياغة إنسانوية علمانية وإعلانها"، داعياً أوروبا إلى لعب دور المرشد الذي قامت به في عصور مونتاني وإراسم وفولتير وكانط.
يركز الفصل لاحقاً على نقد مفهوم "حرب الحضارات" بشكل جذري، معتبراً أن دعوات مثل "تحالف الحضارات" توحي ضمنياً بوجود خطر حقيقي لها، فيما الواجب هو مجابهة منظري هذه الحرب ومن ينقادون إلى خطاباتهم مباشرة. ويشدد المؤلف على ضرورة مكافحة العنف الإرهابي، لكن ليس في إطار "حرب" كما يريد قادة الجيش الأميركي وحلف الأطلسي، الذين يظلون أسرى مخططات "الحرب الحديثة" المضادة للتخريب التي وضعها المنظرون العسكريون الفرنسيون في خمسينيات القرن العشرين لمواجهة الانتفاضات القومية في الهند الصينية والجزائر. ويقدم تحليلاً مهماً بأن الإرهابيين المعاصرين هم "شبان عدميون" مستعدون للتضحية بحياتهم، وتعبّر أفعالهم عن قلق عميق أسبابه داخلية وخارجية متداخلة، مذكراً بأنه باستثناء حكومة الطالبان في أفغانستان التي دعمتها وسلحتها الولايات المتحدة والسعودية وباكستان، لا توجد دولة تدعم اليوم الخلايا الإرهابية. ويسائل ببلاغة: هل ثم انكباب يوماً على أهمية النصوص الماركسية في زمن كفاح اليسار المتطرف؟ ولماذا نأخذ اليوم النصوص المزينة بآيات قرآنية على محمل الجد؟ مؤكداً أن الأهم هو تحليل القلق الاجتماعي والسياسي والوجودي وليس المعجم الإيديولوجي الديني، وأن لكل هجمة إرهابية خصائصها المختلفة بحسب المكان والسياق، من الرياض إلى تل أبيب إلى العراق إلى مدريد ولندن.
أما الحل الجذري الذي يخلص إليه المؤلف فيتمثل في إحياء "الروح الجمهوري"، والابتعاد عن فلسفة ما بعد الحداثة التي تنغلق بين تعددية ثقافية رخوة وعسكراوية مجنونة، داعياً إلى تجديد نقدي لعصر الأنوار لإنتاج مجموعة قيم إنسانوية وعالمية، حتى في المجتمعات ذات الثقافة المسلمة أو غير الأوروبية. ويشدد على أهمية المذهب الجمهوري الفرنسي، مستشهداً بمؤرخ الفكرة الجمهورية كلود نيكوليه الذي يؤكد "وحدة الجنس البشري الضرورية" في الزمان والمكان، ويدعو إلى "علمانية متوغلة في النفس" تبدأ بدحض المبادئ الجامدة لتتجذر في قلب كل أحد. من هنا ينبع اقتراحه الرئيسي بالعمل نحو "ميثاق علماني" على الصعيد الدولي، لوضع حد لخليط الحمم الهوياتية المتفجّر ولانهيار الأخلاقية الدولية، لأن ما صح على الصعيد الداخلي حيث فُصلت الدولة عن الدين، يصح على الصعيد الدولي أيضاً.
يختم المؤلف فصله بدعوة ملحّة إلى "رد الاعتبار للدولة" كمصدر للمواطنية، التي يراها أغنى وأشمل من المفهوم اليوناني القديم القائم على الاستبعاد والرق، منتقداً بشدة "التقليديين الجدد" مثل ليو ستراوس وفرانسوا فوريه الذين يحاولون ابتداع مصطلحات جوفاء لتحل محل المفاهيم الجمهورية الكبرى، محذراً من أن مشروعهم "قادنا إلى حالة حرب دائمة بين حضارات وثقافات وديانات". ويلاحظ أن أزمة الشرعية أصبحت شمولية في عالم متعولم، وأنه لم يعد مقبولاً أن يبقى تحديد القضايا الفكرية والاقتصادية حكراً على بعض المثقفين والسياسيين في مجموعة الثمانية (G8) وصندوق النقد الدولي، بينما تُتجاهل دول مثل البرازيل والهند والصين والمكسيك، ويبقى مصير فلسطين مأساة دائمة، ويُطالب بجلاء المحتلين الأميركيين والبريطانيين عن العراق، وبوضع لائحة آلام الاستعمار والرق. ويدعو في الختام إلى "إعادة تأسيس" للعالم كما عبرت عن ذلك حنة أرندت، من خلال مصالحة الأفكار التقليدية والتقدمية في حوار مفتوح على المنظومات الفكرية خارج الغرب، يمكن من خلاله إيجاد حلول رشيدة لمشكلات اللاسامية الغربية، ووضع إسرائيل، والفلسطينيين، والأصوليات المختلفة.
يمكن القول إن الفصل يقدم رؤية متفائلة رغم إقراره بثقل الاتجاه التاريخي، ويضع مسؤولية كبيرة على عاتق الجمهوريين في كل أنحاء العالم للتحرك والمطالبة بمجالات عامة جمهورية الطابع، وأنه على الرغم من قوة الخطاب النقدي، تبقى بعض الحلول المقترحة، كإحياء النموذج الجمهوري الفرنسي وتطبيقه على الصعيد الدولي، محل نقاش واسع.