المورد
العرب والبرابرة: المسلمون والحضارات الأخرى

العرب والبرابرة: المسلمون والحضارات الأخرى

عزيز العظمة١ كانون الثاني ١٩٩١ar

يطرح كتاب "عزيز العظمة - العرب والبرابرة, المسلمون والحضارات الأخرى" سؤالاً محورياً حول كيفية تعريف الحضارة العربية الإسلامية بالحضارات الأخرى، الصينية والهندية والأفريقية والتركية والسلافية والأوروبية، ويميز بين مستويين للمعرفة: الأول هو الاحتكاك العملي اليومي الذي ينتج التجربة والتعرّف المباشر، والثاني هو المعرفة التي يعيد تشكيلها المشاهدةُ وفق مفاهيم الثقافة العربية ذاتها. يرى المؤلف أن هذه المعرفة لم تكن سجلاً للمشاهدة فحسب، بل كانت إعادة تشكيل للمشاهدة نفسها استناداً إلى مسبقات ثقافية وضرورات عملية وتراث أدبي وجغرافي، إضافة إلى المخيلة الأسطورية والخرافية التي أثرت في التصورات العامية عن الأقوام الأخرى. فالموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك الطريقة التي نظرت بها الحضارة العربية الإسلامية إلى الأمم الأخرى، والتي تمحورت حول "تسوير الذات" بإقامة النقائض والفروق، فالذات هي "السوية" المتحضرة، والآخر هو "الهمجية" المنطقية للغير.

يبني المؤلف حجته من خلال الانتقال من العام إلى الخاص، فبعد أن يرسم في المقدمة خريطة امتداد دولة الخلافة وعلاقاتها التجارية الواسعة التي توسطت العالم المعروف في عصرها، ينتقل إلى تحليل التصورات الجغرافية التي قسمت العالم إلى أقاليم مناخية، ويبين كيف أن هذه التقسيمات لم تكن علمية محايدة، بل صيغت لتخدم مركزية الحضارة الإسلامية وتراتبية الأمم داخلها. ثم يخصص فصلاً كاملاً لـ"اثنوغرافيا الحضارة" التي تتعامل مع الأمم المنظمة والمتحضرة كالصين والهند وبيزنطة بدرجة من الاحترام، بينما ينتقل بعدها إلى فحص "الشعوب المقاتلة" كالأتراك والروس والصقالبة التي كانت تنظيمها الداخلي صارماً لكن علاقاتها الخارجية همجية، ليصل أخيراً إلى دراسة "الهمجية بين هوامش البشرية ونقائضها"، حيث يتم وصف الأمم التي تقع خارج حدود الإنسانية نفسها عبر مخلوقات خيالية وأساطير مثل يأجوج ومأجوج. وهكذا يسير الكتاب في مسار هرمي من الحضارة إلى الهمجية المطلقة، موضحاً أن المعرفة بالآخر كانت مشروطة بأيديولوجيا تقوم على تسوير الذات بإقامة النقائض والفروق.

يقدم الكتاب ثروة من الأرقام والوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها، فهو يذكر أن العلاقات التجارية مع الصين استقرت في مدينة كانتون التي عرفها العرب باسم "خانفو"، وأن العلاقات اضطربت بسبب الغزوات الإسلامية لشاطئ السند، واستقرت مجدداً حتى احتلت هوانغ تشاو المدينة في العام 874 وقضى على الجالية المسلمة فيها، كما وصلت حملات بحرية صينية بقيادة الخصي المسلم شينغ هو إلى هرمز وعدن والصومال في الأعوام 1417 و1421 و1431[يحتاج تحققاً]. ويصف المؤلف رحلة بحرية من الخليج إلى الصين تستغرق ستة أشهر ونصف، ويفسر تفضيل الطريق البحري على البري لأسباب أمنية واقتصادية، ويذكر معركة نهر طلس جنوب بحيرة بالكاش في العام 751 التي أنهت الحملات العسكرية الصينية. وينتقل إلى تجارة الرقيق التي قامت عليها الدولة السامانية، مشيراً إلى أن الدرهم الساماني وصل إلى ماينتس في ألمانيا في القرن العاشر، وأن كييف كانت نقطة وصل مع أوروبا الوسطى.

يستعرض الكتاب تطور الكتابات الجغرافية العربية، فيذكر أن أول من كتب في المسالك والممالك كان أبا عباس جعفر بن أحمد المروزي (ت 881م)، وأهمهم ابن خرداذبة الذي ألف كتابه في العام 847، ثم اليعقوبي والجيحاني والبلخي والأصطخري، ويؤكد أن هذه الأعمال تميزت بالصرامة لكنها اقتصرت على ممالك الإسلام بوصفها أدلة عملية لموظفي الدولة، بينما كتب بعدهم البكري والإدريسي وابن سعيد عن مسالك شمال وغرب أفريقيا وأوروبا بموضوعية ودقة. ويحلل المؤلف رحلة ابن فضلان الذي ذهب إلى ملك البلغار في العامين 921 و922، وقرأ وصفه للشفق القطبي بوصفه مثالاً على خلط المشاهدة بالخيال الأسطوري، فقد فسره بأنه حرب بين كفار الجن ومؤمنيهم، بدلاً من تفسيره ظاهرة طبيعية لم يعهدها. ويمثل المسعودي في نظر المؤلف تحولاً مهماً في هذه الأدبيات، ففي فترة انقطعت فيها الصلات المباشرة مع الصين، تحولت أخبارها إلى العجائب والغرائب، ويتمثل في المسعودي (ت 956م) المزيج من الواقعية والخرافة.

يكرس الكتاب فصلاً لدراسة "اثنوغرافيا الحضارة" التي تميز بين الأمم المتحضرة والهمجية، ويوضح أن المعيار الأساسي للتصنيف لم يكن الدين بل مستوى التمدن والتنظيم السياسي والاجتماعي، فتعامل المؤلفون العرب مع حضارات كالصين والهند بدرجة من الاحترام والتقدير، بينما وصفوا الشعوب التي اعتبروها "همجية" كالترك والزنوج بصفات سلبية مبالغ فيها. ففي القسم المتعلق بالصين، يلاحظ المؤلف غنى التفاصيل حول نظمها الإدارية والعدلية، التي قُدّمت كمثال على العدل المؤسسي المستقل عن شخص الحاكم، وهو ما يتناقض مع الوضع في ممالك الإسلام، لكنه يلفت إلى أن بعض هذه الروايات تم تعديلها لتتناسب مع توقعات الكتاب العرب. أما الهند، فتحتل حيزاً كبيراً نظراً لقربها الجغرافي وتنوعها الداخلي، حيث لاحظ الكُتّاب نظام الطبقات وإن لم يفهموه بدقة كاملة، واهتموا بعادات الهنود في الطهارة والزواج والطعام، وبعض طقوسهم الدينية المتطرفة التي استبشعوها مثل حرق النفس، بينما كان هناك اعتراف واسع بالبراعة الهندية في الحساب والفلك والطب. أما بيزنطة، فظهرت في الكتابات العربية كجهاز سياسي وعسكري صرف، أكثر من كونها مجتمعاً بشرياً بحياته وعاداته، بسبب حالة الصراع الحربية الطويلة التي جعلت منها النقيض الحيوي للإسلام، فكانت "معروفة ومجهولة" في آن واحد. أما أوروبا الغربية والوسطى، فكانت أخبارها نادرة ومشتتة، ووصفت بأنها تخوم للهمجية والوحشية.

ينتقل الكتاب بعدها إلى دراسة "الشعوب المقاتلة بين الوحشية والهمجية"، وهي الشعوب الشمالية التي لم تكن همجية بالمعنى الكامل، بل كانت شعوباً مقاتلة ذات بنى داخلية صارمة ومنظمة، تتصف بالهمجية في علاقاتها الخارجية لا في تنظيمها الداخلي. يقسم المؤلف هذه الشعوب إلى ثلاث أمم كبرى: الترك، والصقالبة (السلاف)، والإفرنجة ومن يجاورهم، ويبدأ بالحديث عن الشعوب التركية التي تميزت بكونها داخلة في الإسلام وخارجة عنه في آن معاً، فهم عساكر وحماة للخلافة، لكنهم أيضاً مصدر رقيق وقلق متواصل. ويخصص حيزاً مهماً لدولة الخزر التي تهودت في عهد هارون الرشيد، ويصف نظامها السياسي المزدوج القائم على خاقان ذي وظيفة رمزية وملك (بك) ذي سلطة فعلية، وهو النظام الذي لم يستوعبه المؤلفون العرب وأوردوه وصفاً دون تعليق. ثم ينتقل إلى الحديث عن الصقالبة والروس، فيستعرض صفاتهم المتناقضة، فهم أمة عظيمة لا تنقاد إلى ملك، وفي الوقت نفسه لديهم ملك يقيم في قصره مع أربعمائة من صناديد أصحابه، وهم أقذر خلق الله في عاداتهم لكنهم يحسنون إلى الغرباء. وينتهي الفصل بالحديث عن الإفرنجة، مشيراً إلى أن الصورة المتداولة عنهم كانت نمطية وقليلة التفاصيل بسبب بُعد بلادهم وقلة الاحتكاك المباشر بهم قبل الحروب الصليبية، فكانت المعرفة عنهم استراتيجية تهدف لإذكاء روح العداء.

يبلغ الكتاب ذروته في الفصل الخاص بـ"الهمجية بين هوامش البشرية ونقائضها"، حيث ينتقل من الهمجية الواقعية نسبياً في أطراف العالم المعروف إلى بناءات خيالية وأسطورية تجسد النقيض المطلق للحضارة. يبدأ المؤلف بوصف "الهمجية الحقة" في أقصى الشمال، مثل شعب الخوتان الذي يأكل لحوم البشر، والخرخيز الذين يتناكحون كالبهائم ويتركون موتاهم دون دفن، ومن أشد علامات الهمجية نبذ الحد الأدنى من التأنس الذي تقوم عليه العلاقات التجارية، مثل أشكال المقايضة الصامتة بين تجار متمدنون وأمم متوحشة لا يرون بعضهم البعض. ثم ينتقل إلى الهمجية في الجنوب الأفريقي، حيث يكثر الكلام عن أكل لحوم البشر وغياب النظم الاجتماعية، ويستخدم مثالاً مهماً من الإدريسي عن استيراد السودان لأفراد من أمم مجاورة وبيعهم للنخاسين العرب، معلقاً بأن مجتمعاً يستخدم الرق بكثافة لم يكن معنياً بتبريره مثل المجتمعات الأوروبية الحديثة. وتبلغ فكرة النقيض المطلق ذروتها في النقاش المطول حول يأجوج ومأجوج، الأمم التي حجزها ذو القرنين خلف سد عظيم، والذين يوصفون بأنهم قصار القامة عراض الوجوه، بأنياب كأنياب السباع، يتسافدون كالبهائم، ويتميزون بتكاثر هائل، وسيخرجون في آخر الزمان لتدمير الحضارة. وينقل الفصل النص الشهير لسلام الترجمان الذي أرسله الخليفة الواثق بالله ليتفقد السد، وهو نص يمتاز بإفراط في التحديد والمقاييس الدقيقة، ويعلق المؤلف بأن هذه الرحلة تجمع بين التجربة الحقيقية المحتملة، فقد تكون الزيارة شملت جزءاً من سور الصين العظيم، وبين الموضوع الخيالي الذي يُسقط عليه ما سمعه، وأن سلام "لم يكذب فيما قاله" بل اعتقد أنه سمع همهمة يأجوج ومأجوج بناءً على ما كان يحمله من أفكار مسبقة.

يقر المؤلف في الخاتمة بأن هذه المعرفة لم تكن معرفةً موضوعية أو بريئة، بل كانت مشروطة بأيديولوجيا تقوم على تسوير الذات بإقامة النقائض والفروق، وأن هذه المعرفة كانت متدرجة، ففي حين حظيت بيزنطة بمعرفة "استراتيجية" نابعة من التماس المباشر، وُصفت شعوب أخرى بمعرفة "النوادر" القائمة على الإمتاع والإغراب، لتظل كلها في النهاية علامات على المدنية والأصالة العربية أو على الهمجية والتنافر معها. وي criticises المؤلف نظرية أن الحضارة تعني "القبول بشيء من المساواة" مع الأمم المنظمة التي لا يمكن استباحتها، بينما الهمجية تعني التفاوت والسيطرة على شعوب تُعتبر "منحرفة"، ويقر بأن المشاهدة ليست محايدة أبداً، فلكل مشاهد "مسبقات ذهنية وسياسية ونفسية وأسطورية تحكم كيفية المشاهدة". ويوسع المؤلف نطاق النظرية ليشمل ثقافات أخرى، مؤكداً أن هذا التسوير ليس مقتصراً على الثقافة العربية، بل هو فعل إنساني عام، فالثقافة الهندية وسمت من عداها بالبربرية، واليونانيون وسموا غيرهم بالبربرية، لكنه يستدرك ليؤكد أن الثقافة العربية كانت أكثر انفتاحاً وأقل تقوقعاً، فقد كانت مسرحاً للتاريخ العالمي في زمانها، على الرغم من أنها لم تكن ثقافة إنسانية شاملة بل كانت "ثقافة متفتحة عارفة ولكنها لم تكن سمحة".

إن كانت هناك حجج قابلة للنقاش في هذا الكتاب، فهي تكمن في الكيفية التي وظف بها التنظير الجغرافي لإضفاء شرعية على التراتبية الثقافية، فالنص لا يكتفي بعرض الأفكار بل يحللها بوصفها بنى أيديولوجية تعكس علاقات القوة السائدة، وقد يرى بعض القراء أن هذه القراءة الأنثروبولوجية الحديثة قد لا تكون مطابقة تماماً لما كان يعتقده المؤلفون العرب أنفسهم، الذين ربما كانوا يرون الأمر مجرد وصف للواقع لا تنظيراً أخلاقياً. كما أن تعميم موقف "الكتّاب العرب" ككتلة واحدة في بعض الأحيان قد يتجاهل الاختلافات الفردية الكبيرة بينهم، كالفرق بين النظرة العملية لسليمان التاجر والنظرة الفلسفية للبيروني. ومع ذلك، يقدم الكتاب تحليلاً ثرياً ومعقداً لكيفية تشكل المعرفة عن "الآخر" في سياق تاريخي وثقافي محدد، وكيف تتشابك عوامل القوة والسياسة والدين والمصالح في بناء الصور الذهنية عن الأمم الأخرى، وهو إسهام مهم لا يزال يثير أسئلة راهنة حول كيفية نظرنا نحن اليوم إلى الحضارات والشعوب الأخرى.

الفصول(6)

1.مقدمة: بين المشاهدة والمعرفة16–46▼ ملخص

يطرح الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية تعريف الحضارة العربية الإسلامية بالحضارات الأخرى، الصينية والهندية والأفريقية والتركية والسلافية والأوروبية، ويميز بين مستويين للمعرفة: الأول هو الاحتكاك العملي اليومي الذي ينتج التجربة والتعرّف المباشر، والثاني هو المعرفة التي يعيد تشكيلها المشاهدةُ وفق مفاهيم الثقافة العربية ذاتها. يرى المؤلف أن هذه المعرفة لم تكن سجلاً للمشاهدة فحسب، بل كانت إعادة تشكيل للمشاهدة نفسها استناداً إلى مسبقات ثقافية وضرورات عملية وتراث أدبي وجغرافي، إضافة إلى المخيلة الأسطورية والخرافية التي أثرت في التصورات العامية عن الأقوام الأخرى.

يبدأ الفصل برسم خريطة امتداد دولة الخلافة، التي توسطت العالم المعروف في عصرها، فكانت الصين في أقصى الشرق مركزاً حضارياً مهماً لكنه منعزل نسبياً، بينما امتدت وحدة سياسية وثقافية من حدود الصين وتركستان إلى مصر وشمال أفريقيا، كانت الإسكندرية وريثة للإمبراطورية الفارسية الثانية، وجاءت الحضارة العربية الإسلامية مكملة وموسعة لهذا الامتداد، ووريثة من مركزيها بغداد وسامراء لشبكة طرق تجارية ربطت الصين والهند بالجزيرة العربية وما وراءها. ويصف المؤلف العراق بوصفه السوق الأعظم للعالم وفق ابن خلدون، لكنه لم يكن المركز الفاعل على الدوام، بل كان مركزاً معنوياً وثقافياً وتجارياً إلى جانب مراكز أخرى مثل نيسابور وبخارى والقاهرة والقيروان وقرطبة والموانئ المهمة كـالبصرة وسيراف.

يتناول الفصل بعد ذلك العلاقات التجارية الدقيقة مع الصين، والتي استقرت في مدينة كانتون التي عرفها العرب باسم "خانفو"، حيث كانت الجالية المسلمة كبيرة حتى اضطرت السلطات الصينية إلى تولية رجل منهم ليحكم بينهم ويصلي فيهم ويدعو لخليفة المسلمين. ويشير المؤلف إلى دلائل على وجود تجار عرب وفرس في كانتون حوالي العام 751 للميلاد[يحتاج تحققاً]، وإلى أن العلاقات اضطربت لفترة بسبب الغزوات الإسلامية لشاطئ السند ونشاط عسكري قبالة سواحل الصين، حيث وُجدت قاعدة للغزو والقرصنة في جزيرة هاينان اتخذت منطلقاً لإحراق كانتون في العام 758، ثم استقرت العلاقات مجدداً حتى الربع الأخير من القرن التاسع حين قضى على الجالية المسلمة في كانتون في العام 874 عند احتلالها من قبل هوانغ تشاو، الخارج على الدولة المركزية. ويوضح المؤلف أن العلاقات التجارية المباشرة مع الصين انقطعت بعد ذلك، والتقى التجار العرب، ومعظمهم من عُمان، مع التجار الصينيين في كَلّه في شبه جزيرة الملايو، والتي كانت جزءاً من مملكة سريفيجايا التي عرفها العرب باسم مملكة المهراج، ولم تعد الصلة البحرية المباشرة إلا في القرن الحادي عشر عن طريق عدن والبحر الأحمر وعن طريق هرمز في العهد المملوكي، كما وصلت حملات بحرية صينية بقيادة الخصي المسلم شينغ هو إلى هرمز وعدن والصومال في الأعوام 1417 و1421 و1431[يحتاج تحققاً].

ويقدم الفصل وصفاً تفصيلياً لمسار الرحلة البحرية من الخليج إلى الصين، وما تتضمنه من محطات في مسقط وساحل ملابار وكولام مالي (كويلون اليوم) وبحر هركند (خليج البنغال) ومضيق المالاكا وبلاد الصنف (فيتنام اليوم)، ولمدينة لوقين (هانوي) التي تستغرق الرحلة منها ستة أشهر ونصف. ويفسر المؤلف تفضيل الطريق البحري على البري لأن المواصلات البحرية كانت أسرع وأقل كلفة، إضافة إلى اعتبارات أمنية جعلت طريق الحرير غير عملي، ففي أيام الدولة الأموية كانت مناطق آسيا الوسطى ساحة حرب، وكانت آخر الحملات العسكرية الصينية تلك التي هُزمت في معركة على ضفاف نهر طلس جنوب بحيرة بالكاش في العام 751، ويضيف أن طريق آسيا الوسطى لم يصبح آمناً بشكل تام إلا مع قيام دولة المغول في القرن الثالث عشر.

ينتقل الفصل إلى تفصيل السلع التي استوردتها ممالك الإسلام، فيذكر استيراد الحديد الهنداوي الممتاز من هضاب الهند الوسطى والحديد الصيني الذي صنعت منه السيوف الدمشقية الشهيرة، واستيراد القصدير من كَلّه لصنع البرونز، والذهب والفضة من جزر جنوب شرق آسيا، وخشب الساج من الهند وجنوب شرق آسيا، والكافور والقرنفل والعود والصندل والعنبر والفلفل والدرر والماس والياقوت من سرنديب (سيلان)، بينما صُدّر إلى الشرق الآسيوي الزجاج الدمشقي والعنبر من شرق أفريقيا واليمن والعاج. ويتوقف المؤلف عند المسك المستورد من التبت والصين، مفضلاً النوع التبتي لأن ظباءها كانت ترعى سنبل الطيب. ويربط المؤلف هذه التجارة بالانتقال إلى الطريق البري إلى الصين عبر الري ونيسابور وسمرقند وصولاً إلى خانباليق (بكين اليوم)، ويلاحظ أن قيمة هذا الطريق تكمن في أهمية محطته الغربية، خراسان وبلاد ما وراء النهر، كمركز لجمع وتصدير الرقيق التركي والسلافي.

يخصص الفصل مساحة للحديث عن تجارة الرقيق التي قامت عليها الدولة السامانية، ويشير إلى اكتشاف الأثريين عدداً كبيراً من الدراهم السامانية في أودية الأنهار الروسية الكبيرة، حيث كانت طرق توريد الرقيق، حتى إن الدرهم الساماني وصل إلى ماينتس في ألمانيا في القرن العاشر. ويصف الطرق المختلفة لنقل الرقيق، من بلغار على نهر الفولغا إلى بلاد الخزر في أتل ثم إلى جرجان والري وبغداد، وعبر نهري الدنيبر والدون إلى القسطنطينية، ويذكر أن كييف كانت نقطة وصل مع أوروبا الوسطى، وأن التجار الوسطاء في هذه المبادلات كانوا من المسلمين واليهود. ويؤكد المؤلف أن الدراسات الحديثة تقلل من شأن التجارة بين دار الإسلام وأوروبا، ويرى الأثر الأكيد لهذا الاحتكاك في وجود مفردات كثيرة ذات أصول عربية وفارسية في اللغات الأوروبية، حتى في الخرافات الدينية الإيرلندية. وينتقل بعدها جنوباً نحو أفريقيا، فيذكر استيراد العبيد من بلاد السودان إلى واحات الصحراء الكبرى ثم إلى فاس والأندلس، وعبر فزان إلى القاهرة، وعن طريق أسوان التي كانت مركزاً للخصاء، وكانت سقطرة مركزاً لتجميع عبيد الزنج من الساحل الشرقي لأفريقيا، كما كانت سواحل أفريقيا الشرقية مصدراً للعنبر الأشهب، وقرون الكركدن من الشرق، وريش النعام من الغرب، والذهب من سفالة الزنج وبلاد السودان.

يرسم الفصل مقارنة بين امبراطورية الصين المنكفئة على نفسها ودار الإسلام الممتدة في كل الاتجاهات، فهذه الأخيرة كانت وحدات سياسية متداخلة ومنطقة ثقافية موحدة بثقافة نخبها، ومنطقة تجارية كبرى عمادها الذهب، ويصفها بأنها كانت عصب علاقة الآخرين بها والعنصر المحرك في تلك العلاقة. ويورد المؤلف مثالاً صريحاً على النظرة الإثنوغرافية التي تصنف الأجناس من منظور القادر على استخدامها، وهي رسالة لابن بطلان تصنف الشعوب على أساس مواهبها في العبودية، فمن أراد الجارية للذة فليتخذها بربرية، ومن أرادها للولد ففارسية، ومن أرادهم للحرب فالأتراك والصقالبة. ويقارن المؤلف بين هذه النظرة ونظرة أوروبا الحديثة للشعوب التي اعتبرتها بدائية أو شرقية، ويرى أن هذا الاستعلاء طبيعي في ظل التفوق العسكري أو التجاري أو الثقافي. ويخلص إلى أن المعرفة العربية الإسلامية بالحضارات الأخرى جاءت من التعرف العملي المحدود ومن الأدب، وأن لها ثلاثة عناصر هي الواقع والخيال والتنميط، والتي نادراً ما كانت منفصلة عن بعضها.

يتناول الفصل تطور الكتابات الجغرافية العربية، فيذكر أن أول من كتب في المسالك والممالك كان أبا عباس جعفر بن أحمد المروزي (ت 881م)، تلاه أبو العباس السرخسي تلميذ الكندي والمقتول في العام 845، لكن أهمهم كان ابن خرداذبة الذي ألف كتابه في العام 847 وراجعه عام 885، ثم اليعقوبي الذي ألف كتاب البلدان في العام 891م، والوزير الساماني أبو عبد الله الجيحاني الذي ألف كتاب المسالك والممالك حوالي العام 902، وأبا زيد البلخي المتوفى في العام 934، وأبا إسحق الأصطخري المتوفى بعد العام 951، وتميزت هذه الأعمال بالصرامة والموضوعية لكنها اقتصرت على ممالك الإسلام بوصفها أدلة عملية لموظفي الدولة. أما أهم من كتبوا في هذا المجال بعدهم فهم البكري (ت 1094) والإدريسي (ت 1166) وابن سعيد (ت 1286)، الذين فصلوا مسالك شمال وغرب أفريقيا وأوروبا وجغرافية العالم بموضوعية ودقة، حتى إن الإدريسي كان يتحقق من مخارج ألفاظ الأسماء التي سمعها، مع أنه لم يتحقق من التراث الجغرافي الأدبي الذي نقله، فأورد حكاية زيارة سلام الترجمان لسد يأجوج ومأجوج دون تعليق، بينما رفض ابن خرداذبة هذه الحكاية ووصفها بأن فيها تخليطاً وتزييداً.

يؤكد الفصل أن الكتابات الجغرافية العربية اتخذت منحى أدبياً في مآلها الأساسي، فقد كانت من باب أدب الكتّاب كما يتبين من أن ابن خرداذبة نفسه وضع كتباً في السماع والطبيخ والشراب والندماء، وأن كتب عجائب البحار والبلدان كانت مطلوبة كثيراً في بلاط العباسيين، وأن معظم كتب الرحلات انتقلت من مجال أدب الكتّاب إلى أدب الندماء. ويستعرض الفصل أهم الرحلات، فمن أولها رحلة تميم بن بحر إلى أواسط آسيا في بدايات القرن التاسع، ورحلة يحيى بن الحكم الجيحاني المعروف بالغزال وكان من سفراء الخليفة عبد الرحمن الثاني في القسطنطينية، ورحلة سلام الترجمان الذي أرسله الخليفة الواثق إلى سد يأجوج ومأجوج. ويخصص المؤلف كلاماً عن كتاب أخبار الصين والهند الذي يتناول مشاهدات تاجر اسمه سليمان، والذي يعتبره أهم الكتب غير الصينية عن الصين في هذا العصر، وقد راجعه أبو زيد السيرافي بعد تأليفه بنصف قرن تقريباً وأضاف إليه تفاصيل عن الفترة الفاصلة، وكان السيرافي من معارف المسعودي. ويذكر الفصل كذلك محمد بن موسى بن شاكر الذي سافر مع سلام الترجمان والبحث عن موضع أهل الكهف، وهارون بن يحيى الذي ترك أخباراً عن رومة والقسطنطينية استخدمها ابن رستة.

يحلل الفصل رحلة ابن فضلان الذي ذهب ضمن بعثة أرسلها الخليفة المقتدر إلى ملك البلغار في مدينة بلغار على نهر الفولغا في العامين 921 و922، ويقرأ المؤلف وصف ابن فضلان للشفق القطبي بوصفه مثالاً على خلط المشاهدة بالخيال الأسطوري، فقد رأى فيه ألواناً وأصواتاً وأشباحاً تشبه الناس والدواب، وفسرها بأنها حرب بين كفار الجن ومؤمنيهم، مأولاً ظاهرة طبيعية لم يعهدها من قبل إلى مسبقاته الخرافية. ويقارن المؤلف بين هذا وبين رواية ابن بطوطة أنه شاهد في سرنديب أثر قدم آدم، مشيراً إلى أنه خلط بين خرافة توارثها وإيمان الهنود بأن الإله شيفا خطا في نفس الموضع، وأن كلامه صدى لتراث مكتوب عند المسعودي وغيره.

يمثل المسعودي في نظر المؤلف تحولاً مهماً في الأدبيات العربية المتعلقة بالشعوب الأخرى، ففي فترة انقطعت فيها الصلات المباشرة مع الصين وهند، تحولت أخبار الهند والصين إلى العجائب والغرائب، ويتمثل في المسعودي (ت 956م) هذا المزيج من الواقعية والخرافة، من المشاهدة والمقبول من التراث الخرافي المحكي والمكتوب. ومع أنه يرفض أخبار وجود التنين ويرجعها إلى خرافات حشوية أصحاب الحديث، ويرفض أخبار النسناس، إلا أنه يقبل الكثير من الأخبار المشكوك فيها بحجة أن كتبه كتب خبر وليست كتب بحث ونظر. ويلاحظ المؤلف أن بداية تحول الجغرافيا إلى أدب بمعناه العام بدأت مع ابن رستة الذي ألف كتاب "الأعلاق النفيسة" حوالي العام 903، حيث أصبح الكلام عن الأقوام والممالك جزءاً من الأدب الإخباري المتوارث، على الرغم من أن الكثير من عناصره خرافية رفضها عقلانيون مثل الجاحظ، ثم يصل هذا الأدب الجغرافي إلى ذروته في "آثار البلاد وأخبار العباد" للقزويني المتوفي في العام 1283، و"نخبة الدهر" لشيخ الربوة الدمشقي المتوفي عام 1321.

يستدرك الفصل بالقول إن هذا لا يعني أن الأدب العربي في الجغرافيا الإنسانية كان كله خيالاً، فحكايات السندباد والأخبار المتواترة عن الهند كانت مترابطة، ونصوص ألف ليلة وليلة تداخلت مع كتابات المسعودي وأبي زيد السيرافي، لكن كتاب أخبار الصين والهند يبقى عظيم القيمة وتتفق أخباره مع النصوص الهندية والصينية المعاصرة له. ويذكر المؤلف كتب رحلة أخرى ذات أهمية وموضوعية مثل ما جاء به الأسواني عن أهل النوبة عندما أرسل إليهم من قبل القائد الفاطمي جوهر الصقلي في الأعوام 969 و971، ورحلة إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي إلى أوروبا الوسطى والغربية حوالي العام 965، ورحلتي ابن جبير وابن بطوطة اللتين جاءتا بعد ذلك بكثير.

يختم الفصل بمناقشة مكانة البيروني المتوفي في العام 1048، فهو محقق كبير في الفلك والرياضيات، لكن كتاباته حول الهند، على أهميتها ودقتها، بقيت ناقصة قياساً على الأولى، وكان كتابه عن الهند نصرة لمن أراد مناقضة الهنود وذخيرة لمن رام مخالطتهم، وكان المصدر الأساسي للمعرفة عنده الكتب لا المعاينة، حتى إن وصفه للشعائر الدينية قام على الكتب. ويورد المؤلف مثالاً على دقة ملاحظات البيروني النادرة في تصحيحه الرأي المتواتر عن إباحة الزنا عند الهنود، موضحاً أن الآفة فيه من جهة ملوكهم الذين جعلوا النسوة في بيوت الأصنام زينة للبلاد ووسيلة لبيت المال، وهذا ما فعله عضد الدولة البويهي. ويشير المؤلف إلى أن قراءة البيروني للنصوص السنسكريتية كانت متأنية، لكنه كان من الطبيعي أن يتمثل مضامينها في إطار مسبقاته، وقد تتبع المحققون أخطاء في ترجماته وانزياحاته عن المعنى. ويقر المؤلف بحدود المعرفة في هذا كله، فالمعاينة المباشرة قادرة على إنتاج الجدة لكن فائدتها تبقى نسبية إن لم تتضافر مع تغيرات في وجهة النظر وأدواتها، لذلك لم تجد كتب الجغرافيا الملاحية طريقها إلى الأدب المدون، وبقي تقسيم الأرض إلى أقاليم مستبقى على الرغم من مناقضته الصريحة للخبرة الملاحية، تلك المناقضة التي كانت واضحة من أول أمرها. ويختم المؤلف بسؤاله بلاغياً: إن كان هذا واقع الحال في المشاهدة العلمية الملموسة، فما بالك بالتصورات الأدبية والعامية التي قامت عليها الإثنوغرافيا العربية الإسلامية انطلاقاً من الأدب والمنادمة والرق؟

2.انقسام المعمورة وافتراق الأمم46–91▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية تقسيم العالم المعمور في التصورات الجغرافية والتاريخية للحضارة العربية الإسلامية، وكيف ارتبط هذا التقسيم بتصنيف الأمم والشعوب وتباين خصائصها. يبين المؤلف أن الإجابة لم تكن علمية بحتة، بل تأسست على مزيج من الموروثات اليونانية والكلدانية، والأساطير والأصول الدينية، والاعتبارات السياسية والأيديولوجية، مما أدى إلى صورة للعالم تخدم مركزية الحضارة الإسلامية وتراتبية الأمم داخلها. يستعرض الفصل بوصفها مرجعيات أساسية لفهم الاختلافات بين البشر، لكنه يوضح كيف أن تطبيقها كان انتقائياً، إذ طُبقت بشكل صارم على الشعوب الهامشية كالسودان والترك والصقالبة، بينما أُدخلت تعديلات واستثناءات لإدراج شعوب متحضرة كالهند والصين في إطار نظري يبدو غير منسجم معها.

يسير الفصل خطوة خطوة من العام إلى الخاص، فبعد عرض آراء متضاربة حول هيئة الأرض، يقرر أن النظرة السائدة كانت ترى الأرض كروية في مركز الكون، ويتناول تقديرات العلماء المسلمين لمحيطها وقطرها. ثم ينتقل إلى تحديد حدود المعمور، الذي لا يتجاوز نصف الكرة الأرضية، وينتهي غرباً عند المحيط الأطلسي وشرقاً عند البحر الأخضر قبالة الصين، معتمدةً في ذلك على أساطير كالجزائر الخالدات وبلاد الواقواق. بعدها، يتعمق في النظام المعتمد لتنظيم هذا المعمور، وهو تقسيمه إلى سبعة أقاليم تمتد من خط الاستواء شمالاً، ويشرح خصائص كل إقليم ومناخه المزعوم وتأثيره على سكانه. وهنا يبرز الفصل كيفية استخدام هذه النظرية لتصنيف الشعوب، فسكان الأقاليم المعتدلة (الثالث والرابع والخامس) هم أصحاب الحضارة والعلم، بينما يوصف سكان الأقاليم الحارة أو الباردة بالهمجية وغلبة الطبيعة الحيوانية عليهم. يخصص الفصل حيزاً لتحليل دور العوامل الأخرى كتأثير النجوم والأبراج، التي استُخدمت لتفسير استثناءات من القاعدة المناخية، كحضارتي الهند والصين، كما يناقش الأنساب كأساس آخر للتمييز، معتبراً أن نسب الأمم إلى أولاد نوح الثلاثة (سام وحام ويافث) كان محاولة لترتيب التاريخ وفق حاضر الثقافة العربية الإسلامية، سواء في نسب الفرس والعرب لسام، أو إخضاع الشعوب الحامية للعنة نوح المزعومة، أو وصف ذرية يافث بالهمجية غالباً؛ ويشير إلى أن قلائل كالجاحظ وابن خلدون رفضوا هذه التعميمات.

من بين الحجج والأمثلة المهمة التي يوردها المؤلف لإثبات منطق الفصل، نقاشه حول صورة القارة الأفريقية التي كانت تمد شرقاً بدلاً من جنوبها على الخرائط، مما جعل الواقواق جزراً أفريقية وصينية في آن واحد، وهذا يوضح كيف كانت المعرفة الجغرافية تخضع لإطار نظري سابق. كذلك، يقدم الفصل أمثلة من نصوص ابن خلدون الذي حاول الربط بين أحوال العمران وتأثيرات النجوم، ففسر غنى المشرق واتساع أحواله بأسباب أرضية ككثرة العمران والأعمال، وليس فقط بالأثر النجمي. كما يذكر المؤلف تحفظات علماء مثل البيروني الذي شكك في دقة قياسات العروض بسبب تباعد النسخ واختلاف المقاييس، واعترف بأن تقسيم الأقاليم السداسية أو السباعية هو تقسيم اعتباطي لا يتصل بنظام طبيعي بل باختلاف صور الناس وأخلاقهم وأديانهم.

يُقر المؤلف ضمنياً بحدود هذه التصورات عندما يوضح عدم إمكانية تطبيق الأحكام العامة على كل الشعوب، وأن الاستثناءات كثيرة ولم تقدم لها تعليلات جوهرية. ويترك أسئلة مفتوحة حول أسباب إرجاع نسب الرومان إلى إبراهيم الخليل دون أن يجد في المصادر ما يفسر ذلك. كما أن المقطع الذي يناقش فكرة انتقال العمران من الجنوب إلى الشمال كما طرحها ابن خلدون، يظهر وعياً بالتغير التاريخي في موازين القوى السكانية، لكنه يُحيل تفسيره إلى عوامل أرضية وسماوية دون حسم.

إن كانت الحجج التي قدمها المؤلف قابلة للنقاش، فهي تكمن في الكيفية التي وظف بها التنظير الجغرافي لإضفاء شرعية على التراتبية الثقافية، فالنص لا يكتفي بعرض الأفكار فحسب، بل يحللها بوصفها بنى أيديولوجية تعكس علاقات القوة السائدة في تلك الفترة، وهذا جوهر الأطروحة التي يقدمها الفصل.

3.اثنوغرافيا الحضارة92–134▼ ملخص

يثمثل هذا الفصل محاولةً لاستكشاف الطريقة التي نظرت بها الحضارة العربية الإسلامية إلى الحضارات الأخرى خلال فترة ازدهارها، لا من منظور ديني صرف يقيس الأمم بمدى قربها من الإسلام، بل من منظور "اثنوغرافي" يُميّز بين الأمم المتحضرة والهمجية. يوضح المؤلف أن النظرة الاستعلائية للإسلام على الأديان الأخرى لم تكن تعني بالضرورة ازدراءً للحضارات غير المسلمة، طالما كانت هذه الحضارات منظمة ومستقرة. فالمعيار الأساسي للتصنيف لم يكن الدين، بل مستوى التمدن والتنظيم السياسي والاجتماعي، وهو ما جعل المؤلفين العرب يتعاملون مع حضارات كالصين والهند بدرجة من الاحترام والتقدير، بينما يوصمون الشعوب التي اعتبروها "همجية" كالترك والزنوج بصفات سلبية مبالغ فيها.

يسير الفصل خطوة خطوة عبر فحص الخطاب "الاثنوغرافي" لدى الكتاب العرب، وكيف ينقسم إلى خطابين متوازيين: خطاب حول "المدينة والحضارة" يقدم حسناتها وسيئاتها، وخطاب حول "الهمجية" الذي يستعظم كل مظاهر حياة الشعوب التي يتناولها. ويستخدم المؤلف أمثلة عديدة لتوضيح هذه الثنائية، فيقارن بين الوصف التفصيلي المحايد نسبياً لعادات الصينيين وطقوسهم، وبين الروايات المبالغ فيها عن "همجية" الشعوب الإفريقية. كما يحلل كيف أن المؤلفين العرب، على الرغم من إعجابهم بنظم الصين وهندستها الاجتماعية، كانوا يسارعون إلى تأكيد تفوق الإسلام سياسياً، كما في نسبتهم إلى ملوك الصين القول بأن ملوك العرب هم "ملوك الملوك" الفعليون، وهو ما يكشف عن توتر بين الاعتراف بالتفوق العملي للحضارات الأخرى، وبين الحاجة إلى إثبات السيادة الإسلامية.

في القسم المتعلق بالصين، يلاحظ المؤلف غنى التفاصيل حول نظمها الإدارية والعدلية، التي قُدّمت كمثال على العدل المؤسسي المستقل عن شخص الحاكم، وهو ما يتناقض مع الوضع في ممالك الإسلام. وتُروى أخبار عن نظام تسجيل المواليد والوفيات، وضمان الشيخوخة، ورعاية الفقراء المرضى، وعن عقوبات صارمة بحق المخالفين. لكن المؤلف يلفت إلى أن بعض هذه الروايات تم تعديلها لتتناسب مع توقعات الكتاب العرب، مثل رواية منع التجول التي بالغت في عقوبتها، مبيناً أن الإعجاب بالصين لم يمنع من إسقاط بعض الصور النمطية المحلية عليها. كما يشير إلى أن المؤلفين العرب حاولوا فهم الفلسفة الصينية (اليين واليانغ) ضمن أطرهم الفكرية (الثنوية المجوسية)، مما يدل على محاولة للترجمة الثقافية، حتى لو كانت غير دقيقة.

أما الهند، فتحتل حيزاً كبيراً من الفصل نظراً لقربها الجغرافي وتنوعها الداخلي. فقد لاحظ الكُتّاب العرب نظام الطبقات (الورنات) وإن لم يفهموه بدقة كاملة، واهتموا بعادات الهنود في الطهارة والزواج والطعام، وبعض طقوسهم الدينية المتطرفة التي استبشعوها مثل حرق النفس والتضحية بالنفس، والتي وصفها المقدسي بتفصيل كبير يمزج بين المشاهدة والمبالغة. في المقابل، كان هناك اعتراف واسع بالبراعة الهندية في الحساب والفلك والطب، حتى أن المسعودي أشار إلى تأثير علومهم في نظام بطليموس. ويظهر المؤلف التباين في الموقف تجاه الهند مقارنة بالصين، حيث أن قرب الهند وحضور الجاليات المسلمة فيها جعل الأخبار عنها أقل يوتوبية وأكثر واقعية، لكنه أيضاً جعل التعامل معها أكثر توتراً.

أما بخصوص بيزنطة، فيلاحظ المؤلف حضوراً كثيفاً للمعلومات الإدارية والسياسية، لكنه يلفت إلى غياب شبه تام للوصف الاثنوغرافي للحياة اليومية. تظهر بيزنطة في الكتابات العربية كجهاز سياسي وعسكري صرف، أكثر من كونها مجتمعاً بشرياً بحياته وعاداته، وهو ما يُعزى إلى حالة الصراع الحربية الطويلة التي جعلت منها النقيض الحيوي للإسلام. وقد اختلطت المعلومات الدقيقة عن تنظيماتها الإدارية (كالجيوش والأسطول والضرائب) بأساطير حول طقوسها الملكية وطلسمات مدينتها، وحتى تفسير الألعاب الرياضية في الهيبودروم (انقسام الزرق والخضر) على أنها بشارة أو نذير شؤم للمسلمين. هذه المعرفة المزدوجة جعلت بيزنطة "معروفة ومجهولة" في آن واحد، مع تغييب متعمد لحياتها اليومية بسبب التضاد السياسي والحضاري العميق.

أما أوروبا الغربية والوسطى، فكانت أخبارها نادرة ومشتتة، ووصفت بأنها تخوم للهمجية والوحشية. لكن المؤلف يستثني من ذلك بعض المدن والقرى التي ظهرت فيها بواكير تحضر، مثل "براغ" التي وصفها التاجر الأندلسي إبراهيم بن يعقوب بأنها مدينة تجارية مبنية بالحجر والجير، وبلاد بولونيا التي ذكر الإدريسي أنها بلاد العلماء. كما يتوقف عند إيطاليا بشقيها: مدن متحضرة كالبندقية وجنوة وفلورنسة التي عُرف عنها نظامها الجمهوري (الكومونة) الذي لاحظه العمري، مقابل محيط متوحش كجزيرة سردينيا التي يسكنها "روم متوحشون". أما مدينة روما نفسها، فيبين المؤلف كيف تحولت في المخيلة العربية من مدينة تاريخية حقيقية إلى "يوتوبيا" أسطورية تمتلئ بالأرقام الخيالية والجن الذين بنوها لسليمان، وهي صورة تشترك مع القسطنطينية في كونها رمزاً لقوة لم تخضع، وإن اختلفت عنها في كونها أكثر بعداً وأقل تهديداً مباشراً.

يقر المؤلف في ختام الفصل بأن التمييز بين الحضارة والهمجية لم يكن معياراً موضوعياً، بل كان انعكاساً لعلاقات القوة والمصالح. فالحضارة تعني ضمنياً "القبول بشيء من المساواة" مع الأمم المنظمة التي لا يمكن استباحتها، بينما الهمجية تعني التفاوت والسيطرة على شعوب تُعتبر "منحرفة". كما يعترف بأن المشاهدة ليست محايدة أبداً، فلكل مشاهد "مسبقات ذهنية وسياسية ونفسية وأسطورية تحكم كيفية المشاهدة"، وهو ما يفسر مزج الواقع بالخيال في كل هذه الروايات. ويبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية قبول المؤلفين العرب لوجود نظم عادلة ومؤسسية خارج إطار الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يعود جزئياً إلى أن مفهوم "السياسة الشرعية" لم يكن قد اكتمل بعد في عصرهم، فتعاملوا مع هذه النظم بمرونة أكبر مما قد يوحي به الموقف الفقهي اللاحق.

بعض الحجج في هذا الفصل قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بادعاء أن "الحضارة تعني المساواة" مقابل "الهمجية التي تقوم على التفاوت"، فهي قراءة أنثروبولوجية حديثة قد لا تكون مطابقة تماماً لما كان يعتقده المؤلفون العرب أنفسهم، الذين ربما كانوا يرون الأمر مجرد وصف للواقع لا تنظيراً أخلاقياً. كما أن تعميم موقف "الكتّاب العرب" ككتلة واحدة في بعض الأحيان قد يتجاهل الاختلافات الفردية الكبيرة بينهم، كالفرق بين النظرة العملية لسليمان التاجر والنظرة الفلسفية للبيروني. ومع ذلك، يقدم الفصل تحليلاً ثرياً ومعقداً لكيفية تشكل المعرفة عن "الآخر" في سياق تاريخي وثقافي محدد، وكيف تتشابك عوامل القوة والسياسة والدين والمصالح في بناء الصور الذهنية عن الأمم الأخرى.

4.الشعوب المقاتلة بين الوحشية والهمجية134–178▼ ملخص

يبدأ الفصل بطرح سؤال محوري حول طبيعة الشعوب الشمالية، التي تناولها المؤلف في الفصول السابقة من حيث أثر البيئة والمناخ على طباعها، ليتفحص هنا موقعها من التصنيف الثنائي للوحشية والهمجية. فالإجابة التي يسعى إليها المؤلف ليست حكماً واحداً، بل تفصيلاً دقيقاً يكشف أن هذه الشعوب، رغم قسوة طبيعتها وبعدها عن مركز الحضارة الإسلامية، لم تكن همجية بالمعنى الكامل؛ بل كانت شعوباً مقاتلة، ذات بنى داخلية صارمة ومنظمة، تتصف بالهمجية في علاقاتها الخارجية، لا في تنظيمها الداخلي.

يسير الفصل خطوة خطوة، مستنداً إلى نصوص الجغرافيين والرحالة العرب، ليرسم صورة مركبة للشعوب الشمالية، ويقسمها إلى ثلاث أمم كبرى: الترك، والصقالبة (السلاف)، والإفرنجة، ومن يجاورهم. يبدأ المؤلف بالحديث عن الشعوب التركية، مركزاً على تميزها بين الشعوب الشمالية بكونها داخلة في الإسلام وخارجة عنه في آن معاً؛ فهم عساكر وحماة للخلافة، لكنهم أيضاً مصدر رقيق وقلق متواصل. يعرض الفصل الصفات التي ألصقها الكتاب العرب بالأتراك، كالغلظة والقسوة وشجاعة السباع، ولكنه يلفت إلى أن هذه الصورة كانت تتغير وتلين كلما تقدم انصهار البلاد التركية في دار الإسلام، وتبقى الصورة المهولة حاضرة في الكتابات عن الأتراك النائيين غير المسلمين، كالتتار الذين أصبحوا بعد دخول الأتراك الإسلام محل المخاوف والأخبار المرعبة عن علامات الساعة.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى استعراض نماذج من الشعوب التركية المختلفة، معتمداً على روايات الرحالة مثل تميم بن بحر الذي زار بلاد التغزغز، وابن فضلان الذي ترك وصفاً دقيقاً لرحلته. يذكر المؤلف شعوباً مثل الخرلخ والكيماك والغز (السلاجقة لاحقاً)، ويصف عاداتها وتنظيمها الاجتماعي، ليصل إلى الحديث عن دولة الخزر التي تهودت في عهد هارون الرشيد، ويخصص حيزاً مهماً لنظامها السياسي المزدوج القائم على خاقان ذي وظيفة رمزية وملك (بك) ذي سلطة فعلية، وهو النظام الذي لم يستوعبه المؤلفون العرب وأوردوه وصفاً دون تعليق. كما يتوقف الفصل عند العادات والطباع التي استرعت انتباه الكتاب العرب من شكل اللحية وطريقة لبس النساء إلى طقوس الدفن المختلفة التي تباينت بين الحرق والدفن مع الأحياء.

يشير المؤلف إلى أن هذا الاهتمام بالطقوس الجنائزية، وخصوصاً نص ابن فضلان المطول عن جنازة روسية، لم يكن بدافع فضول علمي أو أنثروبولوجي، بل كان من باب الإغراب والاستغراب، وإبراز الغيرية والتميز عن تلك الحضارات. ويوضح أن المعرفة بالشعوب التركية والصقلبية كانت معرفة نمطية عن بعد، وأخرى تفصيلية عن قرب، جمعت بين الصفات العامة القاسية وأخبار محددة عن عادات النظم السياسية.

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن الصقالبة، فيصف بلادهم الشاسعة الباردة، ويذكر تقسيماتهم القبلية وعدم وضوح تخومهم الجغرافية في مخيلة الكتاب العرب. يتناول المؤلف شعوباً تتردد بين التصنيف التركي والصقلبي، مثل البلغار الذين أسلم ملكهم في أيام الخليفة المقتدر، والبرطاس، والروس الذين وصفهم ابن رسته وابن فضلان بتفصيل كبير. يستعرض الفصل الصفات المتناقضة للروس؛ فهم أمة عظيمة لا تنقاد إلى ملك، وفي الوقت نفسه لديهم ملك يقيم في قصره مع أربعمائة من صناديد أصحابه، وهم أقذر خلق الله في عاداتهم لكنهم يحسنون إلى الغرباء، وهم تجار سمور وعبيد. يخلص المؤلف إلى أن الروس يترددون في الكتابات العربية بين همجية الطبيعة ووحشيتها، وبين تنظيم داخلي يشبه الدول.

أخيراً، يصل الفصل إلى الحديث عن الشعوب الأوروبية الأخرى، فيتعرض للصقالبة الغربيين كما وصفهم إبراهيم بن يعقوب الذي زار شرق أوروبا، ويذكر عاداتهم في المهور والزواج وحرية المرأة التي أثارت اهتمام الكتاب العرب، ويعلق المؤلف بأن هذا الاهتمام بالمرأة والجنائز لم يكن لأهميتها الموضوعية بقدر ما كان وسيلة للتعريض بتلك المجتمعات وقياس مدى التزامها بمعايير الحضارة الإسلامية التي اعتبرت نفسها كاملة. ثم يتناول الفصل الإفرنجة، فيشير إلى أن الصورة المتداولة عنهم كانت نمطية وقليلة التفاصيل بسبب بُعد بلادهم وقلة الاحتكاك المباشر بهم قبل الحروب الصليبية، فكانت المعرفة عنهم استراتيجية تهدف لإذكاء روح العداء. يستعرض المؤلف ما ورد عن ملوكهم وأراضيهم، من الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى فرنسا وألمانيا، وصولاً إلى الأطراف الشمالية القصوى في بريطانية وإيرلندة حيث يختلط الواقع بالمخيلة، وتفقد الشعوب تميزها وتغرق في الضباب والظلام الدائم. ينهي الفصل بتأكيد أن هذه الشعوب، رغم توحشها في علاقاتها الخارجية وقطعيتها في حروبها، والتي كانت موجهة للخارج، تمكنت من خلال تنظيمها الداخلي الصارم من النجاة من حكم الطبيعة الذي كان سيجعلها همجية، معترفاً بأن الشعب التركي وحده هو الذي خضع لبعض قوانين الطبيعة في شكله الفيزيائي كما وصفه الجغرافيون.

5.الهمجية بين هوامش البشرية ونقائضها178–218▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية تحديد الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى لحدود الإنسانية نفسها، عبر وصفها لأمم وشعوب تقع خارج هذه الحدود أو على أطرافها. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن مفهوم "الهمجية" لم يكن وصفاً محايداً لواقع إثنوغرافي، بل كان بناءً ثقافياً وفكرياً معقداً له وظائف متعددة: فهو يعكس القلق من الشعوب الغازية، ويبرر التفوق الحضاري والديني، ويخدم أغراضاً اجتماعية كتبرير الرق، ويوفر مادة للتشويق والإغراب في الأدب الجغرافي.

يسير الفصل خطوة خطوة من وصف الهمجية الواقعية نسبياً في أطراف العالم المعروف إلى بناءات خيالية وأسطورية تجسد النقيض المطلق للحضارة. يبدأ المؤلف بوصف "الهمجية الحقة" في أقصى الشمال، مثل شعب الخوتان الذي يأكل لحوم البشر، والخرخيز الذين يتناكحون كالبهائم ويتركون موتاهم دون دفن، وأهل نرواغة الذين يسكنون في تجاويف الأشجار. هذه الأوصاف تحدد الهمجية بالخروج عن الأعراف الإنسانية الأساسية، حتى لو كانت وحشية. ومن أشد علامات الهمجية عند المؤلفين العرب نبذ الحد الأدنى من التأنس الذي تقوم عليه العلاقات التجارية، مثل أشكال المقايضة الصامتة بين تجار متمدنون وأمم متوحشة لا يرون بعضهم البعض، كما يحدث مع شعب يورا الفنلندي أو أهل جزيرة في جنوب شرق آسيا يتبادلون القرنفل بالبضائع دون لقاء مباشر.

ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن الهمجية في الجنوب الأفريقي، حيث يكثر الكلام عن أكل لحوم البشر وعدم انتظام العلاقات الجنسية وغياب النظم الاجتماعية، كما في وصف القزويني لأهل زغاوة بأنهم "كالبهايم" لا يبالون إلا باللقمة والنكحة. ويستخدم المؤلف هنا مثالاً مهماً من الإدريسي عن استيراد السودان لأفراد من أمم مجاورة وبيعهم للنخاسين العرب، ويعلق عليه بأن مجتمعاً يستخدم الرق بكثافة لم يكن معنياً بتبريره مثل المجتمعات الأوروبية الحديثة التي قامت على أفكار إنسانية واضطرت للتوفيق بينها وبين استعباد البشر. وفي مقابل هذه الصور العامة، يبين المؤلف أن المؤلفين العرب أنفسهم كانوا على وعي بتنوع المجتمعات الأفريقية ووجود نظم ملكية فيها، مثل مملكة الحبشة والنوبة المسيحيتين، وسلطان الزنج الذي يركب في ثلاثة آلاف فارس على البقر، ويُطلق على ملكهم اسم "وفليمي" أي ابن الرب الأكبر، ويُقتل إذا جار في حكمه. كما يشير الفصل إلى معرفة المؤلفين العرب ببعض أعراف الأفارقة مثل توريث ابن الأخت في بعض القبائل، وجمال النوبيات واشتهارهن بالقيام بواجبات المحظيات. ويخلص إلى أن الأوصاف العامة للهمجية كثيراً ما تتعايش دون تناسق مع المعلومات التفصيلية عن هذه المجتمعات.

بالانتقال إلى جزر المحيط الهندي والأرخبيل الأندونيسي، يصف الفصل عالماً تتضاعف فيه الهمجية والغرابة، حيث تختلط المشاهدات المحتملة بالخيال الجامح. فهناك جزر يأكل سكانها الناس، وأخرى يمارسون فيها الطقوس الغريبة كحفظ الجماجم أو خصاء الغرباء. ويوضح المؤلف أن المشكلة ليست في الإمكانية الفعلية لمثل هذه العادات، بل في نسبة أمور تحدث في أماكن معينة إلى أماكن أخرى، وفي المزج بين الواقع والاختراع. ومن هنا ينتقل الفصل نقلة نوعية من "الهمجية التي لا لثم فيها" إلى "الغرابة التي لا لثم فيها"، أي من الخروج عن الأعراف الحضارية إلى الخروج عن الأعراف الطبيعية نفسها، عبر وصف مخلوقات خيالية هجينة كأناس برؤوس كلاب، أو أناس بذيول، أو أمم تتزاوج مع إناث السمك، أو جزيرة النساء اللواتي يلقحن من الريح ويقتلن الذكور من أبنائهن، وهن بذلك يناقضن الحضارة مناقضة كاملة في علاقتها بالطبيعة والمجتمع.

وتبلغ فكرة النقيض المطلق للحضارة ذروتها في النقاش المطول حول يأجوج ومأجوج، الأمم التي حجزها ذو القرنين خلف سد عظيم. يصف الفصل هؤلاء بأنهم أمم من ذرية يافث، قصار القامة عراض الوجوه، بأنياب كأنياب السباع، يتسافدون كالبهائم حيث التقوا، ويأكلون كل شيء حتى حشرات الأرض وجثث موتاهم، ويتميزون بتكاثر هائل حيث لا يموت أحدهم حتى يولد له ألف من الولد، وسيخرجون في آخر الزمان لتدمير الحضارة قبل يوم القيامة. وينقل الفصل النص الشهير لسلام الترجمان الذي أرسله الخليفة الواثق بالله ليتفقد السد، نصاً يمتاز بإفراط في التحديد والمقاييس الدقيقة للسد وبابه وأقفاله.

يعلق المؤلف على هذه الرحلة بأنها تجمع بين التجربة الحقيقية المحتملة، فقد تكون زيارة سلام شملت جزءاً من سور الصين العظيم، وبين الموضوع الخيالي الذي يُسقط عليه ما سمعه. فالسد نفسه بقياساته منطقي ومقبول عملياً، أما وصف يأجوج ومأجوج أنفسهم فهو غير مرئي، وينتقل بتراث كتبي وشفهي. وهنا يقدم المؤلف أهم استنتاج معرفي في الفصل: أن المشاهدة ليست فعلاً محايداً يقوم به عقل فارغ، بل إن الراصد والرحالة يغادران بلادهما وذهنهما مليء بالتوقعات والمس بقات المستمدة من الكتب والثقافة الشفوية والمحيط الاجتماعي. فسلام الترجمان "لم يكذب فيما قاله"، بل اعتقد أنه سمع همهمة يأجوج ومأجوج بناءً على ما كان يحمله من أفكار مسبقة.

بهذا، يكشف الفصل عن الطبيعة الإشكالية للمعرفة الثقافية بالآخر، ويقوض فكرة المشاهدة الحيادية. فما يبدو وصفاً واقعياً لمجتمعات بعيدة هو في حقيقته بناء ثقافي معقد يخدم غايات متعددة، من تبرير السيطرة والاسترقاق، إلى تصريف القلق من الغزوات، إلى إنتاج المتعة والإغراب. وبذلك يحول المؤلف الهمجية من خاصية في الشعوب الموصوفة إلى إشكالية في الثقافة الواصفة نفسها، التي تحدد حدود إنسانيتها عبر إنشاء هوامش ونقائض تعكس مخاوفها وتطلعاتها.

6.خاتمة223–234▼ ملخص

يطرح هذا الفصل الختامي خلاصةً مركزية حول طبيعة المعرفة العربية الإسلامية بالشعوب والحضارات الأخرى في العصور الوسطى، مؤكداً أن هذه المعرفة لم تكن معرفةً موضوعية أو بريئة، بل كانت مشروطة بأيديولوجيا تقوم على تسوير الذات بإقامة النقائض والفروق. فالمؤلف يرى أن الثقافة العربية، شأنها في ذلك شأن كل الثقافات، أنتجت معرفةً بالآخرين تخدم غرضاً وجودياً أساسياً هو التمييز بين "السوية" المتحضرة المتمثلة في الذات، و"الهمجية" المنطقية للغير. هذا التسوير، القائم على ضرورة اصطناع النقائض وإبرازها على حساب الإنسانية المشتركة، هو ما يحدد شكل الأوصاف الإثنوغرافية ومضمونها، سواء تعلق الأمر بالشعوب الشمالية مثل الترك، أو الجنوبية مثل السودان والأفارقة، أو حتى بالحضارات الكبرى كالصين والهند. ويخلص المؤلف إلى أن هذه المعرفة كانت متدرجة، ففي حين حظيت بيزنطة بمعرفة "استراتيجية" نابعة من التماس المباشر، وُصفت شعوب أخرى بمعرفة "النوادر" القائمة على الإمتاع والإغراب، لتظل كلها في النهاية علامات على المدنية والأصالة العربية أو على الهمجية والتنافر معها.

يسير الفصل في بناء حجته عبر مقارنة منهجية بين مواقع الآخرين من هذه الثقافة، منتقلاً من الحكم العام إلى تفصيلاته. فبعد تقرير المبدأ الأساسي حول الأيديولوجيا والتسوير بالنقائض، ينتقل إلى تحليل حالات خاصة، مفصلاً كيف أن الطبيعة تُستدعى لتفسير الهمجية في حال الأفارقة، بينما تُقيد شروطها في حال الشعوب الشمالية التي حازت على الاحترام بقوتها القتالية. ويناقش المؤلف كيف أن الأوصاف، رغم ما فيها من إشارات إلى وجود نظام وانتظام، لا ترقى إلى مستوى التحليل السوسيولوجي أو التاريخي، لأنها تفتقر إلى مفهوم منهجي للحضارة أو للهمجية، وتختزل كل شيء في التضاد مع الشريعة الإسلامية كمعيار أسمى. إن عدم انتظام المجتمعات الهمجية، كما يصورها المؤلفون العرب، ليس غياباً فعلياً للنظام، بل هو اختلافٌ أُنزل منزلة التضاد، إذ أن الجامع الوحيد المقبول للمجتمع المتحضر يكمن في مؤسسات الثقافة العربية الإسلامية ومفاهيمها.

يُبرز الملخص الأمثلة التي يستند إليها المؤلف في تدرجه بين الحضارات، حيث يقارن بين حال الصينيين والهنود من جهة والأفارقة من جهة أخرى. فبينما يشترك الجميع في إطار "الغرابة المحضة"، إلا أن الصينيين والهنود كانوا جزءاً من الوحدة التجارية الكبرى للحضارة العربية الإسلامية، وهذا ما جعل معرفتهم معرفة توادر مستحسنة في معظمها، لتميزهم أيضاً بنظم سياسية ملكية محكمة. أما الأفارقة، فكانوا خارج هذه الزمانية العالمية، ووُصفت نظمهم بالرئاسات البسيطة غير المستقرة، ليصبحوا مثال الهمجية التامة التي تفتقر إلى السلطة السياسية القاهرة القادرة على تحويل أفرادها من كائنات طبيعية إلى كائنات ثقافية متحضرة. ويشير المؤلف أيضاً إلى أن الموقع الجغرافي والطبيعة المحضة قد وظفا لتسويغ هذه الأدوار، فكما هو الحال في الفكر اليوناني الذي وسم الإسقوطيين، كانت الملكية في الفكر العربي علامة على البربرية، لكن من منظور مختلف يعكس الآية السياسية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل نوعي للمعرفة، مفرقاً بين معرفة النوادر التي تخدم الإمتاع والمنادمة، والمعرفة الاستراتيجية الهادفة التي خصت بها بيزنطة تحديداً، والتي قامت على الخرافة والعجائب الفاصلة رغم العلاقات الحربية والتجارية الوثيقة. ويطرح المؤلف حدوداً لهذه المعرفة وأسئلة مفتوحة، مشيراً إلى أن غياب التماس الحياتي المباشر أنتج معرفة نوادر دون فحوى عملية، بينما أدى التماس المباشر مع بيزنطة إلى تغييب مجتمعها وخرافتها لعدم قبول عناصر التشابه الكبير في النظم الإدارية، ولأنها إلى ذلك كانت دولة مسيحية، فكان يكفي عنوانها الديني للتعريف بها دون دراسة مجتمعها. ويوسع المؤلف هذه الملاحظة ليشمل نظرة الاستشراق الحديثة، التي تعتبر دراسة النصوص الإسلامية الأساسية مدخلاً كافياً لفهم التاريخ الإسلامي وحاضر العرب، وهي مقاربة تعكس الاختلال نفسه في فهم المجتمعات.

يختم المؤلف بتوسيع نطاق النظرية ليشمل ثقافات أخرى، مؤكداً أن هذا التسوير والفصل بين الغيرية والذاتية ليس مقتصراً على الثقافة العربية، بل هو فعل إنساني عام. فالثقافة الهندية وسمت من عداها بالبربرية، والنصوص الصينية اهتمت بالجغرافيا الفيزيائية أكثر من الشعوب، واليونانيون وسموا غيرهم بالبربرية، واليهودية الأصولية تفصل فصلاً رهيباً بين اليهود والأغيار. لكن المؤلف يستدرك ليؤكد أن الثقافة العربية كانت أكثر انفتاحاً وأقل تقوقعاً، فقد كانت مسرحاً للتاريخ العالمي في زمانها، حيث فرضت وتيرة التحول على الآخرين وحددت محاور العلاقات العالمية، بخلاف الحضارتين الصينية والهندية. على الرغم من هذا الدور العالمي الفاعل، يقر في النهاية بأنها لم تكن ثقافة إنسانية شاملة بل كانت "ثقافة متفتحة عارفة ولكنها لم تكن سمحة"، تماماً كغيرها من الثقافات التي لا بد لها من تسوير نفسها، وهي حقيقة تتجلى حتى في التنميط المتبادل بين الأعراق كما في كلام عمر بن الخطاب وكعب الأحبار أو ابن المقفع، وهي النظرة ذاتها التي هاجمها الجاحظ بواقعيته المعهودة في نقده للتعميمات حول طبيعة الناس.