
العلويون والدولة السورية: دراسة تحليلية - الجزء الأول (1918-1946)
يتمركز هذا الكتاب حول سؤال جوهري: كيف انتقل العلويون من عزلة جبلية مهمّشة في أواخر العهد العثماني إلى موقعٍ محوري في تشكّل الدولة السورية الحديثة، وصولاً إلى ما آلت إليه الأمور من هيمنةٍ لنخبهم على مؤسسات الدولة لاحقاً؟ يدافع المؤلف، من خلال تحليلٍ بنيوي وتاريخي، عن أطروحةٍ مفادها أن هذا المسار لم يكن نتاج تآمرٍ خارجي أو مخططٍ عابر، بل هو حصيلة تراكماتٍ تاريخية معقدة، تشكلت عبر قرونٍ من التهميش والاضطهاد، ثم عبر تفاعلاتٍ مضطربة ومتغيرة مع سلطات الانتداب الفرنسي والحركة الوطنية السورية على حد سواء. فالكتاب يسعى لتقديم رؤية مغايرة للسردية الوطنية أو القومية العربية الطاغية، التي غالباً ما تختزل تاريخ الأقليات في إطار الصراع ضد الاستعمار، ويركز بدلاً من ذلك على العوامل الاجتماعية والاقتصادية والعشائرية والدينية التي صاغت هوية العلويين ومواقفهم السياسية.
تسير حجة الكتاب عبر مراحل متشابكة تبدأ من الجذور التاريخية البعيدة، حيث يشرح المؤلف كيف أدى التكفير والاضطهاد، خاصةً فتاوى ابن تيمية في العهد المملوكي، إلى دفع العلويين للانعزال في الجبال، وهو انعزالٌ لم يكن اختياراً حراً بل نتيجةً للنبذ المتواصل من السلطات السنية الحاكمة. ينتقل بعدها إلى العهد العثماني، فيُفصّل سياسات تحصيل الضرائب والتجنيد الإجباري التي تمت عبر وسطاء محليين تحولوا لاحقاً إلى زعاماتٍ عشائرية، ويرصد المحاولات العلوية الأولى لتجاوز الإطار العشائري، مثل مشروع عائلة شمسين في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ومحاولة الضابط العثماني إسماعيل خير بك وابنه هواش لتشكيل حكومةٍ شبه مستقلة في منطقة الدريكيش بين عامي 1854 و1858. ويخلص المؤلف إلى أن قروناً من العزلة والإفقار المادي والروحي شكلت شخصية العلوي المتميزة، القائمة على الحذر من الغرباء والاستعداد الدائم للقتال، وأن المسألة العقائدية بقيت معلّقةً بين المدرستين السنية والشيعية، إذ باءت محاولات «تسنينهم» أو «تشييعهم» بالفشل، وبقي الخلاف الأساسي مع السنة يتمحور حول ثقافة التكفير.
مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وبداية مرحلة الانتداب الفرنسي، ينتقل الكتاب إلى اللحظة المفصلية المتمثلة في إنشاء «دولة العلويين» عام 1920، فيحلل الأسباب التي حملت فرنسا على هذا الإجراء، والتي لم تكن مجرد تقسيمٍ استعماري، بل خدمت غايتين: عزل العلويين عن الحركة القومية العربية، واستخدامهم كورقةٍ ضغط لتبرير إنشاء «دولة لبنان الكبير» كوطنٍ قومي للمسيحيين. ويشير المؤلف هنا إلى ظاهرةٍ لافتة: أن المؤتمر السوري المنعقد في حزيران/يونيو 1919 لم يمثل الأقليات تمثيلاً عادلاً، إذ لم يكن هناك أي ممثلٍ عن 330 ألف علوي مقابل 12 ممثلاً سنياً عن 200 ألف نسمة، وهو ما دفع فرنسا للاعتراض عليه، وجعل تقرير لجنة كنغ – كراين الأمريكية يشير إلى أن العلويين كانوا من مؤيدي فرنسا على العموم، عكس الموقف العدائي في الداخل السوري.
يخصص الكتاب جزءاً كبيراً لقراءةٍ نقديةٍ معمّقة لثورة الشيخ صالح العلي (1919-1921)، والتي يعتبرها نموذجاً للحركات التي نسبتها الروايات الوطنية إلى دوافع عروبية خالصة، بينما يراها المؤلف أقرب إلى التعبير عن عصبيةٍ جزئية ضد الأجنبي ضمن نطاقٍ عشائري محدد. يبين الكتاب أن الشرارة الفعلية للثورة لم تكن وليدة صراعٍ أيديولوجي مع الفرنسيين، بل جاءت من حادثةٍ عرضية في منطقة القدموس خريف 1918، حين قُتل شابٌ علوي برصاصةٍ طائشة، وتطور الخلاف إلى صراعٍ مسلح. كما يؤكد أن الإجابة على سؤال أسباب الثورة تكمن في الظروف الإقليمية الأوسع، حيث كان صالح العلي من أوائل الزعماء العلويين الذين استجابوا لنداء الشريف حسين بن علي لاعتراض القوات التركية المنسحبة، وكان عداء الأمير فيصل للفرنسيين، بعد خديعة سايكس – بيكو، دافعاً له للوقوف إلى جانبه. وفي 15 كانون الأول/ديسمبر 1918، دعا صالح العلي إلى اجتماعٍ مع وجوهٍ علويين وسنة، تحدث فيه عن إخلاف الحلفاء بوعودهم وبيّن "النوايا الخبيثة" التي يضمرها الفرنسيون، فاتفقوا على إطلاق ثورةٍ لضم العلويين إلى الشام، وطلبوا العون من الملك فيصل.
يكشف المؤلف أن هذه الثورة لم تحصل على إجماع العلويين، بل أن بعضهم قاتل ضده مع القوات الفرنسية، وأن معارضته كانت قوية لدرجة أن بعضهم أفتى بسبّه في الأعياد الدينية، وعائلته تعرضت لنوعٍ من الإبادة عن طريق التسميم. وينقل المؤلف تصريحاً لافتاً للعميد على زود، حين كان محافظاً لطرطوس، يصف فيه مجاهدي صالح العلي بأنهم "مجموعة من اللصوص الذين يسطون على الدجاج ويسرقون النحاس من الفلاحين"، ما يعكس صورةً مختلفة عن الرواية الوطنية الممجدة للثورة. ويخلص إلى أن نتائج الثورة لا تخلو من مفارقات، فقد كانت من نتائجها المباشرة أن اضطرت فرنسا إلى تقديم تنازلاتٍ لحكومة الاتحاد والترقي والانسحاب من كيليكيا، ثم التخلي عن لواء الإسكندرون، وهو ما لم يكن في مصلحة سوريا، كما أنها مثلت انتكاسةً جديدة للصراعات القديمة بين العلويين والإسماعيليين، الذين وقفوا إلى جانب الفرنسيين وحاربوا معهم.
على النقيض من ثورة صالح العلي، يقدم الكتاب دراسةً معمّقةً للحركة المرشدية التي ظهرت في أوائل عشرينيات القرن الماضي، معتبراً إياها نموذجاً مختلفاً جذرياً، فهي ظاهرةٌ اجتماعية-دينية عنيفة انطلقت من أعماق الواقع البائس بقيادة شخصٍ أمّي من قاع المجتمع، مما أكسبها طابعاً انفجارياً هدّاماً. يتناول الكتاب سيرة مؤسسها سلمان المرشد (1907-1946)، المولود في قرية جوبة برغال في قضاء الحفة بريف اللاذقية، والذي بدأ حياته راعياً قبل أن يقنع الناس بقدرته على صنع المعجزات، واعتبره البعض المهدي المنتظر، فانتشرت دعوته بسرعة لتشمل قرىً في ريف حمص والجولان، وبلغ عدد أتباعه قرابة 80 ألفاً. يرى المؤلف أن الحركة عملت على أخذ حقها بنفسها بالاستيلاء على الأراضي التي امتلكها الإقطاعيون بالحيلة وتوزيعها على الفلاحين، وأنها قامت من الناحية الدينية بحركة إصلاحية جذرية، حيث أبطَل سلمان المرشد الاعتقاد بالتناسخ، وأبطل الذبائح عند المقامات، وحرّر المرأة واعتبراها مساوية للرجل، مقارناً إياها بالحركة الوهابية والحركة الإصلاحية البروتستانتية لمارتن لوثر.
يبرز الكتاب الأبعاد السياسية للحركة المرشدية، فتتبع صعود سلمان المرشد من انتخابه في المجلس التمثيلي للدولة العلوية بعد عام 1925، إلى انتخابه في الانتخابات النيابية الوطنية عام 1937 وما بعدها على رأس كتلةٍ برلمانية من 6 نواب، مما أدى إلى مواجهته مع القوى الإقطاعية المحلية المنضوية تحت الكتلة الوطنية. ويقدم الكتاب أدلةً قضائية وسياسية مذهلة من مذكرات أحمد نهاد السياف، تلميذ إبراهيم هنانو، تروي كيف طلبت حكومة دمشق من السياف الإدلاء بشهادة زورٍ ضد سلمان المرشد لتستكمل أدلة الإدانة، حيث قال له موفد الحكومة علي الحياني حرفياً: «ناقل الكفر ليس بكافر... إن العناصر الجرمية في دعوى سلمان غير كافية لحكمه بالإعدام... سلمان سيعدم سياسياً»، وذلك مقابل شيكٍ على بياض ووظيفةٍ في الخارج. ويخلص المؤلف إلى أن إعدام المرشد في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1946 كان قراراً سياسياً مسبقاً، وأن له تبعاتٍ سياسية سلبية تمثلت في فقدان الثقة بحكومات الكتلة الوطنية بعد الاستقلال.
ينتقل الكتاب بعدها إلى تحليل مواقف النخب العلوية المختلفة خلال فترة الانتداب، والتي يصفها بأنها لم تكن نابعة من أيديولوجيةٍ ثابتة، بل كانت ردود فعلٍ مضطربة ومتغيرة على الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي حين تعاون زعيما عشيرتي الخياطين والحدادين، جابر العباس وإبراهيم الكنج، مع الفرنسيين وتناوبا على رئاسة الدولة العلوية بين عامي 1920 و1936، وقف زعماء عشيرة المتاورة (آل البواش) ضد الفرنسيين ومع الحكومات المركزية. ويشير الكاتب إلى أن هذا التعاون لم يكن مطلقاً، فحتى هذين الزعيمين انقلبا على الفرنسيين بعد خسارتهما في انتخابات عام 1937. ويتناول الكتاب تحولاً جوهرياً في موقف النخب العلوية، حيث بدأت معظمها بالاقتناع بعدم جدوى التعويل على الانتداب الفرنسي لتشكيل دولةٍ علوية قابلة للحياة، خاصةً بعد أن حققت فرنسا هدفها الأهم بتأسيس دولة لبنان الكبير، فصارت أغلبية النخب مع الانضمام إلى سورية في عام 1936، بشرط تطبيق نوعٍ من اللامركزية الإدارية والمالية.
يُفرد الكتاب جزءاً مهماً للحديث عن الحامل العسكري لصعود العلويين، مركزاً على القوات الخاصة للشرق التي تأسست عام 1921، والتي يوضح أنها كانت نواة الجيشين السوري واللبناني لاحقاً، وأنها وفرت للعلويين الفقراء مصدر دخلٍ وحراكاً اجتماعياً، لكنه يحرص على التأكيد أن العلويين كانوا في الغالب مجرد جنود وضباط صف، ولم يتقلدوا مناصب قيادية، وأن نسبتهم بين الضباط في الأكاديمية العسكرية بحمص بين عامي 1932 و1946 كانت أقل من نسبتهم السكانية. ويخلص الفصل إلى أنه حتى انقلاب 1963، لم يكن الحامل العسكري كافياً لتفسير صعود النخب العلوية، وأن الحوامل الأهم تمثلت لاحقاً بالأحزاب السياسية العقائدية مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي.
يرصد الكتاب المسار الكامل لدولة العلويين، من إنشائها في 2 أيلول/ سبتمبر 1920، مروراً بإعلان "الدولة العلوية المستقلة" في 1 شباط/ فبراير 1925، وصولاً إلى قرار الضم في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1936 الذي حولها إلى "محافظة اللاذقية" مع اشتراط موازنةٍ خاصة ونظامٍ إداري خاص وتمثيل 16 نائباً في البرلمان. ويشير إلى أن العلويين لم يشاركوا في الثورة السورية الكبرى التي انطلقت من جبل الدروز عام 1925، وذلك لإنهاكهم من ثورة صالح العلي السابقة، ولشعورهم بأنهم حاربوا وحيدين دون جدوى. ويضيف الكاتب أرقاماً دالة على البؤس الاجتماعي، مثل ارتفاع نسبة الأمية وانعدام الوظائف، حيث لم تتجاوز نسبة إشغال الوظائف 47%، مما جعل الاستقلال الإداري سبباً في الانحطاط عوضاً عن كونه عامل تقدم. وتصل القصة ذروتها مع عام 1936، حيث ظهرت حركة "الشباب المسلم العلوي" كرد فعلٍ على الصراع بين دعاة الوحدة والاستقلال، وصدرت فتوى من مفتي القدس الحاج أمين الحسيني تعتبر العلويين مسلمين، في محاولةٍ لتطمينهم.
يصف الكتاب مرحلة ما بعد الضم بأنها كانت فترة شكاوى وعدم وفاءٍ بالوعود، حيث اشتكى العلويون من أن بلادهم لم تحصل على الحكم الذاتي الذي نصت عليه المعاهدة، وأن سلطات الحكم المركزي تجاهلت حقوقهم، إلى أن أعلن المفوض السامي الفرنسي في عام 1939 تعليق العمل بالدستور وإعادة مناطق الأقليات إلى حكمٍ ذاتي أوسع، كإجراءٍ طارئ مع بداية الحرب العالمية الثانية. ومع دخول قوات فرنسا الحرة إلى سورية في حزيران/ يونيو 1941، أعلن الجنرال كاترو استقلال سورية ولبنان، وتم ضم جبل العلويين وجبل الدروز إلى سورية من جديد في شباط/ فبراير 1942. ويختتم الفصل بتحليل التحديات التي واجهت الدولة السورية الناشئة، والتي تمثلت في الصراع بين القوى الوطنية والانتداب، والبؤس الاجتماعي، والانقسامات الطائفية، مشيراً إلى حادثة قصف دمشق وتدمير البرلمان في 29 أيار/ مايو 1945، والتي أثارت تضامناً وطنياً شمل العلويين والدروز، ولم تتوقف إلا بإنذارٍ من تشرشل لديغول وحلول الجيش الإنكليزي محل الفرنسي، حتى تم إقرار جلاء الفرنسيين عن سورية في نيسان/ أبريل 1946.
يقرّ المؤلف في مواضع متعددة بحدود منهجه، معترفاً بندرتها المصادر التي عالجت هذا الموضوع بشكل متصل، وبأن انتماءه إلى الطائفة العلوية بالولادة يشكل سيفاً ذو حدين: خطر الانحياز من جهة، وإمكانية تقديم رؤية أكثر وضوحاً من جهة أخرى. ويترك أسئلةً مفتوحة حول كيفية تجاوز إرث الماضي وبناء دولةٍ سورية حديثة على أسسٍ ديمقراطية، معتبراً أن بعض المفاهيم مثل «العلوية السياسية» هي أفكارٌ مطروحة تحتاج إلى مناقشةٍ مستفيضة، وأن الأحداث التي بدأت عام 2011 وضعت العلويين في موقفٍ تاريخي حرج، لأن معظم أركان النظام العسكرية والأمنية تنحدر منهم، مما يثير أسئلةً وجودية بالنسبة للسوريين.
في الختام، يقدم الكتاب مادةً تاريخية غنية ومثيرة للجدل، تصلح لأن تكون أساساً لنقاشٍ معمق. فمن أبرز الحجج القابلة للنقاش، الادعاء الذي ينقله الكاتب عن إميل عباس آل معروف، بأن زعماء الكتلة الوطنية ساهموا في التخلي عن لواء إسكندرون لتركيا بموجب اتفاقية عام 1939، لأن بقاءه مع سورية يعني زيادة عدد العلويين في الدولة، وهو ما كانوا يخشونه. كذلك، يبرز الكتاب تناقضاً في تقييم سلوك العلويين، فبينما يصورهم كضحايا للعزلة والفقر، يظهرون في مواضع أخرى كعناصر فاعلة تستخدم تحالفاتها مع القوى الخارجية لتحقيق مكاسب قبلية أو للانتقام من خصومٍ محليين مثل الإسماعيليين، مما يعقد الصورة النمطية للعلويين ككيانٍ واحد متجانس، ويؤكد على هشاشة مفهوم الدولة الحديثة أمام الولاءات العشائرية. هذا الكتاب، إذاً، ليس مجرد سردٍ تاريخي، بل هو محاولة جادة لفهم التناقضات العميقة التي شكلت سوريا الحديثة، وهو ما يمنحه أهميةً خاصة في ضوء الأحداث الراهنة.
الأشخاص
الفصول(6)
1.المقدمة5–15▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل التمهيدي الإطار العام لدراسة تاريخية مطوّلة تتناول دور العلويين ونخبهم في تشكّل الدولة السورية الحديثة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، مروراً بمرحلة الانتداب الفرنسي وإنشاء «دولة العلويين» شبه المستقلة عام 1920، وصولاً إلى الوحدة مع سورية عام 1936 ثم الاندماج الكامل عام 1946، وتتبع أدوارهم بعد الاستقلال وفي مرحلة الانقلابات العسكرية حتى انقلاب حزب البعث عام 1963. يطرح المؤلف مجموعة من الأسئلة المحورية التي يسعى للإجابة عنها، أبرزها: كيف عايش العلويون ونخبهم مرحلة الانتقال من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي؟ وما طبيعة التحولات في مواقف هذه النخب من الانتداب ومن الانضمام إلى الدولة السورية، بدءاً من ثورة صالح العلي (1919-1921) وحتى الاستقلال؟
يسير الفصل في بناء حجته عبر عدة مراحل متشابكة. يبدأ بتأكيد أهمية دراسة هذه الفترة من منظور مختلف عن السردية الوطنية أو القومية العربية الطاغية، مشيراً إلى أن مفهوم «الوطنية» ذاته لم يكن له أساس مؤسسي واضح قبل الاستقلال. ثم ينتقل المؤلف إلى جذور المظلومية التاريخية للطائفة، فيشرح كيف أدى التكفير والاضطهاد، خاصة فتاوى ابن تيمية في العهد المملوكي، إلى دفع العلويين للانعزال في الجبال. يوضح الفصل أن هذا الانعزال لم يكن اختياراً حراً، بل نتيجة للنبذ المتواصل من قبل السلطات السنية الحاكمة، وأن العلويين كانوا يغادرون الجبال إلى السهول والسواحل كلما سنحت لهم الفرصة، لكنهم كانوا يُجبرون على العودة إليها تحت ضغط التصنيف كهراطقة.
ينتقل الفصل بعدها إلى العهد العثماني، حيث يركز على سياستين أساسيتين اتبعتهما السلطنة: تحصيل الضرائب والتجنيد الإجباري، وكانتا تتمان عبر وسطاء محليين تحولوا لاحقاً إلى زعامات عشائرية. يُفصّل المؤلف محاولات العلويين السياسية الأولى لتجاوز الإطار العشائري، ويذكر منها مشروع عائلة شمسين في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ثم محاولة الضابط العثماني إسماعيل خير بك وابنه هواش لتشكيل حكومة شبه مستقلة في منطقة الدريكيش بين عامي 1854 و1858، بالتعاون مع رجال دين أصدرت وثيقة ألغت العشائرية. ويشير الفصل إلى دور مدحت باشا والي دمشق في تلطيف الأجواء مع العلويين، وإلى الدور الوسيط الذي لعبه الأمير عبد القادر الجزائري في التواصل بينهم وبين السلطات.
يخصص الفصل جزءاً للحديث عن الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) التي بدأت بعد حملة إبراهيم باشا على سورية (1831-1840)، فقد أدت هذه الإصلاحات إلى ظهور نخب علوية دينية وثقافية جديدة، حاولت التوفيق بين الهوية العلوية والإسلام السني، لكنها واجهت معارضة من رجال الدين التقليديين الذين رأوا في استمرار الجهل والعزلة مصلحة لهم. يخلص المؤلف في هذا القسم إلى أن قروناً من العزلة والإفقار المادي والروحي شكلت شخصية العلوي المتميزة، القائمة على الحذر من الغرباء والاستعداد الدائم للقتال، متجاوزاً بذلك الفروقات بين المناطق الجبلية والسهول الساحلية.
في قسم لاحق، يناقش الفصل المسألة العقائدية وموقع العلويين بين المدرستين السنية والشيعية، فيرى المؤلف أن ألف عام من التاريخ لم تحسم هذا الانتماء. ويشير إلى أن محاولات «تسنينهم» في العهدين المملوكي والعثماني، أو «تشييعهم» بعد الثورة الإيرانية عام 1979، باءت بالفشل، وأن محاولات إنشاء رجال دين على الطريقة الشيعية في الثمانينيات والتسعينيات لم تحقق اعترافاً يذكر من قبل العلويين ومشايخهم التقليديين. يشدد الفصل هنا على أن الخلاف الأساسي يبقى مع السنة، ويكمن في ثقافة التكفير التي قد تمارسها الجماعات المتطرفة.
أخيراً، ينتقل الفصل إلى موضوع «ولادة سورية الحديثة» من اتفاقية سايكس-بيكو، فيصف صحوة الشعور القومي العربي كردة فعل على القومية التركية، من خلال جمعية «العربية الفتاة» (1911) التي مهدت لثورة الشريف حسين بن علي عام 1916. ويذكر الفصل أن مساحة سورية تقلصت بشكل كبير من حوالي 300 ألف كيلومتر مربع إلى 115 ألف كيلومتر مربع، نتيجة لانفصال لبنان وفلسطين وشرق الأردن.
من حيث المنهجية، يقرّ المؤلف بأنه اعتمد على التحليل البنيوي والتاريخي لفهم تعقيدات الأحداث، وبأنه ينتمي إلى الطائفة العلوية بالولادة، وهو ما يشكل سيفاً ذو حدين: خطر الانحياز من جهة، وإمكانية تقديم رؤية أكثر وضوحاً من جهة أخرى. كما يعترف الفصل بندرة المصادر التي عالجت هذا الموضوع بشكل متصل، وأن الدراسات السابقة، رغم أهميتها، بقيت ناقصة في عدم تناولها للسيرورة التاريخية الكاملة لتطور المظلومية العلوية وانعكاساتها على تشكل عصبية طائفية. يطرح الفصل أيضاً أسئلة مفتوحة حول كيفية تجاوز إرث الماضي وبناء دولة سورية حديثة على أسس ديمقراطية، وهو ما يبدو الهدف الرئيسي الضمني للدراسة بأكملها. الفصل يعترف بأن بعض المفاهيم مثل «العلوية السياسية» أو وجود «مجمع ملي علوي» هي أفكار مطروحة تحتاج إلى مناقشة مستفيضة، لكنه يوضح أن لا مأسسة فعلية من هذا القبيل، وأن العلويين في موقعهم الحالي هم نتيجة تراكمات تاريخية معقدة. كما يشير المؤلف إلى أن الأحداث التي بدأت عام 2011 وضعت العلويين في موقف تاريخي حرج، لأن معظم أركان النظام العسكرية والأمنية تنحدر منهم، مما يثير أسئلة وجودية بالنسبة للسوريين.
2. العلويون من الحكم العثماني إلى الًانتداب الفرن�سي19–25▼ ملخص
يُقدّم هذا الفصل صورةً شاملةً لواقع العلويين في الفترة الممتدة من أواخر الحكم العثماني حتى بدايات الانتداب الفرنسي، مركزاً على انتقالهم من عزلة جبلية مهمّشة إلى مسار سياسي جديد فرضته المتغيرات الإقليمية بعد الحرب العالمية الأولى. يطرح المؤلف أسئلةً محورية حول كيفية خروج هذه الطائفة من «هامش التاريخ»، وكيف تعاملت القوى الكبرى والنخب المحلية مع وضعها الخاص، ليجيب بأن التحول الجوهري تمثل في إنشاء «دولة العلويين» عام 1920، التي رأى فيها الفرنسيون أداةً لتثبيت نفوذهم، بينما رأى فيها العلويون، على اختلاف نخبهم، اعترافاً بخصوصيتهم أو خطراً على وحدتهم.
يبدأ الفصل بتوصيف الحالة الاجتماعية والاقتصادية المتردية للعلويين في الجبال الساحلية أواخر العهد العثماني، حيث كانوا يعيشون بمعزل عن الدولة التي لم تقدم لهم خدمات تذكر، وكان تعبيرها الوحيد عن سلطتها يتمثل في جباة الضرائب وفرسان الجندرمة الذين عاملوهم بجشع وظلم. ويستشهد المؤلف بوصفٍ لضابط إنكليزي يعتبرهم من أكثر الفئات الريفية تخلفاً، وبكتاب «ولاية بيروت» الذي يصور قسوة حياتهم وبيوتهم المدرسية، ويذكر أن نسبة القراءة والكتابة بين الذكور في قضاء صافيتا لم تتجاوز 2%. كما يتناول فتور العلاقة مع الدولة العثمانية الذي تغذيه الحملات العسكرية المتكررة عليهم، ويشير إلى شهادات مثل إلياس صالح اللاذقي حول التمييز في القصاص والحوادث التي تعرضت لها مدارس البعثات التبشيرية، مثل إقفال مدرسة الأميركان في الملولية عام 1873.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة التحولات الكبرى مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، فيشرح كيف ترددت مسألة وضع المنطقة في مراسلات الحسين – مكماهون، إذ تحفظت بريطانيا على المناطق الغربية خشية إحراج حليفتها فرنسا. ويُظهر أن المؤتمر السوري الذي انعقد في 20 حزيران/ يونيو 1919 لم يُمثل الأقليات الدينية تمثيلاً عادلاً، حيث لم يكن هناك أي ممثل عن 330 ألف علوي مقابل 12 ممثلاً سنياً عن 200 ألف نسمة، مما دفع فرنسا للاعتراض عليه. ويذكر الفصل أن تقرير لجنة كنغ – كراين الأمريكية (1919) أشار إلى أن العلويين كانوا من مؤيدي فرنسا على العموم، وذلك عكس الموقف العدائي في الداخل السوري، ما عكس وجود خصوصية واضحة للمنطقة.
يُفصّل المؤلف في دوافع فرنسا لإنشاء كيان علوي منفصل، فيرى أن ذلك لم يكن مجرد تقسيم، بل جاء لخدمة غايتين: عزله عن الحركة القومية العربية في الداخل، واستخدامه كتبرير لإنشاء «دولة لبنان الكبير» كوطن قومي للمسيحيين في 30 آب/ أغسطس 1920، وهو ما يعتبره الكاتب محمد هواش في صلب التعليمات الفرنسية. وبالفعل، تم إنشاء دولة العلويين في 2 أيلول/ سبتمبر 1920، لكن فرنسا سرعان ما عادت وشكلت اتحاداً بينها وبين دولتي دمشق وحلب عام 1922 بعد تحقيق هدفها في لبنان. ويشير الفصل إلى أن هذه الدولة، رغم ما حملته من مخاطر التقسيم، كانت "أكثر من حلم" بالنسبة لطائفة ظلت متهَمةً بالهرطقة، واعتُبرت سابقةً تاريخيةً لها.
يُخصص القسم الأخير من الفصل لبحث حقيقة ثورة صالح العلي وملابساتها. يوضح المؤلف أن الشرارة الفعلية للثورة لم تكن وليدة صراع أيديولوجي مع الفرنسيين، بل جاءت من حادثةٍ عرضية في منطقة القدموس خريف 1918، حين قُتل شاب علوي برصاصة طائشة، وتحول الخلاف إلى صراعٍ مسلح. بالإضافة إلى ذلك، كان لصالح العلي دورٌ مسبق في إزعاج القوات التركية المنسحبة بقطع طريق طرطوس – حماة، وكانت له علاقة جيدة بالشريف حسين. ويخلص الفصل إلى أن معاداة فيصل للفرنسيين بعد خديعة سايكس – بيكو دفعت حليفه صالح العلي إلى التحالف معه ضد العدو المشترك، حيث دعمت حكومة فيصل هذه الثورة. ومع ذلك، يعترف المؤلف بوجود روايات أخرى حول أسباب الثورة، ويشير إلى أن الفهم الكامل لها يتطلب النظر إلى الظروف الإقليمية المعقدة آنذاك.
3. حقيقة وملابسات ثورة صالح العلي25–33▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل قراءةً نقديةً معمّقة لثورة الشيخ صالح العلي التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 1918 على الساحل السوري، ويحاول فهم ملابساتها الحقيقية وأسباب اندلاعها وطبيعة القوى التي ساندتها أو عارضتها. لا يكتفي المؤلف بسرد الأحداث، بل يحلّلها ويكشف التناقضات في الروايات الوطنية السائدة، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف تحولت حادثة قتل عرضية في منطقة القدموس إلى ثورة استمرت أكثر من سنتين وشاركت فيها أطراف متعددة؟
يبدأ الفصل بسرد الظروف التي سبقت الثورة، موضحاً أنه عند نزول الفرنسيين على الساحل السوري بموجب اتفاقية سايكس-بيكو، تدخلوا بشكل ارتجالي لحل خلاف إسماعيلي-إسماعيلي تحول إلى نزاع علوي-إسماعيلي في منطقة القدموس، دون أن يدركوا طبيعة العلاقات والعشائرية المعقدة السائدة هناك. وقد تطور هذا التدخل إلى صراع عنيف مع الزعيم العلوي المحلي صالح العلي، الذي وقف إلى جانبه بعض أبناء الطائفة الإسماعيلية من قرى الخوابي وزمرين. أما السبب المباشر للثورة، فيرجع إلى محاولة الضابط الفرنسي فلوريمون القبض على صالح العلي، مما أدى إلى اشتعال المعركة وفتح العداء مع الفرنسيين.
يؤكد المؤلف أن الإجابة على سؤال أسباب الثورة تكمن في الظروف الإقليمية الأوسع، ففي ربيع 1918 كان صالح العلي من أوائل الزعماء العلويين الذين استجابوا لنداء الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية، لاعتراض القوات التركية المنسحبة، وعقد معه علاقة طيبة. كما كان عداء الأمير فيصل للفرنسيين، بعد خديعة الحلفاء في سايكس-بيكو، دافعاً لصالح العلي للوقوف إلى جانبه. وفي 15 كانون الأول/ديسمبر 1918، دعا صالح العلي إلى اجتماع مع وجوه علويين وسنة في منطقته، تحدث فيه عن إخلاف الحلفاء بوعودهم وبيّن "النوايا الخبيثة" التي يضمرها الفرنسيون للعلويين، واستشارهم في إطلاق ثورة لضم العلويين إلى الشام، فوافقوا على اقتراحه بعد مشاورات استمرت ثلاثة أيام، وطلبوا العون من الملك فيصل.
يتناول الفصل القوى التي ساندت الثورة، موضحاً أنها لم تكن قوى شعبية طبقية، بل انتمت في معظمها إلى عائلات سنية من طرطوس واللاذقية وحماة، مثل مصطفى أغا محمود وعزيز هارون وفريد بك العظم، الذين كانوا يتوقون للعب دور جديد في المملكة السورية المستحدثة بزعامة الأمير فيصل. وكان الدعم الأساس يأتي من حكومة فيصل في دمشق، ومن حكومة الاتحاد والترقي التركية عبر ثورة إبراهيم هنانو، التي وحدت العداء المشترك للفرنسيين بين فيصل وأتاتورك. كما يلاحظ المؤلف أن صالح العلي طمح إلى زعامة علوية تتجاوز زعامته الضيقة لعشيرته الصغيرة، التي يعود نسبها إلى الانتماء الفاطمي الهاشمي المزعوم، وهو ما قد يكون المشترك الذي وحّده بعلاقة متينة مع عائلة الشريف حسين.
لم تكن الثورة لتستمر لولا الدعم العشائري، وعلى رأسها عشيرة المتاورة التي تنتمي إليها عشيرة المحارزة البشارغة (عشيرة صالح العلي نفسها) انتماء حماية. وكانت هذه العشيرة قد اكتسبت نفوذاً كبيراً بفضل بأسها الحربي الذي يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر. وقد حاولت حكومة الملك فيصل إحداث انتفاضة في منطقة العمرانية (مصياف) بسبب نفوذ المتاورة هناك، وأرسلت الشريف ناصر مع بعض الضباط إلى منطقة العشيرة، وأهدت سيف الأمير فيصل لزعيمها إسماعيل هواش خير بك، الذي عيّن بدوره شخصيات من العشيرة، مثل بو علي شاهين، لقيادة عمليات عسكرية. كما شارك زعيم سنجاري آخر هو إسماعيل أغا جنيد، زعيم الرشاونة في سهل الغاب، بدعم الثورة.
يخوض الفصل في تفاصيل العلاقات العشائرية المعقدة التي شكلت خلفية الثورة، فيشرح أن عشيرة المتاورة تضم عشائر مختلفة مثل الداورة والحدادين وبعض الكلبية، وهي عشائر يمانية قحطانية، بينما عشيرة الخياطين فهي عدنانية قيسية في معظمها، وأن هذه الانتماءات ليست بالضرورة حقيقة علمية لكنها تسهم في تشكيل هوية الجماعة. ويشير إلى أنه من مبادئ التضامن العشائري بين المتاورة وغيرها من العشائر كان "أكالين دم حطاطين دم"، أي أنهم يأكلون الدم ويضعون الدم، في إشارة إلى الالتزامات المتبادلة في الحماية والثأر. وقد أصدر زعماء عشيرة المتاورة، بعد اجتماعهم في معقلهم بقرية وادي العيون، تحذيراً شديد اللهجة من التعرض للمسيحيين في الجبال الساحلية، الذين كانت لهم علاقات حماية مع العشائر العلوية، ولذلك تمتعوا بحمايتها معظمهم. في المقابل، وقف الإسماعيليون إلى جانب الفرنسيين وحاربوا معهم، وتُذكَر هنا صراعات قديمة بينهم وبين العلويين، حيث كانوا يحتمون بالسلطة المركزية منذ العهد العثماني تحسباً لكونهم أقلية في محيط علوي، وهو ما يفسر موقفهم هذا.
يتناول المؤلف نهاية الثورة، مشيراً إلى أنها انتهت عملياً في أيلول/سبتمبر 1922، بعد معارك كر وفر استمرت نحو عامين تركزت في مناطق الكلبية في الشمال بزعامة صقر خير بك، وتوقف الدعم من الشمال (التركي) والجنوب (دمشق). وكانت ثورة هنانو قد توقفت في ربيع 1921 بعد اتفاق الفرنسيين مع أتاتورك، الذي انسحب من كيليكيا مقابل وقف دعمه للثورات. لجأت القوات الفرنسية إلى أعمال انتقامية شملت حرق القرى العلوية وفرض غرامات باهظة، وتدخل الإنكليز وأرسل الجنرال اللنبي رسائل إلى صالح العلي بحماية رجال من عشيرة المتاورة. وبعد اشتداد المعارك، عدمت القوى المساندة، فأدرك صالح العلي عدم جدوى الاستمرار فاستسلم.
يحلل المؤلف طبيعة الثورة وأهدافها، فيشير إلى رأي المؤرخ فيليب خوري الذي يعتبر أن المؤرخين السوريين نسبوا دوافع وطنية لجميع الثورات، بينما أن الحركات العلوية "ساهمت فيها أقليات متراصة، ألهبها في الغالب الأعم اعتبارات محلية أو أقله اعتبارات غير أيديولوجية". ويلاحظ أن التبعية العمياء للزعماء المحليين والنزعة الجبلية المعادية لكل أجنبي كانت أوضح من المشاعر العروبية الخالصة أو تأييد ملك بعيد. ومع ذلك، يقرّ المؤلف مع خوري بأن ميزة ثورة صالح العلي أنها "المرة الأولى التي يتم فيها التنسيق مع أشكال المقاومة الأخرى في إطار مشترك ضد الأجنبي". ويشير إلى أن إميل عباس آل معروف يرى أن صالح العلي تمكن من تكوين نواة لثورة من خلال العزف على وتري العروبة ومناهضة التبشير، لكن غالبية العلويين ونخبهم لم تقتنع بأن هاتين المشكلتين تحتاجان إلى ثورة على هذا النطاق الواسع.
يبين الفصل أن الثورة لم تحصل على إجماع العلويين، بل أن بعضهم قاتل ضده مع القوات الفرنسية، ككتلة النصيرية التي ضمت عناصر علوية لمحاربته، ورفض كثيرون السماح للثوار بإطلاق النار من قراهم على الفرنسيين. وكانت هناك معارضة قوية لصالح العلي حتى إن بعضهم أفتى بسبّه في الأعياد الدينية، وعائلته تعرضت لنوع من الإبادة عن طريق التسميم. ويورد المؤلف تصريحاً لافتاً للعميد علي زود، حين كان محافظاً لطرطوس، يصف فيه مجاهدي صالح العلي بأنهم "مجموعة من اللصوص الذين يسطون على الدجاج ويسرقون النحاس من الفلاحين"، ما يعكس صورة مختلفة عن الرواية الوطنية الممجدة للثورة. وكان صالح العلي، الذي يجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية، إقطاعياً صغيراً يفرض ضريبة الخمس على مزارعيه ليدفعها عنهم للعثمانيين، وقد أوصى قبل وفاته بأن تمنح أملاكه المتضمنة حوالي 10 قرى لزوجاته، ووزعها على أربعة، ولم تنفذ وصيته.
أخيراً، يستعرض الفصل نتائج الثورة التي لا تخلو من مفارقات، فقد كانت من نتائجها المباشرة أن اضطرت فرنسا إلى تقديم تنازلات لحكومة الاتحاد والترقي والانسحاب من كيليكيا، ثم التخلي عن لواء الإسكندرون، وهو ما لم يكن في مصلحة سوريا. كما أنها مثلت انتكاسة جديدة للصراعات القديمة بين العلويين والإسماعيليين، وتركت آثاراً سلبية على العلاقة بينهما، وخلص إلى أن التحالف مع الفرنسيين أو الوقوف ضدهم لم يخدم مصلحة أي من الطائفتين اللتين وقعتا ضحية صراعات الكبار في المنطقة. ويتساءل المؤلف بحق عن حجم مصلحة سوريا والسوريين من هذه الثورات المسلحة مقارنة بالمصلحة التركية، خصوصاً في ظروف كان فيها النضال المطلبي ممكناً لتحقيق الكثير. وفي هذا السياق، ينتقد المؤلف أيضاً الادعاءات حول "طهارة" الثورة، مشيراً إلى أن الحمولة الثقيلة لم تكن وطنية بقدر ما كانت عصبية جزئية ضد الأجنبي ضمن نطاق عشائري محدد، وأن عدم حصول الثورة على إجماع العلويين كان لسبب واضح هو إدراكهم أن فرنسا لم تكن عدوتهم الحقيقية، وأنهم لم يعرفوا وطناً غير جبالهم، بالإضافة إلى أن زعماءهم حصلوا على الأمان من الفرنسيين كانوا مطلوبين للعثمانيين.
يشير الفصل في ختامه إلى أن هذه الثورة مثلت أيضاً فرصة سياسية استخدمتها بعض الأطراف لتحقيق مكاسب خاصة، ويطرح سؤالاً مهماً حول كيفية استجابة العلويين للثورات بشكل عام، ويقارنها بالحركة المرشدية التي ظهرت بعدها، فيخلص إلى أن ثورة صالح العلي لم تحقق التغيير الاجتماعي والسياسي المنشود، وإنما بقيت في إطار العصبية العشائرية والتطلعات المحلية، وهو ما يجعل تقييمها التاريخي أمراً معقداً، بعيداً عن التمجيد العاطفي أو التبسيط الأيديولوجي.
4.الحركة المرشدية33–39▼ ملخص
يُقدّم هذا الفصل دراسةً معمّقة للحركة المرشدية في سوريا، معتبرًا إياها ظاهرةً اجتماعية-دينية عنيفة ظهرت في أوائل عشرينيات القرن الماضي بين العلويين، وذلك بوصفها نموذجًا مختلفًا جذريًا عن ثورة صالح العلي التي سبقتها. يرى المؤلف أن الحركتين تشتركان في الرغبة بالخروج من العزلة بعد زوال الاحتلال العثماني، لكن بينما كانت ثورة العلي ذات طابع عروبي بقيادة زعيم محلي إقطاعي صغير وحاولت تثبيت الواقع المتخلف، فإن الحركة المرشدية انطلقت من أعماق الواقع البائس بقيادة شخصٍ أمّي من قاع المجتمع، مما أكسبها طابعًا انفجاريًا هدّامًا. يُجري المؤلف مقارنة فيرى أن المرشدية، بخروجها العنيف على البنية الدينية والاجتماعية، تركت آثارًا إصلاحية حقيقية ودائمة في نطاق عصبيتها، في حين أن أثر ثورة صالح العلي ظل محدودًا اجتماعيًا ووطنيًا.
يتناول الملخص نشأة الحركة من خلال سيرة مؤسسها سلمان المرشد (1907-1946)، المولود في قرية جوبة برغال في قضاء الحفة بريف اللاذقية، والذي بدأ حياته راعيًا قبل أن يقنع الناس بقدرته على صنع المعجزات. يوضح الفصل أن فكرة الغيبية، القائلة بوجود إله غائب سيعود ليحقق العدالة، هي التي سادت المنطقة ودفعت البعض للاعتقاد بأن سلمان هو المهدي المنتظر الذي بُشّر بقيامه، وأن بعض الشيوخ تبنّوا دعوته وكانوا الآباء المؤسسين الحقيقيين للحركة. انتشرت دعوة المرشد بسرعة لتشمل قرى في ريف حمص والجولان، وبلغ عدد أتباعه قرابة 80 ألفًا، وأصبح يوم الدخول في الثاني من تموز مناسبة سنوية لاحتفال الأتباع باتحادهم، وذلك نتيجة لظروف البؤس الاقتصادي والفقر المدقع الذي كان يعاني منه قاطنو أعالي الجبال.
يركز الفصل على الأبعاد الاجتماعية الحادة للحركة، فيشير إلى أنها كانت أقرب إلى الحركات المهدية العنيفة التي تظهر في مجتمعات لم تعرف الحداثة، مشبهًا إياها بالحركة المهدية في السودان، ومستشهدًا بتحليل المؤرخ عبد الله حنا الذي يرى أن السبب الأساسي لظهورها هو العامل الاجتماعي المتداخل مع الموروث الديني، مما أدى لتشكل عصبية قبلية انفجارية خرجت عن السيطرة في بعض الأحيان. عمليًا، عملت الحركة على أخذ حقها بنفسها بالاستيلاء على الأراضي التي امتلكها الإقطاعيون بالحيلة، مثل أراضي قربك إسطامو في اللاذقية والمملوكة لآل شربتجي، وتوزيعها على الفلاحين مع بعض التعويض، مستفيدة من اضطراب الأوضاع السياسية وميل سلطات الانتداب الفرنسي لتحجيم الحركة الوطنية السورية.
من الناحية الدينية، يبين الفصل أن المرشدية مثّلت حركة إصلاحية جذرية ضد واقع التدين العلوي، حيث عمل سلمان المرشد على إبطال الاعتقاد بـ التناسخ، وإبطال الذبائح عند المقامات، ووضع شروطًا لفحص المشايخ لتحييد المدّعين، وإلغاء لباسهم الخاص، ومعارضة فكرة التقية، ورفض تكريم العلويين لـ عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي، واعتبار القمر والشمس مجرد أفلاك لا دين لهما. كما حرّر المرأة واعتبرها مساوية للرجل دينيًا واجتماعيًا، وهي إصلاحات جعلت المؤلف يقارنها بالحركة الوهابية والحركة الإصلاحية البروتستانتية لمارتن لوثر، مشيرًا إلى أن هذا البرنامج الإصلاحي الطموح لم يُطبّق بالكامل عبر لجان خاصة لاختبار أهلية المشايخ.
على المستوى السياسي، يوضح الملخص تطور الحركة من مجرد حركة دينية إلى قوة سياسية بارزة، حيث انتُخب سلمان المرشد في المجلس التمثيلي للدولة العلوية بعد عام 1925، ثم في الانتخابات النيابية الوطنية عام 1937 وما بعدها، وأعيد انتخابه على رأس كتلة برلمانية من 6 نواب. أدى صعوده إلى مواجهته مع القوى الإقطاعية المحلية في اللاذقية المنضوية تحت الكتلة الوطنية، وتفاقم الخلاف بشكل خاص بعد فوز الكتلة بالحكم واستئثارها به، خاصة بعد اتهام زعمائها بالوقوف وراء اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر عام 1940. ويشير الفصل إلى حالة التوافق الفرنسي-البريطاني على تحجيم المرشد، بسبب تهديده المحتمل لمصالحهما المتمثلة في شركة الإمبريال الإنكليزية المحتكرة لتجارة التبغ وخط أنابيب النفط من العراق إلى بانياس.
يخصص الفصل جزءًا كبيرًا لعرض الأدلة القضائية والسياسية التي سبقت إعدام المرشد، معتمدًا على مذكرات فريدة نشرت متأخرًا لأحمد نهاد السياف، تلميذ إبراهيم هنانو من الجيل الثاني للكتلة الوطنية. تروي المذكرات كيف طلبت حكومة دمشق من السياف الإدلاء بشهادة زور ضد سلمان المرشد لتستكمل أدلة الإدانة، حيث قال له موفد الحكومة علي الحياني حرفيًا: «ناقل الكفر ليس بكافر... إن العناصر الجرمية في دعوى سلمان غير كافية لحكمه بالإعدام... سلمان سيعدم سياسيًا»، وذلك مقابل شيك على بياض ووظيفة في الخارج. يشير المؤلف إلى أن هذه الشهادة دليل على أن القضاء على المرشد كان قرارًا سياسيًا مسبقًا، وأن مذكرات السياف تكشف الطبيعة الحقيقية للممارسات السياسية لزعامات الكتلة الوطنية، متسائلًا في حاشية بحثية: كيف تكون شخصيات الكتلة الوطنية، ومعظمها قوى إقطاعية مستمرة من العهد العثماني، أكثر وطنية من راعٍ فقير انقضّ على حكم الإقطاع.
يروي الملخص الخاتمة الدرامية للحركة، حيث اعتُقل سلمان المرشد في لبنان وجُلب إلى دمشق، ونُفي فيها لمدة سنة، ثم نُفذت حملة عسكرية إلى معقله في جوبة برغال في 13 أيلول/ سبتمبر 1946، واعتقل وأُعدم بسرعة لافتة في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1946 بعد تجاهل الرئيس شكري القوتلي لكل طلبات العفو. ويشير الفصل إلى أن القمع سبقته ممارسات تعسفية من قبل الشرطة، وأن المرشد لم يكن يريد القتال بل قام بخطوات للتهدئة والتعاون مع الحكومة، حتى إنه شجّع الجنود العلويين في الجيش الفرنسي على الانتقال إلى الجيش الوطني عام 1945، لكنه قتل زوجته «أم فاتح» التي حرضت على المقاومة أثناء حصار الشرطة لمقر إقامته. ويرى المؤلف أن إعدامه وفقدان ثقة العلويين بحكومات الكتلة الوطنية بعد الاستقلال كان له تبعات سياسية سلبية، وأنه ظل صاحب النفوذ الأول في بلاد العلويين حتى جلاء الفرنسيين عام 1946.
في خلاصته، يؤكد الفصل أن المرشدية كانت ثورة دينية واجتماعية في آنٍ معًا، قوضت أسس الطريقة العلوية التي باتت في خدمة فئة المشايخ ومزاراتهم، والذين استعبدوا الفقراء وفرضوا عليهم الزكاة بصورة مقلوبة تذهب إلى جيوبهم بدلًا من التكافل الاجتماعي. كما أجازت المرشدية على النظام العشائري من داخله بعد أن فقد دوره المتلائم مع مرحلة السيطرة العثمانية، فطوّرت عصبيتها الخاصة التي أصبحت الأقوى في المنطقة، وإن لم يخلُ قادتها أو أتباعها من أخطاء وجرائم، إلا أن المؤلف يعتبر ذلك منطق الثورات والحركات الاجتماعية العنيفة في كل الأحوال. أخيرًا، يفتح الفصل باب النقاش حول مدى شرعية أو أخلاقية استخدام العنف في الحركات الإصلاحية، وحول ازدواجية المعايير في تعامل النخب الوطنية مع الحركات الشعبية التي تهدد مصالحها الطبقية، وهي تساؤلات تبقى مفتوحة للقارئ للنظر فيها.
5. دورالنخب العلوية ومو اقفها39–47▼ ملخص
مل يدور هذا الفصل حول مواقف النخب العلوية المختلفة خلال فترة الانتداب الفرنسي، وكيف تدرجت هذه المواقف من التطلع إلى الاستقلال الذاتي أو الارتباط بفرنسا، إلى القبول في النهاية بالانضمام إلى الدولة السورية الناشئة. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن خيارات النخب العلوية لم تكن نابعة من أيديولوجية ثابتة، بل كانت ردود فعل مضطربة ومتغيرة على الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى العلاقات المعقدة مع السلطة الفرنسية ومع الحركة الوطنية السورية.
يبدأ الفصل بتوضيح الدوافع التاريخية لترحيب العلويين بالفرنسيين، والتي تمثلت في الرغبة بالتحرر من التمييز العثماني والحنين إلى كيان مستقل يعكس عزلتهم الجبلية. يستعرض المؤلف بعدها انقسام النخب السياسية والعشائرية؛ ففي حين تعاون زعيما عشيرتي الخياطين والحدادين، جابر العباس وإبراهيم الكنج، مع الفرنسيين وتناوبا على رئاسة الدولة العلوية بين عامي 1920 و1936، وقف زعماء عشيرة المتاورة (آل البواش) ضد الفرنسيين ومع الحكومات المركزية. ويشير الكاتب إلى أن هذا التعاون لم يكن مطلقاً، فحتى هذين الزعيمين انقلبا على الفرنسيين بعد خسارتهما في انتخابات عام 1937. ثم ينتقل إلى ذكر ثورة صالح العلي وعلاقتها بالخيار العروبي – الفيصلي، موضحاً أن معظم العلويين لم يكونوا حلفاء لأي طرف بشكل كامل، بل كانوا يسعون لإدارة شؤونهم الخاصة.
يتناول الفصل بعدها تحولاً جوهرياً في موقف النخب العلوية، حيث بدأت معظمها بالاقتناع بعدم جدوى التعويل على الانتداب الفرنسي لتشكيل دولة علوية قابلة للحياة، خاصة بعد أن حققت فرنسا هدفها الأهم بتأسيس دولة لبنان الكبير. ويشير إلى أن تخلف المنطقة وعدم امتلاكها الموارد والكوادر اللازمة دفعها نحو الانضمام إلى سورية، وهو ما تجسد في أن أغلبية النخب صارت مع الانضمام في عام 1936، بشرط تطبيق نوع من اللامركزية الإدارية والمالية، وهو ما اعترفت به حكومة الكتلة الوطنية في اتفاقية 1936 ووافق عليه العلويون في 1937.
ينتقل المحور الثاني من الفصل إلى النخب الدينية والثقافية والحزبية، حيث يصف فترة الانتداب بأنها فترة خروج العلويين من "القمقم الجبلي" بفضل انتشار التعليم الرسمي والمدارس. يذكر المؤلف أبرز الشخصيات مثل الشيخ سليمان الأحمد وابنه الشاعر بدوي الجبل الذي يمثل مثالاً على التذبذب السياسي، حيث عمل مع الملك فيصل ثم تعاون مع الفرنسيين قبل أن يعود لمعاداتهم. ويستعرض الفصل الدور الذي لعبته مجلات مثل "العرفان" و**"الأمالي"** وصحف مثل "الصدى العلوي" و**"العلوي"** في نشر الأفكار والتعريف بالطائفة. ويبرز هنا محاولة رجال الدين توحيد الطائفة في مؤتمر عام 1933، وإصدارهم بياناً دعا للحفاظ على الشريعة الإسلامية العلوية، لكن البيان أظهر تناقضات داخلية، مثل رفض البعض وصف الشريعة بالإسلامية، وإصراره على أهمية العشيرة في وقت كانت بدأت تتفكك فيه.
يختص الجزء الأخير من الفصل بالحامل العسكري لصعود العلويين، مركزاً على القوات الخاصة للشرق التي تأسست عام 1921. يوضح الكاتب أن هذه القوات، التي تشكلت من الأقليات ومن بينهم العلويون بكثافة، كانت نواة الجيشين السوري واللبناني لاحقاً، وأنها وفرت للعلويين الفقراء مصدر دخل وحراكاً اجتماعياً. ومع ذلك، يحرص المؤلف على التأكيد على أن العلويين كانوا في الغالب مجرد جنود وضباط صف، ولم يتقلدوا مناصب قيادية، وأن نسبتهم بين الضباط في الأكاديمية العسكرية بحمص بين عامي 1932 و1946 كانت أقل من نسبتهم السكانية. ويخلص الفصل إلى أنه حتى انقلاب 1963، لم يكن الحامل العسكري كافياً لتفسير صعود النخب العلوية، وأن الحوامل الأهم تمثلت لاحقاً بالأحزاب السياسية العقائدية مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي.
يقرّ الفصل في سياقه بحدود ما يقدمه، إذ يظهر أن المصادر التاريخية حول بعض النخب محدودة، وأن مواقفها كانت مرنة ومتغيرة مما يصعب حصرها في تصنيفات جامدة. كما أن السرد يظهر حججاً قابلة للنقاش، مثل التفسير الاقتصادي والاجتماعي لانخراط العلويين في الجيش، أو تحميل الكتلة الوطنية المسؤولية الرئيسية عن التداعيات اللاحقة في تاريخ سورية بسبب رفضها فكرة اللامركزية، وهي وجهة نظر يتبناها المؤلف بوضوح في ختام الفصل.
6. دولة العلويين: ظروف النشأة والمسار47–61▼ ملخص
يبحث هذا الفصل في نشأة «دولة العلويين» under الانتداب الفرنسي على سورية، متتبعاً مسارها من عام 1918 حتى عام 1946، ويحلل الظروف التي أحاطت بتأسيسها والعوامل التي أدت إلى إنهائها ودمجها في الجمهورية السورية. يتمحور الموضوع حول تساؤل جوهري: كيف تحولت منطقة جبل العلويين من منطقة عثمانية معزولة إلى كيان سياسي شبه مستقل، ثم إلى محافظة سورية؟ يقدم المؤلف إجابة تتسم بالتعقيد، مركزاً على التفاعل بين ثلاثة عوامل رئيسية: المصالح الاستعمارية الفرنسية، والحركة القومية العربية الناشئة، والبنية الاجتماعية والعشائرية للمجتمع العلوي. ويخلص إلى أن هذا الكيان لم يكن سوى أداة في السياسة الفرنسية لتقسيم سورية وإضعافها، بينما كان العلويون أنفسهم منقسمين بين الرغبة في الحماية من الاضطهاد وبين الانخراط في الدولة السورية الناشئة، لتنتهي القصة بضم المنطقة إلى سورية بشروط لامركزية لم تُحترم بشكل كامل.
يسير الفصل بخطى زمنية، مبتدئاً بانتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918، حيث كان العامل الأول المهيمن في سورية هو وجود القوات الإنكليزية التي حققت النصر على العثمانيين. ثم ينتقل إلى العامل الثاني المتمثل في المطالب الفرنسية التاريخية في المنطقة، والتي يعتبرها المؤلف غير متينة، كونها لم تتجاوز حماية الموارنة بعد أحداث عام 1860. وسرعان ما يصطدم هذان العاملان بعامل ثالث هو صعود القومية العربية. ويشير الكاتب إلى أن مبادئ حق تقرير المصير للرئيس ويلسون أثرت في أوروبا، مما أدى إلى التحول من مفهوم الاستعمار إلى الانتداب، وهو ما يعني تقديم المساعدة للدول المتحررة. هذا الإطار القانوني سمح لفرنسا، حسب وثيقة الانتداب التي صدرت في 24 تموز/ يوليو 1922، بحرية تصرف كاملة تجاه الأقليات، مما أدى إلى تقسيم سورية إلى أربع دول: دمشق، حلب، الدروز، والعلويين.
يخصص الفصل جزءاً كبيراً لشرح الأسباب التي ساقتها فرنسا لإنشاء دولة العلويين، في مرسوم صدر في 2 أيلول/ سبتمبر 1920 لفصل منطقتي اللاذقية وطرطوس عن سورية. كانت المبررات الرسمية هي "تخلف" السكان الجبليين، وخوفهم من اضطهاد الحكام السنة، وتميزهم الديني. لكن المؤلف يرى أن هذه المبررات كانت منطقية على السطح لكنها تخفي دوافع أخرى، منها رغبة فرنسا في الحصول على دعم العلويين في مواجهة معارضة الداخل السوري الموالي للملك فيصل وصالح العلي. ويشير إلى أن سكان المدن الساحلية، ومعظمهم من السنة والمسيحيين، كانوا ضد الانفصال، في حين كان التأييد له في الجبال حيث يقطن العلويون والإسماعيليون. هنا يبرز التحدي الأساسي: حالة العلويين الاجتماعية البائسة وانعدام مفهوم الدولة لديهم، إذ كانت العشيرة هي السقف الأقصى للانتماء، وكان الجيش والدولة مفهومين عثمانيين يمثلان التعسف الخارجي، مما يجعل تحولهم السريع نحو الفرنسيين مثيراً للدهشة، رغم أن الفصل يوضح أن فرنسا فتحت للعلويين باب الخروج من عزلتهم الجبلية.
يتناول الفصل بعد ذلك تطورات سياسية متلاحقة، حيث لجأت فرنسا في عام 1922 إلى إنشاء مجلس اتحادي يضم دول دمشق وحلب والعلويين، لكن التمثيل العلوي بقي ناقصاً في التعيينات الوزارية، وهو ما اعتبره البعض خطأً كبيراً. وفي 1 شباط/ فبراير 1925، أعلنت فرنسا قيام "الدولة العلوية المستقلة" برئاسة حاكم فرنسي، مع مجلس تمثيلي من خمسة عشر مقعداً موزعين طائفياً. لكن هذا لم يمنع استمرار الانقسام بين العلويين، فهناك وفد سكزي مسيحي زار المندوب السامي مطالباً بالوحدة مع سورية، وفي المقابل أعلن العلويون عبر مجلسهم الممثل حديثاً تمسكهم بالانفصال. كما يشير الفصل إلى أن العلويين لم يشاركوا في الثورة السورية الكبرى التي انطلقت من جبل الدروز عام 1925، وذلك لإنهاكهم من ثورة صالح العلي السابقة، ولشعورهم بأنهم حاربوا وحيدين دون جدوى.
مع حلول عام 1930، تغير اسم الدولة العلوية إلى "حكومة اللاذقية"، وانتخب إبراهيم الكنج رئيساً لها في نيسان/ أبريل. ويبرز الفصل حالة من الجمود والصراع حول الدستور، حيث نصت المادة الأولى من نظام الجمهورية السورية على عدم التخلي عن أي جزء من سورية، وهو ما رفضه العلويون لأنه يمس أهم ميزة لهم وهي الاستقلال. ويصف الكاتب الحالة السياسية بعدم النضج والميل إلى العنف، منقلاً رأي لونغريغ الذي يرى أن النخبة السورية كانت تقاد بشعارات لا تمثل دافعي الضرائب. ويضيف الكاتب أرقاماً دالة على البؤس الاجتماعي، مثل ارتفاع نسبة الأمية وانعدام الوظائف، حيث لم تتجاوز نسبة إشغال الوظائف 47%، مما جعل الاستقلال الإداري سبباً في الانحطاط عوضاً عن كونه عامل تقدم.
يصل الفصل إلى ذروته مع عام 1936، عندما ظهرت حركة "الشباب المسلم العلوي" كرد فعل على الصراع بين دعاة الوحدة والاستقلال، في محاولة لتجاوز العشائرية وتأييد الوحدة مع سورية. وقد صاحبت ذلك مظاهرات مؤيدة وأخرى رافضة للوحدة خلال محادثات باريس بين الفرنسيين والحكومة السورية. وتجدر الإشارة إلى أن الفرنسيين أكدوا في معاهدة 1936 على وضع خاص لبلاد العلويين والدروز مع إبقاء حامية عسكرية فيهما، بينما سعى الوطنيون إلى ضمهما. وفي خضم ذلك، أصدر مفتي القدس الحاج أمين الحسيني فتوى تعتبر العلويين مسلمين، في محاولة لتطمينهم. ورغم التوقيع الأولي على المعاهدة في 5 أيلول/ سبتمبر 1936، ماطلت فرنسا في التصديق عليها، لتصدر في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1936 مرسوماً بضم "دولة العلويين" إلى سورية تحت مسمى "محافظة اللاذقية"، مع اشتراط موازنة خاصة ونظام إداري خاص وتمثيل ستة عشر نائباً في البرلمان.
ينتقل الفصل بعدها إلى مرحلة ما بعد الضم، ويصفها بأنها كانت فترة شكاوى وعدم وفاء بالوعود. اشتكى العلويون من أن بلادهم لم تحصل على الحكم الذاتي الذي نصت عليه المعاهدة، وأن سلطات الحكم المركزي تجاهلت حقوقهم، إلى أن أعلن المفوض السامي الفرنسي في عام 1939 تعليق العمل بالدستور وإعادة مناطق الأقليات إلى حكم ذاتي أوسع، كإجراء طارئ مع بداية الحرب العالمية الثانية. ومع دخول قوات فرنسا الحرة إلى سورية في حزيران/ يونيو 1941، أعلن الجنرال كاترو استقلال سورية ولبنان في آب/ أغسطس، وتم ضم جبل العلويين وجبل الدروز إلى سورية من جديد في شباط/ فبراير 1942. وخلال هذه الفترة، يبرز الفصل نفوذ شخصيتين: سلمان المرشد الذي انتخب في البرلمان محاولاً التوفيق بين الكتلة الوطنية والفرنسيين، والحزب القومي السوري الاجتماعي الذي لاقى اهتماماً في المناطق العلوية بسبب علمانيته. كما كانت المؤسسة العسكرية هي القوة الثالثة الصاعدة، والتي يعتبرها الكاتب السبيل الوحيد للارتقاء الاجتماعي.
يختتم الفصل بتحليل التحديات التي واجهت الدولة السورية الناشئة، والتي تمثلت في الصراع بين القوى الوطنية والانتداب، والبؤس الاجتماعي، والانقسامات الطائفية. ويشير إلى حادثة قصف دمشق وتدمير البرلمان في 29 أيار/ مايو 1945 من قبل سلطة الانتداب، والتي أثارت تضامناً وطنياً شمل العلويين والدروز، ولم تتوقف إلا بإنذار من تشرشل لديغول وحلول الجيش الإنكليزي مكان الفرنسي. وأخيراً، في نيسان/ أبريل 1946، تم إقرار جلاء الفرنسيين عن سورية. يقدم المؤلف تقييماً متوازناً لفترة الانتداب، منقلاً آراء مختلفة؛ فهناك من يرى أن فرنسا نقلت المجتمع السوري إلى الحداثة عبر بناء المؤسسات وشبكات الطرق، بينما يرى آخرون أن الاستيلاء على سورية بالقوة كان مرفوضاً وفشلت فرنسا في إيجاد صيغة ملائمة للحكم بسبب قوة الحركة القومية.
من أبرز الحجج القابلة للنقاش في هذا الفصل، الادعاء الذي ينقله الكاتب عن إميل عباس ال معروف، بأن زعماء الكتلة الوطنية ساهموا في التخلي عن لواء إسكندرون لتركيا بموجب اتفاقية عام 1939، لأن بقاءه مع سورية يعني زيادة عدد العلويين في الدولة، وهو ما كان يخشونه. هذه المقولة تعكس عمق الانقسام الطائفي وتقدم تفسيراً يضع المصالح الطائفية فوق المصالح الوطنية، وهو ما قد يكون مبالغاً فيه أو يحتاج إلى تحقق، لكنه يوضح كيف تتفاعل الهويات الفرعية مع السياسات الكبرى. كذلك، يبرز الفصل تناقضاً في تقييم سلوك العلويين، فبينما يصورهم كضحايا للعزلة والفقر، يظهرون في مواضع أخرى كعناصر فاعلة تستخدم تحالفاتها مع القوى الخارجية (العثمانيين سابقاً أو الفرنسيين لاحقاً) لتحقيق مكاسب قبلية أو للانتقام من خصوم محليين مثل الإسماعيليين، مما يعقد الصورة النمطية للعلويين ككيان واحد متجانس، ويؤكد على هشاشة مفهوم الدولة الحديثة أمام الولاءات العشائرية.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص
أماكن
أحداث