
تعدد الأديان وأنظمة الحكم: دراسة سوسيولوجية وقانونية مقارنة
الكتاب الذي بين أيدينا، "تعدد الأديان وأنظمة الحكم، دراسة سوسيولوجية وقانونية مقارنة" لجورج قرم، هو بحث عميق في واحدة من أقدم وأعقد الإشكاليات التي واجهت البشرية: العلاقة الملتبسة بين الدين والسلطة السياسية والقانون، وكيفية تنظيم المجتمعات التي تضم جماعات دينية متعددة ومتعارضة أحياناً. يدافع المؤلف عن أطروحة مركزية مفادها أن التاريخ يؤكد أن التعايش السلمي بين شعوب مختلفة لم يتحقق إلا عبر وحدة دينية، وأن طلب الوحدة السياسية والاجتماعية كان دائماً مقترناً بطلب الوحدة الدينية. فالإنسان، مهما توغل في ماضيه، يجد تاريخه مرتبطاً بتاريخ الآلهة التي عبدها، ومن أوتي القوة لم يحجم عن عزو مصدر أوامره إلى نظام إلهي. ينتقد قرم النزعة الوضعية القانونية الحديثة التي ترى أن الحقوق الوحيدة الجديرة بالدراسة هي تلك المنبثقة عن تصور الدولة-الأمة الحديثة، والتي تنظر إلى الفرد بمعزل عن وسائطه الاجتماعية، معتبراً أن هذه النزعة تقود إلى انكماش في حقل رؤية العلم القانوني، في وقت لا تزال فيه العلاقات بين الجماعات الطائفية غير المتجانسة تطرح مشكلات ومعضلات في كل مكان، من انفصال الإمبراطورية الهندية إلى المشكلة القبرصية واضطرابات أيرلندا الشمالية.
يسير بناء حجة الكتاب على نحو استدلالي متدرج، فهو يبدأ في المقدمة بوضع الإشكالية العامة وبيان أن الأحكام القانونية هي في الأصل بنت الدين، فالحقوق القديمة المسمارية أو المصرية أو العبرية كلها متحدرة من صلب الدين، ولم تعتق الحقوق في الغرب من طابعها المقدس إلا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهي سيرورة لم تكتمل أصلاً. ثم ينتقل في الفصل الأول إلى دراسة العلاقات بين الطوائف في مجتمعات العصور القديمة، حيث يجد أن النموذج القديم للحاضرة البدائية كان يقوم على التطابق التام بين الدين والجماعة، فلا وجود للفرد إلا داخل جماعة يرتكز تضامنها على السحر والدين، والغريب عن عبادة الحاضرة كان وضعه هشاً بلا أهلية قانونية. لكن مع توسع الجماعات وتكوين الإمبراطوريات الكونية، ظهرت آليات قانونية ودينية للانصهار، مثل التحالفات والمطابقات اللاهوتية بين الآلهة، التي أضفت الشرعية على دمج الجماعات المتنوعة تحت سلطة سياسية واحدة، كما في مصر وبابل حيث سُمح بتطور قانون دولي وقانون خاص بلغ أرفع مستوياته. هذا النموذج القديم كان يهدف أساساً إلى تأمين الاندماج الاجتماعي والسياسي لمختلف العناصر الطائفية، وهو ما يختلف جذرياً عن النموذج التوحيدي الذي ظهر متأخراً.
ينتقل المؤلف في الفصلين الثاني والثالث إلى تحليل هذا النموذج التوحيدي في صيغتيه المسيحية والإسلامية. ففي المجتمع المسيحي، يحلل قرم كيف تحولت الخصائص الروحية الثلاث الأساسية للمسيحية، وهي حس الوحدة والحاجة إلى نشر الرسالة والدفاع عن العقيدة، بعد ترجمتها إلى لغة القانون والسياسة، إلى أدوات شرعية للاضطهادات والحروب الدينية. فقد أصبح اعتبار أي انحراف عن العقيدة الرسمية "هرطقة" تمس النظام العام، وتم تحويل عدم التسامح الديني إلى فضيلة من فضائل الدولة، مما خلق مجتمعاً منقسماً بين مؤمنين "أصحاب عقيدة صحيحة" وآخرين من الهراطقة والوثنيين واليهود الذين صاروا مواطنين من الدرجة الثانية. ويخلص قرم إلى أن هذه الاضطهادات كانت من الأسباب التي جعلت شعوب الشرق ترحب بالفتح الإسلامي، الذي مثّل انفراجاً دينياً وسياسياً واقتصادياً. أما في المجتمع الإسلامي، فيبين المؤلف أن القرآن، بخلاف الرأي الشائع، يعترف بالتعددية الدينية كإرادة إلهية، ويؤكد على مبدأ "لا إكراه في الدين"، وقد سمح الإسلام للمسيحية واليهودية بالبقاء في أمصار كانت تحت سلطانه مقابل دفع الجزية، مع تمتعهم باستقلال ذاتي تشريعي وقضائي. لكن قرم لا يغفل الإشارة إلى أن التمييز الثلاثي في القرآن بين مسلم وأهل كتاب ومشرك، وأن لغة القرآن ورغم أنها لا تتميز بنفس القدر من الوضوح في الحض على عدم التسامح، إلا أن إدانتها اللاهوتية لأهل الكتاب قاطعة، ومن منطلقها طوّر الفقهاء المسلمون لاهوتاً إذلالياً. وفي خاتمة هذا التحليل المقارن، يصل المؤلف إلى نتيجة أساسية وهي أن الفروق بين الثيوقراطيات المسيحية واليهودية والإسلامية هي فروق في الدرجة أكثر منها في الطبيعة، فجميعها أنتجت نمطاً واحداً من المؤسسات ذا هدف مزدوج: حماية الجماعة الدينية من الانحراف وضمان سيادتها في مواجهة الجماعات الأخرى.
يُثري الكتاب المادة التاريخية والقانونية بشهادات وأمثلة لافتة يندمج بعضها في المتن العام دون أن يُنسى. فمن الصعب نسيان الحكم الذي صدر في فرنسا عام 1766 بإعدام الفارس دي لا بار لأنه لم يقف ليؤدي التحية لموكب ديني، وهو الحكم الذي طالب فولتير برد اعتباره إليه. كذلك فإن الإشارة إلى قوانين شارلمان التي كانت تعاقب الساكسونيين الذين يرفضون المعمودية بالموت، تُظهر بوضوح كيف تحول التبشير إلى أداة قمع دموية. وفي معرض حديثه عن الحاضرة البدائية، يذكر المؤلف أن التوراة كانت تصف بما لا يحتمل التأويل المصير الرهيب لمن يعبدون آلهة أخرى: الطرد من الحاضرة أو حتى القتل رجماً بالحجارة، وأن أسس العداء للسامية رأت النور في ذلك الطور، حين وصم المؤرخ الروماني تاسيتوس اليهود بأنهم "أمة تجهد بتعلق مسعور بعضهم ببعض". أما في السياق الإسلامي، فيستشهد المؤلف بحادثة الشيخ علي عبد الرازق الذي فصل من وظيفته كقاضٍ وأُحرقت كتبه عندما نشر كتابه "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، والذي ذهب فيه إلى أن الإسلام دين روحي مثل المسيحية تماماً، مما يعكس حساسية القضية حتى العصر الحديث. ويقف القارئ عند المفارقة التاريخية التي يذكرها المؤلف بأن سفر عزرا أمر بطرد النساء الأجنبيات وأولادهن، ولم يتردد نحميا في لعن المتزوجين من نساء غريبات، في مقابل انفتاح العالم العربي الذي حافظ على وجود أقليات كبيرة من اليهود والنصارى والمجوس، بينما محت أوروبا الغربية كل أثر للإسلام فيها.
أما في الفصل المتعلق بالأمثلة المعاصرة، فيقدم قرم تحليلاً مقارناً لأربع حالات هي ألبانيا وقبرص ولبنان وفلسطين المحتلة (إسرائيل)، لاختبار فرضيته القائلة إن البنية الطائفية الموروثة عن الدولة العثمانية، عندما تُقنَّن في مؤسسات قانونية وسياسية حديثة، تؤدي حتماً إلى إضعاف الدولة وإلى أزمات هوية وانقسامات حادة. ففي ألبانيا، يجد المؤلف مثالاً أولياً على تحوّل الولاءات التقليدية تحت ضغط التأثيرات الخارجية، حيث انقسم السكان إلى مسلمين سنة وبكداشيين وكاثوليك وأرثوذكس، وكانت ولاءاتهم مشدودة إلى مراكز خارجية، لكن حركة اليقظة القومية سعت بوعي إلى تجاوز الانقسام الطائفي عبر إبراز الهوية اللغوية والعرقية المشتركة. أما قبرص، فيعتبرها مثالاً صارخاً على كيفية تحويل التعددية الطائفية إلى أداة للانقسام، فالدستور الذي سلمته بريطانيا للجزيرة في عام 1959 كان "مسخاً سياسياً" لا نظير له، إذ منح نائب الرئيس التركي حق النقض عن كل القرارات الرئيسية وخصّص نسبة من الوظائف للأقلية التركية لا تتناسب مع حجمها السكاني، محققاً بذلك "دكتاتورية فعلية للأقلية التركية"، وهي مأساة بانتظار الحدوث الذي وقع بالفعل عندما قامت تركيا بغزو الجزيرة وترسيخ التقسيم الفعلي. وفي لبنان، يحلل المؤلف التناقض بين صورة "لبنان الملجأ" والواقع القائم على نظام إقطاعي وعشائري، ويرى أن "الميثاق الوطني" لعام 1943 كان إيديولوجية تخلّت عن مشروع الاندماج الوطني لصالح تثبيت الانقسام الطائفي، وأن هذا النظام يُضعف الدولة ويجعلها عاجزة عن خلق مواطنة جامعة. أما الحالة الرابعة والأخيرة، فلسطين المحتلة وإسرائيل، فيعتبرها المؤلف النموذج الأكثر تطرفاً للطائفية المؤسسية، فبينما تنهج الدولة شكلياً ديمقراطية ليبرالية، تقابلها في الواقع منظومة قانونية تمييزية أُنشئت بوعي، وينقل عن مصادر يهودية معارضة اعترافات بأن هذه القوانين ذات طابع عرقي مستوحى من قوانين نورمبرغ، ويرد هذه السياسات إلى الأيديولوجية الصهيونية التي يعتبرها نتاجاً لعقلية أقلية تشكلت عبر قرون من الاضطهاد، وأعادت إدخال النموذج التوحيدي في الشكل الأكثر تطرفاً وحصرية.
لا يخلو الكتاب من اعترافات صريحة بحدوده وتحفظاته، فهو يؤكد من البداية أن هذه الدراسة لا يمكن أن تدعي الإحاطة الشاملة بمسألة بهذا التعقيد، وأن جل طموحها الإسهام في وضع بعض اللبنات التي قد تسهل تطوير أبحاث لاحقة تتطلب حشداً جماعياً هائلاً من المعلومات. وقد حدد المؤلف نطاق دراسته طوعاً بإطار حوض البحر الأبيض المتوسط وفارس، معترفاً بأن توسيع الاستقصاء ليشمل الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا سيشكل تكملة مفيدة، ويشير إلى التفاوت الكبير في المادة المتاحة عن الأديان الثلاثة؛ فالمسيحية وحدها حظيت بدراسات نقدية غزيرة، بينما لم يتصدَّ لدراسة الإسلام بالاعتماد على الجهاز الحديث للنقد التاريخي والاجتماعي سوى قلة من المسلمين، أما أبحاث المستشرقين فمعظمها يندرج في إطار التصور الغربي النابع من النزعة الروحانية المسيحية-الدينية التي قدمت للمشاريع الاستعمارية أساساً وتبريراً. كما يقر المؤلف في نهاية تحليله للمجتمع الإسلامي بأن العلاقات الطوائفية لا يمكن فهمها فهماً كاملاً دون دراسة الممارسة الفعلية التي تبقى عادة بعيدة عن "أحلام الفقهاء المعيارية"، معترفاً بأنه ترك سؤالاً مفتوحاً حول كيفية الانتقال من النصوص إلى الممارسة العملية.
في خاتمته الفلسفية التأملية، يستخلص المؤلف خلاصة دراسته المتمثلة في وجود نموذجين قانونيين أساسيين: نموذج المجتمع القديم الكلاسيكي الذي يهدف إلى الاندماج، ونموذج المجتمع التوحيدي الذي يعمل على منع أي اندماج للجماعات التي لا تنتمي إلى الطائفة السائدة، وأن العنف، المادي والمعنوي، منقوش في صميم هذا النموذج. ويطرح قرم رؤيته الحاسمة للخلاص عبر "تصفية الطائفية" جذرياً، معتبراً أن العالم العربي هو حقل التطبيق الأول لهذا البرنامج الذي يتطلب عملاً تربوياً وتعليمياً موحداً ووضع حد للتمييز وإلغاء الفروق الاجتماعية والاقتصادية. ويستشهد في ذلك بدعوة أعضاء الجمعية التأسيسية الفرنسية في 1791 إلى تربية خلقية مشتركة لليهود والمسيحيين، وبآراء مفكرين مثل كوندورسيه وكينه. ويرى أن التعددية الحقيقية الوحيدة هي تلك التي تقوم وسط مجتمع منفتح مؤلف من جماعات منفتحة، لا مجتمع من جماعات صغيرة مغلقة تنهشها الظنون والأحكام المسبقة، ويضرب مثالاً بلبنان حيث سقوط آلاف الأبرياء ضحايا لحرب السنتين يعدّ شاهداً قاطعاً على صوابية رأيه.
من الواضح أن هناك حججاً في الكتاب قابلة للنقاش وتثير أسئلة جوهرية. فدعوة المؤلف إلى "تصفية الطائفية" بشكل جذري، ورفضه للتعددية إلا في شكلها الاندماجي الكامل، تستبعد إمكانية وجود مجتمعات تعددية تحترم الخصوصيات المختلفة دونما حاجة إلى إذابة الهويات في بوتقة واحدة، وقد تكون مفرطة في الطموح في مجتمعات تتشبث بتقاليدها الدينية العميقة. كما أن إيمانه المطلق بالعلمانية كحلٍّ شامل قد لا يستوعب الحالات التي تتعايش فيها الجماعات الدينية ضمن أطر قانونية مختلفة، خاصة أن النموذج العلماني نفسه، الذي يصفه المؤلف بأنه ثمرة تطور تاريخي طويل "مسودة صفحاته بالدماء التي سفكت في اضطهادات دينية وحروب طائفية"، لم يقدم بعد حلولاً ناجحة لكل مشكلات العالم، وهو ما يظهر جلياً في كتابات قرم نفسه عن الاضطرابات التي ما تزال تعصف بأيرلندا الشمالية. وبالرغم من هذه الانتقادات المحتملة، يبقى الكتاب عملاً رائداً في مجاله، إذ يقدم تركيباً نادراً بين التحليل السوسيولوجي والقانوني المقارن، وينجح في إظهار كيف أن الطابع المقدس للقانون والسلطة، المنقوش في الكتب المزلة والمتجذر في المؤسسات، ما يزال يلقي بظلاله الثقيلة على العلاقات بين الجماعات الدينية في عالمنا المعاصر، وأن الخلاص من هذه الإشكالية يتطلب عملاً فكرياً وتربوياً جذرياً لا يقل عن التحولات التاريخية العميقة التي أنتجت النموذج العلماني في الغرب.
الأشخاص
الفصول(6)
1.مدخل47–72▼ ملخص
يطرح الفصل الافتتاحي من كتاب جورج قرم إشكالية مركزية هي العلاقة الوثيقة والملتبسة بين الدين والسلطة السياسية والقانون عبر التاريخ، ويسعى إلى فهم كيفية تنظيم المجتمعات التي تضم جماعات دينية متعددة ومتعارضة أحياناً لعلاقاتها الداخلية. يرى المؤلف أن التاريخ يؤكد أن التعايش السلمي بين شعوب مختلفة، بتجاوز حواجز اللغة والعقلية، لم يتحقق إلا عبر وحدة دينية، وأن طلب الوحدة السياسية والاجتماعية كان دائماً مقترناً بطلب الوحدة الدينية. فالإنسان، مهما توغل في ماضيه، يجد تاريخه مرتبطاً بتاريخ الآلهة التي عبدها، ومن أوتي القوة لم يحجم عن عزو مصدر أوامره إلى نظام إلهي، حتى نشأت حروب وتنافسات باسم الأديان.
يستعرض المؤلف مواقف الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى من هذه القضية. فالتوراة تحمل نبوءات بوحدة دينية شاملة، كما في الإشارة إلى أن المصريين والأشوريين سيعبدون الرب مع بني إسرائيل، بينما يؤكد النص المسيحي، على لسان القديس أوغار أسقف ليون في القرن الثاني، ضرورة أن يخاطب البشر كافةً الله الواحد بوصفه أباناً لهم جميعاً، وأن يمتثلوا لسلطان ملك واحد وقانون واحد. أما القرآن فيرى، بخلاف الرأي الشائع، أن التعددية الدينية هي من مشيئة الله، كما في الآية التي تؤكد أن الله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً. وسيكون لهذا التأكيد القرآني نتائج مهمة على التنظيم القانوني والسياسي، إذ إن الإسلام سمح للمسيحية بالبقاء في أمصار كانت تحت سلطانه، بينما طردتها أوروبا المسيحية المنتصرة، وما تزال الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط العربي تطرح مشكلات خطيرة من منظور الاندماج في إطار الدولة-الأمة الحديثة.
ينتقل المؤلف إلى الإشارة إلى أن النزعات القومية الحديثة، رغم منطلقاتها التجديدية الثقافية، ليست متحررة من طابع ديني، مستشهداً بخطابات فيخته للأمة الألمانية التي دعا فيها إلى جعل الأبدي منظوراً للعين البشرية عبر الزمني. ويقرّ علماء الاجتماع المحدثون بأن ظاهرة السلطة السياسية تمد جذورها في تربة الدين، وقد عبر نابليون عن ذلك حينما تساءل عن قيام نظام بلا دين. ويشير المؤلف إلى أن البحث في كيفية تنظيم المجتمعات التي تضم طوائف متباينة، وما هي نماذج المؤسسات التي نشأت عنها، لم يسترعِ اهتمام الباحثين إلا نادراً، باستثناء الدراسات الكلاسيكية عن علاقات الكنيسة والدولة. ويعزو هذا الإهمال إلى النزعة الوضعية القانونية الحديثة المتواكبة مع نزعة مركزية إثنية، التي ترى أن الحقوق الوحيدة الجديرة بالدراسة هي تلك المنبثقة عن تصور الدولة-الأمة الحديثة التي ترى إلى الفرد في تذريه ولا تعترف بأية وساطة بينه وبين الدولة، وهو ما دفع بعض الأساتذة مثل داود إلى إنكار الصفة القانونية عن أنظمة الحقوق غير الغربية ووصفها بأنها أقرب إلى أنظمة دينية أو فلسفية.
يؤكد المؤلف أن هذه النزعة الوضعية تقود إلى انكماش في حقل رؤية العلم القانوني، في حين أن العلاقات بين الجماعات الطائفية غير المتجانسة ما تزال تطرح مشكلات ومعضلات في كل مكان، ومنها انفصال الإمبراطورية الهندية، والمشكلة القبرصية، واضطرابات ماليزيا، وحرب فيتنام أو نيجيريا. ويطرح تساؤلات عن كيفية قيام الغرب العلماني المتطور بالتشجيع على قيام دولة يهودية على أسس ثيوقراطية ودينية-عرقية، وعن الاضطرابات الطائفية العنيفة في أيرلندا الشمالية. كما يذكر بأن النموذج العلماني للدولة-الأمة، الذي أزال الطابع الديني المقدس عن الحقوق، كان ثمرة تطور تاريخي طويل مسودة صفحاته بالدماء التي سفكت في اضطهادات دينية وحروب طائفية لا تقع تحت حصر.
يبين المؤلف أن الأحكام القانونية هي في الأصل بنت الدين، فالحقوق القديمة المسمارية أو المصرية أو العبرية كلها متحدرة من صلب الدين، والحضارة الإغريقية أو الرومانية القديمة اشتقت حقوقها من منهل الطقوس البدائية وعبادة الأسلاف. وينقل عن فوستيل دي كولانج قوله إن الفكرة الدينية كانت المبدأ الملهم والمنظم للمجتمع لدى القدامى، وكان الدين هو الناظم لأفعال الإنسان ومعيار عاداته وأعرافه. ولم تعتق الحقوق في الغرب من طابعها المقدس شكلاً ومضموناً إلا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ولم تكتمل هذه السيرورة أصلاً إذ ما يزال القانون الإسباني والبرتغالي والإيطالي موسوماً بطابع طائفي واضح. وكانت المسيحية منذ اندماجها بالإمبراطورية الرومانية وحتى قيام الثورة الفرنسية أثراً حاسماً على القانون والسلطة، حتى إنه صدر في فرنسا عام 1766 حكم بالإعدام على الفارس دي لا بار لأنه لم يقف ليؤدي التحية لموكب ديني، وقد طالب فولتير برد اعتباره إليه.
يشير المؤلف إلى أن القديس توما الأكويني مهد السبيل أمام احتمال علمنة القانون بإرجاعه الاعتبار إلى القانون الطبيعي كمصدر للمعرفة، لكن الانشقاق الكبير في المسيحية الغربية كان هو العامل الفاصل الذي بدأ سيرورة انعتاق القانون من طابعه المقدس، وهي السيرورة التي لم تبدأ في الغرب إلا في القرن السادس عشر. وقد عالجت معاهدة وستفاليا عام 1648 مشكلة تعايش الطائفة البروتستانتية مع الكاثوليكية بطريقة فجة، لكن سقوط الصفة المقدسة عن القانون لم يتحقق إلا مع صدور القانون المدني النابليوني الذي جعل من الزواج إجراءً مدنياً في متناول الجميع بلا تمييز. أما سيرورة علمنة السلطة فكانت أبطأ وأكثر تأخراً في الزمن، إذ إن القانون والسلطة بقيا لآلاف السنين ينهلان من معين المقدس ويستمدان منه هيبتهما، ولم تنقطع أواصر هذه العلاقة بصورة نهائية إلا قبل بضعة عقود في الغرب، وهو انعتاق عجلت به الثورة الفرنسية لكنه استغرق زمناً حتى يلقى قبولاً لدى جميع الناس، فقد كتب دي بونالد في عهد عودة الملكية معاتباً من وصفوا عصره بتقدم التنوير، ونشطت الحركة المضادة للثورة على امتداد عقود متمثلة في نظريتي لاتور دي بان عن الحرفية الملكية وشارل موراس عن القومية الدينية الحماسية.
يخلص المؤلف إلى أن الثورة الفرنسية، بإلغائها كل وسيط بين الدولة والفرد وتماهيها مع مجمع واحد هو الأمة، فتحت الطريق أمام نوع جديد من التكريس المقدس شمل المجتمع القومي بأسره، وهو تكريس يشبه نظرة القديس بولس إلى وحدة المؤمنين وتساويهم في إطار الكنيسة. وقد كانت التجربة النازية المتطرفة في مضمار التكريس المقدس التام والمطلق للدولة-الأمة المتواكبة مع جنونها المعادي للسامية أسطع برهان على إمكانية انبعاث الأسطورة الدينية تحت ستار الأيديولوجيا العرقية. ويشير إلى أن القانون الدستوري الحديث للدولة-الأمة قد أخذ طريقه إلى التطبيق في العالم أجمع تقريباً، لكنه لا يعدو في كثرة من الأحوال أن يكون قانوناً محصوراً يؤدي وظيفته على هامش الحياة الاجتماعية القانونية الفعلية للشعوب، فغالبية أقطار العالم الثالث، سواء اختارت طريق الماركسية-اللينينية أو سبيل الليبرالية الدستورية، ما تزال تتشبث بمؤسسات وثيقة الارتباط بالأوضاع التي كانت سائدة قبل الاستعمار. فلبنان على سبيل المثال، بالرغم من أنه زود نفسه بدستور ينقل حرفياً أكثرية المواد القانونية الفرنسية لدستور عام 1875، أبقى على بنيته القانونية الطائفية بلا مساس، وهي بنية تعزل مختلف الجماعات الدينية بعضها عن بعض، مما حكم عليها بأن تعيش في حالة من التوازن غير المستقر المبني على توترات طائفية تشل إمكانية التطور باتجاه دولة-أمة حديثة.
يرى المؤلف أن تبني نموذج الدولة-الأمة القانوني في المجتمعات التقليدية يخلق تعددية داخل النظام القانوني ومشكلات مثاقفة صعبة، وأن عدم تمثل هذه المجتمعات للمبدأ العلماني يعود إلى أن الدستورية العلمانية تمثل أحياناً في نظر الأمم الفتية إرثاً موروثاً عن الدولة المستعمرة السابقة. وكثيراً ما تصطدم بردود فعل قومية رفضية من الأوساط الدينية المحافظة التي ترى فيها ابتكاراً شيطانياً جديداً من مبتكرات المسيحية لضرب الأديان المنافسة، أو سلاحاً تستخدمه أمم مسيحية إمبريالية بغية زعزعة أركان المجتمعات التقليدية وبسط هيمنتها على الشعوب. وتدعو هذه الأوساط إلى الرجوع إلى سلفية قومية أو دينية تمجد الماضي، ولها تأثير واسع على الأوساط الريفية أو البورجوازية الصغيرة، وهو ما يعوق مسيرة انعتاق المجتمع من طابعه المقدس، وتجد الحكومات نفسها أمام موقف صعب حين تريد مطالبة السكان بتضحيات اقتصادية مع التخلي السريع عن التقاليد الدينية الموروثة منذ آلاف السنين. كما يطرح نموذج الدولة-الأمة العلماني مشكلة تحديد حدود الأمة من حيث تركيبتها البشرية والجغرافية، مع ما يرافقها من حركات نزوح ديموغرافية ناشئة عن سياسات الدول الكبرى، ومشكلة الأقليات الموجعة التي تقف وراء العديد من المنازعات والمصادمات، ويضرب أمثلة على ذلك بالصينيين في ماليزيا والهندوس في أفريقيا الأنغلوسكسونية والأرمن في سورية ولبنان.
يذكر المؤلف أن انعتاق القانون من صفته المقدسة على صعيد الشكل كان النتيجة المباشرة للأخذ بنمط الحكم الدستوري الكلاسيكي الذي يجعل المصدر الأول للقانون دستوراً ترقى نصوصه إلى مصاف المبادئ القانونية العليا، ويُلزم جميع أجهزة الدولة باحترامها، ومن هذا القبيل المادة 54 من الدستور الأفغاني لعام 1974 التي تنص على عدم جواز مخالفة أي تشريع لتعاليم الإسلام وأحكامه الأساسية. لكن إزالة الصفة المقدسة عن شكل القانون تصطدم بصعوبات كبرى في المجتمع المتعدد الأديان، لأن الجماعات الدينية المختلفة التي تعيش في ظل شرائعها الطائفية الخاصة تخشى خشية شديدة من ضياع القانون بطابع مقدس يزيد في الواقع قوة التماهي مع الجماعة الدينية. ويشير المؤلف إلى أن الدراسة التي قام بها للمؤسسات القانونية الناظمة لعلاقات الأفراد والسلطة كشفت عن أهمية الدور الذي لعبته هذه المؤسسات في تغذية النزعة الخصوصية للجماعات الأقلية ونزعة التعصب لدى الجماعات الأكثرية، لذا رأى لزاماً عليه أن يعود القهقرى في الزمن ليصل إلى أصل المشكلة.
يقر المؤلف بأن هذه الدراسة لا يمكن أن تدعي الإحاطة الشاملة بمسألة بهذا التعقيد والاتساع، وأن جل طموحها الإسهام في وضع بعض اللبنات التي قد تسهل تطوير أبحاث لاحقة، فالدراسة الجامعة الشاملة تتطلب حشداً هائلاً من المعلومات لا يمكن جمعها سوى فريق عمل جماعي. وقد حدد المؤلف نطاق دراسته طوعاً بإطار حوض البحر الأبيض المتوسط وفارس، معترفاً بأن توسيع الاستقصاء ليشمل الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا سيشكل تكملة مفيدة، لكنه يرى أن حصر البحث ضمن هذا الإطار أتاح له البقاء ضمن نطاق اجتماعي وسياسي وديني متجانس نسبياً ساعد على الوصول إلى مستوى معين من التنظير. ويشير أيضاً إلى التفاوت الكبير في المادة المتاحة عن الأديان الثلاثة، فالمسيحية وحدها حظيت بدراسات نقدية غزيرة معظمها لكتاب غربيين، ولم يتصدَّ لدراسة الإسلام بالاعتماد على الجهاز الحديث للنقد التاريخي والاجتماعي سوى قلة من المسلمين، أما أبحاث المستشرقين فمعظمها يندرج في إطار التصور الغربي النابع من النزعة الروحانية الإنسانية المسيحية-الدينية التي قدمت للمشاريع الاستعمارية أساساً وتبريراً، وقد رسمت صورة سلبية للمجتمعات التقليدية وأنظمتها القانونية، بينما رسمت صورة إيجابية للجماعات الأقلية التي كانت تعتمد عليها الدول الأجنبية في مشاريعها الاستعمارية، كمثل الصورة التي رسمت للأقليات المسيحية البريئة في الشرق الأوسط في مواجهة النزعة الإسلامية التي وصفها ماسينيون بأنها من غرائب الخيال.
يصل المؤلف إلى نتيجة أساسية مفادها أن الفروق القائمة بين الثيوقراطيات المسيحية واليهودية والإسلامية على صعيد المؤسسات القانونية هي فروق في الدرجة أكثر منها في الطبيعة، وهي نتيجة تخالف الرأي الذي يذهب إليه عدد كبير من المستشرقين حين يرون أن طبيعة الدولتين الإسلامية والمسيحية متباينة تبايناً جوهرياً. فقد تراءى له أن الطابع المقدس للقانون كان ينزع في الأديان الثلاثة إلى توليد نموذج قانوني واحد ذي صيغ متفاوتة، وقد أنتجت الأنظمة القانونية الثلاثة نمطاً واحداً من المؤسسات ذا هدف مزدوج: حماية الجماعة الدينية من كل انحراف مذهبي وضمان سيادتها المطلقة في حكم الحاضرة في مواجهة الجماعات الأخرى، وهذا الحل الذي أوجد للعلاقات بين الطوائف جاء معاكساً لذاك الذي أخذ به مجتمع العصور القديمة، ويرجع ذلك إلى طبيعة التنزيل الإلهي الذي تنسب إليه هذه الأديان الثلاثة نفسها، وهي مخالفة جوهرياً لطبيعة التصورات الدينية الكلاسيكية لدى الأقدمين.
يعلن المؤلف خطة دراسته التي كرس فيها فصلاً أول لدراسة العلاقات الطائفية في مجتمعات العصور القديمة، ثم تابع بتحليل الحلول التي جاء بها كل من المجتمع المسيحي (الفصل الثاني) والمجتمع الإسلامي (الفصل الثالث)، ورأى أن الدراسة المتوازنة والمقارنة لمختلف النماذج القانونية هي وحدها التي يمكن أن تتمخض عن قدر من التنظير يتجاوز التصنيف الاعتباطي الذي يتحكم به الانتماء الديني للمؤلف وميوله الأيديولوجية. ويبرر عدم توسعه في تحليل مجتمعات العصور القديمة والنموذج العلماني للعلاقات الطائفية الذي مخض عنه المجتمع الغربي بكثرة الدراسات المتوفرة حول هذين الموضوعين، بينما رأى لزاماً عليه أن يتوسع في التحليل بصدد الإسلام لأن البلدان الإسلامية، وبخاصة المجتمعات العربية، تواجه بالفعل مشكلات صعبة من منظور الاندماج القومي يطرحها عليها وجود أقليات دينية ويزيدها تفاقماً إنشاء دولة يهودية خاصة في فلسطين، وأضاف أن وضع التأخر التاريخي في هذه البلدان يقدم حقلاً خصباً للدراسة والمقارنة مع الأوضاع المماثلة في المجتمعات المسيحية غابراً. وقد سعى في مصادر معرفة المجتمع الإسلامي إلى تجاوز نزعة التبرير والتقريظ لدى المؤلفين المسلمين، والنزعة الوضعية المتمحورة اثنياً لدى المستشرقين، والنزعة الغرائبية لدى الكتاب والرحالة الغربيين.
يختم المؤلف مقدمته بالإشارة إلى أن التحليلات قادته إلى عدد من الاستنتاجات حول العلاقات بين الدولة والأمة والدين، وأكد أن الطابع المقدس للقانون والسلطة منقوش في الكتب المزلة، وأثبتت كل من المسيحية والإسلام وفاءهما في هذا المجال للرسالة التوراتية، أما سقوط الصفة المقدسة عن قانون المجتمعات المسيحية الغربية فقد تبدى ثمرة لسلسلة من الأحداث التاريخية والمواضعات الاقتصادية والاجتماعية أكثر منه نتيجة محتومة لمنطق التنزيل الإنجيلي. وبالمقابل، فإن اليهودية التي تعاود اليوم انبعاثها من خلال دولة إسرائيل العبرية تجد نفسها ملزمة بأن تقيم معظم أسس الدولة الحديثة على التنزيل التوراتي. ويعود ليذكر أن إيطاليا واليونان وشبه الجزيرة الإيبيرية احتفظت بأنظمة قانونية ذات طابع طائفي، وأن اضطرابات طائفية عنيفة ما تزال تنشب في أيرلندا. ويوضح المؤلف أنه لم يسع إلى وضع نظرية في العلاقات بين الدين والدولة، لكنه دخل عنصراً جديداً على الملف من خلال تركيزه على جانب محدد من هذه العلاقات، وهو جانب المؤسسات القانونية المنظمة للعلاقات بين الطوائف. وفي ختام المقدمة، يعرب المؤلف عن أمانيه في ألا يكون قد جرح الوجدان الديني لإنسان، وأن يدرك القارئ أن الشاغل الوحيد الذي سدد خطى الدراسة هو المساعدة على تفهم أفضل لمشكلات التعايش بين جماعات دينية مختلفة تطالب بأن تعيش معاً ضمن إطار سياسي واحد. وبصفته منتمياً إلى واحدة من الأقليات الدينية العريقة التي صانت وجودها في داخل المجتمع الإسلامي على امتداد قرون، يدرك صعوبة الانتقال من التعايش المحض العدائي إلى الاندماج الضروري، وهو انتقال لا يمكن أن يتم إلا إذا أدرك المفكرون وقبلوا بأن الله يمكن أن يكون من خلف موسى وعيسى ومحمد، وأن الدين لا يمكن أن يجعل من الكائن الإنساني مختلفاً جوهرياً عن الآخر، وأن اختلاف الجماعات الدينية ناشئ عن المؤسسات التي أقامتها باسم الدين، والله براء منها بكل تأكيد.
2.العلاقات ما بين الطوائف في مجتمع العصور القديمة73–158▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل بملاحظة أساسية: في حضارات العصور القديمة، من الصعب تصور طبيعة العلاقات بين الطوائف، إذ لا تظهر نصوص قانونية صريحة لتنظيم علاقات الأفراد من أديان مختلفة إلا بدءاً من الإمبراطورية الرومانية.尽管如此، يجد المؤلف في التوراة وثيقة أساسية لفهم هذه العلاقات، لكنه يحذر من افتراض أن العبريين القدامى حملوا منذ البداية خصائص دينية مميزة حالت دون التعايش مع جيرانهم، فتاريخهم هو تاريخ جهود الأنبياء المتواصلة لتشكيل وعي الشعب المختار بطابعه الحرمي الخاص.
لدراسة العلاقات بين الطوائف، يقترح المؤلف تقسيم الجماعات إلى نمطين: جماعات قومية دنيا (كالأسرة والعشيرة والقبيلة) وجماعات كونية عليا (كالملكيات الشرقية والإمبراطورية الرومانية). في الجماعات الدنيا، يوضح الفصل أن الدين والجماعة كانا متطابقين تماماً، إذ لا وجود للفرد إلا داخل جماعة يرتكز تضامنها على السحر والدين. ويلفت إلى أن الجماعة البدائية لا تعترف بأي أهلية قانونية لأعضاء الجماعات الأخرى، فالزواج والأكل والتصرف بالكائنات كلها أفعال مقصورة على من تجمعهم رابطة الأسرية والعبادة المشتركة، ومن خرج عن جماعته كان مصيره الضيافة أو العبودية.
يستند المؤلف إلى روبرتسون سميث في شرح الأسس الاجتماعية الدينية للجماعة البدائية، حيث كانت الديانة القبلية تتميز بنزعة تخصيصية تجعل المرء مسؤولاً أمام إلهه عن الأذى الذي يلحق بعضو جماعته، بينما يباح له غش الغريب وسرقته وقتله. ويرى سميث أن تأليه السلف المشترك لعب دور الأسمنت الاجتماعي، فكل إهانة لعضو في الجماعة تعتبر إهانة دينية. ويشير الفصل إلى أن تغيير الدين في تلك المرحلة كان يعني تغيير القومية، فالروابط الدينية كانت تُورث عن الآباء.
مع توسع الجماعات من الأسرة إلى العشيرة فالقبيلة، تتعقد المشكلات القانونية والعبادية. يلاحظ المؤلف أن الزواج كان أداة محورية في العلاقات بين الأديان، فبينما كان الزواج الداخلي يبقي الجماعة منغلقة على نفسها، فإن الزواج المختلط حطم الحاجز الذي احتمت به الجماعة البدائية. ويضرب مثالاً على النصوص الإغريقية التي تصور طقوس اختطاف الزوجة زوراً وبهتاناً كوسيلة لنقلها قانونياً من عبادة عائلية إلى أخرى.
في قسم خاص عن الحاضرة البدائية، يصفها المؤلف بأنها ائتلاف ديني وسياسي للأسر والقبائل، وكان المواطن هو من يشارك في عبادة الحاضرة، وهذه المشاركة هي مصدر حقوقه المدنية والسياسية جميعاً. أما الغريب فكان وضعه هشاً، إذ لا يمكنه دخول المعابد ولا المشاركة في الحياة السياسية، وقد تطورت في القانون الروماني حالات عديدة لعدم الأهلية القانونية فارضة على الغرباء عن عبادات الحاضرة. واللافت أن هذه الحالات ستُبعث من جديد لاحقاً في الأديان التوحيدية الكونية لتسوية وضع من لا ينتمون إليها.
يتوقف المؤلف عند رأي القانوني أرانجيو-رويز الذي يرى أن الدين لم يكن في القانون الروماني الأقدم علة قاصرة للأهلية القانونية مشيراً إلى شرك الشعوب الكلاسيكية وتعدد الآلهة، لكن قرم يعتبر هذا خلطاً بين طورين تاريخيين مختلفين تماماً، فوحدة القانون والدين كانت وثيقة لدى الجماعات البدائية، والشرك لا يلغي الحصرية العبادية الشديدة التي تميزت بها الحواضر. وكانت التوراة تصف بما لا يحتمل التأويل المصير الرهيب لمن يعبدون آلهة أخرى: الطرد من الحاضرة أو حتى القتل رجماً بالحجارة.
إن النزعة الحصرية في الحاضرة البدائية كانت تمارس حتى عبر الختان، الذي كان علامة خارجية للانتماء للجماعة، ويستشهد الفصل بسفر التكوين ليبيّن كيف تنفتح الجماعة لتقبل الغرباء المولودين في بيوتها أو المبتاعين بفضتها، لكنها سرعان ما تعاود الانغلاق على نفسها بفرض هذه العلامة على كل ذكر. وهنا يوضح المؤلف أن أخلاق الجماعة كانت لا تنطبق خارج نطاق العلاقات داخلها، فقتل أعضاء أمة غريبة لم يكن عملاً جائراً بل فريضة إلهية، كما أن الحروب بين الحواضر البدائية كانت حروباً دينية.
ينتقل الفصل إلى دراسة كيفية تحقق انصهار الجماعات البدائية في متحدات قومية أوسع، فيلاحظ أن النزعة الحصرية تضعف مع الزمن لصالح جماعات أوسع، فالحاضرة البدائية التي نشأت عن انصهار عدة عشائر تتحول بدورها إلى متحد مغلق، لكنها تتطور بسرعة نحو تعددية دينية مستوعبة. ويمثل الفصل بين مرحلتين: في الجماعة الأولية كان تعدّد الآلهة حقيقة مسلماً بها لكن إله الجماعة كان وحده من تؤدى له شعائر العبادة بينما كانت آلهة الجماعات الأخرى تُعد أعداء، أما في مرحلة الانصهار فتنشأ عبادة عليا مشتركة تنظم حول الآلهة الأقوى وتؤول إلى الوثنية الكلاسيكية التي مهدت لاحقاً للتوفيقية الدينية.
يتناول المؤلف سيرورة التحالف والامفكتيونا كآليتين قانونيتين للتوسع، حيث يُحدد الطرفان التزاماتهما المتبادلة وشكل العبادة المشتركة، ويستشهد بجورج مندنهال الذي يرى أن تكوين الشعب العبري تم عبر عهد سيناء كوسيلة شكلية لجمع العشائر شبه البدوية في متحد ديني وسياسي، إذ كان القسم بالعهد الوسيلة الوحيدة لتوسيع الجماعة وضم وحدات اجتماعية أخرى. وفي هذا السياق، كان وجود حرم مركزي (كالتابوت المقدس عند بني إسرائيل) يشكل أساس الأحلاف القبلية، وقد تأكد ذلك بوجود تجمعات اثني عشرية للقبائل في اليونان وإيطاليا.
في قسم "الآلهة القومية والآلهة الإقليمية"، يدرس المؤلف تحول الآلهة من آلهة قومية ترافق جماعاتها الرحل إلى آلهة إقليمية تسهر على خصوبة الأرض بعد الاستقرار. ويضرب مثلاً على الصراع بين موسى واليهوه كإله قومي وبين بعل الإله الإقليمي المتوطن في فلسطين، فقد كان بعل يعتبر موزع منتجات الأرض ولا بد من استرضائه، ثم يتحول اليهوه نفسه ليتلبس بصفات إله إقليمي يعد بأمطار وخصوبة. ويشير الفصل إلى شواهد من التوراة على وجود علاقات تسوية وتزاوج بين العبريين والكنعانيين.
يرصد المؤلف التوفيقية الدينية التي نتجت عن لقاء الآلهة الإقليمية والقومية، والتي بلغت أوجها في عهد الملكية حين شجع داود وسليمان تطور العبادة باتجاه توفيقية أوسع لتسهيل انصهار الجماعات الدينية ضمن إطار سياسي واحد، وساق مثالاً على زواج سليمان من نساء غريبات وبنائه مرتفعات لآلهتهن. لكن هذه التوفيقية أثارت ردود فعل عنيفة توحيدية قومية النزعة، خصوصاً مع تشريعات سفر التثنية التي شددت على تحريم المصاهرة والأمر بإفناء المدن التي سيسود عليها يهوه، مع أنه في المقابل كانت تُدمج عناصر دينية قسرية للأجانب المقيمين (الغرباء) فتُمنح حقوقاً مرتبطة بالعبادة كإجازة يوم السبت بينما تبقى حقوقهم المدنية منقوصة.
يخلص الفصل إلى أن الإصلاحات الدينية المتتالية التي تنبأ بها الأنبياء رفضت كل تسوية لاهوتية قمينة بتسهيل اندماج الجماعة العبرية في المجموعات السياسية الكونية، وهذا رفض يختلف أشد الاختلاف عن التطور العام للعالم القديم. ويشير إلى أن سفر عزرا شهادة فصيحة على هذا الرفض شبه المستيري لأي علاقة تعددية دينية، حتى أنه أمر بطرد النساء الأجنبيات وأولادهن، ولم يتردد نحميا في لعن المتزوجين من نساء غريبات. ويعلق المؤلف بأن أسس العداء للسامية رأت النور في ذلك الطور، فموقف الطائفة اليهودية الحصري عاكس التيار العام للتوسع المجتمعي، ولهذا وصف تاقيطس اليهود بأنهم "أمة تجهد بتعلق مسعور بعضهم ببعض"، مع أن تاقيطس لم يكن أكثر حدباً تجاه المسيحيين الذين اتهمهم بالتآمر على الإمبراطورية.
أما في القسم الخاص بالجماعات الكونية، فيؤكد المؤلف أن كل توسع للوحدات الاجتماعية الأولية لا يتم إلا عبر مطابقات لاهوتية بين الآلهة وتراتبيها، تُضفي الشرعية على الانصهار وتضمن استقراره. ويستعرض الفصل النماذج الكبرى: في مصر القديمة، ارتبط توطن القبائل بتجزؤ العبادات ثم وُحدت حول إله الشمس رع، لكن تجزؤ السيادة في عهد السلالة السادسة أعاد كل أمير إلى إله إمارته. وفي بلاد ما بين النهرين، صورت الحضارة السومرية التطور نفسه، إذ قاد حمورابي تطور توفيقية دينية معقدة في بابل أكسبته شرعية الحكم، وسُمح بموجبها بتطور قانون دولي وقانون خاص بلغ أرفع مستوياته، وخلقت شريعته الشعب البابلي بتحقيق صلة وصل بين سومر وأكاد مع أن مقدمة الشريعة كانت تكريساً للمطابقة اللاهوتية الجديدة بإسناد الحكم إلى مردوخ إله بابل المركزي.
ويذكر الفصل أن إحياء الملكية المصرية بعد غزوات الهكسوس قدم صورة توفيقية مماثلة، إذ انصهر آمون إله طيبة باله الشمس رع، وشرع تحوتمس الثالث بسياسة تسامح تحفظ للدول المضمومة استقلالها الذاتي ولغتها وقانونها، ووصلت النزعة الكونية المصرية أوجها مع أمنوفيس الرابع الذي وحد العبادات حول الإله آتون، لكن هذا المجتمع الكوني آفل بفعل المصادمات مع القوة الحثية وردة الفعل الدينية المصرية التي أعادت عبادة آمون، مع ملاحظة أن الانحلال لم يحدث بثورة عامة للجماعات القومية المنصهرة بل بضغوط خارجية من الشعوب البربرية. وفي ختام الفصل، يقارن المؤلف السلطة الآشورية الكونية بالسيطرة المصرية السالفة، فالآشوريون اعتمدوا الحرب والتهجير وإلغاء العبادات المحلية كوسيلة لتوحيد المجتمع، مما سيؤدي حتماً إلى حركات انكماشية وتمردية كما سيظهر في الفصول اللاحقة.
3.العلاقات ما بين الطوائف في المجتمع المسيحي159–214▼ ملخص
الفصل الثاني يتناول العلاقات بين الطوائف في المجتمع المسيحي، ويحلل كيف تعاملت المسيحية، بعد أن أصبحت دين الدولة، مع الجماعات الدينية الأخرى مثل اليهود والهراطقة والوثنيين. يتمحور الموضوع حول ثلاث خصائص أساسية للمسيحية، وهي: حس الوحدة، والحاجة إلى نشر الرسالة والتبشير، والدفاع عن العقيدة. يرى المؤلف أن هذه الخصائص الثلاث، التي كانت روحية في الأساس، أضحت، بعد ترجمتها إلى لغة القانون والسياسة، سبباً في إضفاء صفة مؤسسية على الاضطهادات والحروب الدينية، مما جعل العلاقات بين الطوائف في الحاضرة المسيحية متوترة وعنيفة.
يبدأ الفصل بمناقشة حس الوحدة، مستشهداً بآيات من الإنجيل ورسائل القديس بولس التي تؤكد على وحدة الجنس البشري في المسيح. هذه الوحدة، التي تحققت في الإمبراطورية الرومانية الموحدة، أصبحت نموذجاً للمجتمع المسيحي الذي كان يطمح لأن يكون كونياً. ومع ذلك، يوضح المؤلف أن هذه الرغبة في الوحدة خلقت توتراً دائماً بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، وهو ما أدى إلى صراعات لا حصر لها بين الكنيسة والدولة، كما ظهر في بيزنطة التي اعتبرت نموذجاً للوحدة بين الدين والسياسة.
أما الميزة الثانية، وهي الحاجة إلى نشر الرسالة والتبشير، فكانت مرتبطة بشعور عميق بالتفوق، إذ كان يُنظر إلى المسيحية على أنها الدين الوحيد الصحيح الذي يجب أن يعتنقه الجميع. يقدم المؤلف أمثلة على ذلك من التاريخ، مثل مرسوم تسالونيكي الذي فرض العقيدة الرومانية، وقوانين شارلمان التي كانت تعاقب الساكسونيين الذين يرفضون المعمودية بالموت، والفتوحات الاستعمارية التي كانت تمتزج فيها أهداف التبشير بالسيطرة السياسية، كما في البراءات البابوية التي أقرت بحق البرتغاليين في فتح بلاد غير المسيحيين وإخضاعها.
الميزة الثالثة هي الدفاع عن العقيدة، والتي أصبحت ضرورة ملحة بعد أن أصبحت المسيحية دين الدولة. أدى هذا إلى اعتبار أي انحراف عن العقيدة الرسمية "هرطقة" تمس النظام العام، وهو ما استلزم تدخل السلطة العامة لقمعها. ويشير المؤلف إلى أن هذا التشدد أدى إلى تحول "عدم التسامح الديني" إلى فضيلة من فضائل الدولة، وأن القوانين المدنية أصبحت تتبنى نصوصاً عقائدية من قرارات المجامع الكنسية، وأن عدم الإيمان أصبح جريمة يعاقب عليها القانون بنزع الأهلية والنفي.
ينتقل الفصل في قسمه الثاني إلى النتائج الاجتماعية والقانونية لهذه المواقف، حيث يوضح كيف أدى غزو الدين لكل مجالات الحياة إلى خلق مجتمع منقسم بين مؤمنين "أصحاب عقيدة صحيحة" وغيرهم من الهراطقة والوثنيين واليهود الذين أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية. يشير المؤلف إلى أن هذا الانقسام كان عاملاً في إضعاف الإمبراطورية البيزنطية، التي عانت من اضطرابات دينية متواصلة في مصر وسوريا وأرمينيا، حيث كانت الخلافات اللاهوتية غالباً ما تخفي خلفها تناقضات قومية واجتماعية وثقافية. ويخلص إلى أن هذه الاضطهادات كانت من الأسباب التي جعلت الشعوب الشرقية ترحب بالفتح الإسلامي، الذي مثل انفراجاً دينياً وسياسياً واقتصادياً.
أخيراً، يتناول القسم الثالث تشريعات الحاضرة المسيحية المتعلقة بالعلاقات بين الطوائف، موضحاً أن هذه التشريعات كانت تهدف إلى منع تطور الطوائف غير الكاثوليكية، وتأمين انتصار الرسالة، وقمع الانشقاقات. ويميز المؤلف بين الطوائف التي كانت عبادتها مباحة، مثل اليهودية التي تمتع بوجود شرعي وقانون خاص للأحوال الشخصية، وبين الطوائف المحرّمة عبادتها مثل الهراطقة الذين وضعوا خارج القانون. كما يلفت النظر إلى أن درجة التشدد أو التساهل في تطبيق هذه القوانين كانت تعتمد على عوامل مثل ميزان القوى بين الأغلبية والأقلية، ودور الكنيسة في السلطة، وأحياناً على شخصية الحاكم.
يمكن القول إن الفصل يقدم قراءة نقدية للتاريخ المسيحي من منظور علاقته بالآخر الديني، حيث يُظهر كيف أن المثل الدينية العليا، عندما تتحول إلى أدوات للسياسة والقانون، يمكن أن تكون سبباً في تبرير القمع والعنف، وهو ما يفتح باباً للنقاش حول إمكانية وجود مسيحية أكثر تسامحاً لو بقيت تلك المثل في النطاق الروحي فقط.
4.العلاقات ما بين الطوائف في المجتمع الإسلامي215–364▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول طبيعة العلاقات بين الطوائف الدينية في المجتمع الإسلامي، محاولاً فهم كيف تعامل الإسلام كنظام ديني واجتماعي مع التنوع الديني، وذلك في إطار مقارنة مع المسيحية واليهودية اللتين نوقشتا في فصول سابقة. يهدف المؤلف من هذا الفحص إلى استخلاص قوانين تحكم المجتمعات المتعددة طائفياً، وإبراز السمات الخاصة بالتجربة الإسلامية التي يعتبرها قد بلغت الحدود القصوى لتطور النظام الطائفي الذي يضمن حداً أدنى من الحرية الدينية لكنه يرفع سوراً اجتماعياً وثقافياً بين الطوائف.
يبدأ الفصل بالتمهيد لمنهجية الدراسة، مشيراً إلى الصعوبات التي تواجه الباحث الغربي في دراسة المجتمع الإسلامي، والتي تنبع من ميله إلى النقد المنهجي الوضعي المتأثر بنظام القيم الخاص به، وهو ما أتقنه المستشرقون التقليديون لكن بدون رؤية متبصرة. يوضح المؤلف أن هذه النزعة تفسد البحث، وأن الصورة التي يرسمها الوعي الغربي عن الإسلام غالباً ما تكون مشوهة بسبب تاريخ صراع طويل الأمد بين "القوى المسيحية" و"القوى الإسلامية"، وهي خصومات ذات طابع سياسي أكثر منها ديني. ويذكر أن الصدمة النفسية الناتجة عن تصفية الاستعمار والموقف من الصراع العربي-الإسرائيلي لم تساعدا على فهم أفضل لآليات المجتمع الإسلامي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى القسم الأول من المضمون، مركزاً على "موقف الإسلام العام من العلاقات ما بين الطوائف"، معترفاً بوجود تضاد صارخ بين المثل العليا المعيارية لرجال القانون والفقهاء وبين الشروط الفعلية للحياة، وهو تضاد يعتبره عقبة أساسية أمام أي بحث جاد. يقر المؤلف بصعوبة هذه المعايرة بين الواقع والمثل الأعلى، لكنه يؤكد على ضرورة التزام جانب الاعتدال في رؤية الأمور، مستشهداً بالآية القرآنية "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً" (سورة البقرة، الآية 143).
يقدم المؤلف في هذا القسم تحليلاً للرؤية القرآنية، معتمداً على القرآن كمصدر أول، ومشيراً إلى أن عودة المدرسة الإصلاحية الحديثة إلى المنابع القرآنية المحضة أعادت للنص مرونته. يصف هذه الرؤية بأنها "رؤية أخلاقية للعالم" يقوم فيها الدين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا خلاص للإنسان إلا بالأعمال الصالحة، مستشهداً بآيات من سورتي البقرة والأنعام تؤكد على أن البر ليس في الاتجاهات بل في الإيمان والعمل الصالح. هذه الأخلاق الإسلامية، حسب المؤلف، تتسم بسمتين هامتين: أولاً، أنها أخلاق اعتدال ووسطية، كما في قوله تعالى "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" (سورة الأعراف، الآية 31)، وثانياً، أنها أخلاق لا حكم على التقيد بها سوى الله وحده، إذ لا وسيط بين الإنسان وخالقه ولا كنيسة في الإسلام.
في إطار هذه الرؤية، يؤكد المؤلف على مبدأ هام وهو "الوحدة، التعددية، الكونية"، موضحاً أن الأخلاق القرآنية فردية وجماعية في آن معاً. فالأنبياء لم يرسلوا إلى الإنسانية كلها أو إلى شعب مختار، بل إلى أقوام وشعوب محددة، والقرآن نفسه نزل بلسان عربي مبين. غير أن القرآن يحث على تجاوز الخلافات بالرجوع إلى مصدر التوحيد المشترك، متمثلاً في إبراهيم الذي "كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين" (سورة آل عمران، الآية 67). ورغم أن للقرآن نزعة كونية تتوجه من خلال العرب إلى العالم قاطبة، مقسماً الناس إلى مؤمنين وأهل كتاب ومشركين، إلا أنه يعترف بالتعددية كإرادة إلهية، ويؤكد على مبدأ "لا إكراه في الدين" (سورة البقرة، الآية 256) الذي أصبح قاعدة للتشريعات المتسامحة تجاه الطوائف الأخرى. ويخلص المؤلف في هذا السياق إلى أن رسالة أمة المؤمنين ليست هداية البشرية بالقوة، بل هي رسالة تبليغ وإنذار، وأن التعددية الدينية أمر أباحه الله في تدبيره للأشياء، وهو ما يختلف اختلافاً جوهرياً عن الرؤية المسيحية التي يتداخل فيها حس الوحدة مع واجب التبشير.
يتناول القسم الأول أيضاً المشكلات المنهجية في فهم العلاقة بين الزمني والروحي في الإسلام، مشيراً إلى أن الشرع في الإسلام هو فرع من أصول الدين، وليس مرد ذلك إلى أن الإسلام دين لا يفرق بين الزمني والروحي بقدر ما هو نتيجة لظروف تاريخية خاصة بتوسع الدين الإسلامي. فحين انطلق العرب من المدينة لفتح العالم، كان القرآن سلاحهم الأيديولوجي والثقافي الأول، وأصبح حجر الزاوية الذي شيدت عليه الحضارة الإسلامية بأسرها. يضيف المؤلف جانباً آخر مهماً يتمثل في انفصال السلطة القضائية إلى وظيفتين مستقلتين: الوظيفة القضائية بالمعنى المحدد، والوظيفة الاجتهادية (إصدار الفتاوى) المتفرعة عن وظيفة الفقهاء الدينية، مما ساهم في تعزيز التباين بين مبادئ الشريعة وممارسة الحياة الفعلية، ويخلص مع الأستاذ أ. فتال إلى أن القانون العام الإسلامي "لا يصور لنا الدولة الإسلامية كما هي، بل كما ينبغي أن تكون".
أما القسم الثاني من الفصل، فيخصصه المؤلف "للأحكام القرآنية والاجتهادات اللاحقة في مضمار العلاقات بين الطوائف"، حيث يحدد السمات العامة لهذه الأحكام ثم يتناول مضمونها. يبدأ بتوضيح حدود التعددية في القرآن، مفرقاً بين أهل الكتاب والمشركين. في الطور المكي، كان محمد قريباً من اليهود والنصارى في مواجهة المشركين، وكان القرآن يحض على مجادلة أهل الكتاب "بالتي هي أحسن" (سورة العنكبوت، الآية 46). لكن مع الانتقال إلى الطور المدني وتأسيس الجماعة المسلمة في المدينة، حدث تحول جذري، حيث بدأ صدام عنيف مع القبائل اليهودية التي لم تعترف بنبوة محمد، وهو ما انعكس في القرآن الذي بدأ يحذر المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، كما في الآية 51 من سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض". ويشير المؤلف إلى أن تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة كان "أسطع شهادة على فشل اتحاد الديانتين التوحيديتين النبويتين".
يؤكد المؤلف أن القرآن مع ذلك حافظ على تمييز واضح بين أهل الكتاب والمشركين، فالمشركون عبدة الأوثان مستثنون من التسامح وواجب قتالهم حتى يستأصل شركهم، بينما أهل الكتاب، رغم الادانات العقائدية العنيفة، لهم وضع متميز، إذ يمكنهم البقاء في دار الإسلام مقابل دفع الجزية "عن يد وهم صاغرون" (سورة التوبة، الآية 29). يرفض المؤلف هنا رأي الأستاذ فتال القائل بأن الإسلام يقسم الناس إلى فئتين فقط، مؤكداً أن التمييز الثلاثي (مسلم، أهل كتاب، مشرك) هو الأصح، وأن المأثور الفقهي الإسلامي سار على هذا التمييز.
يلفت المؤلف الانتباه إلى ظاهرة مهمة وهي أن اللفظ القرآني "الكافر" كان في الطور المكي يشير إلى عبدة الأوثان دون سواهم، لكنه في الطور المدني أصبح يطلق أحياناً على اليهود والنصارى أيضاً، وهي ظاهرة يراها مشابهة لتلك التي لاحظها في الفصل الثاني بين العالمين المسيحي واليهودي، حيث يصنف كل عنصر لا ينتمي للجماعة السائدة في فئة نفسية دينية محاطة بالازدراء، ويسميها "أواليات المجتمع التوحيدي". بخصوص المسيحيين، يشير المؤلف إلى أنهم أُحرجوا بقرنهم باليهود، وهذا مرده إلى أن مسيحية شبه الجزيرة العربية كانت متأثرة بعبادات ثالوثية، وأن الفرضية الأساسية للإسلام هي وحدانية الله المطلقة التي لا تقبل بفكرة أن لله ولداً، وهي قضية جوهرية. لكن المؤلف يذكر في المقابل أن عدداً غير قليل من الآيات القرآنية يشيد بالمسيحيين، مستشهداً بالآية 82 من سورة المائدة: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون".
رغم هذه التقلبات، يرى المؤلف أن آيات قرآنية كثيرة "تعيد التوازن وتميز تمييزاً بيناً بين الفئتين"، مستشهداً بالآية 62 من سورة البقرة: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون". ويشير إلى آيات أخرى مهمة أسست لما يسميه "الاستقلال الذاتي التشريعي والقضائي" لأهل الكتاب، كالآية 47 من سورة المائدة: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه"، والآية 42 من السورة نفسها التي تعطي المسلم الحق في الحكم بين أهل الكتاب إذا التمسوا ذلك، وهي الآيات التي يرتكز عليها استقلال الطوائف المسيحية واليهودية الذاتي عبر الأجيال. كما يذكر أن القرآن أباح للمؤمنين مؤاكلة أهل الكتاب والزواج من نسائهم المحصنات، كما في الآية 5 من سورة المائدة، ويرى في ذلك كسراً للحواجز الاجتماعية، لكنه ينبه إلى أن الفقهاء قيدوا هذا الإباحة مبكراً باستبعاد زواج المسلمة من رجل من أهل الكتاب، محتجين بسيادة الرجل على البيت وخوفاً على دين المرأة.
يختم المؤلف هذا القسم باستنتاج واضح بأن حدود التعددية والتسامح التي عينها النبي واضحة المعالم، فمع الانتقال للطور المدني، تم إقصاء عبدة الأوثان إقصاءاً تاماً عن جماعة المؤمنين، بينما أُدخل أهل الكتاب في "حضن الجماعة المسلمة" مع التزامهم بدفع الجزية، وتمتعهم باحترام شعائرهم واستقلالهم القضائي مقابل ذلك. ويشير المؤلف إلى أن "هذه النقيلة من المذهب" أي ثبوت قبول أهل الكتاب والتسامح معهم كنص قرآني، "أمكن أن يطبع العلماء المسلمين شطط التكذيب" الذي مارسه بعض المسيحيين بدعوات إبادة الكفار دون تمييز، ويبين أن العالم العربي حافظ على وجود أقليات كبيرة من اليهود والنصارى والمجوس، بينما محت أوروبا الغربية كل أثر للإسلام فيها.
ينتقل المؤلف في ختام القسم الثاني إلى تحليل "الطبيعة القانونية لحدود التسامح" من خلال موضوع العلاقة بين الزمني والروحي في الإسلام، وهي المسألة التي يراها حاسمة في تحديد شكل العلاقات الطوائفية. ينتقد المؤلف الموقف الشائع، خاصة بين المستشرقين، الذي يرى أن الإسلام "دين زمني وروحي معاً" أو أن الإيمان فيه قيمة ذات منطوق سياسي، كما يقول المستشرق لوي غارديه. يذكر أن المأثور الإسلامي الكلاسيكي ورجال الدين اليوم لا يزالون يرون الإسلام في وجهيه معاً، ويضرب مثالاً على ذلك بحادثة الشيخ علي عبد الرازق الذي فصل من وظيفته كقاضٍ وأُحرقت كتبه عندما نشر كتابه "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، والذي ذهب فيه إلى أن الإسلام دين روحي مثل المسيحية تماماً. في المقابل، يذكر المؤلف أن محكمة القاهرة في عام 1958 ألغت أمر مصادرة كتاب "من هنا نبدأ" للشيخ خالد محمد خالد، وعرضت في حيثياتها أطروحات الأزهري الكبير علي عبد الرازق ببلاغة، الأمر الذي يعكس وجود تيارات مختلفة داخل المؤسسة الدينية نفسها.
يحلل المؤلف موقف القرآن من السلطة السياسية، فيخلص إلى نتيجة مهمة هي أن البحث عن أحكام أو إرشادات تصلح لأن يستخلص منها دستور نموذجي للدولة الإسلامية هو عبث، فالقرآن "يلزم الصمت بصدد هذه النقطة"، ومشكلة السلطة والسلطان غائبة عنه بالمقابل، فلا وجود إلا لآية واحدة عن طاعة "أولي الأمر" (سورة النساء، الآية 59) وهي في سياقها مجرد حث على الطاعة، وآية أخرى عن جعل الإنسان "خليفة" في الأرض (سورة البقرة، الآية 30) وهي ذات معنى ميتافيزيقي لا علاقة له بنظرية الخلافة السياسية. هذا التحليل يقود المؤلف إلى اعتبار أن نظريات الخلافة الكبرى التي بناها المأثور الإسلامي هي "تشبث" بآيات لا تصلح لهذا الغرض إلا بتأويل مبالغ فيه.
يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول كيفية الانتقال من هذه النصوص والمبادئ إلى الممارسة العملية، معترفاً بأن دراسة الأحكام القرآنية والفقه منفصلة عن الرؤية العامة والتطبيق العملي ستؤدي إلى نتائج "تتميز بالصلابة الموضوعية" فقط، لكنه يلمح إلى أن الممارسة الفعلية للعلاقات الطوائفية في الحضارة الإسلامية "قطعت في طريق التسامح شوطاً قصيراً" مقارنة بما تتيحه النصوص من إمكانيات. كما يقر بحدود هذه الدراسة، إذ يرى أن العلاقات الطوائفية في المجتمع الإسلامي لا يمكن فهمها فهماً كاملاً دون دراسة الممارسة الفعلية التي تبقى عادة بعيدة عن "أحلام الفقهاء المعيارية".
5.خاتمة عامة365–374▼ ملخص
جرت خاتمة الكتاب على نحوٍ فلسفيّ تأمليّ، إذ انطلق المؤلف من إشارة إلى أن تحقيق الإنسان لذاته ككائن حرّ لا يتمّ إلا عبر إدراكه النقدي لشروطه المكانية والزمانية، ووعيه بجذوره العميقة. فالإنسان ذاتٌ مسؤولةٌ لا تقف موقف المتفرّج من واقعه، بل تتدخّل فيه وتغيّره باستمرار انطلاقاً من داخله. ومن هذا المنطلق الفلسفي، استخلص المؤلف خلاصة دراسته المتمثلة في وجود نموذجين قانونيين أساسيين حكما العلاقات بين الطوائف عبر التاريخ: نموذج المجتمع القديم الكلاسيكي الذي كان يهدف إلى تأمين الاندماج الاجتماعي والسياسي لمختلف العناصر الطائفية تحت راية حكم سياسي واحد، ونموذج المجتمع التوحيدي الذي ظهر متأخراً، والذي عمل على منع أي اندماج للجماعات التي لا تنتمي إلى الطائفة الدينية السائدة، سعياً لحملها على التخلي عن عقيدتها واعتناق الدين الحق.
ويوضح المؤلف أن النموذج التوحيدي بشكله الكلاسيكي، سواء في اليهودية أو المسيحية أو الإسلام، كان واثقاً من التفوق المطلق لمنهجه الديني والأخلاقي، مما جعله لا يقبل باستمرار جماعات تنتمي لعقائد أخرى في المجتمع الخاضع لسيطرته. ويشير إلى أن العنف، المادي والمعنوي، منقوش في صميم هذا النموذج، وأنه متجذر في اليهودية التوراتية البدائية التي أخضعت علاقاتها مع العبادات الأخرى لنموذج العلاقات القائمة على قانون القوة. ويستدرك المؤلف بأن النموذج التوحيدي اتخذ صيغاً متعددة؛ فقد يقبل بتعدد الطوائف كما في الإسلام، أو يتغاضى عن العبادات الأخرى كما في المسيحية، لكنه في التحليل الأخير ينزع إما إلى الدمج القسري للعناصر التي لا تعترف بالعقيدة الرسمية، أو إلى لفظها خارج حدود المجتمع السياسي. ويؤكد أن لغة القرآن، رغم أنها لا تتميز بنفس القدر من الوضوح في الحض على عدم التسامح، إلا أن إدانتها اللاهوتية لأهل الكتاب قاطعة، ومن منطلقها طوّر الفقهاء المسلمون لاهوتاً إذلالياً.
يبحث المؤلف بعدها في العواقب المترتبة على استمرار هذه النماذج، فيلاحظ أن التوتر الطائفي في البلدان العربية اليوم، والذي يعكس وضعاً كان سائداً في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان يمكن أن يكون أقل حدة لولا التدخلات الخطيرة من جانب سلطات الانتداب والاستعمار في العلاقات بين الغالبية المسلمة وجماعات الأقلية. ورغم اعترافه بأن سيرورة تحرير القانون من الطابع الديني تتقدم بخطى حتمية، إلا أن معقل الطائفية الأساسي، وهو الأحوال الشخصية، ما يزال بلا مساس تقريباً. وفي هذا السياق، يرى المؤلف أن النموذج القانوني العلماني، الذي تقف فيه الدولة موقفاً محايداً تماماً ويوحّد القانون المدني للجميع، هو الحل الأمثل لمشكلة العلاقة بين الطوائف، إذ يبقى المواطن حراً في سلوكه الخاص وفق مبادئه الدينية، بينما تلتزم الدولة بعدم التدخل في الشؤون الدينية ضمن حدود النظام العام. ويستشهد في ذلك بآراء كتّاب مسيحيين مثل جاك إيلاوه حول ضرورة أن يكون القانون ضرباً من النبوءة بالعدالة، وأن على المسيحيين العمل على أن يؤدي القانون رسالته على أكمل وجه.
ينتقل المؤلف إلى تحليل الأثر النفسي العميق الذي يتركه النموذج التوحيدي في العقول، حتى بعد أن يفسح مكانه للنموذج العلماني في القانون الوضعي. ويشير إلى أن الدراسات السيكولوجية الحديثة تُظهر تأثير وجود الأقليات على عقلية أفراد المجتمع؛ فأبناء الأكثرية يرتابون في الأقلية ويشتبهون في ضلوعهم في المؤامرات، بينما يعيش أبناء الأقلية في ظل الخوف ويفسرون تصرفات الأكثرية على أنها خطوات نحو إبادتهم. ويستشهد المؤلف بأبحاث عن معاداة السامية لتوضيح القوة التفجيرية للحكم المسبق الديني في حقبة التغير الاجتماعي السريع، حيث تتحول الأقليات إلى "أكباش محرقة" يُحمّلها الرافضون للتغيير تبعة مصائبهم، ويضرب مثالاً بفرنسا في القرن التاسع عشر حيث رأى أنصار النظام البائد في اليهود رمزاً لـ"العالم الحديث" الذي يكرهونه، وكذلك في روسيا حيث تأججت معاداة السامية بفعل انخراط عدد كبير من اليهود في قضية الثورة. ويطبق المؤلف هذا التحليل على المجتمعات الإسلامية، إذ يرى أن المجتمعات الخاضعة للتغيرات المفاجئة والناجمة عن الاستعمار، والمثقلة بالإحساس بالدونية، لم تحجم عن توجيه أصابع الاتهام إلى أقلياتها لتحميلها تبعة مصائب الأمة الإسلامية.
يناقش المؤلف ردود فعل أبناء الأقليات أنفسهم، والتي يرى أنها تأتي متناقضة في كثير من الأحيان؛ فبينما يقاوم شطر منهم الاندماج بتيارات تقوية تشبه حركات الرد اليهودية القديمة على الانحلال، مثل الصهيونية التي يعتبرها المؤلف نسخة حديثة عن هذه الحركات، ينصهر شطر آخر بحماس في مجتمعه وبالمشاركة في حركات التقدم. ويلاحظ المؤلف بتعجب تشابه التطورات بين يهود الدول الغربية وأقليات الشرق المسيحية، إذ يظهر أبناء الأقليات في كلا الحالتين دوراً اجتماعياً واقتصادياً يتجاوز حجمهم العددي بكثير. ويعزو المؤلف هذا التفوق إلى الوضع النفسي لأبناء الأقليات، الذين يشعرون بأنهم في موقع "التحدي"، مما يشحذ قدراتهم الإبداعية باستمرار، إلا أن هذا التفوق نفسه يؤجج مشاعر القلق والتوتر لدى الأغلبية. ويرى المؤلف أن النفسية في العلاقة بين الأقلية والأكثرية هي علاقة جدلية تغذي نفسها بنفسها، ويستشهد بأفكار مفكرين يهود مثل جورج فريدمان عن ضرورة ديمومة معاداة السامية لضمان بقاء الشعب اليهودي، ومقابلها من الجانب المسيحي المذهب الأوغسطيني الذي يرى في اليهود شهوداً معاقبين على آلام المسيح، وخلص إلى أنه لا سبيل للانعتاق من هذه العلاقة إلا بتصفية الطائفية وإزالتها من العقول والنفوس جذرياً، وليس فقط الانتقال من نظام قانوني إلى آخر.
يقدّم المؤلف في خاتمة الخاتمة برنامجاً عملياً لتحقيق "تصفية الطائفية"، معتبراً أن العالم العربي هو حقل التطبيق الأول لهذا البرنامج. ويستشهد في ذلك بتجارب تاريخية، مثل أعضاء الجمعية التأسيسية الفرنسية في 1791 الذين دعوا إلى تربية خلقية مشتركة لليهود والمسيحيين، وإلى حصر وظيفة المدارس الدينية بتعليم أمور الدين فقط، وكذلك بآراء مفكرين مثل كوندورسيه وكينه الذين دعوا إلى تعليم موحّد للأخلاق. ويشدد المؤلف على ضرورة وضع حد للتمييز على صعيد السكن ووقت الفراغ والعناية الطبية، وعلى الأخص إلغاء أو تخفيف حدة الفروق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، معتبراً أن التفاوت الاقتصادي هو ما يوفر المناخ المناسب للتوترات الطائفية؛ فالتنمية الاقتصادية العادلة تخفف التوترات، بينما تعيد الأزمات الاقتصادية تنشيط الأحكام المسبقة ضد الأقليات. ويؤكد أن الصراع على النفوذ بين الدول الكبرى هو في طليعة الأسباب التي تشعل نار الفتنة الطائفية، خصوصاً في أقطار العالم الثالث حيث تعيش الجماعات الدينية والاثنية المتباينة في توازن هش.
يختم المؤلف بتقديم رؤيته الحاسمة للخلاص، إذ يرفض الفكرة القائلة بأن التعددية الطائفية في حد ذاتها قيمة جديرة بالاحترام، ويضرب مثالاً بلبنان حيث يعتقد البعض أن مبرر وجوده يكمن في بنيته الطائفية التي تحفظ لكل جماعة شخصيتها، لكن المؤلف يرى فيها قيداً يثقل كاهل الغالبية العظمى من المستغلّين ويحول بينهم وبين التخلص من الاستغلال. فالتعددية الحقيقية الوحيدة في نظره هي تلك التي تقوم وسط مجتمع منفتح مؤلف من جماعات منفتحة، لا مجتمع من جماعات صغيرة مغلقة تنهشها الظنون والأحكام المسبقة. ويرى أن سقوط آلاف الأبرياء ضحايا لحرب السنتين في لبنان يعدّ شاهداً قاطعاً على صوابية رأيه. ويحذّر أخيراً من أن أي محاولة للدمج القسري ستكون مرفوضة ومناقضة للتعددية، لكنه في المقابل لا يعتبر التمسك بالطائفية خياراً مقبولاً، ويؤكد أن هذه الإشكالية تقع في صميم التجربة الإنسانية الساعية لتحقيق الذات، والتي لا تتحقق إلا بالانخراط الواعي في الزمان والمكان، كما أشار في مستهل خاتمته.
وفي المحصلة، فإن الفصل يقدّم خلاصة شاملة لأطروحة الكتاب حول تطور نماذج العلاقة بين الأديان وأنظمة الحكم، ويُبرز التناقض بين النموذج التوحيدي الذي يستند إلى العنف والتمييز، والنموذج العلماني الذي يمثل الحل الأمثل للمشكلة. غير أن دعوة المؤلف إلى "تصفية الطائفية" بشكل جذري، ورفضه للتعددية إلا في شكلها الاندماجي الكامل، قد تكون قابلة للنقاش، إذ يمكن القول إنها تستبعد إمكانية وجود مجتمعات تعددية تحترم الخصوصيات المختلفة دونما حاجة إلى إذابة الهويات في بوتقة واحدة. كما أن إيمانه المطلق بالعلمانية كحلٍّ شامل قد لا يستوعب الحالات التي تتعايش فيها الجماعات الدينية ضمن أطر قانونية مختلفة، خاصة في المجتمعات ذات التقاليد الدينية العميقة، حيث يبدو اقتراحه مواجهاً لعقبات عملية كبيرة لا يتناولها بالكامل.
6.أمثلة معاصرة من المجتمعات المتعددة الطوائف375–414▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل أربعة نماذج معاصرة من المجتمعات المتعددة الطوائف، هي ألبانيا وقبرص ولبنان وفلسطين المحتلة (إسرائيل)، محاولاً اختبار الفرضية التي بنى عليها الكتاب: أن البنية الطائفية الموروثة عن الدولة العثمانية، عندما تُقنَّن في مؤسسات قانونية وسياسية حديثة، تؤدي حتماً إلى إضعاف الدولة وإلى أزمات هوية وانقسامات حادة قد تصل إلى حد التفكك والاقتتال. يرى المؤلف أن هذه المجتمعات ورثت جميعها البنى الطائفية العثمانية نفسها التي وصفها في فصول سابقة، وأن الطريقة التي تعاملت بها كل دولة مع هذا الميراث تحدد مسارها السياسي والاجتماعي، ليثبت في النهاية أن إعادة إنتاج الطائفية كمبدأ للنظام العام هي وصفة للفشل وعدم الاستقرار، وأن الحلول الوحيدة الناجحة هي تلك القائمة على المواطنة الفردية والدولة الوحدوية المدنية.
يبدأ الفصل بدراسة الحالة الألبانية، التي يعتبرها المؤلف مثالاً أولياً على تحوّل الولاءات التقليدية تحت ضغط التأثيرات الخارجية. يوضح كيف انقسم السكان إلى أربع جماعات دينية رئيسية، مع وجود مسلمين سنة ومسلمين بكداشيين ومسيحيين كاثوليك وأرثوذكس، وفق إحصاء يعود لعام 1927. ويشير إلى أن ألبانيا، رغم صغر مساحتها وعزلتها الجبلية، كانت بوابة للتنافس بين القوى الأجنبية، وأن ولاءات طوائفها كانت مشدودة إلى مراكز خارجية؛ فالكاثوليك اتجهوا نحو الفاتيكان وأوروبا الكاثوليكية، بينما توزع ولاء الأرثوذكس بين الكنائس اليونانية والرومانية وبطريركية القسطنطينية، وكان البكداشيون متعلقين بمركزهم الديني في الأناضول. لكن المفارقة الألبانية تكمن في أن حركة اليقظة القومية في نهاية القرن التاسع عشر، والتي قادها مثقفون من الطوائف المختلفة، سعت بوعي إلى تجاوز الانقسام الطائفي عبر إبراز الهوية اللغوية والعرقية المشتركة. ويستشهد المؤلف بأقوال كتاب وشخصيات من تلك الفترة مثل شاهين كولوجا وفاسا باشا ونعيم فراشري، التي كانت تدعو المواطنين إلى التوحد حول اللغة والقومية الألبانية بدلاً من الانقسام الديني، ويوضح كيف تم توظيف أسطورة البطل القومي سكندنبرغ، وهو شخصية مسيحية تاريخية، في إطار قومي بحت لخدمة هذا الغرض. ومع ذلك، يلاحظ المؤلف أن هذا المشروع القومي الطموح لم يُترجم إلى بناء مؤسساتي راسخ، إذ شهد التاريخ الألباني بعد الاستقلال عام 1912 تقلبات شديدة، ووقع البلاد فريسة للأطماع الإمبريالية. وبالرغم من الإجراءات التحديثية التي اتخذتها الأنظمة المتعاقبة، مثل إعلان دستور 1928 الذي نص على عدم وجود دين رسمي للدولة وإلغاء الأحوال الشخصية الطائفية، توج الأخير إلى صعود النظام الشيوعي بقيادة أنور خوجا، وجاء دستور 1950 ليجعل من الدولة هي الممول الوحيد للطوائف الدينية ويمنعها من تلقي أي مساعدات خارجية، مما يعني عملياً خضوعها الكامل للدولة الأيديولوجية الجديدة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحالة القبرصية، معتبراً إياها مثالاً صارخاً على كيفية تحويل التعددية الطائفية إلى أداة للانقسام والتقسيم. يبدأ المؤلف بالسياق التاريخي، مشيراً إلى أن الحكم العثماني للجزيرة بدءاً من عام 1571، منح الكنيسة الأرثوذكسية مكانة سياسية، حيث جعل المطران إثناركاً أي مرشداً للأمة بموجب أمر عالٍ صدر عام 1754. لكن نقطة التحول الحاسمة كانت وصول الاحتلال البريطاني في عام 1878، والذي تعامل بوعي مع الانقسام الطائفي بين اليونانيين والأتراك، وأبقى على نظامين مختلفين للتعليم والإشراف الديني لكل طائفة. ويوضح المؤلف كيف أن البريطانيين، الذين صاروا يخشون حركة «إينوزيس» الداعية للاتحاد مع اليونان، عمدوا إلى تعزيز هذا الانقسام باستخدام قوات شرطة مؤلفة من الأتراك لقمع اليونانيين، وصولاً إلى النظام الدستوري المعقد الذي سلمته بريطانيا للجزيرة في عام 1959 باتفاقيتي زيورخ ولندن. يقدم الكاتب نقلاً عن مراقب خبير بأن هذا الدستور كان «مسخاً سياسياً» لا نظير له، إذ أنشأ هيئات انتخابية ومجالس تشريعية منفصلة لكل طائفة، ومنح نائب الرئيس التركي حق النقض عن كل القرارات الرئيسية، وخصّص نسبة من الوظائف الإدارية والعسكرية للأقلية التركية لا تتناسب مع حجمها السكاني الفعلي، محققاً بذلك «دكتاتورية فعلية للأقلية التركية». يخلص المؤلف إلى أن هذا النظام، الذي يراه نسخة رديئة من النظام الذي فرضته الدول الأجنبية على جبل لبنان عام 1845، كان مأساة بانتظار الحدوث، وقد حدث بالفعل عندما أدى تعديل مكاريوس المقترح إلى موجة اضطرابات دامية، وقيام تركيا بغزو الجزيرة وترسيخ التقسيم الفعلي. وكانت النتيجة النهائية التي يصفها الكاتب هي انفصال طائفي كامل، مع نزوح قسري لعشرات الآلاف من الأتراك، وخطوط تماس تقطع كل اتصال بين الطائفتين في المدن الكبرى.
يخصص الفصل حيزاً واسعاً للنموذج اللبناني، الذي يعتبره المؤلف الحالة الأكثر تعقيداً وإيحاءً، فبينما يؤكد أن النموذج اللبناني يطابق النموذج العام في صيغته الإسلامية الأدنى، إلا أنه يقدم تحليلاً تاريخياً مفصلاً لكيفية تبلور الطائفية المؤسسية في البلاد. يحلل المؤلف التناقض بين صورة «لبنان الملجأ» التي رسمها مثقفون غربيون مثل لامارتين في القرن التاسع عشر، والواقع الاجتماعي القائم على نظام إقطاعي وعشائري، تحولت معه الجبال إلى ملاذ لطوائف مختلفة تتعايش تحت حكم أمراء غير محددين الانتماء الديني بوضوح، مثل فخر الدين الثاني وبشير الثاني الشهابي. يوضح الكاتب أن عوامل داخلية وخارجية أدت إلى اختلال هذا التوازن، بدءاً من سياسات الإبراهيم باشا القاسية التي نفذها بمساعدة القوات المارونية، ومروراً بتدخلات القوى الأوروبية، ووصولاً إلى إصرار الرهبان والأساقفة الموارنة على ترسيخ كيان ماروني مستقل. يعتبر المؤلف أن أول ترسيخ مؤسسي للطائفية في لبنان كان النظام الذي وضعته الدول الأجنبية وتركيا عام 1851، والذي قسم جبل لبنان إلى قائمقاميتين، واحدة درزية وأخرى مسيحية، وكان بمثابة نهاية للتعايش التقليدي. ثم يتابع الكاتب تطور الطائفية عبر الانتداب الفرنسي، الذي وسّع عدد الطوائف المعترف بها إلى تسع عشرة طائفة، وجعل من التوزيع الطائفي للمقاعد الانتخابية والأحوال الشخصية حجر الأساس للنظام. ويخصص المؤلف قسماً مهماً لتحليل «الميثاق الوطني» لعام 1943، الذي يصفه بأنه تسوية بين النخب المسيحية والإسلامية على أساس تقاسم السلطة والنفوذ، ويرى أن هذه التسوية كانت إيديولوجية تخلّت عن مشروع الاندماج الوطني لصالح تثبيت الانقسام الطائفي، معتبراً أنها وُظفت من قبل النخبة الحاكمة لخدمة مصالحها البيروقراطية والإقطاعية والطائفية. ويخلص إلى أن هذا النظام الطائفي، بكل متانته على الصعيدين الاجتماعي والثقافي، يُضعف الدولة ويجعلها عاجزة عن خلق مواطنة جامعة، ويفسر ذلك بالقول إن المسيحيين والمسلمين على حد سواء يجدون في الطائفية ملاذاً هوية، وأن السياسات الرسمية مثل تلك التي اتبعها اللواء فؤاد شهاب عززت الطائفية الاجتماعية عبر دعم المؤسسات التربوية والصحية الطائفية، بينما بقيت المبادئ الديمقراطية الحديثة حبراً على ورق.
أما الحالة الرابعة والأخيرة، فهي فلسطين المحتلة وإسرائيل، التي يعتبرها المؤلف النموذج الأكثر تطرفاً للطائفية المؤسسية، رغم أن الدولة تنهج شكلياً ديمقراطية ليبرالية. يكمن جذر المفارقة، وفق المؤلف، في أن الحركة الصهيونية اعتمدت على المؤسسة الطائفية التي ورثتها من العهد العثماني وعهد الانتداب لتطوير نواتها الدولة في فلسطين، ولاحقاً لعزل الجماعة العربية التي تحولت إلى أقلية في وطنها. ويؤكد المؤلف أن إعلان الاستقلال الذي يتحدث عن المساواة، تقابله في الواقع منظومة قانونية تمييزية أُنشئت بوعي، منها القوانين التي سمحت بمصادرة أملاك الفلسطينيين الذين نزحوا وطردوا عام 1948، وحتى أملاك من بقوا منهم، وتحويلها إلى مستوطنات يهودية، بالإضافة إلى القانون الذي حدد هوية اليهودي، والذي بنى عليه الحاخامات أنظمة قسرية في الزواج والطعام والهوية. ينقل المؤلف عن مصادر إسرائيلية ويهودية معارضة، مثل الحاخام إلمر برجر، اعترافات بأن هذه القوانين ذات طابع عرقي مستوحى من قوانين نورمبرغ. يتناول الكاتب أيضاً واقع حياة العرب في إسرائيل، بما في ذلك الحكم العسكري الذي كان مفروضاً عليهم، والحريات المقيدة التي تصل إلى منعهم من التنقل والتملك والعمل في مؤسسات الدولة، معتبراً أن حياتهم لا تختلف عن الحياة في أنظمة الفصل العنصري. ويرد المؤلف هذه السياسات العنصرية إلى الأيديولوجية الصهيونية نفسها، التي يصفها بأنها نتاج لعقلية أقلية تشكلت عبر قرون من الاضطهاد والتمييز، والتي وجدت في فلسطين أرضاً لبناء «طائفة» يهودية معزولة ومتفوقة، واستفادت من التنافس الاستعماري العالمي، مستشهداً بكتابات مؤسسين مثل شاييم وايزمن الذي رأى في إقامة اليهود في فلسطين حمايةً لمصالح بريطانيا الاستراتيجية في قناة السويس، وبين غوريون الذي اعتبر العربي شخصاً غير موجود في دولته. ويرى المؤلف أن الخطر الأكبر للصهيونية لا يكمن في انتصارها العسكري بل في كونها تعيد إدخال النموذج التوحيدي في الشكل الأكثر تطرفاً وحصرية، وتعيد الحياة للعلاقات التقليدية القائمة على العنصرية، مما يهدد البلدان العربية والمستقبل العالمي كله.
يخلص المؤلف عبر هذه الحالات الأربع إلى أن النموذج اللبناني أو القبرصي أو الألباني، وإسرائيل تحديداً، يثبتان بشكل قاطع أن تثبيت الطوائف كمؤسسات سياسية وقانونية واجتماعية يعني إعادة إنتاج الصراع والهشاشة، وأنه كلما طال أمد هذا النظام، تعمّق الشرخ الاجتماعي والهوية الوطنية. ويترك القارئ مع سؤال مفتوح حول إمكانية وجود بديل حقيقي لهذه الأنظمة يقوم على المواطنة والمساواة الفردية، لكنه يؤكد أن السير في الاتجاه المعاكس، نحو «توطين» الطائفية كما تفعل إسرائيل، هو وصفة أكيدة لكارثة إنسانية وسياسية على المدى البعيد.