
العلمانية من منظور مختلف
يقع كتاب "عزيز العظمة - العلمانية من منظور مختلف" في صلب أسئلة الحداثة والتحولات الفكرية والسياسية التي شهدها العالم العربي، محاولاً تقديم قراءة مغايرة لمفهوم العلمانية تتجاوز الجدل الأيديولوجي السطحي. يرفض المؤلف النظر إلى العلمانية باعتبارها "وصفة جاهزة" يمكن تطبيقها أو رفضها، ويصر على فهمها كحاصل لتحولات تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية معقدة، لا يمكن اختزالها في شعارات أو نصوص مقدسة. الفرضية المحورية التي يدافع عنها العظمة هي أن العلمانية كواقع تاريخي عربي قائمة فعلاً، حتى لو لم يصاحبها فكر علماني منظم وواضح المعالم، فدخول العرب الحداثة، وإن كان متفاوت الوتائر، شكّل واقعاً تاريخياً لا انفكاك عنه، وهذا الواقع فرض نفسه على مدار القرن التاسع عشر والعشرين.
يبني المؤلف رؤيته المنهجية بدءاً من تحليل المصطلح نفسه، حيث يوضح أن عبارة "العلمانية" دخلت اللغة العربية في بدايات القرن العشرين تقريباً، ومن المرجح أن اشتقاقها جاء من "العلم" وليس من "العالم"، على الرغم من المحاولات المتأخرة لإرجاعها إلى هذا الأخير. ويفكك الالتباس بين المصطلحات الأوروبية المختلفة، فالسيكولارية الفرنسية تؤكد النواحي الروحية والعقلية بينما تشدد اللائيكية المشتقة من اليونانية على الجانب المؤسسي، لكنه يؤكد أن هذه المعاني ليست ثابتة بل متحولة عبر التاريخ. ويعرف العلمانية الجامعة بأنها مساواة المرجعية الدينية بغيرها من المرجعيات في المجتمع، وجعل الدين أمراً شخصياً والتجمعات الدينية كغيرها من التجمعات الاختيارية. هذا التحديد المنهجي يفتح الطريق أمام نقاش تاريخي عميق لا يكتفي بالأسئلة المباشرة عن "هل العلمانية كفر أم إيمان؟"، بل يتجاوزها إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف تحولت المجتمعات الأوروبية إلى العلمانية، وما الذي يمكن أن نتعلمه من هذا التحول لتفسير التحولات العربية.
يخصص المؤلف قسماً مهماً لتفكيك الصورة النمطية الساذجة التي يروجها بعض المثقفين العرب عن العلاقة بين الدين والحياة العامة في الحاضرة المسيحية. يرفض الفكرة القائلة بأن العلمانية ترتيب للحياة العامة تأمر به المسيحية انطلاقاً من عبارة "أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، ويرى أن هذه المعالجة تخلط بين النص المقدس والواقع التاريخي المعقد. ويؤكد أن المسيحية لم تخرج عن دأب الأديان التوحيدية النبوية في حصر المرجعية الروحية ثم القانونية العامة عندما اتصلت بالسياسة، وينطبق هذا على المسيحية البيزنطية والبابوية الغربية كما ينطبق على الإسلام في عصور كثيرة. ويقارن بين الوثنية الرومانية التي كانت ديانة توليفية تسامحية سمحت بالتعايش بين الجماعات، وبين الامبراطورية البيزنطية المسيحية التي جرى فيها تسييس العلاقات الطوائفية وأصبح التسامح الديني مرهوناً بالولاء للأكثرية. هذه المقارنة التاريخية الدقيقة تضع حداً للرومانسية التاريخية التي تغلف صورة أوروبا أو تبتذلها في الخطاب العربي المعاصر.
يمتد العرض التاريخي لتطور العلاقة بين الكنيسة والدولة في أوروبا عبر قرون طويلة، فيذكر أن الامبراطورية البيزنطية كانت مثال الدولة الدينية المسيحية بلا منازع، وأن النصوص الدينية وقرارات المجامع الكنسية دخلت القانونين العام والخاص في عهد جوستنيان. ثم ينتقل إلى الحديث عن روما حيث أصبحت الكنيسة السلطة الوحيدة المتماسكة بعد الغزوات البربرية، وصارت راعية للامبراطورية الرومانية المقدسة التي تأسست عام 800 عندما توج البابا ليو الثالث كارل الكبير امبراطوراً. ويشير إلى أن السلطة الكنسية بلغت ذروتها في العصر الذهبي للقانون الكنسي في القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، حيث فرضت الكنيسة سيطرتها على الزواج وانتقلت إلى تقنين قوانين الحرب والسلطات السياسية، لكنه يلفت النظر إلى أن القانون الكنسي لم يكن جارياً بالضرورة في كل حيز التطبيق، وأن المدن الأوروبية حافظت على استقلاليتها القانونية مما سمح لها لاحقاً بإنتاج الرأسمالية والفكر العلماني. هذه الملاحظة الأخيرة بالغة الأهمية، إذ تفسر كيف تمكنت أوروبا من تجاوز هيمنة الكنيسة دون أن تمر بمرحلة الانهيار الكامل للبنى الاجتماعية.
يخصص المؤلف جزءاً موسعاً للحديث عن الإصلاحين البروتستانتي والكاثوليكي في القرن السادس عشر وما تلاه، معتبراً أن الصورة المبسطة عن الصراع بين الدين والدولة في أوروبا التي كان ينشرها المثقفون العرب تخالف الواقع التاريخي. فحركة الإصلاح البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر عام 1517 فتحت عهداً من الحروب الأوروبية التي غيرت النظام الدولي، وشكلت دولاً مركزية مرتكزة على الاستبداد الملكي والكنائس التابعة له. ويبين أن البروتستانتية كانت في بعض الأطراف تعبيراً عن نزعات استقلالية للارستقراطيات المحلية، كما في حالة الهوغونوتية الفرنسية والبروتستانتية الهولندية التي قادها بورجوازيو المدن التجارية ضد السيطرة الامبراطورية الاسبانية. وفي المقابل، قام الإصلاح الكاثوليكي بدوره في إيجاد دول متجانسة دينياً ومذهبياً، فأسس الاسبانيون ديوان تفتيش عام 1478 لامتحان الأسر ذات الأصول المسلمة واليهودية، وانعقد مجمع ترينت في الفترة 1545-1563 لتقرير العقيدة والقانون، وانتهت الحروب الدينية بمعاهدة وستفاليا للعام 1648 التي كرست مبدأ "cuius regio, eius religio" أي أن الناس على دين ملوكهم. هذا العرض التاريخي المعقد يظهر العلمانية ليس كنتيجة لانتصار العقل على الدين، بل كحصيلة صراعات دينية دامية بين المذاهب المسيحية نفسها، وانتهت إلى تسوية سياسية تسمح بالتعايش، وهذا ما يعطيه عمقاً استثنائياً بعيداً عن الخرافات التي تصور أوروبا على أنها وئام اجتماعي قام على طرد الدين من الحياة العامة دفعة واحدة.
يخلص المؤلف من هذا العرض التاريخي إلى أن حصيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت تحويل المجتمعات الأوروبية من مسيحية اسمياً إلى مسيحية بالفعل، وذلك بالتعاون مع دول مركزية احتاجت إلى تجانس ثقافي، فكانت الكنيسة هيئة ثقافية وأيديولوجية وقانونية تسيطر على أملاك واسعة وتتداخل قياداتها مع الارستقراطية، وكانت علاقتها بالدولة علاقة شراكة وتداخل وتضافر. ويلفت النظر إلى أن غير الكاثوليك كانوا محرومين من الحقوق المدنية في البلدان الكاثوليكية، والعكس صحيح في البلدان البروتستانتية، وأن كبار دعاة التسامح الديني مثل جون لوك كانوا يستثنون الكاثوليك والملحدين من تسامحهم. كما يبين أن الكنيسة لم تكن بالضرورة عائقاً في وجه البحث العلمي، وكان رجال الدين من العلماء البارزين مثل كوبرنيكوس، وأن محاكمة غاليليو كانت محاطة بمؤامرات سياسية معقدة تتعلق بالسلطة البابوية والنظرية الذرية التي تتعارض مع عقيدة الأفخاريستيا، وليس مجرد صراع بسيط بين الدين والعلم. هذا التفكيك للأسطورة الرائجة حول "صراع العلم مع الدين" يساعد القارئ العربي على فهم تعقيدات العلمانية كممارسة حياتية تتداخل فيها المصالح المادية والعقدية، بدلاً من صنمتها كقيمة مجردة.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الأسس العقلية للعلمانية، فيذكر أن اكتشافات العلم الحديث في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وخصوصاً مساهمات غاليليو وديكارت، حطمت صورة الكون كحيز هرمي قيمي مرتب على صورة سماوات وأراضٍ وأفلاك، ووضعت مكانها صورة مكان لا متناهٍ تحكمه قوانين بدلاً من طبائع كامنة. وأصبح الله بموجب ذلك فرضية غير ضرورية، كما يقول لابلاس في حديثه الشهير مع نابليون. ويرى المؤلف أن الأسس العقلية للعلمانية كانت كافية لاكتشاف حقيقة أن الثبات على الماضي أمر موهوم، واقترن هذا بصعود سياسي لفئات غير ارستقراطية أدى إلى التحولات الديمقراطية. ويشير إلى دور المؤسسات التربوية الجديدة والجامعات الايطالية في إنتاج المعارف اللغوية والتاريخية الضرورية لتقنين نصوص القانون والكتاب المقدس، وبروز الرواية كشكل أدبي جديد يتناول موضوعات دنيوية. وهنا يتضح أن العلمانية لم تكن مجرد فلسفة تفرض على المجتمع من الأعلى، بل نبتت من تحولات مادية واجتماعية عميقة.
يستعرض الفصل تطور النظرية السياسية والقانونية من نظرية الحق الطبيعي عند هوغو غروشيوس التي أرجعته إلى مضامينه الرومانية المدنية، إلى النظريات الليبرالية عند جون لوك القائمة على الحرية الاقتصادية، وصولاً إلى المذهب التقدمي الفرنسي في القرن الثامن عشر ونقد روسو اللاتاريخية الليبرالية، وما تلاه من فلسفة هيغل وأعمال ماركس. كما يتناول نشوء النقد التاريخي للنصوص المقدسة بدءاً من سبينوزا الذي بين أن العهد القديم لا يحتوي مادة معرفية للتصديق أو الرفض الواقعيين بل خطاباً أخلاقياً أسطورياً، وصولاً إلى بونبوقر ونزع الأسطورة عن النص في القرن العشرين. ويخلص إلى أن القرن التاسع عشر كان القرن الذي خضع فيه الفكر الديني نفسه إلى منطق مستقل من خارج الدين، واكتشفت أصول الإنسان التاريخية والجيولوجية في سلم ترقي حيواني، فأصبحت الحضارة الحديثة الوحيدة التي اعترفت بأنها أفضل في حاضرها منها في بداياتها. في ختام العرض الأوروبي، يميز المؤلف بين النموذجين الفرنسي والسوفياتي في التعامل مع الدين: ففرنسا التي شهدت صراعاً مريراً بين الدولة والكنيسة طوال القرن التاسع عشر، انتهت بالفصل الرسمي التام للكنيسة عن الدولة عام 1905، أما الاتحاد السوفياتي الذي اتبع النموذج اليعقوبي فقد أعلن نفسه دولة ملحدة محاربة للدين استناداً إلى ماركسية الحزب البلشفي.
بعد هذا الاستعراض التاريخي الأوروبي الطويل، ينتقل المؤلف إلى الحديث عن الإسلام والدنيا، مؤكداً أن ما يصدق من مبادئ عامة على التواريخ المسيحية يصدق على تواريخ الإسلام أيضاً: من التحول، ومن أن علاقة النص المقدس بالتاريخ اللاحق ليست علاقة محاكاة للتاريخ للنص، بل إن الواقع هو ما يفرض المعاني على النصوص بتفسيره وتأويله إياها على نحو يوهم بالإذعان لها في حين أن النص هو المذعن للتاريخ في واقع الأمر. ويعلن المؤلف أنه لن يتناول بالنقاش الآيات القرآنية المعنية بأمور السلطة والحكم لأن السياسات الإسلامية المحمدية منها علامات على تحولات التاريخ وليس العكس. هذا الموقف المنهجي الجريء يقلب العلاقة التقليدية بين النص والواقع، فبدلاً من اعتبار الواقع تفسيراً للنص، يرى أن النص في حقيقته التاريخية هو ابن واقعه، والدراسة الجادة للسيرورة التاريخية هي التي تكشف هذه العلاقة.
ينتهي الفصل التمهيدي بهذا التأسيس المنهجي الذي يضع أسس الدراسة الكاملة للكتاب، والمتمثلة في دولة التنظيمات في القرن التاسع عشر كمحطة الانقطاع مع الماضي والاندراج في زمانية التاريخ العالمي، ثم علمنة الفكر، واستمراريات مشروع الدولة الحديثة، والدعوة إلى ضرورة العلمانية في وطن عربي يعيش التخلف الاقتصادي والصراعات الأهلية، والذي لن يجد مخرجاً تاريخياً منجياً نحو المستقبل إلا إذا تصالح مع التاريخ واعتمد الديمقراطية وقبول التعددية منهجاً في إدارة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. إن هذا الكتاب يؤسس لرؤية العلمانية كشرط حيوي للخروج من المآزق العربية، لكنه يفعل ذلك بطريقة غير تعليمية أو صدامية، فهو لا يطلب من القارئ العربي أن "يؤمن" بالعلمانية كعقيدة بديلة، بل يقدم له بغنى تاريخي وتحليل دقيق كيف تحولت المجتمعات فعلياً، وكيف يمكن فهم التحولات العربية الكبرى في إطار هذا المثال التاريخي الكوني، دون إغفال الخصوصيات المحلية.
يمكن القول إن أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، بناءً على المادة المقدمة، تتمثل في أمرين: أولهما يتمثل في التجانس الذي يقيمه المؤلف بين المسار الأوروبي نحو العلمانية والمسارات العربية، إذ قد يرى البعض أن خصوصية المسلمين في تعلقهم بالنص الشرعي أحكاماً وتشريعات تجعل من هذه التجربة أمراً أقل قابلية للانتقال، غير أن المؤلف يرد على هذا مسبقاً بكشفه عن أن "السياسات المحمدية" نفسها كانت علامات على تحولات التاريخ، وهذا يعني أن النص المسيحي والإسلامي معاً وقعا في شبكة التاريخ الذي يحولهما ويفسرهما، وهذه سيرورة كونية لا تصدر عن طبيعة خاصة لإسلام دون مسيحية. وثانيهما يتمثل في الاستنتاج السياسي الذي يقود إليه الكتاب تماماً، وهو أن الديمقراطية وقبول التعددية هما المخرج الوحيد للعرب، وهذا الكلام الذي قد يبدو بدهياً في سياقات أخرى، يحمل في سياق الكتاب العربي راهناً ثقيلاً إلا أنه يظل خلاصة أمينة للتحليل التاريخي الوارد، الذي يحول العالم العربي إلى جزء من العالم الحديث بكل تناقضاته أكان ذلك على الصعيد الفكري أم السياسي.
يبقى هذا الكتاب عملاً بالغ الأهمية في المكتبة العربية الحديثة، ليس لأنه يقدم إجابات جاهزة حول العلمانية فحسب، بل لأنه يقدم منهجاً في قراءة التاريخ يليق بتعقيدات اللحظة الراهنة، ويدعو إلى تصالح العرب مع تاريخهم الكامل، بكل تجلياته المسيحية والإسلامية والعلمانية، بوصفه الطريق الوحيد نحو مستقبل يمكن احتماله.
الأشخاص
الفصول(1)
1.مقدمة / الدين والدنيا في منظار التاريخ / دولة التنظيمات ومشروع الكونية11–142▼ ملخص
بعد مقدمة المؤلف عن الحداثة ودخول العرب في التاريخ العالمي الحديث، ينتقل عزيز العظمة في هذا الفصل التمهيدي إلى وضع تصوره المنهجي لدراسة العلمانية في الفكر والحياة العربيين. يرى المؤلف أن دخول العرب الحداثة كان دخولاً متفاوت الوتائر، لكنه شكّل واقعاً تاريخياً لا انفكاك عنه، وأن العلمانية كواقع تاريخي عربي قائمة حتى لو لم يصاحبها فكر علماني منظم. فالعلمانية عنده ليست وصفة جاهزة تطبق أو ترفض، بل هي حصيلة تحولات تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية معقدة، ولا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى تاريخها الكوني ووجهته العامة.
يستعرض الفصل أولاً مسألة المصطلح، فيبين أن عبارة "العلمانية" دخلت اللغة العربية في بدايات القرن العشرين تقريباً، ومن المرجح أن اشتقاقها جاء من "العلم" وليس من "العالم"، على الرغم من المحاولات المتأخرة لإرجاعها إلى هذا الأخير. ويشير المؤلف إلى أن المصطلحات الأوروبية المختلفة كالسيكولارية الفرنسية واللائيكية المشتقة من اليونانية تحمل دلالات تاريخية مختلفة: الأولى تؤكد النواحي الروحية والعقلية، والثانية تشدد على الجانب المؤسسي، لكن هذه المعاني ليست ثابتة بل متحولة عبر التاريخ. فالعلمانية الجامعة تعني مساواة المرجعية الدينية بغيرها من المرجعيات في المجتمع، وجعل الدين أمراً شخصياً والتجمعات الدينية كغيرها من التجمعات الاختيارية.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى مناقشة العلاقة بين الدين والحياة العامة في الحاضرة المسيحية، رافضاً الفكرة الساذجة التي يروجها بعض المثقفين العرب من أن العلمانية ترتيب للحياة العامة تأمر به المسيحية انطلاقاً من عبارة "أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر". فهذه المعالجة تخلط بين النص المقدس والواقع التاريخي المعقد، وتفترض أن لكل وحدة تاريخية طابعاً نهائياً ثابتاً منذ البداية. ويؤكد العظمة أن المسيحية لم تخرج عن دأب الأديان التوحيدية النبوية في حصر المرجعية الروحية ثم القانونية العامة عندما اتصلت بالسياسة، وينطبق هذا على المسيحية البيزنطية والبابوية الغربية كما ينطبق على الإسلام في عصور كثيرة. ويقارن المؤلف بين الوثنية الرومانية التي كانت ديانة توليفية تسامحية سمحت بالتعايش بين الجماعات، وبين الامبراطورية البيزنطية المسيحية التي جرى فيها تسييس العلاقات الطوائفية وأصبح التسامح الديني مرهوناً بالولاء للأكثرية.
يقدم الفصل عرضاً تاريخياً موسعاً لتطور العلاقة بين الكنيسة والدولة في أوروبا، فيذكر أن الامبراطورية البيزنطية كانت مثال الدولة الدينية المسيحية بلا منازع، وأن النصوص الدينية وقرارات المجامع الكنسية دخلت القانونين العام والخاص في عهد جوستنيان. ثم ينتقل إلى الحديث عن روما حيث أصبحت الكنيسة السلطة الوحيدة المتماسكة بعد الغزوات البربرية، وصارت راعية للامبراطورية الرومانية المقدسة التي تأسست عام 800 عندما توج البابا ليو الثالث كارل الكبير امبراطوراً. ويشير المؤلف إلى أن السلطة الكنسية بلغت ذروتها في العصر الذهبي للقانون الكنسي في القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، حيث فرضت الكنيسة سيطرتها على الزواج وانتقلت إلى تقنين قوانين الحرب والسلطات السياسية. لكنه يلفت النظر إلى أن القانون الكنسي لم يكن جارياً بالضرورة في كل حيز التطبيق، وأن المدن الأوروبية حافظت على استقلاليتها القانونية مما سمح لها لاحقاً بإنتاج الرأسمالية والفكر العلماني.
يخصص المؤلف جزءاً مهماً من الفصل للحديث عن الإصلاحين البروتستانتي والكاثوليكي في القرن السادس عشر وما تلاه، فبعد أن كان المثقفون العرب ينشرون صورة مبسطة عن الصراع بين الدين والدولة في أوروبا، يؤكد العظمة أن هذه الصورة تخالف الواقع التاريخي. فحركة الإصلاح البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر عام 1517 فتحت عهداً من الحروب الأوروبية التي غيرت النظام الدولي، وشكلت دولاً مركزية مرتكزة على الاستبداد الملكي والكنائس التابعة له. ويبين المؤلف أن البروتستانتية كانت في بعض الأطراف تعبيراً عن نزعات استقلالية للارستقراطيات المحلية، كما في حالة الهوغونوتية الفرنسية والبروتستانتية الهولندية التي قادها بورجوازيو المدن التجارية ضد السيطرة الامبراطورية الاسبانية. وفي المقابل، قام الإصلاح الكاثوليكي بدوره في إيجاد دول متجانسة دينياً ومذهبياً، فأسس الاسبانيون ديوان تفتيش عام 1478 لامتحان الأسر ذات الأصول المسلمة واليهودية، وانعقد مجمع ترينت في الفترة 1545-1563 لتقرير العقيدة والقانون، وانتهت الحروب الدينية بمعاهدة وستفاليا للعام 1648 التي كرست مبدأ "cuius regio, eius religio" أي أن الناس على دين ملوكهم.
يخلص المؤلف من هذا العرض التاريخي إلى أن حصيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت تحويل المجتمعات الأوروبية من مسيحية اسمياً إلى مسيحية بالفعل، وذلك بالتعاون مع دول مركزية احتاجت إلى تجانس ثقافي، فكانت الكنيسة هيئة ثقافية وأيديولوجية وقانونية تسيطر على أملاك واسعة وتتداخل قياداتها مع الارستقراطية، وكانت علاقتها بالدولة علاقة شراكة وتداخل وتضافر. ويلفت النظر إلى أن غير الكاثوليك كانوا محرومين من الحقوق المدنية في البلدان الكاثوليكية، والعكس صحيح في البلدان البروتستانتية، وأن كبار دعاة التسامح الديني مثل جون لوك كانوا يستثنون الكاثوليك والملحدين من تسامحهم. كما يبين أن الكنيسة لم تكن بالضرورة عائقاً في وجه البحث العلمي، وكان رجال الدين من العلماء البارزين مثل كوبرنيكوس، وأن محاكمة غاليليو كانت محاطة بمؤامرات سياسية معقدة تتعلق بالسلطة البابوية والنظرية الذرية التي تتعارض مع عقيدة الأفخاريستيا، وليس مجرد صراع بسيط بين الدين والعلم.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الأسس العقلية للعلمانية، فيذكر أن اكتشافات العلم الحديث في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وخصوصاً مساهمات غاليليو وديكارت، حطمت صورة الكون كحيز هرمي قيمي مرتب على صورة سماوات وأراضٍ وأفلاك، ووضعت مكانها صورة مكان لامتناهٍ تحكمه قوانين بدلاً من طبائع كامنة. وأصبح الله بموجب ذلك فرضية غير ضرورية، كما يقول لابلاس في حديثه الشهير مع نابليون. ويرى المؤلف أن الأسس العقلية للعلمانية كانت كافية لاكتشاف حقيقة أن الثبات على الماضي أمر موهوم، واقترن هذا بصعود سياسي لفئات غير ارستقراطية أدى إلى التحولات الديمقراطية. ويشير إلى دور المؤسسات التربوية الجديدة والجامعات الايطالية في إنتاج المعارف اللغوية والتاريخية الضرورية لتقنين نصوص القانون والكتاب المقدس، وبروز الرواية كشكل أدبي جديد يتناول موضوعات دنيوية.
يستعرض الفصل تطور النظرية السياسية والقانونية من نظرية الحق الطبيعي عند هوغو غروشيوس التي أرجعته إلى مضامينه الرومانية المدنية، إلى النظريات الليبرالية عند جون لوك القائمة على الحرية الاقتصادية، وصولاً إلى المذهب التقدمي الفرنسي في القرن الثامن عشر ونقد روسو اللاتاريخية الليبرالية، وما تلاه من فلسفة هيغل وأعمال ماركس. كما يتناول نشوء النقد التاريخي للنصوص المقدسة بدءاً من سبينوزا الذي بين أن العهد القديم لا يحتوي مادة معرفية للتصديق أو الرفض الواقعيين بل خطاباً أخلاقياً أسطورياً، وصولاً إلى بونبوقر ونزع الأسطورة عن النص في القرن العشرين. ويخلص المؤلف إلى أن القرن التاسع عشر كان القرن الذي خضع فيه الفكر الديني نفسه إلى منطق مستقل من خارج الدين، واكتشفت أصول الإنسان التاريخية والجيولوجية في سلم ترقي حيواني، فأصبحت الحضارة الحديثة الوحيدة التي اعترفت بأنها أفضل في حاضرها منها في بداياتها.
في ختام العرض الأوروبي، يميز المؤلف بين النموذجين الفرنسي والسوفياتي في التعامل مع الدين: ففرنسا التي شهدت صراعاً مريراً بين الدولة والكنيسة طوال القرن التاسع عشر، انتهت بالفصل الرسمي التام للكنيسة عن الدولة عام 1905، أما الاتحاد السوفياتي الذي اتبع النموذج اليعقوبي فقد أعلن نفسه دولة ملحدة محاربة للدين استناداً إلى ماركسية الحزب البلشفي. ويستنتج المؤلف من هذا كله أن العلمانية ليست ظاهرة بسيطة، بل هي حصيلة تحولات تاريخية معقدة، لها وجوه معرفية ومؤسسية وسياسية وأخلاقية، وأنها ليست شأناً تام التحقق بل أشكال ومسارات تعتمد على الظروف التي نشأت عنها.
ينتقل المؤلف أخيراً إلى الحديث عن الإسلام والدنيا، مؤكداً أن ما يصدق من مبادئ عامة على التواريخ المسيحية يصدق على تواريخ الإسلام أيضاً: من التحول، ومن أن علاقة النص المقدس بالتاريخ اللاحق ليست علاقة محاكاة للتاريخ للنص، بل إن الواقع هو ما يفرض المعاني على النصوص بتفسيره وتأويله إياها على نحو يوهم بالإذعان لها في حين أن النص هو المذعن للتاريخ في واقع الأمر. ويعلن المؤلف أنه لن يتناول بالنقاش الآيات القرآنية المعنية بأمور السلطة والحكم لأن السياسات الإسلامية المحمدية منها علامات على تحولات التاريخ وليس العكس. ينتهي الفصل بهذا التمهيد المنهجي الذي يضع أسس الدراسة التي سيتناولها الكتاب في فصوله اللاحقة، والمتمثلة في دولة التنظيمات في القرن التاسع عشر كمحطة الانقطاع مع الماضي والاندراج في زمانية التاريخ العالمي، ثم علمنة الفكر، واستمراريات مشروع الدولة الحديثة، والدعوة إلى ضرورة العلمانية في وطن عربي يعيش التخلف الاقتصادي والصراعات الأهلية، والذي لن يجد مخرجاً تاريخياً منجياً نحو المستقبل إلا إذا تصالح مع التاريخ واعتمد الديمقراطية وقبول التعددية منهجاً في إدارة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.