
المثلية الجنسية عند النساء في الشرق الأوسط: تاريخها وتصويرها
يقع كتاب "المثلية الجنسية عند النساء في الشرق الأوسط: تاريخها وتصويرها" للدكتورة سمر حبيب في قلب تقاطع الهوية الجنسية مع الثقافة العربية والإسلامية، والتاريخ، والسياسة. الكتاب، الذي يستند إلى محاضرة ألقتها حبيب في آذار 2008 في حيفا بحضور حوالي أربعين مشاركًا من مثليات ومثليين وغيرهم من العرب، بدعوة من مجموعة "أصوات – نساء فلسطينيات مثليات"، هو دعوة ملحّة لإعادة النظر في المفاهيم الراسخة حول المثلية في العالم العربي. الموقف المحوري الذي تدافع عنه حبيب هو أن المثلية الجنسية ليست دخيلة على الثقافة العربية، بل هي جزء أصيل من تاريخها الأدبي والاجتماعي، وأن التحرر الحقيقي للمثليات العربيات يبدأ بتثقيف النفس، وتفكيك الأفكار السلبية المستلبة، ثم بالخروج من الخزانة كفعل سياسي واعٍ، وليس مجرد خطوة شخصية. تقدم الكاتبة رؤية تقوم على رفض الحياة المزدوجة، وتدعو إلى مواجهة المجتمع بجرأة ووعي، بدلًا من الانكماش في الخوف والاختباء.
تبدأ حبيب مقدمتها بشهادة شخصية عميقة، تتحدث فيها عن كونها ابنة لأبوين فلسطينيين مهجّرين في لبنان، وعن عودتها الروحانية إلى فلسطين التي لم تزرها من قبل. لكنها تحدد بوضوح أن سبب عودتها ليس المواقع الدينية بل وجود مجموعة "أصوات"، التي تصفها بالإنجاز العظيم لأنه يجمع المثقفات والسياسيات، ويفرض على المجتمع تناول أفكار مغايرة للنمط السائد، ويخلق ترابطًا بين الأفراد، والأهم من ذلك كله، إعداد أدب وثقافة عربيين وإنشاء أرشيف يخص العربيات المثليات. هذا الربط بين التاريخي والمعاصر هو الخيط الذي ينسج عبر الكتاب كله. تنتقل حبيب من هذا التأطير إلى سرد تجربتها الشخصية مع "الخروج من الخزانة"، فتحكي كيف أخبرت إخوتها وهي في السادسة عشرة، ثم والدتها في السنة ذاتها التي نصحتها بعدم إخبار والدها خوفًا على صحته، قبل أن تخبر والدها في التاسعة عشرة، ليكون رد فعله "كما تريدين" دون أي أزمة قلبية أو رفض. تروي أيضًا موقف خالتها التي طلبت منها إخفاء أمرها عن خالتها الأخرى، وكيف رفضت هي ذلك وقدمت زوجتها لها كـ"زوجي"، لتنتهي الحكاية بقبول غير متوقع. هذا السرد الشخصي ليس مجرد حكاية ذاتية، بل هو نموذج تطبيقي لفكرتها المركزية: أن الخروج الإيجابي اليومي، الذي يتم بكامل الوعي والإصرار، هو عمل سياسي بامتياز، وفرض واجب على كل امرأة مثلية، لأنه يقدم إثباتًا حيًا على أن المثلية شيء طبيعي وليس مرضًا، ويمنح صاحبه القدرة على فرض كيفية التعامل معه.
تستعرض حبيب الحجج المضادة لفكرة الخروج، مثل القول بأنه استراتيجية غربية لا تناسب المجتمعات العربية. وتفند هذه الفكرة بذكاء، مشيرة إلى أن الأفكار التي سادت في الغرب قبل عشرين أو أربعين سنة لم تكن تختلف عن الأفكار العربية الحالية، وأن طريقة التحرر التي نجحت هناك كانت قائمة على الإعلان عن النفس ورفض وسم العار والذنب. تنتقد بشدة سياسة الازدواجية، فتقول إن من يعشن في الغرب ويتمتعن بحماية القانون لا يزلن يعشن في خزانة منزلية، وهذا شكل من أشكال عدم معالجة رهاب المثلية الداخلي. إنها لا تنكر وجود رهاب مثلية قاتل أو حالات يكون فيها الخروج مستحيلًا، لكنها تصر على أن التجارب الإيجابية ممكنة، وأنه يجب على كل مثلية أن تسأل نفسها إن كانت قادرة على تحمل الخسارات، وإن كانت كذلك، فعليها أن تفعل، معتبرة أن الاستعداد لخسارة أجزاء من الحياة القائمة على الكذب هو ثمن معقول للحرية، ومتوقعة أن تأتي لحظة يضطر فيها المثليون إلى أن يكونوا "مشاغبين" ويدافعوا عن حقوقهم بأصوات مرتفعة.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تناول الموقف من الديانات الإبراهيمية الثلاث، وهي رحلة تاريخية وفقهية مهمة. في جزئها الخاص بالإسلام، تشير حبيب إلى أن القران الكريم والأحاديث الصحيحة لا يتعاملان بشكل واضح مع المثلية، وأن عقوبة الإعدام في بلاد مثل السعودية وإيران ونيجيريا تستند إلى حديث منسوب إلى علي بن أبي طالب، الذي أمر بإعدام شابين يمارسان الجنس المثلي من فوق سطح ورميهما بالحجارة، بعد أن تبين أن لا أحد من الصحابة يعرف حدًا واضحًا في هذه المسألة. وتشير إلى أن فقهاء أوائل مثل ابن حزم وحسن البصري كانوا أكثر تسامحًا، بل إن ابن حزم كان يرى أن قصة قوم لوط في القرآن عقاب للكفار وليس عقابًا للمثلية، معتبرًا أن اللوم وقع على القوم لأنهم هجروا نساءهم لحب الرجال. تضيف حبيب أن الأحاديث التي تلعن المتشبهين من الرجال بالنساء والعكس، والتي وردت في صحيح البخاري، لا تعني بالضرورة معاقبة المثلية، مستشهدة بحديث المخدث في منزل أم سلمة، الذي منعه الرسول من الدخول على الحرم بسبب وصفه الجنسي لامرأة وليس بسبب مثليته، لتخلص إلى أن عدم وجود عقاب رسمي في عهد الرسول يؤكد أن هذه المسألة كانت محل اجتهاد لاحق. ورغم ذلك، تقر حبيب بأن أي "إسلامية قابلة للمثلية" ستضطر للعمل ضمن إطار مؤسسة الزواج، وستفرض أدوارًا ذكورية وأنثوية تقليدية على المثليين، لكنها ترى في هذا حتى مع تقنينه "محطة جديدة لبداية الطريق الطويلة نحو تحرير المثلية الجنسية" داخل الأديان المحافظة.
أما في ما يخص الدين اليهودي، فتلفت حبيب إلى أن قصة قوم لوط التي استخدمت كسلاح لرهاب المثلية، فسّرها البعض ومنهم المؤرخ جون بوسويل على أنها تحذير من عدم معاملة الضيوف والأغراب بإنسانية، وليس إدانة للمثلية بحد ذاتها. وتشير إلى أن كتاب اللاويين يضم تحريمات كثيرة لم تعد تُطبق اليوم، مثل أكل المحار أو ارتداء ملابس من أكثر من نوع واحد من القماش، في حين يتمسك البعض بتحريم المثلية فقط، وكأنه استثناء من قاعدة الانتقائية في تطبيق النصوص الدينية. كانت هذه التحريمات تخص الكهان اليهود، وليس عامة الشعب، كما أن عبارة "سدومية" لم تكن مرتبطة بالمثلية لقرون طويلة، بل أُسند إليها هذا المعنى لاحقًا باجتهاد رجال الدين.
لكن قلب الكتاب النابض يكمن في الجزء الأجمل والأهم، وهو إحياء التراث الأدبي العربي القديم. هنا تقدم حبيب مجموعة من الشهادات التاريخية التي تثبت وجود نساء مثليات عربيات عبر القرون. تبدأ بأقدم نص، وهو من كتاب "رشف اللبيب إلى معاشرة الحبيب" للمؤلف الحسن اليمني (توفي عام 850 ميلادية)، الذي يروي قصة هند زوجة النعمان بن المنذر (ملك بيزنطي مسيحي عاش في القرن الخامس الميلادي، أي قبل الإسلام) مع ابنة الحسن اليمني، التي علمتها السحاق، فوجدت فيه لذة جعلتها تعتكف على قبرها بعد موتها. يروي اليمني أيضًا قصصًا أخرى مثل قصة رغوم ونجدة التي نشبت بسببها حرب بين قومين، ويقدم تحليله الذي يرى أن السحاقات نوعان: من تحبهن علاقتهن بالنساء ولا يكرهن الرجال، ومن "اللاذكرة الخلق" التي لا يمكن إعادتها للصراط المستقيم. تستنكر حبيب هذا التحليل الذي يختزل المثلية إلى مجرد سلوك قابل للتغيير، وترى فيه جهلًا مشابهًا لنظريات الباحثين الغربيين في منتصف القرن العشرين. ومع ذلك، تعترف حبيب بأن هذا النص ثمين لأنه يعترف اعترافًا مهمًا بوجود لذة جنسية للسحاقيات لا يمكن لهن إيجادها مع الرجال، ويشير إلى وجود مثليات عربيات عبر التاريخ.
من أبرز ما تقدمه حبيب في هذا السياق قصيدتان من كتاب اليمني، الأولى تصف علاقة غرامية بين امرأتين بلغة حسية وبديعة، وتنتهي ببيت شعري يحمل دلالة سياسية عظيمة: "إن كان هذا حرام فذاك غير حلال"، وهي عبارة تعكس تمردًا أخلاقيًا على التحريم الديني للرغبة الجنسية المثلية. أما القصيدة الثانية فهي وصف شعري صريح لممارسة جنسية تبعث على الإعجاب بقوة الشاعرة التي تعرف ما تريد. لا تكتفي حبيب بهذا، بل تنتقل إلى نص آخر من كتاب "نزهة الألباب في ما لا يوجد في كتاب" للمؤلف التونسي أحمد بن يوسف التيفاشي (توفي عام 1253)، وهو النص الأكثر إيجابية وصراحة في التراث العربي القديم. يقدم التيفاشي فصلًا كاملًا عن السحاقيات، يذكر فيه إمكانية أن تكون المثلية "شهوة طبيعية"، ويورد قصيدة مطولة لامرأة اسمها وردة تصف فيها جمال المرأة التي تحبها بأسلوب يجمع بين الحسية والثراء الثقافي، مستخدمةً إيحاءات قرآنية ودينية مثل ناقة ثمود وقصة بقرة بني إسرائيل، وإيحاءات تاريخية مثل كسرى أنو شروان. وتعلق حبيب على هذا النص بتقدير كبير، مؤكدة أنه ليس مجرد شعر إباحي، بل هو "شعر عربي عميق بمعناه وتقنيته الأدبية"، مكتوب بقلم امرأة عربية مثلية من القرن الثالث عشر. ويورد التيفاشي أيضًا قصائد أخرى تعبر عن تفضيل العلاقة المثلية لكونها خالية من خطر الحمل، وعن قناعة النساء بهذه العلاقة التي يفضلنها على الرجال، كما يورد حكاية القاضي المصري الذي راقب من فوق جدار مقبرة امرأتين تمارسان الجنس، ثم حاول الانضمام إليهما لكنه تعرض لخدعة طريفة جعلته يطارد بغلته عاريًا. ترى حبيب في هذا النص انتصارًا للبطلتين المجهولتين وإحراجًا لهيبة القاضي، وتستنتج منه أن مثليات ذلك العصر كن يجتمعن في الجبانات بحثًا عن خلوة بعيدًا عن أعين المجتمع، تمامًا كما تعيش المثليات العربيات اليوم في خوف واختفاء، مما يؤكد استمرارية ضرورة الاختباء عبر التاريخ. وتختم هذا الجزء بمقطع يروي قصة امرأة مغربية أنفقت مالها وعقارها كله على عشيقتها، لتشير بحدة ذكية إلى أن المجتمع كان يعاتبها على الإسراف في المال، وليس على جنس عشيقتها أو علاقتها نفسها، مما يعني أن المثلية بحد ذاتها لم تكن هي المشكلة الكبرى في بعض المجتمعات.
تصل حبيب في ختامها إلى نقطة محورية في مشروعها الفكري، وهي أهمية إحياء هذا التراث. بالنسبة لها، فإن هذه النصوص المكتشفة لا تمثل مجرد فضول تاريخي، بل هي "سلاح يحررنا من مفاهيم المجتمع البطريركي القامع"، وهي التي تخلق ترابطًا تاريخيًا بين الأدب العربي القديم والأدب المعاصر الذي تنتجه مجموعات مثل "أصوات"، ومن هذا الترابط يمكن بناء "سياسة تحريرية متماسكة أكثر" تعزز الثقة والفخر بالهوية. إنها ترى أن عمل "أصوات" في جمع وإعداد هذا الأدب هو "الأمر الأكثر أهمية لأنه يساعدنا على تثقيف أنفسنا"، ويضع بين أيدي المثليين نظريات وأفكارًا تمكنهم من مواجهة المجتمع من موقع قوة. الكتاب إذن ليس مجرد بحث أكاديمي تاريخي، بل هو بيان سياسي وأداتي للتحرر، يجمع بين الشهادة الذاتية والتحليل الفقهي والتاريخي واستكشاف التراث الأدبي، ليصنع سردية بديلة تثبت أن المثلية الجنسية لدى النساء لها حضور عريق في نسيج الثقافة العربية، وأن استعادتها هي خطوة ضرورية في النضال من أجل الحرية والمطالبة بالحق في العيش والاختيار والكينونة، فـ"الحرية تؤخذ ولا تعطى". يقر الكتاب بحدود هذا المشروع، ويدرك أن النصوص القديمة كتبها رجال، وأن أصوات النساء المثليات أنفسهن في التاريخ قليلة ومتباينة في قوتها، وهي حدود منهجية تتجلى في اعتماد الكاتبة على مصادر ذكورية في الكثير من الأحيان، لكنها تحاول استنطاقها وتفكيكها لاستخراج صوت نسائي واعٍ من بين السطور. أخيرًا، يمكن القول إن الكتاب يقدم حجة قابلة للنقاش، خاصة في ختامه الذي تحاول فيه تقديم تصور إيجابي لـ"إسلامية قابلة للمثلية"، وهو تصور يظل محل جدل حتى بين المثليين أنفسهم، لكنه يظل مع ذلك فاتحة لأفق جديد من التفكير في العلاقة بين الدين والمثلية بعيدًا عن منطق الرفض المطلق أو القبول غير المشروط.
التحليل والكلمات المفتاحية
كلمات مفتاحية
أحداث