المورد
الأرض والإصلاح الزراعي في سورية

الأرض والإصلاح الزراعي في سورية

عبد الهادي عباسar

يُعد كتاب "الأرض والإصلاح الزراعي في سورية" لعبد الهادي عباس دراسةً تأريخية وتحليلية موسّعة لإحدى أهم القضايا الاجتماعية والاقتصادية في سورية الحديثة، وهي قضية ملكية الأرض وتوزيعها. يدافع المؤلف عن أطروحة مركزية مفادها أن مشكلة الأرض في سورية لم تكن مجرد مشكلة اقتصادية عابرة، بل كانت الإشكالية المحورية التي تفرعت عنها العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الفاسدة على مدى قرون. يقدّم المؤلف الكتاب بوصفه محاولة جادة وأولى من نوعها لمعالجة هذه القضية بشكل علمي، مؤكداً أن المسألة الزراعية هي المفتاح لكل سياسة اقتصادية سورية ناجحة. وهو يهدي كتابه إلى الفلاحين الذين ينتظرون تحررهم من آثار الإقطاع، ويعتبر قانون الإصلاح الزراعي الصادر عام 1958 النقطة الفاصلة التي بدأت فعلياً في كسر هذه البنية القديمة، حتى لو كانت معالجة المؤلف نفسه لها "خطوة غير كاملة" يأمل أن تكون فاتحة لدراسات أوسع.

يسير الكتاب في حجته وفق تسلسل منطقي واضح، يبدأ من التأريخ لنشأة الملكية وتطورها عالمياً، ثم ينتقل إلى السياق السوري الخاص، ليفرد بعدها مساحة واسعة لتحليل أوضاع الفلاحين كطبقة اجتماعية، ليختم بتحليل تفصيلي لقوانين الإصلاح الزراعي والمشاريع الحكومية الملحقة به. يبدأ الفصل الأول بنظرة تاريخية شمولية لتطور ملكية الأرض، متتبعاً انتقالها من الملكية المشاعية في العشائر البدائية، مروراً بظهور الملكية الخاصة وتفكك العشيرة، وصولاً إلى نظام العبودية والإقطاع. ويقرأ المؤلف هذا التطور من منظور مادي تاريخي، حيث يرى أن الملكية الخاصة والمبادلة كانتا بداية لانقلاب عميق في المجتمع أدى إلى استغلال الإنسان للإنسان. ويستشهد بقوانين قديمة مثل قانون حمورابي التي حمّلت الفلاح المدين عقوبات قاسية قد تصل إلى تسليم زوجته كرهينة، وبثورات العبيد كحركة سبارتاكوس، ثم ينتقل إلى النظام الإقطاعي الأوروبي حيث كان القنّ يملك أدواته لكنه يعمل في أرض سيده مقابل التزامات متعددة. كما يخصص مساحة للحديث عن تطور ملكية الأراضي في الدولة الإسلامية، مستعرضاً الأقسام الأربعة للأراضي في عهد النبي والخلفاء الراشدين، ومشيراً إلى تحفظ إسلامي مبكر على أنظمة المشاركة في الأرض من خلال أحاديث تنهى عن المحاقلة والمخابرة، لكنه يلاحظ أن هذه المبادئ لم تستمر طويلاً، إذ تجمعت الملكيات في أيدي الحكام والأمراء في العهدين الأموي والعباسي، وظهرت حركات ثورية دعت لإلغاء ملكية الأراضي.

في سياق الانتقال إلى سورية، يتتبع الفصل تطور الملكية الزراعية من كونها جزءاً من الدولة الإسلامية وصولاً إلى العهد العثماني الذي اعتبر معظم الأراضي أراضٍ أميرية، ويشير إلى أنّ قانون الأراضي الصادر في زمن التنظيمات الخيرية عام 1858 لم يحقق إصلاحاً حقيقياً، بل بقيت الملكيات الكبيرة محمية. ومع قدوم الانتداب الفرنسي، حافظ هذا الأخير على كبار الملاك وكسبهم، وأوجد قوانين مثل القانون 49 الصادر عام 1926 وقانون المسح العقاري التي أثبتت واقع الملكيات الواسعة دون تغييره. وبعد الاستقلال، يواصل الكتاب تتبع فشل المحاولات الإصلاحية، مثل مرسوم الشيشكلي رقم 96 عام 1952 الذي أُلغي لاحقاً بالمرسوم 136، وقانون حماية أملاك الدولة رقم 114 الذي رفع الحد الأعلى المسموح بتسجيله من أراضي الدولة إلى 300 هكتار، مما كرّس اغتصاب أملاك الدولة. ويصل المؤلف إلى خلاصة مفادها أن هذه المشكلة لم تحل إلا مع صدور قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 عام 1958 بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة. ويخصص المؤلف قسماً هاماً من هذا الفصل لحصر أسباب نشوء الملكيات الزراعية الواسعة في عشر وسائل، من أبرزها: الإقطاع بواسطة السلاطين، والاستيلاء بالقوة والاحتيال، والتمليك عن طريق الربا بفوائد قد تصل إلى 100%، والشيوع، والنفوذ الديني والعشائري، والاستيلاء على أملاك الدولة. ويورد قصة أحد شيوخ العشائر الذي سجّل مساحة تزيد عن ستة آلاف هكتار باسم أطفاله، بما فيهم طفل لم يولد بعد وكان قد سمّاه عبد الكريم، كدليل صارخ على غياب الضوابط القانونية.

يقدّم الكتاب إحصاءات ووقائع لافتة يصعب نسيانها، فهو يذكر أن مساحة سوريا تبلغ 18.5 مليون هكتار، منها حوالي 5.4 ملايين هكتار أراضٍ مزروعة و5.2 ملايين هكتار قابلة للزراعة وغير مزروعة و448 ألف هكتار حراج. ويورد جدولاً من تقرير بعثة المصرف الدولي يبيّن أن الملكيات الصغيرة تشكل نحو 19% والمتوسطة 36% والكبيرة 44% من المساحة المحررة، وأن المساحات التي تزيد عن الحدود القانونية تبلغ حوالي 3.8 ملايين هكتار يملكها 3500 مالك فقط، مما يبرز التركيز الشديد للملكية. كما يخصص حديثاً عن الأراضي المدورة التي كانت ملكاً خاصاً للسلطان عبد الحميد وتشكل قرابة 148 قرية في سورية، ويأسف لأن أكثر من 130 ألف هكتار من الحراج قد جرّدت من أشجارها بسبب الفقر المدقع. بعد هذا التحليل للبنية العقارية، ينتقل الكتاب إلى تحليل أوضاع الفلاحين، ويرسم صورة قاتمة للظلم الاجتماعي والاقتصادي. يُقدّر المؤلف أن عدد سكان سورية يتجاوز أربعة ملايين نسمة، منهم حوالي مليون ونصف مليون من الفلاحين والعمال الزراعيين موزعين على أكثر من ستة آلاف قرية، وتصل نسبة سكان الريف إلى 65% من مجموع السكان، بينما لا تتجاوز نسبة مالكي الأراضي من سكان الريف خمسة بالمئة فقط. ويصنّف الفلاحين إلى أصناف عدة: المالكون، والشركاء (المحاصلة) الذين يتقاضون نسبة تبلغ عادةً سدس الإنتاج مقابل عملهم وبذارهم، والموسميون، والعمال الزراعيون المؤقتون، والسنويون.

يتناول الكتاب الحالة الاقتصادية والاجتماعية للفلاحين بالتفصيل، موضحاً المفارقة الكبيرة بين الطاقة الإنتاجية الكبيرة للأرض السورية والفقر المدقع الذي يعاني منه الفلاحون، إذ تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة حوالي 8.5 مليون هكتار بينما عدد السكان لا يتجاوز الأربعة ملايين، ونصيب الفرد من الأراضي المزروعة يبلغ هكتاراً واحداً. ومع ذلك، يقتصر غذاء غالبية الفلاحين على الخبز والبرغل واللبن، ولا يعرفون طعم اللحم إلا في الأعياد، وتنتشر الأمية بشكل واسع رغم ازدياد عدد المدارس من 51 في عام 1941 إلى 1735 في عام 1954. ويشير إلى أن سوء توزيع الدخل القومي الذي يبلغ حوالي ملياري ليرة سورية هو جوهر المشكلة، فبينما يبلغ دخل بعض الملاك ملايين الليرات، لا يتجاوز دخل الفلاحين الخمسين ليرة للفرد الواحد. ثم ينتقل الكتاب إلى سرد كفاح الفلاحين، مقسماً إياه إلى صفحتين: قبل الاستقلال وبعده، ويؤكد أن حياتهم كلها كانت كفاحاً ضد المستعمر ثم ضد الفئة الحاكمة الجديدة من كبار الملاك والرأسماليين. ويسرد أمثلة على القمع الوحشي، ومنها حادثة قرية الويدة في محافظة حماة عام 1948، حيث قتل الملاك ثلاثين رأساً من مواشي الفلاحين دون عقاب، ويستعرض الانقلابات العسكرية المتعاقبة التي وعدت بتحرير الفلاحين ثم تخلت عن وعودها، من حسني الزعيم إلى أديب الشيشكلي الذي أصدر المرسوم رقم 96 ثم ألغاه، وصولاً إلى المماطلة البرلمانية في تطبيق المادة 25 من الدستور، حيث أُقرت المادة بأغلبية أربعة نواب فقط في عام 1956. ويخلص الكتاب إلى أن صدور قوانين الإصلاح الزراعي في عام 1958 كان خطوة هامة، لكنه يوثق كيف حاول الملاك إلغاءها بعد انفصال سورية عن مصر في عام 1961، وصدر القانون رقم 4 بإلغاء الإصلاح الزراعي في آذار 1962، قبل أن تُلغى تلك الإجراءات بعد حركة 8 آذار 1963 التي أعادت العمل بالقانون رقم 161.

يخصص الكتاب الجزء الأخير منه لتحليل تفصيلي لقوانين الإصلاح الزراعي والمشاريع الملحقة بها، ويقدّم صورة معقدة عن التحديات التي واجهت التنفيذ. يشرح المؤلف المبادئ الرئيسية للقانون رقم 161، والتي تشمل تحديد الحد الأقصى للملكية الزراعية بـ 80 هكتاراً من الأراضي المروية أو المثمرة و300 هكتار من الأراضي البعلية، مع رفعه إلى 400 هكتار في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة بموجب المرسوم التشريعي رقم 7، وتحديد الحد الأقصى لما يمكن توزيعه على الفلاحين بـ 8 هكتارات من الأراضي المروية أو 80 هكتاراً من البعلية. كما يشرح آلية التعويض التي تدفعها الدولة على شكل سندات حكومية بفائدة 1.5% تُستهلك خلال أربعين سنة، ويسرد الصعوبات التنفيذية الكثيرة، مثل فقدان الإحصاءات الدقيقة، وعدم وجود مسح شامل، ونقص الكوادر الفنية، ومشكلة الشركاء على الشيوع، ويضرب مثالاً بقرية حسيا في حمص حيث لم يجد الفنيون سوى 1050 هكتاراً صالحة للزراعة من أصل 4300 هكتار مستولى عليها. ويشير إلى حالات التواطؤ من قبل الملاك، مثل ادعاء أحدهم أن ملكيته موزعة على 57 من أبنائه وأحفاده. كما يقدم المؤلف نموذجاً إيجابياً عن نجاح الإدارة المباشرة في مزرعة المناجير بمحافظة الحسكة، حيث زاد إنتاج الهكتار الواحد من القطن بنسبة 50% عن المشاريع الخاصة المجاورة.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تنظيم العلاقات الزراعية، فيقدّم قراءة نقدية لقانون تنظيم العلاقات الزراعية الذي قسم العمال إلى三类: عامل موقت وموسمي وسنوي، وحدد حداً أدنى للأجور، ومنع تشغيل الأطفال قبل الثانية عشرة من العمر، وأعطى العاملات الحوامل إجازة ولادة مدتها خمسون يوماً. ويشرح المؤلف كيف حدد القانون حصة رب العمل من الإنتاج بما لا يتجاوز 20% في الأراضي البعلية، ونسباً محددة في الأراضي المروية، ويشير إلى نص هام بتخصيص قطعة أرض في كل قرية لكل فلاح لبناء مسكن. وفي ختام هذا القسم، يرفض المؤلف بشكل قاطع فكرة أن القانون جاء قبل أوانه، معتبراً أن هذه النصوص هي أقل ما يجب للعامل الزراعي، وتبقى مجالاً واسعاً للنضال لتحقيق أحكامها. أما الفصل الأخير، فيخصصه المؤلف للمشروعات الحكومية الملحقة بالإصلاح الزراعي، وأبرزها مشروع الغاب، ويقدّم وصفاً جغرافياً دقيقاً لوادي الغاب الذي تبلغ مساحته حوالي 37,000 هكتار، ويذكر أن الفكرة قديمة تعود لزمن السلطان عبد الحميد، ثم طرحت أيام الاستعمار الفرنسي بهدف إسكان الآشوريين. ويستعرض الأعمال المنفذة بتفصيل، بما في ذلك إنشاء سد الرستن بسعة خزان تبلغ 70 مليون متر مكعب وسد محردة بسعة 15 مليون متر مكعب، ويتناول مشاكل الاستثمار المؤقت للأراضي، والتي أدت إلى تدخل الرأسماليين، قبل أن تُسند مهمة الاستثمار إلى وزارة الإصلاح الزراعي في عام 1963 التي ألغت نظام الممولين. وينتهي الكتاب بتحليل مشروع مرسوم تشريعي رقم 67 لعام 1971 الذي يقضي بالعودة للعمل بأحكام القانون رقم 161 بعد تعديلات، مثل رفع الحد الأعلى للملكية في الأراضي البعلية في المحافظات الشرقية إلى 300 هكتار، وتعديل اللجنة القضائية لتكون محكمة خاصة من ثلاثة قضاة.

بشكل عام، يقدّم الكتاب حجة قوية وموثقة عن جذور المشكلة الزراعية في سورية، ويؤكد على أهمية قانون الإصلاح الزراعي كخطوة تاريخية حاسمة، لكنه لا يخلو من حدود ومناحٍ قابلة للنقاش. يقرّ المؤلف بحدود معرفته في بعض النقاط، مثل عدم دقة الإحصاءات بسبب غياب المسح الشامل، ويشير إلى أن بعض الروايات مثل قصة شيخ العشائر قد تكون رواية سردية أكثر منها واقعة مؤكدة التفاصيل. كما أن اعتماده على المقاربة الماركسية التاريخية في فهم تطور الملكية هو خيار منهجي وأيديولوجي واضح، يظهر في انتقائية البيانات التي يستشهد بها، وقد يكون هذا المنهج موضع نقاش من قبل مؤرخين بمناهج مختلفة. ورغم هذه الحدود، يظل الكتاب وثيقة مهمة تقدم سجلاً تفصيلياً لجهود الدولة السورية في معالجة واحدة من أعمق مشكلاتها البنيوية، ويبرز التحديات الإدارية والقانونية والاجتماعية التي رافقت عملية توزيع الأرض، مقدماً بذلك قراءة ثرية لمرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ سورية الحديث.

الفصول(6)

1.الأرض وملكيتها5–88▼ ملخص

يطرح هذا الفصل قضية الأرض وملكيتها في سورية بوصفها الإشكالية المحورية التي تدور حولها العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويؤكد المؤلف أن مشكلة الأرض لم تُعالج معالجة علمية في سورية قبل الإصلاح الزراعي الذي يعتبره أول محاولة جادة لتحقيق العدالة الاجتماعية. ويرى الكاتب أن علاقة المواطن بالأرض وعلاقة العاملين فيها بمن يملكونها كانت محور السياسة في عهد الاستعمار وبعده، وأن المسألة الزراعية هي المفتاح لكل سياسة اقتصادية سورية. يقدّم المؤلف هذا الكتاب كخطوة غير كاملة يأمل أن تكون فاتحة لدراسات أوسع من قبل المختصين، ويُهديه إلى الفلاحين الذين ينتظرون تحررهم من آثار الإقطاع.

يبدأ الفصل بلمحة تاريخية عامة عن تطور الملكية، فيتتبع نشأتها من الملكية المشاعية في العشائر البدائية حيث كانت الأرض والصيد ملكاً للجماعة، مروراً بظهور الملكية الخاصة نتيجة تطور أدوات الإنتاج وتفكك العشيرة إلى عائلات، وصولاً إلى نظام العبودية الذي قسّم المجتمع إلى سادة وعبيد. ويرى المؤلف أن الملكية الخاصة والمبادلة كانتا بداية لانقلاب عميق في المجتمع أدى إلى استغلال الإنسان للإنسان. ويُشير إلى أن القوانين القديمة مثل قانون حمورابي كانت تحمي الملكية الفردية بعقوبات قاسية، حتى إن الفلاح الذي لا يدفع إيجار أرضه قد يُسلّم زوجته أو ابنته للمالك كرهينة. وقد أدت هذه التناقضات إلى ثورات العبيد مثل ثورة سبارتاكوس في الإمبراطورية الرومانية، ثم ظهور النظام الإقطاعي حيث أصبح القنّ يملك أدواته لكنه يعمل في أرض سيده مقابل التزامات متعددة من سخرة ومغارمة وإتاوات.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن تطور ملكية الأراضي الزراعية في الدولة الإسلامية، حيث يوضح أن نظام الأراضي في عهد النبي محمد والخلفاء الراشدين كان يقوم على أربعة أقسام: أرض أسلم عليها أهلها فيبقون مالكين لها، وأرض يبقى أهلها على دينهم ويصالحون عليها مع دفع الخراج، وأرض فتحت عنوة وتُترك لأهلها مقابل الجزية والخراج كما فعل عمر بن الخطاب في الشام والعراق، وأرض موات لا مالك لها يُحياها من يعمرها. ويستشهد المؤلف بأحاديث نبوية وروايات عن الصحابة تنهى عن المزارعة بأجزاء من المحصول، مثل حديث رافع بن خديج الذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمخابرة، مما يشير إلى تحفظ إسلامي مبكر على أنظمة المشاركة في الأرض. لكنه يلاحظ أن هذه المبادئ لم تستمر طويلاً، إذ أخذت الملكيات تتجمع في أيدي الحكام والأمراء في العهدين الأموي والعباسي، وظهرت حركات ثورية مثل حركة بابك الخرمي في أذربيجان والحركة الإسماعيلية والقرامطة في البحرين، الذين كانوا يدعون لإلغاء ملكية الأراضي وتوزيعها على المحتاجين.

أما في سورية تحديداً، فيتتبع الفصل تطور الملكية الزراعية بدءاً من كونها جزءاً من الدولة الإسلامية، مروراً بالعهد السلجوقي عندما بدأ نظام الملك بتحويل رواتب الجنود إلى أراضٍ، ثم الاحتلال الصليبي الذي منع السكان من امتلاك الأرض وقصرها على الأجانب، وصولاً إلى العهد العثماني الذي اعتبر معظم الأراضي أراضٍ أميرية تعود رقبتها للدولة مع إعطاء حق التصرف للمزارعين. وكانت الدولة العثمانية تقسّم الأراضي إلى أنواع منها الخاص للسلطان والزعامة للأمراء والتيمار للمرابطين، وأُلغي هذا النظام في زمن التنظيمات الخيرية عام 1858 مع صدور قانون الأراضي الذي لم يحقق إصلاحاً حقيقياً بل بقيت الملكيات الكبيرة محمية. ويشير المؤلف إلى أن الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى حافظ على كبار الملاك وعمل على كسبهم، وأوجد قوانين مثل القانون 49 الصادر عام 1926 وقانون المسح العقاري التي أثبتت واقع الملكيات الواسعة دون تغييره، بل شجّعت المتنفذين على اغتصاب أراضي الفلاحين.

بعد الاستقلال، تستمر المشكلة إذ أصدر الشيشكلي المرسوم التشريعي رقم 96 عام 1952 الذي حدد الملكية، لكنه أُلغي لاحقاً بالمرسوم 136 الذي سمح بتسجيل مساحات كبيرة أراضيها، وجاء قانون حماية أملاك الدولة رقم 114 ليرفع الحد الأعلى المسموح بتسجيله من أراضي الدولة إلى 300 هكتار، مما كرّس اغتصاب أملاك الدولة. ولم تحل مشكلة الفلاحين إلا مع صدور قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 في عام 1958 بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة، والذي يعده المؤلف النقطة الفاصلة في معالجة هذه المشكلة.

يخصص الفصل قسماً واسعاً لمنشأ الملكيات الزراعية الواسعة في سورية، فيحصر الأسباب التي أدت إلى تجميع المساحات في أيدي قلة في عشر وسائل: الإقطاع بواسطة السلاطين والولاة الذين منحوا الأراضي لمقربيهم، والاستيلاء بالقوة في عهود الاضطراب، والاستيلاء بواسطة الحكومة لأهداف سياسية حيث كان المستعمر يخلق طبقة من المتنفذين، والاستيلاء بالاحتيال والغش في تسجيل الأراضي بشهادات مزورة، والتمليك عن طريق الربا بفوائد قد تصل إلى 100%، والحماية التي كانت تدفع الفلاح لتسليم أرضه لوجيه يحميه من ظلم السلطة، والشيوع الذي يستغل المتنفذ حصة صغيرة لينفذ إلى القرية كلها، والنزاع العائلي والقبلي الذي يدخل المتنفذ وسيطاً ثم يملك الأرض، والإعفاء من الجندية مقابل التنازل عن الأراضي، والنفوذ الديني والعشائري الذي يتحول إلى تملك لأراضي الأتباع، وأخيراً الاستيلاء على أملاك الدولة الذي يشير المؤلف إلى أنه من أهم الأسباب في السنوات الأخيرة خاصة في محافظتي الجزيرة والفرات، ويورد قصة أحد شيوخ العشائر الذي سجّل مساحة تزيد عن ستة آلاف هكتار باسم أطفاله بما فيهم طفل لم يولد بعد وكان قد سمّاه عبد الكريم.

يعرض الفصل بعد ذلك وضع الأراضي الزراعية قبل قانون الإصلاح الزراعي، فيذكر أن مساحة سوريا تبلغ 18.5 مليون هكتار منها حوالي 5.4 ملايين هكتار أراضٍ مزروعة و5.2 ملايين هكتار قابلة للزراعة وغير مزروعة و448 ألف هكتار حراج. ويقسّم الأراضي من حيث الملكية إلى أراضٍ مملوكة وأراضٍ أميرية تعود رقبتها للدولة وللأفراد حق التصرف فيها، وأراضٍ من أملاك الدولة الخاصة والعامة والحراجية والموقوفة. ويصنّف الملكيات من حيث الحجم إلى ملكيات واسعة تتجاوز مئة هكتار، وملكيات متوسطة بين عشرة ومئة هكتار، وملكيات صغيرة أقل من عشرة هكتارات. ويستخدم المؤلف معيار مئة هكتار لأنه الحد الذي حدده قانون الإصلاح الزراعي للملكية في الأراضي المروية. ويورد جدولاً تقريبياً من تقرير بعثة المصرف الدولي يبيّن أن الملكيات الصغيرة تشكل نحو 19% والمتوسطة 36% والكبيرة 44% من المساحة المحررة، كما تشير إحصاءات وزارة الإصلاح الزراعي اللاحقة إلى أن المساحات التي تزيد عن الحدود القانونية تبلغ حوالي 3.8 ملايين هكتار يملكها 3500 مالك فقط.

يتناول الفصل بالتفصيل أملاك الدولة في سورية من حيث منشأها وأنواعها ومواقعها، فيوضح أن مصادر ملكية الدولة للأرض في العالم تشمل الفتح والحلول محل النظام الإقطاعي والإهمال والإلحاق والشراء والاستملاك مقابل تعويض والتملك مقابل الضرائب والمصادرة. ويشير إلى أن قانون أملاك الدولة الجديد رقم 145 الصادر في 11/6/1958 عرّف أملاك الدولة الخاصة في المادة الأولى بأنها العقارات المبنية وغير المبنية التي تخصص للدولة بوصفها شخصاً اعتبارياً، وحددت المادة الثانية أنواعها وهي الأراضي الأميرية والعقارات المسجلة باسم الدولة والعقارات المقيدة في سجلات دائرة أملاك الدولة والعقارات المتروكة المرفقة التي تكون لجماعة ما حق استعمالها والأملاك العامة التي زالت عنها صفة المنفعة العامة والعقارات المحلولة والعقارات التي تشتريها الدولة والأراضي الموات والجزر التي تتكون في المياه العامة والجبال والحراج والغابات. ويُفرد المؤلف حديثاً عن الأراضي الأميرية التي يرى أن منشأها قائم على أن الأرض كانت ملكاً للسلطان، ويلاحظ أن حق التصرف للأفراد فيها يسقط بعدم استعمالها خمس سنوات تعود معها الأرض للدولة. كما يتطرق إلى الأراضي المدورة التي كانت ملكاً خاصاً للسلطان عبد الحميد ثم انتقلت للحكومات العربية بعد معاهدة لوزان، ويشير إلى أن هذه الأراضي تشكل قرابة 148 قرية في سورية. كما يخص الحراج بحديث خاص فيذكر أن مساحته المحررة تبلغ 448 ألف هكتار أي ما يعادل 2.4% من مساحة سوريا، ويأسف لأن أكثر من 130 ألف هكتار منه قد جُرّدت من أشجارها بسبب كثافة السكان والفقر المدقع الذي يدفع الناس لاقتلاع الأشجار للحصول على قوتهم اليومي.

يتحدث الفصل في نهايته عن طرق إدارة واستثمار الأراضي الزراعية في سورية قبل تطبيق الإصلاح الزراعي، ويميز بين طريقتين أساسيتين: الاستثمار المباشر من قبل المالك في الملكيات الصغيرة حيث يعمل الفلاح وأسرته بأدواتهم البسيطة، والاستثمار بواسطة فلاحين موسمين يعرفون بالمرابعين الذين يتقاضون ربع المحصول مقابل عملهم. أما الطريقة الثالثة وهي الأكثر شيوعاً في الملكيات الكبرى فهي نظام المزارعة حيث يسكن الفلاحون في بيوت القرية التابعة للمالك ويقومون بقسمة الأرض فيما بينهم إلى فدادين كل سنة، ويدفعون بذارهم ويعملون بدوابهم ومحاريثهم مقابل حصة من المحصول، بينما لا يقدم المالك شيئاً سوى الأرض، ويتولى وكيله المعروف بالوقّاف أو الشوباشي الإشراف على العمل وتحصيل الحصة. ويُفصّل المؤلف الالتزامات الإضافية التي كان يفرضها الملاك على الفلاحين مثل السخرة والهدايا وضريبة على زواج بنات الفلاحين، ويقارن هذه الأوضاع بأوضاع إقطاعيي القرون الوسطى في أوروبا. ويصف وضع الفلاح الشركي بأنه بائس فهو يتعرض لعوامل الطبيعة ويرزح تحت نيرين: سخرة المالك ومقاسمته، وضغط الوكيل واستبداده، ثم يقع فريسة للمرابين الذين يفرضون فوائد لا تقل عن 50%، وإذا أخفق في سداد ديونه كان للمالك سلطة طرده من الأرض.

يُقرّ المؤلف في هذا الفصل بحدود معرفته في بعض النقاط، فهو يعترف بأن الجداول المتعلقة بتوزيع الملكيات تقريبية ولا تعطي إحصاءً حقيقياً ودقيقاً، لأن أراضي سورية لم يتم تحديدها وتحريرها كلها، ولأن الحكومات لم تولِ الإحصاءات الزراعية الأهمية التي تستحقها. كما يلاحظ أن الرقم الحقيقي لمساحة أراضي الدولة الزراعية غير معروف تماماً بسبب فقدان الإحصاءات الدقيقة وانعدام التسجيل في بعض المحافظات. ويشير في مواضع متفرقة إلى أن بعض المعلومات تحتاج إلى تحقق، مثل توقيعات الأحداث التاريخية في العهود الإسلامية الأولى حيث يستخدم عبارات تفيد عدم الجزم، ويقدم أحداثاً تاريخية كقوانين حمورابي التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد مع استطراد في تأريخها، ويذكر بعض الإحصائيات عن ثورات الفلاحين مثل إعدام هنري الثامن لسبعين ألف شخص بتهمة التشرد، وهي أرقام قد تثير تساؤلات إذا لم تُراجع من مصادر موثوقة. كما تظل الحكاية عن شيخ العشائر الذي سجّل أرضاً باسم ابنه عبد الكريم الذي وُلد بعد التقديم، حكاية من الأدلة التي يستشهد بها لتأكيد غياب الضوابط القانونية والفساد الواسع في عمليات تسجيل الأراضي، وهي تظهر في سياق توثيقي سردي يعبر عن حجم التجاوزات أكثر من كونه واقعة مؤكدة التفاصيل. إن الحجج التي يقدمها الفصل قابلة للنقاش من زاوية مركزيتها الفكرية، إذ يعتمد المؤلف مقاربة ماركسية تاريخية مادية في فهم تطور الملكية، ويقرأ التاريخ الإسلامي والتاريخ السوري من خلال هذه العدسة التحليلية التي تركز على الصراع الطبقي والاستغلال الاقتصادي، وهذا خيار منهجي وأيديولوجي لا يخلو من أثر في انتقائية البيانات التي يستشهد بها.

2.الفلاحون88–114▼ ملخص

يبلغ عدد سكان سورية أكثر من أربعة ملايين نسمة، منهم حوالي مليون ونصف مليون من الفلاحين والعمال الزراعيين موزعين على أكثر من ستة آلاف قرية. يشكل هؤلاء الفلاحون مع البدو غير المستقرين وسكان الريف الآخرين ما نسبته حوالي 65% من مجموع سكان البلاد، في حين تُقدَّر نسبة مالكي الأراضي من سكان الريف بخمسة بالمئة فقط. يرى المؤلف أن هذا التوزيع السكاني في الريف لم يكن نتيجة تنظيم أو كفاءة إنتاجية، بل نتج عن ظروف تاريخية واجتماعية وسياسية معقدة، وعلى رأسها سياسات المستعمرين الذين عملوا على إبقاء النزاعات والانقسامات بين فئات الشعب المختلفة، وإبقاء الأراضي في أيدي أعوانهم للسيطرة على وسائل عيش الناس. وقد أدى هذا إلى مفارقات كبيرة، حيث توجد كثافة سكانية عالية في محافظات فقيرة بينما تبقى محافظات غنية بالأرض والماء بحاجة إلى سكان، ولم تنجح الحكومات المتعاقبة بعد الجلاء في وضع سياسة إسكانية فعالة لإعادة التوازن.

يعرض المؤلف جدولاً يوضح توزيع السكان والكثافة في المحافظات السورية، ويشير إلى تفاوت كبير بين نسبة توزع السكان وتوزع المساحات المزروعة والمروية. فعلى سبيل المثال، تبلغ الأراضي المزروعة في محافظة اللاذقية 150 ألف هكتار كلها بعلية، بينما تبلغ في محافظة الحسكة 64 ألف هكتار منها 54 ألف سقياً، وفي دير الزور 7 آلاف منها 4 آلاف سقياً، مما يبرز خللاً واضحاً في توزيع السكان مقارنة بالموارد الزراعية.

يصنف الفصل الفلاحين إلى عدة أصناف رئيسية بحسب طبيعة عملهم وعلاقتهم بالأرض. أولهم الفلاحون المالكون الذين يملكون قطع أراضٍ صغيرة، وتختلف حالتهم تبعاً لكفاءة أرضهم وسعتها، فبعضهم يتمتع بمستوى معيشة جيد وقادر على تعليم أبنائه، بينما لا تكفي أرض الكثيرين منهم لتأمين قوتهم فيعملون فيها أياماً معدودة ثم يعانون البطالة المقنعة، أو يهاجر بعض أفراد العائلة للعمل في مواسم معينة كقطاف القطن والحصاد. أما الصنف الثاني فهم الفلاحون بالمحاصلة (الشركاء) المنتشرون في مناطق زراعة الحبوب، وهم يعملون في أراضٍ يملكها الإقطاعيون من سكان المدن، وقد فقد الكثير منهم ملكياتهم السابقة بأساليب مختلفة، ويتقاضون نسبة من المحصول تبلغ عادةً سدس الإنتاج مقابل عملهم وبذارهم، بينما يحصل المالك على الباقي لقاء تقديمه الأرض، وتعيش الغالبية العظمى منهم في فقر مدقع.

الصنف الثالث هم الفلاحون الموسميون الذين يعملون عند الملاك أو المستثمرين لموسم معين، ومن أبرز أمثلة هؤلاء ما يسمى بالبستاني في مناطق الزراعات المروية كالقطن، حيث لم تكن علاقاتهم منظمة بقانون بل تحكمها الأعراف والطلب والعرض. أما الصنف الرابع فهم العمال الزراعيون المؤقتون الذين لا تربطهم بالأرض رابطة طويلة المدى، ويعملون مياومة في أعمال مختلفة مثل الحصاد وقطاف القطن وحفر الأقنية، وتكون أجورهم في أغلب الحالات نقداً وتختلف بحسب السن والقدرة والمكان والزمان، وهي متدنية عموماً مقارنة بأجور العمال في المدن، ولم يكن هناك قانون ينظم الحد الأدنى للأجور قبل قانون العمل الزراعي. الصنف الأخير هم العمال الزراعيون السنويون الذين يتعاقدون مع مالك أو فلاح شريك لمدة سنة كاملة، ومنهم الرعاة والمرابعون والأجراء، وتكون أجورهم عينية في الغالب كالربع من المحصول أو نقداً، ولا تتجاوز في أغلب الحالات الألف ليرة سورية.

يتناول الفصل بعد ذلك الحالة الاقتصادية والاجتماعية للفلاحين بتفصيل كبير، مشيراً إلى أن سورية لا تعاني من ازدحام سكاني مقارنة بالدول الأخرى، بل على العكس، فطاقتها الإنتاجية قادرة على استيعاب أضعاف عدد السكان الحاليين، فمساحة الأراضي القابلة للزراعة تبلغ حوالي 8.5 مليون هكتار من أصل 18.48 مليون هكتار هي مساحة البلاد الكلية، بينما لا يتجاوز عدد السكان الأربعة ملايين، وتصل الكثافة في بعض المناطق الخصبة إلى 7 أفراد للكيلومتر المربع، وهي نسبة أقل بكثير من نظيراتها في دول مثل هولندا وبلجيكا واليابان. ومع ذلك، ورغم هذه الطاقة الإنتاجية الكبيرة، يعاني الفلاحون من فقر عام وتدني في مستوى الدخل الفردي، ويوضح المؤلف أن نصيب الفرد من الأراضي المزروعة يبلغ هكتاراً واحداً، أي بزيادة 50% عما يحصل عليه الفرد في تركيا وإيران، وضعف النسبة السائدة في اليونان والعراق.

يعدد الفصل مظاهر البؤس الاجتماعي والاقتصادي في الريف، ومن أبرزها هبوط مستوى المعيشة بشكل عام، حيث يقتصر غذاء غالبية الفلاحين على الخبز والبرغل واللبن، وكثيراً ما يضطرون لبيع الحليب وبيض الدجاج لتأمين احتياجات أساسية أخرى، ولا يعرفون طعم اللحم إلا في الأعياد والمناسبات، كما أن مساكنهم متواضعة جداً وقد يشاركونها حيواناتهم. ومن المظاهر الأخرى سوء الحالة الصحية الناتج عن الفقر وسوء التغذية، وانتشار الأمراض وعدم قدرة الفلاحين على مراجعة الأطباء، فيلجأون لتأويل المرض بالقضاء والقدر. كما تنتشر الأمية بشكل واسع رغم ازدياد عدد المدارس الابتدائية من 51 في عام 1941 إلى 915 في عام 1950 ثم إلى 1735 في عام 1954، وزيادة عدد الطلاب من 153109 في عام 1941 إلى 344614 في عام 1950 ثم إلى 453056 في عام 1954، ولا تزال نسبة الأمية لا تقل عن 80%، وتشتد بين البدو الرحل والقرى المعزولة التي تفتقر إلى المدارس، خاصة في القرى المملوكة لغير فلاحيها.

يعرج الفصل على هجرة الريف الناتجة عن البطالة وسوء الأوضاع، حيث يهاجر الكثير من الفلاحين إلى أطراف المدن أو إلى بلدان أخرى، رغم أن الهجرة ما تزال ضيقة النطاق بسبب عدم توفر العمل بسهولة للمهاجرين. وتنتشر البطالة بشكل خطير في المناطق الكثيفة السكان الفقيرة بالأرض، فكثير من الفلاحين يعملون في أراضيهم بضعة أيام فقط من السنة ثم ينتظرون موسم الحصاد دون عمل آخر، كما أن عدم وجود الأراضي الكافية وعدم توفر الأعمال الصناعية يخلقان بطالة مقنعة وعدداً من المتسولين الذين يتنقلون بين القرى في مواسم الحصاد لجمع ما يقتاتون به. ويشير الفصل إلى سوء توزيع الدخل القومي الذي يبلغ حوالي ملياري ليرة سورية، أي بمتوسط دخل فردي يبلغ حوالي 500 ليرة سورية، وهي نسبة لا بأس بها مقارنة بالدول المتخلفة كباكستان وإندونيسيا، لكنها أقل بكثير مما هي عليه في الدول المتقدمة، والأهم أن هذا الدخل موزع توزيعاً غير عادل، فبينما يبلغ دخل بعض الملاك الزراعيين ملايين الليرات، لا يتجاوز دخل الفلاحين الخمسين ليرة للفرد الواحد، وهذا التفاوت الكبير ينعكس على المستوى المعاشي والتعليمي والصحي للفلاحين.

أما التباين بين المدينة والقرية فهو من المظاهر البارزة أيضاً، حيث كانت القرية مهملة خلال فترات طويلة وكانت كل العناية تنصب على المدينة، فكانت المدارس والمستشفيات والكهرباء تُقام في المدن وعلى حساب الخزانة العامة، بينما بقيت القرى على وضعها الطبيعي وتطورها البطيء الخاص.

يتناول الفصل كفاح الفلاحين وسياسة الحكم في سورية، معتبراً أن هذا الموضوع يحتاج إلى أكثر من فصل بل إلى كتاب كامل، لأن نضالهم كان عنيداً وطويلاً ضد النظام الجائر الذي ساد علاقتهم مع الملاك. يقسم المؤلف كفاح الفلاحين إلى صفحتين: قبل الاستقلال وبعده. فقبل الاستقلال كان كفاحهم مندفعاً بعنف في كل ثورة ضد المستعمر، وكانوا هم الوقود الأساسي للثورات المتعددة التي خاضها الشعب في سبيل حريته، لكن حياتهم كلها كانت كفاحاً لأن المستعمر كان همه إذلال الشعب وخصوصاً الفلاحين، فاستلب أراضيهم وسلط عليهم الإقطاعيين والزبانية. وبعد الجلاء، ظن الفلاحون أن زوال الانتداب سيكون فاتحة عهد جديد تعود إليهم فيه أرضهم، لكن آمالهم تبددت عندما انتقل الحكم إلى أيدي كبار الملاك والرأسماليين الذين أعطوا امتيازات جديدة لأنفسهم، وأدرك الفلاحون أن الفئة الحاكمة لن تتنازل عن أراضيها، وكان إنشاء مدرسة في قرية مملوكة أمراً محرماً ومستحيلاً.

يسرد الفصل أمثلة على القمع الذي تعرض له الفلاحون، ومنها حادثة قرية الويدة من محافظة حماة في عام 1948، حيث طالب سكانها بحقوقهم القديمة في قطعة من الأراضي وأقاموا دعوى ضد المالك، فانتقم منهم بإرسال عصبة من خدمه المسلحين بالبنادق الرشاشة الذين ترصدوا لمواشي القرية وأبقارها وأطلقوا النار عليها، فقتلوا ثلاثين رأساً من الخيل والبقر دون أن ينالوا أي عقاب من السلطة. ويشير المؤلف إلى أن هذه الحادثة كانت نموذجاً لحوادث وحشية كثيرة قام بها الملاك في كل قرية شعرت بنية التمرد على سيادتهم، ومع ذلك لم يستسلم الفلاحون واستمروا في كفاحهم. واستغل بعض أصحاب النفوذ هذا الحماس الشعبي، فقام حسني الزعيم بانقلاب عسكري زاعماً أنه جاء لتحرير البلاد من الفساد وتحرير الفلاحين من سلطة الإقطاع، لكنه سرعان ما تنكر لوعوده، ثم جاء حكم آخر انبثق عن جمعية تأسيسية وضعت دستوراً نص في المادة 25 منه على وجوب وضع قانون لتحديد الملكية الزراعية وحماية الفلاحين، لكن النص بقي حبراً على ورق. استغل أديب الشيشكلي هذه المخالفة الدستورية وأجرى انقلاباً عسكرياً زاعماً أنه جاء لحماية الفلاحين وتحريرهم، وأصدر في البداية بعض التشريعات التقدمية كالمرسوم رقم 96 بتاريخ 17/1/1952 بشأن أملاك الدولة، لكنه ما إن ثبتت له السلطة حتى ألغى هذا المرسوم وعذب ونفى وشرد كل عناصر النضال بين الفلاحين.

عندما دعي الشعب للانتخابات في عام 1954، لبست القوى الإقطاعية قناع الوطنية وتحرير الفلاح، فدخل البرلمان أكثرية من النواب المتنفذين وعناصر الرجعية، وشكلوا سداً منيعاً ضد تحرير الفلاحين وتنفيذ أحكام الدستور. طرح موضوع تنفيذ المادة 25 من الدستور منذ أول اجتماع للمجلس في تشرين أول عام 1954، لكن ذلك ذهب ضمن متاهات الجلسات ومهاترات النواب، حتى جاء عام 1956 وفي جلسة 14 آذار، طرح عدد من النواب موضوع منع تهجير الفلاحين، وانسحبت أكثرية الحكومة من الجلسة حتى لم يبق منها إلا وزير واحد، وجرت مهازل كثيرة، فانسحب أكثرية النواب ولم يبق منهم سوى 58 من أصل 4، وصوت من العدد الناقص 4 وخالف اثنان، أي أن المادة أقرت بأغلبية أربعة نواب فقط. في عام 1958 تم اتحاد سورية ومصر في الجمهورية العربية المتحدة، وكان حماس الفلاحين للوضع الجديد كبيراً، فصدر بتاريخ 7 أيلول عام 1958 القانون 134 المنظم للعلاقات الزراعية، ثم صدر بتاريخ 27 أيلول 1958 قانون الإصلاح الزراعي رقم 161، وصدر قانون أملاك الدولة رقم 147 بتاريخ 19 تشرين أول عام 1958، وهذه القوانين هي ما تسمى بقوانين الإصلاح الزراعي، وهي خطوة هامة في طريق إيجاد حلول جذرية لمشكلة الفلاحين.

بعد انفصال سورية عن مصر في عام 1961، أكد الحكم الجديد تمسكه بمبادئ الإصلاح الزراعي ورسمت الحكومة الانتقالية سياستها في بياناتها المتعاقبة، لكن المخلصين لاحظوا أن هذا الاتجاه كان لمصلحة الملاك أكثر منه لمصلحة الفلاحين، لأن تشكيل الحكومة ضم أشخاصاً معروفين باتجاهاتهم المعادية للإصلاح. لم ينتظر الملاك كثيراً، فبدأوا في بعض المناطق يعودون إلى أراضيهم التي كان الفلاحون قد أتموها، واستخدموا أساليب العنف القديمة ضد الفلاحين. ثم أجريت انتخابات نيابية لمجلس تأسيسي في ظل الأحكام العرفية، وكان المجلس الجديد يتألف من 144 عضواً أكثرهم من الملاك المشمولين بقانون الإصلاح الزراعي، حتى أن أحد النواب أضاف على قسمه أنه سيحترم القوانين ما عدا قانون الإصلاح الزراعي. عند تشكيل لجان المجلس، سيطر الملاك على لجنة الإصلاح الزراعي فكان خمسة عشر عضواً منها من أصل عشرين من كبار الملاك المشمولين بأحكام القانون. وتشكلت حكومة جديدة حددت سياستها في ميدان الإصلاح الزراعي بتاريخ 2 كانون ثاني 1962، ثم تقدمت الحكومة في جلسة 2 كانون الثاني 1962 بمشروع تعديل قانون الإصلاح الزراعي، لكن هذا المشروع كان في حقيقته إلغاءً للإصلاح الزراعي، وعند طرحه للنقاش في المجلس في جلستي 3 و4 شباط، قام النواب المالكون بهجوم مركز، وصوتت النواب على إلغاء الإصلاح الزراعي بأكثرية 92 نائباً ومخالفة 4 نواب وغياب الباقين، وصدر القانون رقم 4 بتاريخ آذار 1962.

ما إن أعلن هذا الإلغاء حتى وصل القلق إلى كل فرد من أبناء الشعب وخصوصاً الفلاحين، وفي صبيحة 8 آذار 1963 قام الجيش بحركة انقلاب ضد الوضع القائم واعتقل الوزراء وحل المجلس، معلناً أن العناصر التي وصلت إلى الحكم عطلت التشريعات والقوانين التي حققت مكاسب الفلاحين والعمال، وشكلت حكومة أعلنت في بيانها بتاريخ 15 نيسان 1963 عزمها على إلغاء القانون رقم 4 والعودة إلى قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958، وبالفعل صدر المرسوم التشريعي رقم 5 بتاريخ 2 أيار 1963، وأعلن رسمياً استئناف تنفيذ الإصلاح الزراعي الذي توقف من 28 أيلول 1961.

يختم الفصل بتعريف الإصلاح الزراعي، وهو العمل المنظم بقصد تحسين النظام السائد للملكية العقارية الزراعية، وذلك بإصلاح التشريع العقاري وتجميع الاستثمارات وتنظيم علاقات المزارعين وتجزئة الملكيات الكبيرة بإعادة توزيعها، ولا يحقق هدفه إلا إذا صاحبه تحسين في الميادين الأساسية كالقروض والتعاون والإرشاد والتعليم، وكل ذلك بهدف إيجاد شروط حسنة لتنمية الدخل الزراعي ورفع مستوى الفرد. ويشير المؤلف إلى أن الإصلاح الزراعي يمكن أن يتحقق بطرائق مختلفة بالتطور الطبيعي أو المبادرة الفردية أو التشريع النظري أو الثورة، ويستشهد بمثال الملاك الذين يقومون بإجراءات فردية لتخفيض بدل إيجار الأراضي الزراعية تحنباً لتحديدها قانوناً من قبل السلطة.

3.الباب الثالث - الإصلاح الزراعي 1115–164▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب "الأرض والإصلاح الزراعي في سورية" للمؤلف عبد الهادي عباس، موضوع الإصلاح الزراعي في سورية، مركزاً على القانون رقم (161) الصادر في 27 أيلول عام 1958، والذي يعتبره المؤلف العمود الفقري لنظام الإصلاح الزراعي في البلاد. يقدم الفصل إجابة شاملة عن ماهية هذا الإصلاح، مبيناً أنه لم يأتِ نتيجة ثورة دموية، بل كإجراءات شاملة تهدف إلى تحديد الملكية الزراعية وإعادة توزيعها، وتنظيم علاقات الإيجار والعمال الزراعيين، وتنظيم التعاون الزراعي، وإدارة أملاك الدولة. يوضح المؤلف أن هذه الإصلاحات تندرج ضمن أنواع متعددة من التعديلات الزراعية كإصلاح الحيازات، وإعادة التوزيع، وتحسين ظروف الحياة، لكنه يؤكد أن التجربة السورية جمعت بين هذه الأنواع في نظام متكامل.

يسير الفصل بشكل منهجي، فيبدأ بتحديد المبادىء الرئيسية التي قام عليها قانون الإصلاح الزراعي، وأولها تحديد الحد الأقصى للملكية الزراعية، حيث سمح القانون للمالكين بالاحتفاظ بـ 80 هكتاراً من الأراضي المروية أو المثمرة، و300 هكتار من الأراضي البعلية، مع رفع هذا الحد في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة إلى 400 هكتار للأراضي البعلية بموجب المرسوم التشريعي رقم (7). في المقابل، حدد القانون الحد الأقصى لما يمكن توزيعه على الفلاحين، بحيث لا تتجاوز حصة الفرد 8 هكتارات من الأراضي المروية أو 80 هكتاراً من البعلية. وينتقل الفصل بعدها إلى مبدأ المفعول الرجعي للقانون، الذي ألغى الاعتراف بالتصرفات التي أجراها الملاك لذويهم بهدف تهريب الملكية إذا لم تكن مثبتة التاريخ قبل 1 كانون الثاني عام 1958، وهو إجراء يشرحه المؤلف كرد فعل على تواطؤ الملاك لتفادي القانون.

يستعرض الفصل بعدها مبدأ التعويض، حيث نص القانون على أن تدفع الدولة تعويضاً للملاك عن الأراضي المستولى عليها، على أساس عشرة أمثال متوسط بدل الإيجار لدورة زراعية لا تتجاوز ثلاث سنوات. ويوضح أن هذا التعويض يُدفع على شكل سندات حكومية بفائدة 1.5%، تُستهلك خلال أربعين سنة، وأن الفلاحين المنتفعين هم من يسددون قيمة هذه السندات للدولة مع فوائد إضافية. ويشير المؤلف إلى أن هذا الأساس في التعويض مشابه لما هو معمول به في مصر والعراق. ثم يتناول الفصل مبدأ الملكية الفردية الموجهة، التي أقرها القانون لكن مع قيود واضحة، مثل إلزام الفلاح بزراعة الأرض بنفسه وبالعناية الواجبة، ومنع التصرف فيها قبل سداد كامل ثمنها، وذلك بهدف ضمان استمرار الإنتاج وحماية الاقتصاد الوطني.

يخصص الفصل حيزاً مهماً لتفصيل آلية التنفيذ، بدءاً من إلزام الملاك بتقديم إقرارات مفصلة بممتلكاتهم خلال ثلاثة أشهر، ثم صدور القرارات الأولية بالاستيلاء على الأراضي الزائدة عن الحد المسموح. يشرح المؤلف كيف واجهت مؤسسة الإصلاح الزراعي صعوبات في البداية بسبب تعدد الشركاء وعدم دقة الإقرارات، مما دفعها لإصدار قرار استيلاء شامل في 17 أيلول عام 1958 على جميع المخالفين. كما يصف بالتفصيل تشكيل لجان الاستيلاء الفرعية وإجراءاتها، من معاينة الأراضي وحصر المنشآت والآلات والأشجار، إلى تنظيم محاضر الاستيلاء ونشرها في الجريدة الرسمية للاعتراض عليها ثم اعتمادها نهائياً. وبحسب الفصل، تم الاستيلاء على مساحة 300 ألف هكتار حتى نهاية عام 1959، وكانت الخطة تهدف لتصفية جميع الأراضي الخاضعة خلال أربع سنوات، لكن الظروف السياسية حالت دون ذلك.

يستعرض الفصل أيضاً أهمية التعويض عن الملحقات والمنشآت والآلات والأشجار كجزء من عملية التعويض، ويشرح الإجراءات واللجان المختصة بتقدير هذه القيم والاعتراض عليها. ثم يتناول في جزء مفصل أبرز الاعتراضات والشكاوى التي قدمها الملاك، مثل اعتراضهم على المفعول الرجعي للقانون، وعلى عدم تصنيف الأراضي حسب إنتاجيتها، وعدم شمول القانون لجميع الأولاد في التنازلات، بالإضافة إلى مشكلة الديون المترتبة عليهم. ويصف المؤلف كيف كانت حالة الإفلاس المالي هي السمة الغالبة على كبار الملاك، مبيناً أن طلباتهم بتحمل الدولة لديونهم كانت محقة، وأن القانون رقم (205) جاء ليعالج هذه القضية بشكل جزئي، لكن المشكلة بقيت شائكة لضخامة الديون.

لا يغفل الفصل ذكر الصعوبات التي واجهت تنفيذ القانون، وعلى رأسها فقدان الإحصاءات الدقيقة للأراضي، وعدم وجود مسح شامل ومخططات للأراضي، وضعف الإمكانيات الفنية للمساحة، ونقص الكوادر الفنية والزراعية، وصعوبات المواصلات. ثم يتناول الفصل بالتفصيل إجراءات الاستيلاء على الأراضي، من حيث تسليم الإقرارات، وصدور قرارات الاستيلاء الأولية والشاملة، وتشكيل لجان الاستيلاء الفرعية ومهامها، والإجراءات العملية للمباشرة في الاستيلاء، وصولاً إلى اعتماد المحاضر ونشرها بشكل نهائي. ويشير المؤلف إلى وجود حالات من التواطؤ والتلاعب من بعض الملاك، مثل ادعاء أحدهم أن ملكيته موزعة على 57 من أبنائه وأحفاده للتهرب من القانون.

فيما يتعلق بإدارة الأراضي المستولى عليها، يشرح الفصل الإجراءات التي اتخذتها المؤسسة لحماية الإنتاج، ومنها تقديم القروض الزراعية للملاكين بضمان من المؤسسة، وتأجير الأراضي للفلاحين المتواجدين فيها ريثما يتم توزيعها، أو إدارتها مباشرة من قبل المؤسسة. ويقدم المؤلف مثالاً على نجاح الإدارة المباشرة، حيث أن إنتاج الهكتار الواحد من القطن في مزرعة المناجير بمحافظة الحسكة زاد بنسبة 50% عن المشاريع الخاصة المجاورة، مما شجع المؤسسة على توسيع هذا النهج. وأخيراً، يناقش الفصل قواعد وإجراءات التوزيع، مستعرضاً تجارب دول مختلفة مثل يوغسلافيا وفنلندا وإيطاليا وتشيكوسلوفاكيا وفي بولندا، ليصل إلى تحديد الأسس التي اعتمدتها سورية، مثل ترتيب الأولويات في التوزيع بناءً على الزراعة الفعلية وقلة المال، وتحديد الحجم المناسب للمساحة الموزعة، وضمان مرونة القواعد بما يتناسب مع ظروف القرى المختلفة.

في ختام هذا الملخص، تجدر الإشارة إلى أن الفصل يقدم سرداً تفصيلياً ومترابطاً لمراحل الإصلاح الزراعي في سورية، من الناحية التشريعية والتنفيذية، كما يبرز بوضوح التوترات والصراعات بين الأهداف الإصلاحية للدولة ومصالح كبار الملاك. ويُظهر الفصل أن تطبيق القانون واجه تحديات كبيرة، ليس فقط من قبل المعارضين له، بل من نقص البنية التحتية والإحصائية، ومع ذلك يؤكد المؤلف على نجاح تجربة الإدارة المباشرة للأراضي المستولى عليها كنموذج يمكن البناء عليه وتحقيقه لفائدة الاقتصاد الوطني.

4.الباب الثالث - الإصلاح الزراعي 2165–267▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول المراحل التنفيذية لقانون الإصلاح الزراعي في سورية، وما يعترضها من صعوبات وإجراءات تفصيلية، وصولاً إلى تنظيم الفلاحين في جمعيات تعاونية. يقدم المؤلف شرحاً وافياً لكيفية تطبيق القانون على أرض الواقع، مسلطاً الضوء على التحديات العملية التي واجهت عملية توزيع الأراضي، ثم ينقل القارئ إلى آليات فض المنازعات، وينتهي باستعراض نموذج التعاونيات الزراعية كأداة أساسية لتنظيم الإنتاج بعد التوزيع.

يبدأ الفصل بتفصيل الصعوبات التي اعترضت أعمال التوزيع، ومن أبرزها عدم اكتمال أعمال المساحة والتحديد في معظم القرى، حيث قلما تخلو قرية من شركاء على الشيوع، مما صعّب تحديد المساحات الخاضعة للاستيلاء وأراضي الفلاحين واضعي اليد. ويضرب مثالاً على ذلك بقرية حسيا والبربح في محافظة حمص، حيث لم يجد الفنيون سوى 1050 هكتاراً صالحة للزراعة من أصل 4300 هكتار مستولى عليها. كما يشير إلى صعوبة توزيع الأراضي الضعيفة الإنتاج أو البعيدة، والتي تُزرع بالآلات، إذ أن تقسيمها إلى حصص صغيرة يسبب خسارة كبيرة. ويضاف إلى ذلك عدم تنظيم الدورات الزراعية، وعدم وجود سجلات دقيقة للأسماء والعاملين لدى كبار الملاك، مما أعاق حساب متوسطات المحاصيل وتحديد أولويات التوزيع.

يستعرض الفصل بعدها المراحل الرئيسية لأعمال التوزيع، والتي تبدأ بدراسة شاملة للقرية من النواحي الزراعية والاقتصادية، وتشمل دراسة الملكيات والمساحات وأنواع الأراضي ودرجات خصوبتها ومصادر الري، وتنتهي بإعداد تقرير مفصل عن القرية. تليها مرحلة البحث الاجتماعي لاختيار المنتفعين، حيث تقوم لجنة البحث بتصنيف الفئات المستحقة وفق القانون، مثل المزارعين واضعي اليد والمزارعين الموسميين (الشكارجية والبساتنة) والعمال الزراعيين والمهاجرين المطرودين، مع دراسة حالة كل أسرة. وقد لجأ القائمون على التوزيع إلى أسلوب تقسيم الأسرة إلى أسر فرعية لمواجهة ضعف مردود بعض الأراضي، بحيث يعتبر رب الأسرة منتفعاً وابنه البالغ رب أسرة جديد، لضمان حصول كل أسرة على دخل يكفيها. ويضرب مثالاً بقرية عطيرة في محافظة حلب، حيث ارتفع عدد المنتفعين من 18 عائلة إلى 47 منتفعاً ليتناسب مع ضعف مردود الأرض.

كذلك، يتناول الفصل بالتفصيل الأعمال المساحية والفنية التي تقوم بها دوائر المساحة، والتي تعد أصعب مراحل الإصلاح الزراعي. ففي الأراضي التي سبق أن أجريت عليها أعمال التحديد والتحرير، تبدأ الأعمال بتوقيع العقارات المستولى عليها على المخططات، ثم تصنيف الأراضي على الطبيعة. أما في الأراضي التي لا توجد لها مخططات، فلا بد من إجراء تخطيط مبدئي أولاً، وتحديد الحدود بحضور الملاك المجاورين والهيئة الاختيارية للقرية، وتنظيم محاضر بذلك، قبل الشروع في أعمال التصنيف. وتجري جميع هذه العمليات في مديرية التحسين العقاري المركزية، التي تستلم المخططات والتقارير لتقوم بتقسيم الأراضي على المنتفعين، وتحديد حصصهم بدقة، وإعداد قوائم نهائية تُحرر على أساسها شهادات التمليك.

فيما يخص حل الخلافات، يشرح الفصل تشكيل لجان قضائية خاصة، تتكون من قاضٍ يرأسها وعضو من المصالح العقارية وآخر من مؤسسة الإصلاح الزراعي، للفصل في المنازعات المتعلقة بالملكية والتوزيع. وقد صدر مرسوم تشريعي لاحق عدّل شكل اللجنة لتصبح من ثلاثة قضاة متفرغين، وذلك لتسريع البت في القضايا المتراكمة. ويوضح المؤلف أن هذه اللجان لا تتقيد بأحكام المرافعات، وقراراتها لا تصبح نهائية إلا بعد تصديق مجلس الإدارة، ولا تقبل الطعن. ويذكر أن عدد محاضر التحديد والتحرير المتراكمة في محافظة الحسكة وصل إلى 11 ألف محضر، مما استلزم تشكيل أكثر من لجنة هناك.

أخيراً، ينتقل الفصل إلى الحديث عن التعاون الزراعي كأداة لتنظيم المنتفعين بعد التوزيع، حيث نص القانون على وجوب تكوين جمعية تعاونية زراعية في كل قرية شملها الإصلاح. ويستعرض المؤلف نماذج من التعاونيات في بلدان أخرى مثل إيطاليا وهولندا والمكسيك ويوغوسلافيا، ويفرد مساحة أكبر لنموذج الاتحاد السوفياتي ونظام الكولخوز لبيان الفروق. أما في سورية، فالجمعيات التعاونية إلزامية ومشرف عليها ومتعددة الأغراض، إذ تشرف عليها مؤسسة الإصلاح الزراعي من خلال مشرف تعاوني تتمثل مهمته في إرشاد الفلاحين وتنظيم الزراعة وتسويق المحاصيل. وتدير هذه الجمعيات هيئات ثلاث: الجمعية العمومية، ومجلس الإدارة المنتخب، والمشرف التعاوني المعين من الوزارة، مع نظام داخلي يحدد أحكام العضوية والمال والعمل في هذه الجمعيات.

في النهاية، يقدم الفصل صورة متكاملة عن تعقيدات تطبيق الإصلاح الزراعي، ويظهر أن الهدف لم يكن مجرد توزيع الأرض، بل بناء نظام متكامل يشمل التخطيط الدقيق، والرقابة القضائية، والتنظيم التعاوني لضمان استدامة الإنتاج وتحسين حياة الفلاحين.

5.تنظيم العلاقات الزراعية267–287▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل المحوري موضوع تنظيم العلاقات الزراعية في سورية، ويقدّم قراءة تحليلية نقدية لقانون تنظيم العلاقات الزراعية، مركزاً على الفئات الأساسية التي يقوم عليها الإنتاج الزراعي: العمال الزراعيين والمزارعين، والعلاقة التعاقدية التي تربطهم بأرباب العمل. يتمثل الجواب الرئيسي الذي يقدمه المؤلف في أن هذا القانون، رغم كونه خطوة تقدمية ضرورية وأساسية لضمان العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأضعف في العلاقة الإنتاجية، إلا أن تطبيقه واجه صعوبات جمة حالت دون تحقيق أهدافه بالكامل، ويبقى هذا القانون إطاراً نضالياً مهماً للعمال والمزارعين للمطالبة بحقوقهم.

يسير المؤلف في بناء حجته خطوة بخطوة، مبتدئاً بالتفصيل في أوضاع العمال الزراعيين كما ينظمها القانون. يشرح أن القانون عرّف العامل الزراعي بأنه كل رجل أو امرأة أو مراهق يعمل في عمل زراعي لقاء أجر، وقسمهم إلى三类: عامل موقت، وعامل موسمي، وعامل سنوي. ومن اللافت أن المؤلف يدافع عن عدم تمييز القانون بين فئات أرباب العمل، سواء كانوا ملاكاً كباراً أو صغاراً أو مستثمرين، مبرراً ذلك بأن مصلحة العامل والمصلحة الاجتماعية والإنتاجية تقتضي المساواة في المعاملة والأجور، نافياً بذلك أي مبرر لدفع أجور أقل للعامل الذي يعمل لدى مالك صغير. وقدّم حجة إضافية بأن بعض الفلاحين وصغار الملاك يتاجرون بالعمال ويستغلونهم لتحقيق أرباح من فرق الأجور، مما يتعارض مع أهداف أي إصلاح زراعي.

يواصل الملخص عرض الأحكام التفصيلية للقانون المتعلقة بالعمال، والتي تشمل اشتراط ألا يقل عمر العامل عن ثماني عشرة سنة، ومنع التعاقد مدى الحياة أو لأكثر من خمس سنوات حمايةً له، وإلزام رب العمل بتوفير شروط السلامة. كما يذكر الملخص أن القانون منع تشغيل الأطفال قبل الثانية عشرة من العمر، وأعطى العاملات الحوامل إجازة ولادة مدتها خمسون يوماً. وفيما يخص الأجور، ألزم القانون بتشكيل لجان في مراكز المحافظات لتحديد حد أدنى للأجور، تضم مندوبين عن وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والزراعة وأرباب العمل والعمال، على أن تراعي هذه اللجان مستوى تكاليف المعيشة ومردود العمل. وفرض القانون غرامات على المخالفات تتراوح بين عشرة [يحتاج تحققاً] و500 ليرة سورية، وحدد الحجز على الأجور بحدود نصف الأجر للنفقة وثلثها لدين المهر وعشرة بالمائة لباقي الديون، معتبراً ديون العمال على أرباب عملهم ديوناً ممتازة.

يتطرق الملخص أيضاً إلى تنظيم القانون لساعات العمل، حيث يذكر المؤلف أنه كان عادلاً مقارنة بالدول الأخرى، مستشهداً بجدول يوضح متوسط عدد ساعات العمل السنوي واليومي في دول متعددة مثل إيطاليا، وبريطانيا، وفرنسا، والمكسيك، والدانمرك، وغيرها. كما نظم القانون الراحة الأسبوعية والإجازات السنوية مدفوعة الأجر بعد عشرة أشهر من العمل، وألزم أرباب العمل الذين يستخدمون مئة عامل أو أكثر بالتعاقد مع طبيب وممرض، ووضع شروطاً صحية وأخلاقية للسكن، ونظم عملية الإخلاء بمنح مهلة شهرين لمن يسكن مع عائلته. وبخصوص إنهاء عقود العمل، فصّل القانون الحالات التي يجوز فيها لرب العمل إنهاء العقد دون إنذار، مثل اعتداء العامل على رب العمل أو إهماله الفادح، وحدد حق العامل في فسخ العقد لأسباب خطيرة مثل نقص الأجر أو إساءة المعاملة، وأقر تعويض تسريح يعادل أجر شهر عن كل سنة خدمة، مع الحرص على حماية العامل في فترة الموسم العاطل. ولم يغفل القانون جانباً تنظيمياً مهماً وهو السماح بتكوين نقابات زراعية ومكاتب استخدام مجانية، مع حظر الإضراب بشكل قاطع.

بعد ذلك، ينتقل الملخص إلى القسم الثاني من الفصل الذي يتناول المزارعين، حيث يبين أن القانون قسمهم إلى صنفين رئيسيين: المزارع الشريك الذي يربطه برب العمل عقد خطي يمنحه نسبة من الإنتاج، والمزارع بالبدل الذي يدفع إيجاراً نقدياً أو عينياً مقطوعاً. ويوضح المؤلف أن الهدف من هذا التمييز هو إدخال الفلاحين الذين يعملون بأيديهم تحت حماية القانون، وتمييزهم عن المستأجر العادي أو المستثمر الممول، وقد أدى هذا التمييز إلى بعض الالتباس في التطبيق. ويشير الملخص إلى أن القانون حدد أنواع الأراضي (بعلية، مروية، بستان، كرمة، حراجية) لأن ذلك يحدد حقوق وواجبات الأطراف، ونص على أن تكون عقود المزارعة خطية ولمدة دورة زراعية قابلة للتجديد، وحدد الحالات التي يجوز فيها فسخ العقد، مثل إلحاق ضرر بالأرض أو إثبات سوء النية، مع إعطاء المزارع حق العودة للأرض إذا لم يستثمرها المالك خلال سنة. كما حدد القانون الحدود القصوى لحصة رب العمل من الإنتاج، حيث لا تتجاوز عشرين بالمائة في الأراضي البعلية، ونسباً محددة في الأراضي المروية، مع ضمان حد أدنى لحصة المزارع في محاصيل مثل القطن والخضار والتبغ، وهو ما اعتبره المؤلف حماية ضرورية لمزارعي التبغ، خصوصاً في محافظة اللاذقية. ومن أهم النصوص التي يبرزها الملخص، تخصيص قطعة أرض في كل قرية لكل فلاح لبناء مسكن، وهو نص اعتبره المؤلف هاماً جداً لاستقرار الفلاحين، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن سوء تطبيق بعض النصوص، خاصة المتعلقة بفسخ العقود، أدى إلى إقامة دعاوى جماعية من الملاك ضد الفلاحين وخلق حالة من عدم الاستقرار والذعر.

أخيراً، يضع الملخص القانون السوري في سياق مقارن، فيذكر أن المؤلف استعرض تجارب دول أخرى في تنظيم الإيجار الزراعي، مثل الدانمرك والنرويج وسويسرا والصين ومصر، والتي تشترك جميعها في هدف تحقيق الاستقرار للمزارع وتحديد حصة عادلة له وحمايته من استغلال رب العمل، مع اختلاف الأساليب والتفاصيل. ويختتم الملخص بالعودة إلى تقييم المؤلف للقانون، حيث يعترف بالصعوبات التي حالت دون تطبيقه بشكل كامل، مثل زيادة اليد العاملة، وسنوات الجفاف، وضعف الجهاز الإشرافي، والروتين الحكومي، ومعارضة تشكيل النقابات، لكنه يرفض بشكل قاطع فكرة أن القانون جاء قبل أوانه أو أنه لا ينسجم مع الواقع، معتبراً أن هذه النصوص هي أقل ما يجب للعامل الزراعي، وتبقى مجالاً واسعاً للنضال لتحقيق أحكامها، تماماً كما حدث في جميع قوانين العمل في العالم التي طبقت على مراحل. وبذلك، يقدم المؤلف حجة قابلة للنقاش حول فعالية النصوص القانونية في غياب بنية تطبيقية قوية وإرادة سياسية، حيث يرى فيها إطاراً نضالياً بينما قد يراها آخرون مجرد حبر على ورق.

6.المشروعات الحكومية الملحقة بالإصلاح الزراعي287–305▼ ملخص

يُخصص هذا الفصل لاستعراض المشروعات الحكومية الملحقة بالإصلاح الزراعي، والتي أُنشئت قبل قيام الإصلاح الزراعي ثم رُبطت به لاحقاً نظراً لتلائم أهدافها مع أهدافه العامة، ويتناول بالتفصيل مشروعين رئيسيين هما مشروع الغاب ومشروع الروج، مع إلقاء الضوء على التطورات التشريعية المرتبطة بهما.

يبدأ الفصل بالتركيز على مشروع الغاب واصفاً إياه بأنه يحتل مكانة بارزة بين المشاريع الإنمائية في سورية، لما يُنتظر منه من نتائج اقتصادية واجتماعية عظيمة. ويقدم وصفاً جغرافياً وجيولوجياً دقيقاً لوادي الغاب، الذي يقع في منخفض رسوبي يمتد من مضيق سيجر عند منبع نهر العاصي حتى سبعة كيلومترات جنوبي جسر الشغور، ويحده من الجنوب تلال حماه ومصياف ومحردة، ومن الشمال جبل الزاوية، ومن الشرق جبل الزاوية، ومن الغرب جبال العلويين. تبلغ مساحة سهل الغاب حوالي 37,000 هكتار، ويتراوح عرضه من الشرق إلى الغرب حوالي 11 كيلومتراً، ويشبه سطحه سطح بحيرة، والواقع أن هذا الوادي كان فيما مضى بحيرة جف جزء منها وتحول الجزء الآخر إلى مستنقعات تقدر مساحتها بـ 10,000 هكتار. يوضح المؤلف أن أسباب تكوّن المستنقعات تعود إلى سوء تصريف المياه بسبب ارتفاع مصاطب مجرى العاصي عن مستوى بقية سهول الوادي، ووجود عتبة بازلتية عند قرية الكفير تقاوم التفتت وتمنع الانخفاض الطبيعي لمستوى النهر.

يذكر الفصل أن فكرة تجفيف الغاب قديمة، إذ تعود إلى زمن السلطان العثماني عبد الحميد، ثم طرحت مجدداً حوالي عامي 1925 و1930 أيام الاستعمار الفرنسي بهدف إسكان الآشوريين، لكن الظروف لم تسمح بتنفيذها. وبعد الجلاء، صدر القانون رقم 122 في كانون الثاني 1953 القاضي بإحداث مؤسسة الغاب، ثم صدر المرسوم رقم 719 لتعيين مجلس الإدارة، ووضع نظام التأسيس بالمرسوم رقم 121 بتاريخ يناير 1956. وفي أبريل (نيسان) سنة 1955، وُضعت دراسة تمهيدية للمشروع تناولت تجفيف مستنقعات الغاب، وإيجاد الطرق المثلى لتأمين الري، وإنشاء الخزانات اللازمة، وتعيين مواقع القرى النموذجية المقترحة، ووضع برنامج لاستصلاح الأراضي، ودراسة أفضل الطرق لتقسيم الأراضي حسب حاجات المشروع، ودراسة وسائل تربية الأسماك.

يتناول الفصل الأعمال المنفذة في المشروع، والتي قُسمت إلى قسمين: الأول يتناول ري سهول عطارة والمشارقة وتبلغ مساحته 70,000 هكتار، والثاني يتناول سهل الغاب الذي بدئ بتنفيذه أولاً منذ عام 1956، ويُنتظر أن يتم في عام 1967. من هذه الأعمال: تعميق وتوسيع مجرى نهر العاصي بين قرقور والكفير، وتكسير العتبة البازلتية المقدرة بـ 186,000 متر مكعب من الصخر البازلتي، وتحويل مجرى نهر العاصي بالكامل اعتباراً من قرية عمورين جنوبي الغاب إلى الأراضي المتخففة، وإنشاء قناتي تصريف رئيسيتين. ويستعرض الفصل كذلك تفاصيل إنشاء السدود وأحواض التخزين، حيث اختير موقعان لإنشاء السدود: أحدهما في الرستن بين حمص وحماة بسعة خزان تبلغ 70 مليون متر مكعب من الماء، وارتفاع كلي حوالي 37 متراً وطوله 450 متراً، وقد تعاقدت الحكومة مع الشركة البلغارية (تكنو إمبيكس) لإنشائه في تموز سنة 1956، وبدأ تنفيذه اعتباراً من أول آب 1956، وقد أُنشئ في آخر عام 1961، وتقدر تكاليف إنشائه بحوالي 41 مليون ليرة سورية. أما سد محردة، فهو سد تخزيني تنظيفي القصد منه استيعاب مياه الفيضانات العالية لنهر العاصي ودرء الفيضانات عن الأراضي الزراعية، وتقدر سعته بحوالي 15 مليون متر مكعب من الماء، وارتفاعه عند القمة 15 متراً وطوله 111 متراً. كما توجد منشآت أخرى مثل سد العشارنة وسدود تحويل أخرى، وشبكات ري تتألف من أربعة قنوات رئيسية من البيتون بأطوال مختلفة تروي مساحات شاسعة من الأراضي.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن استثمار الغاب في مرحلته الراهنة، مشيراً إلى أن الفلاحين لم ينتظروا انتهاء المشروع، بل كانوا يهجمون على الأرض ويضعون أيديهم عليها، مما اضطر إدارة المشروع لإيجاد طريقة مؤقتة لتنظيم الاستثمار. وكانت الإدارة ترخص للفلاحين جماعات باشغال قطع مختلفة المساحة مقابل رسم معين عن كل دونم يتراوح بين 5 و10 ليرات سورية. ويعرض الفصل إيجابيات هذا الاستثمار المؤقت كإيجاد عمل لأكثر من خمسة آلاف عامل، والمساهمة في زيادة الدخل القومي بما لا يقل عن 15 مليون ليرة سورية في العام عندما بلغت المساحة المرخص باشغالها لعام 1958 حوالي 30,000 دونم، وإيجاد واردات للخزينة لا تقل عن 21 مليون ليرة سورية في العام. لكنه يعرض بالتوازي المحاذير والعيوب الكثيرة لهذا النظام، مثل تدخل الرأسماليين برغبة تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح، وهجوم الفلاحين على الأراضي وحرقهم القصب مما أدى إلى إتلاف مساحات كبيرة، وعدم إجراء أبحاث اجتماعية على مقدمي طلبات الترخيص مما أدخل غير المستحقين، وقيام الممولين بزراعة مساحات شاسعة دون تأمين المياه اللازمة لها، وبناء بيوت بشكل عشوائي لا يتلاءم مع خطة المشروع التحويلية لمنطقة نموذجية، وضياع حقوق كثير من الفلاحين الضعفاء بسبب التواطؤ بين الأقوياء والممولين. ولم تستطع إدارة مشروع الغاب حل هذه المشاكل لعدم وجود جهاز فني زراعي مختص، ولذلك رُئي بعد أن قطع المشروع مرحلة حاسمة أن يوكل أمر الاستثمار إلى وزارة الإصلاح الزراعي التي صدر القرار رقم 114 بإسناد استثمار الغاب إليها. وقد تسلمت الوزارة الأمر في بداية الموسم الزراعي 1963، واتخذت خطوة حاسمة بإلغاء نظام الممولين اعتباراً من موسم عام 1964-1965، وصدر القانون رقم 88 لعام 1965 الذي منع نزع المحركات الآلية في الغاب. كما أُجري بحث اجتماعي شامل في عام 1964 لكافة المرخصين، وأعيد الترخيص للمستحقين الذين بلغ عددهم بحدود 12,000 أسرة. ومع ذلك، يعترف الفصل بوجود مشكلات كبيرة تعترض توزيع أراضي الغاب، مثل تداخل الاملاك الخاصة مع العامة، ومشكلة القنوات الثلاثية والرباعية، وكيفية تنظيم الري والوقاية، ومشكلة الملكيات الشاسعة والصغيرة المسجلة باسم المورثين.

في ختام الفصل، ينتقل المؤلف إلى الحديث عن مشروع مرسوم تشريعي رقم 67 لعام 1971 يقضي بإلغاء القانون رقم 92 تاريخ 31/5/1966 والعودة للعمل بأحكام القانون رقم 161 لعام 1958 مع بعض التعديلات. يشرح المؤلف الأسباب الموجبة لهذا المشروع، معتبراً أن الفكرة الأساسية في قانون الإصلاح الزراعي هي إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من صغار الفلاحين ليتمتعوا بملكية الأرض، وأن تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي إعادة النظر في التشريعات الجديدة. ويشير إلى أن عمل الإصلاح الزراعي قد جمد خلال الفترة الزمنية الواقعة بين 1965 وتاريخ صدور القانون الجديد رقم 92 بتاريخ 31/5/1966، وأن أغلبية الشعب وبخاصة المجتمع الريفي قد قاطعت هذا القانون الجديد المعدل لأن نصوصه تسلب حقوق بعض الفلاحين المنتفعين وتحرم فئة أكبر من الوصول إلى حقوقهم، كما أنه منح فئة معينة مزايا غير معقولة على حساب فئة أخرى من المواطنين. لذلك رأت الوزارة ضرورة إعادة العمل بأحكام القانون رقم 161 لعام 1958 مع بعض التعديلات الجوهرية التي لا تتعارض مع هدف الشارع، وهي: إعطاء المالك حق التنازل لكل من زوجاته وأولاده مهما كان عددهم، ورفع الحد الأعلى للملكية في الأراضي البعلية في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة فأصبحت 300 هكتار للمالك بدلاً من 200 هكتار، و40 هكتاراً للمنتفع بدلاً من 30 هكتاراً، وجعل مدة التعويض على الملاكين عشر سنوات بدلاً من أربعين سنة، وتعديل اللجنة القضائية لتكون محكمة خاصة مؤلفة من قضاة ثلاث، واعتبار تصرف مياه الآبار الواجب اعتباره أرضاً مروية بـ 2.5 لتر للهكتار في الثانية، ووضع قيد احترازي على الأراضي في السجلات العقارية فوراً لتأمين بقاء الأرض في حيازة المنتفع وعدم خروجها منه. يؤكد الفصل أن هذا المرسوم التشريعي يستهدف عدم الإخلال بالحقوق المكتسبة للفلاحين المنتفعين والحفاظ عليها وحمايتهم من أي إجراء قد يتخذ لتهجيرهم من الأراضي التي اكتسبوا حقاً عليها، مع عدم المساس بجوهر القانون المتعلق بتحديد الملكية الزراعية. وينتهي الفصل بعرض نصوص المادة الأولى من القانون مع تعديلاتها، التي تحدد سقف الملكية بـ 80 هكتاراً في الأراضي المروية والمشجرة و300 هكتار في الأراضي البعلية، وتعريف الأراضي المشجرة بالزيتون أو الفستق الحلبي ضمن شروط محددة.

يمكن القول إن هذا الفصل يقدم سجلاً تفصيلياً لجهود الدولة السورية في استصلاح وادي الغاب وتحويله من منطقة مستنقعات إلى أرض زراعية منتجة، ويبرز التحديات الإدارية والاجتماعية التي واجهت هذه الجهود، كما يسلط الضوء على التطورات التشريعية المتعلقة بقوانين الإصلاح الزراعي وتعديلاتها، مما يعكس الطبيعة التجريبية والمتغيرة لهذه السياسات في مواجهة الواقع المعقد.

التحليل والكلمات المفتاحية