المورد
مدخل إلى لبنان واللبنانيين تليه اقتراحات في الإصلاح

مدخل إلى لبنان واللبنانيين تليه اقتراحات في الإصلاح

جورج قرم١ كانون الثاني ٢٠٢٠arدار الجديد

يطرح جورج قرم في كتابه "مدخل إلى لبنان واللبنانيين تليه اقتراحات في الإصلاح" سؤالاً جوهرياً عن أسباب الأزمة اللبنانية المزمنة، ويقدّم إجابة جذرية مفادها أن المشكلة لا تكمن في طبيعة المجتمع اللبناني أو في تدخلات الخارج وحدها، بل في العجز التاريخي للنخب السياسية والفكرية عن بناء تصور عصري للدولة والمواطنة. يدافع المؤلف عن رؤية إصلاحية شاملة تقوم على فصل الدين عن الدولة، وبناء اقتصاد منتج بدل اقتصاد الريع والوساطة، وتغيير جذري في طريقة تكوين الزعامات السياسية، منتقداً بحدّة النظام الطائفي الذي يعتبره هوية لبنانية "مشوهة" ونتاجاً لتفاعلات خارجية أكثر منه خياراً وطنياً حراً.

يؤسس المؤلف في التمهيد لعدته الفكرية، معلناً تمسكه بمبدأ الحرية الاقتصادية مقروناً بضرورة تعادل الفرص، وموقفه الوسطي الذي يرفض المساواة المطلقة الماركسية كما يرفض ترك الحرية دون ضوابط تتيح للأقوياء استغلال المجتمع. وهو يقرّ بأهمية الشعور الديني كحاجة إنسانية، لكنه يرفض بشدة توظيف الدين من قبل الحكام لقمع الحريات، ويوضح أن العلمانية في مفهومه ليست إلحاداً بل فصل لجهاز الحكم عن الشؤون الروحية، وهي ضرورة قصوى للمجتمعات المتعددة الأديان. ويستند في طرحه إلى قراءة تاريخية مقارنة، مشيراً إلى أن غلق باب الاجتهاد في الإسلام على أيدي الفاتحين الأتراك كان من عوامل أفول الحضارة، كما أن الحروب الدينية في أوروبا قادت إلى النفور من خلط الدين بالسياسة، لكنه يلاحظ أن الفلسفات العلمانية الجديدة كالقومية والماركسية وقعت في الاستبداد نفسه حين تحولت إلى أيديولوجيات حاكمة.

ينتقل قرم بعدها إلى تشريح الأطروحات الفكرية المتصارعة حول هوية لبنان، مقسماً الساحة الفكرية إلى معسكرين كبيرين: الكيانيين المؤمنين بوجود كيان لبناني أبدي، واللاكيانيين الرافضين لهذا التصور. يفكك المؤلف التيارات الفرعية داخل كل معسكر، فيحدد للكيانيين ثلاثة تيارات: التيار الأكثر تطرفاً القائل بوجود وطن قومي مسيحي، والذي يتأثر بالحملات الإعلامية الأوروبية التي روّجت لفكرة "الأقليات المسيحية المضطهدة"، وبرز بقوة عبر أطروحات الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية مع صعود الحركات الإسلامية المتشددة منذ السبعينات واندلاع الثورة الإيرانية؛ وتيار "لبنان الدولة القومية العلمانية" الذي لم يكتب له النجاح وقاومته فرنسا بشدة؛ وأخيراً الفكر الشيّحي نسبةً إلى ميشال شيحا الذي أسس لفكرة التوفيق بين الديمقراطية والطائفية، فكان الأساس لـالميثاق الوطني. لكن المؤلف لا يخفي إعجابه التحليلي بهذا الطرح قبل تفكيكه بلا رحمة، واصفاً إياه بـ"القلعة الورقية" التي انهارت، لأن النظام الطائفي بدل أن يكون ضمانةً للاستقرار أصبح أداةً لتشجيع تدخل الدول الخارجية، فطوائف لبنان ليست كيانات محلية مغلقة بل لها امتدادات سياسية خارج الحدود، ويضرب أمثلة: الموارنة مع فرنسا، والروم الأرثوذكس مع روسيا، والدروز مع إنجلترا، ويخلص إلى أن التوازنات الطائفية منذ نظام القائمقاميتين وصولاً إلى اتفاق الطائف كانت انعكاساً لتوازن قوى خارجي فرض على لبنان.

في المقابل، تفكيك الأطروحات اللاكيانية يكشف عن ثلاث مدارس متناحرة: المدرسة الإسلامية التي تعتبر لبنان جزءاً من الأمة الإسلامية، والمدرسة العروبية التي برز فيها مسلمون ومسيحيون مثل ساطع الحصري وأمين الريحاني وميشال عفلق، والمدرسة القومية السورية بقيادة أنطون سعادة الذي رأى في سوريا الطبيعية كياناً عضوياً له جذوره قبل الإسلام. يعتبر المؤلف أن فشل المدارس اللاكيانية يعود إلى غموض الكيان المنشود وعدم الاكتراث بمصالح الأفراد الفعلية، إضافة إلى تناحر الأنظمة العربية الذي أدى إلى تراجع فكرة الوحدة خاصة بعد انهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1958. ويختم الفصل بتشخيص الحالة الراهنة: الساحة الفكرية اللبنانية فارغة من أي طرح جذاب وموحّد، واللبنانيون يعيشون في "فراغ فكري رهيب"، مما يجعل لبنان رهينةً للزعامات الطائفية والصراعات الخارجية. من الجدير بالذكر أن هذا الفصل يقدّم حجة قابلة للنقاش، أبرزها تهجّم المؤلف اللاذع على ميشال شيحا وأفكاره، بينما يمكن لمن يقرأ النص أن يرى في الميثاق الوطني إنجازاً واقعياً حال دون اندلاع حرب أهلية مبكرة، كما أن قراءة المؤلف لدور الخارج تُخلي الطوائف من جزء كبير من مسؤوليتها، وهي قراءة قد يُنظر إليها على أنها تبسّط الأمور أيضاً.

في الفصل المتعلق بالمدخل المنهجي لفهم التاريخ، يطرح قرم سؤالاً مؤلماً: هل يستحق لبنان أن يكون وطناً؟ يصرّ على أن فهم التناقضات التاريخية هو الشرط الأساسي لأي بناء وطني مستقبلي، وهو جهد فكري لا مناص منه لمنع تكرار المآسي، ولا يعني تبرير الأخطاء أو إعفاء الفاعلين من المسؤولية. يحلل جذور الضبابية الفكرية حول مفهومي الوطن والقومية، مستعرضاً التيارين الرئيسيين في الفكر القومي الأوروبي: التيار القانوني الحقوقي المنبثق عن مدرسة الحق الطبيعي في القرن السادس عشر، والتيار الأصولي الرومانطيقي الذي رأى في الأمة غاية سامية. ويشير إلى أن هذه الأفكار، عند تصديرها إلى الشرق بعد الثورة الفرنسية، لم تكن قابلة للتطبيق بسهولة في إمبراطوريات متعددة الطوائف مثل الدولة العثمانية، فبينما كانت المقاطعات في جبل لبنان تُدار بنظام عابر للطوائف، أدى توغل النفوذ الأوروبي إلى تسييس الطوائف وتحويل "الملل" إلى "أقليات" تحت حماية القوى الاستعمارية.

ينتقد قرم الاعتماد على عهدي الأميرين فخر الدين الثاني وبشير شهابي الثاني كبطلين لتاريخ لبنان الحديث، متجاهلين أخطاءهما الفادحة ومذابحهما الطائفية، بسبب حاجة المؤرخين إلى إيجاد منطق يبرر وجود الكيان اللبناني. ويكشف عن فجوات معرفية كبيرة في تاريخ لبنان، خاصة في الفترات السابقة لحكم المعنيين، مما أدى إلى سد هذه الفجوات بكتابات متحيزة. وينتقد الميثاق الوطني الذي اختزل القضية اللبنانية في تسوية بين المسلمين السنة والمسيحيين الموارنة، متجاهلاً أهمية الطوائف الأخرى، ويؤكد إخفاق النظام الطائفي بأشكاله المتتالية في معالجة جذرية للمشكلة. يخصص جزءاً كبيراً لمعالجة موضوعين حسّاسين: "النصارى تحت حكم المسلمين" و"تعدد المذاهب الإسلامية"، داعياً إلى نظرة موضوعية لنظام أهل الذمة مقارناً إياه بمعاملة أوروبا المسيحية لغير المسيحيين حتى الثورة الفرنسية، لكنه يؤكد رفضه القاطع لأي محاولة لاستعادته في القرن العشرين.

ينتقل المؤلف في الفصل الخاص بتحديد المسؤوليات إلى سؤال محوري: لماذا عجز لبنان عن الإصلاح؟ يرى أن المشكلة تكمن في حلقة مفرغة من التشابك المرضي بين العوامل الداخلية والخارجية، أدت إلى نشوء نمط ثابت من الزعامات غير القادرة على التغيير. يستعرض محاولات الإصلاح الفاشلة بين عامي 1958 و1998: محاولة كمال جنبلاط، ومحاولة بشير الجميل، ومحاولة رفيق الحريري، والأهم محاولة الرئيس فؤاد شهاب الذي سعى لتقوية الدولة لكنه اكتفى بتوسيع قاعدة المشاركة بين الطوائف بدل فصلها عن بنية الدولة، مما أدى إلى تقوية النظام الطائفي. في مناقشته لقضية تحديد المسؤولية عن المآسي، يميز بين تيارين: الأول يرى أن لبنان كان دائماً "ألعوبة في أيدي الآخرين"، والثاني يحمّل اللبنانيين أنفسهم المسؤولية بسبب أنانيتهم. ويشير بحدة إلى أن اللبنانيين لم يطالبوا بمعاقبة المسؤولين عن المجازر الطائفية في القرن العشرين، وأصدر مجلس النواب عام 1991 قانون عفو عام عن الجرائم التي حصلت بين 1975 و1990 دون أي احتجاج يذكر.

يقدم المؤلف مفهوم "ثقافة وشوشة القناصل" لفهم عقلية أهل الحكم، شارحاً أنها موروثة من العهد الاستعماري حيث كانت كلمة القناصل الأوروبيين هي الفيصل، وقد استمرت بعد الاستقلال، فالدولة اللبنانية لم تقيّد أبداً تحركات سفراء الدول الأجنبية ولا علاقاتهم المباشرة بالأحزاب والمراجع الدينية، وتُعتبر صداقة السفراء الأجانب سبب "وجاهة إضافية" للسياسيين. في الجزء الأخير، يعترض المؤلف على التفسير القائل بأن "الزعامات على صورة الشعب"، معتبراً أن هذا الحكم "جائر وظالم" ويمثل "روحاً طبقية"، ويؤكد أن "ابن الشارع" ليس معادياً للديمقراطية بل هو توّاق للتغيير، وأن سلوكه الانتهازي "تكيف عفوي ومنطقي" مع واقع لا يجد فيه دولة عادلة، ويضرب مثالاً على "الازدراء المتبادل" في الانتخابات: فالزعيم يعرض المال لشراء الأصوات، بينما يأخذ "ابن الشارع" المال معبراً عن عدم إيمانه بجدوى الديمقراطية المطبقة. ويرى أن الأفكار الطائفية السلبية توجد بكثافة لدى النخب المثقفة في "الصالونات" كما توجد لدى عامة الناس، وأن بقاءها من مسؤولية الفئات المثقفة التي فشلت في إدارة الكيان.

أما في الإصلاح السياسي، فيطرح المؤلف فكرة محورية: الخلاص من الأزمة لا يبدأ من إصلاح المؤسسات المركزية الكبرى، بل من أسفل الهرم السياسي، أي من خلال بناء ديمقراطية محلية حقيقية تقوم على بلديات فاعلة. يرفض الفيدرالية لأن الخلافات اللبنانية الجوهرية حول السياسة الخارجية والدفاع هي من اختصاص الدولة المركزية في أي نظام فيدرالي، ولأن تعقيداتها الإدارية غير مناسبة لدولة صغيرة مساحتها 10,452 كم² وعدد سكانها حوالي 3.5 ملايين. ويقترح شعاراً "لا للفيدرالية نعم للبلديات"، معتبراً أن غياب التنظيم البلدي الديمقراطي يجعل النائب يمارس مهام مختار بدلاً من الاهتمام بالشأن الوطني، ويقترح خطوة أولى لفصل الطوائف عن الدولة وهي فرض ضريبة بلدية يخصص محصولها لتمويل شؤون الطوائف، شريطة أن يوافق عليها المجلس البلدي المنتخب. في الشأن الرئاسي، يدعو إلى انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب على مرحلتين على غرار النموذج الأمريكي، لأن انتخابه من المجلس النيابي يجعله أسير التوازنات الطائفية، وفي المرحلة الأولى يجب على المرشح الحصول على حد أدنى من الأصوات في كل قضاء، مما يستبعد المرشحين الطائفيين الذين لا يستطيعون كسب تأييد واسع خارج طائفتهم. وفي الشأن التشريعي، يدعو إلى توسيع عدد النواب الذي يصل حالياً إلى 118 نائباً، لأن العدد القليل يكرس حكم الأعيان والعائلات، وكان استبعاد الأحزاب العقائدية العلمانية سبباً في زيادة تطرفها، ويستشهد بتجربة الجزائر عام 1991 محذراً من خطر سيطرة حزب عقائدي على السلطة.

يتطرق المؤلف إلى قوانين الأحوال الشخصية الطائفية، رافضاً فرضها قسراً، ومقترحاً "لا لقوانين الأحوال الشخصية الطائفية المطبقة حكماً، نعم لحرية الاختيار بين قانون مدني وآخر طائفي"، معتبراً أن السجال بين الزعامات الإسلامية والمسيحية هو "حوار طرشان" لأن مواقف الطرفين غير صادقة، فالكنائس الشرقية متمسكة بمحاكمها الروحية، وبعض المسلمين يتجاهل أن ملايين المسلمين يعيشون في بلدان تطبق قوانين مدنية. ويقترح أن تسنّ الدولة قانوناً مدنياً موحداً، على أن تتحول قوانين الطوائف إلى أنظمة خاصة بها، ويُفسح المجال لأي مواطن راشد يريد الالتزام بقوانين طائفته أن يطلب ذلك رسمياً. يقر المؤلف بأن هذه الاقتراحات تواجه عقبات كبيرة، أبرزها الخوف من المجهول والهواجس الطائفية العميقة، ويشير إلى أن آخر تعداد سكاني يعود إلى عام 1932 خوفاً من إثارة مشاكل طائفية، لكنه قنوع بأن البدء بتطبيق هذه المبادئ سيكسر الحلقات المفرغة وينتقل بالبلاد من منطق "حقوق الطوائف" إلى منطق "حقوق المواطن".

في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، يرى المؤلف أن المسألة أكثر تعقيداً بسبب "المقدسات والمسلمات الخاطئة" التي ترسخت في أذهان النخبة، والتي تقوم على إبقاء الدولة بعيدة عن التدخل الاقتصادي وتحويل بيروت إلى مركز تجاري ومصرفي إقليمي. يستعرض التطور التاريخي للاقتصاد اللبناني، مشيراً إلى أن انفتاح جبل لبنان على أوروبا في القرن الثامن عشر أدى إلى تفكك المرتكزات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما هيأ لنشوب الفتنة الطائفية بين 1840 و1860، وخلق تطوراً غير متكافئ بين الطوائف حيث استفادت الطوائف المسيحية من التعليم والأنشطة التجارية بينما بقيت الطوائف الإسلامية تحت هيمنة الإقطاع. ينتقل إلى تجربة فؤاد شهاب الإصلاحية التي استندت إلى دراسة الأب لويس لوبريه، والتي كشفت عن تفاوت كبير في الدخل وتركيز النشاط الاقتصادي في بيروت بنسبة تتجاوز سبعين بالمئة، ويشرح كيف واجه النظام الشهابي عداءً من التجار والزعماء الإقطاعيين.

يحلل المؤلف ظلم النظام الضريبي بوصفه استكمالاً للنظام الطائفي، فقانون السرية المصرفية يسمح للأثرياء بالتهرب من دفع الضرائب بينما يتحمل الموظفون والعمال الاقتطاع الشهري من رواتبهم، ويضرب مثالاً من تجربته الشخصية كخبير في وزارة المالية في الستينات حيث لاحظ أن بعض كبار التجار يصرحون بدخل أقل من أصحاب المحلات الصغيرة. وينتقد "الحلم بجعل لبنان مونتي كارلو" معتبراً إياه ضرباً من الخيال، ويقارن بين ظروف مونتي كارلو أو هونغ كونغ أو سنغافورة وظروف لبنان، ويرفض فكرة أن لبنان يمكن أن يصبح مركزاً مالياً إقليمياً لأن دول المنطقة أصبحت متطورة وتنافسية، بما في ذلك إسرائيل التي يفوق حجم اقتصادها اقتصادات الدول العربية مجتمعة. يقدم مبادئ بديلة مستشهداً بالنموذج الدانمركي: بناء اقتصاد منتج قائم على الزراعة والصناعة بدلاً من الخدمات والمضاربات، وتوزيع متوازن للسكان والتنمية، وتعزيز دور البلديات، وإصلاح النظام الضريبي، ومكافحة الفساد وإعادة النظر في قانون السرية المصرفية، مؤكداً أن النظام الرأسمالي الحقيقي لا يمكن أن ينجح دون دولة قوية ونزيهة.

في الملحق الخاص بالعلاقة مع سوريا، يضع قرم القضية في إطار المرض المزمن الذي يعاني منه الكيان اللبناني، فلا يرى أن المشكلة الأساسية في الوجود السوري بحد ذاته بل في العجز التاريخي للزعامات اللبنانية عن بناء دولة مستقلة، ويذهب إلى أنه حتى لو انسحبت القوات السورية بالكامل ستبقى المشكلة قائمة لأنها تكمن في البنية السياسية والذهنية. يحلل العوامل الموضوعية التي أدت إلى الوجود السوري: اعتماد الزعامات اللبنانية على الاستنجاد بالخارج، وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، وقوة النظام في سوريا. ويذكر أن سوريا دخلت لبنان عام 1977 بموافقة أمريكية، ثم عادت أمريكا عام 1990 لتثبيت الوجود السوري بهدف تأمين دعم سوريا في حرب الخليج، ويرى أن اتفاق الطائف الذي كان يهدف إلى تنظيم انسحاب القوات السورية تحول إلى أداة لتثبيت الحماية السورية. وينتقد بشدة دور الجنرال عون الذي "لم يحسن قراءة الوضع الدولي"، ويتناول قضية مصير جنوب لبنان معتبراً أن المقاومة هناك، رغم إلهامها الإيراني، هي مقاومة وطنية بامتياز. يختتم الفصل بالتأكيد على أن قضية الوجود السوري تُستغل لتأجيل البحث في الإصلاحات الحقيقية، فالمشكلة ليست في سوريا بل في ما ينتجه النظام الطائفي من زعامات متناحرة، وأن الوجود السوري "نتيجة وليس سبباً" للمرض اللبناني.

في الخاتمة التي تحمل عنوان "لكي لا نستقيل فكرياً"، يطرح قرم سؤالاً حول إمكانية تجاوز الجمود الفكري والسياسي رغم غياب أي أفق إصلاحي قريب، مؤكداً أن الظروف الإقليمية غير مستقرة وستتغير حتماً. يوجه أصابع الاتهام إلى مسؤولية الجيل الجديد، مشيراً بقلق إلى الجهل شبه التام لدى الأولاد بتاريخ بلدهم، فالمعرفة التاريخية التي تلقّاها الآباء كانت ناقصة ومجرّأة ومليئة بالخرافات والتناقضات، ويرى أن مسؤولية ملء هذا الفراغ تقع على كل فرد. يستخدم تشبيهاً طبياً: المعافاة المعنوية كالشفاء الطبي مسار طويل يبدأ بإيقاظ قوة إرادة الحياة، والخطيئة الكبرى هي الاستقالة من ممارسة الفكر والإدراك. ويرى أن نهضة البلاد تتطلب المصالحة بين الشعب والنخبة المثقفة للوصول إلى الثقة المتبادلة خارج إطار التوقعات الطائفية، ويطرح معادلة واضحة: إما أن نبقى أسرى القوالب الجامدة والتبعية الثقافية، وإما أن ندخل في مسار تغييري ونصبح شعباً متماسكاً يكون له وطن نعرف كيف نبنيه حجراً حجراً. ويختم بيقينه أن اللبنانيين لن يقبلوا في نهاية المطاف الاستقالة من وجودهم كشعب ناطق مفكر، فالمصائب المتتالية أقعدتهم لكن "حان وقت الدخول في المعافاة".

يمكن القول إن الكتاب يقدّم نقداً جذرياً للخطابين القومي والطائفي معاً، ويصرّ على أن فهم التاريخ بكل تناقضاته هو المدخل الوحيد لبناء وطن حقيقي. ومن أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، التهجّم اللاذع على أفكار ميشال شيحا واعتبارها وهماً رومانسياً، وتأكيد المؤلف أن المشكلة ليست في الشعب بل في النخب الحاكمة وعقلية "التبعية" للسفراء الأجانب، وهو ما قد يعترض عليه البعض بالقول إن العوامل الخارجية الضاغطة كانت بالفعل بقوة تجعل أي إصلاح داخلي جذري مستحيلاً، كما أن وصف النخبة بالعجز وحدها قد يكون تبسيطاً مفرطاً لتوازنات إقليمية معقدة. ويبقى السؤال حول إمكانية تطبيق هذه المقترحات الإصلاحية في بيئة عربية مشبعة بالصراعات الدولية قائماً، تماماً كما يبقى الكتاب شاهداً على لحظة تاريخية حاولت فيها النخبة اللبنانية المتنورة البحث عن مخرج من مأزق بنيوي عميق.

الأشخاص

الفصول(8)

1.حيثيات وخلفيات، (بمثابة تمهيد)12–25▼ ملخص

يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب جورج قرم الأسس الفكرية والمبدئية التي سيبني عليها المؤلف رؤيته لإصلاح لبنان، وذلك قبل الدخول في التفاصيل التاريخية أو المقترحات العملية. فالمؤلف لا يبدأ من تحليل الواقع اللبناني مباشرة، بل يرى ضرورة التصريح أولاً بالخلفية الفلسفية والاقتصادية التي تشكل عدته النظرية، لأنها الحاكم على تشخيصه للأزمة وقبل أن تكون أساساً لحلولها.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بتحديد الموقف من الدين والعلمانية، حيث يقر المؤلف بأهمية الشعور الديني كحاجة إنسانية، لكنه يرفض بشدة توظيف الدين من قبل الحكام لقمع الحريات أو لتبرير أساليب سلطوية. ويوضح أن العلمانية في مفهومه ليست إلحاداً أو قمعاً للدين، بل هي فصل لجهاز الحكم عن الشؤون الروحية الشخصية، وهي ضرورة قصوى للمجتمعات المتعددة الأديان لمنع الفتنة، وهذا ينطبق مباشرة على الحالة اللبنانية. ويستند في هذا الطرح إلى قراءة تاريخية مقارنة للأديان، مشيراً إلى أن غلق باب الاجتهاد في الإسلام على أيدي الفاتحين الأتراك كان من عوامل أفول الحضارة، كما أن الحروب الدينية في أوروبا بين البروتستانت والكاثوليك قادت إلى النفور من خلط الدين بالسياسة، لكنه يلاحظ أن الفلسفات العلمانية الجديدة كالقومية والماركسية وقعت في نفس استبداد المذاهب الدينية حين تحولت إلى أيديولوجيات حاكمة، وأن تفوق الغرب الرأسمالي جاء جزئياً من حفاظه على حرية الفكر حتى لأعدائه.

ينتقل المؤلف بعدها إلى الخلفية الاقتصادية، معلناً تمسكه بمبدأ الحرية الاقتصادية مقروناً بضرورة تعادل الفرص، وهو موقف وسطي يرفض المساواة المطلقة في مستويات المعيشة كما تحلم بها الماركسية، ويرفض في الوقت نفسه ترك الحرية دون ضوابط تتيح للأقوياء استغلال المجتمع. فالدولة الحضارية في رأيه هي التي تعمل على تهذيب الفوارق المادية وجعلها قابلة للتحمل، وتفرض ضرائب تصاعدية على الفئات الميسورة لتمويل الحمايات الاجتماعية للفئات الأفقر. وينتقد المؤلف بشدة الواقع العربي حيث تراكمت ثروات طائلة غير شرعية عبر علاقات الوساطة والسمسرة مع أجهزة الدولة، وهذا ما خلق جواً خانقاً يؤخر التقدم ويساعد على بروز حركات سياسية دينية متطرفة تحارب الفساد انطلاقاً من الدين. ويذكر أن كل الدول الرأسمالية الكبرى، رغم شعاراتها الليبرالية الجديدة، تتدخل فعلياً في شؤونها الداخلية لتأمين التوازنات الاقتصادية، ويضرب أمثلة على ذلك بالمبالغ المخصصة لمكافحة البطالة في فرنسا وألمانيا، والمساعدات الضخمة للبحث العلمي والتكنولوجيا.

يختم المؤلف هذا القسم التمهيدي بتلخيص مبادئه العامة التي سيستند إليها، مؤكداً أن الأوطان الحديثة لا تبنى إلا على احترام الحرية الإنسانية، وأن العلمانية ليست معاداة للدين، وأن جوهر الرسالتين المسيحية والإسلامية لا يتعارض مع روح الحرية، بل إن قفل باب الاجتهاد كان عامل أفول الحضارة العربية الإسلامية. وينتقل بعدها إلى الحديث عن مشكلة الهوية اللبنانية، مشيراً إلى انهيار الإجماع السطحي حول تاريخ لبنان خلال الحرب، حيث اكتشف اللبنانيون أن لا تاريخ متفقاً عليه، وأن كل طائفة تعتبر نفسها ضحية. ويشيد بأعمال الدكتورين أحمد بيضون وكمال الصليبي اللذين عبرا عن هذه الحالة الانهيارية في النظر إلى التاريخ، على الرغم من اختلافه المنهجي معهما جزئياً.

يعرج المؤلف في نهاية الفصل على قضية فقدان الاستقلال الفكري للفكر العربي واللبناني بشكل خاص، معتبراً أن هذا الفكر أصبح أسير مواقفه المتناقضة من المذاهب الغربية، حتى أن الحركات الداعية إلى الأصالة والسلفية هي متأثرة بالفكر الرومانطيقي الأوروبي. ويرى أن غياب الحرية الفكرية، وهي أعمق من الحرية السياسية، يجعل الناس يتعلقون بالتفاصيل ويفشلون في رؤية القضايا الجوهرية، وهذا ما يفسر عدم جدوى الحوارات السياسية خلال الحرب وبعدها. ويخلص إلى أن هذه المقدمات ضرورية لفهم مقترحاته التي سيعرضها لاحقاً، معلناً نيته تقديم قراءته الخاصة لتاريخ لبنان منذ عهد الأمير فخر الدين، لأنه يدرك أن الذين يختلفون حول مفهوم الماضي لا يمكن أن يتفقوا حول المستقبل.

2.الأطروحات التاريخية حول هوية لبنان: صراع الكيانيين واللاكيانيين26–46▼ ملخص

هذا الفصل هو تشريحٌ سريع وعميق للأطروحات الفكرية المتصارعة حول هوية لبنان، والتي يعتبرها المؤلف جذر الأزمة اللبنانية المزمنة. يقدّم جورج قرم في هذا السياق إجابةً واضحة: الصراع اللبناني ليس مجرد صراع سياسي أو طائفي عابر، بل هو صراعُ رؤىً فكرية متضاربة حول ماهية الكيان اللبناني نفسه، وهو صراعٌ تأجّج بتدخلات القوى الخارجية منذ انحطاط السلطنة العثمانية. يرى المؤلف أن هذا الجدل العقيم، المبني على أطروحات جامدة ومبسّطة للتاريخ، هو المسؤول الأول عن إخفاق اللبنانيين في بناء دولة عصرية مستقرة، بل هو ما يجعلهم شراكةً بالإكراه بين زعامات طائفية لا تطيق بعضها.

يسير الفصل بمنهجية واضحة، إذ يبدأ بتأصيل المشكلة، مشيراً إلى أن العرب واللبنانيين تحديداً لم يطوّروا معرفةً تاريخية معمّقة وجماعية عن بلادهم، تاركين المجال للإضافات الأجنبية التي غالباً ما حملت أجندات استعمارية. ثمّ ينتقل إلى تقسيم الساحة الفكرية اللبنانية إلى معسكرين كبيرين: الكيانيون، وهم المؤمنون بوجود كيان لبناني أبدي وذات سمات ثابتة، واللاكيانيون، وهم الرافضون لهذا التصور، والذين يعتبرون لبنان جزءاً من كيان أكبر. وهنا يتعمّق المؤلف في تفكيك كل معسكر إلى تياراته الفرعية، كاشفاً عن تناقضاتها وتأثّرها بالفكر الأوروبي.

بالنسبة لـالكيانيين، يحدد المؤلف ثلاثة تيارات رئيسية. التيار الأول هو الأكثر تطرفاً، ويرى في لبنان وطناً قومياً مسيحياً، وهو متأثر بالحملات الإعلامية الأوروبية الاستعمارية التي روّجت لفكرة "الأقليات المسيحية المضطهدة". ينتقد المؤلف هذا التيار لاعتماده على ثنائية تبسيطية بين "غرب مسيحي متقدم وديمقراطي" و"شرق إسلامي متخلف ومتزمت"، ويشير إلى عودة بروزه بقوة عبر أطروحات الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية، خاصةً مع صعود الحركات الإسلامية المتشددة منذ السبعينات وتمويل المملكة العربية السعودية لها، واندلاع الثورة الإيرانية. أما التيار الثاني الكياني، فهو يدعو إلى "لبنان دولة قومية علمانية"، لكنه لم يكتب له النجاح، إذ قاومته فرنسا بشدة ونفت شخصياته إلى مصر. وأخيراً، التيار الثالث والأكثر تأثيراً هو "الفكر الشيّحى" نسبةً إلى ميشال شيحا، والذي أسس لفكرة التوفيق بين الديمقراطية والطائفية، فكان الأساس لـالميثاق الوطني. يوضح المؤلف أن شيحا نجح في إقناع الجميع بأن التعددية الطائفية ضمانة للحقوق، وتكريساً للبنان كنقطة لقاء بين الشرق والغرب، وهو ما أدى إلى اتفاق ضمني على توزيع السلطة بين الطوائف، متنازلاً عن الحماية الفرنسية من جهة، والمطالبة بالوحدة العربية من جهة أخرى.

لكن المؤلف لا يخفي إعجابه التحليلي بهذا الطرح، ثم يشرع في تفكيكه بلا رحمة، واصفاً إياه بـ**"القلعة الورقية"** التي انهارت. الحجة الجوهرية هنا هي أن النظام الطائفي، بدل أن يكون ضمانةً للاستقرار، أصبح أداةً لتشجيع تدخل الدول الخارجية في الشؤون اللبنانية. يؤكد قرم أن الطوائف اللبنانية ليست كيانات محلية مغلقة، بل لها امتدادات سياسية وعقائدية خارج الحدود، مما يجعلها أدواتٍ في يد القوى الإقليمية والدولية. ويضرب أمثلة على ذلك: الموارنة مع فرنسا، والروم الأرثوذكس مع روسيا، والدروز مع إنجلترا، ويخلص إلى أن التوازنات الطائفية في لبنان، منذ نظام القائمقاميتين وصولاً إلى اتفاق الطائف، لم تكن نتاج إرادة لبنانية بل انعكاساً لتوازن قوى خارجي فرض على لبنان. هذه الرؤية تجعل الأطروحات الشيّحية، ومن يدعو إليها اليوم مثل أنطوان مسرا والديمقراطية التوافقية، غير قابلة للتطبيق في بيئة مشبعة بالصراعات الدولية كالمحيط العربي، على عكس نجاحها النسبي في بلجيكا أو سويسرا.

في المقابل، ينتقل المؤلف إلى تفكيك الأطروحات اللاكيانية، والتي يجمعها رفض الاستعمار الفرنسي واعتبار لبنان كياناً اصطناعياً، لكنها تتوزع على ثلاث مدارس متناحرة أيضاً. المدرسة الأولى هي الإسلامية، التي تعتبر لبنان جزءاً لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، وترى أن القوميات الحديثة بدعة أوروبية ومؤامرة على الخلافة، ومن أعلامها أسامة فرّوخ والشيخ رشيد رضا. المدرسة الثانية هي العروبية، التي تؤمن بلبنان كجزء من الأمة العربية، وقد برز فيها مسلمون ومسيحيون على حد سواء مثل ساطع الحصري وأمين الريحاني وميشال عفلق، لكن المؤلف ينتقد بشدة الاتهامات الموجهة للمسيحيين بأنهم روّاد للعروبة بفعل مؤامرة أجنبية، ويقدّم أمثلة معاكسة مثل علي عبد الرزاق وطه حسين من المسلمين، وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة من المسيحيين الذين تمسكوا بشرقيتهم. المدرسة الثالثة هي القومية السورية، بقيادة أنطون سعادة، الذي رأى في سوريا الطبيعية، أي الهلال الخصيب، كياناً عضوياً متميزاً له جذوره الحضارية قبل الإسلام.

يعتبر المؤلف أن فشل المدارس اللاكيانية يعود إلى غموض الكيان المنشود وعدم الاكتراث بمصالح الأفراد الفعلية، إضافة إلى تناحر الأنظمة العربية التي أدت إلى تراجع فكرة الوحدة، خاصة بعد انهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1958. كذلك يرى أن قوة أفكار سعادة جاءت من عودته إلى أمجاد ما قبل الإسلام ومعالجة الهوية في منظور تاريخي حضاري، لكن الحزب فقد هالته بعد أن تحول إلى ميليشيا مسلحة خلال الحرب الأهلية ودخل في الحكم، واصفاً إعدام سعادة على يد الدولة اللبنانية بأنه دفعة قوية لحزبه جعلته شهيداً. وبهذا، يختم المؤلف الفصل بتشخيص الحالة الراهنة: الساحة الفكرية اللبنانية فارغة من أي طرح جذاب وموحّد، واللبنانيون يعيشون في "فراغ فكري رهيب"، مما يجعل لبنان رهينةً للزعامات الطائفية الإقليمية والصراعات الخارجية، متسائلاً بقلق عن دورهم ومصيرهم في مستقبل المنطقة.

من الجدير بالذكر أن هذا الفصل لا يتورع عن تقديم حجج قابلة للنقاش، وأبرزها تهجّم المؤلف اللاذع على ميشال شيحا وأفكاره، معتبراً إياها وهماً رومانسياً فشل أمام واقع الصراعات الدولية، بينما يمكن لمن يقرأ النص أن يرى في الميثاق الوطني إنجازاً واقعياً حال دون اندلاع حرب أهلية مبكرة. كما أن قراءة المؤلف لدور الخارج تُخلي الطوائف والقوى المحلية من جزء كبير من مسؤوليتها، وهي قراءة قد يُنظر إليها على أنها تُبسّط الأمور أيضاً، وتقف على النقيض من الموقف الاتهامي للمدارس الأخرى. هذا كله يجعل الفصل مادةً خصبة للتفكير النقدي، حتى بعد قرن من بدء هذا الجدل.

3.مدخل منهجي لفهم تاريخ لبنان بتناقضاته47–84▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالًا جوهريًا ومؤلمًا يتردد في ضمير كل لبناني واعٍ، خاصة بعد الحرب الأهلية: هل يستحق لبنان أن يكون وطنًا؟ وهل يمكن للبنانيين أن يحكموا أنفسهم بعد كل الفتن الطائفية والمذابح التي تكررت عبر التاريخ؟ يقدّم جورج قرم هذا الفصل كمدخل منهجي وفكري ضروري قبل الغوص في تفاصيل التاريخ اللبناني، مؤكدًا أن فهم التناقضات التاريخية وتحليل أسبابها هو الشرط الأساسي لأي بناء وطني مستقبلي. وهو يصرّ على أن هذا الفهم لا يعني تبرير الأخطاء أو إعفاء الفاعلين من المسؤولية، بل هو جهد فكري لا مناص منه لمنع تكرار المآسي.

يبدأ الكاتب بتحليل جذور الضبابية الفكرية حول مفهومي الوطن والقومية، مستعرضًا التيارين الرئيسيين في الفكر القومي الأوروبي: التيار القانوني-الحقوقي المنبثق عن مدرسة الحق الطبيعي في القرن السادس عشر، والذي ركّز على الحرية الفردية وحقوق الإنسان؛ والتيار الأصولي الرومانطيقي الذي رأى في الأمة غاية سامية وقد يصل إلى فرض الهيمنة على الأمم الأخرى. ويشير إلى أن هذه الأفكار، عند تصديرها إلى الشرق بعد الثورة الفرنسية، أحدثت أثرًا قويًا، لكنها لم تكن قابلة للتطبيق بسهولة في إمبراطوريات متعددة الطوائف والأعراق مثل الدولة العثمانية. فبينما كانت المقاطعات في جبل لبنان تُدار بنظام عابر للطوائف، أدى توغل النفوذ الأوروبي إلى تسييس الطوائف، وتحويل "الملل" إلى "أقليات" تحت حماية القوى الاستعمارية، مما عمق الفتن والانقسامات في المنطقة.

ينتقل قرم بعدها إلى تسليط الضوء على تناقضات الفكر القومي نفسه، خاصة فيما يتعلق بتحديد من له الحق في تكوين دولة، متسائلًا: هل هي الطائفة أم العرق أم اللغة أم الجغرافيا؟ ويضرب المثل الأبرز على هذه الضبابية بقبول الفكر الأوروبي للفكرة الصهيونية كقومية طبيعية، رغم أنها تقوم على رابطة دينية وليس على أرض أو لغة مشتركة، ويشير إلى أن هذا القبول يعكس سطحية العلمانية الغربية واستمرار العنصرية. ثم يعرض القناعات المنهجية التي سيؤسس عليها قراءته للتاريخ: مميزات الشعوب تتغير عبر الزمن، الأديان السماوية ذات الرسالة الكونية لا تصلح لبناء الأوطان، وأهم عنصر في بناء أي وطن هو التواصل التاريخي على الأرض والعادات المشتركة، لا الدين أو العرق.

أما القسم الأهم في الفصل، فيتناول تحديات كتابة التاريخ اللبناني نفسه. يحلل قرم العوامل التي أثرت على المناهج التاريخية، من تأثير الدين وهيمنة الحكام على كتابة التاريخ، إلى تأثير "المسألة الشرقية" والكتابات الأوروبية التي صورت المسلمين كمضطهدين لغيرهم، مما أثر على الكتابات اللبنانية المسيحية التي رأت في التاريخ قصة "قضية لبنان". ويناقش الاهتمام بالفينيقيين الذي أطلقه شارل قرم بعد الحرب العالمية الأولى كخلفية سياسية مزدوجة: لتأكيد شخصية لبنان المميزة، ولتجاوز الانقسام الطائفي بالعودة إلى ماضٍ قديم. وينتقد الكاتب بشدة الاعتماد على عهدي الأميرين فخر الدين الثاني وبشير شهابي الثاني كبطلين لتاريخ لبنان الحديث، متجاهلين أخطاءهما الفادحة ومذابحهما الطائفية، بسبب حاجة هذا الجيل من المؤرخين إلى إيجاد منطق متسق يبرر وجود الكيان اللبناني وتقدمه نحو الدولة القومية، متأثرين بفكر هيجل الفلسفي.

يكشف قرم عن فجوات معرفية كبيرة في تاريخ لبنان، خاصة في الفترات السابقة لحكم المعنيين، مما أدى إلى سدّ هذه الفجوات بكتابات متحيزة إما مسيحية تهدف لتأكيد لبنان كملجأ للأقليات، أو عربية تهدف لاعتباره إقليمًا عربيًا لا يتميز عن غيره. ويؤكد على الصدمات النفسية التاريخية التي ما تزال دفينة في نفوس اللبنانيين، مثل تراجع المسيحية في المشرق وانتقال ثقلها إلى أوروبا، والشقاق العميق بين المسلمين السنة والشيعة، ودور هذه الصدمات في تعقيد العلاقات بين الطوائف. وينتقد الميثاق الوطني الذي اختزل القضية اللبنانية في تسوية بين المسلمين (السنة) والمسيحيين (الموارنة)، متجاهلاً تعقيدات التاريخ وأهمية الطوائف الأخرى، ومشوهًا الفهم الحقيقي لمشكلة لبنان، ويؤكد في هذا السياق على إخفاق النظام الطائفي بأشكاله المتتالية (القائمقاميتين، المتصرفية، الميثاق، واتفاقات الطائف) في معالجة جذرية للمشكلة.

يخصص قرم جزءًا كبيرًا من الفصل لمعالجة موضوعين حسّاسين: "النصارى تحت حكم المسلمين" و"تعدد المذاهب الإسلامية". يدعو إلى نظرة موضوعية لنظام أهل الذمة، مقارنًا إياه بمعاملة أوروبا المسيحية لغير المسيحيين حتى الثورة الفرنسية، معترفًا بامتيازاته النسبية كحقوق مدنية لغير المسلمين، لكنه يؤكد رفضه القاطع لأي محاولة لاستعادته في القرن العشرين. كما يشير إلى أن السلطنة العثمانية أدارت تنوعها الديني بكفاءة مقارنة بغيرها من الممالك، وأن أسباب انحطاطها تعود إلى ما قبلها. وفيما يخص تعدد المذاهب الإسلامية، يؤكد أن هذا التعدد قضية مزمنة لم تُعالج بجدية في الفكر العربي الإسلامي، وأن حركات التشدّد الديني قضت تدريجيًا على حرية الاجتهاد، محذرًا من أن دساتير الدول العربية التي تنص على "الإسلام دين الدولة" تتجاهل هذه التعددية وتستبعد أبناء المذاهب الأخرى من ممارسة السلطة.

في الختام، يدعو قرم إلى احتضان تعقيد الهوية الإنسانية بدلاً من تبسيطها في عنصر واحد (دين أو عرق أو لغة)، لأن هذا التبسيط يقود إلى الجمود والانحطاط. ويرى أن القضية اللبنانية هي قضية بلد لم يخرج بعد من تفاعلات السياسات الاستعمارية، ويقول بأن كتابة تاريخ لبنان بشكل موضوعي ليس مستحيلًا، بل هو ضرورة ملحة لتحقيق "الوفاق بين كل لبناني ونفسه المعذبة وعقليته المعقدة وشخصيته المنقسمة"، معربًا عن أمله في أن يتولى الجيل الشاب الذي لم يشارك في الحرب هذه المهمة العلمية الرصينة. يمكن القول إن الفصل يقدّم نقدًا جذريًا وفكريًا للخطابين القومي والطائفي معًا، ويصرّ على أن فهم التاريخ بكل تناقضاته هو المدخل الوحيد لبناء وطن حقيقي، حتى لو بدت هذه الدعوة صعبة التحقق في ظل إرث الانقسام والهواجس المتراكمة.

4.المدخل إلى الإصلاح تحديد المسؤوليات في الفتن الطائفية وتغيير آلية تكوين الزعامات السياسية85–126▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالًا محوريًا حول سبب عجز لبنان عن الإصلاح، ويقدّم إجابة تتجاوز التفسيرات المبسطة القائمة على إلقاء اللوم على العامل الخارجي أو على "الطابع الطائفي" للشعب. يرى المؤلف أن المشكلة تكمن في حلقة مفرغة من التشابك المرضي بين العوامل الداخلية والخارجية، أدت إلى نشوء نمط ثابت من الزعامات السياسية غير القادرة على التغيير، وإلى عقلية سياسية تتسم بالتبعية والسذاجة في التعامل مع القوى الكبرى، كما أسهمت في إحباط عام لدى اللبنانيين وتكريس حالة من الازدراء المتبادل بين النخبة الحاكمة والشعب.

يسير المؤلف خطوة بخطوة في تفكيك هذه الحلقة المفرغة. يبدأ بمراجعة سريعة لمحاولات الإصلاح الفاشلة في تاريخ لبنان الحديث، مستشهدًا بأربع محاولات رئيسية بين عامي 1958 و1998: محاولة الزعيم كمال جنبلاط وكتلة الأحزاب "التقدمية"، ومحاولة بشير الجميل، ومحاولة رفيق الحريري، والأهم من وجهة نظره، محاولة الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964) الذي سعى لإصلاح الدولة وتقويتها، لكنه اكتفى بتوسيع قاعدة المشاركة بين الطوائف بدلًا من فصل الطوائف عن بنية الدولة، مما أدى إلى تقوية النظام الطائفي بدلًا من تخفيف وطأته. كما يشير إلى أن مؤسسي الميثاق الوطني، بشارة الخوري ورياض الصلح، لم يبادرا إلى فصل الطوائف عن الحكم، محتفظين بها "بشكل مؤقت" كما نصت المادة 95 من الدستور، مما رسّخ الطائفية السياسية.

ينتقل المؤلف بعدها إلى مناقشة قضية تحديد المسؤولية عن المآسي، فيميز بين تيارين: الأول يرى أن لبنان كان دائمًا "ألعوبة في أيدي الآخرين" بسبب تدخلات القوى الإقليمية والدولية، من موسكو وواشنطن إلى القضية الفلسطينية والحرب الباردة واتفاقات كامب دافيد والثورة الإيرانية، مما يجعل محاسبة الزعامات المحلية أمرًا غير عقلاني. أما التيار الثاني فيحمّل اللبنانيين أنفسهم المسؤولية بسبب أنانيتهم وعدم احترامهم للقانون. ويشير المؤلف بحدة إلى أن اللبنانيين لم يطالبوا بمعاقبة المسؤولين عن المجازر الطائفية في القرن العشرين، على عكس ما حدث في القرن التاسع عشر عندما أثاروا قضية معاقبة مرتكبي المذابح، وأصدر مجلس النواب عام 1991 قانون عفو عام عن الجرائم التي حصلت بين 1975 و1990، دون أي احتجاج يذكر.

يدقق المؤلف في التشابك بين العامل الخارجي والداخلي، ويقدم أمثلة تاريخية معقدة. فهو يرى أن التطور غير المتوازن للطوائف اللبنانية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتأثير القوى الخارجية: ففرنسا ركزت جهودها على الطائفة المارونية، بينما شجّع الباب العالي الطائفة السنية لمواجهة النفوذ الفرنسي، ثم جاء دور "التطوير" للطائفة الشيعية في عهد شاه إيران وما تلاه من ثورة إيرانية. ويضرب مثالًا على الشرخ الداخلي في الطائفة المارونية، والذي يُعزى جزئيًا إلى الانفتاح على أوروبا ومجمع اللويزة، حيث انقسمت الطائفة بين تيار منفتح على روما وتيار متمسك بالجذور الشرقية السريانية، وهو شرخ تحول لاحقًا إلى شرخ سياسي حاد انعكس في مواقف القوات اللبنانية والرهبانية المارونية. ويرى المؤلف أن هذا النمط من التشابك هو ما أدى إلى انزلاق البلاد إلى الفتنة الطائفية الكبرى، حيث تحولت القضية الفلسطينية إلى جزء من اللعبة السياسية-الطائفية الداخلية، كما يلاحظ دخول فئة جديدة إلى الحلبة السياسية بعد الحرب: رجال المال وأثرياء النفط، الذين استخدموا ثرواتهم الطائلة، كما في مشروع إعادة إعمار بيروت، لتغيير بنية البلاد وهويتها، واصفًا ذلك بأنه "متابعة للحرب باستعمال الاقتصاد والمال".

في تحليله لعقلية أهل الحكم، يستند المؤلف إلى التاريخ ليؤكد أن هذه العقلية هي "إفراز تاريخي" لنمط سلبي من التشابك بين الداخل والخارج. ويشير إلى أن نظام المقاطعات الأميرية في جبل لبنان، والذي كان قائمًا على توزيع غير طائفي للسلطة، انهار مع سياسات الأمير بشير الثاني شهاب الذي استخدم العامل الطائفي والعوامل الخارجية لمصلحته، مما أدى إلى "تسييس الطوائف" وجعلها طرفًا في النزاعات الإقليمية. ويرى المؤلف أن الزعامات اللبنانية طورت منذ ذلك الحين قدرة هائلة على إنشاء خطاب سياسي "متلون" يتكيف حسب الجمهور المحلي أو الخارجي، وأنها أصبحت أسيرة "المعادلات الصعبة" بين الداخل والخارج، غير قادرة على كسرها. ويوضح أن هذا أدى إلى فشل الإصلاحات، فالنخبة المحافظة تخشى المساس بالكيان، بينما النخبة المغامرة، مثل الأمير بشير، تراهن على عامل خارجي واحد وتفشل في النهاية.

يقدم المؤلف مفهومًا مهمًا لفهم هذه العقلية، وهو "ثقافة وشوشة القناصل". يشرح أن هذه الثقافة موروثة من العهد الاستعماري، حيث كانت كلمة القناصل الأوروبيين هي الفيصل في لبنان بسبب ضعف الدولة العثمانية، وقد استمرت هذه الثقافة بعد الاستقلال. ويلاحظ، بدهشة واستغراب، أن الدولة اللبنانية لم تقيّد أبدًا تحركات سفراء الدول الأجنبية ولا علاقاتهم المباشرة بالأحزاب والمراجع الدينية، وهو ما يحظره العرف الدبلوماسي في كل دول العالم. وتُعتبر صداقة السفراء الأجانب سبب "وجاهة إضافية" للسياسيين اللبنانيين، وتُتلقى كلماتهم وكأنها "قرآن أو إنجيل"، بينما يغفل أهل السياسة أن الدول لا تعرف العواطف بل المصالح، وأن الضمانات الشفوية قد لا تتحقق أبدًا، وأنهم بذلك يظهرون "سذاجة" وعجزًا عن فهم قواعد العلاقات الدولية.

في الجزء الأخير من الفصل، ينتقل المؤلف من تحليل عقلية النخبة إلى مناقشة دور الشعب، معترضًا على التفسير السائد بين المثقفين وأهل الوجاهة بأن "الزعامات على صورة الشعب" الذي يتصف بالأنانية والطائفية وعدم النضج للديمقراطية. يرى المؤلف أن هذا الحكم "جائر وظالم" ويمثل "روحًا طبقية" وانفصالًا عن الواقع. ويؤكد، اعتمادًا على تجربته الشخصية في الاحتكاك بـ"ابن الشارع"، أن هذا الأخير ليس معاديًا للديمقراطية أو الحرية أو العدالة، بل هو توّاق للتغيير وتحسين أوضاعه المعيشية، ويضحي كثيرًا من أجل تعليم أولاده. أما سلوكه الانتهازي والطائفي، فيراه المؤلف "تكيفًا عفويًا ومنطقيًا" مع واقع لا يجد فيه دولة عادلة تحميه وتوفر له تكافؤ الفرص، حيث يُطبق القانون على الفقير فقط ولا تصل المنح إلا لأبناء الوجاهة. ويرى أن ازدراء الشعب هو في الحقيقة من صنع النخبة نفسها، ويضرب مثالًا على "الازدراء المتبادل" في الانتخابات: فالزعيم يعرض المال لشراء الأصوات معبرًا عن استخفافه بالناخبين، بينما يأخذ "ابن الشارع" المال معبرًا عن عدم إيمانه بجدوى الديمقراطية المطبقة. ويختتم المؤلف بأن الأفكار الطائفية السلبية توجد بكثافة لدى النخب المثقفة وأهل الوجاهة في "الصالونات" كما توجد لدى عامة الناس، وأن بقاءها وانتشارها هو "من مسؤولية الفئات المثقفة" أساسًا، التي فشلت في إدارة الكيان وتوجيهه، لا من مسؤولية ابن الشارع الذي لم يتح له بعد الولوج إلى العلم والمعرفة.

يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش في هذا الفصل هي تأكيد المؤلف على أن المشكلة ليست في الشعب بل في النخب الحاكمة وعقلية "التبعية" للسفراء الأجانب، وأن الإصلاح يبدأ بتغيير هذه الذهنية، وهو ما قد يعترض عليه البعض بالقول إن العوامل الخارجية الضاغطة على لبنان كانت بالفعل بقوة تجعل أي إصلاح داخلي جذري مستحيلًا، وأن وصف النخبة بالعجز وحدها قد يكون تبسيطًا مفرطًا لتوازنات إقليمية ودولية معقدة.

5.في الإصلاح السياسي127–158▼ ملخص

يطرح هذا الفصل إشكالية الإصلاح السياسي في لبنان، ويقدّم إجابة محورية مفادها أن الخلاص من الأزمة اللبنانية المستعصية لا يبدأ من إصلاح المؤسسات المركزية الكبرى أو تعديل الدستور، بل من أسفل الهرم السياسي، أي من خلال بناء ديمقراطية محلية حقيقية تقوم على بلديات فاعلة. يرى المؤلف أن الهاجس الأكبر الذي يشلّ أي إصلاح هو الخوف من زوال النظام الطائفي الذي يعتبره الكثيرون حامياً للفرد والجماعة، غير أنه يؤكد أن هذا الخوف غير مبرر تاريخياً، بل إن النظام الطائفي وتسييس الطوائف كانا من العوامل الرئيسية التي جلبت الفتن والمذابح، وحوّلا العيش المشترك الطبيعي إلى معاناة دائمة.

يبدأ المؤلف بتفكيك الالتباس الفكري بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد. يوضح أن الطائفة يجب أن تبقى إطاراً روحياً واجتماعياً للفرد، وليس جسماً سياسياً. فحين تتحول الطائفة إلى كيان سياسي، تصبح الحقوق الفردية رهينة لمكاسب الزعماء، وتتقلص الحريات الشخصية، وتختلط المسؤوليات فيصعب تحديد من يخطئ ومن يصيب، ويُعتبر معارضو الزعيم خونة لطائفتهم. وينتقد المؤلف ما يسميه "الفيدرالية المشوهة" الناتجة عن توزيع السلطة طائفياً، فهي لا تشبه الفيدراليات الحقيقية، لأن المواطن العادي لا يشارك في إدارة شؤون طائفته التي يستأثر بها رجال الدين والأعيان، ولا يملك أي مرجع للشكوى عند تجاوزات سلطاتها.

ينتقل المؤلف بعدها إلى طرح شعاره الأول: "لا للفيدرالية نعم للبلديات". يرفض الفيدرالية لأن الخلافات اللبنانية الجوهرية هي حول السياسة الخارجية والدفاع، وهي من اختصاص الدولة المركزية في أي نظام فيدرالي، كما أن تعقيداتها الإدارية غير مناسبة لدولة صغيرة مساحتها 10,452 كم² وعدد سكانها حوالي 3.5 ملايين. يرى أن جوهر المشكلة هو غياب التنظيم البلدي الديمقراطي، فهو الذي يجعل النائب يمارس مهام مختار ورئيس بلدية بدلاً من الاهتمام بالشأن الوطني، لأنه الوحيد القادر على تلبية حاجات المواطنين المحلية. ويؤكد أن إصلاح الدولة مستحيل دون بناء مؤسسات الديمقراطية المحلية، التي تُعد المدرسة الحقيقية لتكوين مواطن ناضج يعرف كيف يطالب بحقوقه ويحاسب مسؤوليه. ولتحقيق ذلك، يقترح خطوة أولى لفصل الطوائف عن الدولة وهي فرض ضريبة بلدية يخصص محصولها لتمويل شؤون الطوائف الدينية والاجتماعية، شريطة أن يوافق عليها المجلس البلدي المنتخب، مما يمنح المواطنين لأول مرة دوراً فعلياً في دعم طوائفهم ومراقبة إنفاق أموالهم.

أما الشعار الثاني فيتمثل في "لا لرئيس منتخب من المجلس"، ويقترح المؤلف انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب على مرحلتين، على غرار النموذج الأمريكي. يبرر ذلك بأن رئيس الجمهورية، بصفته رمز السيادة، يحتاج شرعية شعبية كاملة، فانتخابه من المجلس النيابي، الذي هو نفسه ناقص التمثيل، يجعله أسير التوازنات الطائفية والإقليمية. كما أن انتخابه من الشعب يحرره من مهمته المستحيلة المتمثلة في تمثيل طائفته وتمثيل الوطن في آن واحد، وهذا الدور المزدوج كان مصدر أزمات دستورية حادة. في المرحلة الأولى من الانتخاب، يجب على المرشح الحصول على حد أدنى من الأصوات في كل قضاء ومنطقة، مما يستبعد المرشحين الطائفيين الذين لا يستطيعون كسب تأييد واسع خارج طائفتهم. وفي المرحلة الثانية، يتنافس المرشحان الحاصلان على أعلى الأصوات، مما يفرض عليهما تقديم برامج وطنية واضحة والابتعاد عن الخطاب الطائفي والتواصل المباشر مع الشعب بدل الاكتفاء بزيارات القناصل والزعماء، فيكشف هذا النظام عن زيف الشخصيات الطائفية ويمنع هيمنة المال على العملية الانتخابية.

في الشأن التشريعي، يدعو المؤلف إلى "نعم للمجالس الموسّعة عددياً"، معتبراً أن العدد القليل من النواب الذي يصل حالياً إلى 118 نائباً يكرس حكم الأعيان والعائلات والزعامات الطائفية. يرى أن كثرة الآراء في المجتمع اللبناني، وغياب الأحزاب المنظمة، يستدعيان توسيع عدد النواب لتمثيل كل التيارات الفكرية. كان استبعاد الأحزاب العقائدية العلمانية كالحزب الشيوعي أو القومي السوري الاجتماعي من المجالس النيابية سبباً في زيادة تطرفها، بينما فتح المجال أمامها قد يلزمها بتهذيب خطابها وتكييفه مع مصلحة الوطن. ويستشهد بتجارب دول أثبتت أن إشراك كل التيارات في العملية الديمقراطية يجعلها أكثر اعتدالاً، لكنه يحذر من خطر سيطرة حزب عقائدي على السلطة عبر الانتخابات في ظل أزمات حادة كما حصل في الجزائر عام 1991، لكنه يرى أن وضع لبنان مختلف. ويشدد على ضرورة وضع ضوابط صارمة لمنع هيمنة المال على الانتخابات، كتحديد سقف الإنفاق الانتخابي، وتنظيم الإعلام والدعاية.

يتطرق المؤلف إلى قوانين الأحوال الشخصية الطائفية ويرفض فرضها قسراً، مقترحاً شعاراً بديلاً: "لا لقوانين الأحوال الشخصية الطائفية المطبقة حكماً، نعم لحرية الاختيار بين قانون مدني وآخر طائفي". يشير إلى السجال العقيم بين الزعامات الإسلامية التي تطالب بإلغاء الطائفية السياسية، والزعامات المسيحية التي تشترط إلغاء قوانين الأحوال الشخصية الطائفية، معتبراً أن هذا الحوار "حوار طرشان". يوضح أن مواقف الطرفين غير صادقة، فالكنائس الشرقية متمسكة بمحاكمها الروحية، وبعض المسلمين يتجاهل أن ملايين المسلمين يعيشون في بلدان تطبق قوانين مدنية. يقترح حلاً وسطاً عملياً يتمثل في قيام الدولة بسن قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، على أن تتحول قوانين الطوائف إلى أنظمة خاصة بها. ويُفسح المجال لأي مواطن راشد يريد الالتزام بقوانين طائفته أن يطلب ذلك رسمياً عبر دوائر تسجيل النفوس، مما يضمن حرية المعتقد ويحمي الدولة من التبعية للطوائف ويعزز هيبتها كدولة ديمقراطية تحترم خصوصيات مواطنيها.

يقرّ المؤلف بأن هذه الاقتراحات تواجه عقبات كبيرة، أبرزها الخوف من المجهول والهواجس الطائفية العميقة، ويشير إلى غياب الإحصاءات السكانية الدقيقة، فآخر تعداد سكاني يعود إلى عام 1932، خوفاً من إثارة مشاكل طائفية، مما يشكل حلقة مفرغة أخرى. ومع ذلك، فهو على قناعة بأن البدء بتطبيق هذه المبادئ، كالديمقراطية المحلية وانتخاب رئيس الجمهورية من الشعب، سيكسر هذه الحلقات المفرغة، ويؤسس لنظام ينتقل من منطق "حقوق الطوائف" إلى منطق "حقوق المواطن" ومساهمته المباشرة في تقرير مصيره، مما سيطمئن جميع القلقين من المساس بالنظام الطائفي ويؤهل البلاد لمستقبل أفضل.

6.في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي159–190▼ ملخص

يطرح هذا الفصل قضية الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، معتبراً أنها أكثر تعقيداً وإثارة للجدل من الإصلاح السياسي، بسبب ما يصفه المؤلف بـ"المقدسات والمسلمات الخاطئة" التي ترسخت في أذهان النخبة اللبنانية. يرى المؤلف أن هذه الأفكار، التي تعود جذورها إلى فكر ميشال شيحا، تقوم على إبقاء الدولة بعيدة عن التدخل الاقتصادي، وتحويل بيروت إلى مركز تجاري ومصرفي إقليمي، متجاهلةً التاريخ الاقتصادي الحقيقي للبلاد الذي كان قائماً على الزراعة والحرف.

يستعرض المؤلف التطور التاريخي للاقتصاد اللبناني، مشيراً إلى أن انفتاح جبل لبنان على أوروبا في القرن الثامن عشر ومنافسة المنتجات الأوروبية أديا إلى تفكك المرتكزات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما هيأ لنشوب الفتنة الطائفية بين 1840 و1860. يوضح أن هذا التفكك خلق تطوراً غير متكافئ بين الطوائف، حيث استفادت الطوائف المسيحية من التعليم والأنشطة التجارية، بينما بقيت الطوائف الإسلامية تحت هيمنة الإقطاع، وهو ما عمّقه الانتداب الفرنسي. يربط المؤلف هذا التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بالنظام التربوي المنقسم بين مدارس فرنسية وأخرى إسلامية، مما عزز التشتت بين الطوائف.

ينتقل المؤلف إلى تجربة الرئيس فؤاد شهاب الإصلاحية، التي استندت إلى دراسة الأب لويس لوبريه، والتي كشفت عن تفاوت كبير في الدخل وتركيز النشاط الاقتصادي في بيروت بنسبة تتجاوز سبعين بالمئة. يشرح كيف واجه النظام الشهابي عداءً من التجار والزعماء الإقطاعيين، ولم يتمكن من متابعة نهجه الإصلاحي، مما أدى إلى زوال "المناعة النسبية" التي كانت تحمي البلاد. يشير المؤلف إلى أن الحركات الاجتماعية والنقابية التي سبقت الحرب الأهلية، والتي استندت إلى تقرير لوبريه، قد انحرفت عن مسارها الصحيح عندما ارتبطت بالعوامل الطائفية والإقليمية.

يحلل المؤلف بعمق ظلم النظام الضريبي اللبناني بوصفه استكمالاً للنظام الطائفي، فيشير إلى أن قانون السرية المصرفية يسمح للأثرياء بالتهرب من دفع الضرائب، بينما يتحمل الموظفون والعمال الاقتطاع الشهري من رواتبهم. يضرب مثالاً على ذلك من تجربته الشخصية كخبير في وزارة المالية في الستينات، حيث لاحظ أن بعض كبار التجار وأصحاب المهن الحرة يصرحون بدخل أقل من أصحاب المحلات الصغيرة. يخلص المؤلف إلى أن هذا النظام الضريبي غير العادل يحرم الدولة من الموارد اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية، ويخلق جوًا من التململ الاجتماعي.

يتناول المؤلف ما يسميه "الحلم بجعل لبنان مونتي كارلو"، وينتقد بشدة هذه الفكرة التي يعتبرها ضرباً من الخيال لا يتناسب مع واقع لبنان. يقارن بين ظروف مونتي كارلو أو هونغ كونغ أو سنغافورة وظروف لبنان والمنطقة العربية، مشيراً إلى أن هذه النماذج نجحت بفضل ظروف صناعية ومالية خاصة غير متوفرة في لبنان. يرفض المؤلف فكرة أن لبنان يمكن أن يصبح مركزاً مالياً إقليمياً، لأن دول المنطقة أصبحت متطورة وتنافسية، بما في ذلك سوريا والأردن وإسرائيل التي يفوق حجم اقتصادها اقتصادات الدول العربية مجتمعة.

يقدم المؤلف مجموعة من المبادئ البديلة للإصلاح الاقتصادي، مستشهداً بالنموذج الدانمركي كنموذج يحتذى به. يؤكد على ضرورة بناء اقتصاد منتج قائم على الزراعة والصناعة بدلاً من الخدمات والمضاربات، مع التركيز على أهمية التعليم المهني والتقني. يدعو إلى توزيع متوازن للسكان والتنمية بين المناطق المختلفة، بدلاً من التركيز في بيروت والساحل، ويقترح تعزيز دور البلديات في تقديم الخدمات وإدارة الشؤون المحلية، مع إصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة وشمولية. أخيراً، يشدد المؤلف على ضرورة مكافحة الفساد الذي ينتشر بشكل هرمي في الدولة، ويطالب بإعادة النظر في قانون السرية المصرفية الذي يحمي الأموال غير المشروعة، ويؤكد أن النظام الرأسمالي الحقيقي لا يمكن أن ينجح دون دولة قوية ونزيهة تحترم القانون وتضمن تكافؤ الفرص.

7.في العلاقة مع سوريا، (بمثابة ملحق)191–204▼ ملخص

يتناول هذا الفصل الملحق العلاقة بين لبنان وسوريا، لكنه لا يعالجها كقضية مستقلة بذاتها، بل يضعها في إطار المرض المزمن الذي يعاني منه الكيان اللبناني كما وصفه المؤلف في الفصول السابقة. فالمؤلف، جورج قرم، يرى أن المشكلة الأساسية ليست في الوجود السوري بحد ذاته، بل في العجز التاريخي للزعامات اللبنانية عن بناء دولة مستقلة وحقيقية، وفي النظام الطائفي الذي يكرّس هذا العجز. هو يذهب إلى أنه حتى لو انسحبت القوات السورية بالكامل، فإن المشكلة الجوهرية ستبقى قائمة لأنها تكمن في البنية السياسية والذهنية التي تحكم لبنان.

يبدأ المؤلف بتوضيح سبب إرجاء هذا الموضوع إلى نهاية الكتاب، وهو ليس لأهميته القصوى كما يعتقد اللبنانيون، بل لأنه نتيجة حتمية للأمراض المزمنة التي يعاني منها الكيان. ويشير إلى أن السلوك اللبناني في ظل الوجود السوري يثبت هذه الفرضية، فبدلاً من التفكير في كيفية بناء الاستقلال بعد خروج سوريا، ينشغل الزعماء بالتردد المستمر بين بيروت ودمشق لحل الخلافات الداخلية، مما يفقد المواطن الثقة بوطنه ومستقبله. ويستعرض المؤلف المواقف اللبنانية المختلفة تجاه الوجود السوري، فمنهم من يراه أمراً واقعاً لا يمكن تغييره بتوافق إقليمي ودولي، ومنهم من يعتبره ضمانة لوجود لبنان في مواجهة إسرائيل، وبعضهم يدعو إلى اتحاد فيدرالي أو سوق اقتصادية مشتركة مع سوريا، لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المؤلف يبقى معلقاً: لماذا وصلنا إلى هذا الوضع، وماذا سنفعل عندما تتغير الظروف الإقليمية أو الداخلية في سوريا؟ هل سنعود لنستنجد بالقوى الخارجية كما حدث في الماضي؟

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تحليل العوامل الموضوعية التي أدت إلى الوجود السوري في لبنان، ويحددها في ثلاثة عوامل رئيسية: اعتماد الزعامات اللبنانية التاريخي على الاستنجاد بالخارج في نزاعاتها الداخلية، وتطورات الصراع العربي-الإسرائيلي في الستينات والسبعينات وما نتج عنه من وهن الدولة اللبنانية، وأخيراً قوة النظام في سوريا وقدرته على فرض وجوده إقليمياً. ويذكر أن سوريا دخلت لبنان عام 1977 بموافقة أمريكية، ثم تغير الموقف الأمريكي لاحقاً، وعادت أمريكا عام 1990 لتثبيت الوجود السوري بهدف تأمين دعم سوريا في حرب الخليج ضد العراق. ويخلص المؤلف إلى أن اتفاق الطائف، الذي كان يهدف في الأصل إلى تنظيم إعادة انتشار القوات السورية ومن ثم انسحابها، تحول إلى أداة لتثبيت الحماية السورية على لبنان.

يحلل المؤلف العوامل الذاتية في العلاقة المتوترة بين البلدين منذ الاستقلال، معتبراً أن فرنسا عملت على تأجيج الخوف المسيحي من سوريا وتقسيم الولايات السورية لضمان نفوذها. ويشير إلى أن سوريا عانت من عدم استقرار سياسي كبير بين الاستقلال وعهد الرئيس حافظ الأسد، بينما كان لبنان يتمتع باستقرار نسبي، مما خلق شعوراً لبنانياً بالتفوق المادي والثقافي وخوفاً من التطرف الاشتراكي السوري. ويذكر المؤلف أن القيادة السورية بقيادة حافظ الأسد أصبحت قوة إقليمية واضحة المصالح، رفضت أن تكون الساحة اللبنانية حكراً على أي قوة أخرى، وعملت على تأكيد مصالحها الأمنية والسياسية في لبنان.

يتناول الفصل بعد ذلك "المشوار" السوري في لبنان وسط تقلبات السياسات الإقليمية، واصفاً إياه بالصعب والمعقد بالنسبة لسوريا، التي واجهت معارضة داخلية وعداءً خارجياً. ويؤكد المؤلف أن القيادة السورية تقرأ الوضع الإقليمي والدولي بشكل أفضل من الزعامات اللبنانية، وتتصرف بحكمة وواقعية، وتمكنت من الحفاظ على سيادتها في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، على عكس مصر التي حصلت على سيادة منقوصة عبر اتفاقيات كامب ديفيد. وينتقل إلى قضية مصير جنوب لبنان، معتبراً أنها القضية الكبرى في العلاقة مع سوريا، وأن المقاومة في الجنوب، رغم إلهامها الأيديولوجي الإيراني، هي مقاومة وطنية بامتياز. ويذكر أن المقاومة التي واجهت القوات السورية عند دخولها كانت من تحالف المقاومة الفلسطينية والأحزاب الوطنية اللبنانية، بينما رحبت بها الميليشيات المسيحية في البداية قبل أن تنقلب عليها بعد مبادرة السادات.

يخصص المؤلف قسماً مهماً للحديث عن اتفاق الطائف، منتقداً اعتباره نصاً مقدساً أنهى القتال، ففي رأيه أن نهاية الحرب جاءت بسبب تغييرات إقليمية ضخمة، وهي انهيار المعسكر الشيوعي وانتهاء الحرب الباردة، وغزو العراق للكويت وبسط الولايات المتحدة هيمنتها على المنطقة. ويرى أن اتفاق الطائف يعيد لبنان إلى نقطة البداية، إذ يعتمد على فرضية أن المشكلة الأساسية هي بين المسلمين والمسيحيين حول توزع المناصب، وهي الفرضية التي أدخلها الاستعمار والتي كرسها الميثاق الوطني. ويشير إلى أن الاتفاق أعاد توزيع الحصص الطائفية لصالح الطائفتين السنية والشيعية اللتين خرجتا من الحرب بقوة اندفاع، مقابل انهيار نفوذ الزعامات المسيحية. وينتقد المؤلف بشدة دور الجنرال عون، معتبراً أنه لم يحسن قراءة الوضع الدولي، وشن حرباً ضد سوريا لم يكن قادراً على خوضها، وتحالف مع الميليشيا المسيحية مما أفقده صفة الزعامة الوطنية الحقيقية.

يختتم المؤلف الفصل بالتأكيد على أن قضية الوجود السوري تُستغل لتأجيل البحث في الإصلاحات الحقيقية، وأن المشكلة ليست في سوريا بل في ما ينتجه النظام الطائفي من زعامات متناحرة تحول دون إيجاد حلول حقيقية. ويشير إلى أن استغلال هذه القضية في المجال الفكري والثقافي يمنع الدخول في المسار الإصلاحي الملح، فالقول بأنه لو تُرك لبنان لشأنه لحل مشاكله هو قول غير واقعي، لأن الزعامات الطائفية نفسها هي التي تعجز عن فصل القضايا الداخلية عن الإقليمية. ويرى المؤلف أن أي دولة مجاورة كانت ستتدخل في الشؤون اللبنانية بسبب الوهن الذي يعاني منه الكيان، فالوجود السوري هو نتيجة وليس سبباً للمرض اللبناني المزمن، ومعالجته الحقيقية تبدأ من داخل لبنان نفسه.

8.لكي لا نستقيل فكرياً، (بمثابة خاتمة)205–226▼ ملخص

يطرح هذا الفصل الختامي سؤالاً جوهرياً حول إمكانية تجاوز حالة الجمود الفكري والسياسي التي يعيشها لبنان، رغم غياب أي أفق إصلاحي قريب. يبدأ المؤلف ملاحظته بأن الجوّ الإصلاحي مفقود تماماً، إذ يتوزع اللبنانيون بين من يعوّل على سوريا لحل التعقيدات الداخلية، ومن يراها العقبة الأساسية أمام أي إصلاح، وفريق ثالث يرى أن اتفاق الطائف ممتاز نظرياً لكن الممارسة الخاطئة من قبل الزعامات هي التي أفسدته. ورغم هذا الانسداد الواضح، يؤكد المؤلف أن الظروف الإقليمية غير مستقرة بطبيعتها وستتغير حتماً يوماً ما، فالمستقبل الإقليمي مجهول تماماً مهما بدا المحور الأمريكي-الإسرائيلي قوياً، والسوريون أنفسهم، مثل اللبنانيين، لا يعرفون ماذا سيحصل على صعيد المنطقة ويهمهم مستقبل نظامهم الذي أمّن لهم الاستقرار وجعل من سوريا قوة إقليمية. ويشير إلى أن القيود المفروضة لضرورات الأمن القومي في البلدين لا تمنع التفكير في الإصلاحات الضرورية، خاصة في إطار التلاحم المجتمعي الذي يعتبره ركيزة أساسية للأمن القومي لكل من البلدين معاً في مواجهة ما قد تضمره إسرائيل من شر.

ينتقل المؤلف بعدها إلى نقد حاد للتفكير الطائفي التقليدي، معتبراً أن أي جهود فكرية لإنارة طرق المستقبل لا جدوى منها إذا بقيت في هذا الإطار، فالترتيبات الطائفية مهما حاول الإنسان تهذيبها وتحقيق العدالة على أساسها لن تفيد، والجميع يشعر في قرارة نفسه أنها مؤقتة ورهن تطوّر الظروف الإقليمية. ويرفض الكلام عن إحباط المسيحيين وصراع السنّة والشيعة والسياسات الدرزية أو الأرثوذكسية بوصفه كلاماً عقيمًا مملّاً، دون أن ينفي وجود هذه الوقائع، لكنه يؤكد أنها ستبقى طائفية-إقليمية طالما لم يرتفع مستوى التفكير إلى رؤية المأساة بكل أبعادها. وهنا يوجه المؤلف أصابع الاتهام إلى مسؤولية الجيل الجديد، مشيراً بقلق إلى الجهل شبه التام لدى الأولاد بتاريخ بلدهم، فالمعرفة التاريخية التي تلقّاها الآباء والأمهات أنفسهم كانت ناقصة ومجرّأة ومليئة بالخرافات والتناقضات، وفي هذا الفراغ المعرفي كيف يمكن للجيل الجديد أن يبني مستقبلاً مختلفاً عن الماضي الغامض والأسطوري المليء بالعنف والخوف؟ ويرى أن مسؤولية ملء هذا الفراغ تقع على كل فرد، من خلال التصرف والكلام المسؤول لمساعدة الجيل الجديد على اكتساب معرفة موضوعية وتبنّي منهج فكري متوازن بعيد عن المنظور الطائفي الضيق.

يستخدم المؤلف تشبيهاً طبياً واضحاً لوصف الحالة اللبنانية، فالمعافاة المعنوية كالشفاء الطبي مسار طويل ومضنٍّ يبدأ بإيقاظ قوة إرادة الحياة في الجهاز الدماغي والنظام العصبي، ثم تتحرك قوة الإدراك العقلي تدريجياً لإعادة تدريب أعضاء الجسم جميعها، ودون تحريك هذه القوة لا يمكن الخروج من الشلل والسكون والخمول. فالخطيئة الكبرى برأيه هي الاستقالة من ممارسة الفكر والإدراك، وهي خطيئة قد تحرم الأولاد والأحفاد من مستقبل مستقر في وطنهم أو ترمي بهم في أتون الخوف من تجدد الفتن الطائفية وتشتتهم في أنحاء القارة بحثاً عن الاستقرار والكرامة خارج وطنهم. ويعود إلى فكرة أن أهل العلم والثقافة كانوا أكبر ضحية للأوضاع الصعبة التي مرّ بها لبنان على مدار القرنين الماضيين، فقد فقدوا الثقة بكيان لبنان وقدراته، وأصبح طموحهم في أحسن الحالات لا يتعدى حدود الطائفة أو العمل لتحسين شروط الحوار بين الطوائف وتأمين استمرار العيش المشترك ضمن قواعد اللعبة الطائفية كما ترسمها القوى الإقليمية والدولية. ولهذا يرى أن نهضة البلاد تتطلب المصالحة بين شعب لبنان ونخبته المثقفة للوصول تدريجياً إلى الثقة المتبادلة خارج إطار التوقعات الطائفية التقليدية، فالمشروع الوطني اللبناني لا يمكن أن يبرز خارج مثل هذه المصالحة التي من شأنها أن تؤكد نوعية جديدة من الزعامات السياسية تستقطب قدراتها من تقرّبها من شعبها والاتكال عليه بدلاً من الانغلاق على نفسها والاتكال على وشوشة القناصل وإشاعات عواصم الدول المجاورة أو النافذة دولياً.

يختم المؤلف فصله بطرح معادلة واضحة: إما أن نبقى أسرى القوالب الجامدة والسلبية وفي حالة التبعية الثقافية والسياسية المستمرة، وإما أن ندخل شيئاً فشيئاً في مسار تغييري فنصبح شعباً متماسكاً يكون له وطن نعرف كيف نبنيه حجراً حجراً وندافع عنه بصلابة. هذا الخيار برأيه هو خيار كل لبناني ومسؤولية أدبية خاصة تجاه ضميره وتجاه أولاده وأحفاده، فالعمل لتهيئة المستقبل ليس بالضرورة من باب دخول حلبة الحكم وإزاحة الحاكمين كما يتصور الكثيرون، إنما من أجل تغيير الأسس التقليدية في طريقة التفكير والنظر إلى أمور السياسة والاقتصاد خارج القوالب الجامدة التي أوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم من متاعب ومشاكل وشعور باليأس والإحباط. ولا يغفل المؤلف الإشارة إلى أن العالم الذي نعيش فيه لا يساعد على ذلك، فانهيار الأخلاق وزيادة الفساد ظاهرة عالمية، وصعوبة الحياة لمن يبقى خارج دوائر المال السهل تجعله يتجه نحو نسيان قلقه بمشاهدة برامج التلفاز وما تقدمه من مسلسلات وأفلام وأخبار مبسطة، لكنه يؤكد أن مناعة الشعوب في البلاد الأكثر تقدماً أكبر مما هي عليه عند العرب الذين يعانون من هزائم متتالية في مجابهة إسرائيل وعجز حيال بروز استعمار جديد أكثر خطورة من الاستعمار الأوروبي القديم، وكذلك إخفاق في التنمية الاقتصادية الاجتماعية الحقيقية. ويخلص إلى أن المجتمع الذي يفقد القدرة على تخيل التغيير وتحديد سبله يُسلَّم أمره لمن له مثل هذه القدرة في المجتمعات الأخرى، معرباً عن يقينه أن اللبنانيين لن يقبلوا في نهاية المطاف الاستقالة من وجودهم كشعب ناطق مفكر ذي قدرة عقلية لا تقل عن غيرهم من الشعوب، فالمصائب المتتالية في التاريخ الحديث أقعدتهم لكن حان وقت الدخول في المعافاة.

التحليل والكلمات المفتاحية