
شرق وغرب، الشرخ الأسطوري
يطرح كتاب «شرق وغرب، الشرخ الأسطوري» لجورج قرم إشكالية محورية حول الانقسام المزعوم بين الشرق والغرب، الذي تتصدر صورته الأكثر حدةً واجهةَ الخطاب العالمي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. فبعد هذا الحدث، برزت خطابات تبسيطية تختزل العالم في ثنائية «نحن المتحضرون» و«هم البرابرة»، وهي ثنائية يرى المؤلف أنها ضاربة في القدم، وتمتد جذورها إلى العهد الإغريقي بصيغته العلمانية والعهد التوراتي بصيغته المقدسة، حيث يحارب «شعب الله المختار» الشعوب المتخبطة في الجهل. ينتقد قرم بشدة هذه الرمزية التي تعيد إنتاج الصور النمطية وتصنف المجتمعات بين غرب «متحضر» وشرق «بربري»، ويهدف كتابه إلى المساعدة في التصدي لهذه التبسيطات التي تقضي على الحس النقدي، مؤكداً أن المقاومة الفعلية للعنف تفترض فهم طبيعة المعركة والميدان الذي تدور فيه.
يستعرض المؤلف الإطار الفكري الذي يؤطر هذا الشرخ، بالإشارة إلى مفكرين كبار تنبأوا بأفول الحضارة الغربية، مثل أوزوالد شبنغلر في كتابه «أفول الغرب» الصادر في ألمانيا عام 1918، وأرنولد توينبي بمؤلفه الضخم عن عوامل عظمة الحضارات وانحطاطها. ويلاحظ قرم أن الغرب اليوم تشغله مسألة انحطاطه المحتمل أكثر من أي وقت مضى، وأن فوضى العالم التي جسدها الحادي عشر من أيلول تبدو وكأنها تثبت صحة طروحات هؤلاء. لكنه يوضح أن هدفه ليس توصيف الهيمنة الغربية، بل معالجة الأسئلة الملحة وفك رموز الكليشيهات القاتلة، معترفاً بأنه لن يقدم بحثاً شاملاً يصدر حكماً نهائياً على الفكر الغربي بأكمله. ويتساءل عن مصير فلسفة الأنوار والعلمنة التي قوبلت بارتياح عالمي بعد الحرب العالمية الثانية، هل ولت هذه الفلسفة وتآكلت مع انهيار الشيوعية وزوال الاستعمار؟ ويرى أن هذه الفلسفة قدمت مبادئ عقلانية وحررت البشر من العقائد الجامدة، وأن التخلي عنها يعني الاستسلام لمنطق «سخط الله المعاقب والمنتقم»، ويدعو إلى إسقاط الرمزية السلبية المهيمنة بعد الحادي عشر من أيلول، بحيث يختتم هذا الحدث المأساوي حقبة ويفتتح أخرى أفضل، بدلاً من أن يزيدنا إمعاناً في اللاعقلانية وقمع الحريات.
ينتقد قرم ردود الأفعال على أحداث الحادي عشر من أيلول في الشرق والغرب على حد سواء، مشيراً إلى أن لجوء الناس في الغرب إلى إعادة قراءة القرآن لفهم الحدث يعبر عن سذاجة وضيق أفق، وأن ردود الفعل الشرقية، سواء بالشعور بالرضى أو التأكيد على «سلمية» الإسلام، تنبع من سيكولوجيا المنهزمين التي تبقى مرتعاً خصباً للعقد النفسية. ويرى أن السجال حول العولمة الاقتصادية يزيد الأزمة الفكرية تفاقماً، متسائلاً: هل فقدنا اللغة العقلانية المشتركة التي تسمح بالتواصل بين البشر؟ ويستعرض الإطار النظري الذي أسس لهذا الفكر، مشيراً إلى سوسيولوجيا ماكس فيبر التي فصلت بين المجتمعات الحديثة المعقلنة والمجتمعات «الكاريزماتية» أو «السحرية»، وإلى إميل دوركهايم في كتابه «الأشكال الأولية للحياة الدينية» الصادر عام 1912 الذي كرس الرؤية الثنائية بين المجتمعات البدائية والأوروبية الحديثة. وينتقد الفلسفة الهيغلية التي تجعل من الغرب والشرق «ذوات حية وكائنات جماعية مشخصة»، معتمداً على نقد كارل بوبر في كتابه «المجتمع المنفتح وأعداؤه» الذي رأى في فلسفة هيغل سبب الانحرافات التوتاليتارية في الدولة الحديثة.
تتمثل الحجة الأساسية للكتاب في أن الخطاب النرجسي للغرب عن نفسه، الذي لا يعرف حدوداً منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، يهمش الخطاب النقدي الذي صنع قوة الغرب الحقيقية. ويرى المؤلف أنه لم يعد هناك وجود للغرب بالمعنى الجغرافي والأنثروبولوجي، لأن الثقافة الغربية «فرنجت» العالم بأسره، وتتخذ هيمنتها أشكالاً امبريالية من لون جديد تتجسد في «العولمة». ويستند إلى ما يسميه «العلمنة المخادعة» للثقافة الغربية، التي لم تستطع الانعتاق من النماذج الأولية التوراتية مثل الشعب المختار وخلاص البشرية، فمُثُلها العليا علمانية في الشكل لكنها بقيت رهينة الآلية الخفية للديانات التوحيدية. ويذكر مفكرين نقديين يستمرون في إثراء المعارف رغم التهميش الإعلامي، مثل بيار بورديو وريجيس دوبريه ويورغن هابرماس وإريك هوسباوم ونعوم تشومسكي وإدوارد سعيد.
يبحث المؤلف في الجغرافيا التاريخية لهذا الشرخ المزعوم، متسائلاً عما إذا كان البحر المتوسط هو محوره المركزي، ويستعرض سلسلة من الصراعات التاريخية التي دارت على ضفتيه والتي يبدو أنها تعزز فكرة الانقسام: الإغريق ضد الفرس، والرومان ضد القرطاجيين، والعرب والعثمانيون ضد أوروبا الكاثوليكية. لكنه يطرح أسئلة حاسمة تشكك في هذه القراءة المبسطة للتاريخ، متسائلاً عن كيفية تفسير انقسام العالم المسيحي ذاته بين بيزنطية وروما، وهو ما سهّل الغزوات العربية في القرن السابع، وكيف استطاعت الإمبراطورية البيزنطية الهجينة أن تسود أكثر من عشرة قرون، ولماذا انتقلت المسيحية من الشرق إلى الغرب بعد أن كانت ديناً نشأ وساد هناك لسبعة قرون. كما يتساءل عن الانشقاقات داخل الدين الواحد مثل الانقسام بين الكاثوليك والبروتستانت، والخلافات المستمرة بين الشيعة والسنة في الإسلام، مستخدماً هذه الأمثلة لدحض فكرة أن الاختلافات الدينية هي السبب الجوهري للشرخ.
يحدد المؤلف الجذور الثقافية لهذا الشرخ المتخيل في أعمال علماء اللغة الأوروبيين في القرن التاسع عشر، الذين قسموا لغات العالم إلى مجموعتين: هندو-أوروبية (آرية) وسامية. ويبين كيف تم توظيف هذا التقسيم اللغوي لخدمة أيديولوجيات عنصرية، حيث اعتبرت الشعوب الآرية متفوقة وخلاقة، بينما وصفت الشعوب السامية بالبلادة والجمود. ويناقش أعمال مفكرين مثل إرنست رينان وجورج دوميزيل وميرسيا إلياد الذين ساهموا في ترسيخ هذه الأسطورة، ويقدم اقتباساً صارخاً من رينان يدعو فيه إلى تدمير الإسلام والحضارة السامية معتبراً إياه «النفي الكامل لأوروبا»، مشيراً إلى أن هذا الخطاب يمثل نصاً مؤسساً لظاهرة الخوف المعاصر من الإسلام. ويربط هذه الأيديولوجيا الآرية بتطورها الخطير في أوروبا، مشيراً إلى كيف تخلت في نهاية القرن التاسع عشر عن مرجعيتها الدينية التوحيدية لتتحول إلى خرافات جرمانية استعادها الموسيقي ريتشارد فاغنر، مما أدى في النهاية إلى ظهور النازية ومعاداة السامية التي سعت إلى إبادة الجماعات اليهودية لتطهير العرق الآري من أي عنصر يذكره بالأصول المشرقية.
يتناول الفصل الثاني السؤال الجوهري حول أسباب التفوق الأوروبي التاريخي، ويرفض المؤلف بشدة كل التفسيرات الأحادية التي حاولت الإجابة عنه، معتبراً أن هذه التفسيرات تقوم على «كيمياء غامضة» لا تمت للواقع بصلة. يبدأ المؤلف بملاحظة أن التفوق الأوروبي بدأ يتجلى مع الفتوحات العسكرية وإنشاء المستعمرات، ويلفت الانتباه إلى الدور المبكر لبلدان صغيرة مثل البرتغال وإسبانيا ثم هولندا في هذه الانطلاقة، بينما تأخرت كل من فرنسا وألمانيا في اللحاق بالركب. ثم يناقش الفرضية الشهيرة لماكس فيبر التي تربط ظهور الرأسمالية الصناعية في إنكلترا بالأخلاق البروتستانتية، معتبراً أنها فرضية غير مقنعة رغم هيمنتها الطويلة على الفكر، فآثار الثورة الصناعية والعقلانية يمكن تتبعها في أوروبا منذ القرن الرابع عشر، وإن النهضة اتخذت أشكالاً عديدة وانتشرت في البلدان الكاثوليكية والبروتستانتية على حد سواء. ويضرب مثالاً بأن ثورة كرومويل في إنكلترا، رغم طابعها الديني الأصولي، كانت مرحلة جديدة في بروز الديمقراطية التي ظهرت براعمها مع «الوثيقة العظمى» عام 1215 وتطور الحريات في المدن.
ينتقل المؤلف بعدها إلى مناقشة عوامل أخرى، مثل دور التغذية الذي أشار إليه المؤرخ بيار شونو، الذي رأى أن تفوق أوروبا يستمد جذوره من خيار التغذية اللحمية المعتمدة على البروتينات الحيوانية والمحرك العضلي الحيواني منذ القرن الثالث عشر. ويرى أن الإسلام شهد انغلاقاً دينياً وتجميداً للمدارس الفقهية الأربعة منذ القرن الحادي عشر، مما تسبب في انحطاطه العلمي والأدبي. ثم يفند التفسيرين الماركسيين المتناقضين: الأول الذي يتحدث عن «نمط الإنتاج الآسيوي» الحامد والمستبد، والثاني الذي يرى أن النهب الاستعماري هو وحده المفسر لازدهار أوروبا، مشيراً إلى أن هذا النهب سبّب انحطاط إسبانيا وجعلها من أفقر البلدان، وأن ألمانيا التي لم تستولِ على مستعمرات أصبحت القوة العظمى في أوروبا. ويتناول الفصل ما يسميه «أسطورة المعجزة الإغريقية»، مناقضاً الفكرة القائلة بأن العقلانية الغربية وريثة حصرية لليونان القديمة، فاليونان كانت معزولة عن الهيلينية، وهي ثقافة جامعة مستقاة من الشرق والغرب، وريثتها الحقيقية هي بيزنطيا التي اختفت عام 1453.
في الجزء الأخير من هذا الفصل، يتناول المؤلف «المعجزة الآسيوية» ليفند استخدام الدين كتفسير وحيد للنجاح الاقتصادي، تماماً كما فُعل سابقاً مع البروتستانتية. فبعد أن خرجت اليابان ودول «النمور» من نادي الدول المتخلفة، سارع المراقبون الغربيون إلى القول إن «القيم الآسيوية» المستمدة من البوذية والكونفوشيوسية هي التي مكنت من التأقلم مع الحداثة. ويسخر المؤلف من هذا التفسير، مشيراً إلى أن الفكر الغربي الذي يفخر بخروجه من الرؤية الدينية، يلجأ للدين لشرح كل ظاهرة. ويذكر أن الصحف الغربية سخرت من هذه النمور عند أزمتها الاقتصادية عام 1997، معتبرة أن أسباب الأزمة تعود إلى المحسوبية والفساد، لكن سرعان ما خرجت هذه الدول من أزماتها مما أسكت الانتقادات. ويختم الفصل بطرح سؤال الكيمياء الغامضة التي تتحكم بالنهضة والانحطاط، مؤكداً أنه لا توجد وصفة سحرية ولا معادلة بسيطة، وأن النظريات الجوهرانية التي تبحث عن سبب ثابت وأبدي تُفضي حتماً إلى أشكال عنصرية.
يتناول الفصل الثالث سؤالاً محورياً: هل نجح الغرب فعلاً في إزالة «الأوهام» الدينية والسحرية من عالمه كما تدّعي فلسفة الأنوار، أم أنه استبدلها بأساطير جديدة وقدسية مغايرة؟ يرى المؤلف أن ادعاء الغرب بالعقلانية والتخلي عن الماورائيات هو في جوهره خرافة أسطورية يحيكها الغرب لنفسه ليؤكد تفوقه على الحضارات الأخرى. يبدأ بتذكير القارئ بادعاءات فلاسفة الأنوار وخلفائهم مثل هيغل وماركس وفيبر، الذين عملوا على إحلال تاريخ العقل الإنساني محل التاريخ المقدس، ثم ينقلب السحر إلى نقيضه: فبدلاً من أن يكون هذا التحرر نهائياً، يبيّن المؤلف كيف أن منظّري «إزالة الطابع السحري» أمثال فيبر وغوشيه وضعوا أنفسهم في دائرة التفكير الأسطوري، إذ يختزلون التوحيد اليهودي والمسيحي إلى مجرد مرحلة انتقالية نحو «الخروج من الدين» و«الفردانية»، متناسين أن هذه النظرة نفسها تُخضع التاريخ لمنطق تطوري خطّي يكاد يكون مقدساً بطبيعته، ويغفل تماماً عن الإسلام كديانة عالمية كبرى.
ينتقل الكاتب إلى نسف الفكرة القائلة بأن الفردانية هي «جين» خاص بالغرب، فبالاستناد إلى لوي دومون، يوضح أن الفردانية المسيحية الأولى التي أرستها تعاليم المسيح وعبارته الفاصلة «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه»، تختلف جذرياً عن الفردانية الحديثة التي لم تتشكل إلا عبر تحول جذري استغرق أكثر من سبعة عشر قرناً من التاريخ المسيحي. ويضرب أمثلة تاريخية وسياسية دامغة لإثبات أن الرشدانية الغربية لم تتعايش مع الفكر الأسطوري فحسب، بل غالباً ما انحازت إليه، متسائلاً: كيف نفسّر الجنون النازي الجماعي لدى أكثر شعوب أوروبا فلسفةً؟ وكيف حدثت معاداة السامية والإبادة الجماعية لليهود في أوج تقدم العقل الغربي؟ ويصل هذا النقد المزدوج ذروته في معالجة إنشاء دولة إسرائيل بصفته «طفل أنبوب للقرن العشرين» ـ وهي مفارقة ساطعة: كيف يساهم الغرب العلماني والجمهوري في إيجاد دولة تستمد شرعيتها من نص ديني، دون أي تحفظ، كتعويض عن اضطهاد ارتكبه شعب آخر؟
يتحول الفصل بعد ذلك إلى تحليل الخطاب الغربي المعاصر، واصفاً إياه بأنه خطاب «نرجسي» و«أسطوري» منذ ما يقارب ثلاثة عقود. فبينما يدّعي الغرب العقلانية والتخلي عن الأوهام، تحتفل الولايات المتحدة بعودة الله بوصفها «أمة مؤمنين»، ويحمل كل دولار أميركي شعار «بالله نؤمن». ويربط المؤلف القومية الأميركية بالبروتستانتية والعهد القديم، فالغزاة الأميركيون رأوا في فتحهم تكراراً لغزو العبرانيين لأرض الميعاد، واعتبروا الهنود الحمر مجرد كنعانيين أو فلسطينيين من التوراة. هذا الترسيمة التوراتية تفسر التحالفات الوثيقة للولايات المتحدة مع الدول ذات القاعدة الدينية في صراعها ضد الشيوعية، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية وباكستان. ويكشف الفصل التناقض الجوهري في هيمنة الغرب، فمن جهة هو يبدو مضيافاً يستقبل «البرابرة» في أحضانه، ومن جهة أخرى يخشى قوته بالذات ويشعر أنه على شفير الزوال، فيستعمل القوة العسكرية والسياسية لإثبات تفوقه وإعادة الخارجين إلى الرشد.
يختتم الفصل بواحدة من أكثر ملاحظاته لفتاً للنظر: لقد أصبح العالم متفرنجاً حتى في لحظات عدائه للغرب، فالمعارضون للغرب يتبنون أشكال تعبيره وهوياته دون أن يدركوا؛ فالقومية على الطريقة الفرنسية والألمانية، وحقوق الشعوب، والماركسية، ومعاداة السامية، وحتى العودة للدين بوصفها أيديولوجيا، جميعها استيراد ثقافي من الغرب. ويضرب مثلاً بـ«بروتوكولات حكماء صهيون» المزوّر الذي ولد في روسيا وتم ترويجه شرقاً، ليصبح مادة خام لمعاداة السامية في العالم الإسلامي. بهذه الطريقة، يتبدد أي أمل في الوصول إلى «شرق روحاني» مقابل «غرب مادي»، لأن الجميع أصبحوا يتكلمون لغة الغرب، همّوا بذلك أم أبوا.
يطرح الفصل الرابع سؤالاً محورياً حول الأسباب الكامنة خلف الانتعاش الكبير الذي شهدته قضايا الهوية والانتماء في أواخر القرن العشرين، ويرى المؤلف أن هذا الانشداد ليس ظاهرة عفوية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين تراث فكري غربي قديم وتطورات جيوسياسية راهنة. الإجابة التي يقدمها الكاتب هي أن هذه العودة الحادة إلى الهويات هي انعكاس لأزمة هوية غربية عميقة، ولخيبة أمل في الحداثة والعلمانية، وقد وجدت في الخطاب حول «روحانية الشرق ومادية الغرب» متنفساً لها، وهو خطاب تبناه فيما بعد مفكرون وسياسيون شرقيون لأغراض سياسية واجتماعية داخلية. يبدأ الفصل بمناقشة الكليشيه الرومانطيقي الذي صاغه أدباء القرن التاسع عشر، والذي صور الشرق كملاذ للروحانية والقداسة في مواجهة غرب مادي وتقني فقد روحه، ويشير الكاتب إلى أن هذه النظرة المثالية تعايشت دائماً مع نظرة معاكسة تحتقر الشرق وتعتبره متخلفاً وماكراً، مستشهداً بنظرية الأعراق وبكتابات فولتير الهجومية على النبي محمد.
يتناول الفصل بعد ذلك كيف استوعب مفكرون وسياسيون شرقيون هذه الفكرة الرومانسية ووظفوها في خطاباتهم، مدعين أن الشرق هو حارس القيم الروحية والأخلاقية في مواجهة غرب ملحد تسوده المادية والفساد. ويوضح المؤلف أن هذه الخطابات غالباً ما تستخدم للتهرب من مناقشة المشاكل الداخلية الملحة، مثل الفساد السياسي وسوء إدارة الثروات، ويضرب مثلاً بالثراء النفطي الهائل الذي تستفيد منه العائلات الحاكمة في بعض البلدان العربية، وهو ما يتناقض مع صورة الزهد المفترضة. وينتقل الفصل لتحليل التحولات الفكرية في الغرب نفسه، مركزاً على فكرة «الاحتفال بالجذور المفقودة» التي سادت في العقود الأخيرة، حيث يشير إلى أن الاهتمام الغربي بالذاكرات المحلية والخصوصيات الإقليمية والدينية، التي طمستها الدولة القومية الحديثة، قد انتقل كعدوى إلى العالم الثالث. ويخصص الفصل قسماً هاماً للحديث عن الدور الحاسم للتطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها انهيار الاتحاد السوفيتي، في إعادة إحياء المسائل القومية والعرقية والدينية القديمة، وينتقد الأدبيات الغربية التي تناولت الإسلام والحركات الإسلامية بنظرة جوهرانية مختزلة، تعتبر النصوص العقائدية هي المفتاح الوحيد لفهم سلوك المسلمين، متجاهلةً العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
يتمحور الفصل الخامس حول فكرة أساسية يطرحها جورج قرم: وهي أن الحداثة الغربية والعلمانية لم تحققا قطيعة حقيقية مع النماذج الدينية التوحيدية القديمة، وتحديداً النموذج التوراتي القائم على مفهوم «الشعب المختار» ولاهوت الخلاص. يرى المؤلف أن هذه النماذج لم تختفِ، بل تحولت وتقمصت أشكالاً جديدة في الأيديولوجيات العلمانية الحديثة مثل القومية والاشتراكية والرأسمالية الليبرالية، مما أدى إلى استمرار العنف والصراعات التي تُفسَّر غالباً بشكل تبسيطي على أنها صراعات عرقية أو دينية، بينما هي في جوهرها نتاج مصالح جيوسياسية وأطماع اقتصادية. يتتبع المؤلف هذا المفهوم عبر عدة خطوات، فيبدأ بانتقاد التحليلات الغربية السائدة للحروب في البلقان، مثل الصراع اليوغوسلافي وكوسوفو، حيث تُختزل الأسباب المعقدة إلى عوامل عرقية ودينية فقط، متجاهلةً دور النخب المحلية وجماعات المصالح والمافيا. وينتقل بعدها لمناقشة نجاح كتاب «صدام الحضارات» لصاموئيل هانتنغتون، والذي يصفه المؤلف بأنه كتاب سطحي وضحل، لكنه نجح لأنه يستغل فكرة الشرخ المتخيل بين الشرق والغرب، ويختزل النزاعات العالمية في صراع بين أديان وحضارات ثابتة الهوية.
يحلل الكاتب الاختلاف بين العلمانية في أوروبا والولايات المتحدة، فبينما تقوم العلمانية الفرنسية على الفصل الصارم بين الدين والدولة، فإن العلمانية الأمريكية لا تعني فصل الدين عن الحياة العامة، بل حرية الممارسة الدينية، مما يجعل المجتمع الأمريكي الأكثر تديناً في الغرب. ويستشهد بوثيقة «رسالة من أمريكا» التي وقعها مثقفون أمريكيون بارزون مثل فرانسيس فوكوياما وصاموئيل هانتنغتون، والتي ترفض الأيديولوجيا العلمانية وتمتدح دور الدين في المجتمع. ويشير المؤلف إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا تجمعهما روابط تاريخية وثقافية وثيقة تجعل التمرد الأوروبي على واشنطن مستحيلاً، ومن أبرز هذه الروابط التمسك بدولة إسرائيل التي تمثل «علمنة مخادعة» يتأبد فيها المقدس تحت غطاء مؤسسات علمانية وديمقراطية. ويضيف أن هذه العلمنة المخادعة تظهر أيضاً في ازدواجية المعايير في القانون الدولي، حيث يُحاكم مجرمو حرب في يوغوسلافيا ورواندا، بينما يُغض الطرف عن جرائم أخرى مثل مجزرة صبرا وشاتيلا.
يفرد الكاتب جزءاً كبيراً من هذا الفصل لتحليل ظاهرة ما يسميه «الانقلاب الثقافي» في الغرب، وهو الانتقال من التمسك بالجذور الإغريقية-الرومانية إلى تبني مفهوم «الجذور اليهودية-المسيحية». يرى قرم أن الجذور الإغريقية-الرومانية كانت وثنية وتعددية، ومهدت للديموقراطية والجدل العقلاني، بينما الجذور اليهودية-المسيحية تعيد الاعتبار للتوحيد والرؤية الثنائية للعالم (نحن ضد هم، شعب مختار ضد شعوب أخرى). هذا التحول، الذي حدث خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين، يخدم عدة أغراض: فهو يبرر وجود دولة إسرائيل وشرعنتها كتجسيد حديث لفكرة «أرض الميعاد» والشعب المختار، ويساعد على تطويق الإسلام (الدين التوحيدي الثالث) وعزله كدين مختلف وغريب، ويحقق مصالحة تاريخية بين المسيحية واليهودية بعد قرون من العداء، حيث أعادت محرقة الهولوكوست الاعتبار لليهود كشعب مظلوم، وأصبح استشهادهم الجماعي بمثابة قربان يبرر إنشاء دولتهم. ويختم الفصل بنقل كلام للأب يواكيم مبارك، وهو لاهوتي مسيحي من لبنان، ينتقد فيه «لاهوت الخلاص» المسيحي الذي يرى نفسه حاملاً للحقيقة المطلقة، معتبراً أن هذا المفهوم هو المسؤول عن الاستعمار والصراعات، وأن الحل ليس في لاهوت يضم الإسلام إليه، بل في الاعتراف بالتنوع والاختلاف دون محاولة إدماج الآخر أو إقصائه.
يطرح الفصل السادس إشكالية محورية تتعلق بالصورة النمطية السلبية التي يكوّنها الغرب عن الإسلام، ويحاول تفسير أسباب نبذه واستبعاده من بين الديانات التوحيدية الثلاث، على الرغم من كونه المولود الثالث لهذه العائلة
الفصول(8)
1.المقدمة19–38▼ ملخص
يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب جورج قرم إشكالية محورية حول الشرخ الأسطوري القائم بين الشرق والغرب، والذي تتجلى صورته الأكثر حدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول. فبعد هذا الحدث، برزت خطابات تبسيطية تختزل العالم في ثنائية "نحن المتحضرون" و"هم البرابرة"، وهي ثنائية يرى المؤلف أنها ضاربة في القدم، وتمتد جذورها إلى العهد الإغريقي بصيغته العلمانية والعهد التوراتي بصيغته المقدسة، حيث يحارب "شعب الله المختار" الشعوب المتخبطة في الجهل. ينتقد قرم بشدة هذه الرمزية التي تعيد إنتاج الصور النمطية وتصنف المجتمعات بين غرب "متحضر" وشرق "بربري"، ويهدف كتابه إلى المساعدة في التصدي لهذه التبسيطات التي تقضي على الحس النقدي، مشيراً إلى أن المقاومة الفعلية للعنف تفترض فهم طبيعة المعركة والميدان الذي تدور فيه.
يستعرض المؤلف الإطار الفكري الذي يؤطر هذا الشرخ، من خلال الإشارة إلى مفكرين كبار تنبأوا بأفول الحضارة الغربية، مثل أوزوالد شبنغلر في كتابه "أفول الغرب" الصادر في ألمانيا عام 1918، وأرنولد توينبي بمؤلفه الضخم عن عوامل عظمة الحضارات وانحطاطها. ويلاحظ قرم أن الغرب اليوم تشغله مسألة انحطاطه المحتمل أكثر من أي وقت مضى، وأن فوضى العالم التي جسدها الحادي عشر من أيلول تبدو وكأنها تثبت صحة طروحات هؤلاء. لكنه يوضح أن هدفه ليس توصيف الهيمنة الغربية، بل معالجة الأسئلة الملحة وفك رموز الكليشيهات القاتلة، معترفاً بأنه لن يقدم بحثاً شاملاً يصدر حكماً نهائياً على الفكر الغربي بأكمله.
يتساءل المؤلف عن مصير فلسفة الأنوار والعلمنة التي قوبلت بارتياح عالمي بعد الحرب العالمية الثانية، متسائلاً: هل ولت هذه الفلسفة وتآكلت مع انهيار الشيوعية وزوال الاستعمار؟ ويرى أن هذه الفلسفة قدمت مبادئ عقلانية وحررت البشر من العقائد الجامدة، وأن التخلي عنها يعني الاستسلام لمنطق "سخط الله المعاقب والمنتقم" الذي يظهر في التوراة. ويدعو إلى إسقاط الرمزية السلبية المهيمنة بعد الحادي عشر من أيلول، بحيث يختتم هذا الحدث المأساوي حقبة ويفتتح أخرى أفضل، بدلاً من أن يزيدنا إمعاناً في اللاعقلانية وقمع الحريات. كما يؤكد على ضرورة النضال من أجل الإبقاء على الحس النقدي والسخرية على طريقة فولتير، والفصل بين المهمات البوليسية الهادفة لمحاربة الإرهاب والمهمات الفكرية الهادفة لبناء عالم أفضل، محذراً من الجمع بينهما الذي يعزز مخاوف "1984" لجورج أورويل.
ينتقد قرم ردود الأفعال على أحداث الحادي عشر من أيلول في الشرق والغرب على حد سواء، مشيراً إلى أن لجوء الناس في الغرب إلى إعادة قراءة القرآن لفهم الحدث يعبر عن سذاجة وضيق أفق، وأن ردود الفعل الشرقية، سواء بالشعور بالرضى أو التأكيد على "سلمية" الإسلام، تنبع من سيكولوجيا المنهزمين التي تبقى مرتعاً خصباً للعقد النفسية. ويرى أن السجال حول العولمة الاقتصادية يزيد الأزمة الفكرية تفاقماً، متسائلاً: هل فقدنا اللغة العقلانية المشتركة التي تسمح بالتواصل بين البشر؟ يهدف الكتاب من خلال جولة في فضاءات الخطاب والصور التي ينتجها الغرب عن نفسه إلى إثبات أن الذهنية الفردانية التي يدعيها الغرب ليست بديهية، بل هي وليدة لغة أسطورية بلورتها الحداثة الثقافية الغربية.
يستعرض المؤلف الإطار النظري الذي أسس لهذا الفكر، مشيراً إلى سوسيولوجيا ماكس فيبر التي فصلت بين المجتمعات الحديثة المعقلنة والمجتمعات "الكاريزماتية" أو "السحرية"، وإلى إميل دوركهايم في كتابه "الأشكال الأولية للحياة الدينية" الصادر عام 1912 الذي كرس الرؤية الثنائية بين المجتمعات البدائية والأوروبية الحديثة. ويشير إلى أن هذه النزعة خلقت في أوروبا شعوراً بالخيبة والضياع، وأدت إلى مأسسة "الكتابة" التي تحدث عنها سيرج موسكوفيتشي، والتي أطلقت العنان لقلق عميق لدى مفكرين مثل كيركغارد وهايدغر. وينتقد المؤلف الفلسفة الهيغلية التي تجعل من الغرب والشرق "ذوات حية وكائنات جماعية مشخصة"، معتمداً على نقد كارل بوبر في كتابه "المجتمع المنفتح وأعداؤه"، الذي رأى في فلسفة هيغل سبب الانحرافات التوتاليتارية في الدولة الحديثة.
تتمثل الحجة الأساسية للكتاب في أن الخطاب النرجسي للغرب عن نفسه، الذي لا يعرف حدوداً منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، يهمش الخطاب النقدي الذي صنع قوة الغرب الحقيقية. ويرى المؤلف أنه لم يعد هناك وجود للغرب بالمعنى الجغرافي والأنثروبولوجي، لأن الثقافة الغربية "فرنجت" العالم بأسره، وتتخذ هيمنتها أشكالاً امبريالية من لون جديد تتجسد في "العولمة". كما يستند إلى ما يسميه "العلمنة المخادعة" للثقافة الغربية، التي لم تستطع الانعتاق من النماذج الأولية التوراتية مثل الشعب المختار وخلاص البشرية، فمُثُلها العليا علمانية في الشكل لكنها بقيت رهينة الآلية الخفية للديانات التوحيدية. ويذكر مفكرين نقديين يستمرون في إثراء المعارف رغم التهميش الإعلامي، مثل بيار بورديو وريجيس دوبريه ويورغن هابرماس وإريك هوسباوم ونعوم تشومسكي وإدوارد سعيد.
يخلص الفصل إلى أن الخطاب الغربي، حتى في جوانبه النقدية، يبقى خطاباً مغلقاً ومتعالياً ينحدر من الفلسفة الهيغلية إلى التعليقات الصحافية السريعة التي تعيد إنتاج الكليشيهات العنصرية. ويلاحظ أن جزءاً من الخطاب النقدي الذي تروج له وسائل الإعلام يعبر عن حنين إلى عالم "سحري" سابق، ويزج الدين في كل كبيرة وصغيرة، مما يجعل المعارف عقيمة. ويؤكد المؤلف أن هذه الصفحات كتبت لمحاولة التصدي للحجج الوهمية المتداولة، فإذا بات فهم العالم على حقيقته متعذراً، فإن أحداث الحادي عشر من أيلول لن تبقى مأساة محصورة في الزمان والمكان، بل ستوشك أن تصبح نموذجاً لردات فعل أعنف أو ذريعة لحملات إعلامية تستهدف حرية الفكر في الصميم.
2.الفصل الأول: البحث عن جذور الشرخ الوهمي39–58▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً جوهرياً حول حقيقة الانقسام المزعوم بين الشرق والغرب، محاولاً تفكيكه والبحث في جذوره الثقافية والتاريخية. يرى المؤلف أن هذا الشرخ ليس حقيقة موضوعية قائمة على اختلافات جوهرية، بل هو بناء فكري وأسطوري تطور عبر الزمن لخدمة أهداف سياسية وأيديولوجية معينة. يبدأ الفصل بانتقاد المقاربة الثنائية للعالم التي تقسمه إلى أضداد متنافرة مثل الخير والشر، التقليد والحداثة، الحضارة والبربرية، والشرق والغرب، مشيراً إلى أن هذه الثنائيات تحد من قدرتنا على فهم تعقيدات العالم وتطوره الحقيقي.
يستعرض المؤلف كيف تجسدت هذه الثنائية في تقسيمات سياسية حديثة، مثل تقسيم العالم خلال فترة الحرب الباردة إلى كتلة شرقية (اشتراكية) وكتلة غربية (رأسمالية) والحلف الأطلسي. وينتقل بعدها إلى الحديث عن ظهور مصطلح «العالم الثالث» في ستينيات القرن الماضي كمحاولة لتجاوز هذا الانقسام، لكنه يوضح كيف أصبح هذا المصطلح ساحة للمواجهة بين المعسكرين، وكيف تطورت حركات مثل «عدم الانحياز» بقيادة جمال عبد الناصر وتيتو ونهرو، و«منظمة المؤتمر الإسلامي» التي تزعمتها الباكستان والسعودية. ويناقش الفصل كيف تحولت هذه المنظمات إلى أدوات في الصراع العالمي، حيث ساهمت الثروة النفطية للسعودية في تعزيز دور المنظمة الإسلامية وإضعاف النفوذ السوفياتي في العالم الثالث، وبلغ عدد الدول الأعضاء فيها ستاً وخمسين دولة عام 2004.
يبحث المؤلف في الجغرافيا التاريخية لهذا الشرخ المزعوم، متسائلاً عما إذا كان البحر المتوسط هو محوره المركزي، ويستعرض سلسلة من الصراعات التاريخية التي دارت على ضفتيه والتي يبدو أنها تعزز فكرة الانقسام: الإغريق ضد الفرس، والرومان ضد القرطاجيين، والعرب والعثمانيون ضد أوروبا الكاثوليكية. لكنه يطرح أسئلة حاسمة تشكك في هذه القراءة المبسطة للتاريخ، متسائلاً عن كيفية تفسير انقسام العالم المسيحي ذاته بين بيزنطية وروما، وهو ما سهّل الغزوات العربية في القرن السابع، وكيف استطاعت الإمبراطورية البيزنطية الهجينة أن تسود أكثر من عشرة قرون، ولماذا انتقلت المسيحية من الشرق إلى الغرب بعد أن كانت ديناً نشأ وساد هناك لسبعة قرون. كما يتساءل عن الانشقاقات داخل الدين الواحد مثل الانقسام بين الكاثوليك والبروتستانت، والخلافات المستمرة بين الشيعة والسنة في الإسلام، مستخدماً هذه الأمثلة لدحض فكرة أن الاختلافات الدينية هي السبب الجوهري للشرخ.
يحدد المؤلف الجذور الثقافية لهذا الشرخ المتخيل في أعمال علماء اللغة الأوروبيين في القرن التاسع عشر، الذين قسموا لغات العالم إلى مجموعتين: هندو-أوروبية (آرية) وسامية. ويبين كيف تم توظيف هذا التقسيم اللغوي لخدمة أيديولوجيات عنصرية، حيث اعتبرت الشعوب الآرية متفوقة وخلاقة، بينما وصفت الشعوب السامية بالبلادة والجمود. ويناقش المؤلف أعمال مفكرين مثل إرنست رينان وجورج دوميزيل وميرسيا إلياد الذين ساهموا في ترسيخ هذه الأسطورة، ويقدم اقتباساً صارخاً من رينان يدعو فيه إلى تدمير الإسلام والحضارة السامية معتبراً إياه «النفي الكامل لأوروبا»، مشيراً إلى أن هذا الخطاب يمثل نصاً مؤسساً لظاهرة الخوف المعاصر من الإسلام. ويلفت النظر إلى أن الأساتذة الأكاديميين المعاصرين ما زالوا يكررون هذه الأفكار، مثل أستاذ في جامعة مونتريال يصف مدينة أنطاكية بالدم الهندو-أوروبي ويعزو عظمة روما إلى العنصر الآري.
يربط المؤلف هذه الأيديولوجيا الآرية بتطورها الخطير في أوروبا، مشيراً إلى كيف تخلت في نهاية القرن التاسع عشر عن مرجعيتها الدينية التوحيدية لتتحول إلى خرافات جرمانية استعادها الموسيقي ريتشارد فاغنر، مما أدى في النهاية إلى ظهور النازية ومعاداة السامية التي سعت إلى إبادة الجماعات اليهودية لتطهير العرق الآري من أي عنصر يذكره بالأصول المشرقية. ويشير الفصل إلى أن هذه الأسطورة نفسها رسخت الكليشيهات السخيفة حول الصراع العربي-الإسرائيلي، مثل الادعاء بأن العرب واليهود يجب أن يتفاهموا لأنهم إخوة في العرق السامي، متجاهلاً أن المهاجرين اليهود إلى فلسطين جاء معظمهم من أوروبا الشرقية مثل بولونيا وهنغاريا وتشيكيا وأوكرانيا وروسيا.
يطرح الفصل أسئلة محيرة حول تحديد موقع الشعوب الأخرى على هذا الخط الوهمي، مثل السلافيين والروس، ويتساءل عن هويتهم بين الشرق والغرب، وكيف يمكن تفسير التحاقهم بالشيوعية وهي فكرة ولدت في قلب الغرب، مشيراً إلى أن الروس أنفسهم لم يتوصلوا إلى تحديد هويتهم وسط جدال بين أنصار التمسك بالهوية السلافية وأنصار التماثل مع الغرب. ويختتم الفصل بحجة أساسية مفادها أن هذا الشرخ مجرد هراء وسراب نسجته الخيالات الملتهبة بقوى النفوذ السياسي، مشيراً إلى أن الأعمال المعاصرة تُظهر كيف ساهم فلاسفة عصر الأنوار الذين نُدين لهم بالكثير في صياغة أحكام مسبقة حول القوميات والأعراق، ويلاحظ التناقض البائس في السلوك الدولي للدول الديموقراطية التي تمتنع عن تطبيق مبادئها القانونية بالتساوي، ويطرح سؤالاً أخيراً حول كيفية تفسير التفوق الغربي منذ القرن السادس عشر دون اللجوء إلى فكرة الشرخ، مشيراً إلى دور «ثقافة التفوق» في توطيد هذه الفكرة وشرعنتها، وهي الثقافة التي يعمل الغرب على توسيع نفوذها منذ عصر النهضة.
3.الفصل الثاني: انحطاط/نهضة: كيمياء غامضة59–78▼ ملخص
الفصل الثاني، المعنون «انحطاط/نهضة: كيمياء غامضة»، يتناول السؤال الجوهري حول أسباب التفوق الأوروبي التاريخي، ويرفض المؤلف بشدة كل التفسيرات الأحادية التي حاولت الإجابة عنه. يقدّم الفصل نقداً حاداً للروايات المبسّطة التي أرخت لهذا التفوق، سواء تلك التي أرجعته إلى الدين أو العرق أو عوامل اقتصادية بحتة، معتبراً أن هذه التفسيرات تقوم على «كيمياء غامضة» لا تمت للواقع بصلة، وتخفي تعقيداً تاريخياً وحضارياً عميقاً.
يبدأ المؤلف بملاحظة أن التفوق الأوروبي بدأ يتجلى مع الفتوحات العسكرية وإنشاء المستعمرات، حيث خرجت أوروبا من حوض المتوسط لتغزو المحيط الأطلسي والأميركتين والوصول إلى آسيا. ويلفت الانتباه إلى الدور المبكر لبلدان صغيرة مثل البرتغال وإسبانيا ثم هولندا في هذه الانطلاقة، بينما تأخرت كل من فرنسا وألمانيا في اللحاق بالركب. يذكر المؤلف أن القرنين السادس عشر والسابع عشر شهدا بداية انتقال الازدهار من جنوب أوروبا إلى شمالها، وهي ظاهرة وصفها المؤرخ فرناند بروديل بإسهاب دون أن يتمكن من تفسيرها. ثم ينتقل الفصل لمناقشة الفرضية الشهيرة لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر التي تربط ظهور الرأسمالية الصناعية في إنكلترا بالأخلاق البروتستانتية، معتبراً أنها فرضية غير مقنعة رغم هيمنتها الطويلة على الفكر. ويشير المؤلف إلى أن فيبر تأثر بالفيلسوف هيغل، ثم يفند هذه الفرضية بالقول إن آثار الثورة الصناعية والعقلانية يمكن تتبعها في أوروبا منذ القرن الرابع عشر، وإن النهضة اتخذت أشكالاً عديدة وانتشرت في البلدان الكاثوليكية والبروتستانتية على حد سواء. ويضرب مثالاً بأن ثورة كرومويل في إنكلترا، رغم طابعها الديني الأصولي، كانت مرحلة جديدة في بروز الديمقراطية التي ظهرت براعمها مع «الوثيقة العظمى» عام 1215 وتطور الحريات في المدن. ويخلص إلى أن البحث عن سبب واحد لتفوق أوروبا يقود إلى طريق مسدود، مستشهداً بإسهامات شخصيات لم تكن بروتستانتية مثل غوتنبرغ ومايكل أنجلو ومكيافيللي وديكارت وغاليليو، وبالتالي لا يمكن فهم النهضة دون هذه العوامل الفنية والعلمية والتقنية المتعددة.
ينتقل المؤلف بعدها إلى مناقشة عوامل أخرى، مثل دور التغذية الذي أشار إليه المؤرخ بيار شونو، الذي رأى أن تفوق أوروبا يستمد جذوره من خيار التغذية اللحمية المعتمدة على البروتينات الحيوانية والمحرك العضلي الحيواني منذ القرن الثالث عشر. كما يذكر أن القانون الدستوري الحديث استوحى بنيته من العمارة السياسية اللاهوتية في القرون الوسطى، وأن استبدال الحاكم المطلق بالأمة هو العامل الحاسم في تأسيس الحداثة الأوروبية. في المقابل، يرى المؤلف أن الإسلام شهد انغلاقاً دينياً وتجميداً للمدارس الفقهية الأربعة منذ القرن الحادي عشر، مما تسبب في انحطاطه العلمي والأدبي. ثم يفند الفصل التفسيرين الماركسيين المتناقضين: الأول الذي يتحدث عن «نمط الإنتاج الآسيوي» الحامد والمستبد، والثاني الذي يرى أن النهب الاستعماري هو وحده المفسر لازدهار أوروبا، مشيراً إلى أن هذا النهب سبّب انحطاط إسبانيا وجعلها من أفقر البلدان، وأن ألمانيا التي لم تستولِ على مستعمرات أصبحت القوة العظمى في أوروبا. ويشير المؤلف إلى صعوبة صياغة قوانين للتاريخ، منتقداً محاولات هيغل وتوينبي وشبينغلر في هذا المجال، ومستشهداً بشكل خاص بنقد كارل بوبر الشديد لهذه المقاربات التاريخانية، التي يرى أنها تخلط بين تفسير الماضي والتنبؤ بالمستقبل. ويطرح الفصل سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ستُعدّ درجة كاشفة في صعود الغرب أو انحداره، ثم يضرب أمثلة على شعوب رأت نفسها في طور النهوض فتحطمت أحلامها، مثل الصين مع الثورة الثقافية في الستينيات، والخمير الحمر في كمبوديا الذين لم يبتدعوا سوى مجزرة رهيبة.
بعد ذلك، يتناول الفصل ما يسميه «أسطورة المعجزة الإغريقية»، مناقضاً الفكرة القائلة بأن العقلانية الغربية وريثة حصرية لليونان القديمة. يرى المؤلف أن هذه الأسطورة جذابة لكنها مصطنعة، لأنها تعزل اليونان عن الهيلينية، وهي ثقافة جامعة مستقاة من الشرق والغرب، وريثتها الحقيقية هي بيزنطيا التي اختفت عام 1453. ويسأل: ماذا كانت حال اليونان لولا علاقاتها مع الحضارة الفرعونية وحضارات آسيا الصغرى والفرس والميديين؟ ويؤكد أن الثقافة السريانية، وريثة الحضارات البابلية والكلدانية، والحضارة الإسلامية هي التي حافظت على هذا التراث ونقلته إلى أوروبا. كما ينتقد الفصل الانقسام التقليدي بين أوروبا البروتستانتية الليبرالية وأوروبا الكاثوليكية الرجعية، معتبراً أن هذا الفصل المزعوم يعود إلى آلية التفكير الثنائي والبحث عن سببيات أحادية، وأن فضل هذه الخرافة يعود إلى هيغل وفيبر، وساهم فيها الندم الفرنسي على إلغاء «قرار نانت». ويستشهد المؤلف باندهاش الكاتب إيمانويل بيرل من معادلة فاليري الشهيرة «أوروبا = اليونان + روما + المسيحية»، ويهاجم بيرل الطرائق المصطنعة لخلق استمرارية مخادعة في تاريخ أوروبا. وأخيراً، يذكر المؤلف العمل المعاصر للمؤرخ جاك غودي الذي يبطل معظم الفرضيات حول «الظاهرة الفريدة» للغرب، ويعيد الاستمرارية التي ميزت البنى الأنثروبولوجية للشرق والغرب منذ العصور القديمة.
يخلص الفصل إلى مناقشة منظور آخر أكثر خطورة، يمزج الداروينية بالرؤية الهيغلية للتاريخ، حيث تصبح المسيحية المقترنة بأوروبا هي المرحلة الأسمى للتاريخ، ويملك الغرب جينات أكثر ديناميكية تؤهله للهيمنة. ويشير إلى أن ماركس قدم نسخة أقل عنصرية من هذا الطرح، حيث اعتبر أن أوروبا متفوقة لأن الرأسمالية حطمت قيود الإقطاعية، وكان يوافق على الاستعمار كوسيلة لتقويض المجتمعات «الهيدروليكية» الآسيوية. وينتقل الفصل بعدها إلى نقد الماركسية اللينينية التي أرجعَت التخلف إلى النهب الاستعماري، معتبراً أن هذه كانت إحدى الأساطير المحورية للقرن العشرين، لكن الواقع أظهر أن الأشخاص الذين خلفوا لينين وتروتسكي وستالين وعبد الناصر لم يستطيعوا الكشف عن الأسباب الحقيقية للتخلف. ثم يناقش الفصل انقسام فكر الإصلاحيين المسلمين إلى تيارين: تيار يدعو للتعامل مع أوروبا والحوار معها، وتيار آخر يشهّر بها ويدعو إلى النضال ضد «الكفار» معتبراً الحداثة مؤامرة أوروبية. ويشير المؤلف إلى مفارقة كبيرة، وهي أن الدول الأوروبية الكبرى لم تتقن اختيار حلفائها، إذ لم تطمئن لليبراليين والإصلاحيين، بل فضلت التعامل مع الزعماء التقليديين، مما عزز البنى العشائرية والطائفية. ويضرب مثالين على ذلك: المؤرخة الهندية روميلا ثابار التي توضح كيف هيأ الإداريون الإنكليز انفصال المسلمين عن الهندوس رغم عيشهم معاً لقرون، ولبنان حيث شرعت فرنسا وجود طوائف «تاريخية» وجعلتها أساس النظام العام، مما زرع جرثومة الحروب الأهلية.
في الجزء الأخير، يتناول الفصل «المعجزة الآسيوية» ليفند استخدام الدين كتفسير وحيد للنجاح الاقتصادي، تماماً كما فُعل سابقاً مع البروتستانتية. فبعد أن خرجت اليابان ودول «النمور» من نادي الدول المتخلفة، سارع المراقبون الغربيون إلى القول إن «القيم الآسيوية» المستمدة من البوذية والكونفوشيوسية هي التي مكنت من التأقلم مع الحداثة. ويسخر المؤلف من هذا التفسير، مشيراً إلى أن الفكر الغربي الذي يفخر بخروجه من الرؤية الدينية، يلجأ للدين لشرح كل ظاهرة. ويذكر أن الصحف الغربية سخرت من هذه النمور عند أزمتها الاقتصادية عام 1997، معتبرة أن أسباب الأزمة تعود إلى المحسوبية والفساد، وأن الرأسمالية الآسيوية ليست الرأسمالية الحقيقية، لكن سرعان ما خرجت هذه الدول من أزماتها مما أسكت الانتقادات. ويختم الفصل بطرح سؤال الكيمياء الغامضة التي تتحكم بالنهضة والانحطاط، مؤكداً أنه لا توجد وصفة سحرية ولا معادلة بسيطة، وأن النظريات الجوهرانية التي تبحث عن سبب ثابت وأبدي تُفضي حتماً إلى أشكال عنصرية. ويدعو المؤلف في النهاية إلى الإصغاء لخطاب الغرب الملتبس عن نفسه، وإعادة النظر في فلسفة الأنوار التي تمر بأزمة، ومحاولة فك رموز هذا الخطاب بصبر وأناة للخروج من قبضة التفكير الثنائي والجوهراني.
4.الفصل الثالث: الغرب: مهمة مقدسة وعالم أزيلت عنه الأوهام؟79–100▼ ملخص
الفصل الثالث يتناول سؤالاً محورياً: هل نجح الغرب فعلاً في إزالة «الأوهام» الدينية والسحرية من عالمه كما تدّعي فلسفة الأنوار، أم أنه استبدلها بأساطير جديدة وقدسية مغايرة؟ يرى المؤلف أن ادعاء الغرب بالعقلانية والتخلي عن الماورائيات هو في جوهره خرافة أسطورية يحيكها الغرب لنفسه ليؤكد تفوقه على الحضارات الأخرى. فبدلاً من أن يكون «موت الله» و«انكشاف أوهام العالم» كما صاغها ماكس فيبر، انتصاراً نهائياً للعقل، يخلص الكاتب إلى أن هذه العملية تحمل في طياتها تناقضاً صارخاً: فالغرب الذي يقدّم نفسه كنموذج للرشدانية، يمارس في الوقت نفسه أشكالاً من القدسية والتعصب والإيمان الأعمى.
يسير الفصل عبر عدة خطوات لفك هذه المفارقة. يبدأ بتذكير القارئ بادعاءات فلاسفة الأنوار وخلفائهم مثل هيغل وماركس وفيبر، الذين عملوا على إحلال تاريخ العقل الإنساني محل التاريخ المقدس الذي تسيّره إرادة الله، واعدين بتحرير الإنسان وسعادته الدنيوية. ثم ينقلب السحر إلى نقيضه: فبدلاً من أن يكون هذا التحرر نهائياً، يبيّن المؤلف كيف أن منظّري «إزالة الطابع السحري» أمثال فيبر وغوشيه وضعوا أنفسهم في دائرة التفكير الأسطوري. ففي نظرهم، يُختزل التوحيد اليهودي والمسيحي إلى مجرد مرحلة انتقالية نحو «الخروج من الدين» و«الفردانية»، متناسين أن هذه النظرة نفسها تُخضع التاريخ لمنطق تطوري خطّي يكاد يكون مقدساً بطبيعته، ويغفل تماماً عن الإسلام كديانة عالمية كبرى.
بعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى نسف الفكرة القائلة بأن الفردانية هي «جين» خاص بالغرب. بالاستناد إلى لوي دومون، يوضح أن الفردانية المسيحية الأولى التي أرستها تعاليم المسيح وعبارته الفاصلة «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله للّه»، تختلف جذرياً عن الفردانية الحديثة. فهذه الأخيرة لم تتشكل إلا عبر تحول جذري استغرق أكثر من سبعة عشر قرناً من التاريخ المسيحي، مما يوضح أن وضع بذرة الفردانية في مهد المسيحية هو بناء أسطوري وليس حقيقة تاريخية. ويشير المؤلف إلى أن هذه النرجسية المعرفية هي ما يسميه مارسيل ديتيان «اختراع الميثولوجيا»، أي تحليل الأساطير الإغريقية بطرق تعكس هواجس الحداثة بدلاً من فهمها بذاتها.
يضرب المؤلف أمثلة تاريخية وسياسية دامغة لإثبات أن الرشدانية الغربية لم تتعايش مع الفكر الأسطوري فحسب، بل غالباً ما انحازت إليه. يسأل الكاتب: كيف نفسّر الجنون النازي الجماعي لدى أكثر شعوب أوروبا فلسفةً؟ وكيف حدثت معاداة السامية والإبادة الجماعية لليهود في أوج تقدم العقل الغربي؟ ويشير إلى أن «صورة اليهودي التائه» هي نتاج الثقافة الغربية نفسها، وأن الثورة الفرنسية التي حرّرت اليهود فرضت عليهم في الوقت ذاته اندماجاً في رابطة المواطنية مقابل فقدان الهوية، مما خلق لديهم انفصاماً عقائدياً. ويصل هذا النقد المزدوج ذروته في معالجة إنشاء دولة إسرائيل بصفته «طفل أنبوب للقرن العشرين» ـ وهي مفارقة ساطعة: كيف يساهم الغرب العلماني والجمهوري في إيجاد دولة تستمد شرعيتها من نص ديني، دون أي تحفظ، كتعويض عن اضطهاد ارتكبه شعب آخر؟
في هذا السياق، يدخل المؤلف في نقاش مع «فلاسفة أوروبا الجدد» من الماركسيين القدامى المرتدين إلى الليبرالية الجديدة، الذين يحاولون التبرؤ من فلسفة الأنوار ويختزلون تاريخها في الشيوعية بوصفها أصل كل الشرور. ويرفض المؤلف هذا الاختزال، مؤكداً أن العنف لم يكن حكراً على التوتاليتاريات الحديثة، بل إن الحروب الدينية، والفتوحات الاستعمارية، وجحافل المغول، كلها أشكال قديمة من العنف لا يبررها ولا يبررها فشل الثورات الحديثة.
يتحول الفصل بعد ذلك إلى تحليل الخطاب الغربي المعاصر، واصفاً إياه بأنه خطاب «نرجسي» و«أسطوري» منذ ما يقارب ثلاثة عقود. فبينما يدّعي الغرب العقلانية والتخلي عن الأوهام، تحتفل الولايات المتحدة بعودة الله بوصفها «أمة مؤمنين»، ويحمل كل دولار أميركي شعار «بالله نؤمن». ويربط المؤلف القومية الأميركية بالبروتستانتية والعهد القديم، فالغزاة الأميركيون رأوا في فتحهم تكراراً لغزو العبرانيين لأرض الميعاد، واعتبروا الهنود الحمر مجرد كنعانيين أو فلسطينيين من التوراة، كما يوضح الباحثون مثل إليز مارينستراس. هذا الترسيمة التوراتية تفسر التحالفات الوثيقة للولايات المتحدة مع الدول ذات القاعدة الدينية في صراعها ضد الشيوعية، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية والباكستان.
يكشف الفصل التناقض الجوهري في هيمنة الغرب، فمن جهة هو يبدو مضيافاً يستقبل «البرابرة» في أحضانه، ومن جهة أخرى يخشى قوته بالذات ويشعر أنه على شفير الزوال، فيستعمل القوة العسكرية والسياسية (مثل حرب الخليج الثانية وحرب أفغانستان) لإثبات تفوقه وإعادة الخارجين إلى الرشد. هذا الشعور بالقلق يفسّر أيضاً ردود الفعل الجامحة تجاه اعتداء الحادي عشر من أيلول، إذ تعامل معه الغرب بوصفه تدنيساً لحرمة مكانته المقدسة، وليس مجرد عمل إجرامي، مفرّقاً بين ضحاياه «التكريميين» وضحايا الحروب الأخرى. وفي جوهر هذا التناقض، يلاحظ الكاتب أن القوة الغربية تحتفظ بكيميائها الغامضة متخذة أشكالاً مقدسة، وأن الأيديولوجيات العلمانية الغربية ـ القومية والشيوعية ـ قد مضت ممارسة العنف نفسه الذي مارسته الديانات التوحيدية، إذ أنه موجود أصلاً في نصوصها التوراتية.
يختتم الفصل بواحدة من أكثر ملاحظاته لفتاً للنظر: لقد أصبح العالم متفرنجاً حتى في لحظات عدائه للغرب. فالمعارضون للغرب، كما يرى المؤلف، يتبنون أشكال تعبيره وهوياته دون أن يدركوا؛ فالقومية على الطريقة الفرنسية والألمانية، وحقوق الشعوب، والماركسية، ومعاداة السامية، وحتى العودة للدين بوصفها أيديولوجيا، جميعها استيراد ثقافي من الغرب. ويضرب مثلاً بـ«بروتوكولات حكماء صهيون» المزوّر الذي ولد في روسيا وتم ترويجه شرقاً، ليصبح مادة خام لمعاداة السامية في العالم الإسلامي. أما الدولة الإسلامية والحزب فلم يكن ليكونا إلا بالدمج اللاواعي بين المفهوم الحديث للحزب والأنوار العلمانية، وبين السلفية الدينية.
بهذه الطريقة، يتبدد أي أمل في الوصول إلى «شرق روحاني» مقابل «غرب مادي»، لأن الجميع أصبحوا يتكلمون لغة الغرب، همّوا بذلك أم أبوا. فالأيديولوجيات الغربية تشيّد المجتمعات وتفككها، وسطوع إمبراطورية الإعلام الأميركي مثل «سي. أن. أن.» يقوض أي ادعاء بالخصوصية الثقافية. ويرى المؤلف في هذا التشخيص كشفاً لحقيقة الادعاء بوجود شرخ بين الشرق والغرب: فهو ليس انعكاساً لواقع متجذر عبر التاريخ، بل هو نتاج تنافس على الهوية والانتماء، احتضنه تطور الثقافة الغربية في القرنين الأخيرين. ويختم بتساؤل مفتوح عن مصير الرأسمالية التي تحلّت بالجنون «المقدس» نفسه الذي ميّز انتشار الاشتراكية في ما مضى، مشيراً إلى ضرورة مواصلة تفسير هذا الانجذاب الهائل نحو التأكيد على الانتماءات الدينية والعرقية والحضارية في إدارة شؤون العالم، وهو ما سيتناوله في الفصول التالية.
5.الفصل الرابع: الانشداد المعاصر نحو قضايا الهوية والانتماء101–114▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول الأسباب الكامنة خلف الانتعاش الكبير الذي شهدته قضايا الهوية والانتماء في أواخر القرن العشرين، ويرى المؤلف أن هذا الانشداد ليس ظاهرة عفوية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين تراث فكري غربي قديم وتطورات جيوسياسية راهنة. الإجابة التي يقدمها الكاتب هي أن هذه العودة الحادة إلى الهويات هي انعكاس لأزمة هوية غربية عميقة، ولخيبة أمل في الحداثة والعلمانية، وقد وجدت في الخطاب حول "روحانية الشرق ومادية الغرب" متنفساً لها، وهو خطاب تبناه فيما بعد مفكرون وسياسيون شرقيون لأغراض سياسية واجتماعية داخلية.
يبدأ الفصل بمناقشة الكليشيه الرومانطيقي الذي صاغه أدباء القرن التاسع عشر، والذي صور الشرق كملاذ للروحانية والقداسة في مواجهة غرب مادي وتقني فقد روحه. ويشير الكاتب إلى أن هذه النظرة المثالية تعايشت دائماً مع نظرة معاكسة تحتقر الشرق وتعتبره متخلفاً وماكراً، مستشهداً بنظرية الأعراق وبكتابات فولتير الهجومية على النبي محمد. يوضح المؤلف أن هذه الصور المتناقضة التي تنتجها الثقافة الغربية ليست مجرد أفكار عابرة، بل لها وظيفة سياسية، فهي غالباً ما ترتبط بمصالح الدول الكبرى وسياساتها الاستعمارية في المنطقة، وكانت حاضرة بقوة في أدبيات "المسألة الشرقية" في القرن التاسع عشر.
يتناول الفصل بعد ذلك كيف استوعب مفكرون وسياسيون شرقيون هذه الفكرة الرومانسية ووظفوها في خطاباتهم، مدعين أن الشرق هو حارس القيم الروحية والأخلاقية في مواجهة غرب ملحد تسوده المادية والفساد. ويوضح المؤلف أن هذه الخطابات غالباً ما تستخدم للتهرب من مناقشة المشاكل الداخلية الملحة، مثل الفساد السياسي وسوء إدارة الثروات، ويضرب مثلاً بالثراء النفطي الهائل الذي تستفيد منه العائلات الحاكمة في بعض البلدان العربية، وهو ما يتناقض مع صورة الزهد المفترضة. ويؤكد الكاتب أن هذه الثنائية المختلقة لا تصمد أمام الواقع التاريخي، فالتدين المسيحي في الغرب كان ولا يزال قوة اجتماعية وثقافية هائلة، وأن الجشع والفساد ليسا حكراً على حضارة دون أخرى.
ينتقل الفصل لتحليل التحولات الفكرية في الغرب نفسه، مركزاً على فكرة "الاحتفال بالجذور المفقودة" التي سادت في العقود الأخيرة. يشير المؤلف إلى أن الاهتمام الغربي بالذاكرات المحلية والخصوصيات الإقليمية والدينية، التي طمستها الدولة القومية الحديثة، قد انتقل كعدوى إلى العالم الثالث. فبدلاً من دراسة التاريخ المعقد لتلك المجتمعات، برزت روايات جوهرانية تبسط الصراعات وتختزلها في صراعات هوياتية وعقدية، متجاهلة السياقات الجيوسياسية والاقتصادية. يرى الكاتب أن هذا البحث عن الأصالة، الذي يظهر في أعمال مثل مسلسل "جذور" الأمريكي وفي حركات مثل حركة غاندي في الهند، هو نتاج قلق غربي من فقدان المنابت إثر التصنيع والحداثة، وقد استقطب هذا القلق مفكرين شرقيين أصبحوا يبحثون عن حلول في الماضي الديني بدلاً من مواجهة تعقيدات الحاضر.
يخصص الفصل قسماً هاماً للحديث عن الدور الحاسم للتطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها انهيار الاتحاد السوفيتي، في إعادة إحياء المسائل القومية والعرقية والدينية القديمة. ويشير إلى أن بعض التحليلات الغربية راهنت على تمرد الجمهوريات المسلمة في الاتحاد السوفيتي، بينما كان الواقع أن الجمهوريات الأوروبية هي التي بادرت بالانفصال. كما ينتقد المؤلف الأدبيات الغربية، وخاصة الفرنسية منها، التي تناولت الإسلام والحركات الإسلامية في الثمانينيات بنظرة جوهرانية مختزلة، تعتبر النصوص العقائدية هي المفتاح الوحيد لفهم سلوك المسلمين، متجاهلةً العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تفسر هذه الحركات بشكل أدق. ويخلص إلى أن هذه الموجة من الاهتمام بالهوية، سواء في الغرب أو في الشرق، كثيراً ما تغذيها دور النشر ووسائل الإعلام بعناوين مثيرة وسجالات عامة، مثل تلك التي أثيرت حول ارتداء الحجاب في المدارس الفرنسية، مما يساهم في ترسيخ أطر تحليلية تبسيطية وتعميمية.
في النهاية، يؤكد الفصل أن الخطاب حول الهوية والانتماء أصبح يُستخدم كأداة لتفسير الصراعات الدولية على أساس ديني، وكأن الدين هو من يصنع النظام الدولي الحديث، متجاهلاً بذلك تعقيدات المصالح الاقتصادية والصراعات على النفوذ والقوة. وتحفل الحجج التي يقدمها الكاتب بنقاط قابلة للنقاش، خاصة في تركيزه الشديد على البعد الوظيفي للخطاب الهوياتي، إذ يرى فيه انعكاساً لأزمات الآخرين ومصالحهم أكثر مما هو تعبير عن حاجات ورغبات حقيقية لدى المجتمعات الشرقية نفسها. لكن هذه المقاربة التحليلية تشكل دعوة قوية لإعادة النظر في التفسيرات الجاهزة والتبسيطية حول الظواهر المرتبطة بالهوية في منطقتنا والعالم.
6.الفصل الخامس: العلمانية ولاهوت الخلاص و«الشعب المختار»117–154▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول فكرة أساسية يطرحها جورج قرم: وهي أن الحداثة الغربية والعلمانية لم تحققا قطيعة حقيقية مع النماذج الدينية التوحيدية القديمة، وتحديداً النموذج التوراتي القائم على مفهوم "الشعب المختار" ولاهوت الخلاص. يرى المؤلف أن هذه النماذج لم تختفِ، بل تحولت وتقمصت أشكالاً جديدة في الأيديولوجيات العلمانية الحديثة مثل القومية والاشتراكية والرأسمالية الليبرالية، مما أدى إلى استمرار العنف والصراعات التي تُفسَّر غالباً بشكل تبسيطي على أنها صراعات عرقية أو دينية، بينما هي في جوهرها نتاج مصالح جيوسياسية وأطماع اقتصادية.
يتتبع المؤلف هذا المفهوم عبر عدة خطوات، فيبدأ بانتقاد التحليلات الغربية السائدة للحروب في البلقان، مثل الصراع اليوغوسلافي، وكوسوفو، حيث تُختزل الأسباب المعقدة إلى عوامل عرقية ودينية فقط (الصرب، الكروات، المسلمين)، متجاهلةً دور النخب المحلية وجماعات المصالح والمافيا. ويشير إلى أن هذه التحليلات التبسيطية تسوقها وسائل إعلام كبرى، وتفرض رؤية أحادية ترفض أي صوت مخالف. وينتقل بعدها لمناقشة نجاح كتاب "صدام الحضارات" لصاموئيل هانتنغتون، والذي يصفه المؤلف بأنه كتاب سطحي وضحل، لكنه نجح لأنه يستغل فكرة الشرخ المتخيل بين الشرق والغرب، ويختزل النزاعات العالمية في صراع بين أديان وحضارات ثابتة الهوية، بدلاً من تحليل تنافس المصالح. ويظهر هذا الخطاب بقوة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، حيث انتعشت الدراسات حول الإسلام والقرآن كتفسير جاهز للأحداث المعقدة.
يحلل الكاتب الاختلاف بين العلمانية في أوروبا والولايات المتحدة، فبينما تقوم العلمانية الفرنسية على الفصل الصارم بين الدين والدولة، فإن العلمانية الأمريكية لا تعني فصل الدين عن الحياة العامة، بل حرية الممارسة الدينية، مما يجعل المجتمع الأمريكي الأكثر تديناً في الغرب. ويستشهد بوثيقة "رسالة من أمريكا" التي وقعها مثقفون أمريكيون بارزون مثل فرانسيس فوكوياما وصاموئيل هانتنغتون، والتي ترفض الأيديولوجيا العلمانية وتمتدح دور الدين في المجتمع، مما يؤكد أن النخبة الأمريكية لا ترى تعارضاً بين الحداثة والإيمان. أما أوروبا، فيرى أنها تحاول إيجاد حلول عقلانية لتحديات الهوية والهجرة، لكنها ترفض قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي رغم علمانيتها، لأن التعددية الثقافية والدينية التي ستجلبها ستغير طبيعة المجتمع الأوروبي، الذي لا يزال ينظر إلى الإسلام كعنصر طارئ.
يشير المؤلف إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا تجمعهما روابط تاريخية وثقافية وثيقة تجعل التمرد الأوروبي على واشنطن مستحيلاً، ومن أبرز هذه الروابط التمسك بدولة إسرائيل. يرى قرم أن إسرائيل أصبحت جزءاً من الخطاب الغربي النرجسي، وأنها تمثل "علمنة مخادعة" يتأبد فيها المقدس تحت غطاء مؤسسات علمانية وديمقراطية. ويضيف أن هذه العلمنة المخادعة تظهر أيضاً في ازدواجية المعايير في القانون الدولي، حيث يُحاكم مجرمو حرب في يوغوسلافيا ورواندا، بينما يُغض الطرف عن جرائم أخرى مثل مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبها حزب الكتائب اللبناني بحماية إسرائيلية، أو جرائم زعماء الميليشيات اللبنانية، أو آثار الحظر على العراق الذي أودى بحياة آلاف الأطفال. يتساءل المؤلف: أليس الدافع الحقيقي للعمليات الانتحارية الفلسطينية هو تحرير الأرض، وهو رهان دنيوي بحت، وليس إسلامياً كما يُصوَّر؟ ويذكر أمثلة على مقاومة نسائية مسيحية للاحتلال الإسرائيلي، مثل سناء محيدلي وسهى بشارة، للتدليل على أن الدافع وطني وليس دينياً.
استمرار النموذج التوراتي في الفكر الغربي
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سؤال محوري: هل خيّبت العلمنة آمال العالم؟ وهل الحداثة مسؤولة عن الانحرافات التي نعاني منها؟ يرد المؤلف بأن الغرب لم يتخلَّ يوماً عن العالم "السحري" للتوراة، فالخلاص في الفكر الغربي أصبح هدفاً دنيوياً (سعادة الإنسان عبر التقدم)، لكنه يحتفظ بقدسيته، فتحولت الأيديولوجيات العلمانية إلى "ديانات علمانية" تستخدم نفس تعابير الحروب الدينية مثل "الحملات الصليبية" و"الإمبراطورية الشريرة". ويوضح أن النموذج التوراتي القائم على فكرة "الشعب المختار" والنبي المرشد يضاعف العنف في الأيديولوجيات المعاصرة، فكل قومية أوروبية (فرنسية، إنكليزية، ألمانية، أمريكية) اعتبرت نفسها شعباً مختاراً يحمل مشعل النور للعالم. كما أن الاشتراكية الماركسية سارت على النمط نفسه، حيث اعتُبر ماركس نبياً والطبقة العاملة شعباً مختاراً لهداية البشرية إلى "أرض الميعاد". واليوم، بعد انتصار الرأسمالية، يمارس رجال الأعمال ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية دور الكهنة الجدد، ويقدمون الرأسمالية كطريق خلاص للبشرية جمعاء.
اختراع الجذور اليهودية-المسيحية
يفرد الكاتب جزءاً كبيراً من الفصل لتحليل ظاهرة ما يسميه "الانقلاب الثقافي" في الغرب، وهو الانتقال من التمسك بالجذور الإغريقية-الرومانية إلى تبني مفهوم "الجذور اليهودية-المسيحية". يرى قرم أن الجذور الإغريقية-الرومانية كانت وثنية وتعددية، ومهدت للديموقراطية والجدل العقلاني، بينما الجذور اليهودية-المسيحية تعيد الاعتبار للتوحيد والرؤية الثنائية للعالم (نحن ضد هم، شعب مختار ضد شعوب أخرى). هذا التحول، الذي حدث خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين، يخدم عدة أغراض: فهو يبرر وجود دولة إسرائيل وشرعنتها كتجسيد حديث لفكرة "أرض الميعاد" والشعب المختار، ويساعد على تطويق الإسلام (الدين التوحيدي الثالث) وعزله كدين مختلف وغريب، ويحقق مصالحة تاريخية بين المسيحية واليهودية بعد قرون من العداء، حيث أعادت محرقة الهولوكوست الاعتبار لليهود كشعب مظلوم، وأصبح استشهادهم الجماعي بمثابة قربان يبرر إنشاء دولتهم.
يختم الفصل بنقل كلام للأب يواكيم مبارك، وهو لاهوتي مسيحي من لبنان، ينتقد فيه "لاهوت الخلاص" المسيحي الذي يرى نفسه حاملاً للحقيقة المطلقة وداعياً لإدماج الآخرين في تاريخه الخلاصي. يعتبر مبارك أن هذا المفهوم هو المسؤول عن الاستعمار والصراعات، وأن الحل ليس في لاهوت يضم الإسلام إليه، بل في الاعتراف بالتنوع والاختلاف دون محاولة إدماج الآخر أو إقصائه. بهذا الاقتباس، يؤكد قرم فكرته المركزية: أن العقلانية الغربية والحداثة لم تتخليا عن النموذج التوراتي للخلاص، بل قامتا بإعادة إنتاجه باستمرار بأشكال جديدة، وأن هذا النموذج ما زال يشكل مصدر عنف وإقصاء في علاقة الغرب بالشرق، وخصوصاً مع الإسلام والعالم العربي.
يبقى الكتاب مثيراً للجدل في بعض جوانبه، خاصة في تفسير الدوافع الأمريكية والأوروبية لدعم إسرائيل، وفي قراءته للمقاومة الفلسطينية، لكنه يقدم تحليلاً نقدياً عميقاً للخطاب الغربي حول الهوية والدين والحداثة، ويدعو إلى ضرورة تجاوز النظرة الأحادية للصراعات العالمية بعيداً عن التفسيرات العرقية والدينية الجاهزة.
7.الفصل السادس: الإسلام المنبوذ الجديد من بين الديانات التوحيدية الثلاث155–177▼ ملخص
يطرح هذا الفصل إشكالية محورية تتعلق بالصورة النمطية السلبية التي يكوّنها الغرب عن الإسلام، ويحاول تفسير أسباب نبذه واستبعاده من بين الديانات التوحيدية الثلاث، على الرغم من كونه المولود الثالث لهذه العائلة الدينية. يرى المؤلف أن الغرب يتعامل مع الإسلام بصفته عقيدة جامدة وعنيفة وغير عقلانية، ويختار من بين صور الإسلام المتعددة ما يبرر هذه النظرة السلبية، متجاهلاً في المقابل التيارات الفكرية الإسلامية النقدية والليبرالية التي تحاول تقديم قراءات معاصرة للنصوص الدينية.
يسير الفصل خطوة خطوة في تفكيك هذه الصورة النمطية، مستعرضاً الأدلة على تحيز الخطاب الغربي. يبدأ المؤلف بالإشارة إلى المفكرين المسلمين المحدثين مثل محمد شحرور، صاحب كتاب "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة"، الذي يقدم قراءة جديدة للقرآن على ضوء الألسنية، لكن أعماله تبقى مجهولة في الغرب رغم نجاحها الكبير في العالم العربي. يوضح المؤلف أن الأبحاث الأكاديمية الغربية ظلت، حتى وقت قريب، تركز فقط على الحركات الأصولية الناشطة سياسياً، متجاهلة سياقها الجيوسياسي، خاصة صلة هذه الحركات بالإسلام الوهابي المنتشر في السعودية وباكستان، ودور هذين البلدين كحليفين استراتيجيين للولايات المتحدة في محاربة الاتحاد السوفياتي.
ينتقل المؤلف بعدها إلى تحليل الأسباب التي أدت إلى تهميش الفكر العربي الليبرالي والنقدي، والذي يستعيد الجذور العقلانية للإسلام في عصره الذهبي خلال القرنين التاسع والعاشر. هنا، يفسر المؤلف أن هذا التهميش هو جزء من خطاب غربي يسعى إلى ترسيخ "شرخ أبستمولوجي" بين الشرق والغرب، معتبراً أن الإسلام محكوم عليه بالفشل في تحقيق الفصل بين الزمني والروحي، وهو ما يعتبره الغرب مفتاح العصرنة. يرى المؤلف أن هذه النظرة تعكس رغبة غربية نرجسية في تأكيد تفوقها، وتتناسى أن أوروبا عاشت قروناً في ظلام القرون الوسطى بينما كان الشرق يحضن الحضارة والتراكم المعرفي.
يستعرض المؤلف الحضارة الإسلامية في ذروتها ليدحض هذه الصورة. يذكر أن عظمة هذه الحضارة، من الأمويين والعباسيين إلى العثمانيين، جاءت من انفتاحها على الثقافات الأخرى، الفارسية والإغريقية والهندية، وتعايشها مع اليهود والمسيحيين، وترجمتها للفلسفة اليونانية، وازدهار مدارس الفكر والاجتهاد فيها. يوضح أن الإسلام، في جوهره، لم يكن قطيعة مع الأديان السابقة بل استمراراً لها، وأن القرآن يكرم المسيح والعذراء مريم، وأن المسلمين يعتبرون اليهود والمسيحيين "أهل كتاب" يمكنهم العيش معهم في تعددية، باستثناء المشركين والوثنيين. ويشير المؤلف إلى أن مقارنة معاملة المسلمين لغيرهم في العصور الوسطى بمعاملة المسيحيين لليهود تُظهر أن المسلمين كانوا أكثر تسامحاً، وأن الجزية ألغيت في منتصف القرن التاسع عشر.
يقدم المؤلف سببين رئيسيين لتفسير هذا الانفتاح الحضاري. السبب الأول هو احترام النبي لتاريخ الأنبياء واستمرارية الرسالة التوحيدية. أما السبب الثاني والأكثر أهمية، فيكمن في عدم وجود إكليروس أو مؤسسة كنسية في الإسلام، حيث كانت السلطة مدنية في الأساس، والخليفة حاكم سياسي وليس رجل دين معصوماً. يخلص المؤلف إلى أن مفهوم الفصل بين الزمني والروحي، كما ظهر في المسيحية الغربية، لا معنى له في الإسلام لأنه لم تكن هناك مؤسسة دينية مستقلة لتتصارع مع السلطة السياسية. ويشير إلى أن فكرة "ولاية الفقيه" في إيران أو الحركة الوهابية في السعودية هي ابتكارات معاصرة، نتجت عن عملية "فرنجة" أي تأثر بالغرب، ولم تكن تمثل الإسلام التقليدي.
يبحث الفصل أيضاً في العامل الأخير الذي ساهم في ترسيخ صورة الإسلام المنبوذ، وهو المعركة الخاسرة للقومية العربية العلمانية. يوضح المؤلف أن الحركة القومية العربية، التي كانت ذروتها بين عامي 1950 و1960، سُحقت بفعل سياسات الاستعمار الأوروبي التقسيمية، ودعم الغرب المطلق لإنشاء دولة إسرائيل، ثم بفعل الحرب الباردة حيث استُخدمت السعودية لنشر الوهابية لمحاربة الماركسية والقوميات الراديكالية في العالم الثالث. كانت النتيجة أن خلت الساحة الشرق أوسطية لهيمنة "الإسلام السياسي" من جهة وانتصارات إسرائيل من جهة أخرى، في إشارة إلى "كمّاشة" أحكم بها الغرب الخناق على الحركات العلمانية، مما أدى إلى صعود تيارات إسلامية متشددة ومقتلعة من جذورها التاريخية.
أخيراً، يتناول الفصل انحراف هذه "الملحمة الإسلامية" عن مسارها، حيث أصبحت مصدر تهديد للغرب نفسه، كما في أحداث 11 سبتمبر، التي جعلت الإسلام مرادفاً للإرهاب في الخطاب الغربي، على الرغم من أن بعض الهجمات الإرهابية في الغرب، مثل تفجير أوكلاهوما عام 1995، كان مرتكبوها أميركيين. يترك المؤلف السؤال مفتوحاً حول مصير الإسلام في النظام العالمي الجديد، لكنه يؤكد أن الإجابة لن تكون سهلة بسبب الطابع الجدلي والتناقضي للثقافة الغربية نفسها، والتي تتأرجح بين خطابها النرجسي عن الذات ونماذجها التوراتية الأولى في التفكير عن "الشعب المختار"، مما يجعل فهمها وتوقع ردود أفعالها أمراً صعباً ومعقداً.
8.الفصل السابع: العولمة الاقتصادية والنظام العالمي الجديد178–214▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول طبيعة العولمة الاقتصادية التي يقودها الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ويدعو إلى التمييز بينها وبين "الحرية" بالمعنى الإنساني الواسع. فالمؤلف يرى أن العولمة، كما يقدّمها الغرب، ليست مجرد نظام اقتصادي، بل هي أيديولوجيا شمولية جديدة تحمل في طياتها تناقضاً جوهرياً: فهي تَعِد بالخلاص والرخاء للبشرية جمعاء عبر تحرير التجارة وإزالة دور الدولة، بينما تخلق في الواقع فوضى عارمة وتفاوتات اجتماعية صارخة وتُخضع العالم لهيمنة إمبريالية أميركية، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001. يبدأ الفصل بتشخيص الحالة الفكرية بعد سقوط الشيوعية، حيث كرّس اندحارها هيمنة الأيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي انطلقت مع وصول مارغريت تاتشر إلى رئاسة الحكومة في بريطانيا ورونالد ريغان إلى رئاسة الولايات المتحدة في بداية الثمانينيات، وترافق ذلك مع سقوط نظرية كينز الاقتصادية وسيطرة أفكار ملتون فريدمان النقدية. وأصبح يُنظر إلى دور الدولة في إدارة الشأن الاقتصادي نظرة سلبية للغاية، إذ لا يمكن تحقيق الخلاص، وفق هذا الفكر، إلا من خلال المبادرة الخاصة واقتصاد السوق الحر. ويشير المؤلف إلى أن هذه الأيديولوجيا تجسدت في مؤسسات ومنظمات دولية جديدة، فأنشئت منظمة التجارة العالمية على أنقاض "اتفاقية الغات" بعد مفاوضات انتهت في مراكش عام 1994، ووحّد الاتحاد الأوروبي أسواقه واستحدث عملة "اليورو"، ووقّعت الولايات المتحدة اتفاقات تبادل حر مع المكسيك وكندا. ويصف المؤلف هذا التوجه بأنه "حملة صليبية" جديدة يشّنها الغرب وحده، مستنفراً طاقاته ومواهبه ووسائل إعلامه وأبحاثه الأكاديمية لتحقيق "الجنة الموعودة" المتمثلة في عولمة الاقتصاد. ولا يغفل الفصل الإشارة إلى أن المعارضة لهذه الأيديولوجيا لم تأتِ من العالم المتخلف أو البلدان الشيوعية سابقاً، بل انطلقت من داخل الغرب نفسه، وخاصة من الولايات المتحدة، حيث خرجت تظاهرات جماهيرية ضخمة منذ عام 1999 ضمت قطاعات مختلفة من المجتمع مثل النقابات العمالية والمزارعين والمدافعين عن البيئة، وانضمت إليها لاحقاً جماعات من العالم الثالث. ينتقل المؤلف بعدها إلى تحليل "مغامرة العولمة الكبرى" التي بدأت منذ عام 1492، أي منذ فتح أميركا الجنوبية على يد كريستوف كولومبوس، ويعتبرها امتداداً لحركة "أوربة" العالم وفرنجته، وهي نفسها الحركة التي مرّت بمراحل مختلفة من التسميات. ويناقش المؤلف النتائج المتباينة للعولمة، إذ خلقت في العالم الثالث أثرياء جدداً وطبقات اجتماعية جديدة ومناطق جاذبة للاستثمارات الأجنبية في بلدان كبرى مثل الصين والهند، لكنه يتساءل بحدة: هل تؤدي هذه الموجة إلى الرفاهية المعممة والمنشودة؟ ويستعرض في هذا السياق المعركة بين المؤلفات الترويجية للعولمة التي تصدرها منظمات دولية كمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وبين الأدبيات المناهضة لها التي تثبت تزايد الفقر والتهميش وتفاقم التفاوت في المداخيل وتدهور الوضع البيئي، مشيراً إلى صعوبة تكوين فكرة واضحة وسط هذه المعمعة بسبب هيمنة الأدبيات المؤيدة للعولمة على وسائل الإعلام الكبيرة. ويخصص الفصل حيزاً مهماً للحديث عن انعكاسات اعتداءات الحادي عشر من أيلول، معتبراً أنها كشفت عن "الإشكالية المحبطة" التي وجد الغرب نفسه سجيناً فيها، حيث إن ابن لادن وأعوانه هم "دمى صنعتها القوة الأميركية نفسها" وأتقنت استخدام الإسلام لتأمين مصالحها قبل أن يرتد عليها. ويستعرض المؤلف المواقف الغربية المتباينة والمتعمدة تجاه هذه الأحداث، من الموقف الجوهراني المتشائم الذي يدعو إلى تحصين الغرب داخل حدوده والقيام بالحرب عند الخطر، إلى موقف دعاة النقد الذاتي الذين يرون أن النموذج الغربي خطر وظالم ويجب الحؤول دون تصديره، مروراً بمواقف متسامحة مع تعددية القيم وأخرى انغلاقية رافضة للحوار. ويحلل الفصل بعمق "خطاب العولمة" المهيمن الذي يمارس نفوذاً متزايداً، وتكمن قوته في ترديده المستمر أن الازدهار الشامل يمكن تحقيقه عبر رفع القيود عن التبادل، ويمنح الشركات المتعددة الجنسيات الحرية الكاملة. ويشير المؤلف إلى أن هذا الخطاب يستند إلى قاعدة واسعة من المنتفعين، من أصحاب الثروات الجدد في العالم الثالث الذين ازدهروا بعد الارتفاع الجنوني لأسعار النفط أو عبر صفقات الرشى، إلى المسؤولين السابقين عن الأحزاب الشيوعية الحاكمة الذين ارتدوا إلى سوق المضاربة لنهب ثروات بلادهم، مروراً بالطلاب الذين يفدون من العالم أجمع للدراسة في الجامعات الأميركية التي أصبحت "كعبة" الرأسمالية. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن حركات مناهضة العولمة تعتمد بشكل أساسي على الطبقات الوسطى في البلدان الغنية، وتثير مسائل التلوث البيئي والصحة الغذائية، بينما لا تجد هذه الأمور صدى في البلدان الفقيرة حيث الانبهار بالحياة الغربية في أوجه، فتبقى رموز مثل "الماكدونالدز" و"الكوكا كولا" والهاتف المحمول جذابة وتمارس تأثيراً هائلاً رغم ازدهار أشكال التعبير عن الهوية والانتماء. وينتقل الفصل إلى موضوع جوهري يتعلق بـ"إخفاق المبادئ الديموقراطية في النظام الدولي"، حيث يستخلص المؤلف عبرة من تاريخ الغرب مفادها أن القوة لا تعني الحق والمعرفة لا تعني الحكمة. ويعدد المؤلف المجازر التاريخية التي ارتكبها الغرب، من إبادة هنود أميركا وتجارة النخاسة والاستعمار إلى إنشاء دولة إسرائيل بوصفها "آخر مشروع استعماري استيطاني كبير تحت شعارات توراتية فاقعة"، ويؤكد أن عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة كانتا "تجربتين فاشلتين" لم تستطيعا منع الحروب ولا ردع العنف ولا محاربة الجوع، وأن المثالية العقلانية لفيلسوف مثل كانط لم تكن الإطار الفكري لإقامة نظام دولي مستقر. ويشير المؤلف إلى أن انتهاء الحرب الباردة لم يؤدِ إلى انفراج سياسي شامل، بل على العكس، شرّع الأبواب أمام ممارسات أشد عنفاً وتوسعاً استثنائياً للنفوذ العسكري الغربي في الشرق الأوسط والبلقان وآسيا الوسطى، حيث استخدمت الولايات المتحدة الأمم المتحدة أو الحلف الأطلسي كغطاء لتحركاتها، واتخذ بسط نفوذها طابعاً "إمبريالياً" و"انتهازياً". ويتخذ هذا الانحراف شكلاً صارخاً في تعاطي الغرب مع الأوضاع في فلسطين، حيث يرفض تقديم حماية دولية للشعب الفلسطيني الذي تتضاءل أراضيه يومياً مع توسع المستوطنات، وتضع الولايات المتحدة العنف الإسرائيلي في الميزان نفسه مع "الاعتداءات الإرهابية" الفلسطينية، وتمنع تطبيق مبدأ تقرير المصير في فلسطين بينما يطبَّق "بقوة السلاح في البلقان". ثم يعالج الفصل ظاهرة "الغرب، إطفائي مهووس بإضرام الحرائق"، فكما أن الغرب أشعل نيران الشيوعية والاشتراكية ثم أطفأها بحروب متتالية، ها هو يشعل منذ الحادي عشر من أيلول نيران صراعات الهوية الدينية والعرقية ويسعى إلى إطفائها بحروب جديدة، لكنه يرفض الاعتراف بجبروته ومسؤوليته، ويذّعي أن التشنجات الخارجية ناتجة عن عجز الشعوب عن تقبل الحداثة، وأنه "إطفائي كريم" يستجيب لطلب التدخل لإعادة السلام والاستقرار، ويردّ كل الأزمات إلى شخصيات مثل صدام حسين وميلوسيفيتش أو ظاهرة حركة الطالبان، أو إلى "الميل الفطري عند المسلمين للجهاد"، في ترسيمة جوهرانية تخلق "محوراً للشر" خلف "امبراطورية الشر" المنهارة. ويفتح الفصل نافذة على الخوف من التغيير، حيث يحل الخطاب النرجسي والجوهراني الذي يعتبر الطبيعة البشرية موزعة على تصنيفات عرقية جامدة، محل الفكر النقدي الذي يؤمن بإمكانية التطور والتقدم في المؤسسات الأخلاقية والقيم الإنسانية المشتركة. ويشير المؤلف إلى أن هذا الخطاب النقدي يخيف الغرب لأنه يريد جني ثمار تطوره التقني والعلمي، ويخيف الشرق أيضاً لأنه يخشى الفوضى التي قد تسببها المطالب الديموقراطية الجريئة، ويستشهد بالتقديس المطلق للمحرقة اليهودية في الثقافة الغربية كوسيلة لمنع النقد الفعال، وبالسينما الأميركية التي تعظم جرائم الإبادة بحق الهنود عبر أفلام "الوسترن". ويستعرض الفصل مساعي المجتمع المدني لمواجهة هذا الواقع، من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، إلى الجهود الأكاديمية في تدريس "أخلاقيات العمل الاقتصادي"، إلى القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعد اعتداءات أيلول لمحاربة تمويل الإرهاب، إلى صناديق الاستثمار "النظيفة"، لكنه يخلص إلى أن هذه المحاولات كلها "لا تعبّر عن نفسها من خلال حركات سياسية راديكالية كبيرة"، ويبقى الأفق السياسي مسدوداً من دون تعبئة سياسية حقيقية ووسائل إعلام مستقلة عن التكتلات المالية. ويرصد الفصل تحول "المواطن المستهلك" بدل "المواطن المسيّس"، حيث أصبح المواطن المعاصر يستهلك المنتوجات والأفكار العابرة التي تقدمها وسائل الإعلام المهيمنة، وأصبحت التربية نفسها "سوبر ماركت" يسعى فيه الجميع لتوفير شهادات ذات قيمة سوقية عالية من جامعات أميركية، بينما احتكرت المجموعات المالية الكبرى الصحافة والسينما ووسائل الإعلام، وابتعد المواطن العادي عن النشاط السياسي الذي تحول إلى سجالات تلفزيونية عقيمة تشبه "صراع الديكة"، مفضلاً الهروب إلى أماكن الترفيه أو تكريس وقته لقضايا إنسانية محددة. ويشرح المؤلف العلاقة بين الحداثة وعدم تناسق إيقاع التاريخ، معتبراً أن "الحداثة" هي مجرد مظهر مخادع وشعارات معيارية وضعتها الثقافة الأوروبية بشكل مصطنع، وأن سرعة التغيرات التقنية أعطت انطباعاً وهمياً بتسريع التاريخ، لكن التاريخ الحقيقي الذي يشمل تطور الأخلاق والقيم والقضاء على العنف والجوع لم يحقق فعلاً تقدماً بشرياً ملموساً، وأن الفرنجة اصطدمت بصدمات نفسية أحدثها الاستعمار بأشكاله المختلفة، مما خلق "مساحات ينفجر فيها التشنج على الحدود الوهمية للشرخ المعيقة لانتشار العولمة"، وتعتبر أحداث الحادي عشر من أيلول شاهداً على ذلك. ويخلص الفصل، في خاتمته، إلى أن العلمانية فقدت جانباً هاماً من رسالتها الأولى المنادية بالقيم الجمهورية، وتجد نفسها اليوم مرغمة، باسم تطور الديموقراطية الليبرالية، على تقبل نزعات تأكيد الهوية المتصاعدة، ويستبعد المؤلف أن تكون الحركات الإسلامية أو البروتستانتية المتطرفة أو حركات الاستيطان اليهودي بديلاً عن انكسار العلمانية، فكلها "مجرد كاريكاتور". فالبديل الوحيد، برأيه، هو إعادة بناء العلمانية وتأمين بريقها كقيمة عالمية، و"علمنة العلمانية" ذاتها لتتخطى دورها كعقيدة مسيحية غربية، فتصبح موقفاً صلباً في رفض كل محاولة لجعل التمايز بين المواطنين جوهرياً، وقادرة على هيكلة القانون الدولي بشكل قابل للمصداقية، بدلاً من تشجيع "حوار الأديان" الذي لا يقدم حلولاً للمشاكل السياسية الزمنية. ويتطرق الفصل بشكل لافت إلى الصدمات النفسية التي تسبب بها الغرب ليس فقط للمهزومين والمستعمرين، بل أيضاً للفاتحين أنفسهم، معتبراً أن جزءاً من الثقافة الغربية، وتحديداً الفن السابع الأميركي، يحاول إخفاء هذا "العصاب" عبر التمجيد الطويل للعنف، ويضرب مثلاً بفشل المؤتمر الدولي لمحاربة العنصرية في دربان عام 2001 بسبب رفض الغرب الاعتراف بمسؤوليته عن فظائع تجارة الرقيق ورفضه تحميل إسرائيل مسؤولية شقاء الفلسطينيين، ويشير إلى أن التعاطف اللامتناهي للولايات المتحدة تجاه إسرائيل يعيد إلى الأذهان، على نحو مصغّر، غزو القارة الأميركية ويكرر في اللاوعي الجماعي البروتستانتي "الترسيمة التوراتية المتعلقة بأرض الميعاد الجديدة". وأخيراً، يخلص المؤلف إلى ضرورة تبديد "الالتباس بين الحرية والتبادل الحر"، محذراً من أن الخطاب الظافر لأيديولوجيا السوق يساهم في إفراغ القيم الجمهورية من محتواها، وأن هذا الخطاب هو "الحفيد الأخير لأيديولوجيات السعادة العلمانية"، ويؤكد أن التبادل الحر لكي يكون منصفاً يتطلب تجانساً في مستويات الإنتاجية وتحكماً متساوياً في فوائد التقدم الاقتصادي بين أطراف التبادل، وبدون ذلك يؤدي حتماً إلى تمايزات اجتماعية تتسع وتدمّر أجزاء كاملة من المجتمعات.