المورد
يساريون لبنانيون في زمنهم

يساريون لبنانيون في زمنهم

دلال البزري١ كانون الثاني ٢٠٢١arالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

يسعى كتاب "يساريون لبنانيون في زمنهم" للباحثة دلال البزري إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف تكوّنت المواقف السياسية لليساريين اللبنانيين؟ تنطلق الكاتبة من ملاحظة أن السجال السياسي الحالي بين اليساريين حول قضايا مثل الانتفاضة السورية وسلاح حزب الله هو سجال عقيم لا يقدم جديدًا، فتقرر العودة إلى الجذور التاريخية لتكوين هذه المواقف، معتبرة أن لحظة التأسيس الحقيقية هي هزيمة حزيران/يونيو 1967 وما تلاها من تجارب. تتبنى البزري في كتابها أسلوبًا "موزاييكيًا" أو فسيفسائيًا يعترف بنسبية المعرفة وبالذاتي في البحث، بعد أن تخلص إلى أن الموضوعية المطلقة مستحيلة في الدراسات الإنسانية. هذا المنهج، المستوحى من الكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتين، يسمح لها بمزج سيرتها الذاتية بوصفها عضوًا سابقًا في منظمة العمل الشيوعي، مع التحليل التاريخي والسياسي، وبناءً عليه تقدم "حكاية نسبية ناقصة" عن يساريي لبنان، مكتملة بوعيها بحدودها وتحيزاتها.

تتوزع مادة الكتاب على أجيال متعددة، مع هيمنة واضحة لجيل الخمسينيات (مواليد 1950-1959) الذين كانت أعمارهم بين الثامنة والسابعة عشرة وقت نكسة 1967. تعتمد الدراسة على مقابلات مع 42 اسمًا من اليساريين، وتلاحظ هيمنة عددية للشيعة الجنوبيين في العينة، وتفسر ذلك بدورهم البارز في الحياة السياسية بصرف النظر عن اتجاهاتهم. تروي الكاتبة بصدق الصعوبات المنهجية التي واجهتها، مثل رفض بعض القيادات التحدث معها لأسباب أيديولوجية أو شخصية، وتنتقد بعمق "النزعة التراتبية" و"الثقافة القيادية" التي لاحظتها لدى بعض قادة المنظمة، مستشهدة بقصص عن التمييز بين القياديين والقاعدة.

يبدأ السرد التاريخي للكتاب برسم صورة عاطفية لزمن جمال عبد الناصر الذي اجتاحت ناصريته لبنان بكل أطيافه، حتى أن خصومه السياسيين خففوا انتقاداتهم له. لكن المفارقة المركزية التي يرصدها الكتاب هي أن هزيمة 1967، التي أدت في مصر وسورية إلى تراجع الموجة اليسارية وصعود الإسلام السياسي، أنتجت في لبنان التأثير المعاكس تمامًا: اندفعت الماركسية واليسارية بقوة غير مسبوقة، وصارت "الماركسية هي الحل". في ذلك المناخ، وعلى الرغم من الحماسة الجماهيرية، تعاني الأحزاب اليسارية من فقر نظري وجمود فكري، فيتحول المثقف إلى بطل والقراءة إلى فعل نضالي. يبرز الكتاب ظاهرة الطغيان الشيعي في العينة المدروسة، ويعزوها إلى إصلاحات فؤاد شهاب التي فتحت القرى الشيعية على النظام الإداري والتعليم، فتكوّنت طبقة متوسطة شيعية متعلمة ذات تطلعات جذرية، ولعبت المنح الدراسية إلى الدول الاشتراكية دورًا كبيرًا في هذا التحول.

يلقي الكتاب الضوء على الجاذبية الهائلة التي تمتع بها الفلسطينيون في لبنان، وكيف تحولت القضية الفلسطينية إلى عامل محوري في تشكيل الوعي السياسي اللبناني. يصف الكاتب كيف أن بيروت "الخيمة" التي تغنى بها محمود درويش كانت مبهورة بهم، حتى أن ملكة جمال الكون جورجينا رزق تزوجت من قائد قوات الـ17 الفلسطينية أبو حسن سلامة. تتوالى الأحداث من التظاهرة الدموية في ساحة البربير في 23 نيسان/أبريل 1969، التي وصفتها الأحزاب اليسارية بالانتفاضة الشاملة، وصولاً إلى اتفاق القاهرة في العام نفسه الذي منح الكفاح الفلسطيني أرضية حرة للتنقل والقتال، وظل سريًا حتى نشرته صحيفة النهار بعد عام بالضبط. ومع اشتداد الضربات الإسرائيلية، يوثق الكتاب اغتيال شخصيات فلسطينية بارزة مثل غسان كنفاني في تموز/يوليو 1972، وعملية "فردان" التي اغتيل فيها ثلاثة قادة فلسطينيين في قلب بيروت، ليكشف عن تناقض لافت: فبينما كان الحشد الهائل في التشييع يؤكد التلاحم بين اللبنانيين والفلسطينيين، كانت الحياة المترفة التي يعيشها القادة الفلسطينيون في قلب المأساة تثير النقد حتى من المتعاطفين، كما يظهر في شهادة والد حسام عيتاني الشيوعي المتعاطف الذي تساءل بمرارة: "تريدون محاربة إسرائيل التي هزمت العرب جميعاً، وتسكنون الشقق الفاخرة في بيروت؟".

ينتقل الكتاب إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الطائفية والطبقة في لبنان، ويقدم تحليلًا للهرم الاجتماعي عشية الحرب حيث تقف البرجوازية المارونية في القمة وتأتي البرجوازية الشيعية الحديثة في القاعدة. يستعرض الفصل رؤيتين متعارضتين حول حتمية الحرب: فبينما ترى الرؤية اليسارية "الحتمية التاريخية" للوضع اللبناني، يرى فريد الخازن أن لبنان كان "ظاهرة سعيدة" وأن الإصلاح كان ممكنًا، مشيرًا إلى أن الديمقراطية كانت تعمل والطائفية في أدنى مستوياتها منذ الاستقلال. أما سمير فرنجية فيقدم تفسيرًا مختلفًا مستوحى من حنة أرندت، حيث يرى أن الدولة الشهابية حرمت الفرد من "وضعيته الشخصية السابقة"، فتحولت رغبته في الترقي إلى منافسة عنيفة. يسجل الكتاب شهادات تكشف عن تناقض صارخ بين النظرية الثورية والواقع الطائفي، كشهادة وليد نويهض عن اكتشافه خلال "حادثة عين الرمانة والشياح" أن الفقراء المسيحيين كانوا يقتلونهم، وأن كل التصنيفات التي كانت سائدة عن المسيحي الغني والمسلم الفقير لم تكن صحيحة، كما يضيء على تجربة الشباب اليافعين في الحرب، من أمثال محمد بلوط وزياد صعب اللذين لم يتجاوز سن كل منهما ستة عشر عامًا عند اندلاعها، حيث يصف بلوط سعادته باندلاع الحرب ويصف يوم وقف إطلاق النار بأنه كان يومًا تعيسًا بالنسبة إليه.

بعد الانهيار العسكري والسياسي لليسار خلال الحرب الأهلية، يطرح الكتاب سؤالًا مصيريًا عن مصير اليساريين، ولا سيما المسيحيين منهم، فيجد أن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كانت المحطة الحاسمة التي قدمت نموذجًا بديلًا عن الماركسية وفتحت باب "التأسلم" كخيار جديد. يخصص الكتاب القسم الأكبر لتحليل تحول "الكتيبة الطلابية"، وهي مجموعة انشقت عن منظمة العمل الشيوعي والتحقت بفتح، ويروي من خلال شهادات سعود المولى وطلال عتريسي كيف انتقل هؤلاء الشباب من الماوية إلى الإسلام، فقد قادتهم موجة الاهتمام بـ"خط الشعب" الماوي إلى دراسة ثقافة الجماهير، فوجدوا أن ثقافة شعبهم هي الإسلام وليس الماركسية، وكانت الثورة الإيرانية هي المثال العملي الذي "قلب المعادلة". يمثل وليد نويهض حالة التأييد النقدي الذي لم يصل إلى التأسلم، بينما يقدم حازم صاغية المراجعة الأكثر قسوة، معترفًا بأن تأييده المبكر كان نتاج هشاشة نفسية ورغبة في الاحتماء بـ"الأكثرية" بعد هزيمة اليسار، ويصف هذه الحالة بـ"البحث عن الأب" بعد رحيل عبد الناصر.

يرسم الكتاب صورة قاتمة للاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران/يونيو 1982، ويكشف عن خذلان متعدد المستويات تعرض له الفلسطينيون وحلفاؤهم: فسورية انسحبت من المعركة وسحبت أسلحتها الفاعلة ونقلت 107 صواريخ سام-7 قبل أسبوع من الحرب، وأغلق السوفيات الباب بوجه عرفات، بينما تظهر شهادات متناقضة عن الواقع الجنوبي، حيث يصف عباس بيضون ارتياح أهالي صور لانسحاب الفلسطينيين مع عبارات مثل "تركّنا الفلسطينيون بعدما ورّطونا بإسرائيل"، في المقابل يصف مشاهد البكاء الجماعي والنحيب بعد الانسحاب. يختتم الفصل بنتائج الاجتياح المدوية: انسحاب المنظمات الفلسطينية، ومجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول/سبتمبر 1982، وتوقف العمل بصيغة الحركة الوطنية اللبنانية، ويطرح سؤالًا مفتوحًا حول ما إذا كان التصدع الداخلي والفساد الفلسطيني عوامل مهّدت للاجتياح بنفس قدر التفوق العسكري الإسرائيلي أو أكثر.

بعد الاجتياح، يوثق الكتاب صعود التيارات الإسلامية كقوى مقاومة جديدة على حساب اليسار، الذي لم يتمكن من الصمود طويلًا بسبب خلافاته الداخلية وتراجع الدعم الإقليمي. تتفكك جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول" التي تأسست في 16 أيلول/سبتمبر 1982، بسبب الخلافات حول العلاقة مع النظام السوري والقضية الفلسطينية، فبينما ترفض المنظمة مساواة الوجود الفلسطيني والسوري بالاحتلال الإسرائيلي، يرسل الحزب الشيوعي برقية تهنئة للرئيس الجديد أمين الجميل. في المقابل، يبرز حزب الله ومنظمة الجهاد الإسلامي، التي نفذت أول وأكبر عملية عسكرية ضد مقر القوات الغربية المشتركة في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1983 وأودت بحياة المئات من الجنود الأميركيين والفرنسيين. يرى الكتاب أن هذه التحولات لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها سلسلة من الضربات للتحالف اليساري الفلسطيني، بدءًا بالضربة السورية الأولى عام 1976 واغتيال كمال جنبلاط عام 1977، ووصولًا إلى الثورة الإيرانية والاجتياح السوفياتي لأفغانستان في كانون الأول/ديسمبر 1979، وهي أحداث مجتمعة أغلقت الدائرة اليسارية في لبنان.

يقدم الكتاب قراءة مؤلمة لحرب المخيمات في أيار/مايو 1985، حيث دُمّر حوالي 90% من مخيم صبرا وسقط ما يقرب من 85 شهيدًا، وبلغت المجاعة حدًا دفع الناس إلى أكل لحم القطط والكلاب، وأصدر المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله فتوى تجيز أكل لحوم الحيوانات النافقة. يبرز الكتاب موقف القوى اليسارية التي امتنعت عن المشاركة في هذه الحرب رغم الضغوط السورية، وهو ما اعتبره الحزب الشيوعي لاحقًا سببًا رئيسيًا في الحملة التي استهدفته. تتوالى الاغتيالات بكواتم الصوت التي تستهدف كوادر الحزب الشيوعي، ومعظمهم من الجنوب اللبناني ومن خلفيات شيعية ومسيحية، وتبلغ القمة باغتيال المفكرين الكبيرين حسين مروة ثم مهدي عامل، الذي علق على اغتيال الأول بعبارته الشهيرة: "قتلوه لأنه شيعي شيوعي". تقدم الشهادات روايات متعددة عن المسؤول، بين من يشير إلى تورط حزب الله ومن يرى أن المخابرات السورية ممثلة بغازي كنعان هي التي تقف خلفها، بينما يقدم محمد علي مقلد شهادة أقسى، حيث يرى أن "حتميات" مهدي عامل واليسار اللبناني ساهمت في صناعة القتلة، ويشير إلى أن الحزب الشيوعي استمر في علاقته مع النظام السوري رغم معرفته بوقوفه خلف الاغتيالات، وهو ما يصفه جورج البطل بأنها "علاقة ملتبسة جدًا". في هذا السياق، يقدم الكتاب شهادة عن انهيار الاتحاد السوفياتي، مشيرًا إلى أن المنح الدراسية السوفياتية كانت شريان حياة رئيسيًا، إذ خرّج الاتحاد السوفياتي بين 1959 و1992 حوالي خمسين ألف طالب عربي، وأن الحزب كان يبيع نصف المنح السنوية (حوالي 200 منحة) بمبالغ تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين دولار لتغطية عجزه المالي.

بعد نهاية الحرب الأهلية وصدور اتفاق الطائف، يجد الحزب الشيوعي نفسه في لحظة انهيار مزدوج، فيسلّم أسلحته على مضض، بينما أُبقي على سلاح حزب الله، ويؤدي دور "التلميذ المطيع" لسلطة الأمر الواقع المنبثقة من الطائف، أي النظام السوري. ينتقد الكتاب "المركزية الديمقراطية" بصورتها المتصلبة التي حوّلت النظرية الماركسية إلى "مذهب ديني" والقيادة إلى "كهنة مطيعين" معصومين، مما جعل الحزب "عالماً قائماً بذاته". انعقد المؤتمر السادس للحزب عام 1992، وكان لحظة انفجار المطلب الديمقراطي في العلاقات التنظيمية، لكنه أضعف تماسك الحزب وأشاع أجواء من الفوضى، وظهرت "ظاهرة الرفاق التسعة" الذين وزعوا مذكرة داخلية حاولت طرح إطار سياسي جديد. تختلف شهادات الحاضرين حول المؤتمر، فبينما يشرح كريم مروة أنه كتب أوراقًا أولية بآراء متقدمة، يروي يوسف مرتضى أنه رفض الترشح للقيادة لأنه وجماعته طالبوا بتغيير اسم الحزب، معتبرًا أن الشيوعية انتهت. أما غسان الرفاعي فيرى أن الماركسية ما زالت السلاح الصحيح كمنهجية فكرية، لكن فهم الشيوعيين لها جاء مشوهًا من السوفيات.

يستعرض الكتاب انقسام اليساريين اللبنانيين بين مؤيد للمقاومة والنظام السوري، ومعارض لهما أسس حركة "اليسار الديمقراطي" في 18 أيلول/سبتمبر 2004، والتي ضمت شخصيات مثل سمير قصير وحكمت العيد، وتبنت وثيقة سياسية تنتقد العلاقة مع سوريا وتطالب بدولة قوية. بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005، تنقسم البلاد إلى معسكرين تجسّدا برقمين هما 8 آذار و14 آذار، ويعيدان فرز الانحيازات السياسية متجاوزين الانقسام التقليدي بين يسار ويمين. يوضح الفصل أن الحزب الشيوعي كان يعيش أزمة داخلية حادّة حالت دون مشاركته الرسمية في تظاهرة 14 آذار، فبينما كانت مجموعة من أعضائه ترى ضرورة النزول إلى ساحة الشهداء، رفضت القيادة الرسمية ذلك لاعتبارات سياسية وعلاقاتها مع سورية وحزب الله. تحت الضغط الشعبي والدولي، ينسحب الجيش السوري من لبنان في 21 نيسان/أبريل 2005، ثم تأتي الاغتيالات المتتالية لتهزّ الوسط اليساري تحديدًا، فبعد اغتيال سمير قصير في 2 حزيران/يونيو 2005 يُغتال جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي، بعد تسعة عشر يومًا. بعد شهرين، تعلن مجموعة من نحو خمسمئة عضو داخل الحزب تأسيس "حركة الإنقاذ" التي تطالب بالديمقراطية الداخلية، ويبرز إجماع أعضائها على رفض الانشقاق عن الحزب الأم، مبررين ذلك بأن "لا يسار من دون الحزب الشيوعي" وأن "ضريبة الدم والشهداء" تمنعهم من الخروج، وذلك على عكس إلياس عطا الله الذي انشقّ بحوالي خمسمئة رفيق دفعة واحدة.

يكشف الكتاب أخيرًا عن الانقسامات العميقة داخل القوى اليسارية حول الموقف من حرب تموز/يوليو 2006. فمن جهة، يظهر الحزب الشيوعي اللبناني منخرطًا في القتال إلى جانب حزب الله، حيث سقط له تسعة شهداء كانوا يقاتلون ضد إسرائيل في البلدات الجنوبية. ومن جهة أخرى، يظهر اضطراب كبير داخل حركة اليسار الديمقراطي، إذ وجه كل من إلياس خوري وزياد ماجد رسالة مفتوحة إلى رفاقهما رفضا فيها تحميل حزب الله وحده مسؤولية الحرب، وانتقدا التركيز على الدفاع عن خيارات "14 آذار" دون التطرق للدور الأميركي في المنطقة. يطرح الكتاب سؤالًا مفتوحًا حول أفق هذا اليسار المحاصر بين الاصطفافات الطائفية والوصاية الإقليمية والقيادة المتحجرة، ويبرز تناقضًا لدى قيادة الحزب التي تنتقد "المارونية السياسية" و"السنية السياسية" بينما تتجاهل "الشيعية السياسية" الحاكمة منذ 1992. في خاتمة المطاف، يقدم الكتاب مادة تاريخية غنية وشهادات شخصية متناقضة تكشف عن أزمة هوية وتنظيمية حادة في اليسار اللبناني، ويترك القارئ مع أسئلة مفتوحة حول إمكانية نهوض هذا التيار من جديد، وحول مسؤوليته التاريخية في صناعة إخفاقاته، وحول علاقته الملتبسة بالنظام السوري والمقاومة الإسلامية.

الفصول(13)

1.مجريات هذه الدراسة18–57▼ ملخص

هذا الفصل، وهو الأول من الكتاب، هو بمثابة مدخل منهجي وسير ذاتي لدراسة الكاتبة عن اليسار اللبناني، وتحديدًا تجربتي الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي. تشرح دلال البزري كيف تحول موضوع دراستها من تحليل السجال السياسي الراهن بين اليساريين حول قضايا مثل الانتفاضة السورية وسلاح حزب الله، إلى استكشاف الجذور التاريخية لتكوين هذه المواقف، معتبرة أن هذا السجال الحالي عقيم ولا يقدم جديدًا. السؤال المحوري الذي تحاول الإجابة عنه هو: كيف تكوّنت المواقف السياسية لليساريين اللبنانيين؟ وتجد الإجابة في العودة إلى هزيمة حزيران/ يونيو 1967 وما تلاها من تجارب، باعتبارها اللحظة التأسيسية التي شكلت وعي وأولويات هذه الأجيال.

تبدأ الكاتبة بسرد تطور بحثها، فبعد جولة أولية في نصوص اليسار العربي حول سوريا، وجدتها ناقصة وغير كافية، فنصحت بالانتقال إلى الميدان اللبناني. هنا تكتشف أن الانقسام اللبناني حول سوريا له جذور أعمق تعود إلى ما قبل الانتفاضة، وتحديدًا إلى اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وانسحاب الجيش السوري، والانقسام اللاحق حول سلاح حزب الله بين معسكري 8 و14 آذار. هذا يقودها إلى تعريف اليسار اللبناني بوصفه "موزاييك" أو فسيفساء من التيارات والأحزاب والشخصيات المتباينة، والتي يصعب حصرها، فتقرر تركيز دراستها على الحزبين الشيوعيين الرئيسيين لأنهما يمتلكان إطارًا تنظيميًا وتاريخيًا واضحًا.

يشرح الفصل كيف تحولت دراسة السجال إلى دراسة السياق الذي أنتج المواقف، بعد أن خلصت الكاتبة إلى أن النصوص السجالية تفتقد إلى "البراكسيس" أو العلاقة الحية بين الفكر والواقع. وتستشهد بآراء مفكرين مثل أحمد بيضون وملحم شاوول حول عقم السجالات اللبنانية وتجاهل المثقفين لبعضهم البعض. لذلك، قررت تتبع تطور المواقف منذ نشأتها في "العصر الذهبي" ليسار لبنان في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، معتبرة أن الفرق بين الماضي والحاضر ليس في إمكانية التغيير، بل في وجود "أمل" بالتغيير كان قائمًا آنذاك.

في الجزء الأكبر من الفصل، تعرض الكاتبة بالتفصيل قائمة اليساريين الذين قابلتهم أو اعتمدت على نصوصهم، والبالغ عددهم 42 اسمًا، وتوزيعهم على ستة أجيال. تبرز هيمنة جيل الخمسينيات (مواليد 1950-1959) الذين كانت أعمارهم بين 8 و17 عامًا وقت نكسة 1967، مما يؤكد على أهمية هذا الحدث في تكوينهم. كما تقدم تحليلًا سوسيولوجيًا للائحة من حيث الانتماء الطائفي والمناطقي والمهني، ملاحظةً الهيمنة العددية للشيعة الجنوبيين، وتفسر ذلك بدورهم البارز في الحياة السياسية، بصرف النظر عن اتجاهاتهم.

يتطرق الفصل أيضًا إلى الصعوبات العملية والمنهجية التي واجهتها الباحثة، مثل ضياع تسجيلات المقابلات الأولى، ورفض بعض الشخصيات القيادية التحدث معها لأسباب أيديولوجية أو شخصية. تروي الكاتبة بصدق أمثلة على هذا الرفض، وتنتقد بعمق "النزعة التراتبية" و"الثقافة القيادية" التي لاحظتها لدى بعض قادة المنظمة، مستشهدة بقصص عن التمييز بين القياديين والقاعدة، مثل حكاية "الرفيق فاروق" الذي أتم دراسته في باريس على حساب المنظمة بينما نسي آخرون.

أخيرًا، تعالج الكاتبة سؤال "الموضوعية" و"المسافة" في الدراسة، معترفة بأنها ليست باحثة محايدة، بل كانت عضوًا سابقًا في منظمة العمل الشيوعي، ولديها مواقف سياسية منحازة ضد محور الممانعة. تناقش كيف أثر هذا على بحثها، وكيف حاولت التعامل معه من خلال استحضار تجربتها السابقة لمحاولة فهم الطرف الآخر. تصل إلى نتيجة مفادها أن الموضوعية المطلقة مستحيلة في الدراسات الإنسانية، فتميل إلى الكتابة بأسلوب "التجريب" المستوحى من ميشيل دي مونتين، والذي يسمح بخلط الذاتي بالموضوعي والاعتراف بنسبية المعرفة. هذا الأسلوب "الموزاييكي" يناسب، في نظرها، تعقيد الواقع اللبناني ويسمح لها بسرد "حكاية نسبية ناقصة" عن تاريخ يساريي لبنان، مكتملة بوعيها بحدودها وتحيزاتها.

2.ما بعد حزيران/يونيو 196766–133▼ ملخص

ملخص فصل «ما بعد حزيران/يونيو 1967»

يتناول هذا الفصل المفارقة المركزية في تاريخ لبنان السياسي: فبينما أدت هزيمة حزيران/يونيو 1967 في مصر وسورية إلى تراجع الموجة اليسارية وصعود الإسلام السياسي هناك، أنتجت في لبنان التأثير المعاكس تماماً، حيث اندفعت الماركسية واليسارية بقوة غير مسبوقة. فلبنان الذي لم يشارك في الحرب إلا بإجراءات رمزية كطلاء مصابيح السيارات باللون الأزرق، ولم تُحتَل أرضه، شهد أطول عشكرة سياسية في تاريخه، وجدت معظم نيرانها في تلك الهزيمة. يطرح الفصل سؤالاً محورياً: كيف تحولت قوى التغيير الصاعدة قبل 1967 من اندفاعة إلى اندفاعة كبرى بعدها؟

زمن جمال عبد الناصر والناصرية

يبدأ الفصل برسم صورة عاطفية وحماسية لزمن عبد الناصر الذي خرج قوياً من عدوان 1956، بعد قراره تأميم قناة السويس وفشل العدوان الثلاثي. يصف الفصل كيف اجتاحت الناصرية لبنان بكل أطيافه، فحتى خصومه السياسيون مثل كمال جنبلاط خففوا انتقاداتهم له، وانضم إليه البعثيون وحركة القوميين العرب والحزب الشيوعي والنجادة والشارع البيروتي. يورد الفصل شهادات حيّة من شخصيات لبنانية: فحازم صاغية الطفل كان يرسل الرسائل إلى عبد الناصر ويتلقى صوره، ووليد نويهض كان يبكي معه عند بكائه عبر الراديو، وعائلة صاغية كانت تخوض نقاشات محتدمة بين مؤيد لعبد الناصر ومؤيد لشجرة الأرز. يبرز الفصل لقاء محمد كشلي، القائد الشاب في حركة القوميين العرب، بعبد الناصر بعد الوحدة السورية-المصرية عام 1958، حيث رفض عبد الناصر ضم لبنان إلى الجمهورية العربية المتحدة، وقال له: «أنتم عندكم وضع خاص». كان هذا الموقف تعبيراً عن «الخصوصية اللبنانية» التي أدركها عبد الناصر، والتي دفعت به لترشيح فؤاد شهاب لرئاسة الجمهورية.

يصف الفصل تقسيم العمل بين عبد الناصر وحركة القوميين العرب: فبينما كان عبد الناصر «القيادة الرسمية للثورة العربية»، سعت الحركة لتكون «القيادة الشعبية». وقد لعب محمود أمين العالم، المثقف الشيوعي المصري الذي صار مبعوث عبد الناصر غير الرسمي، دوراً في تقريب الشيوعيين اللبنانيين من عبد الناصر. أما جورج حاوي فقد كان مؤمناً بعبد الناصر منذ البداية، وكان انحيازه الناصري المبكر يسبب خضّة داخل الحزب الشيوعي بقيادة خالد بكداش الذي كان ضد علاقة عبد الناصر بالسوفيات. تشير الرواية إلى أن العقل المدبّر لاعتقال الشيوعي فرج الله الحلو وتعذيبه حتى الموت عام 1959 كان عبد الحميد السراج، وأن عبد الناصر استاء شخصياً من الجريمة لأنها حطّت من قدره أمام السوفيات الذين كان يخفي عنهم الخبر.

الحرب الباردة وعقيدة جدانوف

يشرح الفصل إطار الحرب الباردة الذي احتضن هذه التطورات، حيث انقسم العالم بين قطبين: أميركي رأسمالي، وسوفياتي ظهر بمظهر المحب لشعوب العالم الثالث. كانت عقيدة أندريه جدانوف، مسؤول الثقافة السوفياتي، تقسم العالم إلى «المعسكر الديمقراطي المعادي للإمبريالية» بقيادة الاتحاد السوفياتي، و«المعسكر الإمبريالي المعادي للديمقراطية» بقيادة الولايات المتحدة. صحيح أن هذه العقيدة بدت لاحقاً أكذوبة مفضوحة، خصوصاً بعد رواية سولجنتسين «أرخبيل الغولاغ»، لكن الشيوعيين اللبنانيين عاشوا طويلاً على حساب هذا الاقتران بين الديمقراطية والسوفياتية. كان إنذار نيكولاي بولغانين الشهير، وزير الدفاع السوفياتي الذي هدد بالتدخل النووي لوقف العدوان الثلاثي، سبباً في اكتساح شعبية الاتحاد السوفياتي للعالم العربي. هكذا صار المشهد منقسماً بين يمين هو الرجعية والإمبريالية والتجزئة، ويسار يسبح في بحر من الشغف والإيمان بالتقدم والوحدة العربية وفلسطين وفيتنام وكوبا وتشي غيفارا. يعبّر عباس بيضون عن هذا المناخ بقوله: «مليئين بالحماسة والطاقة والإيمان، لو تُصَنَّم هذه الحماسة لأمكن كهربة لبنان على مدى قرن». لكن أحداً لم يكن راضياً تماماً: يقول بيضون إن «عبد الناصر لم يكن يكفينا... كنا في حاجة إلى دعوة، شخص مثل لينين».

المثقف اليساري وفقر اليسار النظري

يرصد الفصل مفارقة مهمة: على الرغم من الحماسة الجماهيرية، كانت الأحزاب اليسارية اللبنانية تعاني فقراً نظرياً وجموداً فكرياً. الحزب الشيوعي كان شحيحاً فكرياً ومتحجراً، والحزب السوري القومي الاجتماعي لم يتجاوز عقيدة أنطون سعادة، والبعث كان لا يقل عوراً. في هذا الفراغ، أصبحت القراءة فعلاً نضالياً، والمثقف بطلاً. تحولت الماركسية إلى مصدر المعرفة الأسمى، مع رفض الترجمة السوفياتية الجامدة لها.

يتناول الفصل أيضاً المثقفين الذين قُدِّمت أجسادهم للنقد اليساري والاستهزاء، ممثَّلين بشارل مالك الفيلسوف المؤمن بأولوية الإنسان على الدولة والدين، وكمال الحاج صاحب مذهب «اللبنانولوجيا» الذي علّق عليه جورج طرابيشي ساخراً: «كيف تكون اللغة عربية والقومية لبنانية؟»، والشاعر سعيد عقل الذي حاول الكتابة بالعامية اللبنانية وبالأحرف اللاتينية. يصف نهاد حشيشو كيف شتم كمال الحاج في الجامعة عام 1962 وسط حماسه اليساري المتقد. كما يقدم الفصل صورة قاسية للمثقفين الدينيين الجنوبيين الذين اهتزت الأرض تحت أقدامهم، فخلع بعضهم عمائمهم، ومنهم من جنّ أو انتحر أو اضطر للتسول، بينما تحول حسين مروة من طالب علوم دينية في النجف إلى شيوعي كتب «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية».

يعقد الفصل مقارنة بين زمن المثقف الماضي وزمنه الحالي: فالمثقف اليساري كان نجماً مسموعاً ومرجعاً يفسر ويشرح، أما اليوم فقد تراجع إلى مصاف المواطن البسيط. يروي عباس بيضون تجربتيه التلفزيونيتين: الأولى في قناة المستقبل حيث صدم الكاتب أمين معلوف بأسئلة مركّبة عن رواياته ورفض الأخير الإجابة عن أسئلة أدبية عميقة، والثانية في القناة الرسمية حيث اختار الاختفاء خلف الكاميرا لأن شكله وصوته لا يليقان بالشاشة.

الشباب الشيعي في قلب اليسار

يخص الفصل قسماً مستقلاً لظاهرة لافتة: الطغيان الشيعي في العينة المدروسة من اليساريين اللبنانيين. يشرح الفصل أن الشيعة كانوا قبل العهد الشهابي أكثر الطوائف حرماناً في لبنان، وكانوا يتوزعون بين ثلاثة أقطاب: العائلات الإقطاعية القديمة، وحركة موسى الصدر التي رفعت لواء المحرومين، واليسار بتياراته المختلفة. يلاحظ أحمد بيضون أن موسى الصدر كان يجمع 100 ألف شخص في مهرجاناته بينما كان اليسار يفخر بإنزال «بلوك» من 500 متظاهر. يعزو الفصل صحوة الطائفة الشيعية إلى إصلاحات فؤاد شهاب بعد ثورة 1958، التي فتحت القرى الشيعية على النظام الإداري والسياسي، ووسّعت التعليم، فتكوّنت طبقة متوسطة شيعية متعلمة ذات تطلعات إصلاحية وجذرية.

تلعب المنح الدراسية إلى الدول الاشتراكية دوراً كبيراً في هذا التحول، ففي قرية مشغرة وحدها خصص الحزب الشيوعي اللبناني من 5 إلى 8 منح دراسية طبية وهندسية وأكاديمية. يستعرض الفصل وعي الأفراد بشيعيتهم: كمال حمدان يحاول نزع الصفة الطبقية عن شيعيته بالتأكيد على أن عائلته في بيروت منذ 1907، وعباس بيضون يبتدع لهجته الخاصة التي يمزج فيها المصري والفلسطيني واللبناني، ويجد في مشكلة اللهجة دليلاً على جماعات تبحث عن هويتها. يفسر حسام عيتاني هذه الظاهرة بأن البيارتة السنة اعتكفوا عن الشيوعية بينما أقبل الروم الأرثوذكس والمسيحيون عموماً، في حين تدفق الشيعة على المجال العام.

الأحزاب: وفرة يسارية

يستعرض الفصل خريطة الأحزاب اليسارية اللبنانية كما كانت عشية 1967:

الحزب الشيوعي اللبناني، أقدمها، تأسس في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1924 على يد فؤاد الشمالي وجوزيف برجر مندوب الأممية الشيوعية، بخبرة نقابية مصرية سابقة وبمشاركة أرمنية بارزة، وكان يعاني العزلة بسبب موقفه المعادي للوحدة السورية-المصرية. يروي نهاد حشيشو شعوره يوم إعلان الوحدة: «اكتشفت أننا ضد الناس... قصرنا ضد العالم».

حركة القوميين العرب، المرتبطة بتاريخ النكبة، تأسست عام 1948 على يد جورج حبش ووديع حداد، وكانت شعاراتها الأولى «الوحدة والتحرر والثأر»، ثم تحولت عام 1959 إلى «الوحدة والتحرر والاشتراكية واسترداد فلسطين». يشرح الفصل الالتباس في تسمية الجناحين «اليميني» و«اليساري» داخل الحركة، ويورد اعتراض حبش على وصف محسن إبراهيم بأنه «يساري» مقابل «يمينيته» هو.

«لبنان الاشتراكي»، مجموعة انبثقت من الحزب البعثي بعد انفصال سورية عن مصر، أسسها محمود سويد ووضاح شرارة وفواز طرابلسي. تميزت بفرديتها الفائقة وأساليبها التربوية الجديدة، وقاومت المدينة بمشروع «تحرير الذات» ونظرة الازدراء لأنماط حياتها.

المجموعات المسيحية التقدّمية، المستلهمة من «لاهوت التحرير» البرازيلي، مثل «كنيسة من أجل عالمنا» و«الحركة الاجتماعية» للمطران غريغوار حداد «المطران الأحمر»، و«حركة الشبيبة الأرثوذكسية» برعاية المطران جورج خضر. يروي ملحم شاوول كيف هبط عليه المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1964 أو 1965 وهو يافع، وكيف وجّههم نحو العمل الاجتماعي في مخيمات الفقراء.

ما بعد حزيران/يونيو 1967

يختتم الفصل بالمفارقة الكبرى: بينما صارت «المعجزة» في مصر بعد الهزيمة دينيّة، حيث ظهرت السيدة العذراء في كنيسة الزيتون القاهرية في أيار/مايو 1968 وسط هوس ديني تبنّته الصحافة المصرية الرسمية، كان الانعكاس في لبنان معاكساً تماماً: صارت الماركسية هي الحل. يلاحظ عباس بيضون أن الهزيمة خلقت مناخاً صالحاً للماركسية بين كل المثقفين الذين «زحطوا» عليها.

يرصد الفصل تحولات الأحزاب بعد الهزيمة: كمال جنبلاط تحول إلى شخصية يسارية نافذة يعطي التراخيص للأحزاب اليسارية ويتنسق مع الفصائل الفلسطينية، والحزب السوري القومي الاجتماعي أخرج معتقلية عام 1968 ليؤدي دوراً يمينياً فحصل عكس المطلوب، وانقسم بين جناح يساري وجناح يميني، وحاول الربط بين أفكار سعادة وماركس، وهو ما يسخر منه حازم صاغية. حركة القوميين العرب تحولت عام 1969 إلى حزب العمل الاشتراكي العربي في لبنان، وانبثقت منها منظمة الاشتراكيين اللبنانيين التي صارت نواة لمنظمة العمل الشيوعي، بعد اندماجها مع لبنان الاشتراكي في اجتماعات تمت في مركز «الرواد» عام 1969.

يصف الفصل التكامل بين المجموعتين: منظمة الاشتراكيين اللبنانيين كانت قوية بجماهيريتها بينما لبنان الاشتراكي كان غالباً بمثقفيه. يشرح عباس بيضون كيف علم بقرار الاندماج من الأمين العام محسن إبراهيم مباشرة، الذي كان أفضل عناصر التنظيم يكادون ينجرّون إلى التنظيم الآخر لغناه بالمثقفين المتمكنين. أما أحمد الديراني فيسخر من نخبوية لبنان الاشتراكي الذي كان يتطلب شهادة الماجستير للوصول إلى حلقة «متقدمة»، بينما كانت المنظمة تقول: «هذا قبضاي» فتدخله وتدعو الله أن يقويه.

بهذا يكون الفصل قد رسم لوحة متكاملة لتحول جذري في الخريطة اليسارية اللبنانية بعد هزيمة 1967، حيث تحولت اليسارية من حالة شغف ثقافي إلى انخراط سياسي وتنظيمي واسع، في الوقت الذي كانت فيه المنطقة العربية تتجه نحو التدين السياسي صراحة.

3.الفلسطينيون، القوة والجاذبية134–144▼ ملخص

يستهل المؤلف الفصل بمقارنة لافتة بين استقبال اللبنانيين للاجئين الفلسطينيين بعد النكبة واستقبالهم للاجئين السوريين الهاربين من نظامهم لاحقاً، ليجد أن الاثنين يكادان يختلفان جذرياً. فالفلسطينيون، بصفتهم لاجئين أولاً ثم قادة وطنيين، وجدوا في لبنان الأرض الوحيدة المرحبة بفتح جبهتها مع إسرائيل بعدما أغلقت الجبهات العربية الأخرى تباعاً. أما السوريون، فوجودهم محمول على التباس، إذ إن النظام الذي يطردهم من ديارهم يحمل لواء الوطنية ومقارعة العدو الإسرائيلي، فتستقبله عواطف سابقة على هذا اللجوء يغلب فيها النفور على التعاطف. وتسبق هذا اللجوء وجودان سوريان في لبنان: الأول متواضع يقتصر على عمال البناء ونواطير العمارات من أدنى الطبقات، والثاني ممثلوه من ضباط ورجال أمن في أعلى الطبقات، وقد مارس عبر أجهزة المخابرات السورية وصاية أمنية-عسكرية على لبنان امتدت ثلاثة عقود ذاق اللبنانيون خلالها شتى أنواع القهر والتسلط.

يضرب المؤلف أمثلة على الجاذبية التي تمتع بها الفلسطينيون في لبنان، ومنها أن بيروت "الخيمة" التي تغنى بها محمود درويش كانت مبهورة بهم، وأعطتهم أحلى بناتها، إذ تزوجت ملكة جمال الكون جورجينا رزق من أبو حسن سلامة (1940-1979)، قائد قوات الـ17 المسؤولة عن أمن الرئاسة. ويشير المؤلف إلى أن هذا النوع من الشخصيات الفلسطينية الآتية من شرائح اجتماعية عليا كان له جاذبية خاصة لدى نساء لبنان المنتميات إلى هذه الشرائح. ويتناول حياة بسام أبو شريف (ولد عام 1946)، القائد السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمستشار الأبرز لياسر عرفات، الذي يزهو ببيروت ويكون عنوان كتابه "بيروت مدينتي"، مناقلاً شيئاً من الحياة السعيدة فيها: الفنادق والمرابع الليلية والسهر والإعجاب والتقدير العالي والزواج من ابنة الجبل اللبناني.

يبحث المؤلف عن معالم هذا الفرق في المناخ الحاضن للفلسطينيين، سلفاً قبل هزيمة حزيران/ يونيو 1967، فإذا بهذه الهزيمة تحول الاحتضان إلى الحق بحمل السلاح لتحرير الأرض وبمشاركة اللبنانيين. فالنشاط الفلسطيني متجذر في لبنان، إذ يحتضنه اللبنانيون بعيد استقلالهم عام 1943 بأعوام قليلة، أي بأقل من عشر سنوات، حينما كانت العواطف السياسية على نداوتها الأولى. ويورد المؤلف مثالاً على ذلك من سيرة جورج حبش، أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي بدأ سنوات نضاله الأولى في الجامعة الأميركية في بيروت، وبعد تخرجه رفض العودة إلى الأردن تحاشياً للاعتقال، مفضلاً البقاء في الجو الطلابي نفسه "كي نستمر في الإعداد والتنظيم فترة أطول"، والعمل على "تأسيس عمل قومي جديد"، لأن الرأي العام الطلابي في الجامعة "يتشوق إلى أي عمل يهدف إلى استرجاع كرامة الأمة العربية التي هدرت عام 1948"، وكل هذا يحصل بدءاً من عام 1951.

ويروي محمود سويد، الذي كان بمثابة "المندوب" الفلسطيني عن "لبنان اشتراكي" في صحيفة "الأسبوع العربي"، السهولة التي كانت تطرح بها القضية الفلسطينية في الصحيفة والإقبال على قراءتها. ويشير إلى أن صاحب الجريدة جورج أبو عضل، أحد كبار أثرياء البرجوازية المسيحية الكاثوليكية اللبنانية ووكيلاً للعديد من الشركات الأجنبية، ترك المجال لرئيس التحرير ياسر هواري لأن الجريدة على هذا النحو الفلسطيني كانت تجلب إعلانات كثيرة، فاستطاع أن يعمل مجلة على نبض الوضع العربي في لبنان. هذا المناخ كان يحل على الجميع ويحول كل النقاش السياسي وكل المهمات إلى كفاح مسلح تعاضداً واستلهاماً، ففي الحزب الشيوعي كما في منظمة العمل الشيوعي وبقية الأحزاب القومية اليسارية، لم يكن النقاش يدور إلا حول هذه الوظيفة العظيمة التي يتولاها رجال المقاومة الفلسطينية.

ينقل جاد تابت بعضاً من هذا النقاش حول دور الثورة الفلسطينية وما إذا كانت "هي كل شيء"، مشيراً إلى أن النقاشات بين الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي بدأت عام 1969 وامتدت حتى اندلاع الحرب الأهلية بقليل، حيث كانت المنظمة تعطي الثورة الفلسطينية الدور الأساسي بينما كان الحزب يقول إنه دور مكمل وليس أساسياً. ويضيف تابت أن تدشين الحزب منظماته المسلحة، "الحرس الشعبي" و"الأنصار"، تسبب في خلاف مع العرابين السوفيات قادة الكومنترن، وأن الحزب بعد تقربه من القضية الفلسطينية دخل في معركة كبيرة مع السوفيات ومع الشيوعيين العرب الآخرين.

يصل السرد إلى أحد الأحداث المحورية، وهو التظاهرة التي حصلت في ساحة البربير في بيروت، والتي سميت في مراحل لاحقة باسم تاريخ وقوعها 23 نيسان/ أبريل 1969، وهي محاولة فاشلة لنيل ترخيص من الحكومة لتنظيم تظاهرة دعم للمقاومة الفلسطينية احتجاجاً على الصدامات المتكررة بين الجيش اللبناني والقوات الفلسطينية في الجنوب اللبناني. كانت كل الأحزاب المشتركة فيها غير مرخصة باستثناء الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط، وكانت التظاهرة دموية سقط فيها قتلى وجرحى. يصفها محسن إبراهيم بأنها وقعت في منعطف زمني كانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات تحاول إشعار العالم العربي بوقع وجودها، وكانت الرديف المنافس لعبد الناصر، فتبدو فترة العامين 1970-1969 جسراً زمنياً جسد "العبور من الناصرية إلى الثورة الفلسطينية". أما منظر الحزب الشيوعي مهدي عامل فيصف التظاهرة بالانتفاضة الشاملة ذات الملامح الطبقية، التي انطلق معها "كفاح لبنان الطبقي... وسياسة جديدة لكسر طوق النظام السياسي الذي تسيطر عليه البرجوازية... ولحماية المقاومة".

تتوالى الأحداث، فما أرادته المقاومة الفلسطينية مع صدامات أخرى وتظاهرات ومهرجانات ولقاءات وبدء تدريبات عسكرية لبنانية، يكرسه اتفاق القاهرة لعام 1969 بالقانون، وذلك بعد سبعة أشهر على تظاهرات نيسان/ أبريل. كانت الدولة اللبنانية تضيق بالديناميكية الفلسطينية الآخذة في التنامي والانتشار، فيما عبد الناصر ما زال حياً ولا يريد أن يخذل المقاومة حفاظاً على ما تبقى له من رصيد قومي. يرسل الرئيس اللبناني شارل حلو (1913-2001) وفداً لبنانياً بقيادة قائد الجيش إميل البستاني، ومعه وفد فلسطيني بقيادة ياسر عرفات، إلى القاهرة للاجتماع بمسؤولين مصريين كبار، من بينهم وزير الخارجية محمود رياض (1917-1992) ووزير الدفاع محمد فوزي (1915-1978)، ليخرج اتفاق من خمسة عشر بنداً جميعها يمنح الكفاح الفلسطيني أرضية حرة للتنقل والوجود والتدرب والتسلح والقتال، ومطرزة جوانبه بألفاظ مطمئنة من نوع "مصلحة لبنان والثورة الفلسطينية" و"ضمن نطاق الأمن اللبناني ومصلحة الثورة الفلسطينية". وإذا كان البند الخامس عشر ينص على أن "يبقى هذا الاتفاق سرياً للغاية ولا يجوز الاطلاع عليه إلا من قبل القيادات"، فإن السر لم يُحفظ لأكثر من سنة، فقد نشرته صحيفة النهار في 20 نيسان/ أبريل 1970، أي بعد سنة بالضبط من التظاهرة الدموية التي فجرت الحاجة إليه، ومن ثم حدث زخم إضافي لأحزاب اليسار وقياداته اللبنانية. وبعد ذلك عين قائد الحركة الوطنية كمال جنبلاط وزيراً للداخلية، وكان من أول قراراته إعطاء الرخصة لثلاثة أحزاب يسارية، هي بعد الشيوعي، كل من السوري القومي والبعثي القطري في لبنان. ويشير المؤلف إلى أن الكتمان حول اتفاق القاهرة لم يكن يستهدف الشق اليساري الإسلامي إنما المسيحي اليميني، فاليمين المسيحي لا يعيش استقواء اليسار بالمقاومة بصفتها نعمة، بل إن المقاومة الفلسطينية ترعبه أصلاً والاتفاق يرفع درجة خوفه وحذره.

يقدم المؤلف شهادة اليميني الكتائبي بول عنداري، الذي ذهب بعد اتفاق القاهرة إلى قرية كفرحاتا في شمال لبنان ووصف أجواءها المكفهرة بدخان معامل شكا للأسمنت، والمزيد من دخان تيارات سياسية اجتاحت الناس: الناصرية والقومية السورية والشيوعية والأحزاب اليسارية والمادية بكل أشكالها. يتأسف عنداري على قرية الإيمان والصلاة التي أصبحت غريبة ومنحطة أخلاقياً، ويتكلم عن ثانويتها التي لم تضر بها "إلا بسبب حدث عربي أو فلسطيني أو يساري"، ويستغرب أن زغرتا، "عرين الموارنة" العريقة، فازت فيها الخلية الشيوعية وكان يعتبر رجعياً من ينادي بلبنان اللبناني. ويتابع مستهولاً أن ياسر عرفات أصبح "الحاكم المطلق لبيروت" وأن اللبنانيين "أصبحوا ضيوفاً مرغمين في الدويلة الفلسطينية".

بعيد اتفاق القاهرة بأقل من سنة، تعطي المقاومة الفلسطينية في لبنان دفعة جديدة من الطاقة القتالية، ففي آب/ أغسطس 1969 تخطف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين طائرات أميركية وسويسرية وإسرائيلية، ويتوسط عبد الناصر لمنع اعتقال منفذي العملية، وتنتهي بتفجير كل الطائرات في قلب الصحراء الأردنية. كانت ردة فعل السلطات الأردنية سريعة، فبعد التفجير بيوم واحد تخوض اشتباكات مع القوات الفلسطينية المسلحة تنتهي بمصالحة شكلية بين ياسر عرفات والملك حسين بن طلال، وتتوّج بخروج المقاتلين الفلسطينيين من الأردن، فتكون الساحة اللبنانية الأرض المتبقية التي يرسون عليها. سميت هذه الاشتباكات "أيلول الأسود"، وكان من مضاعفاتها اغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل (1919-1971) الذي قادها، فبعد سنة وفي القاهرة يقترب منه أربعة شباب فلسطينيين من جماعة "أيلول الأسود" ويطلقون عليه الرصاص. وبعد ثلاثة عشر يوماً على "أيلول الأسود" يرحل عبد الناصر، الرجل الذي جهد لفض اشتباكاته، ولا يقاس الحزن على رحيله بالحزن على هزيمته ثم استقالته، ولا بالحزن المصري العارم الذي خرج كالبركان ليلاً من بطن العاصمة احتجاجاً على استقالته إثر هزيمة حرب 1967. ومع غياب قائد الأنظمة العربية، صار عجز هذه الأنظمة عن تحرير فلسطين واقعاً فعلياً حياً، وستكون هذه الأنظمة من الآن فصاعداً داعمة للمقاومة بالمال والسلاح، خصوصاً تلك التي تصورت أنها ورثت عبد الناصر مثل ليبيا والعراق في البداية، ثم تنضم إلى قافلة الممولين أنظمة أخرى يقلقها شعاع القضية ويخجلها، فيتدفق "المال الفلسطيني" إلى لبنان وإلى منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني".

يتعرض الجنوب اللبناني لضربات إسرائيلية انتقامية بصورة شبه منتظمة رداً على مناوشات أو عمليات داخل إسرائيل أو على حدودها، لكن الإسرائيليين يتسللون أيضاً إلى قلب العاصمة بيروت وينفذون عمليات اغتيال دقيقة في حق رموز فلسطينية ثقافية وسياسية. من هذه العمليات اغتيال غسان كنفاني (1936-1972)، رئيس تحرير مجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومعه ابنة أخته، في تموز/ يوليو 1972 في تفجير سيارته. ثم اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين في عملية سماها الإسرائيليون "عملية فردان": اثنان من "فتح" هما أبو يوسف النجار (1930-1973) ومعه زوجته وهي تحاول حمايته، وكمال عدوان (1935-1973)، فضلاً عن كمال ناصر (1924-1973). وكان الحشد الهائل المشارك في تشييعهم أبرز تأكيد دال على التلاحم بين اللبنانيين والفلسطينيين، ولكنه ألقى أيضاً نظرة أخرى على الحياة المترفة التي يعيشها القادة الفلسطينيون في قلب المأساة، ففردان حي راقٍ في بيروت وشققه تباع بأعلى الأسعار. يغالي عباس بيضون في وصف هذه الواجهة إذ لا يفرق بين القادة الفلسطينيين وعمومهم، ويحكي عن تفضيل المنظمات الفلسطينية تعبئة البنغلاديشيين للقتال: "صاروا بضعة بنغلاديشيين جاؤوا إلى لبنان للعمل في المنازل فاستقطبتهم 'فتح'"، بعد أن صار الفلسطينيون "نوعاً من أرستقراطية عسكرية". أما حسام عيتاني فيفرق قليلاً ويطرح ردة فعل والده الشيوعي المتعاطف مع المقاومة على عملية "فردان" برمتها، الذي عرض على زواره وعلى مسامع عائلته رواية للحادث لا تخلو من نقد قاسٍ للفلسطينيين، على شكل أسئلة بسيطة إنما حادة: "تريدون محاربة إسرائيل التي هزمت العرب جميعاً، وتسكنون الشقق الفاخرة في بيروت؟ هل تخاض الثورات على هذا النحو؟".

في المقابل، أصبحت أحزاب اليسار اللبناني قوية مع المقاومة. فبعدما كانت تجتمع تحت مسميات مختلفة من قبيل "الأحزاب والهيئات والشخصيات الوطنية والتقدمية" عام 1964، و"تجمع الأحزاب الوطنية والتقدمية" عام 1969، سمّت نفسها "الحركة الوطنية اللبنانية" عشية الحرب الأهلية عام 1975. يكشف مضمون بيانها التأسيسي الأول عن الحصانة التي صارت تتمتع بها، إذ انتقلت من "تجمع" إلى "جبهة" إلى "حركة"، أي من أجسام إلى جسم واحد متماسك غير ساكن. تلاحظ الحركة في بيانها خطورة "النهج الانعزالي" القائم "على محاولة فصل لبنان عن المنطقة العربية والانسحاب الكلي من ميدان الصراع القومي الشامل مع العدو الصهيوني وحلفائه"، وتطالب باسم الأكثرية الساحقة من اللبنانيين "بتكريس الاختيار الوطني العربي قاعدة لانخراط لبنان الرسمي في المواجهة القومية الشاملة مع إسرائيل". وتصف النظام بأنه "طائفي إقطاعي استغلالي انعزالي"، ومهمتها النضال من أجل "لبنان عربي وطني ديمقراطي متقدم" بديلاً من هذا النظام البائد العاجز والمتخلف، مسجلة تناقضاً صارخاً بين "طبيعة التركيب الطائفي شبه الإقطاعي لهذا النظام وبين حاجات وضرورات تطور البلاد الديمقراطي"، واضعةً مقترحات "إصلاحية" للحكم لا ذكر فيها لاسم أي طائفة.

يقدم المؤلف في هذا الفصل صورة مركبة عن علاقة اللبنانيين بالقضية الفلسطينية والمقاومة، منتقلاً بين شهادات مؤيدة ومعارضة وبين مستويات اجتماعية مختلفة، ومظهراً كيف تحولت القضية الفلسطينية إلى عامل محوري في تشكيل الوعي السياسي اللبناني وأحزاب اليسار، وكيف أثرت على الديناميكيات الداخلية اللبنانية حتى الحرب الأهلية. كما يبرز تناقضاً بين الجاذبية الشعبية الواسعة والتلاحم العاطفي من جهة، وبين الامتيازات التي يتمتع بها القادة الفلسطينيون وحياتهم المترفة التي تثير النقد حتى من المتعاطفين من جهة أخرى، وهي ثنائية يبدو أنها كانت من سمات تلك المرحلة.

4.الطائفية والحرب الأهلية145–157▼ ملخص

يتناول هذا الفصل موضوع الطائفية في لبنان وعلاقتها بالحرب الأهلية، محاولاً تفكيك العلاقة المعقدة بين الانتماء الطائفي والانتماء الطبقي، ثم يناقش الأسئلة الكبرى حول حتمية الحرب وأطرافها الأولى وأسبابها العميقة. يقدم المؤلف مجموعة من المقاربات الفكرية المتنوعة، مستعيناً بشهادات وأقوال عدد من المثقفين واليساريين اللبنانيين، ليبيّن أن الحرب لم تكن حدثاً بسيطاً يمكن ردّه إلى سبب واحد، بل كانت نتاج تشابك بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية قديمة.

يبدأ الفصل بتحليل البنية الاجتماعية اللبنانية من منظور طائفي-طبقي، حيث يصف المؤلف التشابك العميق بين الطوائف والطبقات، ويشير إلى أن علم الاجتماع اللبناني لا يمكنه إغفال هذا الترابط. يعرض الفصل صورة الهرم الاجتماعي عشية الحرب، حيث تقف البرجوازية المارونية في القمة بصفتها الأقدم والأكثر ارتباطاً بالحكم السياسي، تليها البرجوازية المسيحية غير المارونية (الكاثوليكية والأرثوذكسية) المحصورة في التجارة والصناعة، ثم البرجوازية السنية المدينية ذات الأسواق العربية، وأخيراً في القاعدة تأتي البرجوازية الشيعية الحديثة العهد والناشئة من أموال الهجرة. ويخلص التحليل إلى أن الطبقات العاملة الدنيا تنتمي غالباً إلى الطائفة الشيعية، وأن التراتب التعليمي يطابق هذا التراتب الطبقي. ويستند المؤلف إلى عمل سليم نصر وكلود دوبار في وصف هذه البنية، وإلى وضاح شرارة الذي يقدّم تفسيراً تاريخياً للطائفية، رافضاً اعتبارها مؤامرة خارجية أو "خدعة"، ومؤكداً أنها نشأت من جذور إقامة دولة لبنان الحديث. كما يستعين بتعريف أحمد بيضون للطائفة باعتبارها هيئة اجتماعية متعددة الوظائف، تتقاطع مع الطبقة بطرق معقدة، فإذا كان التضامن الطبقي يسهّل زيادة الأجر، فإن الانتماء الطائفي قد يكون مدخلاً للحصول على العمل نفسه.

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن المزاج الثوري عشية الحرب، مركزاً على حالة الشيعة اللبنانيين الذين تحملوا "مظالم وحرمان" دولتي الانتداب والاستقلال، مما انعكس راديكالية اجتماعية وسياسية تجسدت في كثافة انضمامهم إلى الأحزاب اليسارية في الستينيات والسبعينيات. ويقارن المؤلف بينهم وبين السنّة الذين يصفهم حسام عيتاني بأنهم من سكان المدن المعتادين على التفاوض والمساومة بسبب اشتغالهم في الأعمال التجارية، وكونهم كانوا شركاء أساسيين في صيغة الحكم السابقة، لذا كانت مآخذهم أقل من مآخذ الشيعة. هذا الواقع الطائفي-الطبقي المتفجر، مع وجود أحزاب يسارية ذات قاعدة طائفية واضحة وملامح طائفية ملتبسة، وقابلية لحرية حركة تجاوزت حقها القانوني، وأحزاب يمينية مسيحية تواجهها، كل ذلك جعل الحرب تبدو "طائفية بامتياز".

يطرح الفصل بعد ذلك سؤال الحتمية: هل كانت الحرب حتمية؟ يعرض المؤلف رؤيتين متعارضتين. الرؤية اليسارية تقول بـ"الحتمية التاريخية" للوضع اللبناني، بينما يرى آخرون غياباً تاماً لمبرراتها. من هؤلاء فريد الخازن الذي يصف لبنان عشية الحرب بأنه "ظاهرة سعيدة"، معترفاً باختلاف سرعة تطور الطوائف، لكنه يؤكد أن الإصلاح كان ممكناً والحرب لم تكن قدراً محتوماً، مشيراً إلى أن الديمقراطية كانت تعمل، وأن الطائفية كانت في أدنى مستوياتها منذ الاستقلال، وأن الفروق الطبقية قد تقلصت كثيراً خصوصاً بعد العام 1960 عندما أطلقت الحكومة سياستها الإنمائية البنيوية. يشاركه سمير خلف هذا التقييم، فيرى لبنان أفضل حالاً من جيرانه بدرجة كبيرة. أما سمير فرنجية، اليساري النشأة، فيقدّم تفسيراً مختلفاً مستوحى من الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت، حيث يرى أن الدولة الشهابية وجهت ضربة قوية للمجتمعات المغلقة طائفياً، وحرمت الفرد من "وضعيته الشخصية السابقة"، فتحولت رغبته في الترقي إلى منافسة عنيفة، لأن لبنان خسر آلياته القديمة للضبط الاجتماعي من دون أن يبنِ آليات جديدة.

أما سؤال "من بدأ الحرب؟" فلا يجد الفصل عليه اتفاقاً، فكل طرف يلقي باللوم على الآخر. يجد اليمين المسيحي أن الحرب كانت مؤامرة فلسطينية لإنهاء وجود لبنان، ويستدل على التسلح المبكر للمقاومة الفلسطينية وحلفائها اليساريين، ويأخذ على المسلمين أنهم كانوا في "أقصى وعيهم وتحضيرهم" بينما كان المسيحيون في أدنى وعيهم. بينما يرى سامي ذبيان أن الحركة الوطنية اللبنانية كانت تمتلك "قدرة ذاتية ثورية" كانت ستمكنها من خوض معركة حماية المقاومة وردع اليمين، معتبراً دعم المقاومة مهمة لبنانية تقدمية. ويصف محسن إبراهيم الحرب بأنها كانت "خيار الطبقة المسيطرة". أما بسام أبو شريف، مستشار ياسر عرفات، فيدّعي أن الإسرائيليين جروا الفلسطينيين إلى القتال ضد اليمين اللبناني المسلح لإلهائهم عن أهدافهم، وأن عرفات حاول منع ذلك. وفي الحزب الشيوعي، يؤكد كل من جورج البطل وجورج حاوي أن الحزب انخرط في الحرب بوعي واختيار، دفاعاً عن الثورة الفلسطينية وعن وحدة لبنان، لا أنه انجرّ إليها.

ينتقل الفصل إلى سؤال الأسباب، فيستهل باقتباس من عباس بيضون يصف فيه طبيعة الحرب المفارقة: "الحرب لها بالتأكيد أسبابها، ولكن الأسباب نفسها لا تكفي لتصنع حروباً، أحياناً تفكر بأن الحرب تخترع أسبابها، الأسباب عندئذ تكون لاحقة عليها". ويقدّم وليد نويهض شهادة عن خيبة أمله في النظريات الثورية مع اندلاع الحرب، خلال "حادثة عين الرمانة والشياح"، حيث اكتشف أن الفقراء المسيحيين كانوا يقتلونهم، وأن كل التصنيفات التي كانت سائدة عن المسيحي الغني والمسلم الفقير لم تكن صحيحة. أما حسام عيتاني فيصف الحرب بأنها "حروب القبائل"، ويتساءل عن علاقة العنف بالخلفية التاريخية للبنانيين، أو بالتناقضات الراهنة، أو بدور "الآخرين" من خارج الحدود.

يضيء الفصل في جزء لاحق تجربة الشباب اليافعين في الحرب، من أمثال محمد بلوط وزياد صعب اللذين لم يتجاوز سن كل منهما ستة عشر عاماً عند اندلاعها. يروي زياد صعب، وهو في السابعة عشرة، حماسته للحرب وكيف كاد يترك الحزب الشيوعي بسبب تردده في خوضها، وكيف عاد إليه بعد نقاش مع الدكتور عبد الله رزق، واصفاً شعوره بأنهم ذاهبون إلى "كزدورة" (نزهة) لمدة أسبوعين وسيحققون التغيير، وكيف أنه خرج من البيت وأخرج السلاح في نيسان أبريل 1975. أما محمد بلوط فيعترف بأنه كان سعيداً جداً باندلاع الحرب، وكان يوم وقف إطلاق النار يوماً تعيساً بالنسبة إليه، لكنه بدأ شيئاً فشيئاً بالانسحاب من التجربة.

أخيراً، يتناول الفصل أثر الحرب على الثقافة والتنظيم، فيشير إلى أن الحرب أوقفت التثقيف وجلبت للحزب أفراداً لم يشبعوا ثقافة مثل أسلافهم. يروي زياد صعب حادثة حضر فيها حوالي ثلاثمئة رفيق إلى اجتماع حزبي وهو مسؤول عسكري في الثامنة عشرة من عمره، فاضطر لتوزيع الأدوار مع رفيقه الأكبر هاني عساف ليتحدث هو عن الجانب التقني ويتولى الآخر الجانب السياسي. أما بلال خبيز فيتحدث عن جهل مراجع منظمتهم، وعن أنهم كانوا يستشهدون بـلينين وإنجلز دون قراءتهم، ويتجنبون الاستشهاد بـماركس لاعتقادهم أنه عسير الفهم على من هم في مواقعهم الدنيا.

يتساءل الفصل ضمناً عن إمكانية تحول الحرب إلى "ثقافة" بحد ذاتها، وعن الهوة بين النظرية الثورية والواقع الطائفي، وعن مسؤولية النخب الفكرية والسياسية، تاركاً القارئ مع صورة معقدة لحرب تعددت رواياتها وتشابكت أسبابها، حيث يتداخل الطبقي بالطائفي، والقديم بالحديث، والوطني بالخارجي. يمكن القول إن الفصل يقدّم مادة غنية للنقاش، أبرز نقاطه الخلافية هي مسألة حتمية الحرب أو إمكانية تجنبها، ودرجة وعي الفاعلين التاريخيين بتبعات أفعالهم، وهل كانت الحرب نتيجة حتمية لتراكمات بنيوية أم نتيجة إخفاقات ذاتية وقرارات خاطئة.

5.الثورة الإسلامية في إيران158–171▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالًا محوريًا عن مصير اليساريين اللبنانيين، ولا سيما المسيحيين منهم، بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية وانهيار مشروعهم السياسي والفكري. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا الانهيار دفع بالكثيرين إلى العودة إلى الهويات الطائفية والدينية، وكانت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 هي المحطة الحاسمة التي بلورت هذا التحول، حيث قدّمت نموذجًا بديلًا عن الماركسية وفتحت باب "التأسلم" كخيار جديد بعد فشل "التمركس".

يسير الفصل عبر مرحلتين مترابطتين. يصف القسم الأول الانهيار العسكري والسياسي لليسار اللبناني وتحالفه مع الفلسطينيين خلال الحرب الأهلية، والمجازر المتبادلة التي بلغت ذروتها بحصار مخيم تل الزعتر عام 1976 واغتيال كمال جنبلاط عام 1977. هذا السياق الدموي، الذي اتخذ طابعًا طائفيًا واضحًا، جعل اليساريين المسيحيين يكتشفون أن صراعهم كان يُنظر إليه كصراع ضد المسيحيين، وأن شعاراتهم العالمية (كالثورة الثقافية الصينية) لم تعد تنفع. وهنا يبرز نموذجا توفيق الهندي وسمير فرنجية كشاهدين على هذا الإحباط والاكتشاف بأن "الأمة العربية" كانت خرافة، وبأن رفاقهم الشيعة أنفسهم بدأوا ينجذبون نحو حركات هوياتية كحركة "أمل" وحزب الله.

يخصص الفصل القسم الأكبر لتحليل تحول "الكتيبة الطلابية"، وهي مجموعة انشقت عن منظمة العمل الشيوعي والتحقت بفتح. فمن خلال شهادات سعود المولى وطلال عتريسي، يتتبع المؤلف كيف انتقل هؤلاء الشباب من الماوية إلى الإسلام. لم يكن هذا الانتقال مفاجئًا بل وليد مرحلة انتقالية. فموجة الاهتمام بـ"خط الشعب" الماوي قادتهم إلى دراسة ثقافة الجماهير، فوجدوا أن ثقافة شعبهم هي الإسلام وليس الماركسية. وقد سهّل الثورة الإيرانية هذا الانتقال لأنها قدمت نموذجًا عمليًا لثورة ناجحة، قادها رجل دين بسيط ومتواضع، على عكس قيادات الأحزاب التي عرفوها. الثورة "قلبت المعادلة" وجعلت التردد الديني يتحول إلى التزام كامل، بل وإلى مشروع علمي وفكري، كما عند طلال عتريسي الذي بدأ يعيد تعريف التربية وعلم النفس من منظور إسلامي.

يضيف الفصل بعدًا آخر للفهم عبر متابعة ردود فعل مفكرين فلسطينيين ولبنانيين آخرين. منير شفيق، المفكر الفلسطيني، يفسر الحماسة العارمة التي لاقتها الثورة الإيرانية لدى الجماهير العربية، ويعتبرها هي والاجتياح السوفياتي لأفغانستان عام 1979 حدثين اثبتا أن إيران وفرت طريقًا جديدًا للمضطهدين خارج لعبة القطبين. أما وليد نويهض فيمثل حالة التأييد النقدي الذي لم يصل إلى التأسلم، حيث رأى في الثورة حلاً شخصيًا لأزمته مع منظمته، بينما يقدم حازم صاغية المراجعة الأكثر قسوة، حيث يعترف بأن تأييده المبكر كان نتاج هشاشة نفسية ورغبة في الاحتماء بـ"الأكثرية" بعد هزيمة اليسار، ويصف هذه الحالة بـ"البحث عن الأب" بعد رحيل عبد الناصر.

في الخاتمة، يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلًا نفسيًا-سياسيًا عميقًا للتحول من اليسار إلى الإسلام، ولا يكتفي بالشرح الأيديولوجي. الفصل غني بالشهادات الشخصية التي تكشف عن تنوع الدوافع: الإحباط السياسي، البحث عن هوية، الرغبة في الانتماء، والإعجاب بنموذج الثورة. مع أن الفصل يركز على تجربة "الكتيبة الطلابية" ويقدمها بتفصيل كبير، إلا أنه يلمح ضمنيًا إلى أن هذا التحول كان جزءًا من ظاهرة أوسع. نقطة القوة في الفصل هي تصويره للانتقال كمسار متدرج، حيث تختلط الماوية بالإسلام، وتبقى مرجعيات الماضي حاضرة حتى في اللحظة التي يُعلن فيها تبني مرجعية جديدة، وهو ما يؤكد استمرارية الفكر وليس قطيعته.

6.الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران/يونيو 1982172–182▼ ملخص

الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران/يونيو 1982 هو الموضوع المحوري لهذا الفصل، الذي يتناول لحظة الانهيار الكبرى التي واجهت اليسار اللبناني والفلسطينيين بعد سنوات من الاشتباكات الداخلية والاستنزاف. يقدم الفصل صورة مركبة عن هذه المرحلة من خلال شهادات مباشرة لفاعلين عاشوا الحدث من مواقع مختلفة، ليرسم لوحة يختلط فيها الصمود بالتخاذل، والبطولة بالتراجع، وكأن الحرب دورة أخرى من دورات الصراع اللبناني الداخلي التي سبقتها.

يبدأ الفصل برسم خلفية الأجواء التي سبقت الاجتياح، حيث كانت الاشتباكات بين الحزب الشيوعي وحركة أمل شبه يومية طوال عامين. ينقل الكاتب شهادة زياد صعب، المسؤول العسكري في الحزب الشيوعي آنذاك، الذي يصف كيف كانوا واثقين من قدرتهم على السيطرة على الجنوب، لكنهم واجهوا موقفاً فلسطينياً معارضاً لقتالهم ضد حركة أمل. ففي سنة 1981، أرسل ياسر عرفات مندوباً عنهُ لاجتماع القيادة المشتركة في النبطية ليبلغهم بأنه إذا لم يتوقفوا عن قتال حركة أمل، فإن الفلسطينيين سيقفون معها، ثم تكرر الأمر في سنة 1982 قبيل الاجتياح بتهديد مباشر من عرفات بضربهم بالراجمات الصواريخ. ويشير صعب إلى أن قيادة الحزب لم تكن تبلغهم بمثل هذه الأمور، معتبرةً أنها تخصها وحدها.

يضيء الفصل على العبء الذي كانت تتحمله القرى الجنوبية قبل الاجتياح، فقد شنت إسرائيل 175 هجوماً على الجنوب في البر والبحر والجو، وكان المدنيون يدفعون الثمن الأكبر من جراء حرب الاستنزاف التي لم يكن واضحاً ما الذي تحققه. ويذكر الفصل الاجتياح الأول للجنوب في أيلول/سبتمبر 1978 الذي أسمته إسرائيل عملية الليطاني، وما خلّفه من نزوح مأساوي وأزمة تموينية حادة. كما يسلط الضوء على حالة الفوضى والتشرذم الداخلي، حيث يشير الفصل إلى اشتباكات بين مجموعات فلسطينية صغيرة في صيدا قبل شهر من الاجتياح، وإلى مظاهر «دولة منظمة التحرير» التي تفشى فيها الفساد وهدر الأموال، وتجاوزات المسؤولين الفلسطينيين، وهي مسألة «لم تكن هامشية على الإطلاق» كما ينقل عن رشيد الخالدي، مما أدى إلى انقلاب الرأي العام الجنوبي الذي كان يستقبل الفلسطينيين في السابق كفدائيين أنقياء.

يتناول الفصل بعد ذلك الاجتياح نفسه، الذي امتد من الرابع من حزيران/يونيو حتى الثاني عشر من آب/أغسطس 1982، مستمراً نحو شهرين ونصف، ومتوسعاً حتى بيروت وشرقها نحو بعبدا والجبال المطلة عليها. يبرز الفصل الخذلان الذي تعرض له الفلسطينيون وحلفاؤهم من عدة جهات: فسورية انسحبت من المعركة بعد ثلاثة أسابيع، بعدما طمأن رئيس أركان جيشها اللواء حكمت الشهابي أحد قادة فتح، أبو جهاد، بأن عملاً إسرائيلياً لن يحصل، لكنهم سحبوا أسلحتهم الفاعلة ضد الطائرات ونقلوا 107 صواريخ سام-7 قبل أسبوع من الحرب، وأغلقوا حدودهم مع لبنان بعد العاشر من حزيران/يونيو، مانعين وصول المتطوعين والسلاح. كما أن السوفيات ردوا على رسالة عرفات بأنهم لا يستطيعون فعل شيء، في حين سلم السفير السوفياتي عرفات رسالة تطلب منه الاستسلام، مما دفع عرفات لإطلاق خطاب حمل نبرة التحدي واصفاً المعركة بأنها «كربلاء هذا الزمن وستالينغراد العرب»، بينما نسب جورج حبش لنفسه إطلاق شعار مشاركة الحركة الوطنية اللبنانية في المواجهة.

يقدم الفصل شهادات متعددة تعكس تناقض المشاعر وتباين التجارب أثناء الاجتياح. ينقل عن عباس بيضون وصفه لانسحاب الفلسطينيين من مدينة صور وارتياح الأهالي، حيث غادروا قبل أن يحكم الإسرائيليون حصار المدينة، وامتلأت الشوارع بزمر تتكلم عن رحيلهم بغمز، وعبارات مثل «تركّنا الفلسطينيون بعدما ورّطونا بإسرائيل... نحن الذين أدخلنا الدب إلى كرمنا»، لكنه يصف أيضاً مشاهد البكاء الجماعي والنحيب بعد الانسحاب الفلسطيني. أما بلال خبيز، مقاتل منظمة العمل الشيوعي، فيصف تجربته حيث كانوا ينسحبون إلى مواقع خلفية قبل وصول الطلائع الإسرائيلية، تاركين المدن والقرى تحت قسوة النيران، معترفاً بأنه لم يشهد مواجهة مباشرة، لكنه يصف رضاه بالهزيمة مقابل اجتناب الناس له بعد ذلك. أما زياد صعب فيروي تفاصيل قيادته لخمسين شاباً في محاولة لدخول صيدا، لكنهم اصطدموا بالإنزال الإسرائيلي واضطروا للانسحاب بعدما دمروا مدافعهم، ليقاتلوا في قبرشمون وسوق الغرب نحو سبعة أيام، قبل أن تبلغهم وفود من الحركة الوطنية بقرار ممنوع القتال في تلك المنطقة.

يختتم الفصل بالانتقال إلى الجيل الجنوبي الأصغر، فإبراهيم الأمين، الذي كان في السابعة عشرة من عمره وقت الاجتياح، يصف كيف أن الحزب الشيوعي اعتمد على دم جديد بعد الاجتياح، حيث أصبح الالتحاق بالحزب جزءاً من قضية المقاومة، بينما يصف حازم الأمين، الذي كان في السادسة عشرة، كيف أن الحزب اضطر للاعتماد على أشخاص غير معروفين، ليدخل التنظيم السري ويصبح حزبياً كاملاً حتى الانسحاب الإسرائيلي من صيدا عام 1985، مشيراً إلى أن الحزبية تحولت إلى أمر عسكري فقط، حيث أصبح العسكر هو الميزانية الأساسية والأولوية، وصار المثقفون موظفين عند العسكر، في عملية إلغاء لكل شيء باستثناء الجهاز العسكري. ويختم الفصل بالنتائج المدوية للاجتياح: انسحاب المنظمات الفلسطينية من لبنان بإشراف المبعوث الأميركي فيليب حبيب، ومجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول/سبتمبر 1982 التي نفذها اليمين المسيحي بسماح من الجيش الإسرائيلي، وتوقف العمل بصيغة الحركة الوطنية اللبنانية التي كانت دعامتاها جورج حاوي ومحسن إبراهيم، ليقوم وليد جنبلاط بطلب وقف نشاط الحركة وحل مؤسساتها، بعد خلاف بين الأمينين العامين حول مصيرها واقتراح حاوي التنازل عن الأمانة العامة التنفيذية لإنقاذها، لكن إنقاذها لم يكن ممكناً أصلاً مع انقطاع الدعم الفلسطيني الرئيسي للشيوعيين.

الفصل يقر ضمنياً بحدود الشهادات الفردية في تقديم صورة شاملة، فكل شاهد يروي من موقعه الذي احتله يوم الاجتياح، بعضهم قاتل وبعضهم راقب، وبعضهم نجا من القتل المباشر. كما يثير الفصل أسئلة مفتوحة حول معنى المقاومة عندما تتحول إلى عبء على المدنيين، وعن مسؤولية القيادات في التخاذل، وعن إمكانية استمرار النزف الجنوبي حتى لو بقيت الصورة النقية للفدائيين كما كانت في البداية. تبقى إحدى الحجج القابلة للنقاش في الفصل هي العلاقة الجدلية بين فشل القوى الفلسطينية واليسارية في بناء علاقة سليمة مع بيئتها الجنوبية، وبين انهيارها العسكري أمام قوة إسرائيلية متفوقة، إذ يطرح الفصل ضمنياً أن التصدع الداخلي والفساد والتجاوزات كانت عوامل مهّدت للاجتياح بنفس قدر التفوق العسكري الإسرائيلي أو أكثر.

7.مقاومتان، شيوعية وإسلامية183–199▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول التحول الجذري في المشهد السياسي والعسكري اللبناني بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، مركزاً على مصير قوى اليسار اللبناني ممثلة بالحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي، وصعود التيارات الإسلامية كقوى مقاومة جديدة. يقدم الفصل إجابة واضحة مفادها أن اليسار اللبناني، الذي قاد مقاومة الاحتلال عبر جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول»، لم يتمكن من الصمود طويلاً بسبب خلافاته الداخلية، وتراجع الدعم الإقليمي والدولي، بينما برزت قوى إسلامية جديدة كحزب الله ومنظمة الجهاد الإسلامي لتحل محله في قيادة المواجهة مع إسرائيل. يستعرض الفصل هذه الفترة الانتقالية من خلال شهادات شخصيات سياسية وفكرية لبنانية، ويحلل أسباب انهيار اليسار وصعود الإسلام السياسي.

يبدأ الفصل بالحديث عن مراجعة محسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي، لتجربة الحركة الوطنية اللبنانية بعد الاجتياح، حيث حدد أربع مسائل أساسية للمراجعة تتعلق بتعليق العمل بالحركة الوطنية، والعلاقة بين الوطنية والعروبة، والواقعية الثورية مقابل التجريبية، وتنظيم الرفض الوطني ضد الاتفاق مع إسرائيل. لكن المؤلفة تشير إلى أن هذه المراجعة تميزت بنبرة حاسمة تفتقر إلى النقد الذاتي الجذري، حيث ظل إبراهيم يؤكد صحة أحكامه ونهجه العلمي، ويرى أن «الماركسية وحدها هي أداة قراءة هذه الخصائص». ومع ذلك، يعترف إبراهيم في عام 2005 بخطأين رئيسيين ارتكبتهما الحركة الوطنية: الأول هو تحميل لبنان أعباء مسلحة للقضية الفلسطينية فوق طاقته، والثاني هو استسهال ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديمقراطي.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفاصيل تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» في 16 أيلول/ سبتمبر 1982، بعد خروج الفلسطينيين من بيروت في 23 آب/ أغسطس 1982. يوضح الفصل من خلال شهادات زياد صعب وجاد تابت أن تأسيس الجبهة تم بجهود مشتركة بين الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي، حيث يروي تابت كيف عاد إلى الحزب بعد الاجتياح ليشعر بأن شيئاً جديداً يحصل، لكنه يضيف أن هذا التعاون لم يدم طويلاً، إذ استعاد الحزب صلاته بالنظام السوري في عام 1984 وحدثت اشتباكات طرابلس في 1985 فانسحب مرة أخرى. كما يسلط الفصل الضوء على التنسيق بين الحزبين، إذ يصف زكي طه كيف كان هناك استقلالية في العمل المقاوم دون قيادة مشتركة موحدة، بينما يعترف محسن إبراهيم بأن الإخلال بشرط الوحدة بين الطرفين أدى منذ مطلع 1985 إلى تنافس إعلامي تحول إلى انشقاق سياسي، فأصبحت المقاومة الواحدة «مقاومات» عدة.

يستشهد الفصل بشهادات حول العمليات العسكرية المشتركة، ويقدم تفاصيل عملية «الويمبي» الشهيرة التي نفذها خالد علوان من الحزب السوري القومي الاجتماعي وشربل عبود من الحزب الشيوعي اللبناني، حيث أرديا جنديين إسرائيليين في مقهى بالعاصمة بعد دخول الإسرائيليين بيروت الغربية. وفي المقابل، يشرح الفصل أسباب توقف مقاومة منظمة العمل الشيوعي، إذ يذكر زكي طه أن استمرار العمل المقاوم أصبح خطراً على المنفذين في الفترة بين 1987 و1988، بسبب سلطات الأمر الواقع في الجنوب وعلى يد الأجهزة السورية في البقاع الغربي، ما اضطر الحزب الشيوعي للتحول إلى العمليات الاستشهادية استجابة للتحدي الذي وضعه النظام السوري.

يعرض الفصل الاختلافات العميقة التي أدت إلى الافتراق بين المنظمة والحزب، ويشير إلى أن الخلاف بدأ بعد أيام فقط من الإعلان عن الجبهة، حين اختلفا حول خطاب القسم للرئيس الجديد أمين الجميل، حيث رفض محسن إبراهيم مساواة الوجود الفلسطيني والسوري بالاحتلال الإسرائيلي، بينما أرسل جورج حاوي برقية تهنئة للجميل. استمرت الخلافات حول العلاقة مع السلطة الكتائبية والنظام السوري والقضية الفلسطينية، حتى أن المنظمة عارضت مشاركة الحزب في تشكيل «جبهة الخلاص الوطني» مع زعماء الطوائف، معتبرة أن ذلك طموح غير مشروع لليسار. انعكست هذه الخلافات على المشهد الأوسع، فبينما كانت المنظمة تنكفئ على نفسها وتعقد مؤتمراتها للمراجعة، كان الحزب الشيوعي يؤكد أحقيته في تأسيس المقاومة ضد إسرائيل منذ مؤتمره الثاني في عام 1968.

في مقابل انكفاء اليسار، يوثق الفصل صعود التيارات الإسلامية بوضوح، فيشير إلى أن أول وأكبر عملية عسكرية نفذتها «منظمة الجهاد الإسلامي» ضد مقر القوات الغربية المشتركة في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1983، والتي أودت بحياة المئات من الجنود الأميركيين والفرنسيين، سبقتها عملية تفجير السفارة الأميركية في بيروت في 18 نيسان/ أبريل 1983. كما يتناول الفصل ظهور حزب الله وتأهيله من قبل الحرس الثوري الإيراني في بعلبك عام 1982، ويستشهد بشهادة عباس بيضون عن تنظيم «اليقظة» في مدينة صور، الذي رفض الانسحاب مع الفلسطينيين ودعا عبر منشور بخط اليد إلى الجهاد ضد الإسرائيليين، معتبراً أن المتخاذلين تركوا المدينة غنيمة سهلة.

يؤكد الفصل أن هذه التحولات لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها سلسلة من الضربات للتحالف اليساري الفلسطيني، بدءاً بالضربة السورية الأولى عام 1976 التي أوقفت تقدم القوات المشتركة، واغتيال كمال جنبلاط عام 1977، وزيارة السادات للقدس في العام نفسه وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، واندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 التي سحبت الشباب الشيعة من اليسار إلى حركة أمل وحزب الله. ويضيف الفصل عوامل خارجية أخرى كفشل الثورة الثقافية الصينية ووفاة ماو تسي تونغ عام 1976، والحرب الصينية الفيتنامية عام 1979، والاجتياح السوفياتي لأفغانستان في كانون الأول/ ديسمبر 1979، معتبراً أن هذه الأحداث مجتمعة أغلقت الدائرة اليسارية في لبنان، بينما كان صعود الإسلاميين النتيجة المنطقية لهذا التراجع.

يعرض الفصل في شهادات وليد نويهض حضوراً إيرانياً مباشراً في لبنان، حيث يروي لقاءاته مع السفير الإيراني والحرس الثوري خلال حصار بيروت، وكيف أنهم جاؤوا بناءً على دعوة الرئيس إلياس سركيس لمواجهة الغزو الإسرائيلي، ويشير إلى أنهم كانوا ينظرون إليه كمسلم وليس كعربي فقط. تظهر هذه الشهادة كيف أن الفاعلية السياسية بدأت تنتقل من الأيديولوجيا اليسارية إلى الهوية الدينية، ما يفسر التحول العميق في طبيعة الصراع والمقاومة في لبنان. بشكل عام، يقدم الفصل سرداً تاريخياً تفصيلياً لعصر التحولات الكبرى، مانحاً القارئ فهماً عميقاً للأسباب التي أدت للتغييب التدريجي لليسار اللبناني عن المشهد السياسي والعسكري، وصعود حركات إسلامية جديدة أصبحت اللاعب الرئيسي في معادلة المقاومة ضد إسرائيل.

8.حرب المخيمات، اغتيالات بكواتم الصوت، انهيار الاتحاد السوفياتي200–223▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول ثلاث محطات كبرى متشابكة في مسار اليسار اللبناني خلال الثمانينيات: حرب المخيمات، وموجة الاغتيالات التي استهدفت كوادر الحزب الشيوعي اللبناني، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي وما نتج عنه من تبعات على الأحزاب اليسارية. يحاول الفصل أن يروي كيف تقاذفت هذه الأحداث اليسار اللبناني بين محورين: محور دمشق – موسكو الذي كان يمثله الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي، ومحور المقاومة الوطنية الذي كانت تمثله حركة أمل وحزب الله. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن اليسار اللبناني دفع أثماناً باهظة نتيجة تحالفه مع النظام السوري، وأن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن مجرد حدث خارجي، بل كان بمثابة زلزال كشف هشاشة البنية الأيديولوجية والتنظيمية لهذه الأحزاب.

يبدأ الفصل بسرد تفاصيل حرب المخيمات التي اندلعت في أيار/ مايو 1985، ويقدم الرواية التي تعتمدها حركة أمل، والتي تقول إن الحرب بدأت بحادثة فردية في مخيم صبرا، حيث حاولت دورية تابعة للحركة اعتقال فتى مسلح، لكنها فشلت. ثم ينتقل إلى الوصف المروّع للحصار والقصف الذي طال مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، مستشهداً بأرقام دقيقة عن حجم الدمار والقتلى، إذ دُمّر حوالي 90% من مخيم صبرا وسقط ما يقرب من 85 شهيداً. ويضيف الفصل أن الحصار تجدد في أواخر 1986 واستمر ستة أشهر أخرى بلغت فيه المجاعة حداً دفع الناس إلى أكل لحم القطط والكلاب، وأصدر المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله فتوى تجيز أكل لحوم الحيوانات النافقة. يبرز الفصل هنا موقف القوى اليسارية، إذ امتنع الحزب الشيوعي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي ومجموعات ناصرية عن المشاركة في هذه الحرب، رغم الضغوط السورية، وهو ما اعتبره الحزب لاحقاً سبباً رئيسياً في الحملة التي استهدفته.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى ما يسميه "الاغتيالات بكواتم الصوت"، حيث يذكر أن هذه الموجة بدأت خجولة ثم أصبحت كثيفة، مستهدفةً كوادر الحزب الشيوعي، ومعظمهم من الجنوب اللبناني ومن خلفيات شيعية ومسيحية. يسرد الفصل قائمة بأسماء الضحايا وتواريخ اغتيالهم، ومن بينهم ميشال واكد (1985) وسهيل طويلة (1986) وخليل نعوس وحسن الصباح (1986)، ثم تتوالى الأسماء في 1987 مثل لبيب عبد الصمد وخضر الجوني وديب الجسيم. لكن القمة في هذه الموجة كانت اغتيال المفكرين الكبيرين حسين مروة ثم مهدي عامل (حسن حمدان) بعد ثلاثة أشهر فقط، وقد علق مهدي عامل على اغتيال الأول بعبارته الشهيرة: "قتلوه لأنه شيعي شيوعي". يورد الفصل روايات متعددة عن المسؤول عن هذه الاغتيالات؛ فبينما تشير بعض الشهادات إلى تورط حزب الله بسبب خلفية الضحايا الفكرية والدينية، يرى قياديون آخرون مثل جورج البطل أن المخابرات السورية ممثلة بـغازي كنعان هي التي تقف خلفها، بهدف معاقبة الحزب على موقفه من حرب المخيمات. ويُذكر أن غازي كنعان نفسه حضر إلى مركز الحزب ليعزّي بعد اغتيال مهدي عامل، ملقياً عبارته الشهيرة: "هل كان ضرورياً أن تدفعوا هذا الثمن؟".

أما الجزء الثالث من الفصل فيتناول انهيار الاتحاد السوفياتي، ويبدأ بمشهد بوريس يلتسين وهو يعلن إغلاق مكاتب اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي أمام ميخائيل غورباتشوف في نهاية آب/ أغسطس 1991. يسرد الفصل الأحداث الأوروبية التي سبقت الانهيار، مثل انتفاضة هنغاريا وتحطيم جدار برلين في تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، ثم ينتقل إلى تحليل أسباب الانهيار من وجهة نظر عدد من الشيوعيين اللبنانيين الذين عاشوا في موسكو. يقدم الفصل شهادات حية، مثل شهادة جمال القرى التي تصف التمييز الطبقي في المجتمع السوفياتي، وشهادة يوسف مرتضى الذي كتب تقريراً من 99 صفحة حذر فيه من انهيار الاتحاد بسبب الفروق الطبقية، وشهادة أحمد الديراني القيادي في منظمة العمل الشيوعي الذي يقرّ بتأخرهم في مراجعة الماركسية. ويشير الفصل إلى أن المنح الدراسية السوفياتية كانت شريان حياة رئيسياً، إذ خرّج الاتحاد السوفياتي بين 1959 و1992 حوالي خمسين ألف طالب عربي، وكان اللبنانيون يمثلون نسبة كبيرة منهم، وتوقف هذه المنح كان خسارة مادية وأيديولوجية فادحة، إذ يذكر كمال حمدان أن الحزب كان يبيع نصف المنح السنوية (حوالي 200 منحة) بمبالغ تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين دولار لتغطية عجزه المالي.

يعترف الفصل في أكثر من موضع بحدود الرواية الواحدة، فهو يقدّم آراء متضاربة حول المسؤول عن الاغتيالات، كما يطرح أسئلة مفتوحة حول مسؤولية الحزب الشيوعي نفسه، من خلال شهادة محمد علي مقلد الذي يرى أن "حتميات" مهدي عامل واليسار اللبناني ساهمت في صناعة القتلة. كما يشير الفصل إلى أن الحزب الشيوعي استمر في علاقته مع النظام السوري رغم معرفته بوقوفه خلف الاغتيالات، وهو ما يصفه جورج البطل بأنها "علاقة ملتبسة جداً". إن هذه الشهادات المتناقضة داخل الفصل نفسه تكشف عن أزمة عميقة في اليسار اللبناني، حيث يبدو عاجزاً عن استيعاب مسؤوليته التاريخية، سواء في التعامل مع حرب المخيمات أو في فهم طبيعة التحالف الذي قاده إلى هذه الهاوية.

9.الحرب والسلام والأصولية227–251▼ ملخص

بعد نهاية الحرب الأهلية وصدور اتفاق الطائف، يجد الحزب الشيوعي اللبناني نفسه في لحظة انهيار مزدوج: انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان مرجعيته النظرية والداعم الأساسي له، وانهيار دوره العسكري والسياسي في لبنان بعد تسليم سلاحه. كان الحزب قد سلّم أسلحته على مضض، بينما أُبقي على سلاح حزب الله، وخاض نقاشاً داخلياً حول ما إذا كان سيسلّم أسماء عناصره الذين تلقوا تدريبات في الخارج ليتم استيعابهم في الجيش اللبناني. هذا التسليم جعل الحزب يؤدي دور «التلميذ المطيع» لسلطة الأمر الواقع المنبثقة من اتفاق الطائف، أي النظام السوري، مما أثار صراعاً داخلياً بين من يطالب بالانسحاب من السياسة والتكريس لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ومن يرغب في المشاركة في «السلطة المقبلة». وقد خاب أمل هذا التيار الأخير عندما لم يلحظ البرلمان الجديد، الذي عيّن أعضاءه النظام السوري، أي مقعد للحزب الشيوعي.

يصف الكاتب التحولات الداخلية في الحزب بأنها كانت محكومة سابقاً بالتبعية التامة للمركز السوفياتي، حيث سادت «المركزية الديمقراطية» بصورتها المتصلبة التي حوّلت النظرية الماركسية إلى «مذهب ديني» والقيادة إلى «كهنة مطيعون» معصومون. هذه العصبية الحزبية جعلت الحزب «عالماً قائماً بذاته»، حيث كان الخروج منه يعني الوقوع في العدم، كما يصف أحد الرفاق. في هذا السياق، انعقد المؤتمر السادس للحزب عام 1992، الذي رفع غطاء الاتحاد السوفياتي وضرورة مسايرة النظام السوري، وكان لحظة انفجار المطلب الديمقراطي في العلاقات التنظيمية، لكنه أضعف تماسك الحزب وأشاع أجواء من الفوضى. ظهرت «ظاهرة الرفاق التسعة» الذين وزعوا مذكرة داخلية حاولت طرح إطار سياسي جديد، فردت القيادة بمحاولة تحقيق توازن بين «المركزية» و«اللامركزية الفوضوية» بدلاً من التوازن السابق بين «المركزية» و«الديمقراطية»، مما يكشف استعصاءات دمقرطة الحزب.

يستعرض الملخص شهادات ثلاثة رفاق حضروا هذا المؤتمر. كريم مروة، الذي كان نائباً للأمين العام، يشرح أنه كتب أوراقاً أولية بآراء متقدمة ذهبت في اتجاهات جديدة، الأمر الذيكوّن ضده تياراً من نصف المكتب السياسي. يوسف مرتضى يروي أنه رفض الترشح للقيادة لأنه وجماعته كتبوا تقريراً يطالب بتغيير اسم الحزب إلى «حزب الشعب» أو «الحزب الوطني الديمقراطي»، معتبراً أن الشيوعية انتهت، وعندما لم يصوت المؤتمر على ذلك بقي خارج القيادة لكنه لم يغادر الحزب. غسان الرفاعي يرى الأزمة كأزمة مركّبة وعميقة، ويعتبر أن الماركسية ما زالت السلاح الصحيح كمنهجية فكرية، لكن فهم الشيوعيين لها جاء مشوهاً من السوفيات الذين حوّلوها إلى أداة للدولة الكبرى، بينما ماركس كان صارماً في استنتاجاته العلمية. أما حسام عيتاني فيروي جانباً من الصراع كصراعات شخصية على «إرث الحزب» ترتدي شكل الصراع الأيديولوجي، وكانت وراء استقالته منه.

يقارن الباحث فارس اشتي بين مؤتمرين مصيريين للحزب: المؤتمر الثاني والمؤتمر السادس. في المؤتمر الثاني كان المطلوب اعتماد الكفاح المسلح، وفي السادس علت الأصوات المطالبة بالديمقراطية. لكن نتائج المؤتمر الثاني حسمت لصالح القيادة رغم انشقاق البعض، بينما في المؤتمر السادس، في لحظة موت «الأب الرمزي» أي الاتحاد السوفياتي، أفلت النقاش الداخلي من عقاله وصاحبتها فوضى وتراشق بالاتهامات. يخلص اشتي إلى أن ارتدادات المؤتمر السادس انعكست سلباً على الحزب ولم تحسم نتائجه حتى بعد عقدين.

بالنسبة لاتفاق الطائف نفسه، يوضح الملخص أن مواقف اليساريين منه تراوحت بين المشاركة في صياغته ومعارضته واللامبالاة تجاهه. سمير فرنجية، من قدماء يساريي منظمة العمل الشيوعي، اشترك في صياغته واعتبره إنجازاً لأنه يعترف بالطابع النهائي للبنان، ويخرج الجيوش الأجنبية، ويعيد التوازن للسلطات بين الطوائف، ويكرس الانتماء العربي. أما حازم الأمين وجهاد الزين وزياد ماجد فيمرون عليه بلا مبالاة؛ فحازم الأمين بقي في العمل العسكري حتى نهاية الحرب، وجهاد الزين يضع تأييده لاتفاق أوسلو في سياق معارضته للوجود السوري واتفاق الطائف نفسه، وزياد ماجد كان يحاول تطوير علاقته بالسياسة خارج الإطار الحزبي. وسام سعادة، الذي كان في الثالثة عشرة من عمره، يروي رغبته في الانتقال من بيروت الغربية إلى الشرقية المسيحية بعد الحرب، متعاطفاً مع المسيحيين الذين كانوا من الخاسرين فيها. أما يوسف مرتضى فيدافع عن الطائف معتبراً أنه دستور يجب تطبيقه كاملاً وأن أي تجاوز له قد يقود إلى حرب أهلية جديدة، بينما ينتقده زكي طه واصفاً إياه بالتسوية الطائفية والإصلاح الطائفي للنظام الطائفي، وينتقد موقف الحزب الشيوعي الذي أصر على تصنيف نفسه «ميليشيا» لتسليم سلاحه، خاسراً بذلك امتياز كونه «مقاومة» فقط من أجل إدخال بضع عشرات من الشباب إلى أجهزة الدولة.

بعد الطائف، انتخب رينيه معوض رئيساً للجمهورية في الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، لكنه اغتيل بعد سبعة عشر يوماً، فصعد إلياس الهراوي إلى الرئاسة. يقارن النائب السابق ألبير منصور بين الموازين التي أتت بالرؤساء اللبنانيين: فشهاب جاء بتفاهم أميركي مع عبد الناصر، وفرنجية بتوازن الصراعات الداخلية، وسركيس بتفاهم أميركي سوري، والجميل بتفاهم أميركي إسرائيلي، ومعوض بتفاهم أميركي سعودي سوري، والهراوي جاء به السوريون منفردين مع عدم معارضة أميركية. هذا الفصل للسلام اللبناني الأول تم بإبعاد المعارضين للوجود السوري، وجلهم مسيحيون كانوا قد نفروا من حكم الميليشيات وما حملته من هيمنة واستعلاء.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1987، واصفاً إياها بأنها أول مرة يكون السلاح فيها حجارة يرميها شباب ومراهقون وأطفال ضد العساكر الإسرائيليين. كانت مطالبها واضحة: إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وتقرير المصير، وتفكيك المستوطنات، وعودة اللاجئين، وإخلاء سبيل الأسرى. أربكت هذه الانتفاضة القيادة الإسرائيلية التي اختلف أقطابها حول المسؤولية عنها؛ بين يتسحاق رابين الذي رأى أيدي إيران وسورية فيها، ويتسحاق شامير الذي أكد أنها من صنع منظمة التحرير الفلسطينية. تصاعد العنف الإسرائيلي أمام إصرار الانتفاضة على سلميتها النسبية، مما قلب الرأي العام الإسرائيلي والعالمي ضد الحكومة الإسرائيلية. ولدت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في قطاع غزة بعد أيام من اندلاع الانتفاضة، وكان مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، لتصبح صاحبة المبادرة الأولى. خلاصة الانتفاضة أن الإسرائيليين اعترفوا بالشعب الفلسطيني وبعدم وجود حل عسكري للصراع معه.

على هذا المناخ من آمال السلام، وُقع اتفاق أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993، الذي ينص على وضع حد للمواجهات، وتشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية، والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة والضفة الغربية. في المقابل، يبعث المناخ الرافض للاتفاق الحياة لعمليات عسكرية متصاعدة في جنوب لبنان بدءاً من عام 1992. فبعد اغتيال الأمين العام لحزب الله عباس الموسوي عام 1992، نفّذت إسرائيل عملية «تصفية الحساب» التي استمرت أسبوعاً كاملاً، وخلّفت تدميراً في أكثر من سبعين قرية وتهجير حوالي ثلاثمئة ألف مواطن وسقوط أكثر من 115 شهيداً. أنهالت صواريخ الكاتيوشا على إسرائيل، ونتج عن ذلك «تفاهم الكاتيوشا» الشفوي الذي ينص على حق المقاومة في القيام بعمليات ضد مواقع الجيش الإسرائيلي مع عدم استهداف المدنيين. استمرت العمليات العسكرية في الأعوام اللاحقة، حتى عملية «عناقيد الغضب» الإسرائيلية في نيسان/ أبريل 1996، التي انتهت باتفاقية «تفاهم نيسان» المكتوبة، والتي أعطت المقاومة المزيد من الشرعية، حيث التزمت إسرائيل وحزب الله بعدم استهداف المدنيين. نصل إلى عام 1999 عشية الانسحاب الإسرائيلي، الذي بدأ بمقتل قائد قوات الاحتلال إيرز غيرشتاين وانتهى بعملية انتحارية في عمق المنطقة المحتلة.

في خضم هذا المناخ، يطل اليساريون بمواقفهم المختلفة. ففي عام توقيع اتفاق أوسلو، يصدر جوزيف سماحة كتابه «سلام عابر» الذي يناهض السلام من منطلق الممانعة، معتبراً أن التسوية نجحت في إغلاق فصل الممانعة العربية، ومتسلحاً بمرجعية ياسين الحافظ وإلياس مرقص. ينتقد سماحة «السلميين» العرب الذين يراهنون على اليسار الإسرائيلي عبثاً ويتجاهلون البعد النووي لإسرائيل، ويرى أن الإسلام الأصولي الحزبي، وعلى رأسه حماس وحزب الله، يمثل «قوة الاعتراض الجدية الوحيدة» في العالم العربي، مع أنه يعترف بأنه قد «يوصل المقاومة إلى الاصطدام بالحائط». أما وضاح شرارة فيصدر بعد ذلك كتاب «دولة حزب الله: لبنان مجتمعاً إسلامياً»، الذي يرصد تشابه حزب الله مع الأحزاب ذات المنبت الماركسي أو اللينيني، من حيث التنظيم الحزبي الدقيق وتبني أنواع من الإرهاب والحراك الاجتماعي، ويخلص إلى أن الخلاص من الإسلامية مشروط بالدخول في الحداثة.

بعد مرور سنة على كتاب شرارة، يتساجل رفيقان عبر الصحافة حول عملية السلام بوجهتين متناقضتين. حازم صاغية يصدر «دفاعاً عن السلام» معتبراً أن العرب «مسؤولون أيضاً» عن تدهور العملية، داعياً إلى تفهم مأساة الآخر والتخلص من عقلية الضحية واللاسامية، ومستشهداً بالكاتب الماركسي إسحاق دويتشر ويوري أفنيري في وصف اللقاء الدرامي بين الحق الفلسطيني والحق اليهودي. يرد فيصل جلول بكتاب «دفاعاً عن السلام العربي» الذي يفسر العمليات الانتحارية بأنها نتيجة دفع الفلسطيني إلى الانتحار، ويركز على أن عملية السلام هي ترجمة لرغبة واشنطن وإسرائيل في تطبيع ثقافي عربي إسرائيلي، رافضاً نسبية الحق الفلسطيني الذي يعتبره مبدئياً مطلقاً. يذكر جلول أيضاً أن حزب الله في لبنان يجيد العمل السياسي البرلماني ويندمج في الحياة السياسية بقدر إجادته المقاومة، وكأنه بذلك يرد على وضاح شرارة.

يظهر من هذا الفصل أن اليساريين اللبنانيين، التاركين منهم والباقين، انقسموا بين اتجاهين يتبلوران: اتجاه يرى في السلام مع إسرائيل ضرورة وواقعاً لا مفر منه ويدافع عنه، واتجاه يرفضه من منطلق الممانعة ويرى في الإسلام السياسي الناشئ قوة مقاومة جديرة بالاهتمام، وإن اختلفوا في تقييمها. في الوقت نفسه، يبرز الفصل هزيمة الحزب الشيوعي المنظمة، التي لم تكن خارجية فقط بانهيار مرجعه السوفياتي، بل داخلية أيضاً بفشل رهانه على التنازلات للنظام السوري، وبعجزه عن إيجاد صيغة ديمقراطية داخلية تمكنه من مواكبة مرحلة ما بعد الحرب. إن الفصل لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يترك الباب مفتوحاً لأسئلة حول مصير اليسار اللبناني، وكيفية مواجهته لانهيار مرجعياته، وتعاطيه مع القوى الإسلامية الصاعدة، وموقعه من منظومة السلام الإقليمية التي كانت تتشكل في ذلك الوقت.

10.التحرير والرحيل وما بعدهما252–275▼ ملخص

يبدأ الفصل بمشهد انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في 19 أيار/ مايو 2000، بعد ضغوط عسكرية من المقاومة وضغوط شعبية داخل إسرائيل، تصدرتها حركة «الأمهات الأربع» التي ضمت أمهات جنود إسرائيليين قضوا في الجنوب، والتي أثّرت في الرأي العام ودفعت إيهود باراك إلى التعهد بالانسحاب تنفيذاً لقرار الأمم المتحدة رقم 425. يستخدم المؤلف هذا الحدث كنقطة انطلاق لمناقشة تداعياته على الساحة اللبنانية والسورية، خاصة وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران/ يونيو 2000 وصعود ابنه بشار الذي فتح مجالاً مؤقتاً للحريات عُرف باسم «ربيع دمشق»، وهو عبارة عن منتديات نقاشية وبيانات مثل بيان الـ 99 وبيان الألف، سرعان ما أغلقه النظام في شباط/ فبراير 2001.

ينتقل الفصل إلى ردود الفعل اللبنانية على الانسحاب، فيبرز «نداء المطارنة الموارنة» في 20 أيلول/ سبتمبر 2000 بقيادة الكاردينال نصر الله بطرس صفير، والذي طالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان وعودة الدولة والجيش إلى الجنوب. ويشير المؤلف إلى تبلور هذا الموقف في «لقاء قرنة شهوان» الذي جمع شخصيات مسيحية ويسارية مثل سمير فرنجية وتوفيق الهندي، وأصدر 64 بياناً خلال أربع سنوات. ثم يقارن الفصل بين موقفين فكريين متعارضين: موقف سمير قصير الذي رأى في التحرير مدخلاً لتحرير لبنان من الوصاية السورية وانتقد تردد سوريا في التعامل مع الانسحاب، وموقف جوزيف سماحة الذي اعتبر الانسحاب الإسرائيلي نتيجة للمقاومة ورأى في الدور السوري قصة نجاح ضرورية للبنان، ورفض الدعوات لخروج الجيش السوري أو نزع سلاح حزب الله.

أخيراً، يتناول الفصل انقسام اليساريين اللبنانيين بين مؤيد للمقاومة والنظام السوري بقيادة زين رحمة، ومعارض لهما بقيادة إلياس عطا الله الذي أسس حركة «اليسار الديمقراطي» في 18 أيلول/ سبتمبر 2004، والتي ضمت شخصيات مثل سمير قصير وحكمت العيد، وتبنت وثيقة سياسية تنتقد العلاقة مع سوريا وتطالب بدولة قوية تتولى مسؤولية الجنوب بعد التحرير. يعرض الفصل هذا الانقسام كخلفية لفهم تشكل مواقف اليسار اللبناني في مرحلة ما بعد التحرير، إذ انقسم بين يسار يرى في الدولة والاستقلال أولوية ويسار آخر يرى في المقاومة أولوية.

11.«8 آذار» و«14 آذار»276–287▼ ملخص

اغتيل رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005 بتفجير موكبه، فانقلبت الأوضاع رأساً على عقب، وانقسمت البلاد إلى معسكرين اثنين تجسّدا برقمين هما 8 آذار و14 آذار. يجيب الفصل عن كيفية تأسيس هذين القطبين، اللذين أعادا فرز الانحيازات السياسية متجاوزين الانقسام التقليدي بين يسار ويمين، ليركز المحور بعدها على موقع الحزب الشيوعي اللبناني من هذا الانقسام، والأزمة الداخلية التي أدت إلى ولادة ما عُرف لاحقاً باسم حركة الإنقاذ، وهي مجموعة انبثقت من داخل الحزب ممن عارضوا قيادته.

يسير الفصل خطوة خطوة في الأحداث التي أعقبت الاغتيال، ففي 8 آذار/مارس أطل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على تظاهرة حاشدة في ساحة رياض الصلح، أعلن فيها رفضه التدخل الأجنبي، وندد بالقرار الدولي ذي الرقم 1559، وأعرب عن شكره ووفائه لسورية. ضمّت هذه التظاهرة أحزاباً شيعية وإسلامية وعلمانية موالية لسورية، منها حركة أمل وحزب البعث والتيار الوطني الحر والحزب السوري القومي الاجتماعي. وفي المقابل، خرجت في 14 آذار/مارس تظاهرة مليونية في ساحة الشهداء طالبت بتطبيق القرار 1559 ومحاكمة القتلة عبر محكمة دولية. شارك فيها لأول مرة أحزاب يمينية طائفية وأخرى يسارية حديثة، مثل القوات اللبنانية والكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة اليسار الديمقراطي، ولم يكن الحزب الشيوعي نفسه ظاهراً فيها رغم وجود مجموعة صغيرة منتسبة إليه في الخيم.

يبين الفصل أن الحزب الشيوعي كان يعيش أزمة داخلية حادّة حالت دون مشاركته الرسمية، فبينما كانت مجموعة من أعضائه مثل يوسف مرتضى وغسان الرفاعي ومحمد علي مقلد ترى ضرورة النزول إلى ساحة الشهداء والانخراط في انتفاضة 14 آذار، رفضت القيادة الرسمية ذلك لاعتبارات سياسية وعلاقاتها مع سورية وحزب الله. يعكس النص حوارات داخلية تؤكد أن الانقسام لم يكن على مبدأ المشاركة بل على مسائل ثانوية، مثل وجود إلياس عطا الله مؤسس حركة اليسار الديمقراطي في الساحة نفسها، إذ رفضت المجموعة الانضمام إليه رافضة أن يُحدد لها أحد شكل يساريتها.

يتوقف الفصل عند الدور البارز لحركة اليسار الديمقراطي وإلياس عطا الله في قيادة خيم الاعتصام، فيروي كيف كان شبابها يديرون البوديوم المركزي ويبتكرون الشعارات، وكيف كان سمير قصير بمنزلة "مهندس انتفاضة الاستقلال" وملهماً للشباب لاتخاذ قراراتهم المستقلة عن قادتهم السياسيين. تحت الضغط الشعبي والدولي انسحب الجيش السوري من لبنان في 21 نيسان/أبريل 2005، ثم صدر في دمشق بعد ستة أشهر "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي"، الذي يورد الفصل أنه لم يكن سوى ثمرة خذلان النظام السوري أمام المدّ الكاسح الذي أخرجه من لبنان، وهو ما يفصّله كاتب سوري معارض هو علي العبد الله في مقال يستعرض قرارات دولية وأحداثاً ضاغطة، منها القراران الدوليان 1559 و1595.

تأتي الاغتيالات المتتالية لكي تهزّ الوسط اليساري تحديداً، فبعد اغتيال سمير قصير في 2 حزيران/يونيو 2005 يُغتال جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي، بعد تسعة عشر يوماً، ويُتهم في لحظة الاغتيال الطوائف بدل سورية، الأمر الذي يصفه محمد علي مقلد بأنه موقف "خنفشاري" بلا معنى. بعد شهرين، تعلن مجموعة من نحو خمسمئة عضو داخل الحزب تأسيس "حركة الإنقاذ" التي تطالب بالديمقراطية الداخلية وإحياء أفكار المؤتمر السادس، ويُعدّ غسان الرفاعي بداية الأزمة إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخروج الفلسطينيين الذي أضعف الحركة الوطنية وجعل قسمًا منها يميل إلى مركز القرار السوري.

يرصد الفصل نقاشاً أيديولوجياً قدّمه محمد علي مقلد في كتيّب بعنوان "اليسار بين الأنقاض والإنقاذ"، انتقد فيه حركة اليسار الديمقراطي واصفاً إياها بالانشقاقية التي تعبّر عن أزمة ولا تحلّها، وذاهباً إلى أن الخطر الأساسي في البلاد هو "الاستبداد" وليس الرأسمالية أو إسرائيل وحدها، مؤكداً أن سورية قلبت الجوانب الديمقراطية في الدستور اللبناني. ورغم هذا النقد الموجّه للقيادة، يبرز في الفصل إجماع أعضاء حركة الإنقاذ على رفض الانشقاق عن الحزب الأم، مبررين ذلك بأن "لا يسار من دون الحزب الشيوعي" وأن العصبوية الحزبية و"ضريبة الدم والشهداء" تمنعهم من الخروج، وذلك على عكس إلياس عطا الله الذي انشقّ بحوالي خمسمئة رفيق دفعة واحدة.

أخيراً، يطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً حول أفق هذا اليسار المحاصر بين الاصطفافات الطائفية والوصاية الإقليمية والقيادة المتحجرة، ويبرز كمادة قابلة للنقاش التناقض لدى قيادة الحزب التي تنتقد المارونية السياسية والسنية السياسية بينما تتجاهل "الشيعية السياسية" الحاكمة منذ 1992، كما يظهر التباين في تحديد جذور الأزمة بين من يرجعها إلى التسعينيات ومن يراها في الثمانينيات. الملاحظ، من خلال ذلك كله، أن الفصل يميل بوضوح إزاء عرض حجج أصحاب حركة الإنقاذ وتبرير مواقفهم بشكل أكثر تفصيلاً، مع احتفاظه بسردية تاريخية تتبع تسلسل الأحداث دون تصحيح أو تعليق مباشر، تاركاً للقارئ استخلاص أحكامه الخاصة.

12.حرب تموز/يوليو 2006288–305▼ ملخص

هذا الفصل يتناول تداعيات حرب تموز/يوليو 2006 على المشهد السياسي اليساري في لبنان، ويحلل كيف كشفت الحرب الانقسامات العميقة داخل القوى اليسارية حول الموقف من حزب الله وسلاحه. الموضوع المحوري هو بحث المؤلفة في مصير التيار اليساري اللبناني في هذه المرحلة المفصلية، حيث انتقل من تحالف قديم مع المقاومة إلى حالة من التشرذم والاضطراب الداخلي، لتستخلص أن هذه الحرب مثّلت نقطة تحول كشفت عن أزمة هوية وتنظيمية حادة في اليسار اللبناني.

تسير المؤلفة في الفصل من العام إلى الخاص، فتبدأ بتأسيس السياق العام للحرب، وتحديداً عبر ما ورد في «ورقة التفاهم» الموقعة في 6 شباط/فبراير 2006 بين حسن نصر الله وميشال عون، والتي طالبت الحكومة اللبنانية بتثبيت لبنانية مزارع شبعا وتحرير الأسرى، وهو ما اعتبرته المؤلفة تغطية تمنح سلاح حزب الله شرعية إضافية قبل اندلاع الحرب.

بعد ذلك، تنتقل المؤلفة إلى يوم 12 تموز/يوليو 2006، التاريخ الذي بدأ فيه الحزب الحرب بخطف جنديين إسرائيليين وقتل ثلاثة آخرين. في هذا السياق، تعرض المؤلفة وجهة نظر اللواء المتقاعد أمين حطيط، المنظر الاستراتيجي لحزب الله، الذي يرى أن إسرائيل هي التي شنت الحرب لأهداف بعيدة المدى تخدم المشروع الأميركي في الشرق الأوسط، وأنها اصطدمت بعقبات تمثلت في رفض إيران وسوريا تلبية المطالب الأميركية. وخلص حطيط إلى أن إسرائيل خسرت الحرب في جميع مراحلها، وخاصة في مرحلة خطة الإنقاذ التي وصف هزيمتها فيها بأنها ستكون ذات أثر زلزالي.

تنتقل المؤلفة بعدها إلى رصد مواقف القوى اليسارية المختلفة من الحرب، وتكشف عن انقسام حاد. فمن جهة، يظهر الحزب الشيوعي اللبناني بصفته منخرطاً في القتال إلى جانب حزب الله، حيث تشير المؤلفة إلى أن تسعة شهداء سقطوا من الحزب، وكانوا يقاتلون ضد إسرائيل حتى استشهادهم في البلدات الجنوبية. ومن جهة أخرى، تكشف عن اضطراب كبير داخل حركة اليسار الديمقراطي بقيادة إلياس عطا الله الذي تبنى مواقف معسكر 14 آذار. تُبرز المؤلفة هنا رسالة مفتوحة وجهها كل من إلياس خوري وزياد ماجد إلى رفاقهما في الحركة خلال فترة الحرب، رفضا فيها تحميل حزب الله وحده مسؤولية الحرب، وانتقدا التركيز على الدفاع عن خيارات «14 آذار» دون التطرق للدور الأميركي في تغطية العدوان، معتبرين أن موقفهم هذا هو الموقف الصحيح من المعركة ضد العدو الإسرائيلي.

تكشف المؤلفة عن أن هذه الرسالة لم تكن سوى تعبير عن انقسام حقيقي داخل الحركة، وهو ما يظهر عبر شهادة وديع حمدان، أحد مؤسسي مجلة «الأفق»، الذي يشرح أن البنية التنظيمية لحركة اليسار الديمقراطي كانت «هلامية» وغير ديمقراطية، ما دفع بعض الأعضاء إلى محاولة التمايز عن «14 آذار» من خلال تأسيس المجلة. وعن هذه التجربة، تفيد المؤلفة أن المجلة صدرت من تشرين الثاني/نوفمبر 2007 حتى حزيران/يونيو 2010 بإصدار عددها السادس والعشرين، وشارك فيها كتاب ينتمون غالباً إلى منظمة العمل الشيوعي، ومنهم بول طبر ومنى فياض وأحمد بيضون، إلى جانب كتّاب سابقين من الحزب الشيوعي مثل كريم مروة. بالإضافة إلى إبراز الجانب النقدي للمجلة، تعرض المؤلفة أيضاً لتفسير وديع حمدان لأسباب انتهاء التجربة سريعاً، إذ شعر بأن الجهود المبذولة فيها بلا أفق، خاصة مع حضور إلياس عطا الله الطاغي الذي أمضى نيابته في الشمال دون أن يذهب إلى منطقته الفقيرة، في حديث يكشف عن فشل الحركة والتجربة الإعلامية معها.

لم تكتفِ المؤلفة بعرض آراء الأفراد، بل قدّمت نماذج نقدية مفصلة من داخل اليسار نفسه. فتعرض مقال منى فياض بعنوان «معنى أن تكون شيعي الآن...» والذي تصف فيه حالة الإذعان التي يفرضها «الانتصار الإلهي» لحزب الله، حيث تعتبر أن المرحلة كارثية وأنها تحمل أسئلة مشروعة حول معنى النصر والصمود، وتنتقد ضمنياً ذوبان الوطنية في خدمة البرنامج النووي الإيراني. وفي مقال آخر، تطرح فياض سؤالاً يكشف عن قلقها من أن تكون الحرب قد شنت لتحسين مواقع حزب الله في السلطة. أما محمد علي مقلد، عضو مجموعة «حركة الإنقاذ» داخل الحزب الشيوعي اللبناني، فتستعرض المؤلفة كتابه «اغتيال الدولة» الذي ينتقد فيه النظام السوري وحزب الله، ويعتبر أن المعركة الأساسية يجب أن تكون لصالح بناء الدولة، وأن حزب الله لم يعد خارج السلطة بل يشارك فيها عبر المحاصصة مقابل الحفاظ على سلاحه، متوقفاً عند معضلة الشيوعيين في دعم سلطة رأسمالية وهم يسعون لبناء الدولة.

في نهاية الفصل، تربط المؤلفة بين فراغ القوى اليسارية وسقوطها في أتون «هجمة 7 أيار 2008» على بيروت، والتي تعتبرها الضربة القاصمة لأي تطلع لبناء دولة، حيث تنتقل من هذا الفشل إلى الحديث عن «اللقاء اليساري التشاوري» بوصفه محاولة أخرى للالتئام. وتستعرض المؤلفة وثيقة «الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة» التي أصدرها اللقاء، والتي رأت أن التناقض الأساسي هو بين قوى التقدم والمشروع الإمبريالي الأميركي والصهيوني، ودعت اليسار لأخذ موقعه في مقاومة هذه الهجمة، والتنسيق مع المقاومة الإسلامية بوصفها «حليفاً موضوعياً مؤقتاً»، مع إشادة بقدرتها على هزيمة الجبروت الإسرائيلي. هذه الوثيقة، كما تعرض المؤلفة، لم تخلُ من نقد ذاتي؛ إذ تأسفت على انسحاب الشيوعيين من المعركة وترك الساحة لحزب الله، محمّلةً هذا الانسحاب إلى جملة عوامل منها انهيار الاتحاد السوفياتي وتوجهات النظام السوري وتحالفاته التي حصرت المقاومة في فئة محددة وأسبغت عليها سمات مذهبية.

هكذا، يختتم الفصل برسم صورة متكاملة لليسار اللبناني بعد حرب 2006، فبينما استطاع حزب الله الخروج منتصراً بخطابه الذي رفع منسوب التخوين لكل من يشك به، يظهر اليسار في حالة من التيه والفشل التنظيمي، عاجزاً عن تقديم مشروع بديل أو إيجاد موقع واضح له بين القوى السياسية، وهو ما يفسر تبني أغلبية مطلقة من هذه القوى مواقف قريبة من خصومها في «14 آذار»، ويُبرز دور التيارات النقدية المستقلة في محاولة إعادة تعريف معنى «اليسار» الحقيقي في مواجهة تحديات المرحلة. وتجدر الإشارة إلى أن الفصل يعود، في حديثه عن «الكثوره السورية: عشييها»، إلى جذور العلاقة بين اليسار اللبناني والنظام السوري في مرحلة ما قبل الحرب، مما يضيف عمقاً تاريخياً لتحليل المواقف المتباينة التي رصدتها المؤلفة.

13.الثورة السورية، عشيتها، وأثناءها306–322▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل محطةً حاسمة في مسار اليساريين اللبنانيين، وهم يواجهون انقساماً حاداً مع اندلاع الثورة السورية، وما تلاه من تدخل «حزب الله» العسكري إلى جانب النظام السوري. يوضح الفصل كيف أن هذا الحدث كان بمثابة المحك الأخير الذي كشف عن التصدعات العميقة داخل هذا التيار، وأعاد رسم تحالفاتهم ومواقفهم بشكل جذري. فبعد أن كان «حزب الله» قد أيد ثورتي تونس ومصر واعتبرها جزءاً من مشروع المقاومة، انقلب موقفه رأساً على عقب مع بدء الثورة السورية، واصفاً إياها بأنها مؤامرة خارجية ودعم أجنبي، ثم أضاف إليها لاحقاً صفة الإرهاب. وقد ظل التدخل العسكري للحزب في سوريا سراً لفترة، تتخللها إشاعات عن مقتل مقاتلين له، إلى أن أجبرته جنازة قائده محمد حسين الحاج ناصيف (أبو العباس) في تشرين الأول/ أكتوبر 2012 على الاعتراف رسمياً بمشاركته، بعد أن رفضت عشيرته التكتم على ملابسات مقتله في بلدة القصير.

يبرز الفصل موقف «الحزب الشيوعي اللبناني» الذي انقسم بدوره، حيث أعلن أمينه العام خالد حدادة عن مشاركة الحزب في قتال «التكفيريين» إلى جانب «حزب الله»، مبرراً ذلك بخطورة تمدد تنظيمات مثل «جبهة النصرة» و«داعش» واعتبار الخطر الإرهابي على الحدود الشرقية مساوياً لخطر العدوان الإسرائيلي. في المقابل، يظهر تململ داخلي واضح، كما يوضح كمال حمدان، الذي يعترف بوجود تيار داخل الحزب مؤيد للقتال في سوريا، لكنه يستشهد بصعوبة إقناع قاعدة شعبية تعاني من الحرمان وغياب الخدمات بخوض هذه المعركة. وفي الجهة المقابلة، يقدم محمد علي مقلد نقداً لاذعاً لمفهوم «الشيعية السياسية» في كتابه «الشيعية السياسية»، معتبراً أنها مشروع سياسي فئوي يقوم على المحاصصة ويستند لقوة خارجية، وأنها خدمت النظام السوري على حساب استقلال لبنان، وأخضعت المصلحة الوطنية لسلطان دمشق.

ينتقل الفصل ليستعرض المبادرات الفكرية التي أطلقها اليساريون السابقون في منظمة العمل الشيوعي، والذين توزعوا على ثلاث مجموعات بعد فقدان التنظيم لحيويته. المجموعة الأولى أسست مجلة «كلمن» عشية الثورة، بمشاركة شخصيات مثل حازم صاغية وأحمد بيضون وعباس بيضون، ووقفت بوضوح إلى جانب الثورة السورية، وسعت لإعادة النقاش الفكري المفقود ومد جسور بين الأجيال، واستمرت خمسة أعوام حتى توقفت لأسباب مالية. المجموعة الثانية تمثلت في مجلة «بدايات» التي أسسها فواز طرابلسي في عام 2012، ورأت في الانتفاضات العربية كشفاً للعلاقة بين الاقتصادات النيوليبرالية والاستبداد، داعيةً إلى إعادة تأسيس المشروع اليساري بمنظور اجتماعي يهدف لتجاوز الرأسمالية. أما المجموعة الثالثة فكانت مجلة «السفير العربي» الإلكترونية التي ترأسها نهلة الشهال، والتي سعت لتقديم منصة إعلامية مستقلة تركز على «التقاطعات» بين الجغرافيا والميادين، وتبحث وسط الخراب عن معنى الأمل والإمكان.

يُخصص الفصل حيزاً هاماً لموقف الكاتب والمفكر حازم صاغية، الذي أصدر كتاب «هجاء السلاح» قبل اندلاع الثورة السورية بفترة قصيرة. في هذا الكتاب، يقدم صاغية نقداً جذرياً لمقاومة السلاح، معتبراً أن التحول إلى سلطة سياسية يقود إلى الاستبداد، وأن التعويل على المقاومة كشرعية للحياة المستقبلية هو تأسيس للاستبداد ذاته. ويحلل صاغية كيف أن رواية المقاومة الرومانسية، التي توحد الشعب ضد مستعمر، تزرع بذور الاستبداد لاحقاً عندما تتحول المقاومة إلى سلطة. وفي المقابل، يروي الفصل قصة الانقسام الداخلي في صحيفة «الأخبار»، حيث استقال نائب رئيس التحرير خالد صاغية، الذي اعتبر الثورة السورية ثورة شعبية مشروعة، بينما تبنى رئيس التحرير إبراهيم الأمين الموقف «المقاوم» المدافع عن «حزب الله»، ليبرز التوتر بين الانحياز للمقاومة ودعم الثورات الشعبية.

يختتم الفصل بجولة على شهادات عدد من اليساريين السابقين، الذين يعبرون عن حالاتهم المختلفة بعد هذه التجربة الطويلة، فمنهم من ما زال يحلم بالمساواة دون أن يجد حزباً ثورياً يرضي طموحه مثل نهاد حشيشو، ومنهم من يعرف نفسه بيساري «بمعنى» معين، مثل عباس بيضون الذي يرى أن اليسار الحقيقي يجب أن ينكب على قضايا الأقليات المهمشة. هذا الاستعراض لمصائرهم الفردية، وما آلت إليه قناعاتهم، يلخص الحالة التي وصل إليها هؤلاء اليساريون بعد عقود من العمل السياسي والخيبات المتتالية، ويطرح تساؤلاً ضمنياً حول مستقبل هذا التيار في مواجهة الانقسامات الإقليمية الحادة.