المورد

خطيئة إسرائيل الأصلية: المؤرخون الجدد الإسرائيليون يعيدون النظر في طرد الفلسطينيين

دومينيك فيدال١ كانون الثاني ١٩٩٩frمؤسسة الدراسات الفلسطينية

يقع كتاب «خطيئة إسرائيل الأصلية» للمؤلف والباحث الفرنسي دومينيك فيدال في قلب أكثر القضايا إثارة للجدل في الصراع العربي-الإسرائيلي، متناولاً واحدة من أكثر لحظات التاريخ الفلسطيني حسماً، وهي نكبة عام 1948. لا يكتفي الكتاب بسرد الأحداث، بل يقدم قراءة معمقة ومفصلة تعتمد على أعمال ما بات يُعرف بـ«المؤرخين الجدد» الإسرائيليين، الذين قلبوا الرواية الإسرائيلية الرسمية حول قيام الدولة ونزوح الفلسطينيين. يطرح الكتاب سؤالاً مركزياً حاسماً: هل كان طرد الفلسطينيين من ديارهم في عام 1948 نتيجة حتمية للحرب والظروف، أم كان سياسة ممنهجة ومخططاً لها بعناية من قبل الحركة الصهيونية وقياداتها؟ ويدافع فيدال بقوة عن الأطروحة الثانية، معتمداً على وثائق ومذكرات وشهادات إسرائيلية رفيعة المستوى لم يسبق كشفها بهذا الشكل التفصيلي.

ينطلق الكتاب في فصله الأول من لحظة التحول الحاسمة في تاريخ فلسطين، والتي تمثلت في انتقالها من أرض تحت الانتداب البريطاني إلى ساحة لصراع دولي حاد انتهى بقرار الأمم المتحدة بالتقسيم عام 1947. يقدم فيدال هذا القرار الذي مثل انتصاراً تاريخياً للحركة الصهيونية ليس كنتيجة حتمية لمسار طبيعي، بل كتتويج لسلسلة عوامل مترابطة، أبرزها التحول الجذري في السياسة الدولية في بدايات الحرب الباردة، والضغط الدبلوماسي الصهيوني الفعّال، والتوظيف المأساوي لمحرقة اليهود، والضعف السياسي العربي الفلسطيني. يستعرض الفصل الجذور التاريخية للفكرة الصهيونية، بدءاً من تيودور هيرتسل، الذي وضع بعد محاكمة دريفوس كتابه «دولة اليهود» وعقد أول مؤتمر صهيوني في بازل عام 1897، لكنه فشل في كسب دعم الدول العظمى آنذاك، إلى أن تحقق الحلم على يد حاييم وايزمن حين أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور عام 1917، الذي وعد بإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، بشرط ألا يمس حقوق الطوائف غير اليهودية التي كانت تشكل آنذاك 90% من السكان. ويوضح المؤلف كيف أن الانتداب البريطاني الذي تلا ذلك مكّن الحركة الصهيونية من بناء «دولة ضمن الدولة»، مستشهداً بأرقام صارخة مثل ارتفاع عدد اليهود من 44 ألفاً إلى 708 آلاف بين عامي 1917 و1947، وتوسع ملكيتهم من الأراضي من 10 آلاف هكتار إلى 180 ألف هكتار.

بعد ذلك، ينتقل الكتاب إلى مرحلة تصاعد التوتر والمقاومة العربية، مشيراً إلى الثورة العربية الكبرى بين 1936 و1939 التي قمعها البريطانيون بمساعدة القوات الصهيونية، ويناقش الكتاب الأبيض الصادر عام 1939 الذي حدد الهجرة اليهودية بـ 75 ألف شخص ووعد باستقلال فلسطين خلال عشر سنوات، معتبراً إياه محاولة بريطانية لاسترضاء العرب الذين خشيت دفعهم نحو ألمانيا النازية. لكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت هذه السياسة غير قابلة للتطبيق، فبحسب المؤرخ الإسرائيلي إيلي برنافي، فإن اكتشاف حجم المحرقة اليهودية جعل الأطروحة الصهيونية بديهية: «كي لا يتكرر ذلك يجب أن يكون لليهود أرض خاصة بهم»، ليخلص المؤلف إلى أنهم لم يترددوا في اعتبار هتلر رافعة قوية لإنشاء دولة إسرائيل. وتزامن ذلك مع إغلاق أبواب الهجرة، خاصة من قبل الولايات المتحدة التي لم توافق إلا على دخول 150 ألف يهودي بين عامي 1940 و1948، مما أدى إلى تفاقم مأساة الناجين ودفعهم نحو الهجرة غير الشرعية، لتتحول مأساة سفينة إكسودس عام 1947 إلى أداة دعاية صهيونية ناجحة ضد البريطانيين.

يخصص المؤلف حيزاً كبيراً لتحليل التقارب الأميركي السوفياتي المفاجئ حول مشروع التقسيم، واصفاً إياه بأنه أمر مستغرب في أجواء بداية الحرب الباردة. ويقدم تفسيرات متعددة لهذا التقارب: بالنسبة للرئيس هاري ترومان، كانت دوافعه تتعلق بالضغط الانتخابي من المنظمات اليهودية، والرغبة في عدم التخلي عن بريطانيا، مع الخوف من إغضاب الدول العربية. أما بالنسبة لجوزف ستالين، فيرى المؤلف أن دعمه لإسرائيل جاء انطلاقاً من رغبته في ضرب الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط، واستخدام الحركة الصهيونية كرافعة لزعزعة النفوذ الغربي، دون اكتراث حقيقي بالاعتبارات الأيديولوجية. وقد توج ذلك بإقرار قرار التقسيم رقم 181 في 29 نوفمبر 1947 بأغلبية 33 صوتاً مقابل 13 وامتناع 10، ليقضي بإنشاء دولة يهودية على 14,000 كيلومتر مربع ودولة عربية على 11,000 كيلومتر مربع، مع وضع دولي خاص للقدس. ويكشف الفصل أن نجاح المشروع الصهيوني في ذلك العام الحاسم لم يكن مقصوراً على الحسم العسكري، بل كان نتاج تفوق استراتيجي ودبلوماسي مبني على فهم عميق للسياق الدولي، واستغلال ذكي للكارثة اليهودية، مقابل فشل فلسطيني وعربي في تقديم مشروع وطني واضح وموحد، وهو ما رسخ تحولاً جذرياً في مصير المنطقة.

ينتقل الكتاب في فصله الثاني إلى تفنيد واحدة من أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة الإسرائيلية، وهي صورة الحرب بوصفها مواجهة بين داود وجوليات، أي بين دولة يهودية صغيرة وضعيفة تواجه جيوشاً عربية موحدة وعاتية. يفند فيدال هذه الرواية بالاعتماد على أعمال «المؤرخين الجدد» الإسرائيليين، ويقدم حجة مضادة مفادها أن القوات الصهيونية كانت، في معظم مراحل الحرب، متفوقة عدداً وتسليحاً وتنظيماً على خصومها العرب. يبدأ الفصل بتقديم الادعاءات الإسرائيلية التقليدية كما صاغها دافيد بن غوريون وحاييم وايزمن، ثم يعرض شهادات من مسؤولين بريطانيين وأميركيين وأمميين في ذلك الوقت تؤكد ثقتهم بقدرة اليهود على الصمود. بعد ذلك، ينتقل إلى الأرقام: فيذكر أن منظمة «الهاغاناه» كانت تمتلك في أيار 1948 حوالي 50,000 مقاتل، وأن ترسانتها نمت بسرعة بفضل الأسلحة القادمة من تشيكوسلوفاكيا، بينما كانت الميليشيات الفلسطينية تعاني من العدد القليل والتنظيم الهش والسلاح القديم، ولم يكن باستطاعتها الاعتماد على أي مصدر لتصنيع السلاح. ويخلص الفصل إلى أن القوات الفلسطينية انهارت بسرعة أمام هجمات الهاغاناه في ربيع 1948.

يبحث الفصل أيضاً في مرحلة دخول الجيوش العربية، مشيراً إلى أن وضع القوات الإسرائيلية كان حرجاً في الأسابيع الأولى بين 15 أيار و11 حزيران، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فبفضل وصول المهاجرين الجدد والتدفق الكبير للأسلحة من الغرب والشرق عبر الجسر الجوي، تغير ميزان القوى جذرياً. كما يبرز الفصل غياب خطة عربية موحدة، ويشير إلى أن الجيوش العربية دخلت الحرب بدوافع متضاربة، حيث كانت بعض الدول مثل مصر تتحرك لقطع الطريق على طموحات الهاشميين في ضم الضفة الغربية أكثر من قتال إسرائيل نفسها. ويخصص قسماً مهماً للكشف عن الاتفاق السري بين الوكالة اليهودية والملك عبد الله، والذي يعتبره مفتاحاً لفهم الحرب، حيث كان جوهر هذا الاتفاق، الذي حظي بمباركة بريطانية، تقسيم فلسطين بين إسرائيل والأردن بشكل غير رسمي حتى قبل قرار الأمم المتحدة، على أن يضم الأردن الجزء الأكبر من الأراضي المخصصة للدولة العربية، وأن لا تهاجم قواته الأراضي التي خصصتها الأمم المتحدة لإسرائيل. ويوضح المؤلف أن هذا الاتفاق كان عاملاً حاسماً في إضعاف الجبهة العربية، وأن الفيلق العربي التزم عملياً بعدم دخول الأراضي الإسرائيلية طوال الحرب، باستثناء المعارك في القدس وضاحيتها التي لم تكن ضمن الاتفاق. ويتناول الفصل في نهايته التفاوض الإسرائيلي-الأردني بعد الحرب، وكيف أن الملك عبد الله حصل على الضفة الغربية والقدس الشرقية، لكنه رفض التوقيع على معاهدة سلام كاملة خوفاً من ردود فعل العالم العربي، واكتفى باتفاق هدنة، وقد اغتيل في 20 تموز 1951 على يد وطني فلسطيني.

مع الفصل الثالث، يغوص الكتاب في قلب القضية الأكثر إيلاماً، وهي أسباب نزوح الفلسطينيين وتفاصيله، معتمداً بشكل كبير على التحليل الموسع للمؤرخ بني موريس في كتابه «نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين». يعمل المؤلف على تفكيك الرواية الرسمية التي تنكر مسؤولية الدولة عن الطرد وتؤكد أن الهجرة جاءت بناءً على دعوات من القادة العرب، من خلال ذكر أن موريس حدد أسباب رحيل سكان 308 مدينة وقرية عربية، وخلص إلى نتيجة معاكسة تماماً، ففي الحالات التي توثقت منها الأسباب، كان الرحيل في الغالب الأعم نتيجة هجمات شنتها القوات اليهودية، أو عمليات طرد بالقوة العسكرية، أو الخوف الناتج عن سقوط تجمعات سكنية مجاورة أو الشائعات التي بثها الجيش اليهودي، خصوصاً بعد مجزرة دير ياسين. في المقابل، لم يسجل موريس سوى ست حالات فقط تم فيها الرحيل بناءً على إيعاز من السلطات العربية المحلية، مؤكداً عدم وجود أي دليل على إطلاق نداءات عربية عامة تدعو للهجرة، بل على العكس، تشير تقارير استخبارات الهاغاناه إلى أن القيادة العربية كانت تحذر من المغادرة وتتوعد المخالفين بالعقاب. ينتقل الفصل لتحليل مراحل النزوح، مقسماً إياه إلى خمس موجات رئيسية، حيث يصف الموجة الأولى بين كانون الأول/ديسمبر 1947 وآذار/مارس 1948 بـ«هجرة الفلسطينيين الموسرين أولاً»، إذ قدر عدد النازحين بـ75,000 نسمة، معظمهم من سكان المدن من الطبقات الوسطى الذين حاولوا تجنب المواجهة، وقد تزامنت هذه الموجة مع بدء الحرب الأهلية وشهدت ظاهرة توقيع اتفاقيات عدم اعتداء بين قرى عربية ومستعمرات يهودية مجاورة، في محاولة يائسة لتجنب الصدام.

أما الموجة الثانية فكانت الأكثر كثافة ودماراً، وحدثت بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 1948، وكانت نتيجة مباشرة لتغيير استراتيجية الهاغاناه بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم عبر خطة «دالت». يوضح الفصل أن الهدف من هذه الخطة كان «تطهير» أراضي الدولة اليهودية العتيدة من القوات المعادية، وقد تجلى ذلك بوضوح في سقوط مدن مثل طبرية وحيفا ويافا وصفد، حيث فرضت القوات الإسرائيلية الأمر الواقع بالقوة، وبلغت هذه الموجة ذروتها بمجزرة دير ياسين في 9 نيسان/أبريل 1948، التي وصفها الفصل بأنها كانت عاملاً حاسماً في بث الرعب وتسريع فرار السكان، حيث سقط 120 قتيلاً في المجزرة على يد منظمتي الإرغون وليحي. تواصل الفصل مع الموجة الثالثة (تموز/يوليو وآب/أغسطس) التي جاءت خلال فترة الهدنة الأولى، وشهدت عمليات طرد واسعة النطاق في مدينتي اللد والرملة، حيث صدرت أوامر صريحة بطرد السكان، ويذكر الفصل أن 70,000 فلسطيني طردوا من المدينتين خلال أقل من أسبوع في عملية قاسية. أما الموجة الرابعة فاندلعت في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، مع عمليتي «يوآف» في الجنوب و«حيرام» في الشمال، اللتين استهدفتا احتلال أكبر قدر من الأراضي وتقليل عدد السكان العرب فيها، مما أدى إلى نزوح ما بين 100,000 و120,000 لاجئ جديد. ويخصص الفصل القسم الأخير منه للموجة الخامسة التي أطلق عليها المؤلف اسم «تنظيف الحدود»، والتي امتدت من تشرين الثاني/نوفمبر 1948 حتى تموز/يوليو 1949، حيث عمل الجيش الإسرائيلي على إخلاء المناطق الحدودية من سكانها العرب لأسباب أمنية، عبر عمليات متكررة من الترهيب والطرد القسري، ووصل المجموع النهائي للنازحين في هذه الموجة الأخيرة إلى ما بين 12,000 و20,000 شخص إضافي. في خضم هذا السرد، لا يغفل الفصل ذكر التحفظات، فعلى سبيل المثال، يعترف بني موريس بأنه «يجهل» أسباب رحيل السكان في 468 من الحالات التي درسها، كما يقر بأن بعض عمليات الطرد جاءت بمبادرة من القادة العسكريين المحليين، ولم تكن دائماً نتيجة أوامر مركزية صريحة.

يخصص الكتاب فصلاً كاملاً لتحليل مجزرة دير ياسين التي وقعت في 9 نيسان/أبريل 1948، محاولاً الإجابة عن سؤال مركزي: هل كانت هذه المجزرة استثناءً منفرداً في تاريخ الصراع، أم أنها كانت حلقة ضمن قاعدة أوسع من العنف والطرد التي مارستها القوات الصهيونية ضد الفلسطينيين؟ يقدم بني موريس إجابة واضحة بأنها لم تكن استثناءً، بل كانت جزءاً من نمط متكرر من الفظاعات، وأن «نزعة القادة العسكريين المحليين إلى إعطاء دفعة للفلسطينيين كي يلوذوا بالفرار» ازدادت اطراداً مع تقدم الحرب. يسير الفصل في تفنيد الرواية الرسمية التي تصور دير ياسين كعملية منعزلة قامت بها منظمات «متطرفة» مثل الإرغون وليحي دون علم قيادات الهاغاناه، ويبين أن العملية تمت بالتنسيق مع الهاغاناه، وأنها حصلت على الضوء الأخضر من قيادتها العامة واستفادت من مساندة مدفعيتها، بل إن الهاغاناه نفسها أرسلت قواتها لاستلام القرية بعد سقوطها. ولتدعيم هذه الرواية، يعتمد الفصل على شهادات شهود عيان، أبرزها شهادة مثير بعيل، وهو ضابط سابق في البلماح، وشهادة جاك دو رينييه، مبعوث اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي وصل إلى القرية بعد المجزرة مباشرة، ووصف بالتفصيل مشاهد القتل الجماعي، وقدّر عدد سكان القرية بنحو أربعمئة شخص، فر منهم نحو خمسين، بينما صفي الباقون عن سابق تصور وتصميم.

لا يكتفي الفصل بسرد تفاصيل دير ياسين، بل يوسع نطاق التحليل ليشمل مجازر أخرى وقعت في الفترة نفسها، مقدماً أدلة على أن هذه الممارسات كانت منهجية وواسعة الانتشار، مثل مجزرة بلد الشيخ قرب حيفا التي راح ضحيتها أكثر من ستين قتيلاً، ومجزرة سعسع التي قتل فيها ستون عربياً، ومجزرة الدوايمة التي وصفتها شهادة شبتاي كابلان بأنها شملت قتل الرجال والنساء والأولاد بوحشية بالغة، ومجزرة عيلبون التي أعدم فيها اثنا عشر شاباً بعد استسلام القرية، بالإضافة إلى فظاعات أخرى في صفصاف والجش وحولا وصلحة. ويبحث الفصل في ردود فعل القيادة الإسرائيلية على هذه الفظائع، ويظهر أن التحقيقات كانت محدودة وأن العقوبات كانت مخففة، فبعد ضجة مذبحة الدوايمة، شكلت لجنة تحقيق وزارية في تشرين الثاني/نوفمبر 1948، لكنها واجهت عرقلة من دافيد بن غوريون الذي دافع عن الجيش، واكتفت بإقالة عدد قليل من الجنود وتوقيع أحكام سجن قصيرة على آخرين. ويورد الفصل تصريحاً مثيراً لوزير الزراعة أهارون زيسلينغ قال فيه: «إن اليهود الآن يتصرفون مثل النازيين»، وهو تصريح صادم يعكس حجم القلق الأخلاقي لدى بعض القادة، على الرغم من عدم ترجمته إلى أفعال ملموسة. يختتم الفصل بالانتقال من مستوى المجازر إلى مستوى السياسة الاستراتيجية، حيث يقدم نصاً من مذكرات يوسف فايتس، مدير دائرة الأراضي في الصندوق القومي اليهودي، الذي كتب في كانون الأول/ديسمبر 1940 عن ضرورة ترحيل العرب من فلسطين، معتبراً أنه «لا مكان في هذا البلد لشعبين»، ليؤكد المؤلف أن عمليات الطرد لم تكن مجرد نتائج ثانوية للحرب، بل كانت جزءاً من مشروع استعماري استيطاني مخطط له.

يستمر الكتاب في تتبع الجهود المنهجية لتحويل نزوح الفلسطينيين إلى عملية طرد دائم ومنظم، عبر تدمير قراهم والاستيلاء على ممتلكاتهم. يسلط الضوء على دور يوسف فايتس، الذي بدأ كموظف في الصندوق القومي اليهودي مسؤولاً عن شراء الأراضي، ليتحول بعد اندلاع الحرب إلى منسق فعلي لعمليات التدمير والترحيل، وكيف ضاعف ضغوطه على قادة الهاغاناه وعلى بن غوريون شخصياً لتنفيذ خطته، مما أدى إلى طرد سكان مدن مثل بيسان في مايو 1948، وتأسيس مستعمرات يهودية مكانها. وفي أيار/مايو 1948، أسس فايتس مع ضابط الاستخبارات عزرا دانين ومسؤول وزارة الخارجية إلياهو ساسون «لجنة الترحيل» شبه الرسمية، وفي 5 حزيران/يونيو قدم فايتس مذكرة إلى بن غوريون تقترح خمسة إجراءات رئيسية: تدمير القرى، وتحريم الزراعة على العرب، وتوطين اليهود في الأماكن المهجورة، ووضع تشريعات تمنع العودة، والقيام بحملة دعائية ضد العودة، وقد أبدى بن غوريون موافقته الإجمالية على المذكرة، مع امتناعه عن إصدار أي أوامر خطية تربطه بالقضية بشكل مباشر، وهو الأسلوب الذي أتقنه بحسب تعليق موريس. ومع ذلك، لم تمر هذه العمليات دون معارضة داخلية، حيث يخصص الفصل مساحة للاحتجاجات التي أثارها وزراء حزب مبام، وعلى رأسهم أهارون زيسلينغ وزير الزراعة، وقد أدى هذا الضغط إلى إصدار تعميم في 5 تموز/يوليو يحظر عمليات الطرد والتدمير دون إذن صريح من وزير الدفاع، لكن هذا التعميم كان شكلياً، إذ استمر الجيش في عمليات التدمير بموافقة ضمنية من بن غوريون. وتتوج هذه السياسة بتقرير لجنة جديدة برئاسة فايتس في 15 تشرين الأول/أكتوبر بعنوان «بشأن حل مسألة اللاجئين العرب»، والذي يعتبر بمثابة الرواية «المأذونة» للهجرة، والتي تبرئ إسرائيل تماماً من مسؤولية الطرد وتلقي باللوم على القادة العرب أنفسهم، وقد صادف إجماعاً في الحكومة الإسرائيلية، ويورد الفصل أرقاماً تدل على حجم عملية الاستيلاء على الممتلكات، مثل وجود 587 قرية «تم إخلاؤها» ومساحة تصل إلى 5,440,000 دونم من الأراضي العربية التي تم تحويلها لليهود بحلول عام 1954.

ينتقل الكتاب في فصله السادس من ساحات القتال وعمليات التدمير إلى طاولات المفاوضات، مركزاً على مؤتمر لوزان الذي عقد في سويسرا عام 1949، والذي يصفه المؤلف بأنه يمثل «السلام المفقود». يبين المؤلف عبر إعادة قراءة المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه للوثائق أن العرب كانوا على استعداد للتفاوض، بينما كانت إسرائيل هي العائق الرئيسي أمام تحقيق السلام. يسير الفصل عبر الأحداث التي سبقت المؤتمر ووضعت إطاره، بدءاً بخطة السلام التي خلفها الوسيط الأممي الكونت فولك برنادوت بعد اغتياله في 17 أيلول/سبتمبر 1948، والتي دعت إلى تقسيم فلسطين بين إسرائيل والأردن، مع الإبقاء على حق عودة اللاجئين وتدويل القدس، وقد عارضت إسرائيل هذه الخطة، وأصر بن غوريون على أن العمليات العسكرية ستحسم الخلافات الدبلوماسية. ينتقل الفصل بعدها إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، والذي أوصى بحق عودة اللاجئين وتعويضهم، ودعا لإنشاء لجنة التوفيق لتحل محل الوسيط. عقد مؤتمر لوزان في 28 نيسان/أبريل 1949، وشارك فيه الجميع بأهداف متناقضة، فإسرائيل كانت حاضرة لتحاشي إغضاب المجتمع الدولي وضمان انضمامها للأمم المتحدة، وفضلت المساومات الثنائية المنفصلة، أما العرب والفلسطينيون، فكانوا يطمحون لاستعادة جزء من الأراضي التي خسروها والتركيز على قضية اللاجئين. كان أهم إنجاز في المؤتمر هو توقيع بروتوكول في 11 أيار/مايو 1949، يقبل فيه الطرفان قرارات الأمم المتحدة كأساس للسلام، بما في ذلك قرار التقسيم 181 وقرار عودة اللاجئين 194، ويوضح المؤلف أن توقيع العرب على البروتوكول كان اعترافاً ضمنياً بدولة إسرائيل، بينما وقعت عليه إسرائيل كخطوة تكتيكية ضرورية لدخول الأمم المتحدة، وكانت نية قادتها نسفه لاحقاً.

بعد توقيع البروتوكول، حاول الإسرائيليون التهرب من التزاماته، مما أثار غضب الأميركيين، وضرب المؤلف مثلاً على ذلك بمذكرة قاسية بعثها الرئيس هاري ترومان إلى بن غوريون في 28 أيار/مايو 1949، هدد فيها بإعادة النظر في العلاقات، وتبرز في هذا السياق شهادة والتر إيتان، المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، الذي اعترف بأن هدفه الرئيسي كان «نسف بروتوكول 11 أيار/مايو». ويستعرض الفصل المحاولات الفردية للتفاوض الثنائي، خاصة مع الأردن وسوريا، ويعد الموقف من سوريا مثالاً واضحاً على التعنت الإسرائيلي، إذ رفض بن غوريون عرضاً من رئيس وزرائها الجديد العقيد حسني الزعيم للتفاوض على معاهدة سلام كاملة واستقبال مئات الآلاف من اللاجئين، وهو ما يعتبره بابه فرصة تاريخية ضائعة. وفي الخاتمة، يناقش الفصل أسباب فشل المؤتمر، ويتبنى المؤلف رأي المؤرخ آفي شلايم الذي يؤكد أن العرب اعترفوا بحق إسرائيل في الوجود وطالبوا بالسلام، لكن إسرائيل رفضت ذلك لأنها أرادت الاحتفاظ بكل الأراضي التي سيطرت عليها ومقاومة عودة اللاجئين، وينهي الفصل برس

الفصول(8)

1.الفصل الأول: من الإبادة إلى تقسيم فلسطين12–29▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول لحظة التحول الحاسمة في تاريخ فلسطين، وهي انتقالها من كونها أرضاً تحت الانتداب البريطاني إلى ساحة لصراع دولي حاد، ينتهي بقرار الأمم المتحدة بتقسيمها عام 1947. يقدم المؤلف الإجابة بأن هذا القرار، الذي مثل انتصاراً تاريخياً للحركة الصهيونية، لم يكن نتيجة حتمية لمسار طبيعي، بل تتويجاً لسلسلة من العوامل المترابطة، أبرزها التحول الجذري في السياسة الدولية في بدايات الحرب الباردة، والضغط الدبلوماسي الصهيوني الفعّال، والتوظيف المأساوي لمحرقة اليهود، والضعف السياسي العربي الفلسطيني.

يسير الفصل خطوة بخطوة مقتفياً أثر هذا التحول، بدءاً من الجذور التاريخية للفكرة الصهيبونية، حيث يذكر أن تيودور هيرتسل، بعد محاكمة دريفوس، وضع كتابه «دولة اليهود» وعقد أول مؤتمر صهيوني في بازل عام 1897، لكنه فشل في كسب دعم الدول العظمى آنذاك. ويشير المؤلف إلى أن الحلم تحقق بعد وفاته على يد حاييم وايزمن، حين أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور عام 1917، الذي وعد بإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، بشرط ألا يمس حقوق الطوائف غير اليهودية التي كانت تشكل آنذاك 90% من السكان. ويوضح الفصل كيف أن الانتداب البريطاني الذي تلا ذلك مكّن الحركة الصهيونية من بناء «دولة ضمن الدولة»، مستشهداً بأرقام صارخة: ارتفاع عدد اليهود من 44 ألفاً إلى 708 آلاف بين عامي 1917 و1947، وتوسع ملكيتهم من الأراضي من 10 آلاف هكتار إلى 180 ألف هكتار.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مرحلة تصاعد التوتر والمقاومة العربية، مشيراً إلى الثورة العربية الكبرى بين 1936 و1939 التي قمعها البريطانيون بمساعدة القوات الصهيونية. ويُناقش المؤلف الكتاب الأبيض الصادر عام 1939، الذي حدد الهجرة اليهودية بـ 75 ألف شخص، ووعد باستقلال فلسطين خلال عشر سنوات، معتبراً إياه محاولة بريطانية لاسترضاء العرب الذين خشيت دفعهم نحو ألمانيا النازية. لكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت هذه السياسة غير قابلة للتطبيق، فبحسب المؤرخ الإسرائيلي إيلي برنافي، فإن اكتشاف حجم المحرقة اليهودية جعل الأطروحة الصهيونية بديهية: «كي لا يتكرر ذلك يجب أن يكون لليهود أرض خاصة بهم»، ليخلص المؤلف إلى أنهم لم يترددوا في اعتبار هتلر رافعة قوية لإنشاء دولة إسرائيل. ويروي الفصل كيف أن إغلاق أبواب الهجرة، خاصة من قبل الولايات المتحدة التي لم توافق إلا على دخول 150 ألف يهودي بين عامي 1940 و1948، أدى إلى تفاقم مأساة الناجين ودفعهم نحو الهجرة غير الشرعية، لتتحول مأساة سفينة إكسودس عام 1947 إلى أداة دعاية صهيونية ناجحة ضد البريطانيين.

على الجانب الآخر، يتناول الفصل تصاعد المقاومة اليهودية المسلحة ضد الانتداب البريطاني، حيث نفذت جماعات مثل شتيرن والإرغون والهاغاناه عمليات عنيفة وهجمات إرهابية، كان أبرزها تفجير فندق الملك داود عام 1946 الذي أوقع نحو مئة قتيل، مما أقنع بريطانيا المنهكة بعدم قدرتها على البقاء. وفي هذا السياق، يبرز المؤلف التحول التكتيكي للوكالة اليهودية بقيادة دافيد بن غوريون، التي انتقلت من المطالبة بالكومنولث اليهودي الكامل إلى الاستعداد لقبول التقسيم، مدركة أن ذلك هو الطريقة الوحيدة لنيل تعاطف المجتمع الدولي وتحقيق هدفها. ويُظهر الفصل براعة الدبلوماسية الصهيونية في إدارة هذا الملف، مقابل مقاطعة الهيئة العربية العليا للجنة التحقيق الأممية، ورفضها التعاون، وتصلبها الذي بدا في مطالبها بإقامة دولة عربية مستقلة وطرد المهاجرين اليهود غير الشرعيين، الأمر الذي زاد من فجوة التفاهم مع الغرب.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً لتحليل التقارب الأميركي السوفياتي المفاجئ حول مشروع التقسيم، واصفاً إياه بأنه أمر مستغرب في أجواء بداية الحرب الباردة. ويقدم المؤلف تفسيرات متعددة لهذا التقارب: بالنسبة للرئيس هاري ترومان، كانت دوافعه تتعلق بالضغط الانتخابي من المنظمات اليهودية، والرغبة في عدم التخلي عن بريطانيا، مع الخوف من إغضاب الدول العربية. أما بالنسبة لـ جوزف ستالين، فيرى المؤلف أن دعمه لإسرائيل جاء انطلاقاً من رغبته في ضرب الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط، واستخدام الحركة الصهيونية كرافعة لزعزعة النفوذ الغربي، دون اكتراث حقيقي بالاعتبارات الأيديولوجية. ويشير إلى أن السوفيات قدموا دعماً حاسماً عبر تشيكوسلوفاكيا بالأسلحة، دون أن يمنعهم ذلك من ممارسة قمع واضح ضد اليهود السوفيات خشية تنامي شعورهم القومي.

أخيراً، يصف الفصل المشهد الأخير للقرار التاريخي، حيث نجح ترومان في الضغط على الدول المترددة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومورست ضغوط ووعود على ممثلي الدول. يتوج ذلك بإقرار قرار التقسيم رقم 181 في 29 نوفمبر 1947 بأغلبية 33 صوتاً مقابل 13 وامتناع 10، ليقضي بإنشاء دولة يهودية على 14,000 كيلومتر مربع ودولة عربية على 11,000 كيلومتر مربع، مع وضع دولي خاص للقدس، وبذلك كانت «فاتحة الحرب» سقوط سبعة من الييشوف في نفس اليوم الذي ولد فيه القرار، معلناً بدء المواجهة الدامية. كما يعرض الفصل في نهايته الصورة الإسرائيلية الراسخة للحرب، التي تصورها على أنها صراع داوود ضد جليات، بين يهود ضعفاء وعدد هائل من العرب، مؤكداً أن هذه الصورة لا تعكس موازين القوى العسكرية الحقيقية كما يثبت المؤرخون الجدد.

في الختام، يكشف الفصل أن نجاح المشروع الصهيوني في ذلك العام الحاسم لم يكن مقصوراً على الحسم العسكري، بل كان نتاج تفوق استراتيجي ودبلوماسي مبني على فهم عميق للسياق الدولي، واستغلال ذكي للكارثة اليهودية، مقابل فشل فلسطيني وعربي في تقديم مشروع وطني واضح وموحد قادر على مخاطبة ضمير المجتمع الدولي الغربي، وهو ما رسخ تحولاً جذرياً في مصير المنطقة.

2.الفصل الثاني: داود في مواجهة جوليات؟29–61▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً مركزياً حول الصورة الشائعة لحرب 1947-1948 بوصفها مواجهة بين داود وجوليات، أي بين دولة يهودية صغيرة وضعيفة تواجه جيوشاً عربية موحدة وعاتية. يفنّد المؤلف هذه الرواية بالاعتماد على أعمال «المؤرخين الجدد» الإسرائيليين، ويقدّم حجة مضادة مفادها أن القوات الصهيونية كانت، في معظم مراحل الحرب، متفوقة عدداً وتسليحاً وتنظيماً على خصومها العرب، وأن التفوق العسكري لم يكن سوى وجه من أوجه تفوّق أوسع شمل الجانبين السياسي والدبلوماسي. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن ما اعتُبر أسطورة تفوق العدو كان في الواقع تفوقاً إسرائيلياً متعدد الأبعاد.

يسير الفصل خطوة خطوة في تفكيك هذه الصورة. يبدأ بتقديم الادعاءات الإسرائيلية التقليدية كما صاغها دافيد بن غوريون وحاييم وايزمن، ثم يعرض شهادات من مسؤولين بريطانيين وأميركيين وأمميين في ذلك الوقت تؤكد ثقتهم بقدرة اليهود على الصمود. بعد ذلك، ينتقل إلى الأرقام: فيذكر أن منظمة «الهاغاناه» كانت تمتلك في أيار 1948 حوالي 50,000 مقاتل، وأن ترسانتها نمت بسرعة بفضل الأسلحة القادمة من تشيكوسلوفاكيا، بينما كانت الميليشيات الفلسطينية تعاني من العدد القليل والتنظيم الهش والسلاح القديم، ولم يكن باستطاعتها الاعتماد على أي مصدر لتصنيع السلاح. ويخلص الفصل إلى أن القوات الفلسطينية انهارت بسرعة أمام هجمات الالهاغاناه في ربيع 1948.

يبحث الفصل أيضاً في مرحلة دخول الجيوش العربية، ويشير إلى أن وضع القوات الإسرائيلية كان حرجاً في الأسابيع الأولى بين 15 أيار و11 حزيران، لكن ذلك لم يدم طويلاً. فبفضل وصول المهاجرين الجدد والتدفق الكبير للأسلحة من الغرب والشرق عبر الجسر الجوي، تغيّر ميزان القوى جذرياً. كما يبرز الفصل غياب خطة عربية موحدة، ويشير إلى أن الجيوش العربية دخلت الحرب بدوافع متضاربة، حيث كانت بعض الدول مثل مصر تتحرك لقطع الطريق على طموحات الهاشميين في ضم الضفة الغربية أكثر من قتال إسرائيل نفسها.

يخصّص الفصل قسماً مهماً وطويلاً للكشف عن الاتفاق السري بين الوكالة اليهودية والملك عبد الله، والذي يعتبره مفتاحاً لفهم الحرب. كان جوهر هذا الاتفاق، الذي حظي بمباركة بريطانية، تقسيم فلسطين بين إسرائيل والأردن بشكل غير رسمي حتى قبل قرار الأمم المتحدة، على أن يضمّ الأردن الجزء الأكبر من الأراضي المخصصة للدولة العربية، وأن لا تهاجم قواته الأراضي التي خصصتها الأمم المتحدة لإسرائيل. يوضح المؤلف أن هذا الاتفاق كان عاملاً حاسماً في إضعاف الجبهة العربية، وأن الفيلق العربي التزم عملياً بعدم دخول الأراضي الإسرائيلية طوال الحرب، باستثناء المعارك في القدس وضاحيتها التي لم تكن ضمن الاتفاق.

أخيراً، يتناول الفصل التفاوض الإسرائيلي-الأردني بعد الحرب، وكيف أن الملك عبد الله حصل على ما كان يراه أساسياً، وهو الضفة الغربية والقدس الشرقية، لكنه رفض التوقيع على معاهدة سلام كاملة خوفاً من ردود فعل العالم العربي، واكتفى باتفاق هدنة. يذكر المؤلف أن هذا الموقف أثار إحباط بن غوريون، وأن الملك عبد الله اغتيل في 20 تموز 1951 على يد وطني فلسطيني. الفصل بأكمله يعتمد بشكل كبير على مصنفات المؤرخين الجدد، لا سيما بني موريس وآفي شلايم وسيمحا فلابان، لتفنيد الرواية التقليدية.

يقرّ المؤلف في الفصل ببعض التحفظات، إذ يذكر أن القوات الإسرائيلية كانت أضعف في سلاح الجو والمدفعية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وأن الوضع كان «مناصفة» في تلك المرحلة حسب ما صرح به إيغئيل يادين. كما ينقل نقاشاً حول طبيعة العلاقة الهاشمية-الصهيونية، من خلال تمييز آفي شلايم بين «التواطؤ» الذي يفرض اتفاقاً مباشراً و «الاتفاق الضمني» الذي ينشأ من تفاهم متبادل، معتبراً أن هذا الأخير يصف العلاقة بشكل أدق.

من حيث الحجج القابلة للنقاش، يمكن للمرء أن يلاحظ أن الفصل يعتمد أحياناً على شهادات غربية وصهيونية لتعزيز فكرة التفوق الإسرائيلي، وقد تكون هذه الشهادات متحيزة بطبيعتها. كما أن التركيز على التفوق العسكري الإسرائيلي في مراحل معينة قد لا ينفي الصعوبات الحقيقية التي واجهتها القوات اليهودية في مراحل أخرى، خصوصاً في مواجهة الفيلق العربي. مع ذلك، يظل الفصل قادراً على تقديم صورة معقدة ومتعددة الأوجه عن الحرب، بعيدة عن التبسيط الذي تقدمه الروايات الرسمية.

3.الفصل الثالث: مرحلتان وخمس حركات. هجرة الفلسطينيين الموسرين أولاً.62–94▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل من كتاب "خطيئة إسرائيل الأصلية" للمؤلف دومينيك فيدال، الأدلة التاريخية التي تقدمها الكتابات الإسرائيلية الجديدة، وبخاصة أعمال المؤرخ بني موريس، لتفنيد الرواية الرسمية الإسرائيلية حول أسباب نزوح الفلسطينيين عام 1948. تبدأ الرواية الرسمية، كما يعرضها الفصل نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، بإنكار مسؤولية الدولة عن الطرد وتأكيد أن الهجرة جاءت بناءً على دعوات من القادة العرب للفلسطينيين بمغادرة منازلهم لإفساح المجال للجيوش العربية الغازية.

يعمل المؤلف على تفكيك هذه الرواية من خلال الاعتماد على تحليل بني موريس الموسع في كتابه "نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين". يذكر الفصل أن موريس حدد أسباب رحيل سكان 308 مدينة وقرية عربية، وخلص إلى نتيجة معاكسة تماماً للرواية الرسمية. ففي الحالات التي توثقت منها الأسباب، كان الرحيل في الغالب الأعم نتيجة هجمات شنتها القوات اليهودية، أو عمليات طرد بالقوة العسكرية، أو الخوف الناتج عن سقوط تجمعات سكنية مجاورة أو الشائعات التي بثها الجيش اليهودي، خصوصاً بعد مجزرة دير ياسين. في المقابل، لم يسجل موريس سوى ست حالات فقط تم فيها الرحيل بناءً على إيعاز من السلطات العربية المحلية، مؤكداً عدم وجود أي دليل على إطلاق نداءات عربية عامة تدعو للهجرة، بل على العكس، تشير تقارير استخبارات الهاغاناه إلى أن القيادة العربية كانت تحذر من المغادرة وتتوعد المخالفين بالعقاب.

ينتقل الفصل لتحليل مراحل النزوح، مقسماً إياه إلى خمس موجات رئيسية وفقاً لتقسيم بني موريس. يصف الموجة الأولى بين كانون الأول/ديسمبر 1947 وآذار/مارس 1948 بـ"هجرة الفلسطينيين الموسرين أولاً"، حيث قدر عدد النازحين بـ75,000 نسمة، معظمهم من سكان المدن من الطبقات الوسطى الذين حاولوا تجنب المواجهة. يشرح الفصل أن هذه الموجة تزامنت مع بدء الحرب الأهلية، وشهدت ظاهرة توقيع اتفاقيات عدم اعتداء بين قرى عربية ومستعمرات يهودية مجاورة، في محاولة يائسة لتجنب الصدام، قبل أن تبدأ الهجمات المتبادلة التي أشعلت نار الحرب.

أما الموجة الثانية فكانت الأكثر كثافة ودماراً، وحدثت بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 1948، وكانت نتيجة مباشرة لتغيير استراتيجية الهاغاناه بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم عبر خطة "دالت". يوضح الفصل أن الهدف من هذه الخطة كان "تطهير" أراضي الدولة اليهودية العتيدة من القوات المعادية، وقد تجلى ذلك بوضوح في سقوط مدن مثل طبرية وحيفا ويافا وصفد، حيث فرضت القوات الإسرائيلية الأمر الواقع بالقوة. بلغت هذه الموجة ذروتها بمجزرة دير ياسين في 9 نيسان/أبريل 1948، والتي يصفها الفصل بأنها كانت عاملاً حاسماً في بث الرعب وتسريع فرار السكان، حيث يذكر أن 120 قتيلاً سقطوا في المجزرة على يد منظمتي الإرغون وليحي.

يواصل الفصل تتبع الموجات اللاحقة، فيشير إلى أن الموجة الثالثة (تموز/يوليو وآب/أغسطس) جاءت خلال فترة الهدنة الأولى، وشهدت عمليات طرد واسعة النطاق في مدينتي اللد والرملة، حيث صدرت أوامر صريحة بطرد السكان. يذكر الفصل أن 70,000 فلسطيني طردوا من المدينتين خلال أقل من أسبوع في عملية قاسية، وأن كتائب الجيش الإسرائيلي لم تتوانَ عن استخدام القوة والترهيب. أما الموجة الرابعة فاندلعت في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، مع عمليتي "يوآف" في الجنوب و"حيرام" في الشمال، اللتين استهدفتا احتلال أكبر قدر من الأراضي وتقليل عدد السكان العرب فيها، مما أدى إلى نزوح ما بين 100,000 و120,000 لاجئ جديد.

يخصص الفصل القسم الأخير منه للموجة الخامسة، التي يسماها المؤلف "تنظيف الحدود"، والتي امتدت من تشرين الثاني/نوفمبر 1948 حتى تموز/يوليو 1949. يصف الفصل كيف عمل الجيش الإسرائيلي على إخلاء المناطق الحدودية من سكانها العرب لأسباب أمنية، عبر عمليات متكررة من الترهيب والطرد القسري، مثل ما حدث في قرى الجليل وترشيحا ومعليا، وفي الجنوب لطرد البدو من النقب. ويذكر الفصل أيضاً عمليات طرد لاحقة في سنة 1950، مثل إجلاء سكان المجدل (عسقلان) إلى قطاع غزة، والتي تمت عبر ضغوط اقتصادية ونفسية ممنهجة، ليصل المجموع النهائي للنازحين في هذه الموجة الأخيرة إلى ما بين 12,000 و20,000 شخص إضافي.

في خضم هذا السرد المفصل، لا يغفل الفصل ذكر التحفظات والملاحظات التي أبداها المؤرخون الجدد أنفسهم. فعلى سبيل المثال، يعترف بني موريس بأنه "يجهل" أسباب رحيل السكان في 468 من الحالات التي درسها. كما يقر بأن بعض عمليات الطرد جاءت بمبادرة من القادة العسكريين المحليين، ولم تكن دائماً نتيجة أوامر مركزية صريحة، مما يلقي الضوء على درجة معينة من العشوائية في تنفيذ السياسات. ومع ذلك، يبقى الاستنتاج العام للفصل واضحاً وقاطعاً في تفنيده للرواية الرسمية، إذ يؤكد أن الوثائق التي قدمها المؤرخون الإسرائيليون الجدد، مثل وثيقة استخبارات الجيش الإسرائيلي المؤرخة في 30 حزيران/يونيو 1948، تدك الأساس الذي بنيت عليه تلك الرواية. لقد كان الطرد والترحيل، بحسب هذه الأدلة، سياسة عملية وممنهجة في كثير من الأحيان، تدعمها الحرب النفسية والعمليات العسكرية الوحشية، وليس مجرد استجابة لنداءات عربية كاذبة.

4.الفصل الرابع: دير ياسين، الاستثناء والقاعدة94–112▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل مجزرة دير ياسين التي وقعت في 9 نيسان/أبريل 1948، ويحاول الإجابة عن سؤال مركزي: هل كانت هذه المجزرة استثناءً منفرداً في تاريخ الصراع، أم أنها كانت حلقة ضمن قاعدة أوسع من العنف والطرد التي مارستها القوات الصهيونية ضد الفلسطينيين؟ يقدّم المؤرخ الإسرائيلي بني موريس إجابة واضحة بأنها لم تكن استثناءً، بل كانت جزءاً من نمط متكرر من الفظاعات، وأن «نزعة القادة العسكريين المحليين إلى إعطاء دفعة للفلسطينيين كي يلوذوا بالفرار» ازدادت اطراداً مع تقدم الحرب.

يسير الفصل خطوة بخطوة في تفنيد الرواية الرسمية التي تصور دير ياسين كعملية منعزلة قامت بها منظمات «متطرفة» مثل الإرغون وليحي دون علم قيادات الهاغاناه. يبيّن الفصل أن العملية تمت بالتنسيق مع الهاغاناه، وأنها حصلت على الضوء الأخضر من قيادتها العامة واستفادت من مساندة مدفعيتها، بل إن الهاغاناه نفسها أرسلت قواتها لاستلام القرية بعد سقوطها. ولتدعيم هذه الرواية، يعتمد الفصل على شهادات شهود عيان، أبرزها شهادة مثير بعيل (ضابط سابق في البلماح) التي نشرت في صحيفة «يديعوت أحرونوت» عام 1972، وشهادة جاك دو رينييه، مبعوث اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي وصل إلى القرية بعد المجزرة مباشرة. يصف دو رينييه بالتفصيل مشاهد القتل الجماعي، ويقدّر عدد سكان القرية بنحو أربعمئة شخص، فرّ منهم نحو خمسين، بينما صفي الباقون عن سابق تصور وتصميم، ويذكر أنه عثر على فتاة صغيرة ما زالت حية بين الجثث.

لا يكتفي الفصل بسرد تفاصيل دير ياسين، بل يوسع نطاق التحليل ليشمل مجازر أخرى وقعت في الفترة نفسها، مقدماً أدلة على أن هذه الممارسات كانت منهجية وواسعة الانتشار. يذكر الفصل مجزرة بلد الشيخ قرب حيفا التي راح ضحيتها أكثر من ستين قتيلاً معظمهم من غير المقاتلين، ومجزرة سعسع التي قتل فيها ستون عربياً، ومجزرة الدوايمة التي وصفتها شهادة شبتاي كابلان بأنها شملت قتل الرجال والنساء والأولاد بوحشية بالغة، ومجزرة عيلبون التي أعدم فيها اثنا عشر شاباً بعد استسلام القرية، بالإضافة إلى فظاعات أخرى في صفصاف والجش وحولا وصلحة. كما يشير الفصل إلى أن هذه المجازر كانت تسير جنباً إلى جنب مع عمليات طرد جماعية، كما حدث في اللد والرملة.

يبحث الفصل أيضاً في ردود فعل القيادة الإسرائيلية على هذه الفظائع، ويظهر أن التحقيقات كانت محدودة وأن العقوبات كانت مخففة. فبعد ضجة مذبحة الدوايمة، شُكلت لجنة تحقيق وزارية في تشرين الثاني/نوفمبر 1948، لكنها واجهت عرقلة من دافيد بن-غوريون الذي دافع عن الجيش، ولم تُوسع صلاحياتها، واكتفت بإقالة عدد قليل من الجنود وتوقيع أحكام سجن قصيرة على آخرين. ويورد الفصل تصريحاً مثيراً لوزير الزراعة أهارون زيسلينغ الذي قال: «إن اليهود الآن يتصرفون مثل النازيين»، وهو تصريح صادم يعكس حجم القلق الأخلاقي لدى بعض القادة، على الرغم من عدم ترجمته إلى أفعال ملموسة.

يختتم الفصل بالانتقال من مستوى المجازر إلى مستوى السياسة الاستراتيجية، حيث يقدم نصاً من مذكرات يوسف فايتس، مدير دائرة الأراضي في الصندوق القومي اليهودي، الذي كتب في كانون الأول/ديسمبر 1940 عن ضرورة ترحيل العرب من فلسطين، معتبراً أنه «لا مكان في هذا البلد لشعبين». يُستخدم هذا الدليل للإشارة إلى أن عمليات الطرد لم تكن مجرد نتائج ثانوية للحرب، بل كانت جزءاً من مشروع استعماري استيطاني مخطط له. بهذا، يؤكد المؤلف أن دير ياسين ليست استثناءً، بل هي تجسيد للقاعدة التي قام عليها الصراع، وأن محاولات تقديمها كحادثة معزولة هي جزء من أسطورة «طهارة السلاح» التي تهدف إلى تبرئة الحركة الصهيونية. في النهاية، يشير الفصل إلى أن موقع القرية اليوم أصبح مصحاً للمجانين، وهو رمز قاسٍ حسب وصف المؤلف، لتجاهل المأساة ونسيانها.

5.الفصل الخامس: «تدمير، إعادة بناء، توطين» «طرد أكثر عدد ممكن من العرب»112–136▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول الجهود المنهجية التي بذلتها المؤسسات اليهودية في فلسطين، وتحديداً من خلال شخصية يوسف فايتس، لتحويل نزوح الفلسطينيين خلال حرب 1948 إلى عملية طرد دائم ومنظم، عبر تدمير قراهم والاستيلاء على ممتلكاتهم. الإجابة التي يقدمها المؤلف، بالاعتماد على أعمال المؤرخ بني موريس، هي أن السياسة الإسرائيلية لم تكن مجرد رد فعل على أحداث الحرب، بل كانت مدفوعة برؤية استيطانية واضحة تهدف إلى "توطين" اليهود مكان الفلسطينيين، وأن دافيد بن غوريون وحكومته أيدوا هذه السياسة ضمنياً مع الحرص على إخفاء التورط الرسمي المباشر.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر سرد تفصيلي لدور فايتس، الذي بدأ كموظف في الصندوق القومي اليهودي مسؤولاً عن شراء الأراضي، ليتحول بعد اندلاع الحرب إلى منسق فعلي لعمليات التدمير والترحيل. يوضح الكاتب كيف حوّلت الحرب أولويات فايتس، فبدلاً من المفاوضات البطيئة لشراء الأراضي، أصبحت آلاف الهكتارات "في متناول اليد" بعد فرار الفلسطينيين. ويستشهد الفصل بمذكرات فايتس التي كتب فيها في ديسمبر 1940 عن ضرورة ترحيل العرب، وكيف ضاعف ضغوطه على قادة الهاغاناه وعلى بن غوريون شخصياً لتنفيذ هذه الخطة، مما أدى إلى طرد سكان مدن مثل بيسان في مايو 1948، وتأسيس مستعمرات يهودية مكانها.

في أيار/مايو 1948، أسس فايتس مع ضابط الاستخبارات عزرا دانين ومسؤول وزارة الخارجية إلياهو ساسون "لجنة الترحيل" شبه الرسمية. وفي 5 حزيران/يونيو، قدم فايتس مذكرة إلى بن غوريون تقترح خمسة إجراءات رئيسية: تدمير القرى، وتحريم الزراعة على العرب، وتوطين اليهود في الأماكن المهجورة، ووضع تشريعات تمنع العودة، والقيام بحملة دعائية ضد العودة. ويشير المؤلف إلى أن بن غوريون أبدى موافقته الإجمالية على المذكرة، وأن الخلاف الوحيد كان حول شكل لجنة الترحيل، حيث فضل بن غوريون لجنة دائمة على أخرى مؤقتة، مع امتناعه عن إصدار أي أوامر خطية تربطه بالقضية بشكل مباشر، وهو الأسلوب الذي أتقنه، بحسب تعليق موريس.

مع ذلك، لم تمر هذه العمليات دون معارضة داخلية، حيث يخصص الفصل مساحة للاحتجاجات التي أثارها وزراء حزب مبام، وعلى رأسهم أهارون زيسلينغ وزير الزراعة. ففي 17 حزيران/يونيو، اندلعت مشادة في مجلس الوزراء بعد أن طالب زيسلينغ بمعرفة من أصدر أوامر هدم المنازل وتدمير القرى. وقد أدى هذا الضغط، بالإضافة إلى ضغوط وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت، إلى إصدار تعميم في 5 تموز/يوليو يحظر عمليات الطرد والتدمير دون إذن صريح من وزير الدفاع. ومع ذلك، يلاحظ المؤلف أن هذا التعميم كان شكلياً، إذ استمر الجيش في عمليات التدمير بموافقة ضمنية من بن غوريون، الذي برر أفعاله أمام الانتقادات بالقول إن القادة العسكريين لا يتلقون أوامرهم من أي لجنة مدنية.

يتناول الفصل بعد ذلك عملية "التشريع" لهذه السياسة، حيث تم استبدال لجنة الترحيل بلجنة وزارية في أيلول/سبتمبر. وفي 18 أيلول/سبتمبر، جمع بن غوريون الوزراء والخبراء للبحث في مشكلة اللاجئين، وقد تم الإجماع على ضرورة منع عودة اللاجئين، وهو ما أكده بن غوريون بعبارته الشهيرة عن تفضيله أن يكون عدد من لا يريدون العودة "كثيراً قدر الإمكان". وفي أواخر أيلول/سبتمبر، عُينت لجنة جديدة برئاسة فايتس لتقديم توصياتها، والتي جاءت في 15 تشرين الأول/أكتوبر على شكل تقرير يقع في مئات الصفحات بعنوان "بشأن حل مسألة اللاجئين العرب"، ويعتبر بمثابة الرواية "المأذونة" للهجرة، والتي تبرئ إسرائيل تماماً من مسؤولية الطرد وتلقي باللوم على القادة العرب أنفسهم.

يخلص الفصل إلى أن هذا التقرير، الذي يرفض أي نوع من عودة اللاجئين ويدعو لتوطينهم في الدول العربية، قد صادف إجماعاً في الحكومة الإسرائيلية، رغم بعض التحفظات التفصيلية من بن غوريون. ويورد الفصل أرقاماً تدل على حجم عملية الاستيلاء على الممتلكات، مثل وجود 587 قرية "تم إخلاؤها" ومساحة تصل إلى 5,440,000 دونم من الأراضي العربية التي تم تحويلها لليهود بحلول عام 1954، بالإضافة إلى 7,600 وحدة سكنية في المنازل المهجورة. وبينما يشير موريس إلى وجود تحول في الفكر الإسرائيلي من التدمير إلى إعادة البناء والتوطين مع نهاية عام 1948، إلا أن الفصل يؤكد أن هذا التحول كان عملياً وليس مبدئياً، حيث أن الحاجة لاستيعاب المهاجرين اليهود دفعت إلى إنقاذ المنازل العربية بدلاً من تدميرها.

في النهاية، وبينما يعترف موريس بأن الدور المباشر لفايتس في طرد العرب من القرى كان محدوداً، فإنه يؤكد أن تأثيره غير المباشر عبر لجنة الترحيل وضغوطه المستمرة على القيادة كان كبيراً. ويركز الفصل على المفارقة التاريخية بين الرواية الرسمية التي تصف الهجرة بأنها "تكتيك حربي" من الجانب العربي، وبين الأدلة الوثائقية التي يسردها من مذكرات صناع القرار أنفسهم، مما يقدم حجة قوية على أن عملية الطرد كانت مخططة ومنظمة.

6.الفصل السادس: لوزان، أو السلام المفقود136–155▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على المؤتمر الذي عُقد في مدينة لوزان السويسرية عام 1949، والذي يصفه المؤلف بأنه يمثل "السلام المفقود". فبعد أن نجحت إسرائيل عسكرياً في فرض أمر واقع على الأرض، كان عليها أن تخوض المعركة نفسها على الجبهة الدبلوماسية، حيث كان المسؤولون العرب، خلافاً للصورة النمطية، مستعدين للتسوية. ويبين المؤلف عبر إعادة قراءة المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه للوثائق أن العرب كانوا على استعداد للتفاوض، بينما كانت إسرائيل هي العائق الرئيسي أمام تحقيق السلام.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر الأحداث التي سبقت مؤتمر لوزان ووضعت إطاره. يبدأ بالحديث عن خطة السلام التي خلفها الوسيط الأممي الكونت فولك برنادوت بعد اغتياله في 17 أيلول/سبتمبر 1948، والتي تميزت عن خطة التقسيم السابقة. فبدلاً من تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، دعت خطته إلى تقسيم آخر بين إسرائيل والأردن، مع إلحاق الجليل بإسرائيل والنقب بالأردن، مع الإبقاء على حق عودة اللاجئين وتدويل القدس. عارضت إسرائيل هذه الخطة، وأصرّ بن غوريون على أن العمليات العسكرية ستحسم الخلافات الدبلوماسية.

ينتقل الفصل بعدها إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، والذي أوصى بحق عودة اللاجئين وتعويضهم، ودعا لإنشاء لجنة التوفيق لتحل محل الوسيط، على أن يكون هدفها "التسوية النهائية لجميع القضايا العالقة". ويشير المؤلف إلى أن هذا القرار مثل منعطفاً تاريخياً، إذ حلّ الأميركيون محل البريطانيين كوسطاء للسلام، وبدأ عصر الدبلوماسية الأميركية. تألفت اللجنة من الأميركي مارك إثريدج (رئيساً)، والفرنسي كلود دو بواسنجيه، والتركي حسين جاهد يالسين.

عُقد مؤتمر لوزان في 28 نيسان/أبريل 1949، وشارك فيه الجميع بأهداف متناقضة. فإسرائيل كانت حاضرة لتحاشي إغضاب المجتمع الدولي وضمان انضمامها للأمم المتحدة، وفضّلت المساومات الثنائية المنفصلة. أما العرب والفلسطينيون، فكانوا يطمحون لاستعادة جزء من الأراضي التي خسروها والتركيز على قضية اللاجئين. كان أهم إنجاز في المؤتمر هو توقيع بروتوكول في 11 أيار/مايو 1949، بوساطة من دو بواسنجيه، يقبل فيه الطرفان قرارات الأمم المتحدة كأساس للسلام، بما في ذلك قرار التقسيم 181 وقرار عودة اللاجئين 194. يوضح المؤلف أن توقيع العرب على البروتوكول كان اعترافاً ضمنياً بدولة إسرائيل، بينما وقعت عليه إسرائيل كخطوة تكتيكية ضرورية لدخول الأمم المتحدة، وكان نية قادتها نسفه لاحقاً.

بعد توقيع البروتوكول، حاول الإسرائيليون التهرب من التزاماته، مما أثار غضب الأميركيين. يضرب المؤلف مثالاً على ذلك بمذكرة قاسية بعثها الرئيس هاري ترومان إلى بن غوريون في 28 أيار/مايو 1949، هدد فيها بإعادة النظر في العلاقات. كما يذكر محاولة أميركية لإقناع إسرائيل بضم قطاع غزة مع لاجئيه، وهو ما رفضته مصر. تبرز في هذا السياق شهادة والتر إيتان، المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، الذي اعترف بأن هدفه الرئيسي كان "نسف بروتوكول 11 أيار/مايو". ويشير المؤلف إلى تناقض آخر، فبينما كانت إسرائيل تطالب باعتراف العرب بها، كانت تتخذ إجراءات نهائية تخص أراضي وممتلكات اللاجئين الفلسطينيين منذ حزيران/يونيو 1949، رافضة بحث عودتهم بشكل جدي.

يستعرض الفصل أيضاً المحاولات الفردية للتفاوض الثنائي، خاصة مع الأردن. يوضح المؤلف أن إلياهو ساسون، رئيس الوفد الإسرائيلي، أجرى حوارات مستمرة مع نظرائه الأردنيين للتوصل لسلام منفصل، كما أجرى اتصالات مع ممثلي لبنان ومصر وحتى بعض الفلسطينيين. ورغم هذه الفرص، يرى بابه أن إسرائيل لم تستغلها بشكل صحيح بسبب تفضيلها لسلام منفصل مع الأردن على حساب حل شامل مع الفلسطينيين والعرب جميعاً. ويُعد الموقف من سوريا مثالاً واضحاً على ذلك، إذ رفض بن غوريون عرضاً من رئيس وزرائها الجديد العقيد حسني الزعيم للتفاوض على معاهدة سلام كاملة واستقبال مئات الآلاف من اللاجئين، وهو ما يعتبره بابه فرصة تاريخية ضائعة.

في الخاتمة، يناقش الفصل أسباب فشل المؤتمر كما يراها الأطراف. فالإسرائيليون الرسميون أرجعوا الفشل إلى إصرار العرب على التفاوض ككتلة واحدة متماسكة، بينما يعتبر دبلوماسي إسرائيلي آخر مثل غرشون أفنر هذا الموقف "طفولياً". وفي المقابل، يتبنى المؤلف رأي المؤرخ آفي شلايم الذي يؤكد أن العرب اعترفوا بحق إسرائيل في الوجود وطالبوا بالسلام، لكن إسرائيل رفضت ذلك لأنها أرادت الاحتفاظ بكل الأراضي التي سيطرت عليها ومقاومة عودة اللاجئين. ويُنهي الفصل برسالة إلياهو ساسون التي يعبر فيها عن إحباطه من الموقف الإسرائيلي المتشدد، وكيف أن إسرائيل تريد السلام "من دون أن تدفع أي ثمن"، معتبراً أن العامل المعوق هو إسرائيل نفسها. كما يذكر المؤلف عبرة استخلصها ساسون، مفادها أن أي وساطة أجنبية ستطالب إسرائيل بتنازلات، وهو ما يجب مقاومته، وهو ما يفسر الموقف الإسرائيلي اللاحق الذي لخصه آبا إيبن بقوله "اتفاقية الهدنة تكفينا"، وبن غوريون بقوله "لست مستعجلاً ويمكنني الانتظار عشرة أعوام".

هذا الفصل يقدم حجة واضحة ومباشرة: إسرائيل هي التي أضاعت فرصة السلام في لوزان، ليس بالضرورة برفض الحضور، بل بتشددها ورفضها لتقديم أي تنازلات جوهرية، مستخدمةً الدبلوماسية كغطاء لتحقيق أهدافها. هذه الرواية، التي يعتمد فيها المؤلف على أعمال "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين، تقلب الرواية الإسرائيلية التقليدية التي تُحمّل العرب مسؤولية فشل السلام، وتمثل هذه النقطة بالذات جوهر الجدل القابل للنقاش في هذا الفصل، حيث أن الطرفين يتبادلان الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية إفشال المؤتمر.

7.الفصل السابع: دافيد بن – غوريون أهو «المهجر الأكبر»؟155–184▼ ملخص

يطرح الفصل سؤالاً محورياً حول مسؤولية دافيد بن غوريون، مؤسس الدولة اليهودية، عن سياسة طرد الفلسطينيين بين عامي 1947 و1949. يفتتح المؤلف بالإشارة إلى إنكار بن غوريون العلني القاطع («إسرائيل لم تطرد أي عربي قط») مقابل الأدلة التاريخية التي جمعها المؤرخ الإسرائيلي بني موريس، والتي تشير إلى أن بن غوريون كان المخطط والمنفذ الرئيسي لهذه السياسة، رغم محاولات موريس نفسه التخفيف من هذه المسؤولية في كتابه الأول «نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين» (1987) قبل أن يعدّل حكمه جزئياً في كتابه الثاني «1948 وما بعده» (1990).

يسير الفصل خطوة خطوة في تفكيك هذه المفارقة بالاعتماد على تحليل نصوص بن موريس وأمثلة تاريخية دامغة. فبالنسبة إلى خطة «دالت» التي وضعت في أواخر كانون الثاني/يناير 1948، يبيّن المؤلف أن موريس يعترف بأنها كانت تهدف إلى طرد القوات المعادية وفتح الباب لعمليات ترحيل، قائلاً إنها أصبحت بحلول أوائل نيسان/أبريل سياسة ترحيل واضحة على المستويين القومي والمحلي، رغم تأكيده في الوقت نفسه أنها لم تكن مشروعاً سياسياً لترحيل جميع العرب. ثم ينتقل الفصل إلى حادثة اللد والرملة في تموز/يوليو 1948، حيث أمر بن غوريون قادته العسكريين (يغآل ألون ويتسحاق رابين) بـ«أطردوهم!»، وهي الرواية التي حذفتها الرقابة من مذكرات رابين لكن المترجم بيرتز كيدرون نشرها في صحيفة «نيويورك تايمز» في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1979. ويشير المؤلف إلى أن هذا الأمر لم يثر جدلاً في الحكومة، رغم أن حزب مبام (الشريك الائتلافي) كان قد أصدر تعميماً في السادس من تموز/يوليو يحظر طرد العرب دون موافقة خطية من وزير الدفاع، وهو ما يؤكد موريس أنه لم يمنع الجيش من مواصلة الإبادة بموافقة ضمنية من بن غوريون.

يستعرض الفصل أيضاً الانقسام الداخلي في حزب مبام الذي وحد في كانون الثاني/يناير 1948 بين حركة «هشومير هتسعير» المؤيدة لدولة ثنائية القومية وحركة «أحدوت هعفوداه» الداعمة لإسرائيل الكبرى، وكيف أن أعضاء الحزب شاركوا في عمليات الطرد بينما كان قادتهم يحتجون علناً. ويستشهد بتصريح أهارون كوهين في السادس من أيار/مايو 1948: «إن دولة إسرائيل عندما تنشأ ستبقى واقفة على سلاحها إذا ما هي ربحت الحرب وخسرت السلام». ويوضح المؤلف أن هذا الوضع المعقد دفع بن غوريون إلى تجنب إصدار أوامر خطية واضحة، مفضلاً العمل شبه السري، مثل تأسيس لجنة الترحيل برئاسة يوسف فايتس في أواخر آب/أغسطس 1948 دون موافقة مجلس الوزراء، وحرصه على ألا يرتبط اسمه رسمياً بها.

يعرض الملخص تفاصيل عملية إبعاد عرب حيفا في أوائل أيار/مايو 1948، حيث عرض بن غوريون خطته لتقليص عددهم إلى 6,500 وجمعهم في أحياء محددة (وادي النسناس ووادي الصليب)، ثم أمرت القيادة العليا في الأول من تموز/يوليو بتنفيذ العملية خلال خمسة أيام قبل الهدنة المتوقعة في الثامن من تموز/يوليو. ويشير المؤلف إلى أن الممثلين العرب رفضوا الأمر (مثل توفيق طوبي الذي استنكر إقامة «غيتو عربي في حيفا»)، لكن الترحيل نُفذ بين 11 و19 تموز/يوليو، تلته عملية «شيكمونا» التي قضت بتدمير المباني العربية غير الصالحة لإسكان المهاجرين اليهود، قبل أن يُبلَّغ رئيس البلدية رسمياً بهذه الأعمال في الثامن من أيلول/سبتمبر بعد ستة أسابيع من بدئها.

يمضي الفصل ليربط بني موريس بين خطاب بن غوريون في أواخر الثلاثينات وأفعاله في أواخر الأربعينات، مما يثبت أن فكرة «الترحيل» لم تكن وليدة اللحظة بل مشروعاً قديماً. ويستشهد بتصريح بن غوريون أمام مسؤولي حزبه مباي في السابع من شباط/فبراير 1948 حول إمكان تكرار ما حدث في القدس (حيث لم يبق عرب) في جزء كبير من البلاد، وبقوله في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1941 مناصراً للترحيل كفكرة إنسانية وصهيونية مهمة، مستنداً إلى مذكرات حاييم وايزمن حول إطلاع السفير السوفياتي على هذا المشروع لاحقاً. ويختم المؤلف هذا القسم بنقل حكم موريس بأن بن غوريون كان يدرك ضرورة «صنع العجة من دون تكسير البيض» والبيض هم العرب، وأنه أعطى «إشارة خفية» لضباطه لتنفيذ عمليات الطرد، ومستشهداً باعتراف موريس بأن بن غوريون كان يرغب في بقاء أقل عدد ممكن من العرب لكنه «لم يعلن قط سياسة لطردهم» وفضّل أن «يلتقط جنرالاته تلميحاته»، وهو ما فسره المؤلف بأنه كان تحسباً لسمعته أمام التاريخ وللحفاظ على الوحدة القومية.

إضافة إلى بني موريس، يعرض الفصل مواقف مؤرخين آخرين، مثل وليد الخالدي الذي اعتبر خطة «دالت» إطاراً للهجمات التي قضت على كثافة سكانية كبيرة من عرب فلسطين، وإيلان بابه (جامعة حيفا) الذي خلص إلى أن خطة «دالت» كانت خطة ترحيل أعدت بعناية، ويورد المؤلف نصاً من الخطة نفسها ينص على «تخريب القرى (بإحراقها وتفجيرها بالديناميت وبزرع الألغام بين أنقاضها)» ودفع السكان إلى خارج حدود الدولة عند المقاومة، مما لا يترك مجالاً للشك في النوايا. ويستشهد أيضاً بـسيمحا فلابان (المتوفى سنة 1997)، الذي اعترف بأن المحفوظات لا تكشف عن مخطط محدد أو أوامر صريحة، لكنه أكد وجود «أدلة ظرفية دامغة» على أن الهاغاناه ثم الجيش الإسرائيلي نفذا مساراً يهدف إلى تقليص عدد السكان العرب، ونقل عن بن غوريون قوله في 19 كانون الأول/ديسمبر 1947: «يجب أن نقاتل بقوة وبشراسة من دون أن يقف في وجهنا أي عائق»، وأن هدفه النهائي كان إخراج أكثر ما يمكن من العرب، إضافة إلى حربه الاقتصادية التي جلبت الجوع والفوضى على المجتمعات المدينية مثل يافا وطبرية وصفد وبيسان واللد والرملة.

يتناول الفصل أيضاً التزوير في المحفوظات الصهيونية كأداة لإخفاء هذه السياسة، إذ نقل الكاتب عن بني موريس تحذيره في «هآرتس» سنة 1994 من أن الرقابة السياسية محصت الخطابات والمذكرات، وحذفت منهجياً مرافعة بن غوريون الداعمة للترحيل من كتيّب المؤتمر الصهيوني العشرين في آب/أغسطس 1937، مع وجود نسخة كاملة في المحفوظات المركزية، واتهامه المؤرخين «القدامى» بـ«الكتابات التاريخية المتخلفة والتحريفية» التي تحرف الوثائق لصوغ رواية تبرر الصهاينة وتنفي مسؤوليتهم عن أيديولوجيا الترحيل.

أخيراً، يقرّ الفصل بحدود التحليل، إذ يلاحظ أن بني موريس نفسه يؤكد أن أحداث 1948 لم تكن نتيجة مباشرة لتطبيق مشروع منظم، وأن الفوضى والحرب لعبتا دوراً في استغلال الفرصة، كما يشير إلى التناقض في موقف موريس بين التشديد على غياب وثيقة رسمية تأمر بالطرد والاعتراف بوجود «مسار تراكمي» أسفر عنه الطرد. وتظهر الفقرة الأخيرة موقفا قابلاً للنقاش بوضوح، وهو أن المؤلف يميل إلى اعتبار غياب الأوامر الخطية ليس دليلاً على البراءة بل دليلاً على وعي بن غوريون بتورطه وبحاجته إلى إخفاء آثاره. كما ينتقد بشكل غير مباشر نبرة بعض المؤرخين «القدامى» مثل شبتاي طيفت الذين دافعوا عن الرواية الرسمية، مع الإشارة في الحاشية إلى اتهامه بعدم الإجابة عن السؤال الرئيسي حول أسباب فرار الفلسطينيين، رغم أن الملخص يبقي هذه النقطة خارج النص الأساسي لأنها تقع في هوامش الفصل وليست جزءاً مباشراً منه.

8.الفصل الثامن: في غربال التاريخ الصهيوني التقليدي184–226▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب «خطيئة إسرائيل الأصلية» لدومينيك فيدال السؤال المركزي: كيف واجه المؤرخون الإسرائيليون «القدامى» الطرح الجديد الذي قدمه «المؤرخون الجدد» بشأن الأسباب الحقيقية لطرد الفلسطينيين عام 1948؟ يجيب المؤلف بأن المعارضة جاءت على شكل هجوم علمي عنيف، يقوده مؤرخون مثل شبتاي طيفت، يسعى لتفنيد منهجية المؤرخين الجدد وخلاصاتهم، مع محاولة إعادة تأكيد الرواية الصهيونية الرسمية. يوضح فيدال أن هذه المعركة الفكرية لم تقتصر على الرد على كتاب «نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين» لبيني موريس، بل امتدت لتشمل نظرية «التواطؤ» مع الأردن كما طرحها آفي شلايم، والتحليل الدبلوماسي لإيتمار رابينوفيتش، وصولاً إلى هجوم حاد شخصي من إفرايم كارش.

يبدأ الفصل بعرض نقد شبتاي طيفت اللاذع لكتاب بني موريس، حيث يسجل عليه سبعة مآخذ رئيسية. أول هذه المآخذ هو اعتماد موريس شبه الحصري على المصادر الإسرائيلية، إذ يذكر طيفت أن نحو 40% من أدلة موريس المتعلقة بالجيش والسياسة الإسرائيلية مصدرها إسرائيلي، مع غياب شبه تام للمصادر العربية، وهو ما يشكل نقطة ضعف جوهرية في نظره. ثانيها، يشكك طيفت في صحة الوثيقة الاستخباراتية التي اعتمد عليها موريس لتفسير موجتي الهجرة الأولى، مرجحاً أنها تعكس رؤية حزب «مبام» أو «هشومير هتسعير» أكثر من كونها تقريراً ميدانياً محايداً. ثالثها، يرفض طيفت خلاصة موريس حول عدم وجود أوامر عربية بالفرار، مستشهداً بخطاب بن غوريون أمام الكنيست في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1961 الذي أكد فيه امتلاك وثائق صريحة تثبت توجيهات عربية بالرحيل. رابعها، يرى طيفت أن موريس بالغ في تصوير التفوق العسكري لليهود، وساق أرقاماً للخسائر البشرية، مشيراً إلى سقوط 5500 قتيل يهودي مقابل 500 قتيل فلسطيني فقط في مرحلة معينة، رافضاً بذلك فكرة الضعف العربي المطلق.

يتناول النقد الخامس والسادس من طيفت مفهوم «الترحيل» ودور بن غوريون الشخصي. يندد طيفت باعتبار موريس أن فكرة الترحيل لها جذور في الفكر الصهيوني قبل 1948، ويدافع عن شخصية يوسف فايتس معتبراً إياه شخصية هامشية لا تمثل التيار الرئيسي. كما يرفض طيفت الادعاء بأن بن غوريون كان يوجه إشارات خفية لطرد الفلسطينيين، مدافعاً عن صورة «الأب المؤسس»، ومتهماً موريس بتزوير التقارير المتعلقة بلقاءاته مع جنرالاته، ومقدماً قراءته الخاصة لقرارات بن غوريون في اللد والرملة حيث يزعم أن إشارة «اطردوهم» كانت مجرد تعبير عن الاستياء من عصيان أوامره الصريحة بعدم الطرد.

في المأخذ السابع، يوسع طيفت هجومه ليشمل المنهجية العامة لموريس، متّهماً إياه بجعل اليهود دائماً هم المسؤولون عن بدء الحرب في سرده للأحداث. يرد بني موريس على هذه الانتقادات في مقدمة كتابه، مؤكداً حياده العلمي وعدم نيته نزع الشرعية عن الصهيونية، ومقدماً أدلته على تراجع فرضية الأوامر العربية، إذ يذكر أن الاستخبارات الإسرائيلية نفسها سجلت أوامر عربية (من الملك عبد الله وفوزي القاوقجي وإذاعة دمشق) تحث الفلسطينيين على البقاء في ديارهم. يتمسك موريس بتفسيره القائل بأن الهجرة كانت نتيجة «مسار تراكمي» من الأسباب المتداخلة، وعلى رأسها الهجمات العسكرية اليهودية، ويسخر من الصورة «الأبوية» التي يرسمها طيفت لبن غوريون، مؤكداً أن الأخير أيقن مبكراً أن الترحيل هو الحل العملي للقضية العربية.

ينتقل الفصل بعدها إلى مناقشة معترضين آخرين، يأتي في مقدمتهم أبراهام سيلا الذي يناقش فكرة «التواطؤ» الإسرائيلي-الأردني كما طرحها آفي شلايم. يعترف سيلا بوجود اتصالات واتفاقات غير مكتوبة بين الوكالة اليهودية والملك عبد الله، بما فيها لقاء غولدا مئير معه في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، لكنه يرى أن تفسير مسار الحرب كله على ضوء هذا «التواطؤ» هو تبسيط مخلّ، إذ يغفل التناقضات والضغوط التي واجهها كل طرف. يرد شلايم بحدة، مؤكداً أن كلمة «تواطؤ» هي الوصف الأدق للعلاقة بين الحركة الصهيونية والنظام الهاشمي، والتي كانت تهدف حتماً إلى إفشال قيام دولة فلسطينية مستقلة.

أما إيتمار رابينوفيتش فيقدم في كتابه «الطريق الضائع» تحليلاً دبلوماسياً يركز على فرص السلام الضائعة بعد حرب 1948، ويخصص مساحة كبيرة لمبادرة الرئيس السوري حسني الزعيم الذي وصل إلى السلطة في آذار/ مارس 1949 وعرض السلام على إسرائيل. يروي رابينوفيتش كيف قابل بن غوريون هذه المبادرة بالتردد والرفض، وكيف ضاعت الفرصة بعد الإطاحة بالزعيم وقتله في آب/ أغسطس 1949. يستشهد رابينوفيتش بآراء مؤرخين آخرين مثل روني غباي وفؤاد خوري لماكولم كير حول تعنت الجانبين، وينتقد المؤرخين الجدد لانطلاقهم من أهداف سياسية مسبقة، بينما يعترف بمساهمتهم في كشف ثغرات الرواية الرسمية، مبقياً السؤال حول إمكانية تغيير المسار مفتوحاً دون حسم.

يختتم الفصل بعرض هجوم إفرايم كارش اللاذع في كتابه «صناعة تاريخ إسرائيل»، والذي يتهم فيه المؤرخين الجدد بأنهم ليسوا لا جدداً ولا مؤرخين، بل محازبون يسعون لخدمة أجندة سياسية وتقديم دعاية معادية للسامية. يهاجم كارش منهجيتهم ويرفض نظرية التواطؤ جملة وتفصيلاً، واصفاً أعمالهم بأنها «زجاجات جديدة بخمرة فاسدة». يختتم المؤلف الفصل بملاحظة ناقد فلسطيني، هو نور الدين مصالحه، الذي يشارك في النقد المنهجي من جهة عدم الاعتماد على المصادر العربية، لكنه يضيف أن موريس لا يطبق نفس معايير الشك والتحقق التي يطبقها على المذكرات العربية على الوثائق الإسرائيلية التي يعتمد عليها بشكل واسع، مما يثير سؤالاً أعمق حول إمكانية كتابة رواية تاريخية نزيهة لهذه الفترة اعتماداً على مصدر واحد فقط.

يبقى الفصل حافلاً بالحجج المتقابلة والنقاشات الحادة التي تكشف عن حساسية التاريخ الإسرائيلي وأهمية السردية في الصراع العربي-الإسرائيلي. تشير المعركة الضارية التي يصفها الكاتب إلى أن ما يقدمه المؤرخون الجدد ليس مجرد تعديل أكاديمي، بل يشكل تحدياً جوهرياً لأسس الهوية الوطنية الإسرائيلية كما روّجت لها المؤسسة الرسمية. في المقابل، فإن الدفاع العنيف من جانب مؤرخين مثل طيفت وكارش، والذي يصل أحياناً إلى حد الهجوم الشخصي والتجريح، يُظهر عمق الجرح الذي أحدثته هذه القراءات الجديدة في النسيج الفكري والأيديولوجي لإسرائيل، ويطرح في الوقت نفسه أسئلة جدية حول حدود الموضوعية العلمية عندما يتعلق الأمر بلحظات تأسيسية لدولة بأكملها.