المورد
الأقليات والقوميات في السلطنة العثمانية بعد 1516

الأقليات والقوميات في السلطنة العثمانية بعد 1516

مجموعة مؤلفين١ كانون الثاني ٢٠٠١arالجمعية التاريخية اللبنانية

يقع هذا الكتاب في صميم الإشكالية التاريخية الكبرى التي واجهت السلطنة العثمانية منذ توسعها في القرن السادس عشر وحتى انهيارها في بداية القرن العشرين: كيف تدير إمبراطورية متعددة الأعراق والأديان شؤونها الداخلية؟ وكيف تتحول هذه التعددية من مصدر قوة إلى بؤرة أزمات؟ يجمع الكتاب أبحاث مؤتمر علمي عقد في الجامعة اللبنانية، بمشاركة أربعة وعشرين باحثاً من جنسيات متعددة معظمها من شعوب السلطنة السابقة، ليرسم خريطة شاملة لتطور العلاقة بين المركز العثماني والأقليات القومية والدينية، مقدماً قراءة متعددة الأوجه تمتد من التأصيل النظري إلى الدراسات الحالة التفصيلية، ومن البلقان إلى العراق مروراً ببلاد الشام والأناضول.

يؤسس الكتاب فهمه لموضوعه عبر تفكيك البنية الإدارية والدينية للسلطنة، التي اعتمدت على نظام "المقاطعة" كوحدة إدارية أساسية تقوم على منظومة "التيمار" و"الزعامت" و"الخاص"، وهي تقسيمات تخضع لاعتبارات مالية وعسكرية أكثر منها جغرافية. وقد أدت لامركزية هذا النظام إلى منح المناطق الريفية شبه استقلال محلي، وتنامي قوى محلية على حساب السلطة المركزية، بينما شكل الإسلام الرابط الأهم بين العرب والأتراك نظراً لمكانة اللغة العربية كلغة القرآن والشريعة. أما على المستوى الديني، فكان نظام "الملل" هو الآلية التي تنظم حياة غير المسلمين، حيث قسمهم حسب الدين والمذهب وضمن لهم حريات دينية وثقافية واسعة في فترات القوة، بينما يظهر الفصل أن هذه العلاقة لم تكن مستقرة، إذ وثّق تغير البطريرك في القسطنطينية 107 مرات بين عامي 1522 و1851، مما يعكس هشاشة أوضاع الطوائف تحت وطأة الصراعات الداخلية والضغوط الخارجية.

ينتقل الكتاب بعدها إلى أحد المحاور الجوهرية: مسألة الحماية الأجنبية التي أصبحت أداة للتدخل في الشؤون العثمانية. يقدم الفصل المعني بهذا الموضوع أطروحة تصحيحية مفادها أن التسمية الشائعة "الامتيازات الأجنبية" غير دقيقة تاريخياً، ويفضل تسميتها "عهود الأمان" التي تنظّم وجود المسيحيين القادمين من "دار الحرب"، تمييزاً لها عن "عهد أهل الذمة" الثابت القائم على نصوص قرآنية. ويؤرخ لتطور هذه العهود من أول "عهدنامه" حصلت عليه فرنسا عام 1535 في عهد السلطان سليمان القانوني، إلى "عهدنامه" عام 1740 الذي نص على بقاء أحكامه سارية لحكم الخلفاء من بعده، وقد تطورت هذه العهود من طابع تجاري بحت إلى حماية دينية، خاصة بعد عام 1604 الذي اعترف بحق ملك فرنسا في حماية الحجاج والرهبان الفرنسيسكان، ثم توسع هذا الحق ليشمل الأساقفة والرهبان الكاثوليك في مدن مثل إزمير وصيدا والإسكندرية.

تتضح حدود هذه الحمايات من خلال أمثلة تاريخية دامغة يقدمها الكتاب، ففي عام 1721، وبعد شكوى البطريركين الأرثوذكسيين ضد نشاط الكاثوليك التبشيري، أصدر السلطان قراراً بمنع هذا النشاط، وفشل السفير الفرنسي في إبطاله، بل هدده الصدر الأعظم بطرد كل الرهبانيات الكاثوليكية. وفي مثال آخر، هدم والي عكا عبد الله باشا دير حبل الكرمل الشهير الذي كان ملكاً للاتين تحت الحماية الفرنسية. تظهر هذه الحالات أن السلطان العثماني ظل قابضاً على زمام الأمور في المسائل التي تمس تعاليم الإسلام وعهد أهل الذمة، بينما كان يقبل بعض مطالب السفراء بشكل ودّي إكراماً للصداقة مع فرنسا فقط. أما الحماية الروسية للروم الأرثوذكس، فتكشف عن مسار مشابه بدأ بزيارات البطاركة المشرقيين إلى روسيا قبل اتفاقية كوتشوك كاينارجه عام 1774، وتطور ليصل إلى تخصيص الإمبراطورة آنا يوانوفنا مبلغ 300 روبل سنوياً للكرسي الأنطاكي، ومن ثم إلى تأسيس جمعية روسية نشرت 87 مدرسة في أبرشيات أنطاكية مقابل 20 مدرسة فقط في فلسطين، مما جعل الكرسي الأنطاكي أول من استعاد استقلاليته عن اليونان بمساعدة الروس.

يتناول الكتاب أيضاً الانتفاضات العلوية في الأناضول خلال القرن السادس عشر، والتي بلغت خمس عشرة انتفاضة كبرى، منها ثلاث عشرة حدثت في القرن السادس عشر، ويحللها كمظهر من مظاهر الصراع الطائفي والسياسي المرتبط بالدولة الصفوية الناشئة. يبين الكاتب أن العلويين كانوا يشكلون حوالي %70 من سكان الأناضول المسلمين في القرن الثالث عشر، لكنهم تحولوا إلى "غرباء" في دولتهم مع مرور الزمن، وبلغت الحملات ضدهم ذروتها في عهد السلطان سليم الأول (1512-1520) الذي حصل على فتوى بإباحة قتلهم، ونفذ مجازر بحقهم قبل وبعد معركة تشالديران عام 1514. من أبرز هذه الانتفاضات انتفاضة كالندر شلبي التي وصل عدد مقاتليها إلى أربعين ألف مقاتل، وانتفاضة بابا زينون الكبيرة عام 1526، لكنها جميعاً فشلت بسبب تفرقها جغرافياً وغياب التنسيق بينها، مما سهل على الدولة العثمانية سحقها واحدة تلو الأخرى.

أما الحالة الأرمنية فتُعرض من خلال واقعين متناقضين: التجذر التاريخي والجغرافي من جهة، ونظرة السلطنة إليهم كـ"ملة" مقابل نظرتهم إلى أنفسهم كـ"أمة" من جهة أخرى. يشرح الفصل كيف أن الإصلاحات العثمانية، رغم إعلانها المساواة، أبقته على التمييز بين الدولة والمجتمع، وظلت الأقليات خاضعة لحكم الشريعة بينما تستوعب الدولة نشاطها. ومع صدور الخطي الهمايوني عام 1856 الذي أعلن المساواة بين كل الرعايا، حمل تناقضاً حافظ على وضعية الأقليات كملل، ورفض الباب العالي مشروع "الدستور الوطني الأرمني" لأنه يعني "دولة ضمن الدولة". ومع ذلك، كان الأرمن من بين الأقليات الناشطة، فتولى العديد منهم مناصب السفراء في العواصم الكبرى بين 1855 و1880، وشارك كريكور أوديان أفندي في وضع مسودة الدستور العثماني مع مدحت باشا. لكن مع بروز الطورانية في سياسة عبد الحميد كحركة انصهارية لتذويب الأقليات، وصل الحوار إلى التشنج وإلى المأساة الأرمنية الكبرى، بعد أن فرمان الإصلاحات لم يصدر إلا عام 1885 متأخراً عن إنقاذ الموقف.

يحلل الكتاب حركة الإصلاح العثماني في القرن التاسع عشر بوصفها محاولات يائسة لإنقاذ سلطنة متداعية، ويقدم قراءة نقدية لتأثيراتها على لبنان على وجه الخصوص. يشير الفصل المعني إلى أن هذه الإصلاحات، رغم نواياها المعلنة في التحديث والمساواة، ساهمت في زعزعة استقرار لبنان وتعميق انقساماته الداخلية، حيث استخدمها العثمانيون كذريعة لتعزيز السيطرة المباشرة، وحرضوا الدروز ضد المسيحيين، مما أدى إلى سقوط الإمارة وتقسيم البلاد إلى قائمقاميتين في سنة 1842. ويظهر نظام المتصرفية الذي أُقيم في سنة 1861 كحل وسط يمنح لبنان حكماً ذاتياً شكلياً، بينما بقيت السلطة الفعلية في يد الدولة، كما أدت الإصلاحات الإدارية مثل قانون الولايات في سنة 1864 إلى اقتطاع مناطق حيوية من لبنان مثل سهل البقاع وبعض المرافئ الساحلية وإلحاقها بولاية سوريا، مما ساهم لاحقاً في ظهور فكرة "لبنان الكبير".

يتوسع الكتاب في تحليل أوضاع الأقليات في ولايات الشام عبر دراسة المقومات الجغرافية التي شكلت بيئة نشأتها، فيقدم إجابة أساسية مفادها أن العامل الجغرافي بتضاريسه ومناخه هو المفتاح لفهم تاريخ هذه الأقليات وتوزيعها. يصف المؤلف المنطقة الممتدة من المتوسط حتى الخليج بأنها ملتقى القارات الثلاث التي شهدت "الثورة النيوليتية" في الألف السابع قبل الميلاد، ثم يشرح ظاهرة "انحسار العمران الحضاري" منذ حوالي القرن العاشر الميلادي، والتي حولت الجبال إلى ملاذات آمنة للمجتمعات الزراعية والدينية. ومن هذه البؤر الحضارية التي صمدت في وجه البداوة: مستنقعات جنوب العراق، والغوطات السورية حول دمشق، ومرتفعات جبل العرب وجبل سنجار والقلمون، وعلى رأسها جبل لبنان الذي توافقت إليه الأقليات الدينية مثل الموارنة والدروز بسبب طبيعته الحصينة ووفرة مياهه، وطوروا فيه نظام المدرجات الزراعي وأنظمة اجتماعية قائمة على الاستقلال الذاتي.

أما في البلقان، فيطرح الفصل المعني إجابة واضحة تُحمّل الإمبراطورية العثمانية المسؤولية التاريخية الأساسية عن مشكلة الأقليات القومية في المنطقة، بسبب سياسات الهجرة القسرية والتهجير التي أحدثت اختلاطاً غير طبيعي للجماعات البشرية. فمنذ القرن الخامس عشر، فرت جماعات صربية واستقرت في فويفودينا الصربية، وعبر آلاف البلغار نهر الدانوب إلى رومانيا وبيسارابيا، بينما توافدت مجموعات ألبانية مسلمة إلى صربيا القديمة مهيئة لنشوء المشكلة الكوسوفية. ويحدد الكتاب السياسات العثمانية تجاه الشعوب غير التركية في سمتين أساسيتين: المماطلة والتسويف، والممارسات العنيفة، مع اعتماد سياسة زرع الشقاق بين الشعوب عبر الاعتراف بالملل المختلفة، كالاعتراف بـالملة البلغارية عام 1870 الذي أضعف التأثير اليوناني، وإشعال الخلافات الصربية البلغارية في مكدونيا. ويكشف الكتاب عن ظاهرة "الكليشيهات القومية والأساطير" التي ساهمت في تأجيج الصراعات، حيث تدّعي كراسات صربية من عام 1913 أن الألبان هم في الأصل صرب، وتذهب مقالات صربية من عام 1905 إلى إنكار وجود شعب كرواتي مستقل، بينما تطرح اليونان أفكاراً مثل "الأفكار العظيمة" التي تطمح لقيام دولة يونانية كبرى تضم القسطنطينية والبحر الأسود.

فيما يتعلق بالتطورات السياسية في البلقان بعد مؤتمر برلين، يرصد الفصل تحول عداء الدول البلقانية من السلطنة العثمانية إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم اجتماعها حول اقتسام التركة العثمانية. يشرح كيف أن صربيا، بعد هزيمتها أمام بلغاريا في سليفنيتسا عام 1885، وجهت أنظارها نحو الجنوب والشرق، بينما توسطت النمسا-المجر لتوقيع اتفاق بوخارست في 19 شباط 1886. وتصبح مكدونيا الموضوع الأساسي للتجاذبات بين الدول البلقانية، حيث بلغ عدد المدارس البلغارية فيها 1730 مدرسة تضم 106200 تلميذ، بينما موّلت صربيا 74 مدرسة تضم 3179 تلميذاً خلال عام 1904، واستوعبت الدعاية اليونانية 711 مدرسة تضم 14195 تلميذاً. ومع فشل محاولات الاتحاد والتعاون بين هذه الدول بسبب تناقض الأهداف القومية، انتقلت الدعاية من الأعمال الثقافية إلى الحملات المسلحة، خاصة بعد انتفاضة إيلندين عام 1907، مما أدى إلى فشل برنامج الإصلاح في موردشتيغ ومهد لحروب البلقان.

يتناول الكتاب أيضاً تطور الفكر القومي العربي من العثمانوية إلى القوموية، فيحدد ثلاث محطات رئيسية تبدأ بتأزم البنية العثمانية القائمة على الخراج والدين ونظام الملل، مروراً بإلغاء نظام الملل والانفتاح على التعليم الحديث، وانتهاءً بتعاون أعيان المدن والتحول إلى القومية العربية. يبين الفصل أن القومية العربية لم تكن تعبيراً عن طموحات شعبية جامعة، بل كانت نتاج مصالح نخب مدينية محددة كالتجار وكبار الملاك ورجال الدين. ومع صعود نهج التتريك بعد انقلاب عام 1908، ظهرت الجمعيات المناهضة لهذه السياسة، حيث أسس مثقفون مسيحيون مثل بطرس البستاني وناصيف اليازجي جمعيات أدبية وعلمية كالجمعية "العلمية السورية" في بيروت عام 1847، والتي كانت النواة للحركة، ثم تأسست "جمعية بيروت السرية" عام 1875 وجمعية بيروت الإصلاحية التي صدامت مع الوالي الجديد، وبلغت الحركة ذروتها مع المؤتمر العربي الأول الذي اعتمد الكاتب في دراسته على محاضر جلساته ووثائق وزارة الخارجية الفرنسية السرية. يُبرز الفصل مفارقة مثيرة في موقف جرجي زيدان الذي كان عثمانياً على الرغم من مساهمته في تحديد اللغة العربية الأدبية وتكوين الفكر القومي العربي، ولم يتصور المصير العربي خارج الإطار العثماني. كما يكشف عن إجحاف واضح في نتائج انتخابات مجلس المبعوثان، إذ تألف المجلس من 148 عضواً بينهم 60 عربياً فقط، في حين كان عدد السكان العرب 10.5 مليون مقابل 10 ملايين تركي، مما جعل المعدل التمثيلي للنائب العربي 175 ألف نسمة مقابل 35 ألف نسمة للنائب التركي، فتفاقم الصراع الاتحادي الأعياني على السلطة.

يخصص الكتاب القسم الأخير من أبحاثه للحالة اللبنانية بدراسات تفصيلية، حيث يقدم تحليلاً لوثائق تظهر اهتمام الأمراء الشهابيين بالشؤون الكنسية وتدخلهم المباشر فيها، خاصة مع البطريركين المارونيين يعقوب عواد وطوبيا الخازن في سياق محاولة التخفيف من نفوذ السلطة الكنسية المتزايد في جبل لبنان. كما يعالج وضع الأقليات العرقية في عكار في القرن الثامن عشر، وتحديداً الأكراد الذين استوطنوها منذ عهد المماليك ثم غادر معظمها، والتركمان الذين جلبهم السلطان سليم الأول فاختلط معظمهم بالسكان بينما احتفظ بعضهم بلغته. ويرصد الفصل المعني بوضع المسيحيين واليهود في طرابلس في النصف الثاني من القرن الثامن عشر انغماس المسيحيين في المجتمع ومشاركة المسلمين لهم في الزراعة والملكية، مقابل انعزال اليهود في حي خاص، بينما يكشف تحليل الدور الاقتصادي لرجال الأعمال المسيحيين في بيروت وجبل لبنان في عهد المتصرفية كيف استفادوا من التوسع الأوروبي واحتلوا موقعاً رئيسياً في التطور الاقتصادي، مما جعل لبنان مختبراً فكرياً للبحث في قومية الإنسان.

يقر الكتاب في مواضع متفرقة بحدود أبحاثه، فيشير إلى أن مقدمة المؤتمر تعتمد أسلوب العرض الموجز لأهداف كل بحث دون استنتاجات جامعة، مما يترك القارئ مع تنوع الرؤى دون محاولة للتوفيق بينها. كما يعترف الفصل المعني بالحماية الروسية بأنه يطرح أسئلة أكثر مما يجيب حول مدى فعالية هذه الحماية، وحول الازدواجية بين الغنى الخيالي لطبقة التجار وفقر غالبية المؤمنين الذين عاشوا في "الفقر المدقع". وتظهر في الكتاب حجج قابلة للنقاش، أبرزها القراءة التي تُحمّل الدولة العثمانية نفسها مسؤولية تفاقم المشكلة القومية في البلقان عبر سياسات التهجير وزرع الشقاق، مقابل القراءة الأخرى التي تدافع عن الدولة وتُحمّل الدول الغربية والحركات القومية مسؤولية الأزمات، إضافة إلى الأطروحة القائلة بأن مشروع إصلاحات التنظيمات، رغم أهدافه المعلنة، كان وسيلة لتعزيز سلطة الدولة على حساب المساواة الحقيقية للأقليات، وهي قراءة يعضدها النص حين يلاحظ أن الإصلاح أبقى على التمييز التقليدي بين الدولة ورعاياها. أما الخيط الذي يجمع هذه الأبحاث المتنوعة، فيتمثل في الكشف عن التحول الجذري في طريقة إدارة التعددية داخل السلطنة العثمانية، من نظام يمنح الجماعات استقلالية ذاتية في فترات القوة، إلى سياسات مركزية وتتريك ممنهج في فترات الضعف، وهو التحول الذي حول التعددية من مصدر استقرار إلى بؤرة انفجارات متتالية أنهت الإمبراطورية وتركت في أعقابها إرثاً من الصراعات التي لا تزال تعيد إنتاج نفسها في المنطقة حتى اليوم.

الفصول(20)

1.مقدمة عامة: د. محمد وهب عطا الله25–34▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل التمهيدي عرضاً شاملاً لأعمال مؤتمر «الأقليات والقوميات في السلطنة العثمانية بعد 1516»، الذي عقده قسم التاريخ في فرع الثاني من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، بالاشتراك مع الجمعية التاريخية اللبنانية، وبرعاية الجامعة ووزارة الثقافة والتعليم العالي. ويوضح الكاتب أن انعقاد هذا المؤتمر جاء نتيجة طبيعية لاتساع رقعة السلطنة العثمانية جغرافياً لتشمل مناطق واسعة من أوروبا وأفريقيا وآسيا، مما استلزم وجود شعوب وجماعات متعددة الأصول والثقافات، حيث ساد التسامح في فترات القوة، بينما اتجهت الدولة إلى ضبط الأمور مع بداية الأفول. شارك في المؤتمر أربعة وعشرون أستاذاً جامعياً وباحثاً، ينتمون إلى جنسيات عديدة معظمها من شعوب السلطنة السابقة، وقد نُشرت في هذا المحور معظم الأبحاث المقدمة، مع الاعتذار عن نشر كامل الأعمال لعدم تسليم بعض النصوص أو نشرها في أماكن أخرى.

تنظم المقدمة محاور المؤتمر في ستة أبواب رئيسية، يبدأ الباب الأول بالمقاربة النظرية لموضوعي الأقليات والقوميات، حيث قدّم الباحث س. المش قراءة باللغة الفرنسية للتنوع الإثني والثقافي والقومي في السلطنة انطلاقاً من وحدة السلطة المركزية على الأصعدة الإيديولوجية والإدارية والعسكرية والاقتصادية، مقدماً بذلك رؤية شاملة للعلاقة بين «الواحد» و«المتعدد». أما الباب الثاني فيتناول مسألتي الحماية الأوروبية والإصلاح، حيث استعرض الحكيّم تاريخ الحماية الفرنسية للأقليات غير المسلمة حتى عهد التنظيمات، مركزاً على الحماية الدينية في إطار الامتيازات، ومنتقلًا من حماية الأفراد والأماكن إلى حدود هذه الحماية بين المعاهدات السياسية وفشل فرنسا في إدخال مفهوم حق التدخل. كما تناولت س. أبو الروس سليم استفادة الروم الأرثوذكس من الحماية الروسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مروراً بثلاث مراحل من الطابع الديني إلى السياسي مع اتفاقية كوتشوك كينارجي، وصولاً إلى الدعم العلمي والتعليمي. وحلّل ج. حجار عالح الخط الهمايوني من خلال الوثائق الدبلوماسية الأوروبية، واضعاً إياه في إطاره التاريخي من الأزمة العثمانية الروسية حول حماية الكنائس إلى إعلان الحرب واضطرار السلطان لإصدار الخط الذي ألزمه بالتنظيمات. وفي سياق الإصلاح، قدمت د. بو ملهب عطالله قراءة في انعكاسات حركة الإصلاح العثماني على الحال اللبناني، مركزةً على التفاعل بين المحلي والإقليمي والدولي، ومن دلائل ذلك التزامن بين الإصلاح والاضطراب، والارتباط بين المركزية الإدارية وإسقاط الحكم التقليدي.

يخصص الباب الثالث لمسألة الأقليات في أنحاء السلطنة من الناحيتين العرقية والدينية، حيث بحث م. حداد المقدّمات الجغرافية للأقليات الدينية في الولايات العربية الآسيوية، واصفاً إياها بـ«المجتمعات الراكدة» سياسياً و«مجتمعات اللادولة» التي تعبّر عن معتقداتها دون أن تتوق إلى السلطة. وتناول م. نور الدين الانتفاضات العلوية في الأناضول في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، عادّاً خمس عشرة انتفاضة مذهبية طبقية مرتبطة بالصراع العثماني الصفوي. وعالج ج. شرف الأزمة الأرمنية من خلال واقعين متناقضين: التجذر التاريخي والجغرافي من جهة، ونظرة السلطنة إليهم كـ«ملة» مقابل نظرتهم إلى أنفسهم كـ«أمة» من جهة أخرى. ومن منظور تركي، بحث ص. خدمتلي أوضاع الأقليات بعد التنظيمات، مقسماً إياها على الأساسين الديني المذهبي والقومي، ومؤكداً أن تنظيمات كلخانه أعطت الذميين حقوقاً إدارية واقتصادية واجتماعية أكبر، لكن الدول الكبرى واصلت التدخل باسم حقوق الأقليات بهدف إسقاط الدولة. واهتمت ح. الدبس باللغة الفرنسية بعلاقة الأكراد والأشوريين وعوامل تقاربهم التي انتهت بسبب ربط كردستان بالسلطة المركزية، وتغلغل الإرساليات الأجنبية، والحرب العالمية الأولى، ثم الاستراتيجيات المرتبطة بالنفط. أما جبر معوّض فعرضت حالة السريان الأرثوذكس، مركزةً على دور البطريرك والهرمية التي تدير شؤون الطائفة وعلاقتها بالمحيط الإسلامي.

يتناول الباب الرابع منطقة البلقان من النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية بثلاث محاضرات، حيث اهتم نيقولاي تودوروف باللغة الإنجليزية بنشاط الثقافة الأوروبية في البلقان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، متمثلاً بالحالة البلغارية ومراحل نهضتها المتأثرة بالأفكار الأوروبية والثورية الواردة عبر اليونان وصربيا، وبالتأثير السلافي والروسي خاصةً. وبحث ك. مانتشيف في تعدد القوميات وعدم وضوح الحدود الإثنية في شبه جزيرة البلقان، معيداً قيام مشاكل الأقليات إلى السلطنة العثمانية، ومبرزاً عوامل الحل كحركة التحرر الوطني والدول القومية والدول الكبرى، وموضحاً ميزات السياسة التركية كالتسويف واعتماد العنف والتفريق بين الملل. وعالج ل. المعوش المواقف البلقانية من المسألة القومية بين مؤتمر برلين وحروب البلقان، مشيراً إلى تحول عداء الدول البلقانية من السلطنة العثمانية إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم اجتماعها حول اقتسام التركة العثمانية.

يبحث الباب الخامس في القومية العربية وظهور الجمعيات المناهضة للتتريك، حيث حدد م. مراد ثلاث محطات في تطور الفكر القومي من العثمانوية إلى القوموية، بدءاً بتأزم البنية العثمانية القائمة على الخراج والدين ونظام الملل والنظامين العسكري والإداري، مروراً بإلغاء نظام الملل والانفتاح على التعليم الحديث، وانتهاءً بتعاون أعيان المدن والتحول إلى القومية العربية. ونظر ع. معطي في دور الأقليات القومية والدينية في قيام الجمعيات العربية، مستعرضاً نماذج من الجمعيات الأدبية والسرية والعلنية واللبنانية، بينما تناول ك. رزق بالفرنسية جمعية بيروت الإصلاحية منذ نشأتها على يد زعماء بيروت المسلمين بالاتفاق مع الأطراف المسيحيين مناصفةً، مروراً بصدامها مع الوالي الجديد وسجن بعض أعضائها وإضرابات بيروت، وانتهاءً بإلغائها رسمياً مع توسع تأثير برنامجها. وعالج و. كوثراني المؤتمر العربي الأول بالاعتماد على محاضر الجلسات ووثائق وزارة الخارجية الفرنسية السرية، لفهم الخطاب السياسي العربي وتأويلاته، مع اهتمام خاص بموقع النخب والدبلوماسية الأوروبية. وبحثت آ.ل. دوبون بالفرنسية في فكر جرجي زيدان العثماني، مشيرةً إلى أنه كان عثمانياً على الرغم من مساهمته في تحديد اللغة العربية الأدبية وتكوين الفكر القومي العربي، ولم يتصور المصير العربي خارج الإطار العثماني.

يُختم الفصل بالباب السادس المتعلق بلبنان، حيث تناولت ج. الراسي تدخلاً سياسياً في مجمع كنسي لطائفة الروم الأرثوذكس في رأس بعلبك في النصف الأول من القرن السابع عشر، في ظل التنافس بين الأمير فخر الدين الثاني وآل سيفا، وقد شارك الأمير نفسه في المجمع فرجحت كفة مرشحه كما استُنتج من الوثائق. وقدم ج. فول تحليلاً لوثائق تظهر اهتمام الأمراء الشهابيين بالشؤون الكنسية وتدخلهم المباشر فيها، خاصةً مع البطريركين المارونيين يعقوب عواد وطوبيا الخازن، في سياق محاولة التخفيف من نفوذ السلطة الكنسية المتزايد في جبل لبنان. واهتم ن. الأحمر بالأقليات العرقية في عكار في القرن الثامن عشر، وتحديداً الأكراد الذين استوطنوها منذ عهد المماليك ثم غادر معظمها، والتركمان الذين جلبهم السلطان سليم الأول فاختلط معظمهم بالسكان بينما احتفظ بعضهم بلغته. وعالج ف. حبلص وضع اليهود والمسيحيين في طرابلس في النصف الثاني من القرن الثامن عشر من خلال حركة سوق المدينة، مستنتجاً انغماس المسيحيين في المجتمع ومشاركة المسلمين لهم في الزراعة والملكية، وانعزال اليهود في حي خاص، وتنافراً بين المسيحيين واليهود، مع تساهل الولاة في جباية الجزية. وبحث ح. سليمان وضع الأقليات غير المسلمة في طرابلس في القرن التاسع عشر، مركزاً على العلاقات بين الطوائف ودور النصارى واليهود في اقتصاد المدينة ومقارنة وضعهم الاجتماعي بالأكثرية المسلمة. وتناول ع. بهراميان الاهتمام الإيراني بالشؤون العثمانية في القرن التاسع عشر من خلال منازعات درزية عثمانية، معتمداً على وثائق وزارة الخارجية الإيرانية، ومفسراً هذا الاهتمام بتردي العلاقات الإيرانية العثمانية ورصد الدبلوماسية الإيرانية لنقاط الضعف. وتوقف ق. الصمد عند مسألة الامتيازات والخمور في طرابلس على عهد بربر آغا، حيث دار صدام بين المتسلّم والقنصل الفرنسي حول إدخال الخمور بحجة الضرورة الدينية للمسيحيين. وأخيراً، قدّم ب. لبكي تحليلاً رقماً للدور الاقتصادي لرجال الأعمال المسيحيين في بيروت وجبل لبنان في عهد المتصرّفية، حيث استفادوا من التوسع الأوروبي واحتلوا موقعاً رئيسياً في التطور الاقتصادي، بينما أبرزت ج. أبو جوده العناصر المكونة للفكر القومي اللبناني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في إطار الإصلاحات العثمانية التي أعطت الرعايا حقوقاً شخصية وممتلكات ومعتقدات، مما جعل لبنان مختبراً فكرياً للبحث في قومية الإنسان.

يمكن القول إن هذا الفصل يقدّم خريطة شاملة لأبحاث المؤتمر دون الخوض في تفاصيلها، ويكشف عن تنوع المقاربات المنهجية والجنسيات المشاركة، مما يعكس حساسية الموضوع وتعقيداته. ومن الملاحظ أن المقدمة تعتمد أسلوب العرض الموجز لأهداف كل بحث، مما يجعلها أشبه بفهرس مفصّل منه بتحليل نقدي، كما أن غياب أيّ استنتاجات جامعة يترك القارئ مع تنوع الرؤى دون محاولة للتوفيق بينها، وهو ما قد يكون مقصوداً في سياق تقديمي كهذا.

2.الحماية الفرنسية للأقليات غير المسلمة في السلطنة العثمانية35–54▼ ملخص

يجمع هذا الفصل بين التاريخ القانوني والدبلوماسي ليعالج موضوعاً دقيقاً في العلاقات العثمانية-الأوروبية: الحماية الفرنسية للأقليات غير المسلمة داخل السلطنة العثمانية. يطرح المؤلف، أنطوان الحكيم، أطروحة تصحيحية في بداية الفصل مفادها أن التسمية الشائعة "الامتيازات" الأجنبية هي تسمية غير دقيقة تاريخياً، لأنها توحي بأن هذه الاتفاقيات فُرضت على الدولة الإسلامية من الخارج. وبدلاً من ذلك، يقترح المؤلف تسميتها "عهود الأمان" أو "عهود المستأمنين"، التي كانت تنظّم وجود المسيحيين القادمين من "دار الحرب" وتحركاتهم داخل "دار الإسلام"، وذلك تمييزاً لها عن "عهد أهل الذمة" الثابت القائم على نصوص قرآنية (يستشهد بالآية 9 من سورة التوبة المتعلقة بالجزية، والآية 7 من سورة المائدة المتعلقة بالاستقلال القضائي لأهل الكتاب). ويؤكد أن طبيعة هذه العهود كانت متغيرة وتخضع لاعتبارات الزمان والمكان والعلاقة بين الحاكم والدولة التي ينتمي إليها المستأمنون.

يقدّم الفصل إطاراً تاريخياً لتطور هذا النظام، مشيراً إلى جذوره في القرون الإسلامية الأولى، حيث يُعتقد أن الإمبراطور شارل الكبير كان من أوائل الملوك الذين حصلوا على حماية للأراضي المقدسة في فلسطين. ويستعرض نماذج من الاتفاقيات التي عقدها حكام الأندلس ومصر وسوريا مع التجار الأوروبيين في القرن الثاني عشر الميلادي، والتي أطلق عليها أسماء "الأمان" أو "الصلح" أو "المرسوم". ومع وصول العثمانيين إلى سوريا ومصر عامي 1516-1517، لم يدخلوا تجديداً على هذا النظام، بل امتدّوا بسياسة المماليك والسلاجقة، حيث كان شيخ الإسلام يوافق على نصوص "العهدنامة" قبل توقيعها. ويشير الكاتب إلى أن أول "عهدنامه" حصلت عليه فرنسا كان عام 1535 في عهد السلطان سليمان القانوني، بدافع من التقارب بين فرنسوا الأول والسلطان لمواجهة نفوذ شارل الخامس، بينما يصف اتفاقية 1535 التي تذكرها بعض المصادر بأنها مجرد مشروع لم يُوقَّع عليه قط. كانت هذه العهود تُمنح باسم السلطان الشخصي ولمدة حكمه، وكانت تُجدَّد مع كل سلطان جديد، حتى صدر "عهدنامه" عام 1740 الذي نصّ على بقاء أحكامه سارية لحكم الخلفاء من بعده، مما أغنى عن التجديد. وفي البداية كانت هذه العهود ذات طابع تجاري بحت، لكنها تطورت تدريجياً لتشمل حماية دينية، خاصة بعد "عهدنامه" عام 1604 الذي اعترف بحق ملك فرنسا في حماية الحجاج المسيحيين إلى القدس والرهبان الفرنسيسكان، وتوسّع هذا الحق في تجديدات لاحقة مثل 1673 ليشمل الأساقفة والرهبان الكاثوليك والكنائس التابعة لرعايا فرنسا في مدن مثل إزمير وصيدا والإسكندرية، وأيضاً حماية الكبوشيين واليسوعيين.

ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل الفئات التي استفادت من الحماية، مفرّقاً بين نوعين: الحماية المدنية الفردية والحماية الدينية الجماعية. الحماية المدنية لم تكن مرتبطة بالدين بل بالوظيفة، وشملت فئات متنوعة من رعايا السلطان الذين يعملون لمصلحة الفرنسيين، مثل القناصل الذميين الذين عينهم ملوك فرنسا في الجزر اليونانية وبيروت، والمترجمين والحراس. كان هؤلاء يحصلون على "براءات سلطانية" تمنحهم إعفاءً من الضرائب والحصانة القضائية، وقد سوء استخدام هذه البراءات وبيعها لتجار كبار، مما اضطر الباب العالي لإصدار تنظيم جديد عام 1857 حدّد عدد المترجمين والحراس لكل قنصلية واشترط موافقة الحكومة العثمانية على تعيين القناصل من رعاياها. أما الحماية الدينية، فكانت عامة وتدافع عن مصالح الكنيسة الكاثوليكية ككل، وقد مورست لمصلحة فئتين: الأولى تشمل الإرساليات الكاثوليكية الأجنبية والأماكن المقدسة في فلسطين والحجاج، والثانية تشمل اليهود والمجموعات المسيحية العثمانية التي اعتنقت الكثلكة، مثل كاثوليك الأرخبيل اليوناني، وكاثوليك ألبانيا (المرديت)، وموارنة لبنان وقبرص.

يتناول الفصل بالتفصيل حماية الأوروبيين وكنائسهم، حيث كانت الأماكن المقدسة في فلسطين محط خلاف دائم بين الكاثوليك من جهة والأرثوذكس والأرمن من جهة أخرى، وكان الباب العالي يميل في الغالب لمناصرة الأرثوذكس والأرمن لكونهم رعايا سلطانه. كما يتناول موضوع "راية أورشليم" التي كانت تُرفع على بعض السفن في المتوسط لنقل الحجاج، واعتُبرت فرنسا حامية لها. ويستعرض الفصل الرهبانيات الكاثوليكية الأوروبية الأخرى، مثل الكبوشيين الذين انتشروا في مختلف الولايات منذ عام 1626، واليسوعيين الذين كان لهم دير رئيسي في عينطورة بلبنان وإرسالية في بلاد القرم، قبل أن تُلغى رهبنيتهم عام 1763 وتنتقل أديرتهم إلى العازاريين. ويشير إلى أن هذه الرهبانيات كانت تتلقى أوامرها أحياناً من مجمع نشر الإيمان في روما الذي أُنشئ عام 1622، مما كان يسبب متاعب للقناصل الفرنسيين، الذين طُلب منهم في الإرشادات الملكية اعتماد سياسة حكيمة لإحلال الوفاق بين الرهبانيات وطمأنة الأرثوذكس والأرمن.

في قسم آخر، يناقش الفصل حماية اليهود والكاثوليك العثمانيين، فيذكر أن يهود ليفورنا حصلوا على الحماية الفرنسية في مبادلاتهم مع السلطنة لعدم وجود سفير لتوسكانة في إسطنبول، رغم أن التجار الفرنسيين كانوا يتذمرون من منافستهم، صدر مرسوم في 4 فبراير 1777 سمح لليهود بالاحتفاظ بالحماية لكنه حظر عليهم التجارة بين السلطنة وفرنسا. وينتقل إلى كاثوليك الأرخبيل اليوناني الذين تجاوز عددهم المئة ألف، والذين تعرضوا لمضايقات من الأرثوذكس وصلت إلى حد الاضطهاد وإحراق الكنائس، فكان ملوك فرنسا يتدخلون لتهدئة الأوضاع. وقد بلغت هذه الحماية أوجها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، خاصة في عهدي لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، لكنها تلقت ضربة قوية مع الثورة الفرنسية عام 1789، ثم حاول نابليون بونابرت إعادة العلاقات مع العثمانيين فجعل في معاهدة الصلح معهم في 25 يونيو 1802 مادة تنص على العمل بكل العهود والاتفاقيات السابقة. واستمرت الحكومات الفرنسية المتعاقبة في القرن التاسع عشر على هذا النهج، حتى وصل الأمر بفرنسا لخوض حرب القرم للدفاع عن دورها في الشرق، وفي مؤتمر برلين عام 1878 اعترفت المادة 62 من معاهدة برلين بحقوق فرنسا التاريخية في الأماكن المقدسة.

يخصص الفصل قسماً مهماً لبيان حدود الحماية الدينية، وهي من أكثر الأقسام إثارة للاهتمام. يرى المؤلف أن الحماية الحقيقية التي مورست هي الحماية المدنية، لأنها كانت ترتكز على نصوص قانونية واضحة، بينما كانت الحماية الدينية محدودة، لأن العثمانيين لم يكونوا ليسمحوا بأي توسع مسيحي داخل السلطنة يهدد الإسلام. يقدم الفصل أمثلة تاريخية دامغة على هذه الحدود: ففي عام 1721، وبعد شكوى البطريركين الأرثوذكسيين في القسطنطينية وأنطاكية ضد نشاط الكاثوليك التبشيري، أصدر السلطان قراراً بمنع هذا النشاط وإجبار الروم الكاثوليك على العودة للكنيسة الأرثوذكسية، وفشل السفير الفرنسي في إبطال القرار، بل هدده الصدر الأعظم بطرد كل الرهبانيات الكاثوليكية. وفي مثال آخر، تعرض الأساقفة الكاثوليك في الأرخبيل اليوناني للاضطهاد والسجن، لكن الباب العالي اعتبر الأمر شأناً داخلياً لا يقبل التدخل الأجنبي. وفي مثال ثالث، هدم والي عكا عبد الله باشا دير حبل الكرمل الشهير الذي كان ملكاً للاتين تحت الحماية الفرنسية، بدعوى قطع الطريق على الثوار اليونانيين. هذه الأمثلة تظهر أن السلطان العثماني، خلافاً لما تقوله بعض الدراسات، ظل قابضاً على زمام الأمور ولم يرضخ للضغوط في المسائل التي تمس تعاليم الإسلام وعهد أهل الذمة.

يختم الفصل باستخلاص أن الحماية الدينية الفرنسية كانت على نوعين ومورست على مستويين: الأول حماية المرسلين والحجاج الأجانب والأماكن المقدسة، وهي تدخل في إطار عهود الأمان. والثاني حماية الكاثوليك العثمانيين من رعايا السلطان، وهي حماية لم تكن ذات أسس قانونية، وكان السلطان يقبل بعض مطالب السفراء بشكل ودّي إكراماً للصداقة مع فرنسا فقط. ويخلص المؤلف إلى أن ملوك فرنسا، وخاصة لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، حاولوا تطبيق مفهوم "حق التدخل" لحماية مسيحيي السلطنة، وهو مفهوم قريب من مفهوم "المسؤولية عن الحماية" الذي تمارسه الدول الكبرى حالياً، لكن هذا المفهوم كان سابقاً لأوانه، ولم يكن السلطان ليقبل به، وقد عمل السفراء الفرنسيون في إسطنبول، لكونهم أكثر واقعية، على إقناع ملوكهم بالعدول عنه.

يمكن القول إن الفصل يقدم رؤية متوازنة تحاول تصحيح بعض الأطروحات الشائعة عن ضعف الدولة العثمانية أمام الضغوط الأوروبية، من خلال التأكيد على أن السلاطين كانوا يتحكمون في مدى هذه الحمايات ويضعون لها حدوداً صارمة. لكن يبقى الفصل في جوهره تاريخاً دبلوماسياً يقدمه المؤلف من المنظور الفرنسي أساساً، اعتماداً على الإرشادات الملكية للسفراء ومراسلاتهم، وقد يبدو هذا التركيز على المصادر الفرنسية، سواء عن قصد أو بسبب طبيعة المواد المتاحة، مدخلاً محتملاً للنقاش حول مدى اكتمال الصورة من الجانب العثماني نفسه، لكنه لا ينتقص من القيمة التوثيقية الكبيرة للمعلومات التي يقدمها عن آليات عمل هذه العلاقة المعقدة.

3.الروم الأرثوذكس والحماية الدينية الروسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر55–68▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول ما إذا كان يمكن اعتبار الروم الأرثوذكس في الدولة العثمانية "أقلية" بالمعنى الاجتماعي والسياسي الحديث، حيث يرى المؤلف أن مفهوم الأقلية لا يعتمد على العدد وحده، بل على عوامل مثل التهميش، والعنصرية، والحقوق، ومستوى التعليم، والدخل الاقتصادي. ويبيّن أن الأرثوذكس كانوا يشكلون الأغلبية السكانية في آسيا الصغرى والبلقان واليونان منذ سقوط القسطنطينية عام 1453 وحتى احتلال سوريا ومصر عام 1516، لكن نسبتهم تغيّرت مع التحاق هذه المناطق بالدولة العثمانية أو انفصالها عنها، كما حدث في عهد محمد علي باشا (1805-1848). ويلاحظ المؤلف ازدواجية واضحة في أوضاعهم؛ فهم من جهة طائفة متميزة يتمتع بطريركها بمكانة رفيعة في ديوان الدولة، ومن جهة أخرى كان البطاركة أنفسهم يتعرضون للعزل والحبس والإعدام شنقاً أو غرقاً بتهم تراوح بين التأخر في دفع الجزية والخيانة، إذ تغيّر البطريرك في القسطنطينية 107 مرات بين عامي 1522 و1851.

يتناول الفصل بداية العلاقة بين العثمانيين والأرثوذكس، مشيراً إلى أن تعيين البطريرك جيناديوس سكولاريوس وتثبيته على امتيازاته من قبل السلطان محمد الفاتح أسس لعلاقة تقوم على نظام "الملة"، حيث اعتُبر السلاطين العثمانيون "ملوك الروم"، وأصبح البطريرك المسكوني رئيساً لطائفته يمثلها في الشؤون الدينية والمدنية. لكن هذه العلاقة لم تدم طويلاً، إذ دخل العثمانيون عصر الانحطاط، وظهرت في وثائق المحاكم الشرعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تسمية المسيحيين بـ"الكافر"، مما يعكس تغير الموقف الرسمي المتسامح سابقاً. ويعزو المؤلف هذا التحول جزئياً إلى نظام الامتيازات الأجنبية الذي بدأ باتفاق بين الملك الفرنسي فرانسوا الأول والسلطان سليمان القانوني عام 1535، والذي تطور من مجرد تسهيلات تجارية إلى أداة لحماية الرعايا المحليين العاملين مع الأجانب، ثم أصبح وسيلة للتدخل في الشؤون العثمانية وإضعاف الدولة، إذ دفع الموارنة والدروز ثمن الصراع الفرنسي البريطاني،ودفع الأشوريون والكلدان والأرمن ثمن الصراع البريطاني الروسي.

يركز الفصل على العلاقات الأرثوذكسية الروسية، ويبيّن أنها بدأت بزيارات البطاركة المشرقيين إلى روسيا قبل اتفاقية كوتشوك كاينارجه عام 1774، والتي غالباً ما تُعتبر بداية الحماية الروسية. فالبطريرك مكاريوس ابن الزعيم زار روسيا في منتصف القرن السابع عشر لحل مشكلات الكنيسة الروسية، حاملاً رسالة من القيصر تبرر زيارته، ومستفيداً من المساعدات المالية التي خففت الديون المتراكمة على الكرسي الأنطاكي. وفي منتصف القرن الثامن عشر، أرسل البطريرك الأنطاكي الأرشمندريت أنتيموس مرتين إلى روسيا (موسكو عام 1755 وسان بطرسبرغ عام 1771) للحصول على مساعدات مالية، وقد خصصت الإمبراطورة آنا يوانوفنا مبلغ 300 روبل سنوياً للكرسي الأنطاكي، وهو ما تؤكده وثيقة محفوظة في مطرانية بيروت صادرة عن المجمع المقدس الروسي. وتشير الوثيقة إلى أن الوفد المفوض بقبض هذه الأموال كان يجب أن يمر عبر القسطنطينية للحصول على شهادة تثبت أنه آتٍ من قبل البطريرك، وذلك لتفادي المنافقين، وقد حصل الأرشمندريت أنتيموس على 2000 روبل عن ثماني سنوات من 1765 إلى 1773.

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى أثر الوجود الروسي على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأرثوذكس، فبعد قصف الأسطول الروسي لمدينة بيروت عام 1772، والذي اضطر السكان المسيحيون بسببه لبيع أملاكهم بأثمان بخسة والهجرة من المدينة، أصبحت السياسة الروسية جزءاً من التوازنات الداخلية في بلاد الشام. ومع ذلك، برزت عائلات أرثوذكسية كبرى في التجارة وتمثيل القناصل الأجانب، مثل عائلات الريس وسرسق وطراد وبسترس في بيروت، وتسفليس وغريب في طرابلس، والتي استثمرت أرباحها أيضاً في جباية الضرائب وشراء الأراضي الزراعية في الريف، مثل آل عطيه والراسي في عكار وآل الدبس في زحلة. ويتساءل المؤلف عن سبب عدم تخصيص هذه العائلات العلمانية الثرية جزءاً من أموالها لتسديد ديون البطريركية، منتظراً النصف الثاني من القرن التاسع عشر ليشهد كرمها بعد أن ثبتت سلطتها في الشؤون الكنسية.

يفصل الفحص في الحالات التي فشلت فيها فكرة الحماية الروسية، ففي عام 1842، وبعد الصراعات الطائفية الدامية في لبنان، اتفقت الدول الأجنبية على نظام "القائمقاميتين" للدروز والموارنة، وسعت روسيا لتوفير قائمقامية مستقلة للأرثوذكس في منطقة الكورة، إلا أن هذا العرض لم يلقَ تأييداً من الأرثوذكس الذين فضلوا إطاراً جغرافياً أوسع لتحركهم الاقتصادي. وفي أحداث دمشق عام 1860، التي تزامنت مع الصراع الدرزي الماروني في لبنان، أوصى القنصل الروسي الأرثوذكس بعدم دفع الجزية والبدلات العسكرية للسلطات العثمانية، مما أجج المشاعر الطائفية والصراع الطبقي بين التجار من جهة والحرفيين والعمال المسلمين من جهة أخرى، فدفع الأرثوذكس غالياً بسبب الصراع بين الدولتين الروسية والعثمانية. كذلك، لم تلقَ الجهود الروسية لانتخاب أول بطريرك عربي بعد الانشقاق، ترحيباً من جميع الأنطاكيين، إذ كانت للعديد من العائلات الأرثوذكسية في مدن الساحل مصالح اقتصادية وثيقة مع التجار اليونان، ولم يؤيد البطريرك غريغوريوس الرابع النفوذ الروسي، إذ أجاب السلطان عندما لمح له بأنه ذاهب ليشكو أمره إلى حماة كنيسته: "من الأفضل تنظيف الغسيل الوسخ داخل إطار العائلة".

يُعير الفصل اهتماماً خاصاً لتأثير حرب استقلال اليونان على الأرثوذكس، فبعد قيام الثورة اليونانية في الربع الأول من القرن التاسع عشر بمساعدة الدول الأجنبية وخاصة بريطانيا، انتقمت السلطات العثمانية من اليونانيين في جميع الأراضي العثمانية، فأعدمت البطريرك المسكوني شنقاً رغم معارضته للاستقلال، كما أعدمت العديد من تجار منطقة الفنار في اسطنبول، مما دفع العديد من العائلات اليونانية للهجرة إلى الولايات العربية ومصر. وفي هذا السياق المتدهور، اتصل البطريرك ميتوديوس بالكنيسة الروسية عام 1843 طالباً المساعدات لبناء الكنائس وطباعة الكتب وتأسيس المدارس، وهب الروس لكنيسة الصعود في أنطاكية عام 1855 لتخصص إيراداتها لتعليم الشعب وتدريس الكهنة. ويكثف المؤلف من وصف الجهود الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث اهتم الحجاج والمرسلون الروس ببناء الفنادق والأديرة في فلسطين، وأسسوا جمعية روسية عملت على نشر المدارس في أبرشيات أنطاكية وأورشليم، وبلغ عدد هذه المدارس 87 مدرسة في أبرشيات أنطاكية مقابل 20 مدرسة فقط في فلسطين، وعملت على تدريب الأساتذة المحليين في الناصرة وبيت جالا، ووضعت منهجية حديثة لتعليم اللغة العربية. ومع أن هذه الإرساليات جاءت بدعوة من البطاركة اليونانيين، إلا أن النتائج تجاوزت توقعاتهم، فظهرت منافسة كبيرة لتبوؤ المراتب الكنسية، وكانت بيروت أول من طالب بمطران عربي، وكان الكرسي الأنطاكي أول من استعاد استقلاليته عن اليونان بمساعدة الروس، مما اعتبره بعض المؤرخين الخطوة الأولى في الثورة العربية.

يقر المؤلف في النهاية بأن الفصل يطرح أكثر مما يجيب، إذ تبقى أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية الحماية الروسية للأرثوذكس الذين عاشوا في تناقض بين الحاجة إلى الحماية وخطر تهمة التعامل مع الأعداء، وحول الازدواجية بين الغنى الخيالي لطبقة التجار وفقر غالبية المؤمنين الذين عاشوا في "الفقر المدقع". كما أن العلاقة بين الأرثوذكس والدولة العثمانية تبقى محكومة بتناقضات المبادئ الرسمية والأوضاع الفعلية، فإذا كانت الدولة تنظر إليهم كرعايا يتمتعون بامتيازات، فإنها كانت تعاقبهم كأعداء في أوقات الأزمات، وهو ما يعكس عمق الأزمة التي عاشتها هذه الطائفة في ظل صراع القوى العظمى على مقدرات الدولة العثمانية، حيث لم تكن الحمايات الخارجية سوى أدوات لتأجيج الصراعات الداخلية وإضعاف الطوائف بدل حمايتها.

4.قراءة في إسقاطات الإصلاح العثماني على المجال اللبناني في القرنين التاسع عشر والعشرين69–94▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوع الإصلاحات العثمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ويركز بشكل خاص على كيفية تأثير هذه الإصلاحات على المنطقة اللبنانية. تقدم الكاتبة، دعد بو ملهب عطالله، أطروحة مفادها أن هذه الإصلاحات، رغم نواياها المعلنة في التحديث والمساواة، لم تكن في حقيقتها سوى محاولات يائسة لإنقاذ سلطنة متداعية، وأن تأثيرها على لبنان كان في أغلبه سلبياً، حيث ساهمت في زعزعة استقراره، وتعميق انقساماته الداخلية، وتغيير نظام حكمه وجغرافيته بشكل لم يصب في صالح أهله.

يبدأ الفصل بتتبع جذور حركة الإصلاح العثماني، موضحاً أنها نشأت نتيجة لضعف داخلي متزايد وضغوط خارجية متصاعدة، وليس فقط كاستجابة لرغبة أوروبية كما قد يُعتقد. يذكر الكاتبة أن المحاولات الإصلاحية الأولى بدأت في أواخر القرن الثامن عشر مع سلاطين مثل مصطفى الثالث وسليم الثالث، الذي دفع حياته ثمناً لمحاولته إصلاح الجيش وإنشاء "النظام الجديد" بدعم فرنسي، بعد أن أطاح به الإنكشاريون بتحريض من رجال الدين. ثم يستعرض الفصل محاولات السلطان محمود الثاني الذي نجح في التخلص من الإنكشارية لكنه فشل في كسب رضا شعبه، وصولاً إلى الإعلان الرسمي عن "خط كلخانه الشريف" في تشرين الثاني 1839 على يد السلطان عبد المجيد، والذي مثل بداية عهد "التنظيمات". وقد تضمن الخط وعوداً بالمساواة بين جميع الرعايا أمام القانون والضرائب، وضمان أمنهم، مع تأكيده على العودة لتعاليم القرآن. لكن الفصل يشير إلى أن هذه الإصلاحات لم تلقَ قبولاً شعبياً واسعاً، وعارضها رجال الدين وكبار المسؤولين الذين رأوا فيها تهديداً لمصالحهم، وسرعان ما تم التخلي عن معظمها بعد أقل من ثلاث سنوات.

يتناول الفصل بعد ذلك "خط همايون" الصادر في 14 شباط 1856، والذي جاء بعد حرب القرم ونتيجة لضغوط أوروبية مباشرة، وخاصة من بريطانيا وفرنسا، بهدف تحسين أوضاع المسيحيين في السلطنة. وقد كرّس هذا الخط مبدأ المساواة بشكل أوسع، ليشمل الخدمة العسكرية والوظائف العامة وإلغاء العبارات المهينة بحق المسيحيين. ومع ذلك، يلاحظ الفصل أن هذا المشروع الجديد واجه معوقات مشابهة لسابقه، بما في ذلك معارضة بعض المسيحيين أنفسهم، وظهور حركات قومية تسعى للاستقلال بدلاً من التفاعل مع الإصلاحات. ويختتم الفصل هذه النظرة التاريخية بالإشارة إلى أن هذه الإصلاحات المتتالية، بما فيها دستور مدحت باشا في سنة 1876، لم تنجح في إنقاذ الدولة من الانهيار، حيث انتهى الأمر بإلغاء الدستور وعودة الحكم المطلق في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ثم إعادة اعتماده في بداية القرن العشرين قبل أن تضع الحرب العالمية الأولى حداً نهائياً للسلطنة وحركة الإصلاح معاً.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الجزء الأهم، وهو تحليل "الإسقاطات اللبنانية" لهذه الإصلاحات. يوضح الكاتبة أن لبنان، بما كان يتمتع به من حكم ذاتي ضمن الإمبراطورية، تفاعل مع هذه الإصلاحات بشكل عميق ومعقد. أحد أهم هذه الإسقاطات كان في المجال السياسي، حيث استخدمت الدولة العثمانية الإصلاحات كذريعة لتعزيز السيطرة المباشرة على لبنان وإخضاعه. يشير الفصل إلى أن العثمانيين حرضوا اللبنانيين ضد الحكم المصري في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ثم ساهموا بعد ذلك في تأليب الدروز ضد المسيحيين، مما أدى إلى سقوط الإمارة وإحلال الحكم المباشر، ثم تقسيم البلاد إلى قائمقاميتين في سنة 1842، وهو ما عمّق الانقسامات الطائفية وأشعل صراعات دموية. تُظهر الكاتبة أن هذه السياسة كانت تهدف إلى إثبات قوة الدولة وقدرتها على فرض النظام، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار لبنان ووحدة أهله، وأن العثمانيين كانوا على استعداد للعب على التناقضات الطائفية والمصالح الأوروبية المتضاربة (الفرنسية مع الموارنة، والبريطانية مع الدروز، والروسية مع الروم الأرثوذكس) لتحقيق أهدافهم.

أخيراً، يخصص الفصل جزءاً هاماً لتحليل الإسقاطات الإدارية والمالية والجغرافية للإصلاحات على لبنان. ففي الجانب الإداري، يظهر كيف أن نظام المتصرفية الذي أُقيم في سنة 1861، رغم أنه اعتُبر حلاً وسطاً يمنح لبنان حكماً ذاتياً، جعل المتصرف مجرد موظف عثماني تعينه استنبول وتسيطر عليه، مما أبقى السلطة الفعلية في يد الدولة. وفي الجانب المالي، يوضح الفصل أن الإصلاحات المالية فشلت في تحقيق العدالة الضريبية المنشودة، بل أدت إلى فرض ضرائب جديدة على اللبنانيين الذين كانوا يعانون أصلاً من آثار الاضطرابات، مما فاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. أما في الجانب الجغرافي، فيشير الفصل إلى أن الإصلاحات الإدارية، مثل قانون الولايات في سنة 1864، أدت إلى اقتطاع مناطق حيوية من لبنان مثل سهل البقاع وبعض المرافئ الساحلية وإلحاقها بولاية سوريا، مما حرمه من مصادر عيشه الأساسية وترك أثراً سلبياً طويل الأمد، وساهم لاحقاً في ظهور فكرة "لبنان الكبير".

يخلص الفصل إلى نتيجة أساسية: إن الإصلاحات العثمانية لم تقدم للبنان سوى القليل من الإيجابيات، وكان أبرزها في مجال التعليم الذي شهد ازدهاراً ملحوظاً في عهد المتصرفية، وأسهم في خلق نخبة فكرية وعلمية ميزت لبنان لاحقاً. لكن الكاتبة تؤكد في ختامها أن السلبيات كانت هي الغالبة، وأن الرواسب التاريخية لهذه الفترة، من صراعات طائفية وتغيرات جغرافية ونظم حكم، شكلت جذوراً عميقة للحال اللبناني في أواخر القرن العشرين، مؤكدة على استمرارية تأثير الماضي في الحاضر.

5.المقومات الجغرافية للأقليات الدينية في الولايات العربية الآسيوية في السلطنة العثمانية95–115▼ ملخص

يُعنى هذا الفصل بدراسة المقومات الجغرافية التي شكلت بيئة نشأة وتجمع الأقليات الدينية في الولايات العربية الآسيوية الخاضعة للسلطنة العثمانية، ويقدم إجابة أساسية مفادها أن العامل الجغرافي، بتضاريسه ومناخه وموارده، هو المفتاح لفهم تاريخ هذه الأقليات وتوزيعها وعلاقاتها بالسلطة المركزية. يرى المؤلف أن المنطقة الممتدة من المتوسط حتى الخليج، والتي يسميها "شرق المتوسط"، هي موقع جغرافي فريد يتوسط القارات الثلاث، وقد لعبت طبيعتها دوراً حاسماً في تشكيل أنماط الاستقرار البشري والصراع بين الحضارة والبداوة، وهو الصراع الذي حدد بدوره مصير الجماعات الدينية المختلفة. فالجغرافيا هنا ليست مجرد خلفية، بل هي القوة الفاعلة التي صنعت العزلة أو الانفتاح، والرخاء أو الانحسار، لهذه المجتمعات.

يسير الفصل بطريقة منهجية، فيبدأ بوصف الموقع الجغرافي العام للمنطقة واصفاً إياها بأنها نقطة التقاء القارات، حيث تلتقي السلالات والثقافات المختلفة. يشرح المؤلف كيف أن المضائق والصحاري المحيطة بالمنطقة شكلت حدوداً طبيعية وعزلتها جزئياً، بينما جعلها موقعها في شرق المتوسط ملتقى للطرق والبشر. ينتقل بعدها إلى الحديث عن التحولات المناخية الكبرى، مثل العصر الجليدي الذي دفع بالبشر نحو الجنوب، ثم يستعرض "الثورة النيوليتية" التي قامت في هذه المنطقة تحديداً في الألف السابع قبل الميلاد، والتي حولت الإنسان من صياد وجامع للقوت إلى مزارع مستقر، مما أدى إلى نشوء القرى والمدن والدول لأول مرة في التاريخ. ويؤكد المؤلف أن هذا الإرث الحضاري القديم ظل يتفاعل مع نمط حياة بدوي بدائي، وهما النمطان اللذان تشكلت على أساسهما العلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية في المنطقة عبر العصور.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً لوصف تضاريس المنطقة ومناخها، شارحاً كيف أن السلاسل الجبلية الساحلية الممتدة من الجنوب إلى الشمال، مثل جبال لبنان الغربية وجبال العلويين وجبل عامل، تتلقى أمطاراً غزيرة، بينما تعاني المناطق الداخلية من الجفاف. هذه الفجوة المناخية والتضاريسية أوجدت حزاماً من الأراضي الخصبة على طول الساحل، بينما تشكل الصحاري والباديات في الشرق والجنوب. ويوضح المؤلف أن هذا التوزيع كان حاسماً في تحديد مناطق العمران والمناطق التي سادت فيها البداوة، فالحياة المستقرة تركزت في الجبال والسهول الساحلية والداخلية التي توفرت فيها المياه، بينما بقيت السهول المكشوفة والمنبسطات عرضة لتمدد البدو.

يتناول الفصل بالتفصيل ظاهرة "انحسار العمران الحضاري" التي بدأت منذ حوالي القرن العاشر الميلادي، ويعزوها المؤلف إلى عوامل متعددة، أبرزها العامل السياسي المتمثل في ضعف الدولة المركزية وعدم قدرتها على حماية المناطق الزراعية من هجمات البدو، خاصة في السهول المفتوحة. وبينما يذكر المؤلف فرضيات أخرى مثل الزلازل المدمرة والتغيرات المناخية، إلا أنه يميل إلى ترجيح كفة العامل السياسي في هذه العملية، مستشهداً بدراسات تشير إلى أن فترات الجفاف لم تكن دائماً السبب في إفراغ السهول، بل قد تكون الفيضانات والأوبئة الناتجة عن فترات رطبة غير معتادة هي التي أدت إلى ذلك. وقد ساهم هذا الانحسار في تحول الجبال إلى ملاذات آمنة للمجتمعات الزراعية والدينية التي تمكنت من الصمود أمام تمدد البداوة، بينما دمرت الواحات والمدن في السهول أو خضعت لسيطرة البدو.

يقدم الفصل أمثلة محددة على هذه البؤر الحضارية التي صمدت في وجه البداوة، فيصفها بأنها "جزر" للاستقرار في بحر من البداوة. من هذه البؤر: مستنقعات جنوب العراق التي شكلت ملاذاً آمناً لمجتمعات هجينة لجأت إليها عناصر مختلفة مثل الزط والزنج وغيرهم، وقد طورت نمط معيشة خاصاً قائماً على زراعة الأرز والقصب. والغوطات السورية حول ينابيع دمشق التي حافظت على شبكات ريها البسيطة فبقيت مزدهرة. إضافة إلى المرتفعات الداخلية مثل جبل العرب وجبل سنجار والقلمون التي شكلت معاقل للمجتمعات المستقلة، كمثّل الجبال الساحلية، وعلى رأسها جبل لبنان، نموذجاً للملاذ الجبلي الآمن بسبب طبيعته الحصينة ووفرة مياهه، حيث توافقت إليه الأقليات الدينية مثل الموارنة والدروز. ويؤكد المؤلف أن هذه الجبال لم تكن مجرد ملاذات طبيعية، بل كانت بيئات طورت أنماطاً زراعية متقدمة وعرفت نظام المدرجات لحفظ التربة، كما طورت أنظمة اجتماعية وسياسية قائمة على الاستقلال الذاتي ومقاومة السيطرة الخارجية.

يختتم الفصل بتحليل العلاقة المعقدة بين المدينة والبداوة، وبين الريف والمدينة، واصفاً حالة التجزؤ الاجتماعي والسياسي التي سادت المنطقة نتيجة لذلك. يشير المؤلف إلى أن المجتمعات الزراعية، بحكم عزلتها وحصار البداوة لها، تبلورت حول روابط الدم والعشيرة، مما جعلها تميل إلى مقاومة قيام الدولة المركزية، وهو ما يفسر ضعف السيطرة الفعلية للدولة العثمانية على هذه المناطق رغم تبعيتها الاسمية. كما يبرز الفصل تدهور حالة الطرق والمواصلات كدليل على انحسار دور المدينة وتراجع التجارة والاتصال، ناقلاً شهادات لمسافرين غربيين في القرن التاسع عشر يصفون الطرق الوعرة وغياب وسائل النقل ذات العجلات عن معظم بلاد الشام، ولا يستثني من ذلك حتى بيروت، مما يعزز صورة التدهور والعزلة التي سادت في تلك الفترة.

في النهاية، يمكن القول أن الفصل يقدم حجة قوية وقابلة للنقاش مفادها أن الجغرافيا كانت المحدد الأساسي للبنية الاجتماعية والسياسية والدينية في بلاد الشام، وأن هذا الإرث الجغرافي أدى إلى نشوء نظام طائفي قائم على العزلة النسبية والاستقلال الذاتي، مما مهد لفهم العلاقات المتوترة بين الأقليات والدولة المركزية في العصر الحديث. فالجغرافيا لم تخلق الأقليات الدينية بحد ذاتها، لكنها خلقت الظروف المادية والاجتماعية التي ساعدت على تشكل هوياتها واستمرارها بشكل متميز ومستقل.

6.الانتفاضات العلوية في الأناضول في القرن السادس عشر115–134▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول الانتفاضات العلوية في الأناضول خلال القرن السادس عشر، ويحاول تفسير أسبابها وخصائصها ونتائجها. الإجابة الجوهرية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الانتفاضات لم تكن مجرد صراع مذهبي بسيط بين السنة والشيعة، بل كانت نتيجة لتداخل معقد من العوامل الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فقد مثلت هذه الانتفاضات رد فعل على سياسات الدولة العثمانية التي تحولت من التسامح مع العلويين في مرحلة التأسيس إلى الاضطهاد المنهجي بعد ذلك، متخذة من الصراع مع الدولة الصفوية ذريعةً لسحقهم.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بتقديم الإطار العام للانتفاضات، مؤكداً أنها بلغت خمس عشرة انتفاضة كبرى، منها ثلاث عشرة حدثت في القرن السادس عشر. يناقش المؤلف الأسباب المتعددة لهذه الانتفاضات، رافضاً اقتصار تفسيرها على الصراع العثماني الصفوي فقط، ومشيراً إلى أن بعضها سبق هذا الصراع. يبرز من بين هذه الأسباب: العامل الاقتصادي المتمثل في انتزاع الأراضي (التيمارات) من الفلاحين العلويين، والعامل الاجتماعي المتمثل في الطبيعة الطبقية للصراع بين الفلاحين الفقراء والمؤسسة الإقطاعية السنية، والعامل السياسي المتمثل في سعي البعض لإقامة إدارة ذاتية أو بديلة.

يستعرض الفصل بعد ذلك التطور التاريخي للعلاقة بين الدولة العثمانية والعلويين. فبعد أن كانت العلوية أيديولوجية مرحلة التأسيس ودعمهم للسلاطين الأوائل، حدث ارتداد كامل نحو الأيديولوجية السنية. يذكر المؤلف أن العلويين كانوا يشكلون حوالي %70 من سكان الأناضول المسلمين في القرن الثالث عشر، لكنهم تحولوا إلى "غرباء" في دولتهم مع مرور الزمن. ومع ظهور الدولة الصفوية كقوة شيعية تركمانية، بدأت الحملات العنيفة ضد العلويين، الذين أطلق عليهم لقب "قيزيل باش" (الرأس الأحمر)، وبلغت هذه الحملات ذروتها في عهد السلطان سليم الأول (1512-1520) الذي حصل على فتوى بإباحة قتلهم، ونفذ مجازر بحقهم قبل وبعد معركة تشالديران عام 1514.

يفرد المؤلف حيزاً كبيراً من الفصل لتفصيل الانتفاضات الرئيسية واحدة تلو الأخرى، ليرسم صورة شاملة عن طبيعتها وتطورها. من بين هذه الانتفاضات: انتفاضة الشيخ بدر الدين التي وقعت عام 1416، والتي حملت مطالب اجتماعية واضحة كالمساواة وإلغاء الملكية، وانتفاضة شاه كولو عام 1511 التي بدأت في أنطاليا، وانتفاضة نور علي خليفة عام 1519 ذات الصلة الوثيقة بالشاه اسماعيل. ثم ينتقل إلى انتفاضات أخرى مثل انتفاضة بوزوكلو جلال عام 1519 التي أطلقت اسم "الجلاليين" على الثورات اللاحقة، وانتفاضة بابا زينون الكبيرة التي بدأت عام 1526، وانتفاضة كالندر شلبي التي وصل عدد مقاتليها إلى أربعين ألف مقاتل، وأخيراً انتفاضة بيرسلطان عبدال الذي تحول إلى رمز للتمرد، وانتفاضة شيخ صقاريا. كما يشير إلى انتفاضات أخرى أصغر مثل دوموز أوغلان وينيجه بك وولي خليفة وسيدي بك وأينجير يميز وشاه كلدي.

يتضح من سرد هذه الانتفاضات أنها كانت متفرقة جغرافياً وغير منسقة فيما بينها، مما سهل على الدولة العثمانية سحقها واحدة تلو الأخرى. كما تؤكد الروايات أن هذه الانتفاضات، رغم طابعها المذهبي الواضح، كانت تستند في الغالب إلى قضايا اجتماعية واقتصادية، خاصةً فيما يتعلق بالظلم الضريبي وسياسات انتزاع الأراضي. كانت الدولة في أوج قوتها في ذلك القرن وعلى يد أقوى سلاطينها مثل سليمان القانوني، مما جعل هزيمة هذه الثورات شبه محسومة سلفاً.

أقر المؤلف في معرض حديثه بحدود ونتائج هذه الانتفاضات، مشيراً إلى أن عامل التفرق وغياب التنسيق كان السبب الأساسي في هزيمتها، وأنها لم تكن أبداً "يداً واحدة". ويذكر أن العلويين لجأوا بعد سحق هذه الموجة إلى التقيّة والإخفاء، وظلوا على هذه الحال لقرون طويلة حتى سحقوا بشكل نهائي. ويضيف أن هذه الانتفاضات استمرت تظهر بأسماء مختلفة، بعضها كان بأمر من الشاه الإيراني وبعضها الآخر كان يهدف لتحقيق استقلال سياسي عن الدولة العثمانية، غير أن فارين كثيرين منهم كانوا يلجؤون إلى إيران كملاذ آمن.

أخيراً، يتضح من النص أن العلويين تحولوا من مساهمين أساسيين في تأسيس الدولة العثمانية إلى هدفٍ للاضطهاد المنهجي. لقد شكل قيام الدولة الصفوية تهديداً وجودياً للعثمانيين، مما جعلهم ينظرون إلى العلويين كحلفاء محتملين للعدو. يمكن القول إن المؤلف يقدم حجة قابلة للنقاش وهي أن الاضطهاد الذي مارسته الدولة العثمانية ضد العلويين كان سياسة ممنهجة ومدروسة لتوطيد سيطرتها المركزية، مستغلةً بذلك الفتاوى الدينية لتبرير القتل والنهب. ويرى الكاتب أن المصالحة لم تحدث إلا مع إعلان الجمهورية التركية العلمانية عام 1923، التي رأى فيها العلويون متنفساً لاستعادة هويتهم.

7.أزمة الأقليات في السلطنة العثمانية: الحالة الأرمنية135–152▼ ملخص

يطرح هذا الفصل أزمة الأقليات في السلطنة العثمانية من خلال دراسة الحالة الأرمنية، منطلقاً من واقعين متناقضين: الأول هو تَجذُّر الأقليات تاريخياً في أقاليمها، مما يجعلها كيانات مجتمعية ذات وجدان تاريخي، والتعاطي معها يخضع لمبدأ لقاء الحضارات والمساواة، والخروج عن هذا المبدأ يؤدي إلى النزاعات. والثاني هو تحوّل الظاهرة العسكرية في الإمبراطوريات التاريخية إلى حدث يحمل متغيرات جذرية، إذ أن تطلع الشعوب إلى مستقبلها يستعيد ماضيها العريق، وعند محاولة تحقيق هذا التطلع في الحاضر عبر الدولة والمجتمع، تنفجر تناقضات الوضعية التاريخية وتهدد مستقبل الإمبراطوريات العسكرية. ويرى المؤلف أن السلطنة العثمانية، بوصفها ظاهرة عسكرية منذ نشأتها، حافظت على تعدد شعوبها وجماعاتها عبر نظام الملة الذي أرسى التراتب في بناء الدولة، فعاشت الشعوب في "السلم العثماني" باستقلالية مجتمعية، لكن هذه الاستقلالية كانت "وضعية شرعية" أفرزها الفتح.

يتتبع الفصل مسار الإصلاحات العثمانية التي بدأت مع السلطان سليم الثالث (1789-1807) بطرح فكرة الإصلاح أمام أوروبا النهضة التي كانت النموذج والنقيض في آن واحد. ورغم محاولات الإصلاح، بقيت المسألة المجتمعية على الهامش، ووقعت السلطنة تحت هيمنة الدول الكبرى التي رسمت مؤشرات "الرجل المريض" الذي بات أجله أو إنقاذه رهناً بثلاثة عوامل: قدرة الأتراك على الإصلاح، وقبول الرعايا المسيحيين بالرضوخ، ومدى استعداد الدول الغربية لمساعدة الأتراك أو إعاقتهم. ومع عهد "التنظيمات الخيرية" مع محمود الثاني (1808-1839)، صدر الخطي شريف كولخانه (1839) الذي أعطى "رعايا" السلطان ضمانات تؤمن لهم حياتهم وشرفهم وممتلكاتهم، وأرسى طريقة ثابتة لتوزيع الضرائب والتجنيد. يوضح الفصل أن آراء الباحثين تفاوتت حول البعد المجتمعي لهذا الإصلاح، فهناك من اعتبره إرساءً لدولة القانون، ومن رأى أنه يهدف لتقوية سلطة السلطان، ومن اعتبره طرحاً لفكرة "العثمانية" كبديل للانتماءات الدينية.

يلاحظ المؤلف أن حركة الإصلاح كانت مشدودة بين اتجاهين متناقضين: إصلاح مؤسسات الدولة لاستعادة قوتها، وتعديل البنية المجتمعية باسم العدالة والمساواة على النمط الأوروبي الذي يحمل من الليبرالية ما يتجاوز الشرع ويثير حفيظة المحافظين. وجاء الخطي شريف كولخانه كمحاولة توفيقية تربط بين تاريخ السلطنة وواقعها، لكنه مع ذلك أبقى على التمييز بين الدولة والمجتمع، إذ ظلت الأقليات خاضعة لحكم الشريعة بينما تستوعب الدولة نشاطها. وقد برزت عقبات أمام الإصلاح تمثلت في غياب ذهنية جديدة تعطي للمؤسسات مفاعيلها، ومعارضة رجال الدين، واقتصار حركة الإصلاح على النخبة مما أبقى المسألة المجتمعية حالة موروثة.

على الصعيد الأرمني، يبين الفصل أن الأرمن رغم معاناتهم السياسية والأمنية بسبب موقع أرمينية عند ملتقى الإمبراطوريات الفارسية والروسية والعثمانية، شهدوا يقظة أرمنية تضامنت فيها الكنيسة والشعب على أساس التمسك بالكنيسة الرسولية كعلامة فارقة في تاريخيتهم. ومع بداية الإصلاحات، برز وعي شعبي تجاوز "أمراء المال" وأعطى القضية طابعها النضالي، وترافق مع تنشيط مراكز الثقافة في كاثوليكوسية اتشميادزين ودير أمبرتول في تفليس وربطها بعالم الشتات عبر المطبعة. ويشير الفصل إلى أن أرمن الشتات في السلطنة كانوا يعانون الفقر والعوز، بينما ازدهر الاقتصاد في "أرمينية الروسية" التي أنشئت فيها "المقاطعة الأرمنية" بأمر من القيصر الروسي، وكان الرابط بين الطرفين هو الحنين إلى الوطن الأم.

مع صدور الخطي همايوني (1856) بعد حرب القرم ومؤتمر باريس، أعلن السلطان المساواة بين كل رعايا السلطنة، لكن هذا الخطي حمل تناقضاً حافظ على وضعية الأقليات كملل، وطلب من الجماعات المسيحية إعادة النظر في أنظمتها. لقد شكل الخطي همايوني المدخل إلى الأزمة بينما فتح مؤسسات الدولة أمام الأقليات بحذر، إذ عملت الدولة على إغراق الأرمن بالأقليات الرحل واستبعادهم عن المؤسسات الأمنية والسياسية. وتميز الاتجاه الأرمني بين تيار دوري قاده مثقفون درسوا في فرنسا، وتيار معتدل مثلته لجنة وضعت مشروع "الدستور الوطني الأرمني" برئاسة كريكور أفندي مرقوسيان، لكن الباب العالي رفضه لأنه يعني "دولة ضمن الدولة"، وصدر لاحقاً بعنوان "نظامنامه الملة الأرمنية" بعد تعديله.

رغم المفارقات، كان الأرمن من بين الأقليات الناشطة، فدخلوا بكثافة في مؤسسات الدولة ووظائفها العالية، وتولى العديد منهم مناصب السفراء في العواصم الكبرى بين 1855 و1880، وشارك كريكور أوديان أفندي في وضع مسودة الدستور العثماني مع مدحت باشا. كما تمثلت النهضة الأرمنية بشكل خاص على صعيد التربية والتعليم منذ 1860، حيث فرض الدستور الأرمني على كل فرد واجب الإسهام في احتياجات الأمة. في المقابل، قابل الأتراك هذا الدفع بكثير من الحذر، إذ حُرِم الأرمن من تولي الوظائف الأمنية والسياسية في الإدارات المحلية، وهدفت الإصلاحات الإدارية منذ 1864 إلى إغراق الأرمن في الأكثرية التركية والقبائل، مما زاد في مأساة الريفيين ودفعهم إلى النزوح.

يصل الفصل إلى ذروة الأزمة مع الأحداث الكبرى، إذ أصبحت القضية "وطنية" بكل أبعادها، وظهر التوجه السياسي نحو الثورة لتحرير أرمن تركيا، بالتزامن مع بروز الطورانية في سياسة عبد الحميد كحركة انصهارية لتذويب الأقليات. ويختم المؤلف بالإشارة إلى أن تخلي دول الغرب عن القضية الأرمنية ووضعها على هامش الدبلوماسية دفع بالأرمن إلى المخاطرة باتجاهين: العمل الثوري الذي نظمته الأحزاب الأرمنية، وسعي الأعيان إلى إثارة الرأي العام الغربي لحمل الدول على الضغط. وهكذا، برزت المشادة بين القوميتين الطورانية والأرمنية، ليصل الحوار إلى التشنج وإلى المأساة الأرمنية الكبرى. ينبه الفصل إلى أن الحلول جاءت متأخرة، ففرمان الإصلاحات لم يصدر إلا في 1885 بعد أن وصلت الأزمة إلى ذروتها، متجاوزاً بذلك معاهدة سان ستيفانو (1878) ومؤتمر برلين (1878) اللذين أبقيا القضية في إطار السيادة العثمانية.

يقرّ المؤلف في ثنايا الفصل بحدود دراسته المتمثلة في اعتماد وجهات نظر متعددة للباحثين حول طبيعة الإصلاحات العثمانية ومدى التزامها، كما يترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية نجاح الإصلاحات لو لم تتخلَ الدول الغربية عن القضية الأرمنية. وتظهر في الفصل حجة قابلة للنقاش تتمثل في أن الإصلاحات العثمانية كانت تهدف أساساً لتعزيز سلطة الدولة على حساب المساواة الحقيقية للأقليات، وهي القراءة التي يعضدها النص حين يلاحظ أن الإصلاح أبقى على التمييز التقليدي بين الدولة ورعاياها.

8.التطورات المتعلقة بأوضاع الأقليات في الدولة العثمانية بعد إعلان فترة التنظيمات153–166▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التطورات التي شهدتها أوضاع الأقليات في الدولة العثمانية بعد إعلان فترة التنظيمات، ويسعى إلى تقديم إجابة واضحة عن طبيعة هذه التطورات وأسبابها ونتائجها. يتمحور الجوهر الذي ينطلق منه المؤلف، صبري خدمتلي، حول فكرة أساسية هي أن الدولة العثمانية لم تقبل نظام الطبقات المجتمعية، ولم تصنّف رعاياها إلى فئات عنصرية أو قومية، بل كان التعامل مع جميع السكان على أساس أنهم "رعايا عثمانيون" يتمتعون بحقوق متساوية، مع الحفاظ على هوياتهم الدينية والثقافية ضمن نظام "الملل".

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تأكيد المبدأ العثماني في المساواة بين المسلمين وغير المسلمين في تولي الوظائف والمناصب، ويستشهد المؤلف بأمثلة على ذلك، منها شغل عناصر من مختلف القوميات لمناصب حساسة وتمثيلهم للدولة في المحافل الدولية. وينتقل بعدها إلى شرح نظام "الملل" الذي قسم السكان حسب الدين والمذهب، وكيف أن هذا النظام ضمن لغير المسلمين حريات دينية وثقافية واسعة، لا سيما في الفترة التي كانت فيها الدولة قوية. ثم يوضح التحول الذي طرأ على هذه الأوضاع بانتشار التيارات القومية في الغرب، مما دفع الدول الكبرى للضغط على الدولة العثمانية لإجراء إصلاحات لصالح غير المسلمين بهدف توسيع نفوذها، وكان من نتائج ذلك انفصال اليونان وحصول مناطق أخرى على حكم ذاتي.

يُفصّل الكاتب بعدها المراحل الرئيسية للإصلاحات، بدءاً من إعلان "خطي همايون" (فرمان التنظيمات) في 3 نوفمبر 1839م، والذي يصفه بأنه أول حركة دستورية في تاريخ تركيا، ويهدف إلى تحقيق المساواة القانونية بين جميع المواطنين. يعرض الفصل بنود هذا الفرمان ويناقش التفسيرات المختلفة له، فهناك من اعتبره وثيقة دستورية متقدمة تضمن الحقوق، بينما رأى آخرون أنه لم يكن كذلك. ويشير إلى أن الإصلاحات أزعجت المسلمين الذين رأوا فيها مساساً بتميزهم، كما أرعبت رجال الدين غير المسلمين الذين خشوا على امتيازاتهم.

تتوالى الأحداث بعد ذلك مع صدور "فرمان الإصلاحات" في فبراير 1856م، والذي جاء بعد ضغوط أوروبية مكثفة، خاصة بعد حرب القرم، ويعتبر أكثر شمولاً من سابقه. يعدد الفصل الفروق الجوهرية بين الفرمانين، حيث أن فرمان الإصلاحات نص بشكل صريح على حرية الأديان والمساواة في الحقوق السياسية، ومنح كل جماعة دينية حق إدارة شؤونها، كما فتح المجال للتدخل الأوروبي في الشؤون الداخلية للدولة وهو ما يعد فرقاً جوهرياً. ويشير إلى أن تطبيق هذه الإصلاحات أثقل كاهل الدولة مالياً وأدى إلى استدانتها.

يختم الفصل بالنظر في نتائج هذه الإصلاحات، فيذكر أنها أدت إلى إنشاء مجالس جديدة مثل "مجلس التنظيمات العالي" و"مجلس شورى الدولة"، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها بسبب عدم وجود موظفين مؤهلين وعدم وعي الشعب بها؛ فلم ترضِ الأقليات بسبب فرض الخدمة العسكرية عليهم، ولم ترضِ المسلمين لأنها وضعتهم في ميزان واحد مع غيرهم. ويكشف الكاتب عن استمرار الأقليات في التمتع بحقوقها في الجمهورية التركية اللاحقة، مع الإشارة إلى أن النص يظهر موقفاً واضحاً في الدفاع عن الدولة العثمانية، ويمكن ملاحظة أن المؤلف يقدم رواية تاريخية من منظور يُبرز إيجابيات الدولة العثمانية ويُحمّل الدول الغربية والحركات القومية مسؤولية الأزمات، مما يجعل الفصل قابلاً للنقاش من زوايا تاريخية أخرى.

9.الإمبراطورية العثمانية والأقليات القومية في البلقان167–185▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية نشوء مشكلة الأقليات القومية في البلقان، ويقدّم إجابة واضحة تُحمّل الإمبراطورية العثمانية المسؤولية التاريخية الأساسية عن هذه المشكلة. يرى المؤلف أن السيطرة العثمانية الطويلة على المنطقة، التي استمرت قروناً، أحدثت اختلاطاً غير طبيعي للجماعات البشرية من خلال سياسات الهجرة القسرية والتهجير وإعادة التوطين، مما خلق خريطة إثنية مشوّشة تتداخل فيها الشعوب والحدود، وأسس لصراعات دامية ما تزال تُلقي بظلالها حتى اليوم.

يسير الفصل وفق بنية منطقية واضحة. يبدأ بتشخيص الحالة القائمة في البلقان كمنطقة متعددة القوميات ذات حدود إثنية غير واضحة، ثم يعود بالتاريخ ليوضح كيف أدى الاحتلال العثماني إلى هجرات جماعية غير طبيعية. فمنذ القرن الخامس عشر، فرّت جماعات صربية من الخطر العثماني واستقرت في جنوبي هنغاريا التي أصبحت تعرف باسم فويفودينا الصربية، وامتدت هذه الهجرات إلى أجزاء من كرواتيا، مما وضع بذور الصراع الصربي-الكرواتي. وبالمثل، عبر آلاف البلغار نهر الدانوب واستقروا في رومانيا وبيسارابيا، بينما توافدت مجموعات ألبانية مسلمة إلى مناطق صربيا القديمة، وهو ما مهّد لنشوء المشكلة الكوسوفية. كما ساهمت الموجات التركية المتدفقة من آسيا الصغرى منذ القرن الرابع عشر وسياسة فرض الإسلام على المسيحيين في مناطق مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك ومنطقة رودوبا في خلق تواجد تركي وإسلامي دائم في البلقان، وتقاطع مع وصول الكاثوليكية من الغرب لتتصارع الديانات الثلاث على أراضي المنطقة.

يحلل الفصل بعد ذلك السياسات العثمانية تجاه الشعوب غير التركية عبر مراحل انحدار الإمبراطورية، ويحددها في سمتين أساسيتين: المماطلة والتسويف من جهة، والتي كانت تدفعها خشية تدخل القوى الخارجية، والممارسات العنيفة والوحشية من جهة أخرى، والتي لم تحقق النتائج المرجوة بل زادت الهوة بين الإمبراطورية ورعاياها من غير الأتراك، وعززت شعبية حركات التحرر الوطني. ويشير الكاتب إلى أن أهم سلاح استخدمه الباب العالي للحفاظ على الوحدة كان زرع الشقاق والانقسام بين الشعوب، ويتجلى ذلك في سياسة "الملل" الطائفية، حيث أضعف الاعتراف بـالملة البلغارية عام 1870 التأثير اليوناني، وأجّج الاعتراف بـالملة الصربية عام 1895 الخلافات الصربية البلغارية في مكدونيا، وأشعل الاعتراف بـالملة الوالاشية عام 1905 خلافات إضافية مع اليونانيين والبلغار. ويخلص الفصل إلى أن سياسة التفريق هذه لم تنقذ الإمبراطورية، لأن الوعي القومي للشعوب نمى بفضل المدارس القومية والدينية، ودفعها لإعلان الثورات والانتفاضات، وعلى الرغم من خلافاتها، كانت هذه الشعوب تتحد في مواجهة السيادة العثمانية، كما حدث في التقارب الصربي-اليوناني والصربي-البلغاري في فترات متفرقة.

ينتقل الفصل ليركز على موقف حركة "تركيا الفتاة" وهم المعارضون لنظام السلطان عبد الحميد الثاني. يوضح المؤلف أن هدف الحركة، الذي كان الحفاظ على وحدة الإمبراطورية، لم يختلف عن هدف السلطان، لكن الوسيلة كانت في إقامة حكم دستوري وشعار "الجامعة العثمانية" لتوحيد جميع الرعايا في أمة واحدة. إلا أن الحركة، التي قامت بثورتها عام 1908، فشلت في فهم نضال الشعوب الخاضعة ورفضت مطالبها بتقرير المصير والاستقلال، بل أكملت الجامعة الإسلامية بالجامعة التركية، مما أدى إلى بروز أحلام قومية تركية متطرفة كفكرة "طوران العظيم" التي كانت تدعو للتوسع نحو القفقاس وآسيا الوسطى. ويرى الفصل أن هذه الطموحات لم تكن في حجم إمكانيات "الرجل المريض"، بل أدت إلى تعقيد أوضاعه وتسريع أجله، حيث لم تتغير الأوضاع بعد ثورة تركيا الفتاة، ونضجت إمكانيات اقتسام "التركة العثمانية" في البلقان، مما أطلق العنان للخلافات بين الشعوب وجعلها في مواجهة بعضها البعض.

يتناول الفصل في جزء لاحق منه ظاهرة "الكليشيهات القومية والأساطير" وكيف ساهمت في تأجيج الصراعات أكثر من الإمبراطورية نفسها أو تدخل القوى العظمى. يقدم الفصل أمثلة عديدة على هذه الصور النمطية: فصورة "الصربي البطل" المستندة إلى أمجاد مملكة دوشان ومعركة كوسوفو بوليه تُقابلها صورة بلغارية سلبية في منشورات صربية من عام 1914؛ وتدّعي كراسات صربية من عام 1913 أن الألبان هم في الأصل صرب وأن اسكندربرغ كان صربياً؛ وتذهب مقالات صربية من عام 1905 إلى إنكار وجود شعب كرواتي مستقل، متوعدة بمعركة "حتى النهاية". وبالمثل، تستند الشعارات القومية اليونانية إلى ماضٍ عريق وتراث بيزنطي، وتطرح أفكاراً مثل "الأفكار العظيمة" منذ القرن الثامن عشر التي تطمح لقيام دولة يونانية كبرى، وتنتج خرائط تُظهر الحق اليوناني على القسطنطينية والبحر الأسود. يؤكد الفصل أن هذه الكليشيهات، التي تعكس الواقع بشكل مشوّه مثل الصورة على مرآة مقعرة، تخلق أجواء من الحقد وعدم الثقة والشوفينية، وتقدم كل شعب نفسه كبطل على حساب جاره.

ويعرج الفصل على مصير السكان المسلمين بعد انسحاب العثمانيين من البلقان، مشيراً إلى أن الدول القومية البلقانية الجديدة اعتمدت سياسات متباينة تجاههم. فلم تعترف الأوساط الحاكمة الصربية بأية أقلية بعد ضم مناطق من مكدونيا وكوسوفو ذات الغالبية المسلمة، واعتبرتهم "صربيين جنوبيين"، بينما سقط مسلمو البوسنة بعد الحرب العالمية الأولى تحت سيطرة مملكة الصرب والكروات والسلوفان من دون اعتراف بقوميتهم. في المقابل، يؤكد الفصل أن السكان المسيحيين في بلغاريا حافظوا على تسامحهم وحسن جوارهم مع المسلمين، لكن ذكريات القمع الوحشي لانتفاضة نيسان عام 1876 على أيدي الباشبوزق بقيت راسخة في الذاكرة، وتوسع الهوة وتدعم المواقف الانعزالية وعدم الثقة، على الرغم من غياب أي خلاف جدي بين المجموعتين في التاريخ الحديث.

يختم الفصل بتقييم النتيجة العامة لانهيار الإمبراطورية العثمانية، وهي ظهور وضع قومي وإقليمي وسياسي جديد في البلقان. كان هذا الوضع إيجابياً لشعوب استطاعت نيل حريتها وتكوين دولها القومية، لكنه كان سلبياً لشعوب أخرى لم يتحقق لها التوافق بين الأمة والدولة والأرض، وظلت أجزاء منها داخل دول مجاورة. ويشير المؤلف إلى أن بعض الدول البلقانية ضمت سكاناً من قوميات وديانات أخرى ومارست سياسات تتراوح بين الاستيعاب والتهجير، مستخدمةً وسائل غير ديمقراطية، لأن تعدد مشاريع "الدول العظمى" المتصارعة لا يتسع لمساحة صغيرة كالبلقان. ويطرح الفصل في النهاية سؤالاً وجودياً حول متى ينتهي هذا الوضع، مؤكداً أن الخروج منه يكمن في التكامل بين الحرية والديمقراطية والحق في تقرير المصير، وفي التخلي عن الشعارات القومية القديمة والعداء وعدم الثقة. ويلاحظ الفصل أن هذا الموقف لا يقتصر على الماضي، بل يمتد إلى أيامنا الحالية، حيث يتراكم كم هائل من الكتابات التي تعزز النظريات القومية الضيقة، ويتجاهل البعض أن التاريخ لا يمكن تفسيره علمياً من زاوية قومية أحادية، فلا يمكن الحديث عن شواهد علمية محايدة للتاريخ من منظور بلغاري أو صربي أو يوناني بحت، بل يجب النظر إليه من منظور متعدد يعترف بحق الجميع في الرواية.

10.المسألة القومية في سياسة الدول البلقانية من مؤتمر برلين حتى الحروب البلقانية185–212▼ ملخص

يبدأ الفصل بوصف التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها منطقة البلقان بعد مؤتمر برلين، حيث عرفت تطوراً رأسمالياً بدأ معه التصنيع التدريجي ونمت المؤسسات الرأسمالية والبنوك، مما أدى إلى تقويض الحرف القديمة وتدهور أوضاع الفلاحين. أدى هذا التطور إلى تغييرات في البنية الطبقية، فنشأت برجوازية تجارية وصناعية ومصرفية من جهة، وطبقة عاملة من جهة أخرى، بينما بقيت الأكثرية الساحقة من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة. انعكست هذه التغيرات على الحياة السياسية، فتأسست دول بلقانية ملكية، وتشكلت أحزاب سياسية، وظهرت حركات عمالية، وأصبحت الحياة السياسية حافلة بالصراعات على السلطة باستخدام العنف والدسائس.

يتناول الفصل بعد ذلك السياسات القومية للدول البلقانية المختلفة، فيرى أن الإمبراطورية العثمانية لم تعد العدو الوحيد لهذه الدول، بل برز دور الإمبراطورية النمساوية المجرية التي وطدت سلطتها على النصف الغربي من البلقان وبدأت بالتوسع. فبعد معاهدة برلين، اتجه الملك ميلان الصربي إلى سياسة التقارب مع النمسا-المجر، فوقع اتفاقاً لربط خطوط السكك الحديدية، ثم معاهدة تجارية واتفاقاً سياسياً سرياً مع فيينا، تخلى بموجبه عن المطالب بالبوسنة والهرسك وسنجق نوف بازار، ووجه أنظاره نحو الشرق والجنوب الشرقي، أي نحو مقدونيا وبلغاريا. وقد تجلى هذا الموقف عندما لم يدعم الملك ميلان انتفاضة البوسنة والهرسك عام 1882.

يشرح المؤلف موقف صربيا من اتحاد بلغاريا مع الرومللي الشرقي عام 1885، حيث اعتبره الملك ميلان خرقاً لتوازن القوى في البلقان وذريعة لشن الحرب على بلغاريا، آملاً باقتطاع فيدين ومناطق بلغارية أخرى وتحويل أنظار الشعب الصربي عن مشاكله الداخلية. لكن الجيوش الصربية هزمت في سليفنيتسا ودراغومان وبيروت، وتوقفت الأعمال الحربية بفضل الوساطة النمساوية المجرية، وتم توقيع اتفاق بوخارست في 19 شباط 1886 الذي أعاد الأوضاع على الحدود إلى ما كانت عليه. في المقابل، نظرت اليونان إلى الاتحاد البلغاري بعين القلق، إذ كان في أساس سياستها برنامج "الأفكار العظيمة"، واعتبرت أن الاتحاد يخل بالتوازن ويضر بأطماعها في تراقيا ومقدونيا، لكنها اضطرت لوقف مخططاتها بسبب تهديدات بريطانيا بحصارها. أما الجبل الأسود فحافظ على الحياد رسمياً، بينما رفضت رومانيا المقترحات الصربية باحتلال سيليسرا، وأيدت الاتحاد البلغاري.

يشير الفصل إلى أن السياسة الخارجية الرومانية في نهاية القرن التاسع عشر تميزت بالابتعاد عن روسيا والتقارب مع النمسا-المجر، بسبب استياء الأوساط الحاكمة من مقررات معاهدة سان ستيفانو ومؤتمر برلين اللذين حرماها من بيسارابيا الجنوبية، وزادت التناقضات بسبب المنافسة على أسواق الحبوب. قاد هذا التوجه إلى عقد اتفاق تحالف مع النمسا-المجر في عام 1883 والدخول في التحالف الثلاثي سراً، والتخلي عن منطقة ترانسلفانيا وتوجيه الأطماع نحو الشرق في بيسارابيا على حساب روسيا، وكان الملك كارول والزعماء المحافظون من أصحاب الميول الألمانية وراء هذه السياسة.

بعد اتحاد بلغاريا، أصبحت مقدونيا الموضوع الأساسي للتجاذبات بين الدول البلقانية. فالحكومة البلغارية، التي قادها ستيفان ستامبولوف، لم تكن في وارد تحرير ما تبقى من البلغار بسبب إمكانياتها المحدودة، فاعتمدت سياسة التقارب مع تركيا لتحقيق إنجازات للمؤسسات الدينية والتعليمية البلغارية في مقدونيا وتراقيا. وقد تحسنت ظروف عمل الإكساركية بتعيين متروبوليت بلغار جدد، وكان عدد المدارس البلغارية في ازدياد مستمر، فحتى قيام حروب البلقان وُجدت 1730 مدرسة بلغارية في مقدونيا وأدرنة، منها 17 مدرسة ثانوية و112 مدرسة تكميلية و1601 مدرسة ابتدائية، يعمل فيها 5190 مدرساً ويتعلم فيها 106200 تلميذ، وكان العدد الأكبر في ولايات مقدونية كبيتوليا وسكوبيا وسولون.

أما اليونان وصربيا، فكانتا تراقبان هذا النشاط البلغاري بقلق، وأعلنتا معارضتهما لإعطاء مقدونيا الحكم الذاتي، واقترحتا تقسيمها إلى دوائر نفوذ، لأنها لو استمرت الأوضاع في التطور الطبيعي لخسرتا أي أمل في مقدونيا. وبدلاً من النضال المشترك ضد العدو القومي، كانت العلاقات عدوانية بين الدولتين وبلغاريا، فقامت جمعية "القديس سافا" عام 1886 كمنظمة تعمل ضد الإكساركية البلغارية، ونشرت كتباً ومنشورات معادية، كما قادت الدعاية الصربية التي أنشأت قنصليات ومدارس، وموّلت البلاد 74 مدرسة تضم 659 مدرساً و3179 تلميذاً خلال عام 1904. في المقابل، استهدفت الدعاية اليونانية، التي بلغت ذروتها في زمن حكومة تريكوبيس ثم ديليانس، تغيير الطابع القومي لمقدونيا لمصلحة اليونان، فاستخدمت أجهزة البطريركية في استانبول والجمعيات الهلينية، واستوعبت الدعاية اليونانية 711 مدرسة يعمل فيها 651 مدرساً وتضم 14195 تلميذاً. وبدأت مباحثات بين بلغراد وأثينا عام 1890 للاتفاق على تقسيم مقدونيا إلى دوائر نفوذ يونانية وصربية، لكنها لم تتوصل لاتفاق نهائي.

أما رومانيا، فبدأت بعد مؤتمر برلين بإيلاء اهتمامها لقضايا تركيا الأوروبية، وبحجة الدفاع عن السكان الرومان في مقدونيا وإيبير، نشرت دعاية واسعة تهدف إلى إعطاء الإدارة الذاتية الثقافية والدينية للسكان الكوتسوفلاخ، وإخراجهم من رعاية بطريركية استانبول والاعتراف بهم كمجموعة قومية منفصلة. ونجحت هذه الدعاية في بعض شعاراتها، فعام 1905 اعترف الباب العالي رسمياً بالكوتسوفلاخ كمجموعة قومية منفصلة، مما خلق أجواء إضافية من التناقضات وأدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين رومانيا واليونان. وعشية حروب البلقان الأولى عام 1912، كان لدى الكوتسوفلاخ مدرسة ثانوية و151 مدرسة ابتدائية ومدرسة تجارية واحدة ومدرسة لإعداد المدرسين ومدرسة داخلية في استانبول.

يلخص الفصل الاتجاهات الأساسية للدول البلقانية: فبلغاريا تعمل لتحرير وتوحيد الشعب البلغاري على أساس الاستقلال الذاتي لمقدونيا وتراقيا، واليونان تنظر إلى تقسيم التركة العثمانية على أساس برنامج "اليونان العظمى"، وصربيا تتطلع لتوحيد الصرب في إطار يضم أراضي وسكاناً من البلغار، ورومانيا تهدف إلى توسيع أراضيها على حساب بلغاريا مقابل توسع الأخيرة في مقدونيا. ويشير إلى أن سياسات القوى السياسية داخل كل دولة لم تكن موحدة، ففي صربيا اعتمد الملك ميلان والحزب التقدمي سياسة مسايرة للنمسا، بينما طالب الراديكاليون بسياسة الاستقلال وتحرير الأراضي الصربية وتوحيد الصرب، وفي اليونان ظهر اتحاهان أساسيان معتدل ومتطرف يختلفان حول وسائل تحقيق الأهداف القصوى نفسها.

انتقلت الدعاية من الأعمال الثقافية والتعليمية إلى الدعاية المسلحة بعد انتفاضة إيلندين، فمن خريف عام 1907 تحولت اليونان إلى حملات مسلحة بقيادة ضباط يونانيين من قوات الاحتياط، هاجمت القرى البلغارية وقتلت المدرسين والأساقفة وعذبت السكان. وتأسست عام 1907 في بلغراد "اللجنة العامة" لتنظيم الحملات الصربية المسلحة في مقدونيا، التي حاولت "تصريب" السكان المحليين بالقوة والعدوان. أدى كل هذا إلى فشل برنامج الإصلاح في موردشتيغ.

أما محاولات الاتحاد بين الدول البلقانية، فلم تنجح بسبب تناقض الأهداف القومية، فمنذ الثمانينات بدأ قادة في بلغاريا وصربيا واليونان بالحديث عن التعاون، وطرح زخاري ستويانوف عام 1886 فكرة فدرالية بلقانية، وزار تريكوبيس بلغراد وصوفيا عام 1886 لبحث قيام اتحاد على أساس تقسيم مقدونيا إلى دوائر نفوذ، رفضته الحكومة البلغارية التي كانت تدعم فكرة الحكم الذاتي. وخلال أزمة 1894-1897، تحركت الدبلوماسية البلقانية لتوحيد الجهود، وقام أمير الجبل الأسود بزيارة بلغراد وطرح فكرة تقسيم أراضي تركيا الأوروبية، لكن الحكومة البلغارية رفضت طلب تقسيم مناطق ذات أكثرية بلغارية، بينما أعلنت صربيا واليونان معارضتهما للإصلاحات وتبنيتا تقسيم مقدونيا المسبق إلى دوائر نفوذ. ووقعت صربيا وبلغاريا اتفاقاً عام 1897 للحفاظ على الوضع الراهن، وانضم إليه الجبل الأسود، لكنه لم يغير من المواقف حول مستقبل التركة التركية.

يختتم الفصل بأن أزمة عام 1908-1909، التي شهدت ثورة تركيا الفتاة وضم النمسا-المجر للبوسنة والهرسك وإعلان استقلال بلغاريا، كشفت عن توجهات البرجوازية البلقانية الصاعدة التي تهدف إلى اقتسام التركة العثمانية، وأن أي عمل منفرد من قبل أي دولة بلقانية يخرق مبدأ التوازن ويلاقي معارضة باقي الدول، مما يؤدي إلى البحث عن عمل مشترك على أساس اتفاق مسبق لتقسيم التركة في البلقان.

11.من العثمانوية إلى القوموية العربية (بين نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين)213–262▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول سبب عدم تحقق الوحدة القومية العربية رغم وجود خطاب قومي عربي، ويسعى لتفسير ذلك من خلال البحث في البنية التاريخية للقومية العربية ذاتها، لا في عجز الفكر العربي فقط. يرى المؤلف أن القومية العربية، منذ نشأتها، لم تكن تعبيراً عن طموحات شعبية جامعة، بل كانت نتاج مصالح نخب مدينية محددة، كالتجار وكبار الملاك ورجال الدين والموظفين. ولذلك، يقدم الفصل قراءة تاريخية اجتماعية، مستوحاة من المنهج الخلدوني القائم على مبدأ "التوحد والانقسام في الوحدة"، ليتتبع تحول العلاقة بين العرب والأتراك من رابطة "العثمانوية" إلى دعوة "القوموية العربية"، عبر ثلاثة محاور رئيسية: بنية العثمانوية التقليدية، ثم إعادة تشكلها في ضوء الإصلاحات، وأخيراً التحول نحو القوموية.

يبين الفصل أن العثمانوية في مرحلتها الأولى، حتى ثلاثينات القرن التاسع عشر، كانت بنية إقطاعية تقوم على أربعة مكونات أساسية: إداري وديني وعسكري وخراجي. إدارياً، كانت المقاطعة هي الركيزة الأساسية، بتنوع أحجامها بين "تيمار" (الذي يقل وارده عن 10 آلاف آقجة) و"زعامت" (بين 10 و100 ألف آقجة) و"خاص" (أكثر من 100 ألف آقجة)، وكانت هذه التقسيمات تخضع لاعتبارات مالية وعسكرية أكثر منها جغرافية. وقد أدت لامركزية المقاطعة إلى منح المناطق الريفية شبه استقلال محلي وتنامي قوى المقاطعجيين المحليين على حساب السلطة المركزية، مما ظهر جلياً في حركات تمرد أواخر القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر.

أما على المستوى الديني، فقد شكل الإسلام الرابط الأهم بين العرب والأتراك، حيث كانت اللغة العربية لغة القرآن والشريعة، مما منح العلماء العرب مكانة رفيعة. تدرج الجهاز الديني في هرمية تبدأ من القضاة في الأقاليم وصولاً إلى شيخ الإسلام في العاصمة، وكان من أبرز وظائفه القضاء والإفتاء ونقابة الأشراف. استطاعت عائلات دينية معينة، مثل آل الحسيني والخالدي في القدس وآل العجلاني والبكري في دمشق وآل الكيلاني في حماة وبغداد، أن تبني نفوذاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً واسعاً من خلال الجمع بين الوظيفة الدينية والاقطاعات الضريبية والأوقاف. ومع ذلك، يوضح الفصل أن هذا التنظيم الديني لم يحقق وحدة كاملة، بل تحولت شرائح منه إلى أرستقراطية مدينية تنافس سلطة الدولة نفسها، مما دفع الأخيرة للتفكير في إعادة هيكلتها.

فيما يخص المكون العسكري، كان الإقطاع العسكري مرتبطاً بحاجة الدولة الدائمة للحرب، حيث يحصل القائد العسكري على مقاطعة لقاء تجهيزه لجنود معينين، فكان "التيماري" يوفر تابعاً عن كل ثلاثة آلاف آقجة، بينما يوفر "الزعيم" تابعاً عن كل خمسة آلاف. مارس هؤلاء سلطة مزدوجة على الفلاحين، عسكرية واقتصادية، من خلال حصولهم على نسبة من المحصول. وقد أفاد بعض الأغوات من مواقعهم ليصبحوا تجاراً أثرياء، مما ساهم في بروز عائلات أعيانية جديدة في دمشق والعراق، تحولت بدورها إلى مراكز قوى سياسية واقتصادية مهددة للسلطة المركزية. أما المكون الخراجي فتمحور حول الأرض كمصدر رئيسي للإنتاج، حيث انتقل النظام من الاعتماد على "التيمار" إلى "نظام الالتزام" الذي كانت الدولة تبيع فيه حق جباية الضرائب لمقابل مبلغ مقدم، مما منح الملتزمين سلطة اقتصادية واجتماعية واسعة على الفلاحين، مستفيدين من الفائض الكبير، وظهرت أسر كآل العظم في دمشق وآل الزيداني في فلسطين وآل الحليلي في الموصل. وقد وصلت الدولة العثمانية بسبب هذه الأزمة الشاملة في مكوناتها الأربعة إلى حالة من الانهيار الداخلي، تجلت بوضوح في هزيمتها أمام الحملة المصرية على بلاد الشام عام 1831، مما استدعى الشروع في سياسة إصلاحية جديدة.

مع ثلاثينات القرن التاسع عشر، بدأت مرحلة "العثمانوية الجديدة" بهدف استعادة هيبة السلطة المركزية. وقد استفاد العثمانيون من تجربة الحكم المصري القصيرة في بلاد الشام (1831-1840)، والتي تميزت بالمركزية الإدارية وتقييد سلطات المحاكم الشرعية ووضع الأوقاف تحت الإشراف الحكومي، وإشراك الأقليات في مجالس الشورى، مما أثار اعتراض المؤسسة الدينية. ثم جاءت حركة التنظيمات لتؤسس لهذه العثمانوية الجديدة عبر قوانين كخط كلخانة (1839) والمبادئ الإصلاحية (1856) وقانون الولايات (1864). تقاطعت هذه الإصلاحات حول أربعة محاور رئيسية: التتريك الرأسي للسلطة، وتولي الدولة مباشرة سحب الفائض الريفي، والانفتاح على التعليم الحديث، وتحديث المؤسسة العسكرية.

شمل التتريك الرأسي للسلطة إعادة هيكلة الإدارة على أسس جغرافية وليس عسكرية، مع حصر منصب الوالي بالأتراك، وإنشاء مجالس إدارية جديدة ضمت مسؤولين أتراك وأعياناً منتخبين من المسلمين وغير المسلمين، وهو ما يعكس إلغاء نظام الملل وإشراك الأقليات في تقاسم السلطة، كما يظهر في مجلس ولاية دمشق أو بغداد الذي ضم ممثلين عن المسيحيين واليهود. أما في المجال الخراجي، فقد سعت الدولة لإلغاء دور الملتزمين وجعل الفلاح مسؤولاً مباشرة عن الضرائب عبر منحه حقوق ملكية، وصدر قانون الأراضي عام 1858 لهذا الغرض. لكن النتائج العملية جاءت عكسية، حيث أدت الرسوم الباهظة وعدم ثقة الفلاحين إلى تهربهم من التسجيل، مما أتاح الفرصة لأعيان المدن والتجار للاستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي، لتصبح العائلات الكبرى في دمشق وحلب وبيروت وبغداد وفلسطين هي المالكة لسندات الطابو، وإن فقدت دورها كوسيط للسلطة لصالح الوظيفة الإدارية المباشرة.

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر انفتاحاً واسعاً على التعليم الحديث بفضل نظام المعارف العمومية (1869) وانتشار التعليم الإرسالي التبشيري. يظهر تفاوت واضح في هذا المجال، حيث كان انتشار التعليم الحديث بين المسيحيين أوسع بكثير منه بين المسلمين كما تدل أرقام المدارس في ولاية سوريا (1885) وبيروت، وذلك لحاجتهم إليه للوساطة التجارية أو للعمل في الترجمة، وللكثافة العالية للبعثات التبشيرية. وقد أنشأت البعثات الأمريكية والفرنسية مؤسسات تعليمية كبرى كالجامعة الأمريكية (1875) وجامعة القديس يوسف، كما تعكس رسالة السفير الفرنسي (1894) أهدافاً سياسية وثقافية لهذه الجهود. أفضى هذا الانفتاح إلى تراجع دور جماعة العلماء الذين كانوا يسيطرون على التعليم، وفقدوا احتكارهم للنظام القضائي مع إنشاء محاكم جديدة مختلطة ومتنوعة، وانحصر دورهم في الأحوال الشخصية، مما ولّد لديهم شعوراً بالاستياء من نتائج التحديث والمركزة.

في المجال العسكري، أولت الدولة أهمية لتحديث جيشها وإنشاء مدارس عسكرية حديثة في بغداد ودمشق وبيروت، مما أتاح لأبناء العائلات الأعيانية العربية الالتحاق بالسلك العسكري والارتقاء فيه، وظهر ضباط عرب بارزون. لكن هذا الدور العسكري العربي سرعان ما تم تهميشه مع صعود نهج التتريك العسكري للسلطة بعد انقلاب عام 1908. يخلص الفصل إلى أن العثمانوية الجديدة، رغم أنها عززت سلطة الدولة المركزية، إلا أنها فعلت ذلك على قاعدة أزمة عميقة في علاقات السلطة بين حكومة تتجه نحو تتريك الحكم والإدارة والجيش، وقوى أعيانية عربية مستاءة من مأسسة نفوذها والحد من طموحاتها.

يحدد الفصل العام 1908 كنقطة تحول مفصلي في عملية فك الارتباط، حيث شهد ولادة جمعية "الاتحاد والترقي" التي قادت انقلاباً على السلطان عبد الحميد الثاني وأجبرته على إعادة العمل بالدستور. عمد الاتحاديون بعد ذلك إلى إحكام قبضتهم على مفاصل السلطة، وطال ذلك طرد أعيان دمشق الكبار من إدارة الولاية، وتعيين موظفين أتراك في مناصب قضائية وإدارية بدلاً من المحليين، وكان لهذا أثره في إثارة استياء الزعامات العربية. كما كشفت نتائج انتخابات مجلس المبعوثان (البرلمان) عن إجحاف واضح بحق العرب، إذ تألف المجلس من 148 عضواً بينهم 60 عربياً فقط، في حين كان العرب يشكلون أكثر من نصف سكان الإمبراطورية البالغ عددهم 24 مليوناً (10.5 مليون عربي مقابل 10 ملايين تركي)، فكان المعدل التمثيلي للنائب العربي 175 ألف نسمة مقابل 35 ألف نسمة للنائب التركي، مما أدى إلى تفاقم الصراع الاتحادي – الأعياني على السلطة (وهنا ينتهي النص المقدم).

12.دور الأقليات في قيام الجمعيات العربية المناهضة لحركة التتريك263–293▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل دور الأقليات الدينية والعرقية في تأسيس الجمعيات العربية التي عارضت سياسة التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي بعد سيطرتها على الدولة العثمانية. يقدّم الكاتب، علي معطي، إجابة واضحة مفادها أن هذه الأقليات، وعلى رأسها المسيحيون في لبنان وسوريا، لم تكن مجرد عنصر تابع في الحركة العربية، بل كانت طليعة النهضة الفكرية والسياسية، وقادت الكثير من الجمعيات السرية والعلمية التي مهدت للوعي القومي العربي وصولاً إلى المطالبة بالاستقلال أو الإصلاح.

يبدأ الفصل بتحديد مفهوم الأقليات في الدولة العثمانية، مشيراً إلى أن نظام "الملة" العثماني كان يضمن لهم حرية ممارسة شعائرهم وإدارة شؤونهم، مع دفع الجزية التي كانت تعفي الفقراء وكبار السن ورجال الدين. ويشير إلى أن التدخل الأوروبي لاحقاً وسّع مفهوم الأقليات ليشمل أبعاداً عرقية وزرع الفرقة، وهو ما يرى الكاتب أنه لعبة مستمرة لم تنتهِ حتى بعد سقوط الدولة. ثم ينتقل الفصل إلى شرح سياسة الاتحاديين بعد عام 1908، والتي استهدفت تتريك العناصر غير التركية، عبر إنشاء جمعية "تورك أوجحاقي" لتنقية اللغة التركية من العربية والفارسية، ونشر الصحف التركية، وإقصاء العرب من المناصب الحكومية والعسكرية، وتضييق الخناق على اللغة العربية الرسمية في الولايات.

يستعرض الفصل بعد ذلك نخبة من الأقليات الذين تزعموا النهضة، مثل: بطرس البستاني، ناصيف اليازجي، سليمان البستاني، شكيب أرسلان، فارس الخوري وغيرهم، ويبين كيف أسسوا جمعيات أدبية وعلمية كالجمعية "العلمية السورية" في بيروت عام 1847، التي كانت النواة للحركة. كما يتناول بالتفصيل "جمعية بيروت السرية" التي تأسست عام 1875، وكان جل أعضائها من المسيحيين، والتي قامت بنشر مناشير سرية تدعو للثورة والاستقلال، ومن أبرزها منشورات عام 1880 و1881 التي طالبت باستقلال سوريا وجعل العربية لغة رسمية، ويورد الكاتب نصاً لأحد هذه المناشير في ملحق خاص.

يخصص الفصل حيزاً مهماً للجمعيات اللبنانية التي نشطت في الداخل والمهجر، مثل "الجمعية اللبنانية" التي كان أعضاؤها من المسيحيين اللبنانيين، وطالبت بتوسيع حدود لبنان واستقلاله، مع ميل واضح نحو فرنسا كما ظهر في رسائل شكري غانم واسكندر عمون. ويشير إلى دور جمعية "الاتحاد اللبناني" في القاهرة والإسكندرية خلال الحرب العالمية الأولى، وكيف تحولت أهدافها من المطالبة بالامتيازات إلى السعي للاستقلال التام. كما يناقش الفصل اندماج هذه الجهود مع الجمعيات العربية الأوسع، مثل "الجمعية القحطانية" و"العربية الفتاة" و"حزب اللامركزية الإدارية العثمانية"، مبيناً أن شخصيات لبنانية مسيحية بارزة شاركت في تأسيسها وقيادتها، مثل عبد الكريم الخليل ورفيق رزق سلوم.

في المرحلة الأخيرة، يتطرق الفصل إلى سلوك هذه الأقليات أثناء الحرب العالمية الأولى، ويوضح أن الموقف انقسم إلى اتجاهين: الأول، أغلبية أعلنت تأييدها للدولة العثمانية في الحرب دفاعاً عن الوطن، والثاني، أقلية مسيحية سعت للانفصال تحت الحماية الفرنسية، وتطوع بعض أفرادها في الجيش الفرنسي، ودعا آخرون مثل جورج سمنه إلى إقامة دولة سورية كونفدرالية تحت الانتداب الفرنسي. يخلص الكاتب إلى أن هذا التنوع في المواقف أضعف الحركة، وأن الطموحات الاستعمارية لدول مثل فرنسا وبريطانيا، والتي تجسدت في اتفاقية سايكس بيكو، كانت العامل الحاسم في رسم مستقبل المنطقة في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، متجاوزةً تطلعات هذه الجمعيات وشعوبها.

13.حركة الإصلاح العربية والمسألة اللبنانية في برامج ولاية بيروت والمؤتمر العربي الأول (1913) من خلال وثائق الخارجية الفرنسية293–314▼ ملخص

يتناول هذا الفصل حركة الإصلاح العربية في ولاية بيروت خلال الفترة الحرجة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، مركزاً على برنامج الإصلاح الذي تقدمت به النخب المحلية، ثم على المؤتمر العربي الأول الذي انعقد في باريس عام 1913، وذلك من خلال قراءة وثائق وزارة الخارجية الفرنسية التي تروي جانباً من هذه الأحداث من زاوية المصالح الاستعمارية الفرنسية.

يبدأ الفصل بعرض السياق السياسي العام، فبعد انقلابي جمعية الاتحاد والترقي في عامي 1908 و1909، وصل إلى الحكم في إسطنبول أواخر عام 1912 "حزب الحرية والائتلاف" الذي كان يميل إلى سياسة لامركزية. في هذا الجو، بعث والي بيروت أدهم بك تقريراً إلى الصدر الأعظم كامل باشا حذر فيه من توجّه الأهالي نحو فرنسا أو بريطانيا طلباً للإصلاح، فطلب الصدر الأعظم من الوالي دعوة مجلس الولاية لدراسة الوضع. على هذا الأساس، اجتمعت جمعية عامة في مقر بلدية بيروت ضمّت حوالي أربعين شخصاً من رجال أعمال ومحامين وأطباء وصحفيين، وانبثقت عنها لجنة من خمسة عشر عضواً مهمتها صياغة المطالب.

وفي 17 كانون الثاني 1913، وضعت اللجنة برنامجاً إصلاحياً تضمن جعل العربية لغة رسمية داخل الولاية مع بقاء التركية للتعامل مع إسطنبول، وحق استخدام العربية في مجلسي النواب والأعيان، واستشارة السلطات المحلية في تعيين الموظفين والقضاة وضباط الدرك، وتخفيض الخدمة العسكرية إلى سنتين تقضى في الولاية أثناء السلم، وتقسيم واردات الخزينة بين الحكومة المركزية والولاية، وتشكيل مجلس عمومي للولاية من مئة عضو نصفهم من المسلمين والنصف الآخر من غيرهم، إلى جانب تعيين مستشارين ومفتشين أوروبيين مختصين لمدة خمس سنوات. كان هذا البرنامج بمثابة خلاصة مطالب النخبة الإصلاحية، وتلاحظ فيه محاولة التوفيق بين الانتماء العربي الثقافي واللامركزية الإدارية مع الانفتاح على الخبرة الأوروبية في التحديث.

لكن هذا التوجه اصطدم بموقف عثماني صارم، ففي شباط 1913 قامت جمعية الاتحاد والترقي بانقلاب جديد وأعادت السيطرة المركزية، واعتبرت الحركة الإصلاحية في بيروت خيانة للدولة. فعزلت الوالي المتعاطف أدهم بك وعيّنت مكانه حازم بك الذي أمر بحل اللجنة الإصلاحية في نيسان 1913. ومع احتجاج الصحف المحلية ودعوة بعض الفعاليات إلى الإضراب العام، جاء رد الحكومة المركزية متشدداً عبر برقية من الصدر الأعظم تهدد بإحالة أي مخالف إلى المحكمة العرفية خلال ساعتين. أدى هذا الموقف إلى إرباك الحركة الإصلاحية وتقسيمها بين من يتراجع ومن يتشدد ومن يرهن على التدخل الأجنبي، مما أضعف فاعليتها وترك الساحة للمناورات الخارجية.

هنا ينتقل الفصل إلى تحليل الوثائق الفرنسية، ويسلط الضوء على رسالة من قنصل فرنسا العام في بيروت السيد كوجيه إلى وزير الخارجية جونار في آذار 1913، مرفقة برسالة موقعة من أعضاء مسيحيين في اللجنة الإصلاحية وهم: خليل زينية وميشال تويئ وأرقش وهاني وبيار طراد وثابت. في هذه الرسالة، يصف الموقعون أنفسهم بأنهم الأعضاء المسيحيون في اللجنة التنفيذية، ويعتبرون فرنسا حامية المسيحيين العثمانيين ووطناً بالتبني لمسيحيي سورية. يعرضون أوضاع المسيحيين البائسة تحت الحكم العثماني، ويحذرون من تزايد الضرائب، وهجرة المسلمين من البلقان إلى سورية، وتنامي التعصب الإسلامي بعد الحرب البلقانية. ثم يكشفون عن أمنيتهم الكبرى وهي "بسط الحماية الفرنسية على سورية"، ويقترحون حلين مرتبين حسب الأفضلية: إما الحكم الذاتي لولاية بيروت تحت حماية فرنسية فعلية، أو ضم ولاية بيروت إلى لبنان ووضعهما معاً تحت الرقابة الفرنسية. تكشف هذه الوثيقة عن تباين عميق داخل الحركة الإصلاحية، إذ كانت بعض عناصرها المسيحية تراهن على فرنسا بشكل كامل ولا تكتفي بمطالب اللامركزية.

أما القسم الثاني من الفصل فيتناول المؤتمر العربي الأول الذي انعقد في باريس بين 18 و23 حزيران 1913، وتحديداً من خلال مذكرة سرية رفعها نائب رئيس المؤتمر شكري غانم إلى وزير الخارجية الفرنسية بيشون في اليوم الأول لانعقاد المؤتمر. يشرح الفصل كيف انتقلت الحركة الإصلاحية إلى خارج الولايات العثمانية بعد القمع، فاجتمع في باريس دعاة إصلاح من المسلمين مثل عبد الغني العريسي ومحمد طبارة وتوفيق فايد من بيروت، وجميل مردم من دمشق، وعوني عبد الهادي من نابلس، مع مثقفين مسيحيين مقيمين في باريس مثل شكري غانم وخير الله خير الله وجورج سمنة وندره مطران. شكلت لجنة تحضيرية ضمت نخبة من هذه الشخصيات، وأشرف على المؤتمر حزب اللامركزية الإدارية العثماني المتمركز في القاهرة، وترأس المؤتمر عبد الحميد الزهراوي، وكان شكري غانم نائباً له.

صدرت عن المؤتمر لائحة مطالب حددت الحد الأدنى المشترك بين المشاركين، وتضمنت وجوب الإصلاحات الحقيقية للدولة العثمانية، وضمان حقوق العرب السياسية بالمشاركة الفعلية في الإدارة المركزية، وإنشاء إدارة لامركزية في كل ولاية عربية، وتأكيد مطالب ولاية بيروت بلائحتها الخاصة المصدق عليها في حزيران 1913، واعتبار العربية رسمية في الولايات العربية ومعترفاً بها في مجلس النواب، وجعل الخدمة العسكرية محلية، مع تمني تحسين مالية متصرفية جبل لبنان، وإظهار الميل لمطالب الأرمن القائمة على اللامركزية. وأضيف ملحق ينص على اعتبار هذه المطالب برنامجاً سياسياً للعرب العثمانيين والالتزام بها وعدم قبول أي منصب إذا لم يُصرّ على تنفيذها.

لكن الأهم في هذا القسم هو المذكرة السرية التي كتبها شكري غانم، والتي تعكس مواقف لم تُعلن في جلسات المؤتمر الرسمية. في هذه المذكرة، يرى غانم أن المؤتمر سيكون له وقع كبير في العالم الإسلامي، وأن المشاركين المسلمين أنفسهم يشكون في نجاحه ويتوقعون المقاومة التركية، لكنهم يبذلون الجهد "لإرضاء ضميرهم". ويتوقع أنه بعد فشل هذه المحاولة، سينتهي المسلمون إلى الانضمام إلى رأي المسيحيين في الانضمام إلى لبنان، رغبةً في الحرية والتقدم مع البقاء تحت السيادة العثمانية. ثم يقدم غانم تحليلاً مفصلاً لوضع متصرفية جبل لبنان المتأزم منذ عام 1861، متحدثاً عن بروتوكول جديد صدر بطلب من فرنسا لإنشاء مرفأ في جونيه، وعن عجز الميزانية اللبنانية الذي بلغ 75 ألف ليرة تركية، وعن الديون المتراكمة على تركيا تجاه لبنان والتي وصلت إلى مليون ونصف مليون ليرة تركية، مطالباً بتعويضات للبنانيين تشمل استعادة الحدود الطبيعية، والانتفاع من كل المداخيل بما فيها الجمارك والبريد، وتشكيل حكومة خارجة عن الإطار التركي.

يختم غانم مذكرته بنصيحة عملية للسياسة الفرنسية، مفادها أن تظهر الود للسكان وتتركهم يفعلون ما يريدون، ويتوقع أنه إذا لم يحصل سكان بيروت على إصلاحاتهم، فإن مجلس أعيانهم سيعلن في اجتماع رسمي انضمامهم إلى لبنان، الذي سيطالب بدوره باستعادة حدوده القديمة. ويرى أن فرنسا تستطيع أن تكسب كل شيء دون حاجة إلى احتلال فعلي، عبر دعم إنشاء "لبنان الأكبر" وتوسيع الامتيازات الدولية القائمة منذ عام 1860. تظهر هذه المذكرة كيف كانت بعض العناصر العربية، حتى المسلمين منهم كما يقول غانم، ترى في النموذج اللبناني ذي الضمانات الدولية ملاذاً من المركزية التركية، وكيف حاولت استثمار ذلك لصالح فرنسا مقابل حماية أوروبية.

يختم الفصل باستنتاجات تحليلية حول مأزق الحركة الإصلاحية العربية التي وجدت نفسها بين نارين: مركزية عثمانية متصلبة لا تقبل أي تنازل، وتدخل أجنبي يحمل مشاريع استعمارية وتحالفات تخدم مصالح الدول الكبرى. ويشير الفصل إلى أن الحركة الإصلاحية نفسها لم تكن متجانسة، إذ ضمت فئات مسيحية تنطلق من إيديولوجيا ليبرالية وتطمح إلى الاستقلال عبر المراهنة على فرنسا، وفئات إسلامية تعتبر الدولة العثمانية دولتها وتطلب اللامركزية والمشاركة في الحكم مع الحفاظ على الانتماء العثماني، وقد جمع بينهما ضرورات الإصلاح الإداري والاقتصادي في وقت كان فيه الاقتصاد الأوروبي هو المرجع والنموذج الأوروبي هو المثال. ويخلص إلى أن هذه المذكرة السرية تكشف عن المنهج الذي اتبعه بعض العرب في توظيف الأحداث لصالح توجيه السياسة الفرنسية نحو حل يجمع بين مصالحهم ومصالح فرنسا، وهي سياسة قد تكون متحققة في نهاية المطاف بإعلان "لبنان الكبير" بعد الحرب العالمية الأولى، وهو ما يلمح إليه الكاتب في نهاية الفصل دون أن يحسمه بشكل قاطع.

14.مجمع رأس بعلبك للروم الأرثوذكس عام 1628 ومشاركة الأمير فخر الدين المعني الثاني315–360▼ ملخص

مجمع رأس بعلبك للروم الأرثوذكس عام 1628 ومشاركة الأمير فخر الدين المعني الثاني

يتناول هذا الفصل علاقة الأمير فخر الدين المعني الثاني بالكنيسة الأرثوذكسية، ويسلط الضوء على حدث محوري هو مجمع رأس بعلبك الذي عقد عام 1628. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن فخر الدين تدخل بشكل حاسم في الشؤون الداخلية للكنيسة الأرثوذكسية لحل أزمة الانقسام بين بطريركين متنافسين، مما أدى إلى عقد مجمع كنسي أقرّت نتائجه بقاء اغناطيوس عطية بطريركاً، وصدرت عنه قوانين إصلاحية هامة.

يبدأ الفصل بعرض المصادر التي اعتمدت عليها الكاتبة، ومنها مخطوطات مثل "الخلاصة الوفية" لميخائيل بريك، و"رحلة مكاريوس ابن الزعيم" التي كتبها ابنه بولس، و"تاريخ الأزمنة" للبطريرك اسطفانوس الدويهي، إضافة إلى مصادر معاصرة أخرى. ثم يرسم المؤلف صورة للعلاقة الطيبة التي جمعت فخر الدين بالمسيحيين، حيث يشير الدويهي إلى أن النصارى "عمروا الكنائس وركبوا الخيل" في دولته، كما يؤكد مؤرخون آخرون أنه كان يترك للبطاركة حرية الحكم في شؤونهم الكنسية.

ينتقل الفصل بعدها إلى شرح التقسيمات الإدارية العثمانية في بلاد الشام، والتي شملت ولايات الشام وحلب وطرابلس، ثم ولاية صيدا التي أُنشئت عام 1614. ويوضح كيف توسعت مناطق نفوذ فخر الدين تدريجياً لتشمل مناطق واسعة من صيدا وبيروت إلى البقاع وصولاً إلى حدود كبيرة، مما جعل العثمانيين يخططون للحد من طموحه. يصل الكاتب إلى أن فخر الدين أصبح بحلول عام 1617 سيداً على معظم ولاية طرابلس وقسماً كبيراً من ولاية دمشق.

يوضح الفصل أن الأزمة بدأت بعد وفاة البطريرك اثناسيوس ابن الدباس، حيث تنافس على الكرسي البطريركي مرشحان: اغناطيوس عطية، كاتب فخر الدين وأسقف صيدا، والذي دعمه الأمير؛ وكيرللس، شقيق اثناسيوس، والذي حصل على دعم يوسف باشا ابن سيفا حاكم طرابلس ومنافس فخر الدين. أدى هذا التنافس إلى انقسام حاد في الكنيسة، حيث سادت الفوضى والصراعات والرشاوى، مما أثر سلباً على أحوال المسيحيين.

بعد سنوات من النزاع، وبمبادرة من كيرللس نفسه الذي ندم على موقفه، طلب من فخر الدين عقد مجمع لحل الخلاف واختيار البطريرك الشرعي. انعقد المجمع في قرية الراس ببلاد بعلبك في دير السيدة في أول حزيران عام 1628، بحضور أحد عشر مطراناً وأسقفاً ووجهاء الملة. وقد تغيب كيرللس عن الحضور، فأمر فخر الدين بإحضاره مكبلاً بالحديد وأمر بقتله في مغارة الراهب قرب الحرمل، وثبت المجمع اغناطيوس الثالث بطريركاً.

أصدر المجمع عشرين بنداً أو قانوناً، ركزت بشكل أساسي على منع السيمونية أي دفع الأموال للحصول على المناصب الكنسية، والتركيز على رضا الشعب في اختيار البطريرك، ومنع تعيينه بأمر الحاكم. كما تضمنت المقررات قوانين تنظيم الحياة الاجتماعية مثل وضع حدود للصداق، ومنع التبذير في الأعراس، وتنظيم العلاقات بين الرهبان والراهبات، ومنع الكهنة من كتابة الحروز والتعاويذ، ومنع إدخال كتب غير أرثوذكسية إلى الكنيسة. وأخيراً، حدّت المقررات من سلطة البطريرك نفسه بمنعه من رسم الكهنة دون موافقة رؤسائهم، وإبطال عادة تعيين "وكيل البطرك" الذي كان يجمع الرشاوى.

على الرغم من الإصلاحات التي تبناها المجمع، يلاحظ الكاتب أن اغناطيوس الثالث، الذي بقي بطريركاً حتى مقتله عام 1634 على أيدي جنود حليفه فخر الدين بالخطأ، اتخذ من بيروت مركزاً لبطريركيته بدلاً من دمشق بسبب نفوذ أقارب منافسه فيها. ولا تذكر المصادر إن كان طبّق القوانين خلال السنوات الأخيرة من فترة ولايته.

ينهي الفصل بالقول إن مجمع رأس بعلبك كان حدثاً مهماً في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية، حيث حاول معالجة مشاكل مزمنة كالسيمونية والتدخلات الخارجية، وإن بقي بعضها بلا حل جذري. كما أن الحادثة تكشف بوضوح عن حجم التدخل السياسي في الشؤون الدينية في تلك الفترة.

يمكن القول إن الملخص يُظهر بجلاء أن العلاقة بين فخر الدين والمسيحيين لم تكن مجرد تسامح ديني فحسب، بل كانت تحالفاً سياسياً وثيقاً تدخلت فيه مصالح الطرفين، وظهر ذلك جلياً في أزمة البطريركية. كما أن الفصل يقدم تفاصيل غنية عن الأوضاع الإدارية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان وسوريا في القرن السابع عشر، وكيف تأثرت الكنيسة بتلك التحولات.

15.البطريركان المارونيان سمعان عواد وطروبيا الخازن وعلاقتهما بالأميرين الشهابيين ملحم ويوسف359–386▼ ملخص

يُعنى هذا الفصل بكشف طبيعة العلاقة بين السلطة الزمنية ممثلة بالأمراء الشهابيين والسلطة الكنسية المتمثلة بالبطريركية المارونية في منتصف القرن الثامن عشر، من خلال تحليل أربع وثائق أرشيفية محفوظة في الصرح البطريركي في بكركي، وهي رسائل تكشف جوانب خفية من التدخلات الأميرية في الشؤون الكنسية.

يبدأ الكاتب بتقديم سياق تاريخي مهم، فيشير إلى أن الأمير فخر الدين المعني الكبير، رغم شهرته كأمير للدروز، كان في الواقع أميراً لكل رعاياه بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، وقد جمع حوله مساعدين من مختلف الطوائف من موارنة وأرثوذكس ودروز وسنة. ويستدل الكاتب على ضخامة الأموال التي كانت تمتلكها الأبرشيات المسيحية آنذاك من شهادة المؤرخ الخوري ميخائيل بريك، مما يفسر حرص الأمراء على التدخل في الشؤون الكنسية لأسباب اقتصادية في المقام الأول، إذ كانت أموال المسيحيين المبددة بسبب خلافاتهم الداخلية تعني خسارة للأمير الذي يتقاضى ضرائب منهم.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تقديم البطريرك سمعان عواد (الذي تولى من 1743 إلى 1756)، فهو ابن أخ البطريرك يعقوب عواد الحصروني وقد رُقّي إلى أسقفية دمشق سنة 1715. ويصف الكاتب الظروف المعقدة لانتخابه بطريركاً سنة 1743، إذ رفض قبول الانتخاب في البداية فانتُخب المطران إلياس محاسب مكانه، بينما انتخب المطران طوبيا الخازن بدعم من السريان، وصدر حكم بابوي من البابا بنديكتوس الرابع عشر (1740-1758) بإبطال الانتخابين وإعلان سمعان عواد بطريركاً شرعياً. أقام البطريرك الجديد في الشوف قرب صيدا حيث بنى دير مشموشة، وواجه خلال فترة ولايته خلافات داخلية مع خمسة مطارنة تمردوا عليه، وانتهت بالصلح سنة 1746، وعقد في عهده ثلاثة مجامع تهدف لتطبيق قرارات المجمع اللبناني، وتوفي سنة 1756 تاركاً عدة مؤلفات مهمة.

يقدم الفصل أيضاً لمحة عن الأمير ملحم الشهابي الذي تسلم الحكم سنة 1735، وُيعرف بسياساته الحازمة وحروبه ضد الشيعة وحملاته العسكرية التي خاضها ضد ولاة دمشق. تزوج سنة 1741 من ابنة الأمير نجم، وفي سنة 1754 أصيب بمرض أضعفه فاتفق مشايخ البلاد مع أخويه على عزله، وتوفي سنة 1759 بعد ولاية دامت اثنتين وعشرين سنة. أما سياسته الداخلية فكانت تقوم على إضعاف القوى السياسية عبر إشعال الصراعات الجانبية بينها، وفي عهده ظهر الحزبان الجنبلاطي واليزبكي نتيجة انقسام القيسيين، لكن الإقطاعيين الموارنة لم يتأثروا كثيراً بهذه التحزبات.

يحلل الكاتب الرسالتين الأوليين الموجهتين من الأمير ملحم. في الرسالة الأولى، يتدخل الأمير في قضية تسقيف أحد الكهنة، إذ ينقل للبطريرك اعتراض المشايخ من آل الخازن على ترسيم القس يوسف مارون الدويهي مطراناً على البترون، محذراً من عواقب هذا القرار. والواقع أن آل الخازن كانت لهم نفوذ واسع في تعيين المطارنة، إذ كانت أبرشيات دمشق وحلب وبعلبك بمثابة إقطاع لهم، وقد يكون سبب معارضتهم أن المطران الجديد لم يحظ باستشارتهم أو أن قرابته من المطران اسطفان الدويهي الذي عارض انتخاب البطريرك السابق يوسف ضرغام الخازن كانت عاملاً حاسماً. ويظهر في هذه الرسالة أسلوب الأمير النافذ الذي يمزج بين التهديد المبطن والدبلوماسية اللبقة.

أما الرسالة الثانية، فيظهر فيها الأمير ملحم في موقف مختلف تماماً، إذ ينحاز إلى المطران إلياس محاسب الذي عينه البابا في رعيته، ويعتبر البطريرك سمعان عواد متجاوزاً لمقررات مجمع مشموشة المنعقد في نيسان 1747 وللأوامر البابوية معاً. ويؤرخ الكاتب هذه الرسالة بين نيسان 1747 وآب 1748 تاريخ وفاة المطران محاسب. ويوضح أن الأمير يسند موقفه إلى أربعة أمور: نص المجمع، رسالة البابا، دعم المظلوم، وسلطته كحاكم مسؤول عن تطبيق العدالة. ويهدد الأمير المطارنة المرسل إليهم بأن يفرض غرامات على كل من يخالف التعليمات الجديدة، ويختتم بقوله إن البطريرك "شغله ملاعبه وماشي دروب الفساد".

ينتقل الفصل إلى البطريرك الثاني طوبيا الخازن الذي انتخب خلفاً لسمعان عواد في شباط 1756 في دير عينطوره، وثبته البابا في آذار من العام نفسه. أنشأ دير مار أنطونيوس في بقعاتا كنعان، وواجه خلال ولايته خصومة مع المطران يوسف اسطفان (الذي سيصبح بطريركاً لاحقاً) الذي احتمى بحاكم درزي واعترض على جمع العشور في بيروت. توفي طوبيا في أيار 1766 بعد أن جلس على الكرسي البطريركي عشر سنوات وشهرين.

ويرسم الفصل صورة للأمير يوسف الشهابي ابن ملحم الذي تسلم مقاطعتي جبيل والبترون سنة 1757 وهو في السادسة عشرة، معتمداً على مدبره الشيخ سعد الخوري. خاض حروباً ضد آل حماده وطردهم من منطقة نفوذه، ثم استلم الحكم في الجبل اللبناني سنة 1770 بعد تنازل عمه منصور، وأصبح أول أمير مسيحي يتمتع بالسلطة التامة. لكن عهده لم يعرف الاستقرار، فتخللته صراعات مع إخوته ومع الجزار والي صيدا، وقتل أخاه أفندي بيده حين اكتشف مؤامرة ضده، وانتهى به المطاف مسجوناً ثم مشنوقاً سنة 1790 وهو في الأربعين من عمره.

تُظهر الرسالة الثالثة اهتمام الأمير يوسف بإعمار دير ميفوق، إذ أوقف عليه بعض الأماكن وخفض الضريبة المفروضة عليه، ويطلب من البطريرك إرسال ثلاثة أو أربعة رهبان لبدء العمل هناك قبل أول الربيع. ويشير الكاتب إلى أن هذا الدعم كان له خلفية اقتصادية، إذ يريد الأمير إنعاش منطقة شبه خالية للانتفاع من غلالها، بينما يريد الرهبان تملك دير قديم يتطلعون إليه، فتلتقي مصلحة الجانبين. وقد أرسل الأمير أيضاً إلى أديار أخرى في المنطقة خلال الفترة ذاتها.

أما الرسالة الأخيرة فتكشف محاولة انتقام الأمير يوسف من المطران يوسف اسطفان الذي نجا من القتل بفضل وساطة الشيخ سعد الخوري، وتؤكد دعم الأمير الكامل للبطريرك طوبيا في حملته ضد المطران. ويوضح الكاتب أن سبب هذا الخلاف يعود إلى مجمع بقعاتا (1756) ومجمع بيروت (1757) اللذين أحدثا تغييرات في ترتيب الأبرشيات، وهو ما اعترض عليه المطران اسطفان واحتج لدى روما التي ألغت أعمال المجمع الأخير. وكان البطريرك بدوره قد اشتكى المطران واصفاً لجوءه إلى السلطات الزمنية التي ليست من الكنيسة، وتكشف الوثيقة أن الخلاف المالي حول جمع العشور كان له أثر بالغ في موقف الحكام الشهابيين، لأن جمع الضريبة من طرفين ديني ومدني كان يثقل كاهل المكلفين ولا يتيح لهم تلبية طلب السلطتين معاً.

يخلص الكاتب في الخاتمة إلى أن هذه الوثائق الأربع تكشف محاولات السلطة الزمنية التأثير على السلطة الكنسية للحد من نفوذها المتزايد في جبل لبنان، وتبرز مفارقة واضحة في مواقف الأمراء الذين يدعمون تارة البطريرك ضد الأساقفة المتمردين، ويدعمون تارة أخرى الأسقف المتمرد ضد البطريرك، بينما تقف مواقفهم من الرهبان غالباً على خلفية اقتصادية تخدم مشاريعهم في إدارة البلاد. والنقطة القابلة للنقاش في هذا الفصل هي أن الكاتب يفسر تدخل الأمراء في الشؤون الكنسية بدوافع اقتصادية وسياسية، لكن النصوص نفسها تُظهر أيضاً أن بعض هذه التدخلات كانت تحمل أبعاداً طائفية وعائلية، إذ إن انحياز الأمير ملحم للمطران محاسب مثلاً قد لا ينفصل عن مواقف سابقة من دعم المطران للأمير أو لعلاقات التفاهم بينهما.

16.الأقليات العرقية في عكار في القرن الثامن عشر (الأكراد والتركمان)386–410▼ ملخص

يتناول هذا الفصل دراسة تاريخية لأقليتين عرقيتين غير عربيتين هما الأكراد والتركمان، اللذين استوطنا منطقة عكار في القرن الثامن عشر، وذلك في إطار بحث أوسع عن الأقليات في السلطنة العثمانية. يطرح المؤلف سؤالاً محورياً عن كيفية وصول هاتين الجماعتين إلى عكار، وظروف استيطانهما، وطرق اندماجهما في المجتمع المحلي، ومدى احتفاظهما بخصائصهما وهوياتهما. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هاتين الأقليتين وفدتا إلى عكار على دفعات متعاقبة وبأسباب متنوعة، وأنهما مع مرور الزمن، ورغم احتفاظهما ببعض التقاليد، اندمجتا في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة حتى أصبح التمييز بينهما وبين السكان الأصليين أمراً صعباً.

يبدأ المؤلف بتقديم عكار كمنطقة تميزت بالتنوع العرقي والديني عبر العصور، بفضل موقعها الجغرافي وخصوبة أراضيها وغنى مياهها. يوضح أن هذا التنوع نتج عن تدفق سكاني مستمر منذ العهود الإسلامية الأولى، شمل قبائل عربية وفارسية وكردية وتركمانية وشركسية، استقرت في مختلف أنحاء المنطقة. ويشير إلى أن السلطنة العثمانية كانت تسهل قدوم بعض هذه العناصر وتستوطنها، خاصة تلك التي كانت موالية لها، بينما تغاضت عن لجوء بعض المشاغبين وقطاع الطرق إلى المناطق النائية، مما ساهم في تشكيل البنية الديموغرافية المتنوعة لعكار.

أما عن الأكراد، فيذكر المؤلف أن تاريخ استيطانهم في عكار يعود إلى العصر المملوكي، عندما نقل الأيوبيون جماعات كردية إلى الشمال اللبناني للمساعدة في فرض الأمن وحماية السواحل من الهجمات. وقد تمركز هؤلاء في الهضاب والمرتفعات المشرفة على الساحل. ويستعرض الفصل أهم هجرة كردية إلى عكار، والتي حدثت في سنة 1174هـ/1761م، عندما قدمت جماعات كثيرة من منطقة "رشوان"، وعُرف أصحابها بالأكراد الرشوانية. ويورد المؤلف تفاصيل وثيقة توطين هؤلاء الأكراد، واصفاً كيفية طلب زعمائهم الإذن من والي طرابلس، الحاج مصطفى باشا، للإقامة في عكار، ثم تحديد منطقة لهم بالقرب من جسر الشيخ عياش ونهر العرايس.

توضح الوثيقة التي يستند إليها المؤلف الشروط التي فُرضت على الأكراد الرشوانيين، والتي تضمنت البقاء ضمن حدود معينة والتعهد بعدم التعدي والنهب، مع تحميل زعمائهم مسؤولية أي أعمال تخريبية من أتباعهم. ويقدم الفصل أرقاماً دقيقة عن تعدادهم ومواشيهم والضرائب المفروضة عليهم، فبلغ عدد بيوتهم ستمائة بيت، فرض عليها ثلاثة آلاف قرش، وبلغت أغنامهم أربعين ألف رأس، فرض عليها ألف قرش، وكانت إبلهم وأبقارهم ثلاثة آلاف رأس، فرض عليها ألف قرش، ليكون مجموع المال المفروض خمسة آلاف قرش، لكن الوالي تنازل عن ألف وخمسمائة قرش، فبقي عليهم ثلاثة آلاف وخمسمائة قرش فقط، وهو مبلغ كبير مقارنة بإجمالي أموال عكار السنوي البالغ ثلاثة وأربعين ألف قرش.

يخلص الفصل إلى أن هجرة الأكراد إلى عكار بدأت مع المماليك ولم تتوقف إلا في منتصف القرن الثامن عشر، عندما أنشأت السلطنة العثمانية ولاية مستقلة في رشوان سنة 1158هـ/1745م كموطن لهم، مما أوقف عمليات الاستيطان الجديدة. ومع ذلك، يلاحظ المؤلف أن الوثائق لا تشير إلى مغادرة هؤلاء الأكراد لعكار، بل يبدو أن الكثيرين منهم استقروا واندمجوا مع السكان المحليين، حتى لم تعد اللغة الكردية عامل تمييز، ولم يبقَ منها سوى أسماء بعض العائلات التي تحمل كنية "الكردي".

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى مناقشة أصول بعض العائلات الحاكمة في عكار، مثل آل سيفا والمراعبة، والتي تضاربت المصادر حول أصولها العرقية. فيذكر أن بعض المؤرخين يرجع آل سيفا إلى أصل كردي، بينما يعتبرهم آخرون تركماناً، لكنه يرجح من خلال تسلسل نسبهم أنهم من الجراكسة. أما المراعبة، الذين تولوا حكم عكار منذ منتصف القرن الثامن عشر، فيعرض الفصل الروايات المختلفة حول أصلهم، فمنهم من نسبهم إلى الأكراد الرشوانية، ومنهم من رجح أنهم من أصل عربي يتحدرون من القاضي عيسى. ويشير المؤلف إلى أن سبب الالتباس قد يعود إلى قصر الفترة الزمنية بين قدوم آل المرعبي إلى عكار سنة 1715م وقدوم الأكراد الرشوانيين سنة 1761م، ويقر في النهاية بأنه بغياب الوثائق الأساسية، يبقى السؤال حول أصل المراعبة مطروحاً دون إجابة حاسمة.

أما عن التركمان، فيوضح المؤلف أن موطنهم الأصلي هو آسيا الوسطى، وأنهم قدموا إلى بلاد الشام مع الفتح العثماني، حيث استخدمهم الأتراك للمساعدة في تثبيت الأمن. ويشير إلى أن استيطانهم في عكار لم يكن دفعة واحدة بل تعاقبت هجراتهم، وأن إحصاء سنة 1519م يُظهر وجود جماعة منهم في تلك السنة تسمى "جماعة تركمان". ولا تسمح المصادر التاريخية بإحصاء عددهم بدقة، لكن كثرة الوثائق المتعلقة بهم في سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس وقيمة الأموال المفروضة عليهم تدل على كثرتهم. وقد عاش التركمان في عكار كقبائل رحل في الخيام، وكانت لهم تنظيماتهم العشائرية الخاصة، ولكل طائفة زعماء يحملون لقب "بك" أو "آغا" يديرون شؤونهم الداخلية ويمثلونهم أمام والي طرابلس.

يسرد الفصل أسماء طوائف التركمان التي وردت في سجلات المحكمة الشرعية، مثل: طائفة تركمان إولغو، وطائفة تركمان السلورية، وطائفة تركمان الشرفلية، وطائفة تركمان الطقورلية، وطائفة تركمان الدوكرلية، وطائفة تركمان البلاسة، وطائفة تركمان الطويقيلية، بالإضافة إلى تركمان قريتي قلجتا وفول حسين. ويذكر أن العلاقات بين هذه الطوائف كانت أحياناً مشوبة بالخلافات والتعديات والسلب والنهب، ويقدم أمثلة من وثائق المحكمة الشرعية على ذلك. كما يوضح أن التركمان شاركوا في نظام الالتزام، حيث كان زعماؤهم يتولون جباية الأموال الأميرية من طوائفهم، وأحياناً كانوا يلتزمون قرى مجاورة لهم، مما يدل على ثقة الوالي بهم واعتمادهم عليهم، ويقدم أرقاماً عن قيمة الالتزامات التي كانت تدفعها قراهم.

يختم المؤلف بالحديث عن الخصائص الاجتماعية والاقتصادية لتركمان عكار، مشيراً إلى أنهم اعتمدوا على تربية الماشية والزراعة، وعملوا في صناعة السروج والحبال والبسط، وكان لنسائهم دور في غزل الصوف والنسيج. ويذكر أنهم تميزوا بلون بشرتهم الفاتح وحبهم للفروسية وكرم الضيافة ومستوى الانضباط الرفيع. ومع نهاية القرن الثامن عشر، بدأ التركمان بالتخلي التدريجي عن عاداتهم وتقاليدهم نتيجة اختلاطهم بالسكان المحليين، حتى لم تعد سجلات المحكمة الشرعية تشير إليهم باسم "تركماني". ويشير المؤلف في الختام إلى الواقع المعاصر، حيث لا يزال أحفاد التركمان موجودين في قرى مثل الكواشرة وعيدمون وجديدة عيدمون، مع تفاوت في درجة احتفاظهم بلغتهم الأم وعاداتهم، ويورد أعداداً تقديرية لهم في سنوات قريبة مثل 1945 و1988م.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن الفصل يقدم صورة شاملة ومفصلة عن الأقليات الكردية والتركمانية في عكار، معتمداً بشكل كبير على الوثائق والسجلات الرسمية كمصدر أساسي. ويمكن ملاحظة أن المؤلف يميل إلى إبراز فكرة الاندماج والانصهار النهائي لهذه الأقليات في المجتمع العكاري، وقد يكون هذا التركيز على "الاندماج" قابلاً للنقاش، فبالنظر إلى بعض التفاصيل الواردة في النص نفسه حول احتفاظ التركمان بلغتهم في بعض القرى حتى وقت قريب، قد يبدو أن عملية الاندماج لم تكن كاملة أو مطلقة.

17.العلاقة بين النصارى واليهود في طرابلس وعلاقتهم بالمسلمين وبالسلطات العثمانية فيها في القرنين 17 و 18411–444▼ ملخص

يبحث هذا الفصل في العلاقات بين الطوائف الدينية في مدينة طرابلس خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتحديداً العلاقة بين النصارى واليهود من جهة، وعلاقتهم بالمسلمين وبالسلطات العثمانية من جهة أخرى. يرفض المؤلف، فاروق حبلص، النظرة السائدة التي تصوّر تاريخ المنطقة كسلسلة من الصراعات الطائفية، ويقدم قراءة مغايرة تستند إلى وثائق المحكمة الشرعية في طرابلس، معتبراً إياها المصدر الأهم والأكثر موضوعية لدراسة الحياة اليومية والتبادلات بين أبناء الطوائف المختلفة، بعيداً عن الأهواء التي قد تكتنف كتابات المؤرخين.

يبدأ الفصل بتوضيح المنهجية المتبعة، والتي تعتمد على تحليل وثائق البيع والشراء والإيجار والأوقاف والشكاوى المسجلة في سجلات المحكمة الشرعية. يشير المؤلف إلى صعوبة تحديد التوزيع الطائفي الدقيق لسكان المدينة من هذه الوثائق وحدها، لذا يستعين بتقارير القنصلية الفرنسية لتقديم صورة تقريبية. ففي سنة 1811، قدر القنصل الفرنسي ألفونس غيز وخليفته أوغست أدريا عدد سكان طرابلس ومينائها بما بين 15,000 و 16,000 نسمة، موزعين تقريباً بين 11,700 مسلم (مدنيين وعسكر)، و2,400 روم أرثوذكس، و1,500 موارنة، و120 يهودياً، أي أن مجموع أهل الذمة كان حوالي 3,800 نسمة، أي ما يعادل ربع عدد المسلمين تقريباً. يخلص المؤلف من هذه الأرقام إلى أن طرابلس كانت مدينة ذات أغلبية إسلامية واضحة، مع وجود أقلية نصرانية معتبرة وأقلية يهودية صغيرة.

ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الطوائف، معتمداً على إحصاء قام به المؤلف لوثائق البيع والشراء في السجل رقم 1 من سجلات المحكمة الشرعية، والذي تغطي وثائقه فترة تمتد من نيسان 1771م إلى كانون أول 1517م (أي من شوال 1185 هـ إلى جمادى الآخرة 1188هـ). أظهر الإحصاء أن 50 عملية بيع عقارات تمت داخل المدينة، منها 8 عمليات تعود لنصارى، وفي عمليتين فقط كان البائع والمشتري نصرانيين. تشير هذه النسب إلى مشاركة النصارى الفعلية في الحركة الاقتصادية، بما يتناسب مع حجمهم السكاني. كما تبرز الوثائق وجود شراكات في ملكية البساتين بين مسلمين ونصارى، ووجود بيوت لمسلمين ملاصقة لكنائس، وتجاور مساكن المسلمين والنصارى في ثمانية أحياء من أصل أربعة عشر حياً، منها القواسي وعديمي المسلمين وعديمي النصارى وحجارين وتبانة وسويقة السبعي والتربيعة.

يستدل المؤلف من هذا التجاور السكني والشراكات الاقتصادية على وجود ثقة متبادلة وتعايش يومي بين المسلمين والنصارى، وهو ما يؤكده أيضاً وجود وثائق تُظهر أن شيخ حي "عديمي المسلمين" المختلط كان نصرانياً في سنة 1779م ويدعى يوسف ولد سلامة، بينما كان شيخ حي "عديمي النصارى" مسلماً يدعى الشيخ أحمد. ويستشهد المؤلف بواقعة أخرى تدل على عمق هذا التعايش، وهي تضامن سكان حي عديمي المسلمين من مسلمين ونصارى في تقديم شكوى ضد رهبان أجانب، مما يبين تفوق الاعتبارات المجتمعية على الاعتبارات الدينية الضيقة. كما يروي المؤلف حادثة بناء كنيسة مار نيقولاوس في سنة 1800م، حيث ساعد مفتي طرابلس المسلمين وجهاء الطائفة الأرثوذكسية في تجاوز مخالفة بناء الكنيسة وتفادي هدمها من قبل والي طرابلس يوسف باشا الكنج.

على النقيض من ذلك، وبحسب ما تظهره الوثائق، يبدو أن علاقة اليهود بالطوائف الأخرى كانت أكثر تحفظاً وانعزالاً. فعدم وجود أي وثائق تثبت شراكات أو تجاوراً سكنياً بين اليهود من جهة والمسلمين والنصارى من جهة أخرى، يدفع الكاتب إلى ترجيح فرضية انعزالهم في حي خاص بهم. ومع ذلك، يقدم الفصل دليلاً على تسامح المسلمين مع اليهود، من خلال وثيقة بيع تعود لسنة هـ 1232/1818م، تبين تحويل دار تقع في "محلة اليهود" إلى وقف لكنيس اليهود، على الرغم من أن الأرض كانت مستأجرة بالحكر الشرعي من وقف تابع لجامعي الكبير والتوبة. هذا يعني أن المسلمين سمحوا بتحويل بناء على وقف إسلامي إلى وقف يهودي، مقابل استمرار دفع قيمة الإيجار السنوي المحدد بقرش واحد.

أما العلاقة بين اليهود والنصارى أنفسهم، فتصورها الوثائق على أنها علاقة مضطربة وتنافسية، خاصة فيما يتعلق بتوزيع التكاليف الضريبية. يورد الفصل وثيقتين من سنة 1774م (هـ 1188) وهما بيورلديان (مرسومان) صادران عن القائمقام محمد آغا، يظهران شكوى اليهود من النصارى بسبب "العداوة القديمة" بين الطائفتين، وطلبهم فصلهم في جباية الضرائب. وقد لبّت السلطات طلبهم، فتم تعيين شخص من كل طائفة لجباية ضرائبها بشكل مستقل، وتعهد مطران النصارى نقولا بمنع أي تعدي من طرفه على اليهود. يشير المؤلف إلى أن هذا القرار يعكس حرية واسعة منحت لأهل الذمة في تسوية أمورهم الداخلية، لكنه في الوقت نفسه يبرز حالة من عدم الثقة والتنافر بين الطائفتين.

فيما يتعلق بعلاقة أهل الذمة بالسلطات العثمانية، يوضح الفصل أن الدولة كانت تنظر إليهم ككتلة واحدة في مسائل الضرائب قبل سنة 1774م، وكانت تترك لهم حرية توزيع العبء الضريبي. وبخصوص تعيين المطارنة، فلم تكن الدولة تسميهم، بل كان يتم انتخابهم من قبل زملائهم، ثم تصدر براءة سلطانية بتعيينهم، كما يظهر في فرمان تعيين مطران عكار وتوابعها من بطريركية الروم الانطاكية، والذي يمنحه صلاحيات واسعة في إدارة شؤون طائفته وأوقافها. ويستشهد الفصل بوثيقة بيورلدي طويلة حول جزية أهل الذمة في إيالة طرابلس، يظهر منها تساهل الولاة والجيزدارية في تحصيل الجزية، مما أدى إلى تراكم متأخرات كبيرة، حيث اعترف سليمان باشا العادل بوجود "أضعاف مضاعفة" من أهل الذمة في المقاطعات عن عدد الأوراق الرسمية المسجلة، كما أشار إلى أن بعض الأغنياء كانوا يصنفون كمتوسطين وبعض المتوسطين كفقراء لدفع مبالغ أقل.

أخيراً، يتناول الفصل العلاقة الوثيقة بين بعض وجهاء النصارى وحكام طرابلس، حيث يذكر أن إبراهيم باشا اتخذ اليهودي إبراهيم دي ليون كتخدا له في سنة 1810م، لكن سكان المدينة كرهوه لتحريضه الوالي على احتكار المواد الغذائية. كما يشير إلى تقرب عائلتي غريب وصدقة النصرانيتين من الحاكم مصطفى آغا بربر، وتقرب آل نوفل من الوالي علي باشا الأسعد الذي اتخذ نصرالله نوفل كاتباً له. ويعرض الفصل حادثة رفض التاجرين النصرانيين نصرالله زريق وجرجس يني إقراض والي طرابلس علي باشا الأسعد مبلغاً مالياً لتمويل الجردة (حراسة قافلة الحج) في سنة 1825م، فحاولا الاحتماء بالقناصل الأوروبيين، لكن الوالي صادر بضائعهما وباعها بـ23,323 قرشاً وثلاثة أرباع القرش وخمس مصريات، وبعد عودتهما واعتذارهما أعاد لهما المال، مما يدل على قوة السلطة وقدرتها على فرض الإتاوات على الرعايا، وإن كانت تعفو بعد ذلك.

في الخاتمة، يجمع المؤلف خلاصة استنتاجاته: إن التبادل الاقتصادي والشراكات والتعاون بين المسلمين والنصارى في مواجهة الأجانب، والتعاطف مع بناء الكنائس، كلها أدلة على انعدام الحالة الطائفية بالمعنى الصراعي في المجتمع. يرى المؤلف أن الفرد شعر بانتمائه إلى المجتمع المحلي بشكل أقوى من انتمائه الطائفي. ويفسر عبارات التمييز الرسمية مثل "الذمي" و"ولد" بأنها لم تكن صنع المجتمع، بل أسلوباً فرضته الدولة العثمانية في وثائقها الرسمية، وبالتالي لا يمكن اعتبارها دليلاً على وجود حالة طائفية داخل المجتمع نفسه.

18.الأقليات غير الإسلامية في طرابلس من خلال سجلات المحكمة الشرعية445–482▼ ملخص

هذا الفصل يتناول أوضاع الأقليات غير الإسلامية في مدينة طرابلس الشام خلال العهد العثماني، معتمداً بشكل أساسي على سجلات المحكمة الشرعية في المدينة، والتي يعود تاريخ العمل بها إلى الثلث الأخير من القرن السابع عشر وتنتهي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. يقدّم المؤلف، حاتم سليمان، هذه السجلات كنافذة موثوقة لفهم العلاقات الدينية والاجتماعية والاقتصادية بين طوائف المدينة الثلاث: المسلمون (الأغلبية)، المسيحيون بمختلف مذاهبهم، واليهود (الأقلية)، وعلاقة هذه الأقليات بالدولة العثمانية وبعضها البعض.

يبدأ الفصل باستعراض التركيبة الطائفية للمسيحيين في طرابلس، وهم الأكثر عدداً بعد المسلمين، مع وصف تفصيلي لكل طائفة. يشير المؤلف إلى أن الروم الأرثوذكس كانوا الأكثر عدداً، يليهم الموارنة، ثم الروم الكاثوليك الذين لم يتجاوز عددهم الخمسين، والبروتستانت، والسريان، واللاتين (الفرنج المستأمنين)، والأرمن بأعداد قليلة جداً. ينتقل بعدها لذكر الكنائس التابعة لهذه الطوائف، معتمداً على حجج السجلات الشرعية وكتاب الدكتور فاروق حبلص، ويذكر منها كنيسة مار يوحنا، وكنيسة السيدة التي كانت مسرحاً لخلاف طويل بين الموارنة والسريان الكاثوليك، وكنيسة مار مخائيل الكاتدرائية، وكنائس الروم الأرثوذكس الأربع بما فيها كنيسة مار نيقولاوس وكيسة القديس جاورجيوس، وكنائس الروم الكاثوليك والبروتستانت التي كانت أقل عدداً. يوضح المؤلف أن حرية بناء الكنائس كانت مقيدة بضرورة الحصول على فرمان سلطاني يحدد المقاسات والأطوال، مستشهداً ببيورلدي صادر عن والي صيدا يخص بناء كنيسة في قرية المنية، ويتضمن تحذيرات مشددة من المعارضة أو فرض أي مبالغ على النصارى.

يتناول الفصل بعد ذلك العلاقة بين الأقليات نفسها، ويظهر أنها لم تكن دائماً ودية. يورد المؤلف عدة أمثلة على النزاعات، أبرزها الخلاف حول ملكية كنيسة السيدة بين الموارنة والسريان الكاثوليك، والذي تدخل فيه الأمير بشير الشهابي الثاني. كما يشير إلى خلاف آخر بين الرهبان الحلبيين والبلديين حول أنطوش الرهبانية في طرابلس. ويذكر شكوى اليهود من سوء معاملة النصارى لهم بسبب عداوة قديمة، وقرار المطران نقولا بمنع النصارى من مضايقة اليهود. تصل هذه الخلافات إلى مسامع السلطان العثماني الذي أصدر في سنة 1851 ثلاثة فرمانات موجهة إلى بطريرك الروم الأرثوذكس وبطريرك الكاثوليك وحاخام اليهود، يؤكد فيها على حماية حقوق الطوائف الثلاث وحرياتها الدينية، ويحذر رؤساءها من مغبة إحداث أي خلل والسماح لهم بالتواصل المباشر معه عند الحاجة.

يركز الفصل على الوضع الاجتماعي والقانوني للنصارى واليهود، موضحاً تطور مكانتهم عبر الزمن. يلاحظ المؤلف أن صفة "الذمي" ظلت تلازم أسماء العامة منهم في المعاملات الرسمية حتى أواخر العهد العثماني، رغم صدور التنظيمات. غير أن المكانة الاقتصادية المتنامية للنصارى في التجارة الداخلية والخارجية، خصوصاً في القرن التاسع عشر، أدت إلى منح كبار التجار منهم ألقاباً كان يختص بها المسلمون، مثل "خواجه" و"أفندي" و"آغا". يقدم الفصل أمثلة على عدد من العائلات المسيحية البارزة التي حظيت بهذه الألقاب والمراكز الرفيعة، مثل آل غريب وآل كاستفليس وآل خلاط وآل النقاش وآل الصراف، مشيراً إلى الدور الاقتصادي والدبلوماسي الهام الذي لعبوه.

يخصص الفصل قسماً هاماً لدور المحكمة الشرعية كمرجع قضائي لجميع الطوائف، وليس للمسلمين فقط. يوضح المؤلف أن النصارى واليهود كانوا يلجأون إليها بكثرة لحل قضاياهم المختلفة، حتى تلك المتعلقة بالأحوال الشخصية التي قد تكون من اختصاص مراجعهم الروحية، وذلك لما تتمتع به من عدالة وسرعة في البت بالقضايا وسلطة في تنفيذ الأحكام. يقدم المؤلف عدة أمثلة على لجوء النصارى إلى المحكمة، بما في ذلك قضية طلاق نصراني لزوجته بالثلاث، ودعاوى نفقة ووصاية، وقضايا معاملات تجارية بين مسلمين ونصارى ويهود، ويخلص إلى أن أحكام الحاكم الشرعي كانت تتسم بالنزاهة وعدم التحيز، مستشهداً بقضايا حكم فيها لصالح غير المسلمين ضد مسلمين.

ينتقل الفصل إلى مناقشة العلاقات الاجتماعية والطبقية بين طوائف المدينة، والتي تظهرها السجلات بوضوح. يصف المؤلف تركيب المجتمع الطرابلسي الذي يتكون من أربع طبقات: الأعيان، والصناع، والعامة، ورجال الدين. يؤكد على وجود تراتبية طبقية، لكنه يلفت إلى أن العلاقة كانت أكثر وثوقاً بين أفراد طبقة الأعيان من مختلف الطوائف بسبب المصالح المشتركة وتشابه نمط الحياة، بينما كان الشعور بالاختلاف الديني أكثر ظهوراً بين طبقة الصناع. على الرغم من وجود أحياء خاصة بكل طائفة مثل حارة النصارى وحارة اليهود، تشير السجلات إلى اختلاط كبير جداً بالسكن والعمل بين جميع الطوائف، مما ولّد علاقات صداقة وتعاون، إضافة إلى خلافات يومية طبيعية مثل النزاع حول سد النوافذ التي تُطل على جيران، والقضاء فيها كان عادلاً من قبل الحاكم الشرعي.

يختتم الفصل بعرض الدور الاقتصادي البارز للأقليات غير الإسلامية، وخاصة النصارى، في اقتصاد المدينة. يسلط الضوء على هيمنة الطائفة الأرثوذكسية على التجارة الداخلية والخارجية، وامتلاك عائلاتها الثرية مثل آل خلاط وآل غريب وآل كاستفليس لأملاك شاسعة في القرى والمناطق المحيطة بطرابلس، كما يظهر من شرائهم عقارات بقرى الضنية والكورة. يذكر الفصل أنماطاً من التعاملات المالية مثل بيع الوفاء وشرائه، والاستحكار (وهو إحياء أرض وقف خربة مقابل إيجار رمزي يبقى المستحكر مالكاً لما يبنيه)، ويشير إلى أن النصارى استفادوا من هذه الأنظمة، كما استفادوا من الأوقاف الإسلامية باستئجارها. يُنهي المؤلف بالإشارة إلى أن نصارى طرابلس، بفضل ثرواتهم وكفاءاتهم، شغلوا مناصب قنصلية لدول أوروبية وأمريكا وإيران، ومناصب إدارية في الدولة العثمانية مثل كتابة الخزينة وأمانة الصندوق، مما يؤكد اندماجهم في الحياة العامة، وأن التمايز الديني الذي فرضته الشريعة كان ضعيفاً على مستوى العلاقات العامة مقارنة بالمصالح الاقتصادية والاحتياجات اليومية المشتركة التي جمعت الجميع.

19.القضية الدرزية خلال السنوات 1311-1314هـ / 1894-1897م إستناداً إلى وثائق وزارة الخارجية الإيرانية483–491▼ ملخص

تتناول هذه الدراسة التاريخية قضية الطائفة الدرزية في لبنان وسوريا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1894 و1897م، وذلك بالاعتماد على مجموعة من الوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الإيرانية، والتي كانت تصل إلى طهران من سفيرها في العاصمة العثمانية إسطنبول. يوضح المؤلف أن المتابعة الإيرانية لهذه القضية لم تكن اعتباطية، بل جاءت نتيجة طبيعية للعلاقات المتوترة بين الدولتين، إضافة إلى الوجود الشيعي الكبير في منطقة جبل عامل اللبنانية وارتباط بعض علمائه بإيران؛ مما جعل طهران حريصة على رصد نقاط ضعف الدولة العثمانية في ولاياتها العربية.

يحلل المؤلف طبيعة الصراع في المنطقة، مشيراً إلى أن الدروز والمسيحيين عاشوا بانسجام حتى منتصف القرن التاسع عشر، حين قررت الدولة العثمانية تقسيم لبنان إلى قائمقاميتين؛ شمالية للمسيحيين وجنوبية للدروز، بعد عزل الأمير بشير الثالث. ويرى المؤلف أن الأحداث الدامية التي وقعت في أعوام 1841 و1845 و1860م خلفت جراحاً عميقة بين الطائفتين، استمرت آثارها حتى الفترة التي يغطيها البحث. وتشير الوثائق إلى أن العثمانيين كانوا يعملون على تحريك الدروز، كأعداء تقليديين للمماليك، ضد المسيحيين، في إطار سياسة أوسع تخشى من بقايا النفوذ المملوكي المتمثلة بالشركس.

تبرز الوثائق الدور الكبير للتدخل الأجنبي، خاصة البريطاني والفرنسي، في إذكاء نار الفتنة. فقد وقفت فرنسا إلى جانب المسيحيين وسعت لتوسيع حمايتها لهم، بينما سعى البريطانيون إلى اتخاذ سياسة مماثلة بدعم الدروز، ومطالبة الباب العالي بمراعاتهم ومنحهم امتيازات، وقد وصل الأمر بالدولة العثمانية إلى إصدار أوامرها بشكل دائم بضرورة التعامل بحذر مع الدروز خشية تمردهم. ولم تقتصر المنافسة على لبنان، بل طالت مناطق أخرى، حيث تظهر إحدى الوثائق اتهامات للإنجليز بمحاولة إثارة اضطرابات الأرمن في إسطنبول لإظهار عجز الحكومة العثمانية عن حفظ الأمن والاستقرار في عاصمتها، قبل الحديث عن المناطق البعيدة.

على الرغم من النفي البريطاني والأمريكي لهذه الاتهامات، إلا أن التقارير كانت تؤكد وجود علاقات وثيقة بين الدروز والإنجليز. فقد ثار الدروز في جبل حوران عدة مرات، وقاموا بحرق قرى لطوائف أخرى، مع العلم أن الدولة كانت تتعامل معهم بلطف ورفق، ربما خوفاً من رد فعل الإنجليز. وقد أدى هذا الوضع إلى تآكل هيبة الدولة في نظر الرعايا، فبدأ الأهالي يحتجون علناً قائلين إن الحكومة غير القادرة على حماية أموالهم وأرواحهم لا يحق لها مطالبتهم بدفع الضرائب، تاركة الوالي العثماني في حيرة من أمره. كما تكشف الوثائق عن مكيدة بريطانية مثيرة؛ إذ كان السفير البريطاني يقنع العثمانيين بعدم سحق الدروز كونهم طائفة شجاعة، وينصحهم بالإبقاء عليهم كقوة احتياطية يمكن استخدامها في المستقبل للتصدي لأي تحرك فرنسي نحو سوريا.

يتوقف المؤلف عند شخصية محورية ظهرت كثيراً في الوثائق وهي شبلي بيك، زعيم الطائفة الدرزية. ففي ظل الاضطرابات، عينته الحكومة العثمانية قائمقاماً على جبل الدروز لضبط الوضع، وذلك بعد حادث مقتل أحد مشايخ الدروز الذي تجمع على إثره حوالي ألفي فارس وهاجموا القرى المسيحية والإسلامية في حوران. وبعد تدخل الوالي الذي هدد بتدمير الجبل، اضطر الدروز للرجوع، وتم تعيين شبلي بيك الذي سعى لتهدئة الأوضاع ودفع الضرائب متفاوضاً مع الدولة؛ لكن هذه السياسية لم تلقَ قبولاً لدى كثير من الدروز الذين رأوا أن تعاونه مع الدولة يضر بمصالحهم، فأنكروا عليه ولايته بعد عودته من زيارة إلى الشام.

أما الدولة العثمانية فكانت تنتهج في نظر المراقبين سياسة تهدف لتأجيج الانقسامات، إذ يرى والي بيروت أن اتحاد الدروز وتفاهمهم هو ما ينافي مصلحة الدولة؛ ولذلك عملت على إشعال النزاعات بينهم وبين الأكراد والشركس، وجرت اشتباكات عنيفة. ومع تزايد الضغوط وتسليم نفسه مع عائلته، تراجعت حدة التمرد، وعاد الدروز إلى مناطقهم، ووافقوا على دفع غرامة مالية كبيرة، كما سلموا جزءاً من أسلحتهم. لكن المفارقة أن شبلي بيك الذي قدم خدمات كبيرة للدولة عُزل من منصبه ثم اعتُقل هو وأنصاره، وحُكم عليه بالنفي مع أسرته إلى جزيرة رودس، في مشهد يعكس نكران الجميل الذي واجه به العثمانيون من خدمهم.

يؤكد المؤلف في ختامه أن الدولة العثمانية كانت تواجه مشاكل داخلية ضخمة أعاقت تنفيذ سياساتها، بدليل الوثيقة الأخيرة التي تتحدث عن الأموال وعدم كفايتها للجيش، بالإضافة إلى استمرار المناوشات المفتوحة مع الدروز، وتقييد حركة القوات. ويُلاحظ أن الوثائق خلت من الحديث عن موقف المسلمين في المنطقة وتباين ولاءاتهم بين الحكومة والجماعات المتنازعة. وعلى الرغم من أن الدراسة تعرضت لمساحات الأراضي وأعداد النفوس، فإن الإحصاءات الدقيقة تبقى غير واضحة. ويختم المؤلف بالإعلان عن نيته نشر كامل مجموعة الوثائق المذكورة، المحفوظة حالياً لدى مركز التوثيق في معهد الدراسات السياسية والدولية في طهران، ليفيد منها الباحثون والمؤرخون المتخصصون في هذا العصر المضطرب.

20.الامتيازات والخمور في طرابلس بين بربر آغا والقناصل491–522▼ ملخص

الامتيازات والخمور في طرابلس بين بربر آغا والقناصل

يتناول هذا الفصل موضوعاً محورياً في التاريخ العثماني، وهو الامتيازات الأجنبية التي منحتها الدولة العثمانية للدول الأوروبية، ويحللها من خلال حادثة محددة وقعت في مدينة طرابلس الشام في بداية القرن التاسع عشر، تتعلق بمنع حاكم المدينة مصطفى بربر آغا إدخال الخمور إليها. يقدم المؤلف الإجابة عن سؤال جوهري: هل كان موقف بربر آغا الرافض لإدخال الخمور يمثل بالفعل موقفاً معادياً للامتيازات الأجنبية كما ادعى القنصل الفرنسي، أم أنه كان موقفاً محلياً محدوداً نابعاً من اعتبارات دينية واجتماعية؟ ويخلص الفصل إلى أن اتهام القنصل الفرنسي لبربر بالوقوف ضد الامتيازات كان مبالغاً فيه وغير دقيق، وأن الحقيقة تكمن في أن بربر كان يحاول الموازنة بين التزاماته الدينية وقوانين الدولة من جهة، وعلاقته بالقناصل الأجانب من جهة أخرى.

يبدأ الفصل بتعريف الامتيازات الأجنبية، موضحاً أنها مجموعة التسهيلات والاعفاءات التي منحها السلاطين العثمانيون لرعايا الدول الأوروبية، خاصة الفرنسيين منهم. يذكر المؤلف أن هذه الامتيازات بدأت في عهد قوة الدولة العثمانية، حين كانت تمنح من موقع القوة، بدليل الاتفاقية المبرمة عام 1535 بين سليمان القانوني وفرنسوا الأول، والتي تلتها اتفاقيات مماثلة مع دول أوروبية أخرى بدءاً من انكلترا عام 1548، ثم هولندا وجنوى وروسيا وبروسيا والنمسا والسويد. ويشير المؤلف إلى أن الهدف الأساسي من هذه الامتيازات كان تطوير التجارة وتسهيل حركة الرساميل، وقد كانت استجابة السلاطين لطلبات الملوك الأوروبيين محاولة سياسية ذكية لإضعاف الجبهة الأوروبية المعادية لهم، غير أن هذه السياسة انقلبت ضدهم عندما ضعفت الدولة، فأصبحت الامتيازات نفسها عاملاً أساسياً في تفتيت السلطنة وتقويض ركائزها.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة تطور الامتيازات وتجاوزاتها، فيوضح أنها لم تقتصر على التسهيلات التجارية، بل توسعت لتشمل الحماية الدينية للمسيحيين الكاثوليك منذ مطلع القرن السابع عشر، ثم تطورت بشكل خطير مع معاهدة كوجوك قينارجه عام 1774، التي اعترف فيها السلطان بحق روسيا في حماية الأرثوذكس وكنائسهم داخل الإمبراطورية العثمانية. ويورد المؤلف مثالاً صارخاً على التجاوزات عندما يشير إلى أن اتفاقيات عام 1798، عام الحملة الفرنسية على الشرق، كانت قد شملت امتيازات واسعة لسبع دول أوروبية، مما يؤكد أن هذه الامتيازات كانت تساهم في تقويض السلطنة. ويتوقف الفصل عند مسألة عدم المساواة في هذه الاتفاقيات، حيث يرفض المؤلف الرأي القائل إن هذه الحقوق كانت إسمية فقط بحجة أن السلطان كان يستطيع رفضها أو تعديلها، ويقدم ثلاثة أسباب للرد على هذا الرأي: أولاً، أن الحقوق الممنوحة بموجب اتفاقيات موقعة لا يمكن اعتبارها إسمية؛ وثانياً، أن ملوك أوروبا كانوا يحرصون على تطوير هذه الحقوق وتوسيعها لا على التخلي عنها؛ وثالثاً، أن التنفيذ الفعلي لهذه الامتيازات كان غالباً يتجاوز ما هو منصوص عليه في الاتفاقيات، بسبب ضعف الولاة وفساد الإدارة وفوضى الانكشارية.

يخصص الفصل قسماً كبيراً للتعريف بشخصية مصطفى بربر، حاكم طرابلس ومتسلمها، فيناقش أصوله وطريقة صعوده إلى السلطة. يعرض المؤلف الروايات المختلفة حول أصل بربر، فهناك من ينتسبه إلى أسرة مسيحية من الملكيين الأرثوذكس في طرابلس، وهناك من يرى أن عائلته كانت مسلمة، لكنه يرجح أن عائلة بربر كانت من أصل انكشاري، وأن لقب "بربر" مشتق من الكلمة التركية التي تعني الرقم أربعين، أي الفرقة الأربعين في وجاق الانكشارية المقيم في طرابلس. ويصف الفصل كيف استطاع بربر، خلال أشهر قليلة في عام 1801، أن يسيطر على قلعة طرابلس ويفرض نفسه على منافسيه، ثم يحصل على منصب "وكيل آغاسي ينكاجريان" بمساعدة المعتمد الانكليزي ووالي الشام عبدالله باشا العظم، وبعد ذلك بفترة قصيرة حصل على منصب متسلمية طرابلس نفسها. يوضح المؤلف أن بربر ظل محتفظاً بمنصبين مهمين طوال فترة حكمه، وهما دزدار قلعة طرابلس وزعامة الانكشارية، وقد شكل له هذان المنصبان مصدر قوة أساسياً في صموده حاكماً حتى عام 1834، حين هرب إلى مصر بسبب إدراكه أن زعامته قد انتهت بقرار إلغاء تنظيم الجيش الانكشاري من قبل السلطان محمود الثاني، ثم عاد مع الحملة المصرية عام 1833 لكنه لم يستطع التأقلم مع الإدارة المصرية الجديدة، فعزله إبراهيم باشا وتوفي بعدها بقليل في قلعته التي بناها في إيعال.

تتمثل القيمة الأساسية لهذا الفصل في تحليله الدقيق لحادثة منع الخمور وروايتين مختلفتين لها، فيقدم أولاً رواية القنصل الفرنسي شارل إدموند غيز، الذي كتب رسالة إلى وزير خارجيته بتاريخ 28 كانون الأول عام 1811، يشرح فيها أن المتسلم مصطفى بربر وضع في رأسه منع إدخال الخمور إلى طرابلس، وأنه كلف بعض الفلاحين بإحضار نصف قنطار من الخمر له، لكنهم خافوا من حراس البوابات الذين كانوا يتلفون كل الخمور المحمولة إلى المدينة. ويذكر القنصل أنه حاول الاستحصال على أمر من الوالي لكن بربر رفض تنفيذه قائلاً إنه مسلم ولا يطيع سيده في هذا الموضوع، بينما نجح المعتمد البريطاني في إدخال كمية من الخمر تم احتجازها أيضاً، ويضيف القنصل أن رؤساء الأديرة التابعين لفرنسا جاؤوا يعرضون أنهم لا يستطيعون إكمال القداس بدون خمر، وأنه استطاع أخيراً الحصول على أمر من الوالي سليمان باشا أجبر بربر على التراجع، ويختم القنصل رسالته بعبارة يقول فيها إنه من المعروف أن بربر ضد الامتيازات. أما الرواية الثانية فهي للأب اغناطيوس الخوري، مؤلف كتاب عن مصطفى بربر، وفيها أن القناصل والرهبان حصلوا على فرمان سلطاني يجيز لهم استيراد الخمور، لكن بربر خرج على الأوامر ومنعهم، فاستغاث القناصل واتفقوا على إيفاد ممثل عنهم إلى السلطان، الذي أصدر فرماناً ثانياً بتاريخ 11 جمادى الأولى عام 1225 هـ (1811م) أمر فيه قاضي طرابلس الشرعي بإبلاغ بربر ليكف عن معارضة الإفرنج ويرجع لهم ما ضبطه من الخمور.

يخضع المؤلف هاتين الروايتين لنقد منهجي دقيق، فيلاحظ في الشكل أن رواية الأب اغناطيوس تجعل حل المشكلة بفرمان سلطاني ثانٍ، بينما رواية القنصل تحدد المعالجة على مستوى أمر من الوالي، وأن رواية الأب اغناطيوس تأخذ منحى دراماتيكياً فيه استغاثة القناصل وملوكهم وإيفاد ممثل عنهم إلى السلطان، في حين أن رواية القنصل لا تخرج عن الإطار الشخصي بينه وبين الوالي، كما يلاحظ أن رواية الأب اغناطيوس تقول إن بربر ضبط الخمور واحتفظ بها، بينما رواية القنصل تفصح عن إتلافها وتحطيم الخوابي، وأن القنصل يركز في رسالته على الاستعمالات الدينية للخمر بينما الأب اغناطيوس يتحدث عن الاستعمالات الشخصية، ويشير إلى وجود خطأ في تحويل التاريخ الهجري إلى الميلادي عند الأب اغناطيوس. أما في المضمون فينتقد المؤلف تعليق الأب اغناطيوس الذي يقرر أن بربر كان مسوقاً بدافعه الديني وأن بادرته هي عين التقوى، بينما يسخر القنصل الفرنسي من تدين بربر، ويشير إلى أن الحديث النبوي الذي استشهد به بربر "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" هو ما نقله القنصل الفرنسي ترجمة سيئة، ويستشهد المؤلف بتقرير للخبير الفرنسي أوغست أندريه يصف فيه بربر بأنه مسلم حقيقي أو هكذا يريد أن يظهر نفسه.

بعد هذا النقد، يحاول المؤلف الإجابة عن السؤال المركزي حول صحة اتهام القنصل الفرنسي لبربر بمعاداة الامتيازات، فيقدم معطيين مهمين: الأول أن عدد سكان مدينة طرابلس عام 1811 كان حوالي أربعة عشر ألفاً ومائتي نسمة، منهم ألفان وسبعمائة من الروم ومائتان من الموارنة، أي أن عدد المسيحيين الذين يبرر بهم القنصل إصراره على إدخال الخمور كان أقل من ثلاثة آلاف نسمة؛ والثاني أن الاتفاقيات الموقعة بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية كانت تنص على عبارات مثل "إلا ما كان بيعه محرماً" و"السلع غير المحرمة"، دون أن تشير صراحة إلى موضوع الخمور، باستثناء المادة الأربعين من المعاهدة الموقعة عام 1740 بين السلطان محمود الأول ولويس الخامس عشر، التي سمحت لقناصل فرنسا ومن يتبعهم بصنع الخمر في بيوتهم واستجلاب مؤونتهم الخاصة. ويرى المؤلف أن تحصن القنصل بهذا النص لا يقيم دليلاً كافياً لاتهامه بربر بمعاداة الامتيازات، لأن هذه الامتيازات لا تقتصر على موضوع الخمور فقط، ولأن القنصل لم يذكر أي سبب آخر يدعم اتهامه.

يقدم المؤلف أربعة أسباب للرد على اتهام القنصل لبربر: أولاً، إن القنصل لم يدعم اتهامه بوقائع وأسانيد ملموسة؛ وثانياً، إن مراسلات القناصل والوثائق المحلية لا تظهر أي موقف معادٍ للامتيازات من قبل بربر، بل على العكس، فقد ورد في تقرير سابق للسيد ألفونس غيز عن اتخاذ بربر تدابير معتبرة لصالح الفرنسيين؛ وثالثاً، إن القول المطلق بأن بربر ضد الامتيازات هو قول مشكوك فيه، فبربر لم يكن في موقع يسمح له بتقرير موقف من هذا القبيل، وكان عليه تنفيذ أوامر الوالي الذي يلتزم بسياسة الدولة العثمانية العامة؛ ورابعاً، إن مستوى ضعف الدولة العثمانية كان يعني قدرة متزايدة للدول الأوروبية على الضغط، فلم يعد في قدرة رجال الإدارة العثمانية الوقوف في وجه القوى الأوروبية.

يخلص المؤلف إلى أن حقيقة موقف بربر تكمن في أنه كان يدرك أن الخمر يشكل ضرورة لإتمام صلاة المسيحيين في المدينة، وأن إدخاله مسموح به لهذا السبب وفق الأعراف المتبعة، لكنه في المقابل كان يعلم أن الاتجار بالخمر وإدخاله بكميات كبيرة مخالف لنصوص الاتفاقيات وروحها، لذلك تشدد في منع الاستيراد حتى لا ينتقل الاستهلاك إلى مسلمي المدينة، ويشير المؤلف إلى أن القنصل الفرنسي كان ينطلق من نظرة استعمارية متعالية، ويسعى إلى نسج علاقات مع مسلمي المدينة للوصول إلى تفكيك عرى الولاء بين الحاكم ورعاياه. وفي ختام التحليل، يرجح المؤلف صحة رواية القنصل الفرنسي على رواية الأب اغناطيوس، ويذكر عدة أسباب لذلك منها أن القنصل معاصر للحدث وشاهد عليه بينما الأب ناقل له، وأن الأب اعتمد على وثيقة واحدة يشك المؤلف بوجودها أصلاً، فبعد العودة إلى سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس لم يعثر على أثر لتلك الوثيقة، كما أن معالجة مثل هذه القضايا كانت تتم على مستوى الوالي والقنصل وليست بحاجة إلى مستوى أعلى، وأن توجيه فرمان سلطاني يتعلق بموضوع الخمر كان لا بد أن يمر عبر شيخ الإسلام الذي يدرك حساسية الموضوع، وأخيراً فإن الخطأ في تحويل التاريخ الهجري إلى الميلادي عند الأب اغناطيوس، الذي جعل عام 1225 هـ يقابل 1811م بدلاً من 1810م، يزيد الشك في صحة الرواية. ويختم المؤلف باستبعاد تكرار الحادثة عام 1814 كما يزعم بعض الباحثين، لأنه من المستبعد جداً أن تتكرر بين البطلين نفسيهما دون أن يكتب القنصل عن ذلك لوزيره.