
موارنة من لبنان
يطرح كتاب «موارنة من لبنان» لحازم صاغية سؤالاً محورياً عن كيفية تكوين الزعامة السياسية المارونية في لبنان الحديث، وعن الأسباب التي جعلت هذه الزعامات، بكل تناقضاتها، عاجزة عن بناء دولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات، فتنزلق بالبلاد إلى الحرب الأهلية. يدافع المؤلف عن موقف ضمني لكنه واضح: إن المشكلة لم تكن في أشخاص بعينهم بقدر ما كانت في بنية الزعامة التقليدية نفسها، القائمة على العصبية العائلية والمناطقية والمحسوبية، والتي عجزت عن التحول إلى سياسة مؤسساتية جامعة. فالكتاب، عبر سلسلة من السير الشخصية لزعماء وسياسيين موارنة، يحاول تفكيك هذه البنية وكشف خيوطها، مظهراً كيف أن نجاحات القطاع الخاص وتوسع الاقتصاد لم يكونا كافيين لتعويض فشل الدولة في بناء مؤسساتها وتجديد إجماعها الوطني.
يسير الكتاب في حجته من خلال نماذج متعاقبة تمثل مراحل وأشكالاً مختلفة من الزعامة. يبدأ بسليمان فرنجية بوصفه نموذج الزعيم الأهلي التقليدي القابع في قريته، الذي تتحكم بعقليته علاقته المعقدة بالسلطة المركزية في بيروت، وولاؤه الصريح لعائلته وعشيرته. هذا النموذج يقابله في الفصول التالية نماذج أخرى: رينيه معوض الذي يجسد محاولة تحديث الزعامة عبر الارتباط بالسلطة المركزية، وسمير جعجع الذي يمثل انبثاق زعامة عقائدية من رحم الحرب والبيئة الاجتماعية المحتقنة، وإلياس الهراوي الذي يقدم نموذج رجل البراغماتية الصريحة والخالية من الأوهام. ثم ينتقل الكتاب إلى نماذج من زعامات المدن والريف، مثل ريمون إده الأرستقراطي الذي يمثل مرحلة ما قبل الحرب، وميشال إده المديني الليبرالي الذي يعجز عن تجاوز منطق العلاقات الشخصية، وشارل حلو الذي ينهار أمام اختبارات تاريخية مصيرية بسبب تردده وسلبيته، ليختتم بأنماط أخرى من السياسيين البراغماتيين مثل فريد سرحال وإيلي حبيقة، الذين يعكسون تحولات الزعامة في زمن الحرب وما بعدها. هذا البناء التصاعدي يقدم لوحة جدارية متكاملة للذهنية السياسية المارونية بكل تشعباتها وإخفاقاتها.
تكثر في الكتاب الوقائع والأرقام الصارخة التي تبقى في الذاكرة، خاصة تلك التي توثق للتناقض الصارخ بين الازدهار الاقتصادي والانهيار المؤسساتي في عهد فرنجية. فبينما كانت الاعتمادات المرصودة للموازنة ترتفع بين 1971 و1974 من 669 مليون ليرة إلى أكثر من الضعف، وتقفز موازنة الجامعة اللبنانية من 7.5 ملايين إلى 15.7 مليوناً، وترتفع حركة الطائرات في مطار بيروت من 8105 طائرات إلى 44 ألفاً، كانت الحكومة تشل بفعل توسيعها إلى 25 وزيراً يسخر منهم الكتاب واصفين إياهم بـ"تعاونية ساحة النجمة". ويورد المؤلف كذلك أن الرئيس فرنجية فاز بمنصب الرئاسة عام 1970 بفارق صوت واحد فقط، وأن المصاريف السرية لجهاز المخابرات الرئيسي ارتفعت إلى مليونين وأربعمائة ألف ليرة لكن لم يُصرف منها إلا الخمس تقريباً. كما تتضمن الصفحات شهادات لافتة عن نشأة سمير جعجع في بيئة بشري المعزولة وعدائها التقليدي لزغرتا، وعن حادثة مقتل النائب البشراوي وهيب جعجع عام 1930 التي تركت أثرها العميق في عائلته، وعن انتقال رينيه معوض بين مدارس داخلية قاسية صقلت شخصيته التوفيقية.
لا يتردد المؤلف في الإقرار بحدود منهجه وتحفظاته، فهو غالباً لا يقدم تاريخاً سياسياً شاملاً لمسيرة الشخصية المعنية، بل يكتفي بتقديم دراسة في الشخصية والذهنية من خلال سلوكياتها المعلنة والضمنية ولقاءاته المباشرة بها. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل الزعامات الجديدة واستمراريتها، خاصة في ظل التحولات الكبرى بعد الحرب، وحول قدرة شخصيات مثل فريد سرحال التي تجمع بين عدة هويات على التكيف. ويشير في أكثر من موضع إلى محدودية معلوماته عندما يتعلق الأمر بسياسي كتوم مثل فؤاد نفاع، واضطراره للاعتماد على مقابلات سابقة ودردشات. هذه الإشارات المتكررة إلى حدود المادة تجعل القارئ واعياً بأن الصورة المرسومة، وإن بدت مكتملة، إلا أنها انتقائية ومبنية على منظور الكاتب النقدي.
الأشخاص
الفصول(13)
1.سليمان فرنجية45–63▼ ملخص
ارتبط تاريخ الزعامة في قضاء زغرتا - الزاوية بعملية تهميش سياسي طويل وممنهج مورس على قرى "الزاوية" المحيطة بمركز القضاء، وهي العملية التي ترقى بداياتها إلى يوسف بك كرم الزغرتاوي، قبل أن يكملها زعماء آل فرنجية ومن بعدهم آل معوض ودويهي. وقد أتت هذه العملية ثمارها مع المجلس النيابي السادس في العام 1947، إذ اختفى تمثيل قرى الزاوية، وعاد ظهوره عابراً فقط مع وصول أنطوان اسطفان إلى البرلمان في 1961 على لائحة مناهضة لحميد فرنجية. ومنذ ذلك الحين، انتقلت الزعامة حصرياً إلى حميد ثم شقيقه سليمان فرنجية، بينما لم يدخل البرلمان منذ ذلك العام سوى أربعة زغرتاويين آخرين هم رينيه معوض ويوسف كرم وسمعان دويهي وتوني سليمان فرنجية. ويشير الفصل إلى أن سكان الزاوية يشكلون نصف سكان القضاء الذي بات يتمثل منذ 1970 بثلاثة نواب كلهم من زغرتا، رغم أن عائلات الزاوية مثل اسطفان والضاهر وطربيه كانت هي صاحبة التقاليد السياسية العريقة قبل ذلك، إذ كان المتصرف مظفر باشا حين يزور زغرتا في 1907 يحل ضيفاً في دار أمين بك طربيه أحد مشايخها.
يؤكد المؤلف أن انهيار العالم العثماني شكل الخلفية البعيدة لانهيار موقع الزاوية، لكن ذلك لم يمنع من ممارسة العنف الزغرتاوي ضدها، بحيث لعب القسر دوراً موازياً للتحولات الداخلية في إحداث التغيير الزعامي. ففي 1936، استحسنت سلطة الانتداب الفرنسي نقل الدوائر الحكومية من زغرتا إلى البترون، لكن المعارضة الزغرتاوية الحادة التي ترافقت مع مصادرة الوثائق وأعمال عنف وتكسير، أدت إلى استقرار الوضع على تسمية زغرتا مركزاً لقائمقامية زغرتا - الزاوية ومقراً لمحكمة صلحية. ويخلص الفصل إلى أن العهد الاستقلالي رسم النهاية السياسية للزاوية وعائلات مشايخها، وفشلت محاولات العودة الانتخابية المرتبطة بالشيخين بطرس الخوري وطانيوس الشمر. لكن أبناء الزاوية، وعلى الرغم من هذا التهميش، بادروا إلى التعايش مع المعطيات الجديدة وكانوا الأسبق إلى الانفتاح على بيروت عبر المصارف والشركات والتجارة والتعليم، خصوصاً بأموال قرية مزيارة.
أما بالنسبة لتكوين زعامة آل فرنجية نفسها، فيصفها الفصل بأنها اتسمت بميل محافظ وضعها في موقع ضدي حيال الأحزاب وفكرة الحياة الحزبية، وكذلك تجاه تقريب التمثيل السياسي من مصادره المفترضة في العلم والثروة، لأن ذلك يخل بالمقومات التي قامت عليها. يلعب الفصل على التباين بين الأخوين: فحميد فرنجية درس المحاماة وعاش في بيروت وكان جسر انتقال من الزعامة التقليدية لملاك الأراضي إلى الزعامة الحديثة بأساليب جبل لبنان، بينما كان سليمان الذي توقف عند المرحلة الثانوية في مدرسة عينطوره وعرف بحبه للريف نموذج الزعيم الأهلي الصافي الذي يفضل الابتعاد عن المجتمع المدني ومؤسساته. وقد تمخض عن هذا التكوين فهم خاص للسياسة ينعكس على علاقة زغرتا بالسلطة المركزية، فارتبط صعود حميد فرنجية برعاية رياض الصلح له الذي كان يبحث عن مقابل لزعامة كميل شمعون الصاعدة، وليس من دون دلالة أنه بينما حالف سمعان دويهي السلطة المركزية في العهد الشمعوني ورينيه معوض في العهد الشهابي، مكث حميد ومن بعده سليمان خصمين للسلطة "البيروتية" كائناً من كان المتربع في سدتها، وكأنهما يمثلان "الروح" الزغرتاوية المستعصية على الانضباط.
تفسر هذه الجفلة تجاه السلطة المركزية جانباً من معارضة قبلان فرنجية للانتداب الفرنسي، لكنها تفسر أيضاً تعاطف الزعيم الزغرتاوي مع سوريا حين تكون دمشق على علاقة متردية مع بيروت، كما انطبق ذلك على أحداث 1957 - 1958 التي بدأت بمعركة مزيارة الشهيرة، وانطبقه على سنوات ما بعد 1975. وفي المقابل، فإن لحظات الاقتراب من السلطة المركزية أو التماثل معها، تفعم الزعيم الزغرتاوي بحماسة مارونية يتردد في إبدائها الزعيم الجبلي؛ فبينما يتصرف الأخير باطمئنان إلى مارونيته غير المطعون فيها، يتصرف الأول بحدة من يريد إثبات الولاء ومنافسة الجبليين وتجاوزهم، مضيفاً عصبية نضالية مصدرها الموقف العشائري من العنف والقوة. بهذا المعنى كان حميد فرنجية كوزير خارجية في أواخر 1948 أكثر الرسميين اللبنانيين تشدداً في العلاقات الاقتصادية مع سوريا، بينما كان سليمان فرنجية كرئيس للجمهورية الرئيس الوحيد الذي تجرأ في 1975 على تكليف أمين الحافظ تشكيل حكومة وقف المسلمون جميعاً ضدها، وتجرأ في 1976 على الإتيان بحكومة عسكرية برئاسة نور الدين الرفاعي، وصبت مواقفه الشهيرة في مؤتمر لوزان في تأييد دمشق ومناهضة السياسة الأميركية والأهداف الإسرائيلية.
يتناول الفصل بعد ذلك الطريق الذي سلكه سليمان فرنجية للوصول إلى الرئاسة في 1970، وهو طريق لم يخلُ من تعقيدات. فبعد وصول فؤاد شهاب إلى الرئاسة في 1958، كان من الطبيعي أن يؤيده سليمان تبعاً لخصومته مع العهد الشمعوني، وخاض معركته الانتخابية الأولى في 1961 على رأس لائحة ضمت رينيه معوض ويوسف كرم وفازت كلها، وجيء به وزيراً للبريد والبرق والاتصال في الحكومة التي شكلها الرئيس صائب سلام. لكن منح هذه الوزارة لاحقاً لرينيه معوض الشهابي في حكومة رشيد كرامي في تشرين الأول 1961 كان كفيلاً بإفهام سيد زغرتا أن شهاب لا يستسيغ سادة المناطق، فتصالح مع الرئيس شمعون وحليفه سمعان دويهي الذي اصطحبه على لائحته في انتخابات 1964. وفي انتخابات 1968 التي رافقتها معارضة عالية للشهابية، شارك فرنجية كوزير داخلية في حكومة الانتخابات الانقلاب على السنوات الماضية ورموزها، وساهم بعد دخوله البرلمان في بناء "كتلة الوسط" التي ضمت كامل الأسعد وصائب سلام. ويشير المؤلف إلى أن وصول فرنجية إلى الكرسي الأول نجم عن تنافر مرشحي "الحلف الثلاثي" (شمعون والجميل واده) فيما بينهم وتاريخ الأحقاد الجبلية، فكان فرنجية الشمالي البعيد عن حساباتهم الأبرشية الخيار المقبول، خاصة بعد نشره مقالاً في صحيفة "النهار" بعنوان "وطني دائماً على حق" اعتبر بمثابة برنامجه، وقد فاز على خصمه الشهابي إلياس سركيس بفارق صوت واحد، ما يعكس حدة الاستقطاب السياسي.
لم تكن الظروف التي أحاطت بولاية فرنجية مما يُحسد عليه، فقد جاءت أحداث أيار 1973 لتُشعل الصراع بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية بعد اغتيال إسرائيل لثلاثة قادة فلسطينيين في بيروت، وانتهت تلك المعارك باغلاق الحدود السورية، لكن حرب تشرين 1973 لم تكن سوى هدنة فاصلة، فمع سياسة "الخطوة خطوة" الكيسنجرية انحصر جزء كبير من الصراع في لبنان الذي اندلعت حرب أهليه في 1975، أي السنة ما قبل الأخيرة من ولايته. ومع أن المؤلف يقر بأن الظرف العربي العام لا يعفي فرنجية من مسؤوليته في إدارة الدولة، إلا أن النقاد أخذوا عليه الميل الزغرتاوي الحاد؛ فريمون اده تحدث عن سيطرة الزغرتاويين على الإدارة العامة، واعترض كميل شمعون على قول منسوب لفرنجية أن زغرتا تشكل عشرة بالمئة من الموارنة، فيما تساءل كمال جنبلاط "لماذا لا تعلن زغرتا استقلالاً ذاتياً؟". وواجهت المؤسسة الرئاسية اتهامات بالمحسوبية، إذ سجلت انتخابات 1975 دخول توني فرنجية نائباً عن زغرتا وعبدالله الراسي صهر الرئيس نائباً عن عكار، وعُين صهر ثانٍ مهندساً في الجيش وثالث رئيساً لمجلس إدارة شركة انترا، وتولى زغرتاويون إدارة الكازينو والإعلام، حتى أن رئيس الجمهورية سلّم نقيب الصحافة وثيقة بتواقيع أفراد أسرته تقضي بتحويل الأموال غير الشرعية إلى النقابة.
ويخصص الفصل مساحة للحديث عن تردي أداء المؤسسات في عهد فرنجية، فبدا البرلمان مشلولاً بفعل توسيع الحكومات، إذ ضمت حكومة صائب سلام الثانية 18 وزيراً وكذلك حكومة رشيد الصلح، وارتفع عدد الوزراء في حكومة تقي الدين الصلح إلى 25 وزيراً يمثلون كل الفصائل، فسخر منهم الكتاب والمعلقون واصفين إياهم بـ"تعاونية ساحة النجمة" و"مكاناً للكلام غير المجدي". ومن أصل ستة رؤساء حكومة تعاقبوا، رفض المسلمون اثنين أحدهما عسكري، فعاشت حكومة أمين الحافظ من نيسان حتى 6 تموز 1975، وعاشت الحكومة العسكرية برئاسة نور الدين الرفاعي من أيار حتى أول تموز من السنة نفسها، ودفع ضعف الحكومة إلى فرض حالة طوارئ عامة وتسليم الجيش مسؤولية الأمن. وكشف الفصل عن تردي المؤسسة العسكرية نفسها، فبعد الحكم في قضية صفقات الأسلحة، تحدث جول بستاني رئيس الشعبة الثانية في عهد فرنجية في كتابه "أقدار وتوقعات" عن تراجع الإمكانيات، فخفضت المصاريف السرية إلى ستمائة ألف ليرة لبنانية ثم ارتفعت إلى مليونين وأربعمائة ألف ليرة لم يُصرف منها إلا الخمس تقريباً، مقارنة بسبعة عشر مليوناً لجهاز مخابرات عربي واحد، كما كُشف عن وجود 85 عسكرياً حزبياً و50 عسكرياً يتعاملون مع جهات غريبة، وعاش لبنان وصفه قيادي فلسطيني بأنه "حديقة من دون سياج".
رافق التدهور المؤسسي ضيق هامش الإجماع بين اللبنانيين، فتمحورت المطالب الإسلامية في ثلاث دعوات تتدرج من الاعتدال إلى الراديكالية: المطلب السني في "المشاركة"، والمطلب الشيعي في "ازالة الحرمان"، والمطلب الدرزي - اليساري في "الاصلاح السياسي". وبما أن هذه الدعوات كانت على مرمى حجر من مصادر التسليح، فقد أدى العزوف عن محاورتها إلى جعل الصدام المفتوح أفقاً وحيداً، إذ لم تجد السلطة أذناً صاغية للمعارضة وغلبت مشاعر المكابرة الأهلية و"رد الدين" لحلفاء كالرئيس كامل الأسعد. في المقابل، يقدم الفصل أرقاماً كثيرة تظهر تناقضاً صارخاً مع هذا التردي المؤسسي، إذ كان الاقتصاد اللبناني في توسع مضطرد خلال سنوات العهد؛ فارتفعت الاعتمادات المرصودة للموازنة بين 1971 و1974 من 669 مليون ليرة إلى أكثر من الضعف، واستقدم خبراء من صندوق النقد الدولي لتحديثها، وقفزت موازنة الجامعة اللبنانية من 7.5 مليون ليرة في 1970 إلى 15.7 مليوناً في 1974، وارتفع عدد الثانويات الرسمية من 31 إلى 58، وعدد المدرسين من 307 إلى 8 آلاف تقريباً. وتطور حجم المبادلات المالية بما أدى إلى إعادة تنشيط بورصة بيروت، وارتفعت حركة الطائرات في المطار بين 1971 و1974 من 8105 طائرات إلى 44 ألفاً، وحركة الركاب من 700 ألف إلى مليون و600 ألف، والبضائع من 8850 طناً إلى 1118471 طناً، وزاد عدد السفن اللبنانية من 57 باخرة إلى 114، ونما جهاز الموظفين في الخدمات البريدية من 1594 موظفاً إلى 2847، وارتفع عدد المشتركين في الهاتف من 17 ألفاً في 1960 إلى 71 ألفاً في 1974.
يخلص المؤلف في هذا السياق إلى أن هذا التوسع الاقتصادي الهائل لم يعد قادراً على التعايش مع الرأسمالية المطلقة للقرن التاسع عشر التي بشر بها ميشال شيحا، فبدا القطاع العام عاجزاً عن اللحاق بالقطاع الخاص وحركة استيراده النشطة، وظهرت الاختناقات في المرفأ والمطار وسائر الخدمات، وهو ما فرض الحاحاً متعدد الوجوه على الدمج بين الاقتصاد الحر ووضع "مخطط متكامل" يحول دون بقاء الافادة اللبنانية عفوية أو ظرفية. ومع أن الصناعة اللبنانية كانت في تلك السنوات أكثر ما يستحق التباهي، فقد ارتفعت الزيادة الاجمالية في قيمة الصادرات الصناعية سنة 1975 بالاسعار الحارية 50 مليون ليرة بنسبة 59.7% عن عام 1974، إلا أن المعنيين بالشأن الصناعي أبدوا تخوفهم وقرعوا نواقيس الخطر، فاعادة فتح قناة السويس وبعض الاجراءات الاقتصادية في الجوار العربي جعلت من الملح وضع خطة للتنمية الصناعية بالتعاون بين القطاعين الخاص والعام.
أخيراً، ينتقل الفصل إلى ما بعد الرئاسة، فمع نشوب الحرب الأهلية في 1975 اعتُبر الرئيس فرنجية طرفاً فيها وقُصف قصره، فانتقل إلى الكفور في فتوح كسروان، حيث ترأس جبهة الـ51 مقاتلاً مسيحياً التي عرفت باسم المكان وكانت جنين "الجبهة اللبنانية" لاحقاً. ورعى التوصل إلى "وثيقة دستورية" سورية قبلها الزعماء السنة "التقليديون"، واصاب بذلك عصافير عدة بحجر واحد، وجاء الدخول السوري في 1976 بطلب منه. لكن شهر العسل السوري - المسيحي لم يطل، فمن الاحتكاكات اليومية بين الجنود السوريين ورجال بشير الجميل إلى زيارة السادات للقدس، تبدلت الظروف وتزايدت حدة التباين مع نمو حزب الكتائب في الشمال، ومع مقتل جود البايع الكتائبي بلغ الصراع ذروته ثم بلغ ذروة أعلى في الرد الكتائبي ممثلاً بمذبحة اهدن التي ذهب ضحيتها النائب توني فرنجية وأفراد أسرته، فلم يقتصد فرنجية في الانتقام من كتائب الشمال، لكن الاجتياح الاسرائيلي ووصول بشير الجميل إلى الرئاسة أضفيا مرارة راديكالية على مواقفه، فأثر التحالف مع الرئيس رشيد كرامي لإبقاء محافظة الشمال خارج الترتيبات الجديدة، مستفيداً من بقاء القوات السورية. ومع وصول أمين الجميل الذي عُرف بموقفه النقدي من عملية اهدن، مرت العلاقة بلحظات تدهور وانتعاش، لكن الرئيس فرنجية واظب على القول إن الحل المؤقت في انتظار الحل الشامل هو انتشار الجيش السوري على كامل الأراضي اللبنانية، وعاد إلى مركز الضوء كمرشح محتمل ينتظر المرشحون قراره، فيما يرى المؤلف أن تقسيم الوظائف في عائلة فرنجية بعد مقتل توني، حيث أنيط بسليمان الصغير المهام العسكرية وبروبير نجل سليمان الثاني التعامل مع السياسي، قد تترتب عليه آثار تطال مستقبل الزعامة الزغرتاوية.
يمكن القول إن الفصل يقدم صورة مركبة وشبه متناقضة لعهد سليمان فرنجية، إذ يجمع بين توثيق التوسع الاقتصادي الكبير وتحديث المرافق من جهة، والتردي المؤسسي والانقسام السياسي الحاد من جهة أخرى، ليخلص ضمنياً إلى أن نجاحات القطاع الخاص لم تكن كافية لتعويض فشل الدولة في بناء مؤسساتها وتجديد إجماعها الوطني، وأن الزعامة الزغرتاوية بعقلية العشيرة كانت عنواناً لمرحلة صراعية بدل أن تكون حلاً لها، وهو ما يجعل الفصل مادة خصبة للنقاش حول مسؤولية الرئيس الشخصية في انهيار الجمهورية الأولى مقابل العوامل الإقليمية الخارجة عن إرادته.
2.رينيه معوض89–99▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» صورةً مفصّلة عن شخصية رينيه معوض، الزعيم السياسي البارز في زغرتا، مستعرضاً نشأته، ومسيرته السياسية، وعلاقاته المعقدة، وأسلوب حياته. الموضوع المحوري الذي يطرحه الكاتب حازم صاغية هو كيف استطاع معوض، بفضل شخصيته التوفيقية ونزعته إلى «امتصاص النزاعات»، أن يبني موقعاً سياسياً متقدماً، ليجمع بين كونه امتداداً لزعامة عائلية تقليدية وبين كونه نموذجاً محدّثاً لهذه الزعامة، مرتبطاً بالسلطة المركزية في بيروت ومصالحها.
يبدأ الفصل بتقديم جان عبيد كنموذج موازٍ أو مختلف، حيث يُظهر الكاتب براعة عبيد في بناء شبكة علاقات واسعة وضمان ولاءات من خلال اللياقات والتعازي، وبخاصة عبر الغموض الذي يحيط بأوضاعه المالية. ويُقارن ذلك بمسار رينيه معوض، ليتناول بعدها تفاصيل نشأة معوض بالعودة إلى جذور عائلته. ينتمي رينيه إلى فرع إغناطيوس معوض، وهو الفرع الأكثر تصدراً في العائلة، وقد أسس جده ميشال معوض، الذي نفاه العثمانيون إلى أزمير، نهج «سياسة آل معوض» القائمة على الصلة الوثيقة بالسلطة التنفيذية. ويشير الفصل إلى أن جده عُيّن محافظاً في عام 1920 مع قيام الانتداب الفرنسي، ومهّد الطريق لابنه أنيس معوض، والد رينيه، الذي عمل قائمقاماً واشتهر بالشدة وتطبيق القانون.
يواصل الملخص تفصيل المحطات الرئيسية في حياة رينيه معوض، المولود في زغرتا عام 1926، حيث تنقّل بين مدارس داخلية قاسية في طرابلس وبيروت وعينطورة، ثم درس الحقوق في الجامعة اليسوعية وتخرّج عام 1948. تؤكد هذه التنقلات المبكرة أثر الشخصيات الصارمة في تكوينه، من والده إلى المعلمين، مروراً بزعامة سليمان فرنجية الأبوية. ويعرض الفصل مساره الانتخابي الذي بدأ عام 1951 بالتحالف مع حميد فرنجية، ثم ترسّخ بزواجه من نيلا عيسى الخوري عام 1952، التي كان لها حضور اجتماعي نشط في زغرتا. ويتناول علاقته المعقدة مع آل فرنجية، فهي علاقة تحالف انتخابي ووفاق عائلي في زغرتا، تقابلها مواقف معارضة واستقلالية في بيروت، مدعوماً من العهد الشهابي؛ فبينما صوّت لسليمان فرنجية في الانتخابات، كان دعمه لحكومة الياس سركيس ومواقفه اللاحقة مثل انتخابه بشير الجميل وتأييده اتفاق 17 أيار، مؤشرات على هذا الانفصام بين السياسة المحلية والوطنية.
يضيء الفصل أيضاً على الجانب الشخصي لمعوض، فيصف ملامحه الهادئة والطيّبة وطريقة كلامه المتواضعة. ويُظهِر اهتماماته الثقافية الواسعة، إذ يقرأ الصحف العربية والأجنبية يومياً، ويطّلع على الأدب العالمي والعربي مثل أعمال أمين معلوف وشعر المتنبي، ويقدّر الفلسفة لـميخائيل نعيمة والموسيقى الكلاسيكية وأغاني أم كلثوم. ويكشف حواره عن شبكة علاقاته الإقليمية، وتقديره للرئيسين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر، وفهمه لعمق العلاقة اللبنانية السورية. ويعرّج الملخص على مسألة اقتصاده الشخصي، حيث ينفي معوض أن يكون رجل أعمال، ويؤكد أن دخله يأتي من المحاماة والاستشارات، ويفصّل خبرته الطويلة في رئاسة لجنة المالية النيابية منذ عام 1972.
في النهاية، يشير الملخص إلى أن الكاتب يقرّ بحدود شخصية رينيه معوض، الذي تبقى طموحاته الرئاسية المتكهن بها رهينة لعلاقته المتوترة مع زعامة فرنجية في زغرتا، في وقت يفتقر فيه إلى سلطة مركزية قوية تدعمه كما كانت تفعل سابقاً. كما يذكر الكاتب موقف معوض من قضية «سردينيا»، موضحاً أنها كانت زيارة اجتماعية لصديقه رفيق الحريري وليست صفقة سياسية كما أشيع. بناءً على النص، يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش حول أن نجاح معوض السياسي، القائم على التوفيق والاعتدال، هو في جوهره نتاج دعم خارجي من السلطة المركزية أكثر منه نتاج قوة ذاتية، مما يجعل موقفه هشاً عندما تنقلب هذه السلطة ضده أو عندما يُطلب منه منافسة زعيم منطقته القوي سليمان فرنجية على أساس قوته الذاتية فقط.
3.سمير جعجع155–169▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» لحازم صاغية مقاربة مزدوجة لشخصية سمير جعجع، من خلال رسم صورة اجتماعية ونفسية لتكوّنه، واستعراض مساره السياسي والعسكري حتى لحظة الكتابة. الموضوع المحوري هو تفكيك نشأة جعجع بوصفها نتاجاً لبيئة بشراوية محددة بتراتبياتها الاجتماعية وعصبياتها العائلية، وتحولاته من شاب متدين ومنعزل إلى زعيم حرب. يقدّم المؤلف إجابة ضمنية عن سؤال: كيف يصنع التاريخ والجغرافيا والطموح الشخصي قائداً عسكرياً عقائدياً؟ من خلال تتبع العوامل التي شكلت وعيه: الفقر، الدين، الانحياز العائلي، والصراع البلدي مع زغرتا.
يبدأ الفصل بتأسيس سياق تاريخي لنزاع طويل بين بلدتي بشري وزغرتا، يُعيده البعض إلى خلافات مذهبية قديمة حين كان أهل بشري يعتنقون المذهب اليعقوبي. ويشير الكاتب إلى أن التفوق الاجتماعي والسياسي في العهد العثماني كان لبشري، حيث كان لمقدّمها مكانة رفيعة بجانب بطريرك الموارنة، وكان لعائلاتها كلمتها في اختياره. لكن التوازن بدأ يميل نحو زغرتا أواخر القرن الماضي مع صعود شخصيات مثل يوسف بك كرم، ثم قبلان وحميد فرنجية. بلغ التوتر ذروته في محطتين: الأولى في 1856 حين أحرق البشراويون كنيسة اهدن، والثانية في صدام دموي عام 1930 قُتل فيه النائب البشراوي وهيب جعجع وحلّ محله الزغرتاوي يوسف كرم (حفيد يوسف بك)، وهو الحدث الذي سيكون له أثر عميق في عائلة جعجع. ويضيف المؤلف أن وصول سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية في 1970 كرّس زعامة الشمال المارونية في يد زغرتا، مما أذكى شعور البشراويين بالإحباط، لا سيما حين قتل البشراويون زغرتاوياً فردّ الزغرتاويون بقتل أكثر من عشرة بشراويين، وهي الحادثة التي عبّأ فيها سمير جعجع الشاب آنذاك أهل بلدته ضد خصومهم، وانفجرت التعبئة في مذبحة إهدن الشهيرة عام 1978 عند الهجوم على مقر عائلة فرنجية.
بعد هذا التمهيد التاريخي، ينتقل الفصل إلى رسم صورة النائب جبران طوق، أحد أبناء بشري، ليكون مدخلاً لفهم شخصية جعجع من خلال شاهد من بلدته. يعرض صاغية حواراً مطولاً مع طوق يكشف عن مواقفه السياسية وتصوراته، فهو نائب مستقل ينفي أي انتماء حزبي سابق، ويقول إن خصومته مع آل فرنجية قربته من الكتائب. يظهر طوق نادماً على بعض مواقفه السابقة، مثل دعمه انتخاب بشير الجميل، ويرى الآن أن لا خلاص للبنان إلا بمؤتمر دولي أميركي-سوفياتي يتناول الشرق الأوسط ككل. وعلى الصعيد الاقتصادي، وهو مجاله المتخصص، يستعرض الكاتب مقترحات طوق التي تقدم بها منذ 1975 مثل صيغة العقود الداخلية للحد من التضخم، وتسييل احتياطي الذهب الذي قدره بنحو 3 مليارات دولار لسد فواتير السلع الأساسية. كما يتحدث عن الدين العام الذي بلغ 88 مليار ليرة ويخشى من فوائده المرتفعة. يبدو طوق في مقابلته هذه متحفظاً، ويبدي دعمه للحوار مع «القوات اللبنانية» التي يمثلها سمير جعجع، ويعتبر نفسه الوحيد بين النواب الذي استطاع تفهمه وإقامة علاقة حيدة معه، رافضاً ما تردد عن مصاهرة مزعومة بين العائلتين.
أما عن سمير جعجع نفسه، فيبدأ التحليل بسرد سيرته الذاتية الأولى: وُلد في تشرين الأول 1952 لعائلة فقيرة من فرع متواضع في عشيرة جعجع، يعرف بفرع «جلحم»، وهي تسمية تعكس مكانته الاجتماعية الدنيا. كان والده فريد جعجع جندياً بسيطاً ترقى إلى رتبة رقيب، بينما كانت والدته من فرع «ماظا» الأرفع قليلاً، وقد ورث عنها تديناً عميقاً. يصف الفصل بيئته الأولى بإسهاب: بشري بيئة مارونية معزولة تقع قرب وادي قاديشا وموطن القديسين، وتميل إلى عداء الغريب حد اتهام كل مشكوك في إيمانه بـ«روم الكورة». في هذا المناخ الديني الصارم والعزلة، نشأ سمير، ثم انتقل للعيش شتاءً في عين الرمانة ببيروت، الضاحية التي امتلأت بالمهاجرين الريفيين وسادت فيها قيم انتقالية هجينة. كان شاباً جاداً ومتفوقاً دراسياً، يرتدي ملابس كلاسيكية بيضاء في زمن الموضة، ويخدم القداس كشماس بجد، حتى إن من عرفوه توقعوا له مستقبل راهب أو طبيب فقير.
يمضي المؤلف في تتبع وعي جعجع وتشكله، فبينما اختار دراسة الطب في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1972، كانت الكتائبية تمثل له إشباعاً جزئياً لنزعته الرهبانية، إذ وجد فيها مدى أوسع من العائلة والمنطقة، وخطاباً بسيطاً يستجيب لترميز بشري والأرز: الوطن صخرة وشجرة، والوطن صلابة ورجولة يهددها التحديث. يرى صاغية أن عين الرمانة وبشري كلتيهما أرضاً خصبة لهذه الكتائبية، لا سيما مع بؤس الزعامات التقليدية في بشري، وعلو كعب زغرتا، وفساد لجنة جبران خليل جبران. لكن كتائبية جعجع واجهت صعوبتين: الأولى أنه كان شاباً مؤمناً لا عنفياً في بلد يميل إلى العسكرة، وقد حل هذه الصعوبة باجتياز دورة تدريب عسكري في 1974، معتبراً أن قضية الخلاص لها الأولوية وإن تطلب الأمر الحرب. أما الصعوبة الثانية فكانت أكثر جدية: لأنه لم يجد في حزب الكتائب قطيعة تامة مع التركيبة السائدة، ورأى أن الحزب عائلي بامتياز بسبب موقع عائلة الجميل على رأسه، فكان يتململ ويهمس لأصدقائه بأن الحزب أداة بحاجة إلى تغيير. في الجامعة، دعم جعجع زميله كريم بقرادوني في صراعه ضد القيادة التقليدية للحزب، والذي نجح في تحقيق إصلاحات داخلية. وفي بشري، عُين سمير مسؤولاً عن الكتائب في 1974، وكانت هذه أول سلطة تناط به، وقد استخدمها لتفكيك نفوذ سلفه جوزيف جعجع، ابن فرع «أبو قبلان» التقليدي المخلص لـبيار الجميل، الذي اضطر إلى مغادرة البلدة نتيجة هذا الصراع.
يختتم الفصل بتحليل ثقافة جعجع الذهنية، فيكشف الكاتب أنها أقرب إلى «الحذلقة» منها إلى العمق، معتمدة على استظهار أسماء ومفاهيم كبيرة من قبيل تأثره بـتيار دي شاردان ودراسته الفلسفة على يد شارل مالك، دون أن تضيف شيئاً حقيقياً. ويورد صاغية أمثلة من مقابلة نشرتها مجلة «المسيرة» بعنوان نيتشوي «وهكذا تكلم سمير جعجع»، يظهر فيها جعجع بوصفه قائداً عقائدياً يرى أن «من لا يملك فكراً عسكرياً لا يكون فكره كاملاً»، وأن «كل ما نفعله الآن عمل سياسي» قبل بدء «الثورة». يعطي المؤلف انطباعاً بأن هذه الأفكار سطحية ومتناقضة، مستخدماً لغة ساخرة لوصف الرجل وأسلوبه في الكلام من «جلافة القبضاي الذي مر على الجامعة مر الكرام». كما يلفت إلى أن جعجع «لم يوفق في أي من مواجهاته العسكرية»، وهو حكم قيم من المؤلف يزرعه في النص.
يمكن القول إن الفصل يبني حجة متكاملة بأن سمير جعجع، بكل تناقضاته، هو نتاج حتمي لبيئته وتاريخها: بعداء بشري عن زغرتا، وتوق عائلته للانتقام لمقتل وهيب جعجع، واحباطه الطبقي كشاب من فرع «جلحم» الفقير، وتدينه الذي تحول إلى عقيدة سياسية جامدة. ويفتح الفصل مساحة للنقاش في حكم المؤلف القاطع على جعجع بالفشل العسكري وافتعال هذه الثنائية الحادة بينه وبين خصومه، فالسرد وإن بدا مبنياً على شهادات وملاحظات، إلا أنه يحمل نبرة اتهامية واضحة تنطلق من قراءة نفسية وسوسيولوجية قد تكون مكتملة الأركان في تفسير التكوين، لكنها تقطع الطريق على أي احتمال لفهم أفعال الرجل خارج هذا السياق الحتمي، وتوجز الموقف منه بعبارة بقرادوني التي ينقلها الكاتب: «القضية هي المهمة، ولو بمعزل عن الناس ولو على حساب الناس». لا يقدم الفصل أجوبة على أسئلة مفتوحة حول علاقة جعجع ببشير الجميل لاحقاً أو تطور دوره في الحرب، بل يتركها ضمنية، مكتفياً بتأطير نشأته الأولى التي يرى فيها بذور كل ما سيأتي.
4.الياس الهراوي169–179▼ ملخص
يخصّص هذا الفصل من كتاب "موارنة من لبنان" لحازم صاغية الحديثَ عن إلياس الهراوي، مقدماً إياه عبر مقابلة مطوّلة وملاحظات الكاتب المباشرة، إلى جانب استعراضٍ لتاريخ عائلته السياسي. يقدّم الفصل الهراوي بوصفه نموذجاً لرجل زحلة النمطي: صريح، مباشر، محدود الثقافة، عديم الأوهام، وبذيء اللسان أحياناً. يرسم الكاتب ملامح شخصيته من خلال وصفه لمكتبه القاحل في الأشرفية، خالٍ من اللوحات أو الزهور، ومن خلال سلوكياته التي توحي بأنه رجل لا يهتم إلا بالجوهر، وصولاً إلى تقديمه نفسه بعبارة "خلقتني يا رب" التي تعكس قناعته بذاته كما هي دون تجميل.
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى سرد تاريخ عائلة الهراوي، مشيراً إلى أن أصولهم تعود إلى بلدة بسكنتا في المتن، وقد وفدوا إلى زحلة في عام 1405 تقريباً، وتوزعوا على ثلاثة فروع: واحد استقر في زحلة (فرع إلياس)، وثانٍ في نيحا (منه النائب الراحل يوسف الهراوي)، وثالث في بعلبك. يتناول الفصل تفاصيل الصعود السياسي للعائلة، حيث خاض أفرادها معارك انتخابية عديدة في زحلة، بدءاً من يوسف الهراوي الذي فاز في انتخابات 1947، مروراً بجورج الهراوي (شقيق إلياس) الذي شغل المقعد النيابي بين 1947 و1951 وتولى الوزارة ورئاسة منظمة الزراعة والأغذية الدولية، ثم يوسف الهراوي الذي فاز في انتخابات فرعية عام 1976 لكنه توفي بعد أحد عشر شهراً. ويُظهر الفصل كيف أن هذه الخبرة الانتخابية الطويلة فضّلت في النهاية الطبيب جوزيف على إلياس في خوض انتخابات 1974 بسبب "ثورية" إلياس و"لسانه الفالت"، قبل أن يخوض إلياس انتخابات 1984 على لائحة جوزيف سكاف ويخسرها بسبب تزوير الأجهزة الشهابية، في مشهد يُظهر هزيمة سياسية مبكرة لمسار الهراوي في الوصول إلى البرلمان.
يستخدم صاغية جزءاً كبيراً من الفصل لمقارنة الهراوي بخصمه السياسي اللدود في ذلك الحين سمير جعجع. يعرض الكاتب بالتفصيل أفكار جعجع وطموحاته الثورية "الحكيم"، من خلال الاستشهاد بمقابلة مطولة نشرتها مجلة "المسيرة"، ليرسم صورة لرجلٍ يخلط بين الطموح العسكري والسياسي، ويحلم بقيادة "ثورة" تنقل المجتمع إلى حالة مثالية، ويردد أفكاراً مستعارة من تيارات مختلفة. يتهم الكاتب جعجع بأنه ذو نزعة توتاليتارية، يحتقر السياسة والتسوية ويرى في العلمنة عدواً، ويسعى لتديين السياسة وعسكرة المجتمع، وأنه وريث الوجه الأكثر تخلفاً في حزب الكتائب. في المقابل، يقدم الفصل الهراوي كنقيضٍ لهذا النموذج، فهو رجل براغماتي يفتقر إلى "الأوهام الكبرى"، ويمثل "الوجه الآخر" في زحلة.
يتقصى الفصل أيضاً الجذور التاريخية والاجتماعية لشخصية الهراوي من خلال تحليل "الروح الزحلية". يشير الكاتب إلى أن الزحليين، بمن فيهم الهراوي، يجمعهم اعتداد فائض بالنفس وهوية قوامها الشعور بالحصار والملحمية، وهو ما يفسر اهتمامهم المفرط بتاريخ مدينتهم وتفاصيلها. هذا السياق، بحسب الكاتب، يفسر جزئياً طبيعة الهراوي السياسية والاجتماعية، بصفته ممثلاً بارزاً لمدينته. ينتقل الكاتب في ختام المقطع المتعلق بالهراوي إلى الانتخابات النيابية في زحلة، مفصلاً تحالفات العائلة والمعارك الانتخابية التي خاضتها منذ منتصف القرن، وكيف أن قرار خوض إلياس للانتخابات تأجل أكثر من مرة لأسباب عائلية وسياسية، ليصل القارئ إلى لحظة خروجه السياسي الفعلي.
بعد هذا العرض، ينتقل الفصل بشكل واضح إلى السيرة الذاتية لسمير جعجع، فاتحاً ملفّاً جديداً حول نشأته وأفكاره ومسيرته. يبدأ الكاتب بسرد أفكار جعجع "الفلسفية" المستعارة وتأثره بأسماء مثل تيار دي شاردان وجبران، واصفاً إياها بأنها أقرب إلى "الحذلقة" منها إلى ثقافة رصينة، ويسوق استشهادات طويلة من مقابلته الصحفية التي تظهر تناقضاته وطموحه الثوري. ينتقل بعدها إلى تفاصيل مسيرته العسكرية، بدءاً من التحاقه بحركة الكتائب، مروراً بتحمّله مسؤولية مجزرة إهدن التي راح ضحيتها ثلاثون شخصاً، وتطوّر عدائه لبشير الجميل، ثم التحاقه بـ"القوات اللبنانية" وصراعاته الدموية للسيطرة عليها، بما في ذلك انتفاضاته المتتالية ضد إيلي حبيقة عام 1985، ووصولاً إلى إقامته دولة ظل داخل المناطق الشرقية. يختم الفصل هذه السيرة بوصف جعجع بأنه "عاشق للعنف" الذي يسعى إلى "تطهير" العالم، وبأنه رجل حالت دون نجاحه حقيقتان: أن تجربة بشير لن تتكرر، وأنه ليس بشير نفسه.
5.ادمون رزق189–199▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» لحازم صاغية صورةً مركّبة عن الحياة السياسية والاجتماعية في قضاء جزين، عبر تتبّع مسارات شخصيتين محوريتين: فريد سرحال، نائب جزين الحالي في زمن كتابة الفصل، وادمون رزق، النائب والكتائبي السابق الذي خاض غمار السياسة المحلية. الموضوع المحوري يتمثل في كيفية انتقال الزعامة السياسية في جزين من عائلات تقليدية كبيرة (آل قطار وآل كنعان) إلى وجوه جديدة، وكيف تداخلت العوامل العائلية والطائفية والخدماتية مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية في إعادة تشكيل المشهد السياسي المحلي. يقدّم المؤلف هذه التحولات عبر سرد تاريخي وسياسي، مقروناً بحوارات مع الشخصيتين، ليكشف عن آليات الصعود السياسي في منطقة لبنانية نموذجية.
يسير الفصل خطوةً بخطوة بدءاً من جذور الصراع السياسي في جزين، والتي يعود بها إلى منتصف القرن التاسع عشر. فبعد أحداث عام 1850 التي أوقعت نحو 1600 قتيل في جزين وجوارها، قام المحامي سليمان كنعان بدور الوسيط لإقناع كبار الملاكين الدروز (الجنبلاطيين) ببيع أراضيهم في جزين وشراء أراضٍ في بيروت، ليتحول هو نفسه إلى مالك كبير وزعيم للفلاحين. وقد أدى هذا الدور إلى صعود نجمه، لكنه أدى أيضاً إلى نفيه مرتين: مرة من قبل العثمانيين، ومرة أخرى من قبل الفرنسيين إلى كورسيكا، بعد مشاركته في تأييد مقررات «المؤتمر السوري» لعام 1919 ومبايعة فيصل بن الحسين. يعرض المؤلف بعدها الاستقطاب العائلي الذي هيمن على سياسة جزين طوال القرن العشرين، بين عائلة كنعان القطّارية من جهة، وتحالف العائلات الأخرى (ناصيف، المعوشي، عازار، عزيز) من جهة أخرى، والذي تجلّى في التنافس على المقاعد النيابية. ويشير إلى أن تمثيل جزين كان يتأرجح بين هذه العائلات، ففي حين مثّلها حبيب ناصيف وابراهيم عازار في مراحل معينة، استطاع مارون كنعان (نجل سليمان) دخول المجلس النيابي في مراحل أخرى، ليعكس هذا التناوب مدّ وجزر التحالفات السياسية على المستوى الوطني، خاصة بين الكتلة الوطنية والدستورية والعهد الشمعوني.
يُبرز الكاتب التحول الحاسم في هذه المعادلة مع دخول حزب الكتائب على الخط، وتحديداً من خلال الانتخابات الفرعية التي جرت في عام 1959 بعد وفاة النائب فريد قوزما. ففي هذه الانتخابات، تمكن مرشح الكتائب الدكتور بازيل عبود من إلحاق الهزيمة بمارون كنعان، بفارق يقارب مئة صوت، وبنسبة مشاركة بلغت 57 في المائة. يعلق المؤلف على هذه الواقعة بأنها مثّلت نهاية لاحتكار العائلات التقليدية للتمثيل السياسي، وبداية لصعود قوى جديدة تنبثق من خارج البلدة نفسها. ويشير إلى أن الكتائب أصبحت منذ ذلك الحين جزءاً من الحياة السياسية الرسمية لجزين، متحالفةً مرة مع جان عزيز ومرة مع كنعان، بحسب المصالح والظروف. ويصل السرد إلى ذروته مع انتخابات عام 1968، حين قرر فريد سرحال، ابن شقيقة مارون كنعان، خوض الانتخابات ضد جان عزيز بعد رفض الأخير التحالف معه. ويروي سرحال في الفصل كيف أن «انتفاضة عائلية» حدثت ضد سياسات عمّه التقليدية، فشكّل لائحة ضمّت ادمون رزق كمرشح كتائبي، ونجحت اللائحة بأكملها بفوارق ضئيلة، مما مهّد لانتقال الزعامة من جيل كنعان إلى جيل سرحال.
أما القسم الثاني من الفصل فينتقل إلى سيرة فريد سرحال الشخصية بالتفصيل، مستنداً إلى حوار مباشر معه. يصف الفصل مساره التعليمي والمهني: وُلد في جزين عام 1927، ودرس في مدارس صيدا وبيروت، وتخصص في الجراحة والتشريح في باريس حيث أنهى دراسته عام 1949. ويعرض المؤلف تنوّع اهتماماته التي تتجاوز الطب والسياسة، فهو مالك أراضٍ شاسعة، ومهتم بالزراعة العصرية وتربية المواشي، وصاحب متحف للتراث الشرقي في جزين، وعاشق للطبيعة والموسيقى الكلاسيكية العربية والغربية. يكشف الحوار عن شخصيته التي تمزج بين الطموح السياسي والانغماس في التفاصيل الحياتية، كما يعرض آراءه في القضايا السياسية اللبنانية الكبرى، مثل إصلاح النظام، والعلاقة مع سوريا، والاجتياح الإسرائيلي. يمتنع سرحال عن الخوض في تفاصيل الاتفاق الثلاثي وأحداث 17 أيار، مكتفياً بموقفه المبدئي من النفوذ، ومعلناً عن تفكيره في الترشح للرئاسة، فيما يسلط المؤلف الضوء على مفارقة كونه شخصية متعددة الهويات، متنقلاً بين عوالم مختلفة «جواً أو براً أو بحراً».
في المقابل، يقدم الفصل صورة مغايرة تماماً لشخصية ادمون رزق، الذي يصرّ على «عدم التحدث عن الماضي»، مفضلاً الكلام في الأفكار والمبادئ، وهو ما يصفه المؤلف بالنزعة الأخلاقية المتعبة. وبما أن رزق لا يقدم المعلومات عن نفسه، يلجأ الكاتب إلى مصادر أخرى ليروي سيرته. يولد رزق في آذار 1924 في جزين، وهو ابن أمين رزق الذي أسس جريدة «الحديث» اليومية. درس الحقوق وتخرّج من الأكاديمية اللبنانية عام 1946، وعمل محامياً وصحافياً في عدة صحف، ومعلماً، وكان من مؤسسي نوادٍ شبابية محلية في الستينيات. يستخدم المؤلف هذه السيرة ليشرح التحولات التي شهدتها جزين مع دخول رزق إلى حلبة العمل السياسي البرلماني في عام 1968، حيث برز كزعيم جديد معتمداً على قاعدته الشعبية في الأطراف العائلية والعشائرية التي كانت تعاني من مشكلات مثل أزمة المياه، والتي لم تجد آذاناً صاغية لدى الزعماء التقليديين. ويرى الكاتب أن صعود رزق يعكس تحولاً ديموغرافياً واجتماعياً في المدينة، التي كانت تتوسع عمرانياً وسكانياً، مما جعل الزعامات القديمة عاجزة عن استيعاب المشكلات الجديدة.
يخلص الفصل إلى أن الصراع السياسي في جزين لم يعد محصوراً بين عائلتين كبيرتين، بل أصبح ساحة مفتوحة على قوى جديدة، سواء كانت حزبية (كالكتائب) أو عائلية ناشئة (كآل سرحال وآل رزق). ويلاحظ القارئ أن المؤلف، عبر هذه السرديات المتشابكة، يحاول تفكيك مفهوم «الزعامة التقليدية» في الريف اللبناني، مُظهراً كيف تتشكل الزعامات الجديدة عبر مزيج من الخدمات الشخصية، والانتماء الحزبي، والتحولات البنيوية في المجتمع المحلي، بدلاً من الاعتماد على العراقة أو الثروة وحدها. كما يُظهر الفصل تأثير السياسات الوطنية (كمدّ وجزر التحالفات بين الشهابية والكتائبية وغيرها) على الاصطفافات المحلية، وكيف أن الانتخابات النيابية في دائرة صغيرة مثل جزين ليست سوى انعكاس مصغّر للتجاذبات السياسية الكبرى في لبنان. في المقابل، يترك الكاتب أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذه الزعامات الجديدة واستمراريتها، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي شهدها لبنان بعد الحرب، وحول قدرة شخصيات مثل سرحال التي تجمع بين عدة هويات، أو رزق الذي يرفض الماضي، على التكيف مع متغيرات المشهد السياسي اللاحق.
يمكن القول إن الفصل يقدّم مادة غنية لفهم ديناميكيات السياسة المحلية في لبنان، لكنه لا يخلو من جوانب قابلة للنقاش، ومن أبرزها طريقة تعامله مع رواية الشخصيات لذاتها، إذ يُظهر سرحال في صورة الطبيب الإنساني والوطني، بينما قد يرى البعض أن خدماتاته المجانية كانت أيضاً استثماراً سياسياً واجتماعياً محسوباً. كما أن إصرار رزق على النأي بنفسه عن الماضي قد يُقرأ كحيلة لتجنب مناقشة مواقف قد تكون مثيرة للجدل، خاصة في ما يتعلق بعلاقته بالكتائب وسجلّه أثناء الحرب. وعلى الرغم من أن المؤلف يحاول تقديم قراءة تحليلية، فإن اعتماده على الحوارات الشخصية بكثافة يجعل الملخص عرضة لتأثير انطباعات الشخصيات نفسها، مع أن هذا يمنح النص أيضاً حيوية وأصالة.
6.ريمون اده213–229▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل شخصية ريمون إده، السياسي اللبناني البارز وعميد حزب الكتلة الوطنية، محللاً تكوينه الفكري والسياسي وموقعه في الذاكرة اللبنانية. يقدم الكاتب صورة مركبة للرجل الذي يجمع بين النزاهة والجرأة من جهة، والغنج الأرستقراطي والتبسيط المفرط للأمور من جهة أخرى، معتبراً إياه "خير تذكير بلبنان القديم" ما قبل الحرب بكل إخفاقاته ووعوده.
يركز الكاتب على أن قوة ريمون إده تكمن في كونه يمثل مرحلة ما قبل الحرب برفضه للسلاح وعزوفه عن القتال وتفضيله للكلمة، مما يجعله محتفظاً بمكانة متصدرة في الذاكرة السياسية. لكن ضعفه، بحسب الكاتب، يأتي من كونه أيضاً نتاج تلك المرحلة، إذ يغفل المشكلات المستجدة والتعقيدات التي تفاقمت والتحولات الديموغرافية والطائفية والاقتصادية. يتجلى هذا في ميله إلى شخصنة السياسة وتفكيكها بتعليقات ساخرة، وهو ما لم يتغير حتى بعد انتقاله إلى باريس احتجاجاً على الحرب، رغم وجود تسعين ألفاً من اللبنانيين في فرنسا يتطلعون إلى نشاط سياسي.
يحاول الكاتب تفكيك الشخصية السياسية لإده من خلال ثلاثة شخصيات رئيسية شكلته: والده إميل إده، وفؤاد شهاب، وبيار الجميل. فمن تجربة والده المريرة، الذي عارض الاستقلال ودافع عن استمرار الانتداب الفرنسي معتبراً أن لبنان غير مهيأ له، ولقي عزلة واتهامات بالتخوين، استخلص ريمون عدة حكم: أن التزام الحقيقة النخبوي يضيق تداوله، وأن النجاح السياسي مرتبط بتقديم التنازلات، وأن "الثأر" لوالده لا يتحقق بالوصول إلى الرئاسة بل بإثبات أن النزاهة والصراحة لا توصل إلا إلى الفشل. هذه النظرة المأساوية تفسر تردده أمام النجاح السياسي الأكبر وإصراره على أن يكون "ضميراً" يعلن الحق بمعزل عن النتائج.
يدعم الكاتب هذا التحليل بدراسة الخريطة الانتخابية لإده في قضاء جبيل، مشيراً إلى أن قاعدته الانتخابية التقليدية تضم مثقفين وأصحاب سوية تعليمية ومعيشية أعلى في مدينة جبيل و"قرنة الروم" ذات الأقلية الأرثوذكسية، مقابل حلف مناهض يضم بلدة عمشيت الساحلية وشيعة الجرد بزعامة عائلة الحسيني والبيئة المارونية الجردية المهمشة. هذا الوضع الانتخابي الهش، حيث يفوز بفارق ضئيل أو يرسب كما حدث في انتخابات 1958 بفعل التدخل الشهابي، يؤكد التزامه بفكرة البرلمانية النخبوية بعيداً عن الوظيفة الخدماتية للنائب، مما جعله "الفارس البرلماني الأول" قبل الحرب، لكنه في الوقت نفسه رسم خطاً فاصلاً بينه وبين الجمهرتين الإسلامية والشعبوية المارونية.
أما خصومة ريمون إده ومفهومه عن السياسة، فيراهما الكاتب امتداداً لصراع والده مع بشارة الخوري والكتلة الدستورية. وبعد استبعاد أبناء الخوري، يجد الكاتب أن الخصم الحقيقي الوحيد الذي يستحق هذه العداء هو كميل شمعون، لكونه جبيلياً وقطباً مارونياً وقوياً وبرلمانياً ودستورياً سابقاً. لكن شمعون، بحسب الكاتب، يفتقر إلى "المبدئية" التي يشترطها إده لاستمرار الخصومة، فهو تخلى عن الدستورية وشكك البعض في عروبته ونزاهته، لذا كانت تحالفات إده معه أو عداءاته له تفتقر إلى الحماس. يخلص الكاتب إلى أن ريمون إده جامد في مواقفه تجاه خصومة لم تتجدد، فبقي أسير صراع الماضي كما بقي أسير "الحكمة الشمشونية" التي تدفعه لتغليب اعتباراته الشخصية.
7.ميشال اده241–253▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» لحازم صاغية يرسم صورة تفصيلية لشخصية روجيه اده، السياسي والمحامي ورجل الأعمال اللبناني، ويسعى إلى تفكيك مساره الحياتي وسجاله مع ابن عمه العميد ريمون اده، وصولاً إلى مشروعه السياسي لتغيير لبنان. الموضوع المحوري هو العلاقة الجدلية بين الطموح الشخصي، الانتماء العائلي، والرؤية الإصلاحية الشاملة، مع التركيز على الفجوة بين التصورات النظرية الكبرى وواقع المجتمع اللبناني الطائفي.
يبدأ الفصل بالحديث عن أصول روجيه اده في بلدة اده الصغيرة بقضاء جبيل، منحدراً من فرع الخوري داخل العائلة. ينتقل الكاتب سريعاً إلى الخلاف الشهير مع العميد ريمون اده، الذي شكك في انتماء روجيه لآل اده الحقيقيين، متهماً إياه بالانتساب لعائلة الخوري الأصغر. يورد صاغية تفاصيل هذا السجال الشخصي الذي بلغ حد الطعن بالأصول، حيث ردّ روجيه بتقديم شجرة عائلة تثبت تفرع الفرعين من جد مشترك هو بطرس اده. ويشير الفصل إلى أن روجيه اشترى قناطر في البلدة كان يُقال إن أجداد ريمون يملكونها، في إشارة رمزية إلى إعادة امتلاك الجذور. ويستعرض المؤلف الوضع الاجتماعي لقرية اده الفقيرة التي كانت على غير المعتاد في جبيل مؤيدة للعميد ريمون، بينما كانت قاعدته العامة من الفئات الأكثر تعليماً ودخلاً، ويعلل ذلك بموقع القرية القريب من عمشيت وكونها تمثل احتجاج الفقراء على بكواتها.
ينتقل السرد إلى النشأة والتعليم، فيذكر أن روجيه درس في مدرسة عينطوره ثم الحكمة، وتخرج في كلية الحقوق من الجامعة اليسوعية (القديس يوسف) عام 1954، وتدرج في مكتب المحامي فايز حداد. ومع انتسابه المبكر إلى حزب «الكتلة الوطنية»، يبرز الفصل جانبه النضالي، فيشير إلى مشاركته في التظاهرات واعتقاله عام 1961 أثناء هتافه ضد تجديد ولاية الرئيس فؤاد شهاب، وتوليه رئاسة اللجنة الطلابية في الحزب. لكن طموحه اصطدم بالعميد الذي يبدو أنه ضاق ذرعاً بنجاحه المالي والإعلامي، ما أدى إلى فصله من الحزب في أواسط 1984، بعد مساجلات إعلامية علّق عليها ريمون بقولته الشهيرة: «أرسلناه إلى أمريكا ليعمل لي، فبدأ يعمل لنفسه».
يخصص الكاتب قسماً كبيراً لمسيرة روجيه اده المهنية كرجل أعمال ومحامٍ، حيث تمكن من بناء علاقات واسعة مع شركات أميركية وأوروبية تعمل في الشرق الأوسط، وساهم في مشاريع كبرى من أبرزها بناء جامعة الرياض في السعودية، وتنقل بين فرنسا والولايات المتحدة. ويشير الفصل إلى أن انتقاله إلى العمل السياسي المباشر في واشنطن كان له ذريعة مثيرة، وهي لقاء رتبه بين العميد ومسؤول أميركي كبير سأل فيه عن قيمة لبنان فأجابه بأنه لا قيمة له. يورد المؤلف علاقاته بشخصيات دولية بارزة مثل بريجنسكي وفيليب حبيب وريمون بار، وزواجه من الأميركية أليس كنغزبري برادلي التي يصفها بأنها أجادت سبع لغات وساعدته في التفرغ لدوره العام.
أما الجزء الأكبر من الفصل فيتناول مشاريع روجيه اده السياسية التي تبلورت خلال حصار بيروت عام 1982، حين أسس حركة «لبنان المحايد» التي عرفت اختصاراً باسم «حلم»، والتي رأى فيها رداً على شروط إسرائيل، داعياً إلى حياد لبنان على الطريقة النمساوية التي تتيح البقاء في الأمم المتحدة والجامعة العربية. ولم تقتصر رؤيته على الحياد، بل امتدت إلى مشروع «مجلس التعاون المشرقي» الذي يضم لبنان وسوريا والأردن والشعب الفلسطيني، على غرار مجلس التعاون الخليجي، ليكون نواة لسوق عربية مشتركة. يشرح صاغية أن هذا المجلس يهدف إلى تكوين قوة تفاوض موحدة في وجه إسرائيل، ويُبقي على دور محوري لسوريا في أي تسوية، ويؤكد أن العصر أصبح عصر التكتلات الاقتصادية، مستشهداً في ذلك بمجموعة الفحم والفولاذ عام 1951 والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، معتبراً أن المشروع سيعيد للدينامية اللبنانية دورها في نقل الازدهار للدول المجاورة. ويلفت الفصل إلى أن المشروع يهتم بالمناطق المحرومة كالشيعة في لبنان ودروز الجبال، ويسعى لإخراج اللاجئين من المخيمات، ممولاً عبر مساعدات دولية متوقعة من اليابان والسوق الأوروبية المشتركة.
يأتي بعد ذلك عرض موجز لآراء روجيه اده في الأزمة المالية والاقتصادية اللبنانية، حيث يعزو انهيار الليرة إلى سوء الإدارة وهدر الموازنات والرشاوى، ويتعهد بمعالجة المشكلة في الأشهر الستة الأولى من حكمه إذا انتخب، رافضاً الإسراع في الخطوات خوفاً من زعزعة الأسواق، ومقارناً نفسه بالسيدة تاتشر والرئيس ريغان في جذب رؤوس الأموال. ثم ينتقل الكاتب إلى مقترحه الأبرز المتعلق بقانون الانتخاب، والذي يقوم على جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة على مرحلتين تتنافس فيهما الأحزاب وتتوزع المقاعد، مع اعتماد «كوتا» طائفية مرحلية لتوزيع الرئاسات الثلاث، إلى أن تزول الحاجة إليها. وفي إطار اللامركزية الإدارية، يقترح انتخاب هيئات المحافظات بنظام نسبي يضمن تمثيل الأقليات، ويرى أن هذا النظام قادر على إحياء تيار الاعتدال، ويؤكد في هذا السياق على ضرورة بقاء رئاسة الجمهورية للموارنة لأن الإسلام اللبناني يدرك، على حد تعبيره، أهمية هذا التقليد في إحياء لبنان ووحدته.
في الجزء الأخير، ينتقل الكاتب من عرض المشاريع إلى نقدها وتحليل شخصية صاحبها. يشير صاغية إلى أن روجيه اده يعاني أزمة الربط بين تصوره الاقتصادي العام المكتسب من التجربة الأميركية والواقع الاجتماعي اللبناني، متسائلاً إذا كان الاقتصاد وحده كافياً لحل النزاعات الطائفية، ومذكراً بأن التقدم الاقتصادي الكبير في السبعينات لم يمنع اندلاع الحرب الأهلية، الأمر الذي يجعل الحل عبر الاقتصاد أقرب إلى الطوبى التي تهرب من المشكلات الملحة كالطوائف والعلاقات اللبنانية – السورية. يصف الكاتب روجيه اده بأنه قارئ ومتابع جيد، لكنه يعاني «الأنا الفائضة» التي تطغى على حديثه وتحوله إلى وعظ وتعليم، وهو حريص على اللياقات ويحب الظهور بمظهر «أكبر من الطبيعة»، وقد خفف من شاربيه وارتدى العدسات اللاصقة حرصاً على مظهره العام. وفي ختام الفصل، يلاحظ الكاتب أن مشاريع روجيه الكبرى تبقى عملياً مجرد إيماءة ود لسوريا يتشارك فيها معظم المرشحين الرئاسيين والأثرياء منهم خصوصاً، بينما يبقى المطلوب سماع كلام أكثر راهنية وإلحاحاً في الشأن الداخلي، والانتقال من النظرة الخارجية إلى الداخلية التي تتطلب حضوراً أكبر في لبنان وتعويلاً أقل على دور الخارج.
أكثر ما يلفت في هذا الفصل هو الفجوة الكبيرة التي يرسمها المؤلف بين فخامة المشاريع السياسية الكبرى التي يقدمها روجيه اده، وبين قدرته الفعلية على ترجمتها في واقع لبناني معقد، خاصة وأن مشروع «مجلس التعاون المشرقي» و«الحياد» يرتبطان بتحولات إقليمية كبرى لا يبدو أن لبنان قادر على التأثير فيها، وهو ما يظهر بوضوح في عدم التطرق إلى العقبات الجيوسياسية التي تواجه هذه الأفكار في حينه. كما أن اعتماد الكاتب على تصريحات روجيه اده شخصياً كأساس لشرح مشاريعه، مع إضافته لتحليلاته النقدية، يجعل القارئ أمام صورة مزدوجة: سياسي طموح يقدم حلولاً هندسية للمشاكل، لكنه منفصل عن الممارسة السياسية اليومية المعقدة.
8.شارل حلو253–263▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» للكاتب حازم صاغية، صورةً مطوّلة ومعمّقة لشخصية ميشال اده، السياسي البيروتي الماروني ووزير الإعلام الأسبق، وذلك من خلال مزيج من المشاهد الحيّة والتحليل الاجتماعي والسياسي. الموضوع المحوري للفصل هو تفكيك «ظاهرة» ميشال اده كسياسي مديني بامتياز، واستكشاف منابع ليبراليته، وطبيعة علاقته بالدولة والسلطة، وكيف تكشف شخصيته وسلوكه عن مأزق أوسع لتيار سياسي واجتماعي بأكمله، هو تيار «سياسيي المدن» في لبنان.
يسير الفصل في خطّين متوازيين يتبادلان الحضور باستمرار: الخط الأول سردي شخصي، يعتمد على مشاهد ولقاءات مباشرة يرويها الكاتب عن ميشال اده، وخط ثانٍ تحليلي يسعى لاستخلاص الدلالات الأوسع من هذه المشاهد. يبدأ الفصل بمقارنة سريعة بين ميشال اده وروجيه اده (عميد الكتلة الوطنية)، حيث يظهر ميشال كشخصية مختلفة تماماً، خفيفة الظل واجتماعية، على النقيض من روجيه الذي يوصف بأنه مثقل بـ«الأنا الفائضة» ويعاني من مسافة واضحة بينه وبين محدثيه. ثم ينتقل الكاتب بسلاسة إلى رسم صورة ميشال اده الجسدية والسلوكية: وجهه الوديع، حركاته التعبيرية، احتفاؤه بالطعام والطبخ الذي يشكل هاجساً لديه يروي حوله النكات والحكايات، وسخريته الدائمة من نفسه ومن الآخرين التي تضفي على جلساته طابعاً من الفوضى المحببة. هذه التفاصيل ليست مجرد لمحات عابرة، بل هي أدوات يستخدمها الكاتب لبناء فهم لشخصية تعتمد على العلاقات المباشرة والانفتاح الاجتماعي، فميشال اده «يحكي مع الكل»، و«صحبه مع الكل»، في إشارة إلى شبكة علاقاته الواسعة التي تتجاوز الحدود السياسية والحزبية.
أما الخط الثاني فيتعمق في السيرة الذاتية والسياق العائلي. يروي الفصل أن ميشال اده (مواليد شباط 1931) درس في اليسوعية وأنهى دراسته الثانوية ثم الحقوق، وعمل محامياً في مكتبه الخاص منذ 1959. ينحدر من عائلة بيروتية عريقة، فجده لأبيه كان مترجم ولاية بيروت، وجده لأمه ينتمي لعائلة مارونية بدأت تكتسب ملامحها المدينية. ويلفت الكاتب الانتباه إلى أن ابني عم والدته، نجيب وسليم باشا ملحمه، كانا من أوائل الموارنة الذين حظوا بمناصب وزارية في الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد. يوضح الكاتب أن هذا الميراث العائلي، المتمثل في تقليد «السلك الوظيفي» في الإدارة العثمانية، هو المفتاح لفهم ليبرالية ميشال اده. فهذه الليبرالية، كما يحللها الكاتب، لم تنشأ من صراع أيديولوجي مع الدولة، بل على العكس، هي نتاج ثقافة «تمشية الحال»، التي تجيد التعامل مع السلطة الاستبدادية من خلال اللياقة والاداء الحسن و«كلام الخير»، مع إبقاء الأفكار المستنيرة في مكان منفصل عن السلطة. هذا هو جوهر «الليبرالية من دون دولة» التي يصفها الكاتب، أي ليبرالية تفتقر إلى سياج مؤسسي ونصاب واضح، وهي لذلك مرشحة للانزلاق إلى ليبرالية ضد الدولة نفسها، بحيث تُرد جميع العيوب إلى «الدولة» كفكرة مجردة، بينما تُحفظ مكانة الرموز السياسية الأفرادية التي تجمعهم بها علاقات الصداقة.
تتخلل الفصل بيانات ومشاهد دالة على هذا التحليل. يتحدث الفصل عن دخول ميشال اده السياسة «بالصدفة» عبر صداقته القديمة بـالرئيس شارل حلو، الذي اتصل به في 1968 ليدخله الحكومة لأول مرة كوزير للأنباء والبريد والبرق والهاتف في حكومة الرئيس رشيد كرامي، والتي شهدت أزمة «انترا» الشهيرة. ثم تكررت القصة في 1980 عندما طلب منه الرئيس الياس سركيس دخول حكومة الرئيس شفيق الوزان كوزير للإعلام، بينما كان ميشال في طريقه إلى الكاميرون. هذا الأسلوب، الذي يقدّم نفسه فيه كشخص غير طامح ولا يسعى إلى المنصب، هو جزء من الصورة التي يرسمها الفصل لسياسي من نوع خاص، لا يمارس السياسة كصراع على السلطة بقدر ما يمارسها كشبكة علاقات اجتماعية. نسأله عن الفوارق بينه وبين مرشحين آخرين للرئاسة فيجيب: «ما الفوارق بيننا؟ صحيح والله هذا ما لا اعرفه»، وهي إجابة تكشف عن منطق يختزل السياسة في العلاقات الشخصية، مما يؤدي إلى إفراغها من مضمونها التنافسي ورد الأمر كله إلى «صحة» الأشخاص.
يخلص الفصل إلى إطار أوسع لفهم هذه الشخصية، فهو يضع ميشال اده في سياق «سياسيي المدن» الذي يضم شارل حلو وبيار حلو وميشال شيحا وغيرهم، وهم رجال صياغة الأفكار والمواقف، الذين نظروا إلى السياسة من منصة عالية على مسافة نقدية من الجماهير. لكن ليبرالية هؤلاء، وليبرالية اده خصوصاً، تصفها بنيتها المصادرية بكونها «ذرائعية»، لأنها تقوم على التعامل مع السلطة في مكانها الاستبدادي، والأفكار في مكان آخر مستنير، دون أن تجسر الفجوة بينهما أو تحاول تغيير طبيعة السلطة. ونتيجة لهذا كله، يوضح الفصل أن نظرة كهذه تستبعد السياسي لصالح الاجتماعي، وتجعل من التنافس السياسي حدثاً لا سبيل إلى تفسيره، بل وتقود صاحبها إلى حالة من العدمية التاريخية التي تختصر ثلث قرن من التاريخ اللبناني بكلمة «مزرعة» في إشارة إلى أن الدولة لم تكن سوى مكان لنهب المال العام، وهو حكم يفتقر إلى العدالة والإنصاف في نظر الكاتب لأنه يتجاهل التطورات الإيجابية التي شهدها لبنان في تلك الفترة.
من ناحية أخرى، يذكر الفصل أن ميشال اده، مع ذلك، لديه رؤية عروبية واضحة، إذ يعتبر أن «العروبة العلمانية» هي الأقدر على كسب المسيحيين اللبنانيين ودمجهم في محيطهم العربي، ويستشهد بمواقف الرئيس السوري حافظ الأسد، خاصة قرار دخوله العسكري لبنان في 1976، كأمثلة تطبيقية على ما يعنيه بفهمه للقومية العربية. في المقابل، يوثق الكاتب بنبرة نقدية واضحة، تناقضات صاحب الشخصية، فهو الذي يصف نفسه بالقارئ النهم الذي يطالع الصحف الغربية والعربية لساعات طوال، وعلى دراية بالتراث الإسلامي، هو نفسه الذي يمتدح أربعة مرشحين للرئاسة في مجلس واحد دون أن يجد بينهم فارقاً جوهرياً، وهو الذي يردّ عيوب الحكم كلها إلى «الدولة» المجردة دون أن يسمي أحداً من رموزها الفاسدين، رغم أنهم جميعاً من «أصحابه». هذه التناقضات هي التي تبني لدى القارئ صورة شبه كاملة لرجل يعيش في مفارقة دائمة بين خطابه المتحضر المستنير، وممارسته القائمة على «تمشية الحال» اللا-سياسية، مما يجعل شخصيته نموذجاً دالاً على مأزق سياسي مديني بأكمله عجز عن بناء علاقة ناضجة مع الدولة.
أخيراً، يقرّ الفصل ضمنياً بحدود منهجه وهو يرسم هذه الصورة الذهنية لشخصية عامة، فهو يعتمد على المشاهدات واللقاءات المباشرة وروايات الصحافية مي كحالة عن آراء اده، ولا يدّعي تقديم تاريخ سياسي شامل لمسيرته أو حصر كامل لمواقفه، بل يكتفي بتقديم دراسة في الشخصية والذهنية من خلال سلوكياتها المعلنة والضمنية. الفصل مكتوب بلغة تحليلية مركّبة تمتزج بالحكايات والنكات التي يتناقلها الناس عن اده، مما يقدم قراءة ثرية لسياسي لبناني في لحظة تاريخية حاسمة، ويجعل من شخصه وسيلة لفهم تحولات أوسع في الثقافة السياسية اللبنانية، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقة النخب المدينية الليبرالية بالدولة والسلطة، وبالطريقة التي تتفاعل بها الأفكار مع الواقع والممارسة اليومية في بلد تتداخل فيه السياسة بالاجتماعي والعلاقات الشخصية.
9.ميشال الخوري263–275▼ ملخص
هذا الفصل مزدوج المحور، إذ يجمع بين تقديم ملفّين شخصيين وسياسيين لرجلين لبنانيين بارزين، هما الكاتب والمفكر ميشال الخوري والرئيس السابق شارل حلو، في محاولة لرسم صورة عامة عن نخبة سياسية وثقافية بأكملها، وعن تحولاتها وانعطافاتها في تاريخ لبنان الحديث. ولا يقدّم المؤلف إجابة واحدة بقدر ما يقدّم مقاربة نقدية في شخصيتين تمثلان مرحلتين وذهنيتين.
يبدأ الفصل بالتركيز على ميشال الخوري، مستعرضاً ثقافته الواسعة واطلاعه المكثف على الصحف والدوريات الأجنبية والمحلية، وذائقته في جمع التحف والقطع الفنية القديمة. يتوقف الكاتب عند تعريف الخوري للقومية العربية بوصفها مرادفاً للعلمانية في بداياتها، وقناعته بأن العروبة العلمانية هي الأقدر على كسب المسيحيين اللبنانيين. لكن الكاتب يوجّه سهام نقده إلى طبيعة هذه الثقافة، معتبراً أنها موسوعية الشكل، وذات طابع وظيفي يهدف إلى "إعادة ضبط المعاني" في السجالات بما يجنّب صاحبها حرارة النقاش وضراوته، ويضعه في موقع "مولّي السجال" وراعيه. ويرى المؤلف أن نعت الخوري بـ"اليسارية" نعت غرائبي لا يصح، وأنه أقرب إلى كونه نتاج بيئة صالونية سياسية محافظة.
أما القسم الأكبر من الفصل، فينتقل إلى سيرة شارل حلو وتحليل شخصيته، التي يرسمها المؤلف بعناية فائقة. يبدأ من الحادثة التي اعتذر فيها حلو عن لقاء صحفي بسبب مقال قديم اعتبره مسيئاً، ليكشف من خلالها عن سمة جوهرية في شخصيته وهي "التردد" الذي لا ينبع من حكم عقلاني على الأحداث، بل من تفاعلات داخلية وهواجس شخصية. يربط المؤلف هذا التردد بنشأة حلو، حيث فقد والده مبكراً، ونشأ في بيروت بعيداً عن مرجعية عائلته في بعبدا، فعوّض ذلك بالمحاماة والصحافة ومصاهرة الصالون البيروتي والانكباب على الثقافة الدينية، دون أن يرسّخ له زعامة سياسية صلبة. يرى الكاتب أن ثقافة حلو النابعة من هذا الافتقار، تبقى أسيرة التعميمات والمواعظ الأخلاقية، وتتأرجح بين الحس السليم والإحالة إلى إرادة الله، مما يجعل نزعته التسووية باهتة ومنسحبة من القرار، على عكس التسوية الديناميكية التي تنطلق من الواقع لمعالجة مشكلاته.
يتتبع الفصل المسار المهني لشارل حلو بدءاً من عمله في وزارة المالية، وصيرورته صحفياً في مجلة «لنفورماسيون» و«لوجور»، وتأثره بالكاتب الليبرالي ميشال شيحا الذي اعتبره أستاذه. ثم ينتقل إلى تجربته الديبلوماسية كأول سفير لبناني إلى الفاتيكان، وترؤسه لوزارات عدة، وصولاً إلى انتخابه رئيساً للجمهورية في أيلول 1964. يصف الكاتب عهده بأنه كان استمراراً للعهد الشهابي، حيث حكم قرب "الأجهزة"، ثم بدأ بالتململ تدريجياً للاستقلال عن وصايتها. ويشير إلى أن سنوات حكمه الأولى شهدت انتقالات وتجاذبات، ثم انكشفت عن كارثة بعد حرب حزيران 1967، حيث نشأت المقاومة الفلسطينية وتغلغلت في لبنان.
يحلّل المؤلف موقف حلو من التطورات الكبرى كاتفاق القاهرة، الذي يبدو أنه "عقدة حياته"، فحلو برر توقيعه بغياب الخيارات وبالضغوط الداخلية والخارجية، ويتفاخر بأنه أجّل اندلاع الحرب ست سنوات، بينما يتهم الكاتب نخبته السياسية، وعلى رأسها حلو، بالعجز عن إعادة إنتاج صيغة توافقية جديدة للمسلمين، تاركين المبادرة للتطرف الماروني والإسلامي على حد سواء، ما أدى إلى استقطاب حاد وصولاً إلى الحرب. يرى الكاتب أن تلمذة حلو على شيحا وبنوّته لشهاب وخضوعه للحلف الثلاثي كلها كانت محطات في سلبية صاحبتها عقدة ذنب دائمة.
بعد الرئاسة، يرصد الفصل أدوار حلو السياسية الأقل بروزاً، والتي كانت منسقة مع الجبهة اللبنانية، ومنها وساطته بين الرئيسين أمين الجميل وسليمان فرنجية. ويشير إلى انتخابه رئيساً للمؤتمر العام للوكالة الفرنكوفونية، وإصدار جائزة تحمل اسمه. ثم يعرض لنمط تفكيره المتواضع، حيث يدعم الإبقاء على النظام الانتخابي الطائفي، ويرى أن الحل النهائي للمشكلة الفلسطينية لن يكون إلا بالتفوق على إسرائيل في كل المجالات. ويختتم الفصل بالعودة إلى صورة حلو الجسدية والذهنية، مشبهاً إياه بنجوم عصر مضى، ومعتبراً أن حضوره يستدعي عوالم الصالونات السياسية في زمن الانتداب الفرنسي، وأن ذهنيته ما زالت أسيرة تلك الحقبة.
أخيراً، يخلص المؤلف إلى استنتاج مركزي مفاده أن شارل حلو يمثل "شيخوخة مركبة" تجمع عجز الدستورية واهتراء الشهابية ومحدودية المعارضة. وهو ينجح في تلخيص مرحلة وذهنية ونخبة بأكملها، لكن الشهادة الأهم أن هذه المرحلة وهذه النخبة كانت سبباً في فقدان الجاذبية على نطاق واسع، وفتح الباب أمام الانفجار الكبير. موقف المؤلف ليس محايداً، فهو يحمّل النخبة التقليدية، وعلى رأسها حلو، جزءاً كبيراً من مسؤولية ما آلت إليه الأمور، من خلال عجزها عن مواكبة المتغيرات وتقديم مشروع وطني جامع. الفصل إذاً ليس مجرد سيرة ذاتية، بل مقاربة نقدية لفشل نخبة بكاملها أمام اختبارات تاريخية مصيرية.
10.هنري صفير361–373▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» لحازم صاغية صورةً مركّبة لشخصيتين سياسيتين بارزتين من منطقة كسروان المارونية في لبنان، وهما جوزيف الهاشم وفؤاد نفاع، عبر مقاربة تجمع بين السيرة الذاتية والتحليل السياسي والاجتماعي لتاريخ المنطقة. الموضوع المحوري للفصل هو تفكيك العلاقة الجدلية بين الزعامات السياسية التقليدية والجديدة في كسروان، وكيف تعكس هذه العلاقة صراعات أوسع على السلطة والنفوذ في لبنان، مع التركيز على مسارات هذين الرجلين كحالتين دراسيتين. ويقدّم المؤلف مادته عبر نمط صحفي يجمع بين الحوار المباشر والملاحظة والتحليل التاريخي، ليُظهر كيف تشكّلت هويات هذين السياسيين ومسيرتهما بفعل الانقسامات العائلية والسياسية والطائفية في جبل لبنان.
يبدأ الفصل بحوار مع جوزيف الهاشم، الوزير الكتائبي، الذي يستعرض آراءه في قضايا سياسية كبرى مثل الدور السوري في لبنان، والفلسطينيين، وإسرائيل. يظهر الهاشم هنا كسياسي براغماتي يميّز بين «الاحتلال» و«الدور»، معتبراً أن لسوريا دوراً ونفوذاً عبر حلفائها ووجودها العسكري، ومؤكداً على علاقات لبنان «المميزة» معها، وهو ما سبق أن اقترح صيغة له في حوار سابق. في المقابل، يبدو أقل حماساً للفلسطينيين، إذ يرى أن لبنان وحده لا يستطيع تحمّل عبء مشكلتهم وأنه يجب توزيعه على الدول العربية. وبشأن إسرائيل، يعتقد أن المسيحيين لم يعودوا مقتنعين بأنها تعمل لصالحهم. ويخلص الهاشم في رؤيته إلى أن الحل اللبناني المنفصل عن المنطقة مستبعد، معوّلاً على تقارب القوتين العظميين حينها، ومشيراً إلى تحرك جورج شولتس كأولوية على تحرك مورفي وغلاسبي، ومتوقعاً أن تكون قمة أيار بين الجبارين محطة أساسية.
بعد هذا الاستعراض السياسي، ينتقل الكاتب إلى الخوض في شؤون الهاشم الشخصية والمثيرة للجدل، خاصة فيما يتعلق باتهامات الفساد المالي. يذكر الفصل اتهام كمال جنبلاط له ببيع المعونات، وترويج «القوات اللبنانية» لوجود مستودع في الحازمية يبيعها بالتراضي. ويورد المؤلف حواراً طويلاً دار بين زميلين من مجلة «المسيرة» الناطقة بلسان القوات وبين الهاشم حول قصة بناء «الطابق» فوق الكازينو في كسروان، حيث يروي الهاشم تفاصيل بنائه بالتدريج وبمساعدة الأصدقاء والأقارب، نافياً أن يكون فيلاًّ، ومؤكداً أنه اشترى قطعة الأرض بماله الخاص وببيع كتابه «صوت لبنان في حرب السنتين» عام 1984، وبمساعدة مالية من أخته. يُظهر هذا الحوار كيف تتحول الشؤون السياسية إلى سجالات شخصية حول النزاهة المالية، وكيف يدافع السياسي عن صورته أمام اتهامات خصومه.
يتوقف الكاتب بعد ذلك عند الجانب الثقافي والشخصي للهاشم، فيصفه بأنه سياسي يحب الخطابة والشعر العربي العمودي، وينشر دواوين مثل «قصائد مناسبات» و«ديوان مناسبات ووجدانيات». وهو يعتبر أن السياسي الناجح يجب أن يكون صحافياً، ويُظهر إعجاباً بتجربة الصحافي غسان تويني. ينتقد الهاشم الشعر الحديث ويعتبره «انقلاباً على كل المعايير الشعرية» و«مؤامرة»، مفضلاً الشعر الذي يحافظ على «الجرس والموسيقى»، ويستثني نزار قباني من هذا النقد. ويروي الكاتب حواراً بينه وبين الهاشم حول الشعر، حيث يبالغ الهاشم في تقديره لشاعر مثل عمر أبو ريشة، فيما يبدي الكاتب تحفظه على هذا التقدير المطلق، مشيراً إلى تعقيدات الحياة العصرية التي لا تستوعبها التفعيلة الشعرية.
ينتقل المحور الرئيسي للفصل بعد ذلك إلى فؤاد نفاع، وذلك من خلال تقديم إطار تاريخي واجتماعي واسع لمنطقة كسروان. يشرح الكاتب أن الصراع السياسي في المنطقة يكاد يتلخص في صراع متصل مع عائلة آل الخازن، أصحاب الأملاك الواسعة. وقد أدى هذا الصراع، الذي بدأ أواسط القرن التاسع عشر، إلى شقّ الطريق أمام وصول «العاميين» إلى السياسة وإنهاء الهيمنة الأرستقراطية. ويوضح أن كسروان تنقسم إلى ثلاث دوائر سكنى كبرى: الجرد والفتوح والساحل. في فتوح كسروان، برزت عائلة زوين كقوة مناهضة لآل الخازن، بزعامة جورج زوين ثم ابنه موريس، مع وجود زعامات بديلة مثل نعوم باخوس ولويس زيادة وفؤاد البون الذي تحول من مناصرة زوين إلى منافسته بتشجيع من الرئيس بشارة الخوري. ويشير الفصل أيضاً إلى دخول أنطون سعادة المحامي الغزيري إلى المعترك السياسي في هذه المنطقة، لكنه لم يبقَ طويلاً في الميدان.
أما في ساحل كسروان الذي يدور حول جونيه، فتظهر مدينة ذوق مكايل كمركز تجاري وصناعي مهم، حيث برزت عائلات مثل نفاع وبويز وكرم وتقلا. ويلاحظ الكاتب أن ظهور هذه العائلات في السياسة لم ينفصل عن النزاع مع آل الخازن، لكن التحولات اللاحقة وبروز أوعية سياسية جديدة مثل الحزب «الدستوري» بزعامة فريد الخازن و«الكتلوي» بزعامة كسروان، أسست لتحالفات جديدة ومتغيرة. وهكذا، توزعت خريطة القوى الانتخابية في كسروان بين زعامة آل الخازن في الجرد، وعائلة زوين في الفتوح، والصراع بين الحزبية الكتلوية بزعامة نهاد بويز والدستورية بزعامة جورج كرم وفؤاد نفاع في الساحل.
يخصص الكاتب جزءاً كبيراً من الفصل لسيرة فؤاد نفاع الذاتية والسياسية بالتفصيل. وُلد نفاع في ذوق مكايل في آذار 1926، ودرس في معهدي «الاخوة المريميين» في جونيه و«عينطورة»، وتخرج في المحاماة من جامعة القديس يوسف اليسوعية عام 1945. ينتمي إلى عائلة دستورية صغيرة العدد ولها تاريخ في الهجرة إلى أميركا اللاتينية، وقد جمع ثروته من أعمال المحاماة ومن ميراث أبيه الذي كان يملك دباغات، إضافة إلى حصص في مؤسسات مثل شركة «ميدل ايست». دخل نفاع المعترك الانتخابي لأول مرة عام 1957، لكنه لم يدخل البرلمان إلا بعد تسع سنوات، أي في 1960، وكان ذلك في البرلمان الشهابي الأول. واجه نفاع عقبات من خصومه الشمعونيين والخازنيين، ومنافسة من جورج كرم على الراية الدستورية، لكنه ظل مرتبطاً بخاليه سليم وفيليب تقلا، وزيري الخارجية الدستوريين.
يستعرض الفصل مدرسة سليم وفيليب تقلا في السياسة الخارجية، ويروي حكاية رمزية عن الفرق بين «الطربوش» و«القبعة» كتعبير عن موقفين مختلفين من العلاقة مع العرب. فسليم تقلا لبس الطربوش في مصر، بينما لبس هنري فرعون القبعة، ويعكس هذا الفرق الفارق بين «بروتوكول الاسكندرية» عام 1944 و«ميثاق الجامعة العربية» عام 1946. وقد أثار البروتوكول حملة من المسيحيين المتصلبين، بينما أضاف فرعون «المغتربين» إلى مهام وزارة الخارجية استجابة لمطلب مسيحي. وبعد رحيل سليم تقلا، حل محله شقيقه فيليب، الذي أصبح حاكماً لمصرف لبنان ثم وزيراً لخارجية الحكومات الشهابية، قبل أن ينتقل إلى باريس بعد حرب 1975.
على الصعيد السياسي، برز نفاع كمعارض للعهد الشمعوني ومتعاطف مع «ثورة 1958». وفي 1960، ومع دخوله البرلمان، بدأت تتوطد صداقتان مهمتان: واحدة مع سليمان فرنجية وثانية مع تقي الدين الصلح، المقرب من فؤاد شهاب. ويسعى الكاتب إلى تحليل هذه الصداقات، مشيراً إلى أن نفاع، الذي ينتمي لجبل حيث الزعامات مرتبطة بأقطاب مارونيين مثل بويز واده والخازن وشمعون وأبو شرف والجميل، وجد في الصداقة مع زعيم شمالي مثل فرنجية متنفساً يضمن له استقلاليته. كما أن الصداقة مع الصلح، ابن عم رياض الصلح، عززت اهتمام نفاع بالسياسة العربية والخارجية. ويشير الكاتب إلى أن نفاع كان وزيراً للخارجية يقرأ تقارير السفراء اللبنانيين بجدية، وهي عادة أسسها المدير العام الأول للوزارة فؤاد عمون، وساهم فيها سفراء مثل توفيق يوسف عواد وكاظم الصلح وخليل تقي الدين واميل خوري.
يتناول الفصل مسار نفاع الوزاري بالتفصيل، فيذكر أنه خسر مقعده أمام جورج كرم في 1964، لكنه عاد وفاز في 1968 ضمن لائحة تحالف مع الكتائبي لويس أبو شرف ومرشح آل الخازن إلياس وموريس زوين، وحقق أكبر عدد من الأصوات. في أيار 1972، أصبح وزيراً للمالية في حكومة صائب سلام، وأعيد تكليفه بها في حكومة أمين الحافظ القصيرة، ثم تسلم وزارة الخارجية في حكومة صديقه تقي الدين الصلح. وقبل ذلك، كانت له تجربة قصيرة كوزير للزراعة في تعديل وزاري على «حكومة الشباب» السلامية، لم تدم أكثر من شهرين. كوزير للخارجية، قام بجولة في بلدان أميركا اللاتينية، والتقى خوان بيرون في الأرجنتين، كما التقى هنري كيسنجر في الأمم المتحدة، وأخبره أن حل المشكلة الفلسطينية سيريح لبنان بقدر ما يريح الفلسطينيين، متوقعاً حرباً طويلة إذا لم يُحلّ الأمر.
يشير الكاتب إلى أن معادلة نفاع في السياسة الخارجية تجاه الفلسطينيين تقوم على مساعدتهم على نيل حقوقهم لتسريع رحيلهم ومشكلتهم عن لبنان. وقد ظهر هذا الموقف في مشادته الشهيرة مع قائد «الصاعقة» زهير محسن في قمة الرباط، حيث أصرّ نفاع على أن الأمن يجب أن يكون في عهدة السلطة اللبنانية، بينما أصرّ محسن على حق المقاومة في اقتناء السلاح الثقيل. كما برز دوره في المؤتمر الإسلامي في لاهور، حيث تولى مهمة المصالحة بين الشيخ مجيب الرحمن، مؤسس دولة بنغلادش، وذو الفقار علي بوتو رئيس وزراء باكستان، وأظهر مهارة دبلوماسية لافتة. ويذكر الكاتب أن نفاع نجح في إقامة علاقات جيدة مع السوريين، الذين كانوا يفضلون التعامل معه على التعامل مع تقي الدين الصلح، ولم تنشأ مشكلات مع دمشق أثناء توليه الوزارة.
إلى جانب نشاطه السياسي والوزاري، يقدم الفصل صورة عن جوانب أخرى من شخصية نفاع، فهو درس القانون الدستوري في معهد الحقوق في الحكمة، ودرّس في كلية الإعلام بالجامعة اللبنانية، وكان يُعرف عنه الانضباط والدقة والتحفظ، حتى أن أحد طلابه وصفه بأنه «كتوم ومتحفظ كأنه يخبّئ شيئاً». كما يسلط الضوء على حياته العائلية، فهو متزوج من زبيدة صفير التي تلتقي بها في مونتيفيديو، ولديه أربعة أبناء. ويختتم الكاتب الفصل بوصف جسدي دقيق لنفاع، مشيراً إلى قصر قامته، وارتدائه حذاءً ذا كعب عالٍ، وملامحه التي تجمع بين الحيرة والصفاء، وإيماءاته العصبية، وطريقته في الكلام التي تكرر الكلمات، وكرهه للصحافة أو خوفه منها، وإصراره الهادئ على مواقفه، وهو ما يجعل من الصعب حواره، وقد اضطر الكاتب للاعتماد على مقابلات سابقة ودردشات لجمع معلوماته عنه.
بهذا البناء، يقدم الفصل مقاربة ثرية لفهم السياسة في لبنان من خلال عدسة زعامات كسروان، حيث تتداخل السيرة الشخصية مع التاريخ الاجتماعي والصراعات الطائفية والسياسية الكبرى، ويظهر كيف أن مسارات رجال مثل الهاشم ونفاع لم تكن مجرد طموحات فردية، بل نتاجاً لشبكات معقدة من العلاقات العائلية والسياسية والمصالح، وفي قلبها جميعاً صراع دائم على النفوذ والتمثيل في منطقة تعتبر معقلاً مارونياً بامتياز.
11.ايلي حبيقة425–439▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» لحازم صاغية صورةً شخصية وسياسية لشخصيتين مارونيتين لبنانيتين بارزتين، هما السفير فاروق أبي اللمع والنائب أوغست باخوس، وذلك من خلال حوارات ولقاءات مباشرة معهما. الموضوع المحوري هو استقصاء طبائع هاتين الشخصيتين وخبراتهما ومواقفهما السياسية، باعتبارهما مثالين لسياسيين مارونيين من خلفيتين مختلفتين، الأولى أرستقراطية ديبلوماسية والثانية من الطبقة الوسطى الصاعدة عبر العمل البلدي.
يبدأ الفصل بالحديث عن فاروق أبي اللمع مستعرضاً تجربته كسفير للبنان في فرنسا خلال فترة الحرب اللبنانية، فيذكر حادثة سقوط مبنى «الدراكار» الذي قضى فيه خمسون جندياً فرنسياً، واستقباله شتائمَ من أهالي القتلى في حفل رسمي رغم وجود الرئيس ميتران. ويشير إلى التهديدات والعبوات التي كانت توضع عند مدخل السفارة، وانتهاءً بحادثة Georges Ibrahim Abdallah، وإصرار الرئيس كرامي على نقل القنصلية لتوفير النفقات. ومع ذلك، يُظهر أبي اللمع حنيناً لأيامه في باريس، حيث كانت السفارة بيتاً لكل اللبنانيين المتنازعين، مؤكداً أنهم كانوا يتحدثون عن «الصيغة اللبنانية» لا عن الطوائف. وينتقل الكاتب إلى رسم صورة شخصية لأبي اللمع، فيصفه باللاعب والراقص الماهر، صاحب النكتة واللسان السليط، ويكشف عن فلسفته الواقعية القاتمة التي تخفيها لغته العامية البذيئة، فهو لا يؤمن بالكلمات الكبيرة ولا بتمجيد الشعب، ويراها كلها «هباء»، معتبراً أن الجميع أمام «مطحنة تاريخية لا ترحم».
يتناول الكاتب بعد ذلك بيت أبي اللمع في الأشرفية وأثاثه الذي يجمع تحفاً من عصور مختلفة، ويحلل شخصيته بوصفه قريب الشبه بالممثل ديفيد نيفن، فهو الأنيق الذي يخفي سراً. ثم ينتقل إلى أفكاره السياسية، فيرى أن الولاء للوطن ناقص وأن الولاء كله للزعيم والطائفة، ويدعو إلى «التربية المدنية» كخطوة أولى للتحديث السياسي، وإلى «اللامركزية» الإدارية. وهو كأرستقراطي يرفض «الديمقراطية العددية» ويصر على تطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟»، وعلى بقاء رئاسة الجمهورية للماروني كضمانة. وفي مواقفه العربية، يظهر أبي اللمع متحمساً للانتفاضة لكنه يحمّل الفلسطينيين مسؤولية ما حل بلبنان، وهو من جهة أخرى يرى أن سوريا هي «عمق لبنان» ويؤكد عزمه على التوجه إلى دمشق وسؤال الرئيس الأسد عن مطالبه، كما يكشف عن إعجابه بجمال عبد الناصر وأنطون سعاده وبقراءته لسير الأبطال، ويختم بالحديث عن ذائقته الفنية والأدبية التي تميل إلى العروبة وتكره التيارات الغربية.
أما القسم الثاني من الفصل فينتقل إلى شخصية أوغست باخوس، نائب المتن الشمالي، ويؤكد الكاتب أن مسيرته السياسية هي مثال على «طريق البلديات إلى السياسة»، فنجاحه كرئيس لبلدية البوشرية كان مدخله إلى البرلمان. يصف الكاتب تطور البوشرية من قرية يضرب بها المثل لكثرة البعوض إلى منطقة عمرانية وصناعية مزدهرة، لتصبح ميزانية بلديتها ملايين الليرات. ويشير إلى أن باخوس ظل رئيساً للبلدية من عام 1947 حتى 1963، وأنه فاز في انتخابات 1947 على لائحة عهد الرئيس شمعون. ينتقل الكاتب إلى أصول عائلة باخوس الممتدة من الحدث والشمال إلى طرابلس وبيروت ومصر، ويذكر عدداً من أفرادها البارزين، كما يصف والده الطبيب قيصر باخوس، ويتناول ظروف نشأته في كنف والدته بعد وفاة أبيه.
يستعرض الكاتب مسار باخوس السياسي، فبعد تخرجه من مدرسة الحكمة وكلية الحقوق اليسوعية، عمل في مكتب النقيب أدمون كسبار، وكان دستورياً متحمساً ومقرباً من أميل لحود، ومتعاطفاً مع العلمانية التي يرى فيها امتداداً للشهابية والدستورية معاً، فشارك في تأسيس «الحزب الديمقراطي العلماني» و«الكتلة المستقلة» و«تجمع النواب الموارنة المستقلين». يذكر الكاتب خوض باخوس انتخابات العام 1968 وفوزه فيها بعضوية لائحة ضمت أمين الجميل وفؤاد لحود، وجميعها أحزاب كانت متحالفة ضد «الكتلة الوطنية». وفي البرلمان، يُظهر باخوس نزعة موالية للحكومات المتعاقبة، ويشرح الكاتب اقتراعه التاريخي للشيخ بشير الجميل للرئاسة، معتبراً ذلك عن قناعة وليس خوفاً. كما يبرز وساطاته بين الشيعة والمسيحيين في بداية الحرب، وتأييده لـ«الاتفاق الثلاثي»، بينما يكشف عن إعجابه بحافظ الأسد ورؤيته بأن إسرائيل هي العدو المشترك وأن التعاون مع سوريا مصلحي.
يختتم الكاتب الفصل بعرض آراء باخوس الإصلاحية التي تشمل اللامركزية الإدارية الواسعة وإلغاء القائمقامية، ودعمه للنظام الإنجلو-ساكسوني، ودعوته لقانون انتخابي يقوم على البطاقة الواحدة، مع إيمانه بالحد من صلاحيات رئيس الجمهورية وجعله حكماً وقائد أوركسترا. ويشير إلى موقفه من إلغاء الطائفية السياسية الذي يراه مشروطاً بقانون موحد للأحوال الشخصية، ويختم الكاتب بوصف مظهر باخوس، الرجل الطويل ذي الجسم الرياضي والشعر الأبيض القليل، وصوته الحاد، ونزاهته التي تبلغ حد التعفف، مع لمحة عن منتقديه الذين يغمزون من قناته باحتمال وجود ثروة عقارية. ويظهر الكاتب تحفظات على بعض مواقف باخوس، مثل تأييده المفرط للحكومة وقراراته الاجماعية، لكنه يترك المجال للقارئ لتقييم هذه الشخصية التي تجمع بين الطموح البرلماني والأصول العائلية والرؤية الإصلاحية.
12.انطوان الاشقر439–451▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل صورة مركّبة عن إيلي حبيقة، القيادي السابق في «القوات اللبنانية» الذي تحوّل من حليف لإسرائيل إلى حليف لسوريا، عبر حوار مطوّل أجراه الكاتب حازم صاغية معه، ومزج فيه الانطباعات الشخصية بالوقائع السياسية والتاريخية. الموضوع المحوري هو محاولة فهم هذا التحول الجذري في مسار رجلٍ ارتبط اسمه بأعنف مراحل الحرب اللبنانية، وبخاصة مجزرة صبرا وشاتيلا، ثم انقلب على حلفائه المسيحيين ووقّع «الاتفاق الثلاثي» مع الجانبين السوري والفلسطيني. يقدم المؤلف حبيقة كما يريد أن يظهر هو نفسه، وكما يراه منتقدوه، وكما تكشفه أفعاله المتناقضة.
يسير الفصل بطريقة تجمع بين سرد السيرة الذاتية وتحليل الشخصية. يبدأ بانطباع الكاتب المباشر عن حبيقة، فيصفه بأنه طويل، ذو جسم رياضي، شعره أبيض وقليل، وصوته «كالزجاج المجروح». يلاحظ الكاتب أن حبيقة مهذب وخجول، يفضّل مخاطبة الرجال على النساء، ويخاف الصحافة ويستفسر دائماً عن المدة التي ستستغرقها المقابلة. هذا الوصف المادي والنفسي الأولي يرسّخ صورة رجل يدرك صورته الذاتية ويتحكم فيها، لكنه يبدو في الوقت نفسه متوتراً من احتمال كشف حقائقه. يخبر حبيقة الكاتب أنه يقرأ التاريخ وعلم النفس، ويتأثر بـالمهاتما غاندي، ويقول إنه تأثر بالشاعر الأخطل الصغير لأنه من قريته بسكنتا. هذه التفاصيل الصغيرة تخدم في بناء صورة رجل مثقف وذكي، لكن الكاتب يزرع بذور الشكّ حين يورد تعليقات منتقديه الذين يقولون إنه يملك بنايات وأراضي كثيرة، محذرين من الانخداع بعفويته الظاهرة.
بعد هذا التقديم الشخصي، ينتقل الفصل إلى سرد السيرة الذاتية لحبيقة، فيذكر أنه وُلد في أيلول 1960 في بسكنتا بقضاء المتن الشمالي، وهي قرية كانت عصية تقليدياً على نفوذ حزب الكتائب. عمل والده مهندساً ميكانيكياً في «شركة نفط العراق»، وتنقل بين بغداد والكويت حتى عام 1976 حين عاد إلى لبنان بسبب بروز اسم ابنه الذي قاد «الانتفاضة». يورد الفصل أن حبيقة شارك في القتال وعمره 16 سنة، وأُرسل إلى إسرائيل ولم يكمل العشرين، وأن الذي أرسله هو بيار الجميل بمعرفة أمين الجميل وترشيح من بشير الجميل. يتحدث حبيقة عن نفسه بصفته ابن الحرب التي صنعته، ويذكر أنه عمل موظفاً في مصرف وتدرج حتى صار مديراً لفرع وعمره 21 سنة فقط، وهي إشارة إلى نجاحه المبكر. لمع نجمه فعلياً بعد مقتل بشير الجميل ومجزرة صبرا وشاتيلا، حيث يسرد الفصل التسلسل الزمني للأحداث في أيلول 1982: خروج ياسر عرفات من بيروت في 30 آب، انسحاب القوات المتعددة الجنسية في 18 أيلول، اغتيال بشير في 14 أيلول، ودخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت في 16 أيلول، ثم المجزرة. يذكر الفصل الأرقام المتنازع عليها للضحايا: المصادر الفلسطينية تقول 1600 قتيل، والصليب الأحمر والمصادر اللبنانية تقول 74 قتيلاً و141 مفقوداً، والإسرائيليون يقولون 470 قتيلاً.
يشرح الفصل كيف أصبح حبيقة رئيساً لـ«الهيئة التنفيذية» في «القوات اللبنانية» بعد «انتفاضة» 17 آذار 1985 ضد فؤاد أبو ناضر، ثم انقلابه على شريكه سمير جعجع في 4 أيار من العام نفسه. كانت لهذه الانتفاضة قصة استخباراتية معقدة، إذ تمكن حبيقة من الحصول على وثيقة تفويض موقعة من الجميل وجعجع وكريم بقرادوني، وعلى تسجيل مكالمة هاتفية بين قصر بعبدا ودمشق، ليستخدمها كورقة ضغط حاسمة في اجتماع القيادة. هنا يبرز الكاتب سمة أساسية في شخصية حبيقة: الطابع الاستخباراتي، فهو الذي عرف بالتنصت على الهواتف حتى على قيادة الكتائب نفسها منذ زمن بشير الجميل. ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل التحول السياسي لحبيقة، فيذكر أنه أنشأ «التجمع المسيحي للبنان الواحد» الذي ضم شخصيات مثل ميشال المر وخليل أبو حمد وبيار حلو، بغرض إيجاد غطاء سياسي بديل من حزب الكتائب. يشير المؤلف أيضاً إلى تكاثر الأسماء الأرثوذكسية والكاثوليكية والأرمنية بين المقربين من حبيقة، مما أثار التشكيك بمارونيته.
يصل الفصل إلى نقطة الذروة في سرد التحول، حين يروي كيف تمت كتابة «رسائل التوبة» التي حملت حبيقة إلى دمشق، وذلك في بيت رفيق الحريري في باريس وتحت رعايته، وباستشارة ثلاثة رجال هم: فؤاد بطرس، وجوني عبده، وجان عبيد. هذه الفقرة بالغة الأهمية لأنها تحدد آلية التحول الفعلية، وتظهر أن الأمر لم يكن مجرد قناعة سياسية، بل عملية منظمة برعاية وساطات إقليمية. بعد ذلك، يسرد الفصل الخطوات العملية للتحول: زيارة حبيقة إلى الرئيس سليمان فرنجية في إهدن في 18 تموز 1985، وهي الأولى من نوعها بعد مقتل توني فرنجية، ثم زيارته إلى دمشق في 4 أيلول من العام نفسه، وتكررت في 17 تشرين الأول حيث أجرى محادثات مطولة مع عبد الحليم خدام، وأعلن نيته في بدء حوار مع «حركة أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي». وبلغت هذه الخطوات ذروتها بتوقيعه على «الاتفاق الثلاثي» في دمشق في 28 كانون الأول إلى جانب وليد جنبلاط ونبيه بري، برعاية خدام.
يفصّل الفصل العواقب الدموية لهذا التوقيع، فيذكر أنه لم تمضِ ثلاثة أيام حتى جرى اعتداء على جهاز الأمن القومي في «القوات»، وأن الخلافات انفجرت في صدامات مسلحة بين أنصار حبيقة والمسلحين الكتائبيين الموالين للرئيس أمين الجميل. يصف الفصل يوم 11 كانون الثاني 1987 بأنه يوم حاسم، حيث نفذ سمير جعجع انقلابه الدموي بدعم من المقاتلين الكتائبيين، وكانت الحصيلة بحسب أحد التقديرات 40 قتيلاً و300 جريح. بعد محاصرة حبيقة في مبنى جهاز الأمن القومي، جرت مفاوضات برعاية قائد الجيش ميشال عون، ونُقل حبيقة إلى قبرص ثم إلى باريس، لكنه عاد إلى دمشق بعد أيام. يحاول الفصل أن يقدّم مشاعر حبيقة المتناقضة: المرارة من معاملة المسيحيين له كغريب، والحقد على أمين الجميل الذي يرى فيه «الزعيم ابن الزعيم» الذي يستخدم العامة ثم يتخلى عنهم. ويشير إلى أن علاقته بجعجع هي تنافس بين شابين من جيل واحد، لكنها مع الجميل علاقة استخدام بشع.
يختتم الفصل بالعودة إلى الشخصية، فيصف حبيقة بأنه شخص لطيف المعشر وخفيف الدم، لكنه مسكون بهاجس الموت، ويكرر عبارات مثل «إذا عشنا» و«إذا بقينا». يورد الفصل نصاً حوارياً طريفاً يظهر سلوك حبيقة مع الصحافة: فقد حدد موعداً في زحلة، لكنه انتظرهم في دمشق، وعندما استاء الصحافيون، قال لهم الوسيط إن «الرئيس» ينتظرهم، مما يكشف عن استهتاره بالآخرين. ينهي المؤلف الفصل بعرض حجج حبيقة لتبرير تحوله، ومن أبرزها: أن الحرب لم يعد لها أهداف وأصبحت «للقتل فقط»، وأن جيله جاء بانفتاح حقيقي ورغبة في إنهاء حرب صنعها جيل آخر له مفاهيم تتعلق بالمصالح. كما يورد مقابلة مع «السفير» يقول فيها حبيقة: «ليس المهم أنني ذهبت إلى إسرائيل، المهم أنني عدت منها»، ويذكر أن أحد المقربين منه أصدر شهادة تبرئة له من مجزرة صبرا وشاتيلا زاعماً أنه كان مشغولاً بالتحقيق في اغتيال بشير، محملاً بيار الجميل مسؤولية إصدار الأمر.
يقرّ الفصل ضمنياً بحدود المعرفة حول بعض الوقائع، مثل الأرقام المتنازع عليها لضحايا المجزرة، والروايات المتضاربة حول شهر عسل حبيقة الذي قيل إنه أمضاه في إسرائيل أو في المغرب وإسبانيا وجزر البهاما. كما يترك الكاتب أسئلة مفتوحة حول مدى صدق تحول حبيقة، وحول طبيعة علاقته المعقدة بالدولة السورية التي تدعمه من دون أن تمنحه تأييداً كاملاً لعمليات الاختراق العسكري. هناك في الفصل حجج قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها رواية حبيقة عن تبرئته من مجزرة صبرا وشاتيلا اعتماداً على انشغاله بالتحقيق في اغتيال بشير، وهي حجة لا تُسقط عنه مسؤولية القيادة خلال المجزرة، كما أن ادعاءه بأن جيله أراد السلام يقابله سجل حافل بالعنف والانقلابات الدموية. يمكن القول إن الفصل ينجح في تقديم صورة معقدة لشخصية إشكالية، لكنه يظل أسير رواية صاحبه في أجزاء كبيرة منه، خصوصاً وأن الكاتب يبدو مأخوذاً بسحر هذه الشخصية، فيكتفي بعرض تناقضاتها من دون إصدار حكم واضح عليها.
13.ميشال عون451–461▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب «موارنة من لبنان» لحازم صاغية قراءة معمّقة في شخصية إيلي حبيقة وتحوّلاته السياسية، متّخذاً من سيرته نموذجاً لفهم مسار جزء من الميليشيات المسيحية خلال الحرب الأهلية اللبنانية. المحور الأساسي هو تفكيك التحول الجذري في مسار حبيقة، من كونه قائداً عسكرياً في «القوات اللبنانية» مسؤولاً عن مجزرة صبرا وشاتيلا، إلى دوره المحوري في إبرام «الاتفاق الثلاثي» بالتحالف مع سوريا، وما رافق هذا التحول من إعادة بناء لشرعيته وقاعدته الشعبية. يطرح الكاتب أن هذا المسار لم يكن مجرد انقلاب انتهازي، بل كان نتيجة لصيرورة معقّدة تتعلق بالبنية الاجتماعية لـ«القوات»، وتناقضاتها الداخلية، وتحوّل قاعدتها من المقاتلين.
يبني صاغية حجته عبر تتبّع الخطوات العملية لانتقال حبيقة من مركز القرار في بيروت إلى مدينة زحلة في البقاع. يصف الفصل كيف أن إيلي حبيقة، القادم من هوامش بيروت، وجد في زحلة المسيحية المحاطة بغالبية إسلامية والمحميّة بوجود سوري، أرضية خصبة لإعادة تعريف دوره. فبعد أن كانت «القوات» في زحلة مجرد قوة عسكرية، يسعى حبيقة لتحويلها إلى كيان سياسي واقتصادي عبر تأسيس «التجمع الزحلي» الذي ضمّ عدداً من أبناء المدينة، وكان من أبرز أعضائه نقولا معكرون الذي سبق له أن ترشح للانتخابات في زحلة ضد جوزيف سكاف، حيث حصل معكرون على ألف صوت فقط مقابل حوالي 14,941 صوتاً لسكاف، مما يوضح حجم التحدي الذي واجهه حبيقة في إثبات تمثيليته خارج قاعدته الأصلية.
يتعمّق الملخص في تفسير الدوافع الاجتماعية والنفسية التي يقدّمها الكاتب لفهم تحوّل مقاتلي «القوات». فبعد اغتيال بشير الجميل، يشرح صاغية أن مقاتلي حبيقة، المنحدرين من قارعة المدينة وهوامشها، بحثوا عن انتقام جماعي أدّى إلى مجزرة صبرا وشاتيلا. لكن بعد إتمام هذا الانتقام، برز تباين بين أبناء الريف المتشبّعين بروح القتال، وأبناء هوامش المدينة الذين رأوا أنهم «أدّوا قسطهم» وأصبحوا يطمحون للعودة إلى نمط حياة أكثر هدوءاً. هذا التعب لدى المقاتلين هو ما جعلهم مهيّئين للانتقال إلى خيار التسوية والتحالف الجديد، حيث بدأ هؤلاء يتعاملون مع إرث بشير الجميل كعبء ثقيل يكبّل انتقالهم، بل وبدأوا ينتقدونه لكونه قليل الراديكالية.
أما عن الإطار النظري الذي يضعه حبيقة لوجوده في زحلة، فيخلص الكاتب إلى أن «الحبيقية» كانت تجسيداً لثلاث أيديولوجيات لبنانية تقليدية تم تفكيكها وإعادة تركيبها بما يخدم سلطته الجديدة. فهي تواكب إيديولوجية «الوحدة الوطنية» في منطقة مختلطة، ولكن هذه الوحدة تتحول إلى وحدة عشائرية سابقة على التشكل الطائفي، تستمد قوتها من معارضة المركز. وهي تستأنف إيديولوجية «وجه لبنان العربي»، لكن في غياب الدولة تتحول هذه العروبة إلى مجرد صلة شخصية بأقرب ضابط سوري نافذ، فتفقد أي محتوى سياسي أو ثقافي حقيقي. وأخيراً، تتعايش الحبيقية مع إيديولوجية الاقتصاد الحر، ولكن بعيداً تماماً عن أي سلطة أو رقابة مركزية، حيث يتدفق المال عبر «القوات» من ممولين كبار، وقامت بإعادة تشغيل البنية التحتية في زحلة كالهاتف والتلكس مع فرض ضرائب على المشتركين. ويُشار إلى أن هذا النشاط الاقتصادي شمل مشاريع استثمارية في قطاع الخدمات شارك فيها نائب زحلة الماروني الياس الهراوي.
بينما يشير المقطع إلى انتقال الكاتب للحديث عن شخصية وليد جنبلاط بوصفه «راديكالية السياسة اللبنانية بامتياز» وصفاته المتناقضة، يتوقف الفصل عند شخصية أنطوان الأشقر كنموذج موازٍ ومختلف عن حبيقة. يُظهر الملخص أن قصة الأشقر، المنحدر من عائلة موزعة بين عدة قرى في المتن الشمالي، تبدأ من التنافس العصبي والتاريخي بين آل الأشقر وآل الجميل في بكفيا، والذي تجسّد في انخراط آل الأشقر في صفوف «الحزب السوري القومي الاجتماعي» من خلال شخصيات مثل أسد الأشقر ويوسف الأشقر اللذين تسلما رئاسته. هذا الإرث العائلي والحزبي، حيث كان الحزب القومي وسيلة «لإعادة إنتاج العائلة ووحدتها»، يعكس صورة مغايرة للانتهازية المنسوبة لحبيقة؛ فالأشقر يشكّل نموذج السياسي الممأسس داخل بنية عائلية وعقائدية، ولو أنها هامشية.
يستعرض الملخص المحطات الانتخابية المفصلية في مسار الأشقر، وتحديداً الانتخابات الفرعية في المتن التي جرت عام 1976 بعد وفاة النائب الكتائبي موريس الجميل، حيث رشّحته «الأحزاب الوطنية والتقدمية» ضد أمين الجميل، وحصل حينها على 1,184 صوتاً مقابل 15,460 صوتاً لأمين الجميل و1,915 صوتاً للعقيد فؤاد لحود. هذا المشهد يكشف عن هامشية تمثيل الأشقر مقابل ثقل الزعامات التقليدية، ويبرز أيضاً العلاقة المعقدة بين الأشقر وكمال جنبلاط الذي انتسب لحزبه مبكراً، وهو ما لم يمنع القوميين من عدم دعمه في الانتخابات لأسباب تراوحت بين رغبتهم بإلحاق الهزيمة بأمين الجميل عبر مرشحهم، وخشيتهم مما اعتبروه تدخلاً «جنبلاطياً» في شؤون المتن. كذلك يوضح الفصل أن طموح الأشقر السياسي كان يتركز على إثبات وجوده عبر النضال الحزبي، كما فعل من خلال تأسيس «حركة التضامن في المتن الشمالي» في عام 1971، والتي ضمّت شخصيات متعددة بهدف بناء قاعدة سياسية محلية واسعة. ويشير المقطع في هذا السياق إلى نشاط الأشقر الاقتصادي في غانا وعلاقته بالسياسة، معرباً عن أن «السياسة في دمه»، حيث بدأ نشاطه الحزبي مبكراً في عام 1960، وكان زواجه مشروطاً باكتشافه للفكر «الصحيح» لزوجته، مما يقدّم صورة رجل محكوم بمنطق أيديولوجي أكثر منه براغماتي.
حدود وتحفظات النص: يقرّ الكاتب ضمنياً بأن هذه القراءة لتطور الأحداث تختلف عن «السائد والمتفق عليه»، ويحاول تقديم تفسير بديل يجعل مجزرة صبرا وشاتيلا نقطة تحول نحو التسوية وليس مجرد جريمة، مما يثير تساؤلات حول كون هذا التفسير مبنياً على مبررات أكثر منه على تحليل موضوعي. كما يترك الكاتب سؤالاً مفتوحاً حول جدوى مشروع حبيقة في زحلة، معترفاً بأن ارتباط مسيحيي الأطراف بالجبل وزعاماتهم التقليدية كان عاملاً معطّلاً لطموحاته التوسعية. أخيراً، تعتبر الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي تلك التي تقول إن تحرك حبيقة نحو الاتفاق الثلاثي كان مدفوعاً بتعب مقاتليه من سكان هوامش المدينة، وهو تفسير يختزل تعقيدات السياسة اللبنانية والمحاور الإقليمية في عامل اجتماعي-نفسي واحد، متجاهلاً دور الضغوط السورية والدولية، ومقدماً تبريراً واقعياً لجرائم الحرب من خلال عمليات نفسنة الفعل السياسي في زمن الانهيار.