
التأثيرات الاجتماعية والسياسية للعائلات السورية العثمانية: آل الأتاسي في العهد العثماني
يقدّم كتاب فارس الأتاسي "آل الأتاسي في العهد العثماني" دراسة اجتماعية سياسية وثائقية لتاريخ مدينة حمص خلال أربعة قرون من الحكم العثماني، متخذاً من تاريخ عائلة آل الأتاسي عدسة لفهم تحولات المدينة والمجتمع السوري الأوسع. يوضح المؤلف في التمهيد أن الكتاب ليس غاية في حد ذاته لتمجيد العائلة، بل وسيلة لفهم تاريخ حمص نفسه، إذ يرى أن تاريخ هذه العائلة يعكس تاريخ المدينة وتحولاتها بدقة. ويؤكد أن الكتاب ثمرة بحث مطول في الأرشيف العثماني الرسمي في إسطنبول، ويسير وفق منهجية تنتقل من السياق العام للدولة العثمانية وأحداث العاصمة والجبهات العسكرية، ثم تتدرج نحو الوضع في سورية فمدينة حمص ونسيجها الاجتماعي، ليركز على محاور ثلاثة رئيسية: منصب الإفتاء الذي ورثته العائلة، ومفهوم الأعيان كوسطاء بين الأهالي والسلطة، ومفهوم العائلة ذاته وتطوره عبر الزمن.
يقرّ المؤلف بحدود الدراسة منذ البداية، مشيراً إلى أن الأرشيف المحلي الرسمي لمدينة حمص عانى من التغييب والاندثار، وأن أغلب الأرشيفات الخاصة أتلفت أو بيعت، مما يجعل هذه الدراسة الأولى من الأرشيف العثماني الرسمي لتاريخ المدينة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى قدم العائلة في المجال الديني السياسي، مؤكداً أن المصادر لا تحدد ذلك بدقة، لكنه يجزم بتولي أفرادها مناصب دينية وسياسية منذ القرن الرابع عشر الميلادي على أقل تقدير. ويستعرض التمهيد إسهامات العائلة التي أنجبت ثلاثة رؤساء لسورية هم هاشم بك الأتاسي ولؤي الأتاسي ونور الدين الأتاسي، ويشير إلى أن الحمض النووي أثبت عروبة العائلة، وأن إرثها الاجتماعي والفكري ما زال مستمراً حتى اليوم.
ينطلق الفصل الأول من سؤال جوهري حول جذور عائلة آل الأتاسي قبل العهد العثماني، محاولاً تتبع أصولها في العهد المملوكي. يبدأ المؤلف بأقدم ذكر موثق لاسم العائلة، وهو مخطوط للشيخ إبراهيم الأتاسي من عام 1450م (الموافق 854 هـ)، الذي كان إماماً لجماعة الأمير التركماني طوغان بن سقلسيز في قلعة شيزر شمال غرب حماة. من هذه الوثيقة، يستنتج المؤلف أن الشيخ إبراهيم كان شيخاً وكهلاً في ذلك الوقت، وأن والده كان معروفاً أيضاً بلقب الشيخ، مما يدل على توارث العلم في العائلة قبل ذلك التاريخ بمدة لا تقل عن مئة وخمسين سنة، ويكشف عن علاقة وثيقة بين العائلة والمحيط التركماني قد تفسر لاحقاً تسمية أحد أحفادهم بـ«التركماني». ثم ينتقل الفصل إلى الشخصية المحورية في هذه الحقبة، الشيخ علي علاء الدين بن الشيخ خليل الأتاسي، الملقب بـ«علي الكبير»، الذي يُعد الجد الأعلى لجميع آل الأتاسي في حمص، وكان من كبار علماء المذهب الحنفي وشيخاً متصوفاً ذا مكانة عالية حتى أطلق عليه لقب «عزيز» في أوقافه، وهي كلمة تركية تعني الولي أو القديس.
تشكل أوقاف أمراء المماليك على الشيخ علي الكبير وأولاده وذريته ما يعتبره المؤلف أهم نقطة في تاريخ العائلة المبكر، إذ يذكر وقفين اثنين من الأمير إبراهيم بك ذو القادر، نائب حمص في عهد السلطان قايتباي، ومن الأمير المملوكي تيمور بوغا (تيمريا)، ويصف هذه الحالة بأنها فريدة، إذ لم يُعرف أن أميرين مملوكيين خصّا عائلة واحدة بهذه الطريقة، ويعزو سببها إلى دوافع سياسية تهدف لضمان استقرار المدينة عبر توطين شخصية دينية ذات نفوذ. ويؤكد استمرار هذه الأوقاف عبر العهود بتسجيلها في دفاتر الإحصاء العثمانية بعد وصول العثمانيين، ويكشف أن وقف الأمير إبراهيم بك ذو القادر أُعفيَ من ضريبة العشر بأمر سلطاني مباشر «لحرمة الولي» الشيخ علي الأتاسي، مما يجعله الوقف الذرّي الوحيد المعفي من الضرائب في مدينة حمص كلها. يخلص الفصل إلى صورة عائلة دينية سنية حنفية، لها جذور في العلم والتصوف، وتتفاعل مع السلطة السياسية سواء كانت مملوكية أو تركمانية أو عثمانية لاحقاً، مع إقرار المؤلف بحدود المصادر وبأن إبراهيم الأتاسي هو أقدم فرد تعرفه العائلة حتى الآن.
يتناول الفصل الثاني انتقال العائلة من المكانة العلمية المرموقة إلى أول أدوارها الرسمية في الحكم العثماني المبكر، متخذاً من شخصية الشهاب شمس الدين أحمد الأتاسي نموذجاً لهذا التحول. يرجع المؤلف هذا الانتقال إلى عاملين رئيسيين: تبنّي العائلة المبكر للمذهب الحنفي منذ العهد المملوكي، مما جعلها مؤهلة للاندماج في النظام العثماني، والظرف السياسي الاستثنائي المتمثل بحملة السلطان سليمان القانوني العسكرية والتي قادت إلى لقاء تاريخي غيّر مسار العائلة. يشرح المؤلف تفاصيل حملة نخجوان (1553-1554)، مبرزاً الأزمة الداخلية التي كانت الدافع الحقيقي لها، وهي مسألة ولاية العهد، حيث يصف عملية إعدام السلطان لابنه الأكبر شهزاده مصطفى خنقاً داخل خيمة والده في تشرين الأول عام 1553، وما تبعها من حزن في الجيش وعزل للصدر الأعظم رستم باشا. وفي هذا السياق المضطرب، أمضى السلطان شتاء 1553-1554 في حلب، وهناك التقى بالشهاب أحمد الذي كان قد رافقه مع مفتي دمشق، ونتيجة لهذا اللقاء حصل على منصب التدريس في المدرسة القصاعية بدمشق، ثم عاد لاحقاً إلى حمص ليصبح أول مفتٍّ للمدينة وأول مفتٍّ من العائلة، متسلماً أيضاً منصب التدريس في المدرسة النورية، وتوفي عام 1556 عن عمر يناهز 43 عاماً.
يقدم المؤلف في القسم الثاني من الفصل تحقيقاً موسعاً حول منصب الإفتاء في الدولة العثمانية لفهم طبيعة المنصب الذي تسلمه الشهاب أحمد، متتبعاً نشأته من عهد النبي محمد ﷺ، مروراً بالخلفاء الراشدين حيث فُصل عن القضاء في العهد العمري، وصولاً إلى تطوره كمؤسسة رسمية في العهد المملوكي والعثماني. يفصّل المهام المتعددة للمفتي التي لم تقتصر على إعطاء الفتوى، بل شملت التدريس والإشراف على الأوقاف ورئاسة الطرق الصوفية والمساهمة في حفظ النظام العام وحل المشاكل الاجتماعية وحتى المساعدة في تحصيل الضرائب، ويشير إلى أن المفتي لم يكن يتقاضى راتباً ثابتاً وكان يعتمد على أجور التدريس، مما يفسر وصف الشهاب أحمد بــ «المفتي المدرّس». يجمع المؤلف في النهاية إلى أن تعيين الشهاب أحمد كان خطوة مدروسة من السلطان سليمان لدعم الاستقرار في المنطقة السورية بالاعتماد على شخص من أهل البلدة، ذي مكانة علمية متوارثة ومذهب متوافق مع الدولة، وأن هذا المنصب لم يكن موجوداً قبل أن يتولاه، مما يجعله نقطة تحول جوهرية في تاريخ العائلة.
يرسم الفصل الثالث صورة مركّبة لحقبة زمنية حافلة بالتحولات تمتد من عام 1623م حتى 1730م، ويفسر حالة الركود التي أصابت الدولة العثمانية بعد عصر الازدهار وكيف انعكست على ولاياتها البعيدة. يبدأ الفصل بتأصيل تاريخي للاضطرابات منذ مقتل السلطان عثمان الثاني في 1622م، مروراً بفترة حكم مراد الرابع وجهوده لإعادة هيبة الدولة، وصولاً إلى مرحلة نفوذ عائلة كوبرولي من الصدور العظام، ثم الانتكاسات الكبرى مع فشل حصار فيينا في 1683م بقيادة قره مصطفى باشا، وما تلاها من خسائر واسعة في المجر والمورة وتوقيع معاهدة كارلوفجه في 1699م. يشير الفصل إلى أن هزيمة سلانكامين في 1691م ومعركة زينتا في 1697م مثلتا نقطتي تحول حاسمتين، إذ خسرت الدولة أعداداً كبيرة من الضباط ومساحات شاسعة من الأراضي تجاوزت 300 ألف كيلومتر مربع، ثم يتطرق إلى عهد الصدر الأعظم داماد إبراهيم باشا الذي بدأ عام 1718م وشهد تحولاً في النظرة العثمانية بالانفتاح على أوروبا، ويتجلى ذلك في تأسيس أول مطبعة في التاريخ الإسلامي عام 1727م.
ينتقل الفصل بعد هذا التمهيد الواسع إلى السياق المحلي، حيث يحلل أوضاع حمص من خلال شهادات الرحالة مثل أوليا جلبي والغزي والخياري، الذين وصفوها بأنها مدينة كبيرة لكنها تعاني الخراب رغم ما تتصف به من بساتين وحركة صناعية وتجارية نشطة. يقدم المؤلف تحليلاً وثائقياً يستند إلى "دفاتر المهمة" ليحدد القضايا الثلاث الكبرى التي شغلت الإدارة المركزية في حمص خلال القرن بين 1650-1750م، وهي: خطر البدو الذين شكلوا تهديداً مستمراً، وأوضاع العشائر التركمانية التي سعت الدولة لتوطينها كخط دفاع، وأمن طريق الحج. يضيء الفصل على البنية الاجتماعية للمدينة المنقسمة إلى شرائح وطبقات، من نخبة عسكرية مثل آل سويدان، ونخب مدنية من العلماء والتجار وكبار الأعيان، والرعية أو العامة، ويحلل مصطلح "الأعيان" معتبراً أن دورهم الأساسي هو الوساطة بين السلطة المركزية والأهالي عبر تقديم العرائض والوفود، ويشير إلى وجود أسر منافسة على المناصب مثل آل السباعي الذين نافسوا آل الأتاسي على منصب المفتي.
يخصص الفصل قسماً مهماً لدور آل الأتاسي وريادتهم للزعامة المدنية في حمص، مقسماً هذه الفترة إلى مرحلتين، الأولى مع الشيخ محمد الأتاسي (الذي توفي عام 1698م) والثانية مع ابن عمه الشيخ علي الأتاسي. يوضح المؤلف أن زعامة الشيخ محمد كانت مستندة إلى ثلاث ركائز: منصب الإفتاء، ومكانة العائلة العلمية والاجتماعية الممتدة جذورها للعهد المملوكي، وثروته الاقتصادية الكبيرة وعلاقاته الزراعية والتجارية. برزت هذه الزعامة في تحالفه شبه الكامل مع إبراهيم آغا سويدان القوة العسكرية الأولى عبر الزواج، وفي قيادة وفود الشكوى ضد الولاة الظالمين إلى مراكز الولايات وحتى إلى العاصمة اسطنبول، وفي حشد الناس للجهاد عندما صدر فرمان بالتجنيد العام، وكان مضيفاً للعلماء والوجهاء ومن أبرزهم الرحالة الصوفي عبدالغني النابلسي. يذكر المؤلف أن المصدر الرئيسي لهذه الفترة هي يوميات محمد بن مكي السيد، مع ملاحظة تحيزها الواضح لصالح آل الأتاسي مما يستلزم قراءة متأنية، ويقدم الفصل في ختامه توصيفاً للهرمية الاجتماعية في حمص، حيث يذكر أن آل الأتاسي اشتهروا بتقلد منصب إفتاء الحنفية، بينما برز آل النوحي في منصب نائب القاضي، وتنافست كل من آل النافعي وآل برم وآل جاويش على نقابة الأشراف.
يطرح الفصل الرابع موضوعاً محورياً حول تطور السياسة والعلم في بلاد الشام خلال القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر (1730-1820م)، ويركز على كيفية تحول المنطقة من نظام الحكم الذاتي القائم على الإقطاع إلى نظام الأعيان. يبدأ الفصل بشرح السياق الأوسع حيث أدت الإخفاقات العسكرية والإدارية في القرن السابع عشر إلى أزمة اقتصادية وتضخم، مما تسبب في نزاعات حول الإقطاعات، ومن هذه النزاعات برزت نخب عسكرية محلية سيطرت على إقطاعات ضخمة، مما أدى إلى انهيار نظام "التمار" وحلول نظام "المالكانه" مكانه، وهو نظام إقطاعي طويل الأمد يمنح الحائز حقوقاً شبه دائمة مقابل دفع مبالغ نقدية للخزينة. يذكر المؤلف أن أبرز المظاهر المبكرة لهذه النخب الجديدة كان آل سويدان، حكام حسياء وحماة طريق الحج الشامي، ثم ينتقل للحديث عن صعود نجم آل العظم الذين وصفهم بأنهم "أسرة آغاوات سلطانية" نجحوا في إعادة لدمشق مركز قوتها ودورها المحوري، ويضرب مثالاً على نشاطاتهم الاستثمارية مشيراً إلى أن أسعد باشا العظم شيد في حمص "خان الأسعدية" و"حمام الأسعدية"، وكانت له أملاك واسعة وقدم قروضاً للمزارعين تجاوزت 33 ألف قرش.
في المقابل، ينتقل المؤلف للتركيز على شخصية الشيخ إبراهيم الأتاسي، واصفاً إياه بأنه الحلقة الرئيسية لأغلب فروع آل الأتاسي، والذي درس في الأزهر ثم عاد ليتسلم منصب الفتوى في المدينة، لكن خلافه مع أسعد باشا العظم أدى إلى عزله، فسافر إلى حلب واسطنبول قبل أن توجه إليه الإدارة المركزية منصب مفتي طرابلس الشام حيث شغله لما يقارب خمسة عشر عاماً. يشير المؤلف إلى أن أهمية الشيخ إبراهيم تكمن في كونه الجسر الذي نقل الإرث العلمي والاجتماعي لآل الأتاسي من الحقبة القديمة إلى الحقبة الجديدة، ممثلة بابنه المفتي عبدالستار الأتاسي، الذي يبرز كشخصية فريدة تمثل المحاولة الأبرز لإنشاء علاقات سياسية مباشرة مع العاصمة اسطنبول. يلاحظ المؤلف أن هذه الحقبة شهدت تبلور مفهوم العائلة لدى آل الأتاسي بشكل أقوى من أي وقت مضى، حيث يفصل بين مصطلحي "آل" الذي يشير للوجود الديموغرافي و"عائلة" الذي يشير للثقل الاجتماعي والسياسي، وقد ترافق هذا التبلور مع تزايد ملحوظ في أفراد الأسرة مما دفعهم للتكاتف للحفاظ على ثروتهم ونفوذهم الاجتماعي، خاصة مع ظهور سلالات منافسة أخرى مثل آل الزهراوي وآل الرفاعي.
يخصص المؤلف جزءاً مهماً لتحليل وثيقة تاريخية قيمة وهي عريضة موقعة من أعيان حمص عام 1232هـ/1817م، موجهة إلى الصدر الأعظم، تحتج على توجيه قريتي "مودان" و"أكمام" إلى عهدة أحد الآغاوات بنظام المالكانه لما في ذلك من ضرر على موارد المدينة المخصصة لتغطية نفقات موسم الحج. يشير المؤلف إلى تطور ملحوظ في هذه الوثيقة، وهو تسجيل الأعيان لأسماء عائلاتهم وكنياتهم، مما يدل على اكتمال مفهوم السلالة في العمل السياسي، مقارنة بعريضات سابقة لم تكن تتضمن مثل هذه التوقيعات. يتناول الفصل أيضاً حادثة ثورة أهالي حمص عام 1241هـ/1826م على متسلم المدينة "محمد آغا ابن خير الله" بسبب فرضه ضريبة "الفروة" المستحدثة، ويبرز الدور المزدوج لآل الأتاسي، حيث يظهر المفتي عبدالستار في صورة الزعيم الشعبي الذي أفتى بقتل المتسلم، بينما يظهر حسن آغا الباكير الأتاسي كقائد عسكري نظم المقاومة، وتدل هذه الحادثة على التفاعل المميز بين أعيان الأسرة وقدرتهم على قيادة المدينة في الأزمات.
ينتقل الفصل لمناقشة العلاقات المباشرة للمفتي عبدالستار مع قصر السلطنة العثمانية من خلال رسالة محفوظة في الأرشيف العثماني موجهة إلى آغا دار السعادة "أوزون عبدالله آغا" عام 1242هـ/1826م، ويكشف عن علاقة متينة مهدت لمصاهرة مهمة بين آل الأتاسي والبلاط السلطاني، حيث تزوج سعيد بن عبدالستار من "خديجة خانم" ابنة مصطفى راقم، خطاط السلطان محمود الثاني، والتي كانت إحدى نساء البلاط، وقد نتج عن هذا الزواج انتقال بعض أوقاف السلاطين إلى آل الأتاسي بالإضافة إلى مقتنيات ثمينة مثل "الشعرة النبوية" ومصحف شريف من خط الخطاط مصطفى راقم. يتضمن الفصل أيضاً حديثاً عن النزاع الدامي بين آل الأتاسي وآل الجندي على الزعامة المحلية في حمص خلال الفترة 1829-1830م، حيث يقود سليم آغا الباكير الأتاسي حركة مسلحة بدعم من آل الدندرشي، تقتل المتسلم حسين آغا وتعتقل القاضي والمفتي من آل الجندي، قبل أن يُقبض عليه ويُعدم صلباً، وينتهي النزاع بعودة سعيد الأتاسي إلى منصب الإفتاء. يقر المؤلف بوجود حدود في المصادر التاريخية، خاصة فيما يتعلق بمرحلة الحكم المصري لسوريا (ابتداءً من عام 1831م)، حيث تنعدم المصادر المتعلقة بحمص، ويترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة العلاقات التي تبلورت بين آل الجندي وأعيان حمص المدنيين في تلك الفترة.
يقدم الفصل الخامس تحليلاً مفصلاً للتحولات الكبرى التي شهدتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، والتي عُرفت بحركة التنظيمات والإصلاحات، ويرى المؤلف أن هذه الحركة لم تكن حدثاً لحظياً بإعلان فرمان عام 1839م، بل كانت ثمرة تراكمات بدأت قبل قرن تقريباً، معيداً جذورها إلى هزائم عسكرية متلاحقة وتفسخ داخلي واضح في المؤسستين العسكرية والإدارية، خاصة بعد حصار فيينا الثاني عام 1683م. يسير المؤلف مع بدايات الإصلاح الجادة على يد السلطان سليم الثالث الذي جمع رجال الدولة في "مجلس المشورة" عام 1789م وأسس كتائب "النظام الجديد"، لكن هذه الجهود باءت بالفشل بسبب معارضة الإنكشارية وانتهت بعزله وقتله عام 1808م، ثم ينتقل إلى عهد السلطان محمود الثاني (1808-1839م) الذي يمثل مرحلة فارقة، حيث عمل على تقويض نفوذ المتنفذين المحليين وتثبيت سلطة المركز، بدءاً من "سند الاتفاق" عام 1808م، مروراً بإلغاء نظام "توسيع السلطات" للولاة، وإنشاء نظام رواتب ثابتة للموظفين عام 1838م، وإجراء أول إحصاء سكاني عام 1831م، وانتهاءً بالقضاء على طائفة الإنكشارية في "الواقعة الخيرية" عام 1826م.
لم تقف الإصلاحات عند السلطان محمود، بل تابعها خلفاؤه، فأعلن السلطان عبد المجيد الأول فرمان التنظيمات عام 1839م بعد عودة الحكم العثماني إلى سورية، والذي نص على أمن الأموال والأعراض ونظام القرعة العسكرية وإنشاء مجلس للأحكام العدلية، ثم تلاه فرمان الإصلاحات عام 1856م الذي أكد مبدأ المساواة بين جميع الرعايا، ثم جاء عهد السلطان عبد العزيز ليستكمل المسيرة بقانون الولايات عام 1864م الذي أنشأ مجالس إدارية منتخبة، وقوانين تنظم الجنسية العثمانية عام 1869م، وتمهيداً لإعلان أول دستور عثماني "القانون الأساسي" عام 1876م. على المستوى المحلي، يوضح الفصل أن حمص تأثرت بهذه الإصلاحات مباشرة، حيث استُحدثت أجهزة جديدة كلياً في المدينة، بدءاً من تحول منصب المتسلم إلى "قائمقام"، مروراً بتأسيس "مجلس إدارة القضاء" و"المجلس البلدي" و"المحكمة الابتدائية" و"محكمة التجارة" عام 1868م، ووصولاً إلى دوائر حديثة كالبريد والبرق عام 1883م والشرطة عام 1889م والبنك الزراعي، كما ظهرت المدارس النظامية الحديثة وافتتحت "المدرسة الرشدية" عام 1870م و"المدرسة العلمية" كأول مدرسة ثانوية بجهود محلية عام 1904م.
يعتمد المؤلف في تحليله على مقارنة بين مفهومي "المتنفذين" و"الأعيان"، ويستعرض تحقيباً من 8 مراحل اقتبسه من الباحثين بربير وخوري لفهم تطور علاقة الأعيان بالسلطة المركزية في دمشق ثم يطبقه على حالة حمص. يخلص المؤلف إلى أن فترة الحكم المصري (1831-1840م) كانت صادمة للنخبة التقليدية، حيث جرّدها إبراهيم باشا من صلاحياتها القضائية والإدارية ووسّع مشاركة المسيحيين، لكنها مهدت لقبول الإصلاحات العثمانية لاحقاً، وبعد عودة العثمانيين وعلى الرغم من أن قوانين الولايات شكلت تحدياً للإرث شبه الديمقراطي، إلا أن الإطار القانوني الجديد منح العائلات القديمة مثل آل الأتاسي والزهراوي والرفاعي فرصة لتثبيت مواقعها بقوة أكبر من خلال البيروقراطية الجديدة، فحافظوا على مناصبهم ومكانتهم بل ووسّعوها واستوعبوا التغييرات بدل معارضتها كما فعلت بعض العائلات الدمشقية. ينهي المؤلف الفصل بالتأكيد على أن دور آل الأتاسي في الفترة الكلاسيكية كان يعتمد على منصب الإفتاء الذي يتولاه شخص واحد، لكن الإصلاحات الجديدة وفرت لهم مناصب ووظائف متعددة، فامتد حضورهم ليشمل مجلس المدينة والمحكمة والبلدية وهيئة المعارف، ويلخص أهميتهم في أنهم كانوا المحرك الرئيسي لتطبيق التنظيمات في حمص، وأنهم سارعوا لملء الفراغ الإداري في الأجهزة الجديدة مقدمين نموذجاً في التأقلم مع المتغيرات والاستفادة منها بدلاً من معارضتها.
تتناول الفصول الثلاثة الأخيرة الدور البارز الذي لعبته عائلة آل الأتاسي في النهضة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية لمدينة حمص بعد إصلاحات التنظيمات، ويقدّم المؤلف حجة أساسية مفادها أن مساهمة العائلة في تحديث المدينة كانت الأكبر والأهم، مستنداً إلى خلفيتهم العلمية والدينية العريقة وتاريخهم الطويل في المدينة. يبدأ الفصل الأول من هذه الفصول بتتبع تواجد أفراد العائلة في مختلف المؤسسات العثمانية الجديدة، فيذكر أن حسن أفندي الأتاسي كان عضواً في أول مجلس بلدي مسجل في السجلات العثمانية عام 1869م، وأن عمر أفندي الأتاسي كان أبرز من تولى رئاسة البلدية بين عامي 1912-1915م، ويشير إلى إنجازاته مثل إدخال الإنارة العامة للمدينة بـ 24 مصباحاً كبيراً و200 قنديل للأزقة، وتأسيس لجنة أمنية من عشرة ضباط و80 حارساً، وإصلاح الط
الأشخاص
الفصول(9)
1.تمهيد-19–53▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب فارس الأتاسي "آل الأتاسي في العهد العثماني" الإطار العام للدراسة، مبيّنًا دوافعها ومنهجيتها ومصادرها، ومستعرضًا بإيجاز تاريخ مدينة حمص وعائلة آل الأتاسي. يؤكد المؤلف منذ البداية أن هذا الكتاب هو ثمرة جهد تراكمي وبحث مطوّل في الأرشيف، وأنه ليس الهدف منه تمجيد العائلة بقدر ما هو محاولة لفهم تاريخ حمص نفسه من خلال عدسة تاريخ هذه العائلة، التي يرى أن تاريخها يعكس تاريخ المدينة وتحولاتها عبر أربعة قرون من العهد العثماني.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح الإطار المنهجي للدراسة. يوضح المؤلف أن الكتاب يندرج في إطار علم الاجتماع السياسي، ويصفه بأنه "دراسة اجتماعية سياسية لتاريخ مدينة حمص في العهد العثماني وثائقيًا من محور آل الأتاسي". ويشرح منهجيته في دراسة كل فترة تاريخية بالبدء من السياق العام للدولة العثمانية وأحداث العاصمة إسطنبول والجبهات العسكرية، ثم التضييق شيئًا فشيئًا نحو الوضع في سورية فمدينة حمص ونسيجها الاجتماعي. كما يحدد المحاور الثلاثة الرئيسية للدراسة وهي: "منصب الإفتاء" الذي ورثته العائلة، ومفهوم "الأعيان" كوسطاء بين الأهالي والسلطة، ومفهوم "العائلة" نفسه وتطوره. ويذكر أن الكتاب ينقسم إلى خمسة فصول، يبحث الأول في جذور العائلة وأقدم وثيقة ذكرتها وهي مخطوط "ميارق الأزهار" المنسوخ عام 1450م، ويتناول الثاني أول مفتي في تاريخ حمص الشهاب شمس الدين أحمد الأتاسي ولقاءه بالسلطان سليمان القانوني، بينما يحلل الثالث مذكرات محمد مكي السيد لفهم البنية الاجتماعية، ويتناول الرابع فترة ضعف الدولة واعتمادها على الولاة المحليين، ويرصد الخامس تأثيرات فرمان التنظيمات (1839) على المدينة والعائلة.
يستعرض الفصل المصادر المعتمدة في الدراسة، وأهمها الأرشيف العثماني الرسمي في إسطنبول، موضحًا تعدد التصنيفات المستخدمة حسب الفترات الزمنية، مثل دفاتر التحرير ودفاتر المهمة ووثائق الخط السلطاني. ثم ينتقل إلى تقديم لمحة عامة عن عائلة الأتاسي وإسهاماتها، فيذكر أن العائلة أنجبت ثلاثة رؤساء لسورية وهم هاشم بك الأتاسي ولؤي الأتاسي ونور الدين الأتاسي، وأنها اشتهرت بالاشتغال بالعلم والتعليم، وكانت أول عائلة تتسلم الإفتاء في حمص، وأن أحد أفرادها وهو طاهر الأتاسي قد مثّل ذروة الإرث العلمي. كما يذكر إسهامات العائلة في التعليم الحديث بتأسيس أولى المدارس النظامية والثانوية في حمص، ونشاطها السياسي والاقتصادي والعمراني عبر العصور. ويختتم الفصل بتأكيد أن الحمض النووي أثبت عروبة العائلة، وأن إرثها الاجتماعي والفكري ما زال مستمرًا حتى اليوم عبر مختلف المجالات.
يقرّ المؤلف في هذا الفصل بحدود الدراسة، مشيرًا إلى أن الأرشيف المحلي الرسمي لمدينة حمص عانى من التغييب والاندثار، وأن أغلب الأرشيفات الخاصة قد أتلفت أو بيعت، مما يجعل هذه الدراسة أول دراسة من الأرشيف العثماني الرسمي لتاريخ حمص. كما يترك المؤلف أسئلة مفتوحة حول مدى قدم العائلة في المجال الديني السياسي، حيث يؤكد أن المصادر لا تحدد ذلك بدقة، لكنه يجزم بأنهم تولوا مناصب دينية وسياسية منذ القرن الرابع عشر الميلادي على أقل تقدير.
2.الفصل الأول، جذور العائلة53–64▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل من سؤال جوهري حول جذور عائلة آل الأتاسي في مدينة حمص، محاولاً تتبع أصولها ونشأتها قبل العهد العثماني، إذ يقدم المؤلف قراءة في المصادر التاريخية المتاحة لتأكيد أن العائلة كانت حاضرة وفاعلة في الحياة الدينية والسياسية في سوريا منذ العهد المملوكي، أي قبل قرون من الحكم العثماني. الفكرة المحورية هي أن آل الأتاسي لم يكونوا عائلة وافدة مع العثمانيين، بل كانوا عائلة دينية سياسية راسخة في حمص وخارجها، وأن جذورهم تمتد إلى ما قبل ذلك بفترة طويلة.
يسير الفصل بحسب التسلسل الزمني للأدلة المتوفرة، معتمداً على وثائق ومخطوطات وأوقاف ومراسيم. يبدأ المؤلف بأقدم ذكر موثق لاسم العائلة، وهو مخطوط للشيخ إبراهيم الأتاسي من عام 1450م (الموافق 854 هـ)؛ إذ يظهر في نهاية المخطوطة أن الناسخ كتبها لشيخه «الشيخ الإمام العالم العامل التاج الملة والدين الشيخ إبراهيم ابن مرحوم الشيخ أحمد الشهير بابن أطاسي»، وكان إبراهيم هذا إماماً لجماعة الأمير التركماني طوغان بن سقلسيز في قلعة شيزر شمال غرب حماة. يستشهد المؤلف بالمخطوطة كاملة، مشيراً إلى أنها كانت محفوظة في مكتبة مسجد آل الأتاسي لكنها فقدت بسبب الحرب، بعدما صورها باسل الأتاسي عام 2010.
من هذه الوثيقة، يستنتج المؤلف عدة أمور: أن الشيخ إبراهيم كان شيخاً وكهلاً في ذلك الوقت، وأن والده كان معروفاً أيضاً بلقب الشيخ، مما يدل على توارث العلم في العائلة قبل ذلك التاريخ بمدة لا تقل عن مئة وخمسين سنة. كما يكشف النص عن علاقة وثيقة بين العائلة والتركمان، حيث يُعرِّف المؤلف بالأمير طوغان بن سقلسيز، وهو من قبائل التركمان البدوية التي حكمت منطقة شيزر بالوراثة، مستشهداً بعدة مصادر تاريخية مثل ابن تغري بردي وابن شاهين الظاهري وابن إياس الحنفي التي تذكر طوغان وأسرته وإمارتهم المتوارثة. ويذكر المؤلف نقوشاً حجرية في قلعة شيزر تثبت حكم أبناء سقلسيز للمنطقة، وتكشف عن دورهم في رفع المظالم. من هنا، يخلص الفصل إلى أن ارتباط آل الأتاسي بالمحيط التركماني قديم جداً، وأن نشاطهم الديني والسياسي كان أوسع من حمص، مما قد يفسر لاحقاً تسمية أحد أحفادهم في العهد العثماني بـ«التركماني».
بعد إبراهيم الأتاسي، ينتقل الفصل إلى الدليل الأهم والأكثر تفصيلاً في هذه الحقبة: الشيخ علي علاء الدين بن الشيخ خليل الأتاسي، الملقب بـ«علي الكبير»، والذي يُعد الجد الأعلى لجميع آل الأتاسي في حمص. يمثل هذا الرجل شخصية محورية؛ إذ يبدو أنه وأسرته أول من انتقل إلى حمص، وهو ما تثبته الوقفيات. يصفه المؤلف بأنه كان من كبار علماء المذهب الحنفي، وفي الوقت نفسه شيخاً متصوفاً مُسلكاً ومريداً، ذا مكانة عالية في الطرق الصوفية، حتى أطلق عليه لقب «عزيز» في أوقافه، وهي كلمة تركية تعني الولي أو القديس. لم يحظَ علي الكبير بترجمة مستقلة في كتب التراجم، لكنه ذُكر في ترجمة حفيده المفتي أحمد بن خليل الأتاسي، وفي ترجمة شيخه الشهاب أحمد الأنطاكي مفتي حلب على لسان ابن الحنبلي، إذ يروي أن الشيخ علي استضاف الأنطاكي عنده في حمص حدود سنة 1499م (الموافق 904 هـ) وأنزله منزله وصام معه رمضان، وأقنعه بتأليف كتاب في المناسك عندما أحضر له كتاب «الهداية» وشروحها. يشير المؤلف إلى أن تاريخ الزيارة ورد في بعض النسخ خطأً على أنه 944 هـ، لكنه يوضح أن ذلك خطأ ناسخ مشيراً إلى ما ورد في مخطوطات أخرى أقدم.
تشكل أوقاف أمراء المماليك على الشيخ علي الكبير وأولاده وذريته ما يعتبره المؤلف أهم نقطة في تاريخ العائلة المبكر. فهو يذكر وقفين اثنين، ويصفهما بأنهما يدلان على مكانة الشيخ لدى الحكام، وقبل ذلك على قدومه واستقراره في المدينة. الوقف الأول كان من الأمير إبراهيم بك ذو القادر، نائب حمص في عهد السلطان قايتباي في تسعينات القرن الخامس عشر، الذي أوقف على الشيخ علي وأولاده بستاناً كبيراً قدرت وارداته في العهد العثماني بألف أقجة عثمانية. أما الوقف الثاني فكان من الأمير المملوكي تيمور بوغا (تيمريا)، الذي أوقف مزرعة كبيرة قدرت وارداتها بخمسمئة أقجة عثمانية. يعتبر المؤلف أن هذه الحالة فريدة، إذ لم يُعرف أن أميرين مملوكيين خصّا عائلة واحدة بهذه الطريقة، ويُعزو سببها غالباً إلى دوافع سياسية تهدف لضمان استقرار المدينة عبر توطين شخصية دينية ذات نفوذ كالشيخ علي وعائلته.
ويؤكد الفصل استمرار هذه الأوقاف عبر العهود، إذ تم تسجيلها ضمن دفاتر الإحصاء العثمانية «طابو تحريري» بعد وصول العثمانيين، مما يدل على استمراريتها واعتراف الإدارة العثمانية بها. يكشف المؤلف تفصيلاً مهماً وهو أن وقف الأمير إبراهيم بك ذو القادر، الذي كان يتولى النظر عليه الشيخ خليل بن علي الأتاسي ثم من بعده الشيخ شهاب الدين أحمد الأتاسي مفتي حمص الأول، قد أُعفيَ من ضريبة العشر بأمر سلطاني مباشر «لحرمة الولي» الشيخ علي الأتاسي، وتم تعويض هذه الضرائب من الخزينة الخاصة للسلطان. ويشير المؤلف إلى أن هذا الإعفاء يجعله الوقف الذرّي الوحيد المعفي من الضرائب في مدينة حمص كلها، مرجحاً أن هذا الإعفاء كان سارياً منذ العهد المملوكي نفسه.
يخلص الفصل إلى صورة متكاملة لما كانت عليه بدايات آل الأتاسي: عائلة دينية سنية حنفية، لها جذور في العلم والتصوف، وتتفاعل مع السلطة السياسية سواء كانت مملوكية أو تركمانية أو عثمانية لاحقاً. يقر المؤلف في مواضع متفرقة بحدود المصادر، وبأن المعلومات الأولية عن بعض الشخصيات مثل الأمير تيمور بوغا «لا توجد أي معلومات مثبتة»، كما يشير إلى أن إبراهيم الأتاسي هو أقدم فرد تعرفه العائلة حتى الآن، وأنه لا يعلم مدى قِدم العائلة في المجال الديني السياسي قبل ذلك التاريخ. تبقى بعض الأسئلة مطروحة مثل العلاقة الدقيقة بين الشيخ علي الكبير وأسلافه الذين سبقوه في شيزر، لكن النص يبني حجة قوية على أن العائلة كانت ذا شأن قبل العثمانيين، وأن استقرارها في حمص جاء في سياق سياسي واجتماعي معقد كان للعامل التركماني فيه أثر واضح.
3.الفصل الثاني، الأدوار المبكرة في حمص للمرحلة السلطانية من الحكم العثماني101–119▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول انتقال عائلة آل الأتاسي من مكانة علمية مرموقة إلى أول أدوارها الرسمية في الحكم العثماني المبكر، ويتخذ من شخصية الشهاب شمس الدين أحمد الأتاسي نموذجاً لهذا التحول. يقدم المؤلف إجابة واضحة عن الكيفية التي دخلت بها العائلة السلك الرسمي للدولة العثمانية، مرجعاً ذلك إلى التقاء عاملين رئيسيين: الأول، تبنّي العائلة المبكر للمذهب الحنفي منذ العهد المملوكي، مما جعلها مؤهلة للاندماج في النظام العثماني الذي اتخذ من هذا المذهب أساساً له. والثاني، الظرف السياسي الاستثنائي المتمثل بحملة السلطان سليمان القانوني العسكرية، والتي قادت إلى لقاء تاريخي غيّر مسار العائلة.
يسير الفصل خطوة خطوة لفك هذه الإشكالية، مستنداً إلى مصادر متنوعة. يبدأ المؤلف بوضع إطار نظري عام حول أهمية المرجعية الدينية في الحكم عبر التاريخ الإسلامي، من الحجاز قبل الإسلام إلى الدولة العثمانية. ينتقل بعدها لتحديد الموقع المذهبي للعائلة، مستشهداً بمخطوطات الكتب التي كانت بحوزتهم، وأقدمها مخطوطة للشيخ إبراهيم الأتاسي في الفقه الحنفي، ليؤكد أن هذا التوجه المذهبي المبكر كان بوابة العائلة لممارسة السلطة الدينية في ظل العثمانيين. ثم ينتقل إلى صلب الحدث المركزي في الفصل، وهو حملة نخجوان (1553-1554)، فيشرح أسبابها السياسية والعسكرية، ويؤرخ لتفاصيلها بدقة؛ فبعد الحرب العثمانية الصفوية (1548-1549) وانشغال العثمانيين بجبهة المجر، قام الشاه طهماسب باحتلال شيروان وتهديد الأناضول، مما اضطر السلطان سليمان للتحرك. يبرز المؤلف هنا تفاصيل الأزمة الداخلية التي كانت الدافع الحقيقي للحملة، وهي مسألة ولاية العهد، حيث يشرح كيف أُجبر السلطان على قيادة الحملة بنفسه وقراره بالتخلص من ابنه الأكبر شهزاده مصطفى الذي كان يحظى بتأييد الجيش، ويصف عملية إعدامه خنقاً داخل خيمة والده في تشرين الأول عام 1553، وما تبعها من حزن في الجيش وعزل للصدر الأعظم رستم باشا.
يُدخل المؤلف شخصية الشهاب أحمد الأتاسي في هذا السياق المضطرب، فيوضح أن السلطان أمضى شتاء 1553-1554 في حلب، وهناك التقى بالشهاب أحمد الذي كان قد رافقه مع مفتي دمشق عبد الصمد العكاري. يقدم المؤلف سيرة ذاتية موجزة للشهاب أحمد، فيذكر أنه ابن الشيخ خليل وحفيد الشيخ الولي علي الأتاسي، وهو شاعر وعالم في الفقه الحنفي، درس في حمص وحلب وطرابلس الشام، وتولى التدريس والنظر على وقف خالد بن الوليد. نتيجة لهذا اللقاء، حصل على منصب التدريس في المدرسة القصاعية بدمشق، ثم عاد لاحقاً إلى حمص ليصبح أول مفتٍّ للمدينة، وأول مفتٍّ من العائلة، متسلمأً أيضاً منصب التدريس في المدرسة النورية. يذكر المؤلف أنه توفي عام 1556 عن عمر يناهز 43 عاماً. ويُرفق الفصل وثيقة محضر نسب شريف عباسي من عام 1576 تشهد له بصفته هذه.
في القسم الثاني من الفصل، ينتقل المؤلف لتقديم تحقيق موسع حول منصب الإفتاء في الدولة العثمانية، وذلك لفهم طبيعة المنصب الذي تسلمه الشهاب أحمد. يتتبع المؤلف نشأة منصب الإفتاء تاريخياً من عهد النبي محمد ﷺ، مروراً بالخلفاء الراشدين حيث فُصل عن القضاء في العهد العمري، وصولاً إلى تطوره كمؤسسة رسمية في العهد المملوكي والعثماني، حيث أصبح مفتي المدينة هو المرجع الديني الأول فيها بعد القاضي. يفصّل المؤلف المهام المتعددة للمفتي التي لم تقتصر على إعطاء الفتوى فقط، بل شملت التدريس والإشراف على الأوقاف ورئاسة الطرق الصوفية والمساهمة في حفظ النظام العام وحل المشاكل الاجتماعية، وحتى المساعدة في تحصيل الضرائب. يشير إلى أن المفتي لم يكن يتقاضى راتباً ثابتاً، وكان يعتمد على أجور التدريس، وهذا ما يفسر وصف الشهاب أحمد بــ «المفتي المدرّس». كذلك يسلط الضوء على دور النسب العائلي في تولي هذا المنصب، حيث كانت الدولة تختار المفتي من عائلات العلماء المعروفة.
يجمع المؤلف في نهاية الفصل بين هذه المحاور لتقديم تفسيره النهائي. يخلص إلى أن تعيين الشهاب أحمد الأتاسي في منصب الإفتاء كان خطوة مدروسة من السلطان سليمان لدعم الاستقرار في المنطقة السورية، بالاعتماد على شخص من أهل البلدة، ذي مكانة علمية متوارثة، ومذهب متوافق مع الدولة. يؤكد أن نسب الشيخ وشهرة عائلته ومذهبها الحنفي لعبت الدور الأكبر في هذا الاختيار، وأن هذا المنصب لم يكن موجوداً قبل أن يتولاه، مما يجعله نقطة تحول جوهرية في تاريخ العائلة، سيبقى أثرها راسخاً حتى نهاية الحكم العثماني في سوريا. يقدم المؤلف في الختام لمحة عن الفترة التي تلت ذلك، متحدثاً عن تولي السلطان مراد الرابع الحكم (1623م) في فترة اضطراب كبير، وهو ما يمهّد لفصل لاحق حول أدوار العائلة في حقبة الركود والنظام القديم.
يقرّ المؤلف بحدود معينة في نصه، حيث يحيل القارئ إلى مراجع أخرى للتحقق من بعض المعلومات، ويترك مجالاً للتمحيص في تفاصيل بعض الأحداث. كما يفتح الفصل باباً للنقاش حول دور السلطان سليمان القانوني الأبوي في قتل ابنه، وكيف أن مبررات الدولة في الحفاظ على وحدتها قد تتعارض مع قيم شخصية وإنسانية، وكذلك حول مدى شرعية الاعتماد على النسب العائلي في تولي المناصب الدينية الرسمية.
4.الفصل الثالث: آل الأتاسي في حقبة الركود والتحول- القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر (1623-1730م)119–189▼ ملخص
آل الأتاسي في حقبة الركود والتحول: قراءة في أوضاع الدولة العثمانية وحمص خلال قرن من الزمن
يرسم هذا الفصل صورة مركّبة لحقبة زمنية حافلة بالتحولات، تمتد من عام 1623م حتى 1730م، ويجمع بين سرد التطورات الكبرى في الدولة العثمانية من جهة، والغوص في التفاصيل الدقيقة للأوضاع الاجتماعية والسياسية في مدينة حمص من جهة أخرى. الموضوع المحوري للفصل هو تفسير حالة "الركود" التي أصابت الدولة العثمانية بعد عصر الازدهار، وكيف انعكست هذه الحالة على ولاياتها البعيدة مثل سوريا، مع التركيز على بروز زعامات محلية جديدة، وفي مقدمتها آل الأتاسي، الذين برزوا كقوة مدنية ودينية فاعلة في حمص خلال هذه الفترة المضطربة.
يبدأ الفصل بتأصيل تاريخي لحالة الركود، مستعرضاً الاضطرابات التي عصفت بالدولة منذ مقتل السلطان عثمان الثاني في 1622م، والتي تلت ذروة القوة في عهد سليمان القانوني. يمر الكاتب على فترة حكم مراد الرابع (الذي اعتلى العرش صبياً) وما بذله من جهود لإعادة هيبة الدولة عبر كسر شوكة العسكر المتمردين ومحاربة الفساد وإعادة تنظيم نظام الإقطاع، ثم ينتقل إلى فترة حكم إبراهيم الأول المضطربة، لتليها مرحلة نفوذ عائلة كوبرولي من الصدور العظام، الذين أعادوا الاستقرار بسياسات صارمة ونجحوا في توسعات عسكرية في كريت وبولونيا. لكن هذه الانتصارات سرعان ما تبعتها انتكاسات كبرى، خاصة مع فشل حصار فيينا في 1683م بقيادة قره مصطفى باشا، وما تلا ذلك من هزائم متلاحقة أمام التحالفات الأوروبية، وخسارة مناطق واسعة في المجر والمورة، وتوقيع معاهدة كارلوفجه في 1699م التي أنهت الحرب وثبّتت الخسائر. ويشير الفصل إلى أن هزيمة سلانكامين في 1691م ومعركة زينتا في 1697م مثلتا نقطتي تحول حاسمتين، إذ خسرت الدولة أعداداً كبيرة من الضباط ومساحات شاسعة من الأراضي تجاوزت 300 ألف كيلومتر مربع، مما أضعف قبضتها على الأقاليم البعيدة. كما يتطرق إلى عهد "الخزامي" أو "عهد اللالة" (نسبة للصدر الأعظم داماد إبراهيم باشا) الذي بدأ عام 1718م، والذي شهد تحولاً في النظرة العثمانية بالانفتاح على أوروبا، ويتجلى ذلك في تأسيس أول مطبعة في التاريخ الإسلامي عام 1727م.
بعد هذا التمهيد الواسع، ينتقل الفصل إلى سياقه المحلي، حيث يحلل الأوضاع في سورية ومدينة حمص تحديداً. يعرض الكاتب حال المدينة من خلال شهادات الرحالة الذين زاروها مثل أوليا جلبي والغزي والخياري، الذين وصفوها بأنها مدينة كبيرة لكنها تعاني الخراب، رغم ما تتصف به من بساتين على ضفاف نهر العاصي وحركة صناعية وتجارية نشطة. كما يقدم تحليلاً وثائقياً يستند إلى "دفاتر المهمة" (سجلات الأحكام السلطانية) ليحدد القضايا الثلاث الكبرى التي شغلت الإدارة المركزية في حمص خلال القرن بين 1650-1750م، وهي: خطر البدو، وأوضاع العشائر التركمانية، وأمن طريق الحج. تشير الوثائق إلى أن غارات البدو شكلت تهديداً مستمراً لسكان المدينة والمسافرين، الأمر الذي دفع الدولة إلى اتباع سياسة مرنة معهم، حيث أحياناً تقاومهم وأحياناً تسترضيهم بمنحهم إقطاعات ومناصب مثل "إمارة العرب"، كما في حالة زعيمهم حمد العباس. أما التركمان، فقد كانت الدولة تسعى لتوطينهم في قرى المنطقة كخط دفاع وحماية للطريق، وأحياناً كقوة ضاربة ضد البدو، وإن كانت علاقتهم متوترة بالحكام المحليين، كما حدث في اشتباكهم مع حاكم حمص اسماعيل الريحاوي عام 1711م الذي جرح فيه وتوفي. ويلاحظ المؤلف أن الإدارة المركزية كانت تضطر أحياناً لقبول أعراف محلية، مثل فرض البدو لرسوم مرور على القوافل.
يضيء الفصل كذلك على البنية الاجتماعية لمدينة حمص، فيصف المجتمع بأنه منقسم إلى شرائح وطبقات، منها النخبة العسكرية مثل آل سويدان وأبرزهم إبراهيم آغا، والنخب المدنية من العلماء والتجار وكبار الأعيان، والرعية أو العامة الذين يتجمعون في أحزاب وأحياء. ويقدم الفصل تحليلاً لمصطلح "الأعيان"، معتبراً أن دورهم الأساسي هو الوساطة بين السلطة المركزية وأهالي المدينة، عبر تقديم العرائض والوفود، مما يشكل مظهراً من مظاهر الوعي السياسي المبكر. من بين هذه النخب المدنية، تبرز أسر بعينها منافسة على مناصب مثل الإفتاء ونقابة الأشراف، ومن أبرزها آل السباعي الذين نافسوا آل الأتاسي على منصب المفتي. كما يشير الفصل إلى وجود السكان المسيحيين في المدينة الذين "كانوا يعيشون حياة طبيعية"، مع غياب شبه تام لأي ذكر لليهود في المصادر رغم وجودهم في إحصاءات القرن السادس عشر، مما يقود المؤلف للاعتقاد بتضاؤل أعدادهم.
يخصص الفصل قسماً مهماً للحديث عن دور آل الأتاسي وريادتهم للزعامة المدنية في حمص، ويقسم هذه الفترة إلى مرحلتين، الأولى مع الشيخ محمد الأتاسي (الذي توفي عام 1698م) والثانية مع ابن عمه الشيخ علي الأتاسي. يوضح الكاتب أن زعامة الشيخ محمد كانت مستندة إلى ثلاث ركائز: منصب الإفتاء، ومكانة العائلة العلمية والاجتماعية الممتدة جذورها للعهد المملوكي، وثروته الاقتصادية الكبيرة وعلاقاته الزراعية والتجارية. وكانت هذه الزعامة تظهر في تحالفه شبه الكامل مع إبراهيم آغا سويدان، القوة العسكرية الأولى، إذ تحالفا عبر الزواج، وتجلت في إدارة الأزمات كقضية عزل متولي وقف الجامع النوري الشيخ عبدالغني المغربي، وفي قيادة وفود الشكوى ضد الولاة والمتسلمين الظالمين إلى مراكز الولايات في طرابلس ودمشق، وحتى إلى العاصمة اسطنبول لمقابلة الصدر الأعظم فاضل مصطفى باشا. كما كان له دور في حشد الناس للجهاد عندما صدر فرمان بالتجنيد العام، وكان مضيفاً للعلماء والوجهاء القادمين للمدينة، ومن أبرزهم الرحالة الصوفي عبدالغني النابلسي الذي حل ضيفاً عليه في بستانه على ضفاف العاصي. ويُذكّر المؤلف بأن المصدر الرئيسي لهذه الفترة هي يوميات محمد بن مكي السيد، مع ملاحظة تحيزها الواضح لصالح آل الأتاسي، مما يستلزم قراءة متأنية للأحداث والتعامل مع الروايات بحذر.
في ختام الفصل، يقدم الكاتب توصيفاً عاماً لحمص في تلك القرون، منطلقاً من المعاينات السابقة، ليعتبر أن فهم الحالة الراهنة للمدينة "نهايات القرن السابع عشر الميلادي" يتطلب الاطلاع على "تركيبة النسيج الاجتماعي الحمصي من الداخل". يقدم الفصل تصوراً نموذجياً للهرمية الاجتماعية وكيفية تبلورها، فيشير إلى أن الوحدة الأساسية فيها هي الأسرة أو العائلة، التي يحدد ثقلها عوامل متغيرة مثل المناصب الرسمية والعلاقات والثروة. يستعرض الفصل في إطار هذا التحليل أبرز الأسر الحمصية وأدوارها، فيذكر أن آل الأتاسي اشتهروا بتقلد منصب إفتاء الحنفية، بينما برز آل النوحي في منصب نائب القاضي، وتنافست كل من آل النافعي وآل برم وآل جاويش على نقابة الأشراف. كما يذكر الفصل شخصيات مدنية فاعلة أخرى، كالحاج علي بن صلوات وإبراهيم الحلبي وآل الدراقي وعلاقاتهم المتشابكة مع النخبة العسكرية. أخيراً، يفتح الكاتب باباً للنقاش حول تعريف مفهوم "الأعيان" في السياق الحمصي، مؤكداً أن التعريفات العامة والنظريات التي ناقشها الباحثون لا تنطبق تماماً على الواقع المحلي، وأن دورهم العملي كوسطاء وممثلين عن الأهالي أمام السلطة هو السمة الأوضح لفهم الممارسة السياسية في تلك الفترة، وهي السمة التي تطورت وترسخت مع الوقت حتى العهود اللاحقة.
5.الفصل الرابع، السياسة والعلم في القرن الثامن عشر: من الحكم الذاتي إلى نظام الأعيان (1730-1820م)189–251▼ ملخص
يطرح هذا الفصل من كتاب "آل الأتاسي في العهد العثماني" لفارس الأتاسي موضوعاً محورياً يتعلق بتطور السياسة والعلم في بلاد الشام خلال القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر (1730-1820م)، ويركز بشكل خاص على مدينة حمص. يقدم المؤلف إجابة واضحة عن كيفية تحول المنطقة من نظام الحكم الذاتي القائم على الإقطاع إلى نظام الأعيان، موضحاً كيف أن العائلات المحلية الكبرى، مثل آل الأتاسي وآل الجندي، تمكنت من بناء نفوذها وتثبيت أقدامها في المدينة من خلال منافسة بعضها البعض وتفاعلها مع الدولة العثمانية المركزية.
يبدأ الفصل بشرح السياق الأوسع، حيث يشير إلى أن الإخفاقات العسكرية والإدارية التي منيت بها الدولة العثمانية في القرن السابع عشر أدت إلى أزمة اقتصادية وتضخم، مما تسبب في نزاعات حول الإقطاعات (التمار). من هذه النزاعات، برزت نخب عسكرية محلية سيطرت على إقطاعات ضخمة، مما أدى إلى انهيار نظام "التمار" وحلول نظام "المالكانه" مكانه، وهو نظام إقطاعي طويل الأمد يمنح الحائز حقوقاً شبه دائمة مقابل دفع مبالغ نقدية للخزينة. ويذكر المؤلف أن أبرز المظاهر المبكرة لهذه النخب الجديدة في المنطقة كان آل سويدان، حكام حسياء وحماة طريق الحج الشامي، الذين مدوا نفوذهم إلى حمص.
بعد ذلك، ينتقل الفصل للحديث عن صعود نجم آل العظم، الذين أسسوا قاعدة محلية لهم في المعرة ثم حماة وحمص. ويصفهم المؤلف بأنهم "أسرة آغاوات سلطانية" نجحوا في إعادة لدمشق مركز قوتها ودورها المحوري، مستخدمين استراتيجية مختلفة عن البكوات المماليك في مصر، حيث اعتمدوا على ربط مصائرهم بمصائر جماعات محلية معينة في المدن السورية. ويضرب المؤلف مثالاً على نشاطاتهم الاستثمارية، مشيراً إلى أن أسعد باشا العظم شيد في حمص "خان الأسعدية" و"حمام الأسعدية"، وكانت له أملاك واسعة، كما قدم قروضاً للمزارعين تجاوزت 33 ألف قرش.
في المقابل، ينتقل المؤلف للتركيز على شخصية الشيخ إبراهيم الأتاسي، واصفاً إياه بأنه الحلقة الرئيسية لأغلب فروع آل الأتاسي. كان والده المفتي علي الأتاسي شخصية بارزة في حمص، وقد درس إبراهيم في الأزهر ثم عاد ليتسلم منصب الفتوى في المدينة. لكن خلافه مع أسعد باشا العظم أدى إلى عزله، فسافر إلى حلب واسطنبول قبل أن توجه إليه الإدارة المركزية منصب مفتي طرابلس الشام، حيث شغله لما يقارب خمسة عشر عاماً. ويشير المؤلف إلى أن أهمية الشيخ إبراهيم تكمن في كونه الجسر الذي نقل الإرث العلمي والاجتماعي لآل الأتاسي من الحقبة القديمة إلى الحقبة الجديدة، ممثلة بابنه المفتي عبدالستار الأتاسي.
يبرز الفصل الدور الريادي للمفتي عبدالستار الأتاسي كشخصية فريدة في تاريخ الأسرة، حيث كان يمثل المحاولة الأبرز لإنشاء علاقات سياسية مباشرة مع العاصمة اسطنبول. لعل أبرز ما يميز هذه الحقبة هو تبلور مفهوم العائلة لدى آل الأتاسي بشكل أقوى من أي وقت مضى، ويفصل المؤلف بين مصطلحي "آل" (الوجود الديموغرافي) و"عائلة" (الثقل الاجتماعي والسياسي). ويلاحظ أن هذا التبلور ترافق مع تزايد ملحوظ في أفراد الأسرة، مما دفعهم إلى التكاتف للحفاظ على ثروتهم ونفوذهم الاجتماعي، خاصة مع ظهور سلالات منافسة أخرى في المدينة مثل آل الزهراوي وآل الرفاعي.
يخصص المؤلف جزءاً مهماً لتحليل وثيقة تاريخية قيمة وهي عريضة موقعة من أعيان حمص عام 1232هـ/1817م. تُظهر هذه العريضة، الموجهة إلى الصدر الأعظم، احتجاجاً على توجيه قريتي "مودان" و"أكمام" إلى عهدة أحد الآغاوات بنظام المالكانه، لما في ذلك من ضرر على موارد المدينة المخصصة لتغطية نفقات موسم الحج. ويشير المؤلف إلى تطور ملحوظ في هذه الوثيقة، وهو تسجيل الأعيان لأسماء عائلاتهم وكنياتهم، وهو ما يدل على اكتمال مفهوم السلالة في العمل السياسي، مقارنة بعريضات سابقة لم تكن تتضمن مثل هذه التوقيعات.
يتناول الفصل أيضاً حادثة ثورة أهالي حمص عام 1241هـ/1826م على متسلم المدينة "محمد آغا ابن خير الله" بسبب فرضه ضريبة "الفروة" المستحدثة. يبرز هنا الدور المزدوج لآل الأتاسي، حيث يظهر المفتي عبدالستار في صورة الزعيم الشعبي الذي أفتى بقتل المتسلم، بينما يظهر حسن آغا الباكير الأتاسي كقائد عسكري نظم المقاومة ضد القوات التي حاصرت المدينة. وتدل هذه الحادثة، حسب المؤلف، على التفاعل المميز بين أعيان الأسرة وقدرتهم على قيادة المدينة في الأزمات، مما يمثل نقطة تحول هامة في تاريخ الأسرة والتاريخ الاجتماعي لحمص.
في الجزء الأخير، ينتقل الفصل لمناقشة العلاقات المباشرة للمفتي عبدالستار مع قصر السلطنة العثمانية، وذلك من خلال رسالة محفوظة في الأرشيف العثماني موجهة إلى آغا دار السعادة "أوزون عبدالله آغا" عام 1242هـ/1826م. تكشف الرسالة عن علاقة متينة بين الشخصيتين، ويخلص المؤلف إلى أن هذه العلاقة مهدت لمصاهرة مهمة بين آل الأتاسي والبلاط السلطاني، حيث تزوج سعيد بن عبدالستار من "خديجة خانم" ابنة مصطفى راقم، خطاط السلطان محمود الثاني، والتي كانت إحدى نساء البلاط. وقد نتج عن هذا الزواج انتقال بعض أوقاف السلاطين إلى آل الأتاسي، بالإضافة إلى مقتنيات ثمينة مثل "الشعرة النبوية" ومصحف شريف من خط الخطاط مصطفى راقم.
يتضمن الفصل أيضاً حديثاً عن النزاع الدامي بين آل الأتاسي وآل الجندي على الزعامة المحلية في حمص خلال الفترة 1829-1830م. يوضح المؤلف كيف أن تعيين حسين آغا الجندي متسلماً على حمص أثار نقمة الأهالي، وجاء تتويجاً للصراع حول منصب الإفتاء الذي عُزل منه سعيد بن عبدالستار لصالح الشيخ محمد الجندي. يقود سليم آغا الباكير الأتاسي حركة مسلحة بدعم من آل الدندرشي، تقتل المتسلم حسين آغا وتعتقل القاضي والمفتي من آل الجندي، قبل أن يُقبض عليه ويُعدم صلباً. ينتهي النزاع بعودة سعيد الأتاسي إلى منصب الإفتاء، ويؤكد المؤلف على الدور الحاسم للنزعة العائلية في هذا الصراع الذي جمع بين أبناء الأسرة الواحدة من فروع مختلفة.
في خاتمة المطاف، يلاحظ المؤلف أن المؤلف يقر بوجود حدود في المصادر التاريخية، خاصة فيما يتعلق بمرحلة الحكم المصري لسوريا (ابتداءً من عام 1831م)، حيث تنعدم المصادر المتعلقة بحمص. كما يترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة العلاقات التي تبلورت بين آل الجندي وأعيان حمص المدنيين في تلك الفترة، وأثر المصاهرة والزواج على عمق النسيج الاجتماعي الحمصي، مرجئاً دراستها إلى حين ظهور مصادر جديدة. يمكن القول أن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش حول الدور المركزي للنخب المدنية المحلية، ممثلة بآل الأتاسي، في تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية في حمص، وتفاعلها المعقد مع السلطة العثمانية المركزية في وقت كانت فيه الدولة القومية الحديثة لم تولد بعد.
6.الفصل الخامس، صعود آل الأتاسي في حمص خلال القرن التاسع عشر: من نظام الأعيان إلى بداية الإصلاحات (1820-1900م)251–289▼ ملخص
يُقدّم هذا الفصل تحليلاً مفصّلاً للتحولات الكبرى التي شهدتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، والتي عُرفت بحركة التنظيمات والإصلاحات، وينتقل بالتركيز إلى انعكاسات تلك التحولات على مدينة حمص، تمهيداً لتتبع صعود عائلة آل الأتاسي فيها. يرى المؤلف أن حركة التنظيمات لم تكن حدثاً لحظياً بإعلان فرمان عام 1839م، بل كانت ثمرة تراكمات بدأت قبل قرن تقريباً، واستمرت حتى نهاية الحكم العثماني، معيداً جذورها إلى هزائم عسكرية متلاحقة وتفسخ داخلي واضح في المؤسستين العسكرية والإدارية، خاصةً بعد حصار فيينا الثاني عام 1683م. ولم تقتصر هذه الإصلاحات على المؤسسات الرسمية، بل طالت المجتمعات المحلية وأعادت تشكيل قواعد النفوذ، مما أدى إلى صعود عناصر وأسر جديدة وهبوط أخرى، في سياق فلسفة قامت على "المماهاة مع التحديث" الأوروبي، الذي شدد على تحديث الجيش والإدارة أولاً.
يسير المؤلف خطوة خطوة مع بدايات الإصلاح الجادة على يد السلطان سليم الثالث، الذي جمع رجال الدولة في "مجلس المشورة" عام 1789م، وأسس كتائب "النظام الجديد" وأنشأ كليات عسكرية حديثة ككلية الهندسة العسكرية عام 1795م، وعيّن أول سفراء دائمين في لندن وباريس. لكن هذه الجهود باءت بالفشل بسبب معارضة الإنكشارية وثقل الضرائب على الأهالي، وانتهت بعزله وقتله عام 1808م. ينتقل بعدها إلى عهد السلطان محمود الثاني (1808-1839م) الذي يمثل مرحلة فارقة، حيث عمل على تقويض نفوذ المتنفذين المحليين وتثبيت سلطة المركز، بدءاً من "سند الاتفاق" عام 1808م الذي قيّد سلطته نظرياً، مروراً بإلغاء نظام "توسيع السلطات" للولاة، وإنشاء نظام رواتب ثابتة للموظفين عام 1838م، وإجراء أول إحصاء سكاني عام 1831م، وانتهاءً بالقضاء على طائفة الإنكشارية في "الواقعة الخيرية" عام 1826م، وإنشاء جيش جديد باسم "العساكر المنصورة المحمدية". كما شهد عهده إنشاء أولى الوزارات الحديثة، واستحداث نظارة الخارجية والداخلية والأوقاف، ومقام "المشيخة" كجهاز أعلى للمؤسسة الدينية، مما سيربط علماء الأقاليم بالمركز.
لم تقف الإصلاحات عند السلطان محمود، بل تابعها خلفاؤه، فأعلن السلطان عبد المجيد الأول فرمان التنظيمات عام 1839م بعد عودة الحكم العثماني إلى سورية، والذي نص على أمن الأموال والأعراض، ونظام القرعة العسكرية، وإنشاء مجلس للأحكام العدلية، في خطوة اعتبرها المؤلف دخولاً في مرحلة دستورية. تلاه فرمان الإصلاحات عام 1856م الذي أكد مبدأ المساواة بين جميع الرعايا، وهو ما أثار معارضة مسلمة واسعة. ثم جاء عهد السلطان عبد العزيز ليستكمل المسيرة بقانون الولايات عام 1864م الذي أنشأ مجالس إدارية منتخبة، وقوانين تنظم الجنسية العثمانية عام 1869م، وتمهيداً لإعلان أول دستور عثماني "القانون الأساسي" عام 1876م. على المستوى المحلي، يوضح الفصل أن حمص تأثرت بهذه الإصلاحات مباشرة، حيث استُحدثت أجهزة جديدة كلياً في المدينة، بدءاً من تحول منصب المتسلم إلى "قائمقام"، مروراً بتأسيس "مجلس إدارة القضاء" الذي ضم أعضاءً دائمين ومنتخبين من المسلمين وغير المسلمين، و"المجلس البلدي"، و"المحكمة الابتدائية"، و"محكمة التجارة" عام 1868م، ووصولاً إلى دوائر حديثة كالبريد والبرق عام 1883م، ودائرة الشرطة عام 1889م، والبنك الزراعي. كما طالت الإصلاحات التعليم، حيث ظهرت المدارس النظامية الحديثة والبعثات الأجنبية، وافتتحت "المدرسة الرشدية" عام 1870م، و"المدرسة العلمية" كأول مدرسة ثانوية بجهود محلية عام 1904م، إضافة إلى تحسين البنية التحتية بشق طريق حمص-طرابلس عام 1853م ومد خط حديدي عام 1902م.
يعتمد المؤلف في تحليله على مقارنة بين مفهومي "المتنفذين" و"الأعيان"، مفرقاً بين أصحاب السلطة العسكرية والإقطاعية وبين النخب المدنية الدينية التي تستمد نفوذها من المناصب كالإفتاء والقضاء، ويستعرض تحقيباً من 8 مراحل اقتبسه من الباحثين بربير وخوري لفهم تطور علاقة الأعيان بالسلطة المركزية في دمشق، ثم يطبقه على حالة حمص. يخلص المؤلف إلى أن فترة الحكم المصري (1831-1840م) كانت صادمة للنخبة التقليدية، حيث جرّدها إبراهيم باشا من صلاحياتها القضائية والإدارية ووسّع مشاركة المسيحيين، لكنها مهدت لقبول الإصلاحات العثمانية لاحقاً. وبعد عودة العثمانيين، وعلى الرغم من أن قوانين الولايات شكلت تحدياً للإرث شبه الديمقراطي، إلا أن الإطار القانوني الجديد منح العائلات القديمة، مثل آل الأتاسي والزهراوي والرفاعي، فرصة لتثبيت مواقعها بقوة أكبر من خلال البيروقراطية الجديدة، فحافظوا على مناصبهم ومكانتهم بل ووسّعوها، واستوعبوا التغييرات بدل معارضتها كما فعلت بعض العائلات الدمشقية.
رصد الفصل تحولات اجتماعية واضحة، فإلى جانب تعاظم نفوذ النخبة الدينية عبر المؤسسات الجديدة، برزت طبقة تجارية مسيحية قوية استفادت من الحماية الأوروبية والامتيازات التجارية والتعليم الإرسالي، وشكّلت أكثر من ثلث سكان المدينة في منتصف القرن، وهو ما أدى لظهور برجوازية مسيحية تبوأت مواقع في المجالس والمحاكم. كما ظهرت فئة محدودة من "الأعيان المتعثمنين" وهم النخبة المتماهية مع المركز، ممثلة في عائلتي آل الدروبي وآل الحسيني اللتين حصلتا على لقب الباشاوية. في المقابل، استمرت العامة من الأهالي في انشغالها بتأمين لقمة العيش، وغابت عن المطالبة بالحقوق، كما يظهر من عدم انتخاب أي عضو مسيحي في مجلس بلدية حمص عام 1913م بسبب إهمال المسيحيين أنفسهم لحقوقهم، بينما بدأت تظهر نخبة فكرية جديدة من رجال التعليم والصحافة.
يُنهي المؤلف الفصل بالتأكيد على أن دور آل الأتاسي في الفترة الكلاسيكية كان يعتمد على منصب الإفتاء الذي يتولاه شخص واحد، لكن الإصلاحات الجديدة وفرت لهم مناصب ووظائف متعددة، فامتد حضورهم ليشمل مجلس المدينة والمحكمة والبلدية وهيئة المعارف، بينما بقيت الزعامة الرمزية للعائلة لمن يتولى منصب المفتي. ويلخص أهميتهم في نقطتين: الأولى أنهم كانوا المحرك الرئيسي لتطبيق التنظيمات في حمص من خلال تشجيع الأهالي على تقبلها ومنع امتداد حادثة 1860 الدمشقية إلى المدينة؛ والثانية أنهم سارعوا لملء الفراغ الإداري في الأجهزة الجديدة، مقدمين نموذجاً في التأقلم مع المتغيرات والاستفادة منها بدلاً من معارضتها. أخيراً، يخلص المؤلف إلى أن الإصلاحات كانت فرصة ذهبية لحمص للنهوض من حالة الانكماش، حيث انتقلت المدينة من إدارة بسيطة وغير منتظمة إلى منظومة إدارية وقضائية وتعليمية متكاملة، مما أرسى أسس المدينة الحديثة التي ستشهد لاحقاً التطورات السياسية الكبرى.
7.دور آل الأتاسي في مدينة حمص289–373▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على الدور البارز الذي لعبته عائلة آل الأتاسي في النهضة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية لمدينة حمص خلال العهد العثماني، خاصة بعد إصلاحات التنظيمات. يقدّم المؤلف فارس الأتاسي حجة أساسية مفادها أن مساهمة العائلة في تحديث المدينة وتطويرها كانت الأكبر والأهم، مستنداً في ذلك إلى خلفيتهم العلمية والدينية العريقة وتاريخهم الطويل في المدينة. ويخلص الفصل إلى أن هذه المساهمات لم تقتصر على مجال واحد، بل امتدت لتشمل الإدارة المحلية والقضاء والسياسة والتعليم، مما جعلهم عنصراً محورياً في تشكيل ملامح حمص الحديثة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تتبع تواجد أفراد العائلة في مختلف المؤسسات العثمانية الجديدة. يبدأ بالحديث عن المجالس البلدية، فيذكر أن حسن أفندي الأتاسي كان عضواً في أول مجلس بلدي مسجل في السجلات العثمانية عام 1869م. ثم ينتقل إلى الحديث عن رئاسة البلدية، حيث كان عمر أفندي الأتاسي أبرز من تولى هذا المنصب بين عامي 1912-1915م، ويشير الفصل إلى إنجازاته الملموسة مثل إدخال الإنارة العامة للمدينة بـ 24 مصباحاً كبيراً و200 قنديل للأزقة، وتأسيس لجنة أمنية من عشرة ضباط و80 حارساً لضبط الأمن، وإصلاح الطرق. كما يوضح الفصل كيف أن عمر الأتاسي مول شخصياً بعض المشاريع البلدية من ماله الخاص عندما كانت الخزينة فارغة، مثل شراء قطعتي أرض لإنشاء متنزه، كما جدد سوق العطارين القديم عام 1914م، والذي عُرف باسم "سوق آل الأتاسي". ويتطرق الفصل أيضاً إلى مشاريع طموحة لم تكتمل مثل جر المياه النقية وبناء مشفى، لكن قيام الحرب العالمية الأولى حال دون تحقيقها.
بعد ذلك، يستعرض الفصل كيف كانت العائلة ممثلة بشكل دائم في المجالس المحلية الأخرى، مثل مجلس إدارة حمص الذي كان المفتي عضواً دائماً فيه؛ وقد كان منصب الإفتاء متوارثاً في العائلة، ومن بين من تولوه، سعيد بن عبدالستار الأتاسي، ومحمد بن عبدالستار الأتاسي، وعبد اللطيف بن محمد الأتاسي، وطاهر بن خالد الأتاسي. كما برز أفراد العائلة في مجلس الدعاوى والمحكمة الابتدائية، ومنهم أمين بن عبد الستار الأتاسي وكمال بن سعيد الأتاسي، وفي المحكمة الشرعية حيث شغل محمود الأتاسي منصب باش كاتب (رئيس الكتاب) لأربعة عشر عاماً. ولم يقتصر حضورهم على القضاء، بل امتد إلى مؤسسات اقتصادية كالبنك الزراعي وغرفة التجارة، حيث كان صادق بن أمين الأتاسي من الأعضاء الأوائل، وإلى وظائف إدارية أخرى في إدارة الريجي والكازخانه.
ينتقل الفصل إلى المستوى السياسي، ويحلل مساعي العائلة الحثيثة لجعل حمص لواءً مستقلاً (مركز ولاية أصغر). يبدأ هذا السرد مع خالد أفندي الأتاسي الذي انتُخب نائباً عن سورية في أول مجلس مبعوثان (برلمان) عثماني عام 1877م، واشتهر بشرحه لمجلة الأحكام العدلية التي تُعد أساس القانون المدني، في ستة مجلدات أكملها ابنه طاهر الأتاسي من بعده. ثم يسلط الضوء على يحيى أفندي الأتاسي الذي قدم عريضة مفصلة عام 1888م إلى الصدارة العظمى، تتضمن حججاً اقتصادية وإدارية وسكانية لإقناع الدولة بجعل حمص مركزاً للواء، وكانت تحليلاته دقيقة وواقعية. تكرر الطلب في عريضة جماعية عام 1901م وقعها أعيان المدينة ومسلموهم ومسيحيوهم. وتكرست الجهود بشكل أكبر عام 1914م بزعامة المفتي عبد اللطيف الأتاسي ورئيس البلدية عمر الأتاسي ورئيس المعارف نجم الدين الأتاسي، حيث وصلت القضية إلى مجلس ولاية سورية العام. ورغم أن رد الحكومة كان بالتأجيل بسبب الميزانية، إلا أن ضغط الأعيان استمر حتى قيام الحرب العالمية الأولى حال دون تحقيق المطلب، الذي تحقق أخيراً عام 1920م بعد انتهاء الحكم العثماني، ليكون عمر الأتاسي أول متصرف (محافظ) للواء حمص المستقل، محققاً بذلك فكرة والده يحيى الأتاسي بعد مرور 32 عاماً.
أخيراً، يتناول الفصل الصراع بين آل الأتاسي وعبد الحميد باشا الدروبي، وهو نموذج على التحولات الطبقية والصراع على النفوذ في المدينة. ويصف المؤلف هذا الصراع كأحد مظاهر نزاع الطبقات الاجتماعية الناتج عن التشريعات الجديدة، ويؤكد أنه يعرض الأحداث دون تحيز لأي طرف. كانت جذور النزاع تعود إلى عام 1889م، وتصاعد بعد إعادة العمل بالدستور عام 1909م، حيث قدم يحيى الأتاسي برقية يتهم فيها الدروبي بضم مائة وخمسين ألف دونم من الأراضي. بلغ الخلاف ذروته عام 1912م عندما حاول الدروبي، كرئيس للبلدية، هدم بركة وسوق الفيصل لإنشاء أبنية جديدة، مما أثار احتجاج أفراد عائلتي الأتاسي والفيصل الذين يملكون المحلات. تصدى لهم الدروبي مستخدماً نفوذه الواسع، فقادت العائلة حملة معارضة واسعة تمثلت في عشرات العرائض والبرقيات، ومنها برقية من رفيق الأتاسي إلى نظارة الداخلية يندد فيها بتجاهل الدروبي لأحكام المحكمة.
في هذا الفصل، يعترف المؤلف بحدود في المعلومات، خاصة للفترة بين 1900 و1914م، بسبب توقف طباعة الحوليات العثمانية، ويرجح أن أفراد العائلة تولوا مناصب أكثر مما ورد ذكره. كما يُقرّ بشكل ضمني بأن الحملات السياسية المتكررة لجعل حمص لواءً لم تلقَ النجاح الكافي في ظل غياب ردود واضحة من السلطات العثمانية، ويلمّح إلى أن سبب فشل عريضة عام 1901م قد يكون عدم دعمها بحراك قانوني حقيقي.
من الممكن مناقشة الطرح القائل بأن مساهمات آل الأتاسي كانت "الأكبر والأهم" في نهضة حمص، إذ قد يرى البعض أنها تفتقر إلى معيار مقارن واضح مع جهود عائلات أخرى كآل الدروبي أو غيرهم، لكن الفصل يقدّم لذلك أدلة كثيفة من خلال التوثيق الدقيق لتواجدهم في جميع مفاصل الحياة العامة، ويبرز ذلك بشكل خاص في القيادة الفكرية والسياسية التي تجلت في عرائض مطالبة بالإصلاح والمشاركة في البرلمان العثماني، مما يعكس وعياً سياسياً ومدنياً متقدماً لرموز العائلة.
8.دور آل الأتاسي في مدينة حمص 2374–413▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل الدور المتعدد الأوجه لآل الأتاسي في مدينة حمص خلال العهد العثماني، مركّزاً على مساهماتهم في المجالات الاقتصادية والعمرانية والتعليمية والدينية. يبيّن المؤلف كيف انتقل أفراد العائلة من موقعهم التقليدي كعلماء ومدرّسين في المؤسسات الدينية إلى لعب أدوار قيادية في مؤسسات الدولة الحديثة التي نشأت بعد التنظيمات، دون أن يتخلّوا عن جذورهم في التعليم الشرعي.
يبدأ الفصل بتناول النشاط الاقتصادي، فيذكر إنشاء «الشركة الوطنية العثمانية للطرق والمعابر» التي تأسست بمبادرة من والي سورية مدحت باشا، وكانت تمويلاتها محلية بالكامل. لعب خالد الأتاسي دوراً في إدارة الشركة في بدايتها، ثم خلفه نجيب الأتاسي الذي كان رئيساً لبلدية حمص عام 1879م. من أبرز إنجازات الشركة تحت إدارته ترميم جسر المزرعة الذي يبلغ طوله مئة متر وعرضه سبعة أمتار على طريق طرابلس-حمص عام 1882م، وإتمام هذا الطريق عام 1883م، ومدّه إلى تدمر، وإتمام طريق حمص-حماة وطريق حمص-حسياء-النبك. ويشير المؤلف إلى أن نجيب الأتاسي كان له الفضل في بناء محطة الطريق البري (الشوسة) بحمص بتمويل محلي وطني، وقد نال إعجاب والي سورية عندما زار المدينة في أيار 1884م.
يتناول الفصل بعد ذلك قضية بناء مسجد خالد بن الوليد، الذي يعتبره المؤلف الرمز الأول لمدينة حمص. ففي أيار 1903م، زار والي سورية ناظم باشا حمص ووصف المسجد القديم بأنه «عبارة عن عدة أقبية: مظلم وضيق وتعيس للغاية»، وحثّ أهل المدينة على إعادة بنائه. تشكّلت هيئة إنشاءات من كبار أعيان المدينة تصدّرها خالد الأتاسي، وضمت أيضاً نجيب الأتاسي وحافظ الجندي ورفيق أفندي ومحمد عبدالفتاح وخالد كتاليني ومصطفى رسلان وعبدالغني السعيدي. قدرت المصاريف الأولية بألفي ليرة عثمانية، تُدفع نصفها من تبرعات الأغنياء و400 ليرة من صندوق الحلي والهدايا و600 ليرة من واردات أوقاف المسجد. وقد وجّهت الدولة نيشاناً مجيدياً من الدرجة الثالثة لخالد الأتاسي ومن الدرجة الرابعة لباقي الأعضاء في حزيران 1903م. ويورد المؤلف نص عريضة رفعها أعيان حمص بقيادة آل الأتاسي إلى السلطان عبدالحميد الثاني عبر مستشاره عزت باشا، ونشرت في صحيفة «ثروت» بتاريخ 31 أيار 1903م، يعربون فيها عن شكرهم وامتنانهم للإرادة السلطانية بتجديد المسجد. وخُلد هذا البناء بأبيات شعرية للشيخ طاهر الأتاسي مدح فيها السلطان.
يخصص الفصل مساحة لوصف الأعمال العمرانية التي قام بها أفراد العائلة. ففي عام 1891م، جدّد محمد الباكير الأتاسي مسجد النبي هود، وقد أرخ الشيخ محمد خالد القصيح لهذا التجديد بأبيات نقشّت على لوحة رخامية. كما بنى الشيخ إبراهيم أفندي الأتاسي قصراً وزاوية على الطراز المعماري الغربي الحديث مع بعض العناصر المحلية، وافتتحت الزاوية الرفاعية سنة 1890م. أما خالد الأتاسي، مفتي حمص ونائب سورية في مجلس المبعوثان، فكان من أوائل من أنشأوا أبنية خارج أسوار المدينة، ومن بينها قصره الواقع في حي البغطاسية والذي صممه المهندس محمد أنيس حسين آغا عام 1893م على مساحة تفوق 4000 متر مربع.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى المجال التعليمي، الذي يعتبره المؤلف المجال الأكثر أهمية. يوضح أن العلم كان البوابة الرئيسية لدخول العائلة إلى الساحة السياسية عبر منصب الإفتاء، وأنهم كانوا حاضرين في المدارس التقليدية كمدرسة النورية ومدرسة خالد بن الوليد. ومع التنظيمات، أصبحوا أوائل الداعمين للتعليم الحديث، وأنشأوا «الجمعية الخيرية التعليمية» التي تأسست عام 1881م وضمت كبار الأعيان، واستطاعت إنشاء أول مدرستين ابتدائيتين نظاميتين في حمص ضمّتا مئة طالب تقريباً. ثم تأسست «شعبة المعارف» عام 1884م كامتداد للجمعية، وتولى رئاستها عدد من آل الأتاسي، منهم إبراهيم أفندي الأتاسي منذ 1895م ويحيى أفندي الأتاسي الذي عمل كاتباً ثم مفتشاً عاماً منذ 1887م حتى 1892م، والشاعر نجم الدين الأتاسي. وقد عملت الشعبة على ترميم الأبنية الموقوفة على التعليم وافتتحت مدارس جديدة، وظلت تشرف على المناهج وتعيينات المعلمين حتى أغلقت في فترة ما بين 1904-1905م بسبب تدخل «ذوي الأغراض»، ثم أعيد تأسيسها عام 1909م بعد إعلان الدستور وخلع السلطان عبدالحميد الثاني، واستمرت حتى حلّتها الإدارة الاتحادية بعد سنة ونصف، لكنها عادت للعمل حتى الحرب العالمية الأولى.
يبرز الفصل نموذج أبو الهدى الأتاسي الذي جمع بين التدريس في المدرسة الرشدية الحديثة منذ 5 أغسطس 1897م، والتدريس في الجامع النوري التقليدي، وكان عالماً بالفلكيات وعلوم الميقات، وله مؤلفات عدة منها رسالة في علم الميقات ورسالة في حكم زيارة الرسول وديوان شعر. كما يلفت المؤلف الانتباه إلى وجود 15 طالباً من عائلة الأتاسي من أصل 67 طالباً في المدرسة الرشدية عام 1895م، أي بنسبة قريبة من ربع الطلاب، وهو ما يدل على أهمية العلم والتعليم لدى العائلة. وكان من بين هؤلاء الطلاب من سيصبحون ذوي شأن كبير لاحقاً، مثل وصفي بك الأتاسي وعاطف الأتاسي ومحمد إبراهيم الأتاسي.
يخصص المؤلف جزءاً مهماً من الفصل للحديث عن «المدرسة العلمية» التي تأسست عام 1906م بجهود خالد الأتاسي، الذي أقطع منزله لتأسيسها. كانت هذه المدرسة أول مدرسة ثانوية في تاريخ حمص، بتوجه محافظ وداعم للوطنية العثمانية ومناهض للمدارس الأجنبية، وضمّت أقساماً ابتدائية وإعدادية وثانوية وعلمية تخصصية، وكان التدريس فيها باللغة العربية الفصحى. أصبحت المدرسة بمستوى المدارس السلطانية الحكومية برخصة من نظارة المعارف، ووصل عدد طلابها إلى أكثر من 250 طالباً من مختلف المناطق السورية، بدعم مادي محلي واسع من الأعيان وعلى رأسهم آل الأتاسي. تأسست عام 1911م صحيفة «المدرسة» المرتبطة بها، وكان صاحب امتيازها توفيق النجيب الأتاسي. ويورد المؤلف نص عريضة رفعها أعيان حمص بقيادة المفتي عبداللطيف الأتاسي إلى ولاية سورية في 4 تشرين الثاني 1912م لحل الخلاف بين المدرسة والمؤسسة العسكرية حول أرض مخصصة لبناء مبنى جديد، بعد أن أوقف الجيش البناء رغم التفاهم المسبق حوله.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن استمرار حضور العائلة في التعليم الشرعي التقليدي. ففي جامع النوري الكبير، توارث أربعة أجيال من العائلة التدريس فيه، من شمس الدين أحمد الشهاب في القرن السادس عشر، وحتى أبو الهدى الأتاسي، بموجب براءات سلطانية شريفة. وفي جامع خالد بن الوليد، تسلم التدريس أولاد المفتي عبدالستار، ثم المفتي خالد الأتاسي، ومن بعده القاضي طاهر الأتاسي. أما مدرسة البازرياشي، فكان المدرّس فيها العالم اللغوي والفلكي محمد المحمود الأتاسي (المتوفى عام 1903م)، الذي نال النيشان المجيدي الرابع عام 1894م، وكان من تلامذته العديد من علماء العائلة مثل المفتي عبداللطيف الأتاسي وابنه توفيق والمفتي طاهر وأبو الهدى. ومن أبرز طلابه الشيخ سعيد زين العابدين الذي أصبح شيخ الطريقة البدوية الرئيس في إسطنبول. بعد وفاة محمد المحمود، خلفه ابنه محمود الأتاسي، الذي جمع بين التعليم النظامي الحديث في المدرسة الرشدية ببعلبك منذ عام 1883م، والعمل باشكاتباً في المحكمة الشرعية بحمص، ثم وراثة والده في التدريس عام 1903م.
يختتم الفصل بالحديث عن التبرعات للجيش العثماني إبان الحرب مع إيطاليا في نهاية أيلول عام 1911م، حيث اندلعت حملات التبرع في حمص، وكتب محي الدين الجندي مقالة في جريدة حمص بتاريخ 7 تشرين الأول 1911م يحث فيها الوجهاء على المساعدة. يخلص المؤلف إلى أن مساهمات العائلة في الفعاليات الوطنية كانت كبيرة، رغم أن المصادر التاريخية لم توصل إلا بأخبار معدودة، ويتعهد بأن القول بأن مساهماتهم كانت كبيرة ليس من الخطأ، نظراً لدورهم البارز في المجالات الاقتصادية والتعليمية والسياسية والدينية التي فصّلها الفصل.
من الملاحظ أن المؤلف يعتمد بشكل كبير على الوثائق الأرشيفية العثمانية والصحف المحلية كصحيفة «لسان الحال» و«ثروت» و«جريدة حمص»، إضافة إلى المصادر التاريخية المحلية مثل مؤلفات حسين أغا وعبدالغني العطري. كما يورد نصوصاً شعرية مطولة وقصائد تاريخية توثق للأحداث، مما يضفي على الفصل طابعاً توثيقياً غنياً، وإن كان ذلك على حساب سلاسة السرد في بعض المواضع. يظل السؤال الذي يطرحه الفصل بشكل غير مباشر حول كيفية التوفيق بين الانخراط الواسع في مؤسسات الدولة الحديثة والحفاظ على الهوية التقليدية للعائلة، وهو سؤال يجيب عنه المؤلف بالإشارة إلى أن العائلة لم تتخلَّ عن التعليم الشرعي، بل وازنت بين المسارين معاً.
9.دور آل الأتاسي في مدينة حمص 3413–435▼ ملخص
يُخصص هذا الفصل لدراسة شخصيات بارزة من عائلة آل الأتاسي، بهدف إزالة الغبار عن تاريخها بالاعتماد على وثائق الأرشيف العثماني. ويشير المؤلف إلى منهجية العائلة في "صناعة النخب" عبر بوابتين رئيسيتين: العلم الذي اشتغلت به طوال أربعة قرون، والإرث التاريخي الذي توارثه أعيانها جيلاً بعد جيل. يسلط الفصل الضوء على مساهمات العائلة في الفعاليات الوطنية، معترفاً بأن المصادر المحلية لم تنقل إلا جزءاً من أخبارهم، لكنه يؤكد أن دورهم كان كبيراً في النشاطات الموصلة إلينا كما في تلك التي لم تصلنا تفاصيلها.
يستعرض الفصل أولاً التبرعات المالية للجيش العثماني خلال الحرب مع إيطاليا عام 1911م. فبعد اندلاع الحرب ودعوة الصحف المحلية للتبرع، برز تبرع عدد كبير من رجال العائلة، منهم المفتي عبد اللطيف، والشيخ إبراهيم أفندي، وأبو الخير أفندي، وعبد الكريم أفندي، وأبو النصر أفندي، وخليل أفندي، وتج الدين أفندي رئيس المعارف، ومراد أفندي، ورفيق الحسن أفندي، ويحيى بن سعيد أفندي، وكمال أفندي، وسعيد مراد أفندي، وبديع أفندي، وإحسان أفندي، وبلغ مجموع تبرعاتهم أكثر من تسعة آلاف قرش. كما أشرفت نساء العائلة، وعلى رأسهن رفيفة خانم والدة هاشم بك الأتاسي، وحرم المفتي خالد الأتاسي، ووالدة محمد أفندي الأتاسي، على تنظيم تبرعات نسائية بلغت نحو 1500 قرش. وفي تشرين الأول 1912م، بدأت حملة أخرى لجمع اللباس للجيش، شارك فيها طلعت أفندي الأتاسي وصالح مراد أفندي الأتاسي المتبرع بستة بذلات، لتجمع الحملة أكثر من 200 رداء.
ينتقل الفصل بعدها إلى تشكيل لجنة إعانة لمنكوبي حريق سوق الحميدية في دمشق بتاريخ 27 نيسان 1912م، والتي ترأسها المفتي عبد اللطيف الأتاسي، وضمت نقيب الأشراف، ومصطفى أفندي رسلان، وسعيد أفندي الجندي.
يتناول الجزء الأكبر من الفصل سيرة هاشم بك الأتاسي بالتفصيل، فهو "الرئيس الوحيد في العالم العربي الذي استقال من رئاسة الجمهورية ثلاث مرات، ورفض العودة إلى منصبه مرتين". وُلد في حمص عام 1873م، وأتم دراسته الابتدائية والإعدادية فيها، ثم توجه إلى بيروت فالآستانة حيث درس في الكلية الملكية الشاهانية، وتخرج منها عام 1894م بتقدير جيد جداً. بدأ مسيرته الإدارية متدرباً عند والي بيروت، ثم تقلب في مناصب قائمقامية عديدة في المرقب، والحفة، وصفد، وصور وجبل عامل، والسلط، وعجلون، وجبلة، وحاجين، ويافا. وأبدى رؤساؤه إعجابهم بكفاءته ودرايته، فتمت ترقيته إلى رتب متقدمة. في أيلول 1913م، عُين متصرفاً للواء حماة الذي يضم حماة وحمص، ثم متصرفاً للواء عكا في تشرين الثاني من العام نفسه. لكن رجال حزب الاتحاد والترقي، بقيادة والي بيروت جمال عزمي بك، سعوا لعزله عن عكا لإبعاده عن المنطقة السورية، فنقل إلى لواء جبل بركات في الأناضول، ثم إلى لواء بوردور حيث عزله قرار في آذار 1919م. وبعد عودته إلى حمص، عُين متصرفاً لها في كانون الأول 1919م، وانتخب رئيساً للمؤتمر السوري العام، وأول مجلس نيابي في التاريخ العربي، ورئيساً للمجلس التأسيسي للدستور عام 1920م، ليسهم بذلك في وضع أول دستور عربي.
ثم ينتقل الفصل إلى سيرة محمد طاهر بن خالد الأتاسي، المفتي والقاضي والشاعر والأديب. وُلد في حمص عام 1861م، وحفظ القرآن في السابعة، وتلقى تعليمه الشرعي على يد والده المفتي خالد الأتاسي، فأتقن العلوم الدينية واللغوية. واصل دراسته في دمشق على يد كبار العلماء، ثم التحق بمدرسة القضاء الشرعي في الآستانة وتخرج منها عام 1885م. تنقل في مناصب قضائية عديدة، حيث عُين قاضياً في حوران، ونابلس، والكرك، ودينزلي، وأضنة، والقدس الشريف، وهو منصب يعتبر من أعلى مراتب القضاء في الدولة العثمانية. تميز بعدالته واستقامته، ونال عدة أوسمة عثمانية، واستقدمه أهالي المدن التي عمل فيها لتمديد خدمته. عاد بعدها للتدريس في حمص، ثم عُين مفتياً لها عام 1915م وبقي فيها حتى وفاته عام 1940م.
يضيء الفصل على شخصية يحيى أفندي بن المفتي سعيد الأتاسي، الذي برز في المجالين القانوني والسياسي. عمل كاتباً ثم مفتشاً لشعبة المعارف المحلية، وساهم في افتتاح مدارس للإناث والابتدائية في المدينة وريفها. تميز ببلاغته في التركية، وكان من الضاربين على يد الفساد، حيث فضح نائب حمص سعيد حكمت الذي ارتشى خمسين ليرة عثمانية. وكان يستشار من قبل المسلمين والمسيحيين على حد سواء في القضايا الحقوقية، كما يتضح من يوميات مطران الروم أثناسيوس عطا الله. من أبرز قضاياه السياسية اصطدامه بعبد الحميد باشا الدروبي، أقوى رجل في حمص، والذي انتهى بتسلم ابنه عمر الأتاسي لرئاسة بلدية حمص.
أخيراً، يتناول الفصل شخصيتين إضافيتين: وصفي بك بن نجيب الأتاسي، الذي وُلد عام 1882م، وتخرج من الكلية الملكية الشاهانية عام 1907م. عمل في الإدارة ثم عاد إلى حمص ليعمل في المجال التعليمي، وانتخب ممثلاً عن حمص وحماة في مجلس الولاية عام 1914م، ثم نائباً في مجلس المبعوثان العثماني حتى نهاية العهد العثماني. انتخب عضواً في المؤتمر السوري عام 1919م، وكان من أعضاء اللجنة التي وضعت أول دستور عربي. وعُين متصرفاً لحماة في شباط 1920م، بينما كان ابن عمه هاشم متصرفاً لحمص. ورفعت بن راغب الأتاسي، أول طبيب في العائلة ومن أوائل الأطباء المسلمين في حمص. وُلد عام 1885م، ودرس الطب في الآستانة وتخرج عام 1908م. عمل طبيباً في عدة مناطق، وشارك في الحرب العالمية الأولى مع الجيش العثماني، وكان أحد أطباء الثورة السورية عام 1925م.
يُظهر الفصل حجم النفوذ العلمي والسياسي الذي تمتعت به عائلة آل الأتاسي في العهد العثماني، ويقدم أدلة وثائقية على مساهمات أفرادها في مجالات القضاء والتعليم والإدارة والسياسة والطب. في المقابل، يمكن القول إن الفصل يركز على سرد الإنجازات الفردية بشكل أساسي، وقد يكون من المثير للنقاش فهم كيف تمكنت عائلة واحدة من تولي هذه المناصب المؤثرة عبر أجيال متتالية، وهو ما قد يشير إلى وجود شبكة نفوذ عائلية واسعة ومتعمدة أو نتيجة طبيعية لتراكم السمعة والكفاءة العلمية عبر الزمن.
التحليل والكلمات المفتاحية
كلمات مفتاحية
أشخاص