المورد
محمد بن عبد الوهاب

محمد بن عبد الوهاب

عزيز العظمة١ كانون الثاني ٢٠٠٠arدار الساقي

يتمحور كتاب عزيز العظمة عن محمد بن عبد الوهاب حول تقديم قراءة تركيبية لأفكار الشيخ الإصلاحية كما وردت في نصوصه ورسائله، مركزاً على الثنائية الحادة التي تشكل صلب الدعوة: التوحيد الخالص مقابل الشرك بكل صوره. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن رسالة الشيخ لم تكن مجرد دعوة إلى تجديد العقيدة، بل كانت مشروعاً متكاملاً لتحديد معالم الإسلام الصحيح الذي ينبغي أن تقوم عليه حياة المسلمين فرداً وجماعة، من خلال تأكيد أن العبادة لا تُقبل إلا بخلوصها لله وحده، وأن أي صرف لشيء منها لغير الله، مهما كان الدافع، يُخرج صاحبه من الملة. ويستند الكتاب في بناء هذه الرؤية إلى نصوص الشيخ نفسه، ناقلاً أسلوبه التعليمي الذي يجمع بين عرض الأدلة من القرآن والسنة واستنباط المسائل الفقهية والعقدية منها، ليرسم صورة واضحة لحدود الدين كما فهمها ودعا إليها.

يسير الكتاب في بنيته عبر قسمين رئيسيين يكمل أحدهما الآخر، حيث ينتقل من تأسيس العقيدة الصحيحة إلى تفكيك ما يخالفها من معتقدات وممارسات. يبدأ القسم الأول، المعنون «العقائد الحقة»، بتحديد ستة أصول للدين يتصدرها إخلاص الدين لله وبيان ضده وهو الشرك، ثم يستعرض نصوصاً من كتاب التوحيد تفسر الآيات والأحاديث لتأكيد أن التوحيد لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت وعدم اتخاذ وسائط بين العبد وربه. ويستخدم الفصل أمثلة تاريخية حاسمة، كحال أبي جهل ومن وصفهم بالمشركين، لإثبات أن الإقرار بتوحيد الربوبية (أن الله هو الخالق الرازق) لم يكن كافياً لدخولهم في الإسلام ما داموا يدعون الصالحين ويتخذونهم شفعاء، فكان دعاؤهم للأولياء والاستغاثة بهم هو عين الشرك الأكبر التي جعلت دماءهم وأموالهم حلالاً للنبي ﷺ. ويختم هذا القسم برسالة الشيخ إلى أحد طلابه التي تلخص قواعد التوحيد الأربع، مع تركيز خاص على مقارنة بين شرك الأولين وشرك أهل زمانه، حيث يرى الشيخ أن مشركي عصره أعظم شركاً لأنهم يستغيثون حتى بالطواغيت والكفار في الشدائد، بينما كان المشركون الأوائل يخلصون لله عند نزول الضر في البحر، مما يبرز إلحاح الشيخ على خطورة ما يراه ممارسات شركية معاصرة له.

أما القسم الثاني، «نقائض الحق»، فيكمل الصورة بالانتقال من تأسيس العقيدة إلى تفكيك ما يناقضها، مقدماً رسالة عقائدية ووعظية حادة تهدف إلى تحديد الحدود الفاصلة بين التوحيد والشرك وتقديم أدلة نصية على تكفير من يقع في مخالفات عقائدية معينة حتى لو أظهر بعض شعائر الإسلام. يبدأ الفصل بتأكيد أن العبادة لا تصح إلا بخلوصها من الشرك، ثم يحلل دوافع المشركين الأوائل الذين كانوا يقولون إنهم ما دعوا الأصنام والصلحاء إلا لطلب القربة والشفاعة، ليفصل القاعدة الثالثة التي تقول إن النبي ﷺ قاتل جميع أصناف المشركين دون تفريق بينهم، مستشهداً بآيات قرآنية لكل حالة وبحديث أبي واقد الليثي حين طلبوا شجرة ذات أنواط تقليداً للمشركين. ويلي ذلك سرد تاريخي لتطور الشرك منذ قصة آدم وأخذ الميثاق على ذريته، مروراً بقصة قوم نوح الذين غلوا في حب الصالحين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر حتى عبدوهم، ثم قصة إبراهيم عليه السلام وهجرته وإسكانه إسماعيل وأمه بمكة وقصة زمزم وبناء الكعبة، وانتهاءً بـعمرو بن لحي الذي يصفه المؤلف بأنه أول من غير دين إبراهيم وجاء بالأصنام من الشام إلى الحجاز، مستعرضاً أشهر أصنام العرب مثل مناة واللات والعزى.

يخصص المؤلف جزءاً مهماً من هذا القسم لقصص أهل الردة بعد وفاة النبي ﷺ، فيعدد أصنافهم من الذين رجعوا لعبادة الأصنام، والذين آمنوا بالله لكنهم منعوا الزكاة، والذين صدقوا مدعي النبوة مثل مسيلمة والأسود العنسي وطلحة الأسدي، ويبرز موقف الخليفة الأول أبي بكر الصديق الذي صمم على قتال مانعي الزكاة وإصراره على ذلك حين قال: «والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه»، وكيف أنكر الصحابة ذلك أولاً لظنهم تعارضه مع حديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، قبل أن يزول الإشكال ويجمعوا على قتالهم. ويقدم بعدها سلسلة من الأدلة على كفر من أظهر الإسلام وأبطن خلافه، مثل قصة بقايا بني حنيفة الذين تابوا وجاهدوا لكنهم امتنعوا عن إنكار من مدح مسيلمة بينهم فحكم الصحابة بكفرهم جميعاً، وقصة الغالية في علي بن أبي طالب الذين أحرقهم بالنار، وقصة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وقصة الجعد بن درهم، ودولة بني عبيد القداح، وقصة التتار الذين أظهروا الإسلام ثم كفروا، ليصل إلى النتيجة التي يريد ترسيخها بأن مجرد النطق بالشهادتين مع ترك العمل بشرائع الإسلام ليس مسوغاً للحكم بإسلام الشخص، وينتقد بشدة علماء زمانه الذين يقرون بكفر البدو ثم يحكمون بإسلامهم لمجرد قولهم «لا إله إلا الله».

يختتم الفصل بقسم طويل يعرض ما يسميه «مسائل الجاهلية»، وهي قائمة تتجاوز المائة مسألة يذكر فيها صفات وأفعالاً ومعتقدات كان عليها أهل الجاهلية والكتابيون وبعضها من أوصاف أهل البدع، ويقابل كل واحد منها بما خالفهم فيه النبي ﷺ، من مثل: الشرك في الدعاء، والتفرق في الدين، والاعتماد على التقليد وتعظيم الأسلاف، والغلو في العلماء والصالحين، وتحريف الكتب، والكفر ببعض الآيات دون بعض، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة، والطعن في الأنساب، واتخاذ القبور مساجد وأعياداً، والذبح عندها، والتبرك بالآثار، والسحر والكهانة والعرافة. بعد هذه القائمة الطويلة، ينتقل المؤلف إلى أبواب متخصصة في أحكام التوحيد، فيفرد مسائل في تحريم لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء، وتحريم الرقى والتمائم والتولة، والنهي عن التبرك بالشجر والحجر، واعتبار النذر لغير الله شركاً، وكذلك الاستعاذة بغير الله، والاستغاثة بغير الله والدعاء لغيره، ثم يوضح مفهوم الشفاعة التي نفاها القرآن وهي التي يُشرك فيها مع الله غيره، ويختم بتحذيرات شديدة من الغلو في الصالحين وأخذ العبرة من قصة قوم نوح، ومن اتخاذ القبور مساجد والصلاة عندها، وبيان أن هذا الفعل هو من أشد الكبائر، ويذكر أنواع السحر وأحكامه والعيافة والطرق والكهانة والنشرة، في كل ذلك يستدل بالآيات والأحاديث مع ذكر مسائل مستنبطة من كل باب على طريقة كتب الحديث الفقهية.

من أبرز ما يصعب نسيانه في هذا الكتاب تلك الوقائع والشهادات التي يستدعيها المؤلف لتقريب الحجة، مثل مقارنة حال أبي جهل الذي أقر بأن الله هو الخالق الرازق لكنه أشرك في الألوهية بدعائه الصالحين، وقصة عمرو بن لحي بوصفه أول من غير دين إبراهيم وجاء بالأصنام إلى الحجاز، وحادثة شجرة ذات أنواط التي طلبها الصحابة تقليداً للمشركين فرفضها النبي ﷺ واصفاً إياها بأنها سنة من قبلهم، وموقف أبي بكر الصديق الحاسم في حرب الردة وقوله المشهور عن العقال الذي كان يؤدى إلى رسول الله، وقصة بقايا بني حنيفة الذين حكم الصحابة بكفرهم جميعاً لمجرد امتناعهم عن إنكار من مدح مسيلمة بينهم. كما أن القائمة الطويلة لمسائل الجاهلية التي تتجاوز المائة مسألة تشكل وثيقة نادرة تجمع تفاصيل الحياة الشعبية والدينية التي كانت سائدة، وما قابلها من مخالفة النبي ﷺ، مما يعطي القارئ صورة شبه موسوعية عن المعتقدات والممارسات التي استهدفتها دعوة الشيخ.

يعترف الكتاب في ثناياه بحدود ما يقدمه، إذ يعتمد اعتماداً أساسياً على نقل نصوص الشيخ نفسه وملخصاتها، وليس على عرض سياق تاريخي موسع أو مناقشة آراء مخالفيه بالتفصيل، كما أن الحكم على كثير من الروايات التاريخية التي يسردها، مثل قصة الكذبات الثلاث المنسوبة إلى إبراهيم عليه السلام أو تفاصيل قصة آدم مع داود وأربعين سنة من عمره، يتركها النص كما وردت دون تمحيص أو تعليق نقدي. كما يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول حدود التكفير ودلالات النطق بالشهادتين، وهو ما يعكسه النص نفسه في نقده الشديد لعلماء زمانه الذين يقرون بكفر البدو ثم يحكمون بإسلامهم لمجرد قولهم «لا إله إلا الله»، دون أن يقدم حلاً إجرائياً واضحاً لكيفية الجمع بين هذا الموقف وبين النصوص التي تحقن الدماء بالنطق بالشهادة.

يقدم الكتاب رؤية حادة ومتقدمة في باب التكفير، تجعل العمل بمقتضى التوحيد شرطاً في نجاة صاحبه، وتعتبر الإعراض عن الشرائع بعد النطق بالشهادة عملاً مكفراً، ومن هنا تبرز حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة، خاصة فيما يتعلق بالحكم على من يمارس التوسل والاستغاثة والتبريك بالقبور بأنه مشرك كافر، وهو ما يظل نقطة خلاف جوهرية بين المدرسة التي يمثلها المذهب الذي أسسه محمد بن عبد الوهاب وبين مدارس إسلامية أخرى. كما أن المقارنة بين شرك أهل الجاهلية وشرك أهل زمان الشيخ قد تبدو مبالغاً فيها في نظر بعض القراء، إذ يصعب التسليم بأن من يستغيث بالصالحين في الرخاء والشدة مع إقامته لشعائر الإسلام يقع في الكفر الأكبر الذي استحل به النبي ﷺ دماء المشركين الأوائل، خاصة مع اختلاف السياقات التاريخية والعقدية بين البيئتين. يعرض الكتاب هذه المواقف كما وردت في النصوص دون أن يحسم الجدل، تاركاً للقارئ أن يزن الأدلة والحجج في ضوء فهمه العام للشريعة ومقاصدها.

الفصول(2)

1.القسم الأول: العقائد الحقة17–45▼ ملخص

هذا الفصل، وهو بعنوان «القسم الأول: العقائد الحقة» من كتاب عزيز العظمة عن محمد بن عبد الوهاب، يعرض نصوصاً من رسائل الشيخ ومؤلفاته التي تؤسس لعقيدة التوحيد وترفض ما يعتبره شركاً. المحور الأساسي الذي يدور حوله الفصل هو تعريف التوحيد الخالص وتقديمه كأساس للإسلام، مقابل الشرك الذي يعتبره الشيخ منتشراً بين المسلمين في زمنه.

يسير الفصل بخطى منهجية عبر عدة نصوص ومقالات. يبدأ بذكر «ستة أصول» للدين، يتصدرها إخلاص الدين لله وبيان ضده وهو الشرك. ينتقل بعدها إلى نصوص من كتاب التوحيد للشيخ، حيث يفسر آيات قرآنية وأحاديث نبوية لتأكيد أن العبادة يجب أن تكون لله وحده، وأن التوحيد لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت وعدم اتخاذ وسائط بين العبد والله. ويستخدم الفصل أمثلة تاريخية كحال أبي جهل ومن وصفهم بالمشركين، لبيان أن الإقرار بتوحيد الربوبية (أن الله هو الخالق الرازق) لم يكن كافياً لدخولهم في الإسلام ما داموا يدعون الصالحين والملائكة ويتخذونهم شفعاء. يهدف هذا التمثيل إلى تأكيد أن دعاء الأولياء والاستغاثة بهم هو عين الشرك الأكبر، وهو جوهر رسالة الشيخ.

يتناول الفصل أيضاً موضوعات فرعية عديدة مثل: بيان أولياء الله وتمييزهم عن المتشبهين بهم، والحث على الاجتماع في الدين والسمع والطاعة لولي الأمر، وذم المراء والجدال في الدين، والنهي عن التكلف في القول، وعن الحلف بغير الله، والتأكيد على الإيمان بالقدر خيره وشره. في كل باب، يسرد المؤلف آيات وأحاديث ثم يستخلص منها مسائل فقهية وعقدية، ناقلاً بذلك أسلوب محمد بن عبد الوهاب التعليمي المباشر في عرض العقيدة.

في نهاية الفصل، تبرز رسالة موجهة لأحد طلابه تُلخص قواعد التوحيد الأربع، مع التركيز على أن المشركين الذين قاتلهم النبي محمد ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية لكنهم أشركوا في الألوهية بدعائهم الصالحين، وهذا هو سبب كفرهم. كما يشير الفصل إلى أن شرك أهل زمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد يكون أعظم، لأنهم يستغيثون حتى بالطواغيت والكفار في الشدائد بعد أن كان المشركون الأوائل يخلصون لله عند نزول الضر في البحر. هذه المقارنة تبرز إلحاح الشيخ على خطورة ما يراه ممارسات شركية معاصرة له.

2.القسم الثاني: نقائض الحق45–101▼ ملخص

هذا الفصل، المعنون «القسم الثاني: نقائض الحق»، هو في جوهره رسالة عقائدية ووعظية من محمد بن عبد الوهاب، تهدف إلى تحديد الحدود الفاصلة بين التوحيد والشرك، وتقديم أدلة نصية على تكفير من يقع في مخالفات عقائدية معينة حتى لو أظهر بعض شعائر الإسلام.

يبدأ المؤلف بأصل التوحيد، فيؤكد أن العبادة لا تصح ولا تُقبل إلا بخلوصها من الشرك، وأن المشركين الأوائل الذين قاتلهم النبي محمد ﷺ كانوا مقرين بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر للأمر، ومع ذلك لم يدخلهم هذا الإقرار في الإسلام لأنهم صرفوا شيئاً من العبادة لغير الله. ويحلل دوافعهم، فكانوا يقولون إنهم ما دعوا الأصنام والصلحاء إلا لطلب القربة والشفاعة عند الله، ثم يفصل القاعدة الثالثة بأن النبي ﷺ قاتل جميع أصناف المشركين، سواء كانوا يعبدون الشمس أو القمر أو الصالحين أو الملائكة أو الأنبياء أو الأشجار والأحجار، دون تفريق بينهم، مستشهداً بآيات قرآنية لكل حالة، ومستحضراً حديث أبي واقد الليثي الذي طلبوا فيه شجرة ذات أنواط تقليداً للمشركين، وهو ما رفضه النبي باعتباره اتباعاً لسنة من قبلهم. أما القاعدة الرابعة فيزعم فيها أن مشركي زمانه أعظم شركاً من الأولين، لأن الأولين كانوا يخلصون لله في الشدة ويشركون في الرخاء، بينما مشركي زمانه يشركون في الحالين على حد سواء.

ينتقل النص بعدها إلى سرد تاريخي لتطور الشرك، فيبدأ بقصة آدم وإخراج ذريته من صلبه وأخذ الميثاق عليهم، ويذكر رواية وهب داود أربعين سنة من عمره، ثم يصف حالة ذرية آدم الذين بقوا على دين الإسلام عشرة قرون قبل أن يحدث فيهم الشرك بسبب الغلو في حب الصالحين، في قصص ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر الذين صوروا صورهم ثم عبدوهم من بعدهم. ويتبع ذلك بسرد قصة إبراهيم عليه السلام مفصلة، مع الكذبات الثلاث المنسوبة إليه، وقصة هجرته بسارة وهاجر، وإسكانه إسماعيل وأمه بمكة، وقصة زمزم والسعي بين الصفا والمروة، وبناء البيت، وتزوج إسماعيل وطلاقه زوجته الأولى بناءً على وصية أبيه، وانتهاءً ببناء الكعبة. ثم ينتقل المؤلف للحديث عن عمرو بن لحي الذي يصفه بأنه أول من غير دين إبراهيم، إذ جاء بالأصنام من الشام إلى الحجاز ودعا الناس لعبادتها، ويستعرض أشهر أصنام العرب مثل مناة واللات والعزى، ويذكر أن العرب كانت على بقايا من دين إبراهيم حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم.

خصص المؤلف قسماً مهماً لقصص أهل الردة بعد وفاة النبي ﷺ، فيعدد أصنافهم من الذين رجعوا لعبادة الأصنام، والذين آمنوا بالله لكنهم منعوا الزكاة، والذين صدقوا مدعي النبوة مثل مسيلمة والأسود العنسي وطلحة الأسدي. ويبرز هنا موقف الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي صمم على قتال مانعي الزكاة وإصراره على ذلك حين قال: «والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه»، وكيف أنكر الصحابة ذلك أولاً لظنهم تعارضه مع حديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، قبل أن يزول الإشكال ويجمعوا على قتالهم. ويقدم المؤلف بعدها سلسلة من الأدلة التي يسميها أدلة على كفر من أظهر الإسلام وأبطن خلافه، مثل قصة بقايا بني حنيفة الذين تابوا وجاهدوا لكنهم امتنعوا عن إنكار من مدح مسيلمة بينهم فحكم الصحابة بكفرهم جميعاً، وقصة الغالية في علي بن أبي طالب الذين أحرقهم بالنار، وقصة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وقصة الجعد بن درهم، ودولة بني عبيد القداح، وقصة التتار الذين أظهروا الإسلام ثم كفروا، ليصل إلى النتيجة التي يريد ترسيخها بأن مجرد النطق بالشهادتين مع ترك العمل بشرائع الإسلام ليس مسوغاً للحكم بإسلام الشخص، وينتقد بشدة علماء زمانه الذين يقرون بكفر البدو ثم يحكمون بإسلامهم لمجرد قولهم «لا إله إلا الله».

يختتم الفصل بقسم طويل يعرض ما يسميه «مسائل الجاهلية»، وهي قائمة تتجاوز المائة مسألة، يذكر فيها صفات وأفعالاً ومعتقدات كان عليها أهل الجاهلية والكتابيون وبعضها من أوصاف أهل البدع، ويقابل كل واحد منها بما خالفهم فيه النبي ﷺ، من مثل: الشرك في الدعاء، والتفرق في الدين، والاعتماد على التقليد وتعظيم الأسلاف، والغلو في العلماء والصالحين، وتحريف الكتب، والكفر ببعض الآيات دون بعض، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة، والطعن في الأنساب، واتخاذ القبور مساجد وأعياداً، والذبح عندها، والتبرك بالآثار، والسحر والكهانة والعرافة، وغيرها من المسائل الشعبية والأخلاقية والسلوكية. بعد هذه القائمة الطويلة، ينتقل المؤلف إلى أبواب متخصصة في أحكام التوحيد، فيفرد مسائل في تحريم لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء، وتحريم الرقى والتمائم والتولة، والنهي عن التبرك بالشجر والحجر، واعتبار النذر لغير الله شركاً، وكذلك الاستعاذة بغير الله، والاستغاثة بغير الله والدعاء لغيره، ثم يوضح مفهوم الشفاعة التي نفاها القرآن وهي التي يُشرك فيها مع الله غيره، ويختم بتحذيرات شديدة من الغلو في الصالحين وأخذ العبرة من قصة قوم نوح، ومن اتخاذ القبور مساجد والصلاة عندها، وبيان أن هذا الفعل هو من أشد الكبائر، ويذكر أنواع السحر وأحكامه والعيافة والطرق والكهانة والنشرة، في كل ذلك يستدل بالآيات والأحاديث مع ذكر مسائل مستنبطة من كل باب على طريقة كتب الحديث الفقهية.

بهذا يقدم المؤلف رؤية حادة ومتقدة في باب التكفير، تجعل العمل بمقتضى التوحيد شرطاً في نجاة صاحبه، وتعتبر الإعراض عن الشرائع بعد النطق بالشهادة عملاً مكفراً. الخطب في هذا الفصل واضح في إدانته للتقليد والتعصب المذهبي، وهجومه على المخالفين له في الفهم، لكن ما يقوله النص صراحة هو دعوته إلى مراجعة ما استقر عليه عمل كثير من المسلمين في قضايا التوسل والشفاعة والتبرك، والحكم على من يمارسها بأنه مشرك كافر، وهو ما يظل نقطة خلاف جوهرية بين المدرسة التي يمثلها المذهب الذي أسسه محمد بن عبد الوهاب وبين مدارس إسلامية أخرى، وإن كان الملخص لا يجوز له أن يحسم هذا الجدل بقدر ما يعرضه كما ورد في النص.