
حديث دمشقي
هذا ملخص شامل لكتاب "حديث دمشقي" للكاتبة نجاة قصاب حسن، مركّب من ملخصات الفصول المقدمة:
يتمحور كتاب "حديث دمشقي" للكاتبة نجاة قصاب حسن حول استحضار المدينة الدمشقية في النصف الأول من القرن العشرين، من خلال رحلة وجدانية وذاكراتية تعبر أحياءها وتغوص في تفاصيل حياتها اليومية. لا يقدّم الكتاب تحليلاً تاريخياً أكاديمياً بقدر ما هو شهادة شخصية عميقة، تختلط فيها ذكريات الطفولة بالتأمل الحضاري، لترسم صورة بانورامية لمدينة كانت على وشك التحول جذرياً. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف هو قيمة هذه المدينة القديمة بتراثها المادي والاجتماعي، أمام زحف العمران الحديث الذي غير ملامحها، مع حنين واضح للماضي الذي يتسم بالعلاقات الإنسانية الحميمة والتقاليد الأصيلة، وإن كان الكاتب لا يرفض التقدم بشكل مطلق بل يتعامل معه بتناقض ظاهر. تتوزع فصول الكتاب لتغطي محاور متعددة، من الجغرافيا الطبيعية (نهر بردى)، إلى التغير العمراني (سفح قاسيون)، ثم البيت الدمشقي كمكون معماري واجتماعي، فالحياة اليومية من طعام وملبس وعادات، وصولاً إلى مؤسسات اجتماعية كالحمام العام. هذا التنوع يجعل من الكتاب سجلاً موسوعياً لحياة مدينة بأكملها، بعبقها وناسها وتفاصيلها الدقيقة.
يسير الكتاب وفق بنية مكانية وموضوعية تنتقل من العام إلى الخاص. يبدأ الفصل الثاني بالتأمل في "معجزة دمشق" المتمثلة بقدرتها على البقاء رغم تعاقب الحكام، ومنها ينتقل إلى الحكاية المحورية لنهر بردى، مسهباً في نظام توزيع مياهه وفروعه، وفي تاريخ مؤسسة مياه الفيجة وامتداد الشبكة عبر الزمن. ثم ينتقل الفصل الثالث إلى التحولات التي شهدها سفح جبل قاسيون، متتبعاً أحياءه واحداً تلو الآخر من الأعلى إلى الأسفل، ليرسم صورة التبدل الجذري في العمران والحياة. يحط الكتاب رحاله في الفصل الرابع عند حي بستان الكركه، موطن المؤلف، ليروي منه حكايات الشارع والذاكرة، ومن ثم يتوسع في الفصل الخامس لوصف البيت الدمشقي وعلاقته بالحي، فينتقل من عمارة المنزل إلى عادات القضاء واللهجات وأخلاقيات المجتمع. يخصص الكتاب فصولاً للحياة المادية، فيصف الفصل السابع تفاصيل الأثاث والملبس والإضاءة والتدفئة، ويليه الفصل الثامن في جولة وصفية شاملة في عالم الطعام الدمشقي وعادات الأكل. ويبلغ الكتاب ذروته الاجتماعية في الفصل التاسع، وهو فصل موسوعي عن العادات والتقاليد في المناسبات والأعياد، ويختتم الفصل العاشر بتخصيص وصف كامل للحمام الدمشقي كمؤسسة طقسية واجتماعية. هذا التسلسل يخلق قوساً سردياً ينزل من السماء (قاسيون) إلى الأرض (النهر) ثم إلى عمق البيت والتفاصيل اليومية، ليرسم مدينة كاملة بكل ما تحمله من طبقات.
يتضمن الكتاب ثروة من الأرقام والوقائع والشهادات التي تثري السرد وتجعله ملموساً. من بين هذه التفاصيل، نجد أن شبكة مياه الفيجة التي أُنشئت عام 1908 كانت بواسطة قساطل حديدية قطرها 70 سنتيمتراً وطولها 77 كيلومتراً، وأن توزيع المياه على البيوت اكتمل بتنفيذ مشروع بدأ العمل به نهاية عام 1932 وانتهى في 1935، بعد مناقصة جرت في أوائل عام 1931. يذكر الكاتب أن مياه نبع الفيجة وصلت إلى دمشق بعد انتشار وباء الكوليرا، وأن عبارة "فيجة" أصبحت مرادفة للماء الشروب عند الدمشقيين. من الأرقام اللافتة أيضاً، أن عدد المدارس الموقوفة في حي المدارس بلغ ثلاثمئة وستين مدرسة، وأن مساحة بيت المؤلف في بستان الكركه كانت لا تتجاوز أربعين متراً، وأن عدد سكان بيته بلغ واحداً وعشرين شخصاً عاشوا باستقرار بفضل تدبير الجدة رقية، التي عاشت تسعين عاماً. يتنقل الكاتب أيضاً بين الشهادات التاريخية، مثل قصة المصور الفرنسي جاك داكسيان الذي أسس جمعية للرفق بالحيوان، وحادثة "عصا الإمبراطور غليوم" التي زار بها دمشق عام 1898، ووصفه لمقتل الزعيم فوزي الغزي والشهبندر ضمن أشهر حوادث القتل النادرة في تلك الفترة. كما يروي تفاصيل عن خط الترامواي الذي بدأ في العشرينات وكانت خطوطه مرقمة وملونة، وعن مباريات "الجريد" في ساحة الجريد التي كانت تقام بعد ظهر كل جمعة، وعن قصة دير مران الذي نزل فيه هارون الرشيد واتخذه المأمون مقراً له. كل هذه الأرقام والحكايات تنسج معاً نسيجاً غنياً من الذاكرة، يعطي الكتاب مصداقية شاهد عيان على حقبة زمنية مضت.
يقرّ المؤلف ضمنياً بحدود ذاكرته ومعرفته في عدة مواضع، مما يضفي على الكتاب صفة الصدق والأمانة. فهو يعترف بعدم تأكده من مصدر اسم عائلته "آل القصاب حسن"، هل كان في القصب أم في اللحم، ويشير في حديثه عن الأسماء والعائلات إلى أنه يستند إلى كتاب "الصناعات الدمشقية" لجمال الدين القاسمي لا إلى دفاتر النفوس الرسمية. كما يذكر أنه استقى المعلومات الجغرافية عن بردى من دراسة للدكتور صفوح خير، ويصرح بأن حديثه عن "الزكرتية" ربما خلط بين الحقيقي والمتظاهر. في نهاية الفصل الثامن عن الطعام، يعترف بأنه أنهى معلوماته لأنه لم يملك مطعماً ولم يدره، ويشير في الفصل الرابع إلى أن حكاية الصوفة والعاقرات هي من الإرث الشعبي التي يصعب التحقق من صحتها، فينهيها بـ"والله أعلم". هذه التحفظات، إضافة إلى إشارته في الفصل التاسع إلى أن وصفه لهدايا الزفاف غير شامل لأنه لم يتتبع هذه الأمور تتبعاً مبالغاً فيه، ترسم صورة كاتب واعٍ بحدود تجربته الشخصية، وأن ما يقدمه هو شهادة من الداخل لا حكماً تاريخياً نهائياً.
يحتوي الكتاب على عدة حجج ومواقف قابلة للنقاش بوضوح، تعكس رؤية المؤلف الشخصية التي قد يختلف معها قارئ آخر. أبرزها تناقضه بين الحنين للماضي الجميل وتقبله الواعي للتقدم والعمران الحديث، فهو يرثي حال بردى الملوث بينما يأمل في مشاريع السدود والتوسعة الجديدة. كما أن إرجاع النمو العشوائي للمدينة بشكل رئيسي إلى العدوان الإسرائيلي وتدفق المهجرين يختزل عوامل معقدة في عامل واحد، وهو ما قد يعتبر تبسيطاً مبالغاً فيه. ويظهر موقف المؤلف من الترامواي رومانسياً إلى حد كبير، إذ يراه وسيلة مثالية لم تلوث الجو دون مناقشة الأسباب العملية التي أدت لتوقفه. ومن الأفكار القابلة للنقاش أيضاً، تقسيمه الصارم بين "الزكرتي" الشهم و"الأزعر" الجبان، ورؤيته أن "القسوة دخلت دمشق عام 1951"، فهي مقارنة ضمنية تعكس حنيناً للماضي قد تكون محل جدل. كما أن دعوته الضمنية إلى تبني عادات النظافة في تناول الطعام، وتعجبه ممن لا يدركونها، تعبر عن رؤية شخصية متأثرة بتربيته، وقد يختلف معه قارئ يرى أن العادات الجماعية لها جذورها الاجتماعية الخاصة. هذه المواقف، المبنية على ذاكرة حية ومشاعر جياشة، تضفي على الكتاب قيمته كوثيقة إنسانية قبل أن تكون وثيقة تاريخية محايدة.
الأشخاص
الفصول(11)
1.الفصل الثاني29–48▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب "حديث دمشقي" للكاتب نجاة قصاب حسن هو تأمل شخصي وعاطفي في مدينة دمشق، يتخذ من نهر بردى وواديها محوراً رئيسياً للحديث. يبدأ المؤلف بطرح فكرة أن معجزة دمشق ليست في جمالها الطبيعي فحسب، بل في قدرتها على "هضم" الأعداء الذين يتسلطون عليها والبقاء رغمهم، مستشهداً بقائمة طويلة من أسماء الحكام الأتراك الذين تعاقبوا على المدينة بعد العصر الأيوبي، بدءاً من الملك المظفر قطز الذي حكمها بعد هزيمة هولاكو في عين جالوت، وحتى أسماء يصعب نطقها، مؤكداً أنه رغم كل هؤلاء الحكام ظلت جذور العربية في دمشق حية وناشطة، ومنها انبعثت الحركة العربية من جديد.
بعد هذه المقدمة، ينتقل الكاتب إلى سرد حكايته الرئيسية التي يسميها "قصة الصديق القديم"، وهي قصة نهر بردى. يروي كيف شاهد ذات يوم، عند دخوله مبنى التلفزيون العربي السوري في موقع كان يسمى قديماً "صدر الباز"، صديقه القديم في هيئة عجوز قذر ورخو لا قوة فيه، ليكتشف أنه نهر بردى الذي كان في الماضي من أشهر الأنهار بعذوبته، حتى قال فيه الشاعر البحتري أبياتاً في مدحه، لكنه أصبح اليوم بسبب سوء الاستعمال وتحويله إلى مصب للنفايات وكثرة الكيماويات يقتل الزرع بدل أن يسمده.
يتحدث الكاتب بالتفصيل عن نظام مياه دمشق وتوزيعها، فيشرح كيف كان نهر بردى يتفرع إلى أنهار عدة، منها ما هو على يسار الوادي مثل ثورا وفوقه يزيد، ومنها ما هو على يمينه مثل بانياس والقنوات والمزاوي والديراني، وكان لكل منزل نصيبه من الماء عبر نظام تنظيمه "الشاوي". يصف الكاتب منبع بردى من السفح الشرقي لسلسلة جبال لبنان الشرقية، وصولاً إلى عين الفيجة التي يصفها بأنها بداية "معجزة المياه الحقيقية"، حيث تتدفق منها مياه تفوق بردى الأصلي بأضعاف، مشبهاً إياهما بأب شاب وابنه الفتى القوي الذي ينتسب إلى أبيه رغم قوته.
يتناول الكاتب تاريخ مؤسسة مياه الفيجة، معتمداً على دراسة كتبها الدكتور صفوح خير ونشرتها وزارة الثقافة والإرشاد القومي عام 1984 بعنوان "دمشق"، ويذكر أن مياه عين الفيجة كانت قد جرت إلى دمشق منذ زمن طويل، إذ وجدت آثار قناة قديمة محفورة على سطوح الجبال تعود إلى العهد الروماني أو ما قبله. ثم يروي كيف انتشر وباء الكوليرا في أواخر القرن التاسع عشر، مما دفع الحكومة في زمن الوالي التركي ناظم باشا إلى سحب مياه الفيجة إلى دمشق، وهو ما تم عام 1908 بواسطة قساطل حديدية قطر 70 سنتيمتراً وطول 77 كيلومتراً، تصب في خزاني العفيف وظبيان اللذين وزعا المياه على المدينة، وأنشئت مناهل عامة في الشوارع يستقي منها الناس مجاناً، يملؤون منها "الحق" (وعاء من الفخار) و"الزنبوعة" الأصغر منه.
يسترسل الكاتب فيذكر أنه قامت لجنة وطنية برئاسة لطفي الحفار لاستغلال هذا المرفق الحيوي، واستطاعت الحصول على امتياز إسالة مياه الفيجة إلى بيوت دمشق من المفوض السامي في أوائل عام 1931، وأجريت مناقصة لتنفيذ المشروع الذي تضمن إنشاء خزان وشلال لتوليد الكهرباء وشبكة توزيع بطول 560 كيلومتراً تقريباً، وبدأ العمل في نهاية عام 1932 وتوقف قليلاً أثناء الثورة ثم انتهى تنفيذه عام 1935. يذكر الكاتب أن المناهل العامة حلت مشكلة صحية كبيرة، إذ كانت الزنطارية وغيرها من الأمراض المستوطنة في المدينة والغوطة، بينما كان الفرنسيون والغرباء يصابون بها إصابات قاتلة بسبب أكل الخضار النيئة، ويشير إلى أن عبارة "فيجة" أصبحت تعني لأهل دمشق الماء الشروب.
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى وصف رحلات النزهة في وادي بردى، متوقفاً عند أماكن مختلفة مثل "عين الفيجة" كمقصد للناس، وقرية "بسيمة" كمصيف جميل، و"الحديدة" بمرجها الأخضر، و"دمر" التي كانت "أعجوبة الأعاجيب" قبل أن يقام فيها معمل الإسمنت فيقتل الشجر، ويذكر قصر شمعايا كمقهى ومطعم كان أسطورة جمال في بداية الثلاثينات، ثم يصف "الشاذروان" ومقهى "خود عليك" الشهير، حيث يلتقي عشرات من محبي النزهة ليصنعوا الشاي ويشربوه على مقربة من الماء، واصفاً هذه النزهات بأنها "سيران صحيح".
يتحدث الكاتب عن "دير مران" الذي كان محلة عامرة، ويروي أنه ذُكر في كتب التاريخ والأدب، إذ وصفه أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني" وابن فضل الله العمري في "مسالك الأصار" وياقوت الحموي، واختاره العباسيون مقراً لهم، ونزل فيه هارون الرشيد، وجعله المأمون مقره وأجرى إليه الماء بقناة من قرية منين، وأقيم فيه مرصد فلكي في عصر المأمون، وينقل بيتين من شعر أحد الشعراء القدامى الملقب "بالببغاء" في مدحه. ثم ينتقل إلى "الربوة" التي وصفها ابن بطوطة بأنها من أجمل مناظر الدنيا، ويحكي قصة الكتابة التي تظهر عند مدخل الربوة إلى اليسار للقادم إلى دمشق: "اذكريني دائماً" و"لا أنساك"، والتي نسجت حولها أساطير عن عاشق مجهول، ويتكتم من يعرفونه على اسمه، ويعلق الكاتب أن هذا أفضل لتبقى القضية خيالاً حلواً.
يختم الكاتب فصله بمعلومات عامة عن بردى وواديه، معتمداً على دراسة الدكتور صفوح خير، فيذكر أن كمية المياه التي يقدمها نبع الفيجة في أيام الجفاف تبلغ خمسة أمتار مكعبة في الثانية، وأن نبع بردى يعلو عن سطح البحر بألف ومئتي متر تقريباً، بينما يكون ارتفاعه عند الربوة 580 متراً تقريباً. يفصل الكاتب طريقة توزيع مياه النهر بين فروعه بواسطة سدود من أخشاب تسمى "الكباشات"، ثم يشرح مسارات الأنهار: "يزيد" الذي يأخذ ثلاثة أرباع مياه بردى ويروي الصالحية وبساتينها حتى يصل إلى القابون بطول 15 كيلومتراً، و"تورا" الأقدم والذي يعود إلى العهد الآرامي ويروي القسم الأدنى من سفح قاسيون، و"الديراني" الذي يذهب ليروي داريا، و"المزاوي" الذي يروي القسم الأدنى من المزة، و"القنوات" الذي يسير قرب جامعة دمشق ويتوزع على 41 طالعاً توزعه على البيوت والحمامات والمساجد، و"بانياس" الذي يروي بقية المدينة، وكل الفوائض تعود لتصب في بردى الذي يسمى في آخره "قليط" ويكون غاية في الوساخة وسوء الرائحة.
في نهاية الفصل، يذكر الكاتب مشروعاً ضخماً سمع به لسد على بردى قد يغمر الوادي من عين الفيجة إلى الجديدة، لكنه سيحدث بحيرة صناعية هائلة تحفظ كميات ضخمة من المياه وتنظم الري طول العام، ويأمل أن تستطيع البلاد تحقيقه لأنه سيغير مناخ دمشق إلى الأفضل وينظم منطقة سياحية عظيمة، ويدلل على أهمية الماء بأن البشر يقاتلون اليوم من أجل كل نقطة ماء. أما في ما يتعلق بالحجج القابلة للنقاش، فيمكن الإشارة إلى تناقض واضح لدى الكاتب بين حنينه الشديد للماضي وجمال دمشق القديم، وبين تقبله الواعي للتقدم والعمران الحديث، فهو وإن كان يرثي حال بردى الملوث، إلا أنه يأمل في مشاريع التوسعة والسدود الجديدة.
2.الفصل الثالث49–64▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب "حديث دمشقي" وصفاً استعجالياً لتحوّلات المدينة الدمشقية عبر خمسين عاماً، مركزاً على سفح جبل قاسيون والأحياء الممتدة عليه، ويبين بأسلوب شذري يراوح بين ذكريات الطفولة والتأمل الحضاري كيف غيّر العمران الحديث ملامح المكان الذي كان يعجّ بالبساتين والطرق الترابية. الموضوع المحوري هو التبدل الجذري في شكل دمشق وطبيعة الحياة فيها، من مدينة متنفسها البساتين والمياه إلى كتلة إسمنتية متكاثرة، مع حنين واضح إلى الماضي الذي كان يحمل سمات العلاقات الإنسانية الحميمة والتقاليد الأصيلة.
يسير الفصل وفق بنية مكانية تبدأ من أعلى نقطة في الجبل وتنزل نحو الأسفل، متتبعةً الأحياء واحداً تلو الآخر. يبدأ المؤلف بوصف "قبة السيار" التي حيّرت المؤرخين في أمرها، فيذكر أن بعضهم نسبها إلى قائد قديم اسمه نصربن سيار، بينما رأى آخرون أنها المكان الذي أقام فيه المأمون مرصده الفلكي. وينقل حديثه مع العالم الشيخ محمد أحمد دهمان الذي قال إنها كانت على الأرجح برج مراقبة للطريق المؤدي إلى لبنان. ثم ينتقل إلى "كرسي الداية"، وهو بناء مهدم في أعلى قاسيون كان يظهر من الأسفل وكأنه سرج على ظهر حصان، فسمّاه الناس تشبيهاً بكرسي القابلات، وقد اندثر اليوم. ويشير إلى أن الآلات الحديثة شقّت طريقاً عريضة بجانب قبة السيار، وفتحت شوارع في قاسيون، وأنشأت "الطريق المحلقة" التي تدور حول دمشق لتفادي مرور السيارات الكبيرة في داخلها، كما بُني "قصر الشعب" الفخم في الجبل المقابل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى "ساحة الجريد" حيث كانت تقام مباريات الفروسية الأسبوعية بعد ظهر كل يوم جمعة، فيأتي الفرسان من دمشق على خيول مزينة بأجمل السروج والمراشح، ويلبسون الثياب العربية الجميلة، ويتنافسون برمي الرماح الخشبية التي تسمى "الجريد". وكانت الساحة محاطة بأرض واسعة فيها أشجار الصبار، ويحضر المباريات خلق كثير من أهالي دمشق وخصوصاً من حي المهاجرين، إذ كانوا يأتون مبكرين حاملين طعامهم منتشرين في بساتين الربوة، ومن ألطف المشاهد كان طفل في الخامسة من عمره من عائلة "الكلاوي" المشتهرة بالفروسية يشارك في الموكب. ثم يوضح المؤلف أن هذه الساحة بدأت تخلو من فرسانها منذ الخمسينات، واليوم فُتحت فيها شوارع جديدة وبدأ بناء قصر ضخم للضيافة، وانتقلت الفروسية إلى نواد خاصة تمارسها على الطريقة الغربية القائمة على اجتياز الحواجز لا على المبارزة بالجريد.
يتناول الفصل حي المهاجرين بالتفصيل، فيذكر أنه كان أول الأحياء على سفح قاسيون مما يلي الربوة، وأنه سُمي بهذا الاسم لأن سكانه كانوا مهاجرين قدموا من بلاد مختلفة؛ سكنه أتراك وشركس وبخاريون وكريتيون وألبان، وغالبيتهم جاءوا بسبب الاضطهاد الذي وقع على الشراكس في بلادهم أيام القياصرة، أو بسبب الرغبة في السكنى بجوار دمشق التي كانوا يتبركون بها ويسمونها "الشام الشريف". وقد ترك هؤلاء طابعاً مميزاً على الحي، فنقلوا معهم طراز منازل ذات سقوف من القرميد، وكانت المنطقة المجاورة في سوق ساروجة تسمى "استانبول الصغيرة" لكثرة سكانها الاتراك ورقيّ بيوتها. ويذكر المؤلف أن أول المهاجرين وصلوا من البلقان، ثم من الرومالي، ومن كريت عام 1900، وجاء أيضاً الأرناؤوط، ومهاجرون من شمال افريقيا سكنوا حي المغاربة في السويقة، وسكن الأمير عبد القادر الجزائري وأسرته في حي العمارة، بينما تركز الأرمن في منطقة الزبلطاني شرقي القصاع، أما الأكراد فحيهم أقدم بكثير.
يتوقف الفصل عند خط الترامواي الذي كان وسيلة المواصلات الرئيسية في دمشق، فيذكر أنه بدأ العمل به في العشرينات بخطين الأول للميدان والثاني للجسر الأبيض، ثم توالت الخطوط حتى كان آخرها خط دوما عام 1947. كانت الشبكة تبدأ من ساحة الشهداء قرب سراي الحكومة، وكانت الخطوط مرقمة وملونة تمييزاً لها؛ فخط المهاجرين لافته حمراء، وخط الجسر بيضاء، والشيخ محي الدين صفراء، والميدان خضراء، والقصاع وباب توما زرقاء، وذلك ليفرّق الأميون بينها. ويأسف المؤلف لأن الترام ذهب "بلا مناقشة وبلا قرار سياسي"، رغم أنه الوسيلة الوحيدة التي لا تلوث الجو، ويستذكر طرائف الأولاد الذين كانوا يقفزون إليه وهو سائر أو يعبثون بأسلاكه، وكانت أجرته بخسة لا تتجاوز القرش والقرشين، لكن أي زيادة فيها كانت تثير المظاهرات لأن الشركة أجنبية اسمها "شركة الجر والتنوير" وهي بلجيكية فرنسية، فيُكسر زجاج الحافلات وتكون الزيادات بداية لارتفاع المد الثوري على الأجنبي.
يصف الفصل جادات حي المهاجرين بأنها كانت أربعاً أو خمساً في العشرينات، ثم بُنيت السادسة بعد ذلك بزمان، أما الآن فالبيوت تعلو عشوائياً حتى بلغت كهف "الكاف" والمكان المسمى "الأربعين". ويروي أن الإمبراطور الألماني غليوم وقف في هذا الحي حين زار دمشق عام 1898، وسويت له مصطبة ما تزال معروفة حتى اليوم باسم "مصطبة الإمبراطور". ويسرد المؤلف أنواع السكان الذين تعاقبوا على الحي، فيذكر أن أكثرهم كانوا من الموظفين الاتراك الذين بقوا في سورية بعد رحيل الحكم التركي عام 1918 وقيام الحكومة العربية الفيصلية.
يمضي الفصل في وصف الأحياء المتتالية على سفح الجبل؛ فيأتي بعد المهاجرين حي الفواخير الذي سمي كذلك لتمركز صناع الفخار فيه لقرب الغضار منهم، ويعقّب المؤلف أنه أقام في هذا الحي بين 1940 و1948 فكانت له فرصة الوقوف أمام الصناع وهم يحوّلون الطين إلى جرار وقدور، ومن هنا جاء المثل الدمشقي عن الشخص المتقلب أنه "مثل الفاخوري يركب أذن الجرة حيث يريد". ثم يأتي حي السكة، وبعده حي "المتاولة" وهم فرقة من فرق الشيعة سكنوا فيه وما يزالون، ثم حي المدارس الذي اشتهر بكثرة المدارس الموقوفة على طلبة العلم، وقد بلغ عددها ثلاثمئة وستين مدرسة فيما ذكرت بعض المصادر التي قرأها المؤلف، ويذكر أن الرسامين الزيتيين تدربوا في بداياتهم على رسم قبابها وجدرانها. ثم تصل المنطقة إلى الشركسية فالشيخ محي الدين الذي أخذ اسمه من الشيخ محيي الدين بن عربي، المفكر الإسلامي وصاحب "الفتوحات المكية"، المدفون في مقام هناك. ويروي المؤلف طرفة عن حماته التي كانت سيدة تركية، إذ صعب عليها نطق اسم الشيخ بحرف الحاء فقرنته بأرفع الألقاب التركية قائلة "الشيخ محي الدين افندي". وأمام جامع الشيخ محي الدين سوق كبير يسمى سوق الجمعة يمتلئ بالباعة كل جمعة، وكان هناك بناء يوزع فيه "شوربا" أي حساء من القمح واللحم مجاناً على الفقراء والمتبركين، وشهد المؤلف توزيعه بالسطول مرات كثيرة. وينتقل المؤلف إلى الكلام على الأوقاف في دمشق، فيذكر أن منها ما يطعم ومنها ما يسكن الناس ويعيل طلبة العلم، ويستغرب وقفين: "وقف القطاط" الذي يطعم القطط الشاردة في القيمرية، و"وقف الزبادي" الذي يعطى من ريعه ثمن ما يكسره الأولاد والخدم من أوانٍ رغم عنهم، لإنقاذهم من عقاب الآباء. ويذكر وقفاً آخر في الصالحية بُني فيه جرنان أحدهما للحبوب والآخر للحليب، يأتي الفلاحون بزكاتهم إليهما ويأخذ المحتاجون منهما، وتعرف المنطقة الآن باسم "جرن الشاويش".
يورد الفصل قصة تسمية منطقة الحنابلة، فيقول إنهم كانوا جماعة من الفلسطينيين من قرية حماعيل قرب القدس يعتنقون المذهب الحنبلي، اضطهدهم الصليبيون فهاجروا إلى دمشق يتقدمهم شيخ من آل قدامة، وسكنوا أول الأمر في "بيت ليا" شرقي دمشق المعروفة الآن بالقصاع، ثم انتقلوا إلى الجبل وسميت المنطقة بالصالحية لأنهم كانوا قوماً صالحين، وبنوا جامع الحنابلة الذي له على بابه "سقاطة" تقرعها النساء العاقرات هاتفات "يا حنبلي حبلي". ويسوق المؤلف ما تسامع به الناس من أن هؤلاء كانوا من الدجالين، إذ كانوا يعطون النساء صوفة بزعم أنها مقروء عليها، وقد أورد أحد أساتذة كلية الطب هذه الحادثة ضاحكاً باعتبارها من أول تجارب التلقيح الاصطناعي. ثم يمر على حي الأكراد الذي سمي كذلك لأن أكثرية سكانه من الأكراد المستوطنين منذ مئات السنين، وتتميز بيوتهم القديمة بساحات واسعة. ويشير إلى مكانين حولتهما الأساطير: "الأربعين" و"الكاف" الذي كانوا يقصدونه متسلقين الجبل بصعوبة، واعتقد المؤلف أن البيوت احتاطته الآن. ويذكر "الكونة" وهي معارك تدور بين أبناء الأحياء المتجاورة بالمقاليع والمداحات لأسباب تافهة، فالمقلاع حبل من الصوف يرمي الحجر بسرعة مؤذية جداً، أما المداحة فأصغر منه وكان الصغار يحيكونها بخيطان لصيد العصافير.
ينتقل الفصل إلى التذكير بأن دمشق القديمة كانت ضمن سورها، وحولها قرى مثل الربوة والنيرب وديرمران، ومنها "مقرى" بين يزيد وتورا أسفل حي الأكراد قرب طاحونة الأشنان، و"بيت طيا" حيث يوجد اليوم حي القصاع، و"أرزة" التي تسمى اليوم حي الشهداء، و"الميطور" أسفل حي الأكراد ولا يزال بستان يحمل هذا الاسم. أما اليوم فقد تراجعت البساتين أمام كتل الإسمنت، فحلّت محل البساتين من الجنوب أحياء الروضة وأبو رمانة والمالكي والجاحظ، ومن الشمال أحياء المزرعة وركن الدين والميسات، حتى اتصل العمران بقرية برزة والقابون اللتين صارتا حيين من أحياء دمشق. ويؤكد المؤلف أن خمسين عاماً قلبت صورة المدينة قلباً كبيراً، فامتد العمران من سوق ساروجة إلى مكان كان يسمى "قفا الدور"، وشمل الميدان والشاغور والقنوات والطبالة والدويلعة والمنطقة الصناعية والمخيمات، حتى صارت المدينة وقراها المحيطة من قدسيا غرباً حتى جرمانا وجوبر وعربين وزملكا شرقاً كتلة إسمنتية واحدة.
يُقرّ المؤلف بأن المدينة ربحت من جهة وخسرت من جهة، ويعزو هذا النمو غير العادي إلى عوامل عدة منها تكاثر السكان، وزحف القرية على المدينة، والقرب من الجبهة، والعدوان الإسرائيلي المتكرر الذي قذف بمئات الألوف من الفلسطينيين وأبناء الجولان إلى المدينة، ويقول بصفته دمشقياً قديماً: "أهلاً بهم"، لكنه يدعو على الأعداء الذين سببوا هذا النمو غير المنظم. ويلاحظ أن هذا التبدل أثر في المناخ أيضاً، ففقدت المدينة طراوتها القديمة الآتية من البساتين والمياه، وجفت أكثر الأنهار أو تحولت إلى مجار للمياه المالحة، وصارت دمشق مدينة جفاف، وقلت الأشجار في شوارعها حتى كادت تنعدم، وما يقطع منها لا يزرع مكانه. كما خرج السكان الأصليون من أحيائهم وصاروا في أحياء مختلطة لا يكاد الجار يعرف جاره، مما أفقد العلاقات الإنسانية صفتها الحميمة وألقى كاهل الإدارة على الموظفين الذين لا تربطهم صلات مباشرة بالناس.
الفصل كله شهادة شخصية عن تحول المدينة، وهو يحمل في طياته حججاً قابلة للنقاش، منها أن نمو دمشق العشوائي سببه الرئيسي العدوان الإسرائيلي وتدفق المهجرين، وهي دعوى تختزل عوامل معقدة في عامل واحد، كما أن موقف المؤلف من الترامواي رومانسي إلى حد كبير إذ يراه وسيلة مثالية لم تلوث الجو، ولم يناقش أسباب توقفها العملية. ومن الطريف أن المؤلف يروي قصة النساء العاقرات و"الصوفة" بوصفها من أول تجارب التلقيح الاصطناعي، وينهيها بـ"والله أعلم"، وهي حكاية من الإرث الشعبي يصعب التحقق من صحتها. كما أن الفصل بأسلوبه الحواري القريب من الكلام الشفاهي غالباً ما يقفز من موضوع إلى آخر دون ترابط محكم، مما يجعل القارئ ينتقل معه بين الذكريات والمعلومات التاريخية دون خيط سردي واضح، لكن ذلك لا يضعف قوة الحنين إلى المدينة القديمة التي يصورها المؤلف بعين شاعر يودع مكاناً لم يعد موجوداً.
3.الفصل الرابع65–82▼ ملخص
يقع الفصل الرابع من مذكرات نجاة قصاب حسن في إطار السرد المكاني لمدينة دمشق، حيث يتخذ من حي بستان الكركه، مسقط رأسه، نقطة انطلاق لرسم صورة بانورامية عن الحياة الدمشقية في النصف الأول من القرن العشرين. الموضوع المحوري هنا هو استحضار المدينة القديمة بعمرانها وذاكرتها وسكانها، وذلك من خلال تتبع التحولات التي طرأت عليها، مما يجعل الفصل شهادة حية على التغيير الحضري والاجتماعي.
يسير الفصل بطريقة الحكواتي الذي تتنقل به الذاكرة من مكان إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى. يبدأ المؤلف محاولاً تفسير تسمية الحي الغريبة، فيذكر أنها قد تعود لطائر الكركي أو لآلة التقطير التي تحمل الاسم نفسه، ويحدد موقع البستان الذي كان يمتد من سوق ساروجة غرباً حتى شارع العابد، ويجاور عين الكرش والسبع بحرات. ثم ينتقل بسلاسة إلى وصف بيته القديم، ذلك الحوش الصغير الذي تبلغ مساحته أربعين متراً، بغرفه المتنوعة: المربع، والمشرقة، والفرنكة، مقدماً بذلك نموذجاً للعمارة الدمشقية الأصيلة التي كانت قريبة من الطبيعة والبساتين.
يتحول السرد بعدها إلى وصف شارع بوابة الصالحية كما كان، ليبرز التباين الصارخ بين الماضي والحاضر. يصف المؤلف الأبنية التي كانت قائمة، مثل المستشفى العسكري الفرنسي، ونادي ضباط الحامية الفرنسية، والمجلس النيابي الذي بني في الثلاثينات وأضيف إليه ملحقه بعد عدوان عام 1948. ويلفت الانتباه إلى وجود مطاعم وصالات سينما فرنسية، مثل مطعم الشانوار، وسينما الأمبير التي أصبحت لاحقاً فريال ثم القاهرة. في هذا السياق، يروي المؤلف حكاية المصور الفرنسي جاك داكسيان، الذي عرفه طفلاً، والذي جمع بين حبه للموسيقا الكلاسيكية وبين تأسيسه لجمعية الرفق بالحيوان، وهو ما أوقع المتعيشين (أصحاب الدواب) في مشاكل، مستشهداً بحادثة طريفة نشرتها مجلة المضحك المبكي عام 1949 عن سيدة فرنسية تضرب إنساناً شفقة على حيوانه.
يحتل الأطباء القدامى مساحة مهمة في الفصل، فيستعرض المؤلف نماذج منهم كما يتذكرهم الناس، مثل الدكتور عبد القادر زهرا والدكتور مصطفى شوقي والدكتور إبراهيم الساطي، الذي يروي عنه نادرة طريفة تتعلق بوزنه الزائد الذي بلغ أكثر من 110 كيلوغرامات، وكيف أراحه القاضي من مخالفة مرورية بعد أن أضحكه. ولا ينسى الدكتور هماياق قره كوزيان، الطبيب البشوش الذي رعى طفولته، ويمر على حكاية طبيب آخر يدعى الزلطة، الذي كان يعالج الجميع بشراب الخروع حتى أصبحت قصته مع الرجل الذي أضاع حماره مثلاً يُضرب، ليكتشف الأخير حماره بعد أن سار في الطريق تابعاً "الخريطة" التي رسمتها آثار الشراب. يدافع المؤلف هنا عن صراحته في سرد هذه القصة، مستشهداً بصراحة الأدب العربي القديم وروايات مثل لمن تقرع الأجراس لهمنغواي، مؤكداً أن تصويره للحياة يتطلب هذا المستوى من الصدق.
يمر المؤلف على ذكرى قاسية محفورة في ذاكرته، وهي تذكره لجنود السنغاليين الذين كانوا يحرسون دار المندوبية الفرنسية، ويصف حادثة طفولته حين قذفه أحدهم إلى منتصف الطريق لسيره على الرصيف، وحادثة أخرى حين أصابه كرباج جندي في جبينه خلال مظاهرة في سوق ساروجة، بينما كان والده يضغط على يده بدموع العجز. هذه الذكريات المؤلمة تتعارض مع وصفه الآخر لهم كجنود بسطاء وطيبين في سريرتهم، كانوا يطعمون الأطفال الشوكولاته، لكنهم كانوا منفذين أعمى للأوامر حتى لو كانت تعني إطلاق النار على أبناء دمشق.
يتحول السرد مجدداً إلى وصف الشارع الذي كان يعرف بـشارع بغداد، ويذكر أنه سمي لفترة شارع 9 أيار تيمناً باليوم الذي قصفت فيه فرنسا دمشق عام 1945، ثم شارع بور سعيد منذ 1965. يصف المقاهي والمتنزهات التي كانت تصطف على جانبيه، مثل اللونابارك الذي أصبح الرشيد، ومقهى فاروق الذي بني فيه سينما الأمبير، ومقهى التوتة، ومقهى الزهور، ومقهى ديب الشيخ، ونادي بردى. يقارن ذلك بحالة دمشق الحالية التي فقدت الكثير من حدائقها ومقاهيها، مثنياً على جهود المهندس أنور كامل الذي أعاد لدمشق بعض رونقها باقتراحه وتنفيذه نوافير المياه في ساحاتها، بدعم من محافظها الدكتور ياسين الأسطة. يستطرد المؤلف في سيرة أنور كامل، الذي كان زوج أخته نجوى، متحدثاً عن طبيعته الساخرة وذكائه وبراعته في الهندسة المائية، وعن دوره الكبير خلال حرب تشرين 1973، وعن وفاته بالسرطان الذي لم تنقذه منه رحلة علاجه إلى باريس، واصفاً جنازته التي شهدت بكاءً نابعاً من قلوب محبيه.
في نهاية الفصل، يتناول المؤلف معالم أخرى كانت في محيط الحي، فيروي قصة السبع بحرات التي كان يوجد فيها نصب تذكاري لكابتن فرنسي قتل في حربه ضد الوطنيين، مؤكداً رفضه الحفاظ على اسمه، ويمر بازدراء على أسماء الجنرالات الفرنسيين الذين قصفوا دمشق أو احتلوها في تواريخ مختلفة. يصف أيضاً الثكنة الفرنسية التي كانت في موقع المصرف المركزي اليوم. ثم يحلل الظاهرة العمرانية المتناقضة، وهي تشجير جبل قاسيون مقابل قطع الأشجار في الغوطة، مناقلاً عبارة ساخرة لأحد الأرمنيين حول هذا التناقض. ويختتم بالحديث عن الدكوك، وهي الجدران الطينية السميكة التي كانت تفصل بين بساتين الغوطة والتي شكلت حماية للمقاتلين خلال الثورة السورية ضد الفرنسيين، وكيف عملت السلطات الاستعمارية على إزالتها بعد انتهاء الثورة، مؤكداً أن هذه البساتين والأزقة المتعرجة كانت محرمة على الجنود الفرنسيين، لا سيما في الليل.
بهذا، يقدم الفصل شهادة سردية ثرية عن دمشق بعمرانها وذاكرتها وتناقضاتها، ممتزجة بحكاياتها الكبرى والصغرى، في صورة تحمل الحنين والألم والفخر في آن واحد.
4.الفصل الخامس83–112▼ ملخص
يُركّز الفصل الخامس من كتاب "حديث دمشقي" على وصف الحياة الاجتماعية والثقافية في أحياء دمشق القديمة خلال فترة زمنية تمتد تقريباً من العشرينات حتى الأربعينات من القرن العشرين، من وجهة نظر المؤلف ومذكراته الشخصية. الموضوع المحوري هو أن الحي الدمشقي القديم لم يكن مجرد تجمع سكني، بل كان وحدة اجتماعية متماسكة وشبه مغلقة، لها طابعها الخاص وعاداتها وقوانينها غير المكتوبة التي تنظم حياة سكانها بكل تفاصيلها.
يسير الفصل عبر سلسلة من المشاهد والاستطرادات التي ترسم صورة بانورامية لهذه الحياة. يبدأ المؤلف بوصف الأحياء القديمة على أنها كانت شبه مغلقة على أهلها، حيث يعرف الجميع بعضهم البعض، وكانت "الدخلات" وهي طرقات صغيرة لا منفذ لها تُغلق بأبواب خشبية ضخمة تعرف باسم "باب خوخة"، لأسباب أمنية قديمة، وما يزال بعضها موجوداً حتى اليوم مثل "دخلة المفتي". ثم ينتقل إلى تفسير ظاهرة تعرّج الأزقة وضيقها، وهي صفة لافتة رغم البراعة الهندسية لأهل دمشق، ويوضح أن ذلك كان مقصوداً لسببين رئيسيين: أمني، حيث يصعب على المهاجم رؤية الطريق ومن يكمن له في المنعطفات، واجتماعي، حيث يسمح التعرج للنساء بالتنقل بين البيوت دون أن يراهن أحد، وقد كان من عادة السائر في الزقاق أن يعلن عن قدومه بقول "يا الله يا ستار" لتحس به ساكنات البيوت فيغلقن الأبواب. ويتناول الفصل أيضاً ظاهرة "تعانق البيوت" من الأعلى عبر شرفات متلاصقة تعرف بـ"السيباط"، التي سهلت أعمال الثوار في الثورة السورية أيام الفرنسيين، حيث كانت السطوح المتلاصقة تسمح بإخفاء المطلوبين.
يخصص المؤلف جزءاً من الفصل للحديث عن هواية "كشّ الحمام" التي أولع بها أهل دمشق كباراً وصغاراً، ويشرح تفاصيلها الدقيقة مثل "الحضير" بيت الطيور، و"السقلب" وهو فخ يقلب على الطير الغريب، و"الكشاشة" العصا التي تشير بها المجموعة، ودفع "الفكاك" مقابل إعادة الطير المغتصب. ويشير إلى أن هذه الهواية كانت تُفقد صاحبها الأهلية للشهادة قديماً لشبهة التلصص على النساء، رغم أن أحدهم اعترض في المحكمة على شاهد قائلاً إنه كشاش حمام، ليرد أحد القضاة همساً: "ماذا لو علم أن قضاته كلهم يكشون؟"، وهو ما يشير إلى أن الهواية أخذت بعض الاحترام أخيراً.
ينتقل المؤلف بعدها إلى وصف الطابع الخاص لكل حي، فلكل حي لهجته وطباعه المميزة؛ فـ"الشاغور" لهم لهجة يفخمون فيها الرقيق، و"القيمرية" يسمونها "الهند الصغيرة"، وأهل "الصالحية" ينسب إليهم الكلام الرخو، وحي "المغاربة" يحتفظ بلهجته الحادة ونزقه التي تخيلك أنك في شوارع فاس ومكناس، بينما كان الحديث بالتركية في "المهاجرين" أكثر من العربية، وللأكراد طباع تمتاز بخفة الدم والبساطة المحببة، وكان الأرمن يخطئون في المذكر والمؤنث بسبب طبيعة لغتهم التركية التي لا تميز بينهما. ويربط المؤلف بين الأحياء والمهن، فظهرت ظاهرة تكتل أبناء القرية الواحدة في مهنة معينة؛ فالخبازون أكثرهم من معلولا، وسائقو سيارات الشحن من صيدنايا، والنحاتون من التل ومنين، والصاغة والنقاشون من اليهود أو المسيحيين، وتجارة الحبوب في الميدان، والتجارة العامة في القيمرية.
يتحدث الفصل أيضاً عن التنظيم الحرفي للعائلات الدمشقية، حيث تتركز المهن في العائلات وتحمل اسمها، فلا يشترط أن يكون حاملو الاسم الواحد من الأقارب بل تجمعهم المهنة، ويسرد المؤلف قائمة طويلة من أسماء العائلات المشتقة من المهن مثل الحفار والقباني والقصاب، وغيرها من الأسماء المستمدة من الانتساب إلى بلد معين مثل الحلبي والحموي، أو من اسم الجد كالأحمد والعلي. ويتناول تخصص الأسواق في دمشق في العشرينات، فهناك سوق الحدادين وسوق النحاسين والسروجية والمناخلية وسوق الصوف والقطن والبزورية والعطارين والخياطين، وصولاً إلى أسواق بأسماء مختلفة مثل سوق الأروام للسجاد والحميدية للثياب والمسكية للوراقين ومدحت باشا للعباءات.
يعرض المؤلف بالتفصيل أبرز أسماء الأحياء داخل السور مثل العمارة الجوانية وباب السلام والقيمرية والشاغور وسيدي عامود، وخارجه مثل الميدان وباب السريجة والقنوات وسوق ساروجة والعقيبة والقصاع والأكراد والصالحية والمهاجرين. ويذكر أن المدينة قسمت قديماً إلى ثمانية أحياء رئيسية هي الميدان وباب السريجة والقنوات ومأذنة الشحم وحي اليهود والقصاع والعمارة وسوق ساروجة، ثم أضيف إليها ثمن تاسع هو الصالحية، وكان لكل حي مختار وإمام وهيئة اختيارية. ويلفت النظر إلى أن البيوت الكبيرة داخل سور دمشق كانت قليلة جداً وأن معظم البيوت كانت صغيرة ومتلاصقة مما أعطى دمشق القديمة طابعها المتميز.
يخصص المؤلف قسماً مهماً من الفصل للحديث عن القضاء والمحاكم في تلك الأيام، ويشرح أن "مجلة الأحكام العدلية" التي وضعت أيام الأتراك كانت هي المطبقة حتى عام [يحتاج تحققاً]، وقد درسها في معهد الحقوق حيث تخرج عام [يحتاج تحققاً]. ويذكر أن المجلة تبدأ بمبادئ عامة مقننة في مئة مادة تتضمن القواعد الكلية في الشريعة مثل "الأمور بمقاصدها" و"اليقين لا يزول بالشك"، وكان من قواعد الإثبات أن الشاهد يجب أن يقول "أشهد" بالفصحى وإلا لا تقبل شهادته، ويجب أن يكون "عدلاً" أي أن تكون حسناته غالبة على سيئاته، ولذلك لم تكن تقبل شهادة كشاش الحمام أو من اعتاد حالاً تخل بالناموس، وكانت المحاكم تقضي وقتاً طويلاً في سماع من يزكون الشهود. ويحكي المؤلف قصة طريفة عن رجل يدعى "أبو سمو" عزفت عنه طنبورته ووجدها معلقة في أحد الدكاكين، فلما طلب منه القاضي إحضار شهود، أحضر سكراناً وحشاشاً، فلما استغرب القاضي من شهوده، أجابه: "ومن تريد أن يشهد على طنبورتي؟ الشيخ بدر الدين؟!" في إشارة إلى أن من يطالب بشهادة شهود عدول في قضية تافهة كالطنبورة كان عليه أن يأتي بأحد كبار المحدثين.
يتناول الفصل أيضاً ظاهرة "التعاضد في الحي"، حيث كان الجار يبحث عن أحوال جاره، وكانت الأفراح والأتراح تتم بالتكاتف، ويضرب مثلاً على ذلك بما حصل عندما حج أبوه لأول مرة في أول الثلاثينات، فقد وجدوا في انتظارهما كيس أرز (١٠٠ كيلو) وكيس برغل وتنكة سمن عربي وخروفاً، فأولموا أسبوعاً لكل الأقرباء والضيوف على حساب هذه الهدايا، ورد أبوه هذا الجميل في رمضان والمناسبات المماثلة، مؤكداً أن هذه العادة اندثرت في الأحياء الحديثة حيث لم يعد الجار يعرف جاره. ويصف المؤلف الاحتفالات الدينية التي كان الحي يشكل فيها وحدة، وعلى رأسها المولد النبوي وبعده عيدا الفطر والأضحى، حيث تزين المصلبة بالسجاد العجمي الفاخر وأغصان الحور، وتقام مبارزات السيف والترس ولعبة "الحكم"، ويذكر بفخر أن أباه كان من أرشق لاعبي السيف والترس في حيهم بسوق ساروجة.
أخيراً، يميز المؤلف بين "الزكرتي" الشهم المعدل الرايق القبضاي الجومرد ابن الحلال الذي يمد رجله ولا يمد يده، ويجير من يستجير وينتصر للضعيف ويأكل الحلال ولا يرضى سواه، وبين "الأزعر" الذي يتبوجق ويتراذل. ويذكر أن القتل كان من الصفات النادرة في دمشق، حيث كان قتل الرجل حراماً وكان القاتل جباناً بالاجماع، وكان الناس يقولون إنه "لا تقتل إلا ضربة الجبان"، وتحديداً في الثلاثينات حين كان عدد سكان دمشق [يحتاج تحققاً] نسمة، لم يكونوا يسمعون عن قتيل إلا مرة في السنة، فقد كان يعرف كل من قتل في مدى عشر سنوات من الثلاثينات إلى الأربعينات بالاسم، ولم يكن هناك أكثر من واحد أو اثنين في السنة. ويشير إلى أن أشهر حوادث القتل في تلك الفترة كانت مقتل الزعيم الوطني فوزي الغزي ومقتل صاحب مطبعة قوزما ومقتل القاضي عادل علواني ومقتل الشهبندر، ثم يذكر بشكل مؤثر قضية رجل من قرية قريبة من دمشق ذبح ابنته البلهاء بعد أن غرر بها رجل في القرية، معتبراً أن القاتل الحقيقي هو المدرسة التي تعلم منها شعراً يمجّد الدم، والقانون الذي يعطي أمثاله براءة ذمة كاملة.
يقر المؤلف ضمنياً بحدود ذاكرته أو معرفته في بعض المواضع، مثل عدم تأكده من مصدر اسم عائلته "آل القصاب حسن"، هل كان في القصب أم في اللحم، ويشير إلى أنه يستند في معلوماته عن أسماء عائلات دمشق إلى كتاب "الصناعات الدمشقية" لجمال الدين القاسمي لا من دفاتر النفوس الرسمية، كما يعترف بأن حديثه عن الزكرتية ربما خلط بين الحقيقي والمتظاهر في كتاب أحد المؤلفين. ويوجد في الفصل حجة قابلة للنقاش تتمثل في رؤية المؤلف أن "القسوة دخلت دمشق في عام ١٩٥١ [يحتاج تحققاً]" وهي مقارنة ضمنية بين الماضي الذي يتصف بالشجاعة والمروءة والحاضر الذي يعتبره أكثر قسوة، وهي رؤية شخصية تعكس حنيناً للماضي وقد تكون محل نقاش، كما أن تقسيمه الصارم بين "الزكرتي" الشهم و"الأزعر" الجبان على الرغم من وضوحه في النص، إلا أنه يعتمد على مدونة شرف اجتماعية قد لا تكون بهذا الوضوح في الواقع، وهو ما قد يجعله عرضة للنقاش.
5.الفصل السادس113–126▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول البيت الدمشقي التقليدي، ويقدم المؤلف وصفاً تفصيلياً له من الخارج والداخل، ويسلط الضوء على هندسته المعمارية ومواده ومواصفاته التي تجعله ملائماً للمناخ وللظروف الاجتماعية والاقتصادية في دمشق. يُظهر المؤلف كيف أن البيت الدمشقي، على عكس مظهره الخارجي البسيط والخالي من الزينة، يخفي في داخله جنة غناء تعكس ذوق أهله وقدرتهم على التكيف مع ضيق المساحة ضمن سور المدينة.
يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بالحديث عن التضامن بين أحياء دمشق، وكيف فتحت الأحياء أبوابها لأهل الميدان عندما تعرضت للقصف أيام الثورة السورية، مستشهداً بذلك كمثال على كرم أهل المدينة. ثم ينتقل لوصف مظهر البيت من الخارج، مؤكداً على بساطته وجدرانه المطلية بالكلس وشبابيكه الخشبية المغطاة بـ(الخص) التي تسمح لمن بداخلها برؤية الناس دون أن يُرى. بعدها يدخل بالقارئ إلى داخل الدار، حيث الفسحة المعبدة بالحجارة الملونة أو الرخام، ويعدد الأشجار والنباتات التي تزينها، مثل: البرتقال والنارنج والكباد والليمون والياسمين والورد الدمشقي الشهير عالمياً باسم (روزا دامسينا).
يخصص المؤلف فقرات لشرح الأسباب الكامنة وراء هذا التناقض الصارخ بين البساطة الخارجية والثراء الداخلي، فيذكر سببين رئيسيين: الأول ديني يتعلق بالحفاظ على خصوصية النساء واعتبار الدار (حريم) محصناً بجدرانه العالية، والثاني، وهو ما قرأه عند محمد كرد علي، يتمثل في رغبة الدمشقي في إخفاء نعمته عن أعين الحكام الجائرين خوفاً من النهب والبطش. ثم ينتقل إلى تفاصيل هندسة البيت ومواد بنائه، موضحاً أن البيت كان يُبنى غالباً من الخشب واللبن، وأن النجار العربي كان يؤدي دور المهندس المعماري في ذلك الحين. ويشرح كيفية بناء الهيكل الخشبي وتقوية الجدران، واصفاً الأرضيات التي كانت تصنع من (العدسة)، وهي مزيج من الكلس وقشر القنب، قبل اختراع البلاط.
يستعرض الفصل بعد ذلك مكونات البيت الدمشقي الداخلية بالتفصيل، مبتدئاً بالقبو المخصص لتخزين المؤونة، حيث كان الدمشقيون يشترون حاجاتهم في موسمها ويجففونها ويحفظونها لاستخدامها على مدار العام. ثم يصف (الليوان) وهو الجزء المكشوف على الديار، و(القاعة) التي تنقسم إلى قسمين: (التُّبة) المنخفضة و(الطرز) المرتفع المفروش بالمقاعد والمساند. يتابع المؤلف وصفه للطابق العلوي حيث تقع (الفَرنَكة) و(المشرقة) وهي فسحة علوية مكشوفة تطل على الديار، وصولاً إلى (الطيارة) وهي أعلى غرفة في البيت. ويشير إلى أن البيت الشامي كان موجهاً نحو القبلة ليدخل الشمس شتاءً ويبتعد عنها صيفاً، وأن نظام المياه العجيب في دمشق كان يضمن وصول الماء إلى كل منازلها بالانسياب الحر، مما يجعلها باردة صيفاً ودافئة شتاءً.
يختتم الفصل بالحديث عن الحيوانات المنزلية التي كانت تعيش في البيت الدمشقي، فكانت القطط تربى لتحمي المنزل من الفئران، بينما كان يُحجم عن تربية الكلاب لأسباب دينية. كما يذكر حرص البعض على تربية الحمام والعصافير ذات الأصوات الجميلة كالشحرور والكنار، وحتى تربية السلاحف، وقد يربي البعض خروفاً أو جَدياً لفترة قصيرة قبل ذبحه، وهي الحادثة التي يرويها المؤلف عن نفسه حيث أصابته بالحزن الشديد في صغره. كما يتخلل الفصل نصوصاً شعرية باللغة العامية (زجل) تُعبر عن جمال البيت الدمشقي وساكناته، ويشير المؤلف إلى تحفظه على إعطاء هذا الزجل للملحنين خوفاً من أن يفقد طابعه الدمشقي الأصيل.
6.الفصل السابع127–142▼ ملخص
كان الفصل السابع من كتاب «حديث دمشقي» لنجاة قصاب حسن مخصصاً لوصف حياة البيت الشعبي الدمشقي في العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن الماضي، حيث يقدم المؤلف صورة تفصيلية عن بساطة الحياة وتواضعها في تلك الفترة، قبل أن يتوسع المجتمع الاستهلاكي فيما بعد. الموضوع المحوري هو استعادة تفاصيل الحياة اليومية المادية من أثاث وملابس وطعام وإضاءة وتدفئة، وكيف كانت هذه التفاصيل تعكس بنية المجتمع وطبقاته وعاداته. يبين المؤلف أن حاجات الناس حينها كانت محدودة، وأن البيوت الشعبية كانت تعتمد في فرشها على البسط الصوفية والفرش القطنية، مع وجود خزائن بسيطة ذات بابين، أما الميسورون فكانت خزائنهم مطعمة بالصدف أو بخشب محفور زخرفياً يسمى «الحاردينيير». ويذكر أن في بيتهم خزانة «بيرو» مطعمة بزخارف من العظام، مشتق اسمها من كلمة فرنسية. وكان فراش النوم يمد على الأرض ليلاً ويطوى صباحاً ويوضع في فجوة بالحائط تسمى «يوك»، وكانت العروس تخرج معها فراشاً من سبعة أرطال جز صوف، والرطل كيلوان ونصف، وهو متاع لا يعتق بل يغسل ويجفف ويحتفظ بقيمته، ويحتاج بين فترة وأخرى إلى يد «المنجد» لينفشه، بينما القطن يحتاج إلى المنجد كل سنة أو بضع سنوات ليدفعه بالندفة، وهي قوس طويل من الخيزران له وتر من الشعر يضرب عليه بمدقة خشب فيطير القطن هشاً. وفي معظم البيوت لم تكن هناك مناضد، وإن وجدت فكانت صغيرة تسمى «اسكمله» من أصل تركي، وإن كبرت سميت «طبلية» وكانت علامة تميز ورفاه، فالأصل أن تمد السفرة على الأرض فوق قطعة قماش أو مشمع، ويأكل أهل البيت من إناء واحد تغمييساً بالخبز أو بالملاعق الممتدة إلى القصعة المشتركة، ويشرب الجميع من طاسة نحاس واحدة، أما الشاي فلكل واحد كأسه. وكانت الشوكة دخيلاً متأخراً جداً على آنية الطعام، ونادراً ما كان البيت يحوي كراسي أو مقاعد.
ويشير المؤلف إلى أن بيتهم كان أفضل حالاً نسبياً من غيره بفضل تأثير عمه الضابط الذي رأى الحضارة في إستانبول وروسيا أثناء الحرب وجاء بأفكار جديدة، فصنع أبوه مقاعد كنبات ظلت في داره حتى سنوات قريبة، وكان أول طقم كنبات جديد من خشب الجوز دخل بيتهم عام 1924 ولا يزال عند أخيه الأصغر. كما أنهم تأثروا بعمهم في تناول الطعام ففرقوه إلى صحون، وصار لكل واحد صحنه وملعقته وكأسه، ووضعوا ملاعق للسكب في الآنية المشتركة، فارتقت النظافة بذلك، ويعلق المؤلف على هذا بأن وجود إنسان متطور واحد في أي عائلة يكفي لتكسب العائلة عادات حميدة، ويعجب من مثقفين لا يدركون أمور النظافة فلا يزالون يمدون ملاعقهم إلى القصعة المشتركة أو يأكلون بشوكتهم من صحن معد للجميع، بل ويعجب ممن يأخذون الثلج بأيديهم ليضعوه في كؤوس سواهم رغم وجود الملاقط الخاصة. أما الإضاءة فظلت حتى أول الثلاثينات بمصابيح زيت الكاز من نوع يسمى «لمب 7 - 4»، والفوانيس التي تحمل عند الخروج ليلاً، وكان تنظيف الكاز عملاً يومياً له رائحة مزعجة. وقد درس المؤلف كل المرحلة الابتدائية على ضوء مصباح الكاز حتى دخلت الكهرباء فكانت فتحاً وفرحة، وكان بيتهم من البيوت الأولى التي أدخلت الكهرباء. وكان للكاز استعمال آخر هو إلقاء حشرة البق فيه للتخلص منها، فقد كان البق كثيراً في دمشق ولم يخلصوا منه إلا في الخمسينات بعد انتشار مادة الـ(د.د.ت)، وكان يشكل مشكلة كبيرة للعائلات، ويصفه المؤلف بأنه كان أقسى ما أزعج طفولته بسبب أذاه ورائحته الكريهة، ويذكر أنه يذكره ليقول إن حياتهم لم تكن كلها لطيفة، خاصة أن بيوت دمشق أكثرها من الخشب ويعشش فيها البق.
أما التدفئة فكانت أول الأمر بمناقل الفحم، وكان للفحم أسماء، فالكبيرة التي لم تتفحم جيداً تسمى «عراطة»، والناعمة تسمى «دقا»، والدق ينثر على الفحم فيترمد ويطيل مدة الدفء. ولمناقل الفحم مزايا ومضار وتقاليد، فسواد الفحم مشهور، وإذا لم يحترق جيداً خارج الغرفة قبل إدخاله نشر غازاً ساماً، وكثيراً ما اختنق أناس في غرف ناموا فيها ومعهم منقل لم يشتعل كفاية، وواضح من اسمها أنها سهلة النقل، ويحتالون عند إطفائها كي لا تتلف بقية الفحم فتصلح لنار الغد، وكانت أدوات إشعالها عديدة منها المشعلة والبوري، ومن المناقل الحديدي والنحاسي والفخار الغالي الثمن الذي صار هواة التحف يقتنونه الآن. ومن مزايا المنقل اجتماع العائلة حوله يلتمسون الدفء وتحمر وجوههم، ويشوون عليه الكستناء في الشتاء، ويضعون عليه أباريق الشاي فوق «منصب» أو يحشرون ركوة القهوة التي يسمونها «دولة» في جانب المنقل فتغلي ببطء حتى تتعقد، وما أكثر ما بدأت قصص عاطفية عميقة حول المنقل، وإذا احمرت الوجوه انفعالاً لا يعرف الجالسون سرّه وينسونه إلى وهج الجمر. ثم دخلت المدافئ على الحطب والفحم الحجري، منها ما هو أجنبي مصنوع من الفونت، ومنها ما صنع محلياً من الحديد، وكانت في بيتهم مدافئ بعد مناقل الفحم، وندم بعض بنات المؤلف على عدم الاحتفاظ بها كتذكار. ويشير إلى أن مشكلة الحطب أنه مع تكاثر السكان يؤدي إلى إتلاف الثروة الحراجية، وكان أبي يفضل قضبان الكرمة على غيرها لأنها أنظف وأكثر جفافاً وأسرع اشتعالاً، وحين يشترون حمل حطب زيتون فكانت تأتي به الجمال تطوف شوارع المدينة ومعها كسارو الحطب، وأكثرهم من الأرناؤوط الذين اشتهروا بالقوة والاحتهاد والتدين الشديد وصرامة الأخلاق.
وينتقل المؤلف إلى ذكر الفوانيس، ويقول إنه لم يعرف جده لأنه مات وأبوه صغير، ولكن صورته في خياله مقرونة بولديه إبراهيم وسعد الدين يمشيان أمامه بالفانوس ليلاً إلى جامع الشامية أو جامع الورد لحضور صلاة التراويح، إذ لم تكن الطرقات مضاءة. ومن الطرائف التي سمعها عن الفوانيس أنه صدر في أيام الأتراك أمر من الشرطة المسماة «ضابطية» بألا يمشي أحد ليلاً إلا ومعه فانوس، وصادفت دورية اثنين يمشيان بلا فانوس في سوق مدحت باشا، فاقتربت من الأول وتصادف أنه من أغنياء آل العظم ووجهائهم، فسألته بالتركي: «نيرده فانوس؟» أي أين الفانوس، فأجابهم بعظمة وهو يدق على قفاه: «اشتا» أي هذا هو، فأدركت الدورية أنه من الكبار الذين لا يخافون، فالتفتت إلى مرافقه الذي كان وراءه وكان من الظرفاء فسألته، فأجابهم على الفور: «أنا ماشي على ضوّ البيك».
أما الملابس فكانت في دمشق أنواعاً كثيرة ولها دلالات. فوالد المؤلف كنموذج للرجل الشعبي كان يرتدي قنبازاً من الحرير الأبيض المسمى «روز»، وعلى وسطه زنار حريري أو قطني، ومن فوقه سترة طويلة تسمى «ساكو»، وتحت القنباز سروال أبيض وفي رجله الصباط، وكان له عباءة من الصوف يلبسها للخروج في الغرض أو الغاية، مبطنة بفراء الخروف الناعم الممشط مما يصنعه أبناء حرفة «الفرايين». وكان يعتمر بعمامة معلمي الحرف المسماة «الأغباني» أو حسب الاصطلاح الدارج «اللام ألف»، لأنها تلف على شكل هذا الحرف فوق الطربوش الأحمر. ولكن العمامات أنواع، فأهل العلم يلفونها من شاش أبيض فوق الطربوش، وأهل التصوف والتقى يلفونها على طاقية بلا طربوش، وإن كانوا من المنسوبين إلى البيت النبوي فالعمامة خضراء علامة الأشراف. ويورد المؤلف هنا مفارقة طريفة، إذ يذكر أن رجلاً كان يعرفه ويعرف عنه أنه «ابن كيف» لا يترك فرصة إلا انتهزها للشرب والمعاشرة والسهر واللعب، وكان قد تسلط على كل ارتيستات الملاهي بسبب وظيفته العالية في الشرطة، وكان خفيف الدم كريماً حبوباً، حزن عليه الجميع حين توفي وذهب المؤلف لحضور جنازته دامع العين، ولكن عندما خرجت الجنازة من الباب كاد ينفجر ضاحكاً، فقد كان على نعشه عمامة خضراء قطرها نصف متر أو أكثر، لأن المرحوم كان من المنسوبين وهؤلاء لهم هذا التقليد عند وفاتهم، ولكنهم لا يرتدون العمامة الخضراء في حياتهم. أما الشبان من غير أهل الحرف وأهل التدين وسائر الرجال عموماً فكانوا يلبسون الزي التقليدي الشائع وهو الطربوش، وكان من أدب الطرابيش أن تكون طويلة وغامقة، وكان من العيب أن يكون الطربوش قصيراً أو أحمر فاقعاً، ومن يجترئ على ذلك كان الوسط الشعبي يزدري به وقد يسميه «بوشت». ويذكر أن أحد أبناء عائلة الأمين زركاه شماه عندما مدح الطربوش الطويل فقال: «نصفي إلى الزنار في صرمايتي، وبداخل الطربوش نصفي الثاني»، والصرماية واحدة من أنواع الأحذية، وتقارنها أنواع أخرى هي المشاية والتاسونة والبابوجة والمست والشحاطة والخف والكندرة والبيتون والحزمة والكللاش والشاروخ. وهناك زي شعبي آخر للشباب هو الشروال الأسود وقد يكون مطرزاً من ناحيتي الجيبين، وله بين الساقين «سرج» أي قطعة قماش كبيرة تنثنى عند الارتداء، وهو فضفاض ينزل إلى ما يقرب من «لبة» الساق، ويشد بزنار يسمى «تكة» إن كان الشاب موسراً، وعلى الجذع «ميتان» وهو شبه قميص بلا أكمام من نوع قماش الشروال له أكثر من عشرين زراً متقاربة من الرقبة إلى البطن، وفوق الميتان سترة من النوع نفسه وأكمامها عريضة ولها «أردان» أي طرف الكم من آخره مفتوح ومزركش ليترك حرية لحركة اليد وتسمى «كطشية». أما لباس الرأس فطاقية أو حطة وعقال. ويلبس آخرون من الرجال ولا سيما الموظفون اللباس الذي يسمى «محكمجي» أي اللباس الأفرنجي من بنطلون وجاكيت وربطة عنق وصدرية وطربوش، وراجت في فترة ما عادة حمل عصا صقيلة معكوفة اليد من الأعلى تسمى «البسطون» من أصل فرنجي، وإذا «تبغدد» حاملها قذف بها بحركات موزونة إلى الأمام فالأعلى ثم إلى أسفل حتى تدق بالأرض مع كل خطوة.
أما ملابس النساء، فكانت النساء الشعبيات يلبسن الإزار الأبيض، ثم صرن بعد مدة يلبسن الملاء الأسود الذي يغطي الجسد كله فلا يبين منه لا ملمح ولا شكل ولا تعرف العجوز من الصبية، ولا تظهر اليد، فكل شيء في المرأة عند هذا الوسط يعتبر عورة حتى صوتها. وفي الوسط الأقل تشدداً بدأت الملاءة السوداء ذات القطعتين والمنديل المنفصل، فأدناهما تنورة تسمى «خراطة» أو معطف، وأعلاهما «برالينه» من اسم أجنبي، ثم على الوجه كان المنديل طاقين ثم أصبح في وقت متأخر طاقاً واحداً لترى المرأة سبيلها، ثم ظهر ما يسمى اللبس على «الطالع» أي على الموضة، فلبست النساء معطفاً وفوقه منديل جورجيت يلف به الرأس، ثم بدأت تظهر الأيدي، ثم بدأت تقصر المعاطف، وهكذا بالتدريج إلى أن صار الناس يقولون إنهم لا يعرفون هل البنت التي تمشي في الطريق عروس تزف إلى عريسها أم لا، ولكن هذه العملية استغرقت خمسين سنة، والآن نجد شوارع سورية أكبر معرض للأزياء القديمة والحديثة على السواء. أما الصغار في الوسط الذي يرتدي الملابس الفرنجية فكانوا يلبسون ثياباً حاضرة معدة سلفاً من بنطلون قصير وفوقه جاكيت، وفي الفترة التي تمتد من 1928 فصاعداً أحبت الحكومة أن تعمل زياً موحداً للجلاميذ وأن تشجع الصناعة النسيجية الوطنية الناشئة، فأمرت بزي موحد من الجوخ الكحلي مزرر وشبه عسكري من ناحية الصدر، إلا أن له ياقة صغيرة واحدة إلى الجانب الأيسر من قبل التأنق فقط. وكانت الثياب نوعين كما هو الشأن في أوروبا، نوع للحفلات وأيام الجمع والمناسبات وهو الذي يحفظون وقد تستمر بدلة عرس الرجل طول حياته، ونوع آخر للأيام العادية، وفي فرنسا يقولون عن الرجل المطقوم بأناقة إنه «تأنقد» أي لبس لباس الأحد، فالناس هنا ما عدا الميسورين لم يكونوا ينطقمون كل يوم، وكذلك السيدات فثياب العرس والثوب الممتاز المقصب المشغول وتسمى «تفصيلة» تحفظ للمناسبات، وفي الأيام العادية تلبس المرأة الروب المعروف أيضاً باسم «سركس» ولعل أصل الكلمة شركس للدلالة على نوع الثياب.
وكان الأهل يشترون للأولاد بدلة كاملة في السنة تشترى على العيد، فينتظرونها بلهفة ويأخذون البدلة والصباط الجديد وغالباً ما يكون من نوع نصف الجزمة المسمى «بوتين» والأطفال يحرفونه إلى «بيسون»، وكانوا يلبسون هذه الأحذية في المدرسة وللمشاوير الرسمية، أما فيما عدا ذلك فيلبسون القبقاب الذي يرن تماماً كما يرن قبقاب غوار في مسلسلاته. وإذا اشترى الآباء البدلة والصباط أخذها الأولاد معهم إلى فراشهم ليلة العيد ليناموا معها ويستيقظوا على فرح الثياب الجديدة، ومثل ذلك للبنات الصغيرات فأروابهن تشبه أرواب اللعب الآن بما عليها من شرائط ملونة وكشاكش، والروب من العيد للعيد. والميسورون بدأوا يرفدون ثوب العيد بآخر أثناء السنة، ولكن ما ذكره المؤلف كان الحالة الشاملة، ولذلك كان للعيد طنة ورنة وبجة في نفوس الأطفال لا يعادلها شيء. وكان الثوب إذا تمزق أخذوه إلى الرفاء إن كانت له قيمة أو جرت خناطته كيفما اتفق، وإذا ذاب كعب الصباط وضعوا له «ميالة»، وإذا ذابت المقدمة وضعوا له «بوزة»، وإذا ذاب كله وضعوا له نصف نعل وكعباً جديداً فيحيا الصباط ثلاثة أضعاف حياته، وكذلك الجوارب فترقع من ناحية الكعب أو «تسفل» بوضع قطعة من جورب سميك على قدر القدم. ولم يكن شيء يكب أبداً، فثوب الأخ الكبير يدور لأخيه الذي يليه وهكذا، ويذهب لابن العم الأصغر أو ابن الخال والخالة حتى لا يبقى منه إلا خيطان، فيؤخذ عندئذ مع سواه من الأقمشة المهترئة لتجعل حشايا وفرشاً للفقراء، وهناك آلة اسمها «المندفة» تقوم بتحويل القماش المستهلك من جديد إلى صوف أو قطن وتصنع منه أنواع من البسط. ويؤكد المؤلف أنه شهد كل هذا بأم عينيه وألفه ومر به أيضاً فلا يزيد حرفاً لأنه كان هو الحياة، ولكنه للإنصاف يقول إنه بصفته الولد الأول للعائلة، ولأن عمه كان صاحب راتب ميسور وأبيه كان حرفياً ممتازاً يربح جيداً بنشاطه وابتكاره ومعلميته، فقد ألبسوه الثياب الفاخرة من محل في سوق الحميدية اسمه «سلمندر» وهو فرع من شركة عالمية، أو من عند «تيرنغ» أو «الزين» أو من محل «صادق ورمضان»، وكذلك الأحذية، ولذلك فقد عرف في طفولته الأولى الدلال فهو طفل مدلل شبعان محبة وإعزازاً. وكان في بيتهم في فترة الطفولة الأولى طاهية مصرية اسمها أم سليم وجهها مصري جداً وكذلك كلامها وخفة دمها، وسائس خيل مغربي خلوق لطيف صاحب دين كان يعني بحصان عمه، كما كان عند عمه عسكري على الباب يشتري الأشياء للبيت ويحمله ويرافقه ويدلله. ولكن بعد ذلك حين افترق أبوه وعمه وكبرت العائلتان، عادوا إلى العادات المألوفة ولبس الجوارب المرقعة والمسفلة ولم يجد في ذلك غضاضة، وهذا التلوين في حياته نفعه فيما بعد، إذ أنه مثل أبيه يحب الشيء اللطيف والنظيف والطيب في اللباس والطعام، ولكن لا يعتبر غيابه كارثة، ونفسه في ذلك هينة لينة ما عدا النظافة فهو فيها صعب إلى درجة أنه يبقى جوعان ولا يأكل إلا من طعام نظيف من يد نظيفة. ومن عاداته أنه إذا عرف أن الطاهية بشعة لم يأكل، وحدث كثيراً أن بقي بلا أكل أو أكل النواشف لهذا السبب، فهو أنوف جداً في أمور الطعام والمنامة والاستحمام متساهل فيما عدا ذلك، وكل ذلك من نتائج حياته طفلاً إذ كون إحساس الطفل المدلل بأن له الأشياء الطيبة والنظيفة والأنيقة، ثم من تربية والده التي كانت تحرص على الجوهري دون التأنق المبالغ فيه، ولذلك فهو يصف نفسه بأنه درويش يقنع بالقليل، وقد عاش في فترة الملاحقة اثنين وعشرين يوماً على الحمص المسلوق ولم يجد غضاضة، وكل طعام الحبس الذي لم يكن نظيفاً اكتفى عنه بقطعة حلاوة أو علبة سردين.
ويختم المؤلف الفصل بالانتقال إلى الحديث عن عمته رقية، وهي امرأة سيدة في التدبير والإدارة والطعام الطيب، وينقل مقالة صغيرة كتبها عنها في آذار 1984، قال فيها إنها كانت امرأة متميزة فعلاً، قصيرة القامة منمنمة في كل شيء ومع ذلك فهي حشوها هيبة، عيناها صغيرتان ولكن ذكيتان ويطل منهما حنان دائم، وفمها صغير حتى يظنه الرائي تزمه في بداية ابتسامة. وكان لها في أمور الأسرة الرأي الأعلى، لا لأنها عميدة السن فحسب بل لأنها كانت رقيقة طيبة الطعام مدبرة، وفي دمشق يقولون عن الطاهية البارعة أنها صاحبة «نفس»، فسفرتها دائماً عامرة وعليها بالضرورة بعض الخضار المشهية، ومن أي شيء بسيط تخرج مقبلاً أو سلطة، وكانوا يأكلون من طبخها فيمسحون الصحون من فرط التلذذ، مع التحذير من أن تدردر قليلاً من السكر أو الملح في الطعام.
يتضمن الفصل بعض التحفظات والحدود التي أقر بها المؤلف، إذ يذكر أنه يصف الحياة كما كانت ببساطتها وتواضعها معترفاً بأن حياته كانت أفضل نسبياً من حياة أقرانه بسبب وضع عائلته الميسور نسبياً، كما يعترف بأن ذكرياته تحمل جانباً من الدلال الذي عاشه في طفولته الأولى قبل أن يعود إلى العادات المألوفة. ويبقى الفصل مفتوحاً على وصف حياة شعبية دمشقية في طور التحول، حيث تتداخل العادات القديمة مع ملامح التحديث الأولى كالكهرباء والملابس الجاهزة والزي الموحد للتلاميذ، دون أن يقدم المؤلف حكماً نهائياً على تلك المرحلة، بل يكتفي بتوثيقها. وفي الفصل حجة قابلة للنقاش تتمثل في دعوته الضمنية إلى تبني عادات النظافة في تناول الطعام، وتعجبه من المثقفين الذين لا يدركون هذه الأمور، وهو موقف يعبر من خلاله عن رؤيته الشخصية المتأثرة بتربيته وتجاربه، وقد يختلف معه قارئ يرى أن العادات الجماعية في الأكل لها جذورها الاجتماعية والنفسية التي لا تتغير بمجرد دعوة فردية إلى التغيير.
7.الفصل الثامن143–178▼ ملخص
هذا الفصل هو رحلة استرجاعية شاملة في عالم الطعام الدمشقي، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة وذاكرتها الجمعية. يقدم المؤلف مادة وصفية غنية عن الأكلات والمشروبات وعادات الأكل، مدعوماً بنوادر وذكريات شخصية، ليؤكد فكرة أن حب الدمشقي لطعامه ليس مجرد تعلق بالطعم، بل هو علاقة وجدانية وذاكرية عميقة.
يبدأ الفصل بسردٍ لأثر الجدة "رقية بنت محمد رشيد" في البيت، والتي كانت تجسيداً لتدبير المنزل واقتصاده. لم تكن تعرف كلمة "الاقتصاد" لكنها كانت تؤمن بفكرة "الإدارة"، أي ترشيد الاستهلاك وعدم التبذير. هذا المبدأ امتد من مائدة الطعام حيث كان يُمنع ترك أي لقمة، إلى إدارة الملابس بتدوير ثياب الأخ الأكبر على من يليه. ويشير المؤلف إلى أن هذا التدبير هو ما سمح لعائلة كبيرة ضمت واحداً وعشرين شخصاً بالعيش باستقرار، وأن جدته عاشت تسعين سنة حياة هادئة بفضل هذا النظام.
بعد ذلك، ينتقل النص إلى الحديث عن أطباق المطبخ الدمشقي، معترفاً بأن تذوق الأطعمة العالمية المختلفة لا يغني عن الحنين إلى مطبخ الشام. ويُرجح المؤلف أن الدمشقي يحب طعامه عبر الذاكرة أكثر مما يحبه بالفم واللسان. يذكر نادرة عن أحد الوجهاء من آل العظم الذي رفض زيارة باريس على حساب أقربائه قائلاً: "هل أحد عمّله أنه يترك الشام أيام الباذنجان؟". هذا يقود إلى وصف مفصل للأطعمة، حيث يُعتبر الباذنجان "ملك الأطعمة" لتعدد استخداماته: معقوداً، مخللاً، مكدوساً، محشياً بالأرز أو اللحم. ويليه الكوسا والفول الذي يوصف بأنه ملك أطعمة الشرق الأوسط كله، مع سرد استخداماته المتعددة كالفولية والمقلية والمشمشية.
يواصل الفصل جولته في أصناف الخضار واللحوم، فيذكر الأرضي شوكي، والكمأة، والكراث، والبلازلاء، والملوخية التي تطبخ في دمشق مقلية وليست شوربة كما في مصر، إضافة إلى أكلات المحاشي المتنوعة من ملفوف ويبرق وكوسا وباذنجان. ويتناول الأرز والبرغل، مشيداً بأرز دمشق المفلفل الذي يفوق ما ذاقه لدى الأجانب، ومستعرضاً أطباقاً كالمقلوبة والفتوش والشيخ المغشي والقبوات والكبة بجميع أنواعها المشوية واللبنية والأورفلية.
وينتقل الحديث ليشمل تأثير الوافدين على المطبخ الدمشقي، فالشركس قدموا أكلاتهم كالشبسي بسطة والشركس طاووق، والمغاربة قدموا "الطعام" أو الكسكسون، والأرمن جاؤوا بالبسطرمة والسجقات والنقانق، بينما ترك الأتراك الشوربة تربية والقزارتمه والأمام بايلدي، وعلم أهل حلب أنواع الكبب، وأهل حماة الباطرش، وأهل حوران المناسف. كما يستعرض الأشربة الدمشقية المميزة، وعلى رأسها منقوع قمر الدين وعصير العرقسوس الذي كان لباعة نداءاتهم الشهيرة وأصوات أطباقهم النحاسية المميزة.
أخيراً، يتناول الفصل تقاليد الطعام الدمشقية الاجتماعية، من آداب المائدة كغسل اليدين والبسملة وعدم فتح الفم أثناء المضغ، إلى عادات الكرم الضخمة كالسحارة التي كان يشتري بها والد المؤلف البطيخ والفاكهة بكميات كبيرة "لإشباع العين قبل الفم". يستعرض أيضاً ولائم المناسبات كسفرة الخلاص ووليمة الأسبوع والأعراس التي كان يقدم فيها "الأوزي"، وولائم الأتراح التي تسمى "فتح الفم" لإجبار أهل الميت على الأكل، وينتهي بوصف مفصل لعادات "السيارين" والنزهات الدمشقية، وأماكنها المفضلة كالربوة ودمر والصوفانية، وبعضاً من أشعار الفكاهة التي قيلت في هذا السياق.
في النهاية، يعترف المؤلف بحدود معرفته معلناً أنه أنهى معلوماته لأنه لم يملك مطعماً ولم يدره، ويشير إلى تحولات اقتصادية كغلاء السمن التي غيرت العادات الغذائية، وتناقص المساحات المزروعة، وحتى انقراض بعض الحيوانات كالغزال، في إشارة إلى أن هذا الموروث الغني قد يواجه مصاعب في المستقبل.
8.الفصل التاسع179–224▼ ملخص
الفصل التاسع من كتاب "حديث دمشقي" هو فصل موسوعي طويل يستعرض بالتفصيل العادات والتقاليد الاجتماعية في دمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين، مركزاً على المناسبات العائلية والدينية والأعياد. الموضوع المحوري هو توثيق هذه التقاليد كما عاشها المؤلف وعرفها، مع موقف نقدي واضح منها، فهو لا يكتفي بالسرد الوصفي بل يقيّم هذه العادات ويقارنها بالوضع الحالي ويبدي رأيه فيها باستمرار، خاصة فيما يتعلق بموقف الشرع منها.
يبدأ الفصل بطرح موضوع الزواج، فيروي المؤلف كيف كانت تتم الخطوبة قديماً، ومنها قصة خطبة والدته التي تمت عن طريق الزمالة في العمل بين خاله ومعلمه، وهي إحدى الطرق المتعددة لتقريب العائلات. يذكر أن الزواج كان يتم إما عن طريق القرابة، وفي هذه الحالة كانت ابنة العم تعتبر خطيبة لابن عمها بمجرد ولادتها، فكانوا يقطعون حبلها السري باسمه ويقولون "هذه البنت لفلان"، وهذا كان يعطي ابن العم حقاً على ابنة عمه حتى يستطيع معارضة زواجها من غريب، وهو ما يسمى في الشرع "حق الشفعة". وهنا ينتقد المؤلف هذا التقليد بشدة مؤكداً أنه ليس في الشرع ولا القانون أي حق لابن العم، وأن هذه العادات مهما تنوعت لا تقيد البنت وتبقى حرة في اختيارها. كان هناك أيضاً طريق السمسارة أو "الخاطبات" من الأهل، وهؤلاء كن يقمن بفحص المخطوبة بطرق غريبة كأن يطلبن منها كأس ماء ليرين مشيتها، أو يقدمن لها اللوزة ليتأكدن من قوة أسنانها، أو يقبلن فمها ليشتمن رائحته. وعند الحيرة كانوا يلجأون إلى "الاستخارة" بالمصحف أو السبحة أو المنام، وهي عادة يصفها المؤلف بأنها من الأمور غير المعقولة التي تضاءلت في الوقت الحاضر.
بعد الموافقة، تبدأ مرحلة "المفاصلة" على المهر، وهي مرحلة يعتبرها المؤلف شيئاً عادياً وضرورياً يكشف حال الخاطب وكرمه، كما يعتبرها ضماناً ضد الطلاق المتعجل، وينتقد الذين يعتبرون النقاش فيه خجلاً أو مساساً بالكرامة، ويشير إلى أن الرأي السائد الآن هو جعل المقدم رمزياً والمؤخر كبيراً، وهو ما ينصح به لأنه يستحق بالوفاة أيضاً ويضاف إلى ديون الميت الممتازة. ثم تبدأ مراسم "تلبيس الخاتم" وتبادل الهدايا، ومن الطريف أن التقاليد كانت تمنع الخاطب من رؤية مخطوبته إلا ليلة الزفاف، بينما تساهل الناس الآن في لقاء الطرفين بحجة التعارف. وأخيراً يأتي "كتب الكتاب" الذي يتم في احتفال بقراءة المولد النبوي وتوزيع صرر الملبس، وهو عقد إيجاب وقبول بحضور موظف من المحكمة الشرعية، ويبدي المؤلف ملاحظة قانونية مهمة هنا، وهي أن العقد كان يتم دون التأكد من شخصية المخطوبة أو موافقتها، وكان الأب يزوج ابنته البكر دون أخذ رأيها، ويؤكد أن هذا كان يمر دون إشكالات.
يصف المؤلف بعد ذلك حفلات الزفاف بتفاصيل كثيرة، فالعريس يأخذه أصدقاؤه إلى الحمام ليغتسل ويحلق، ثم يخرجون به في "عراضة" إلى دار العروس، وهم يهتفون بأشعار شعبية كثيرة فيها تلميحات دينية واجتماعية وجنسية أحياناً، ولا يكتفون بذلك بل يشكونه بالدبابيس لكي يتحرك، وقد سمع المؤلف أحدهم يقول إنه يفضل المشي في جنازة على جوازة، لأن الغيرة من العريس أشد. ثم يدخل العريس إلى العروس وتقوم إشكالات أحياناً حول من يتقدم نحو الآخر، ويجلسان معاً على "الاسكي" وهو سرير مزين بالزهور، وتبدأ الزغاريد، ومنها زغاريد مشهورة يذكرها المؤلف كاملة مثل "أوها باللعلعي باللعلعلي". وتجري "التفتيلة" حيث تطوف العروس مع الصبايا حاملات الشموع حول بحرة الماء المزينة بالورود. ويشير المؤلف إلى مشاكل كانت تحدث حول سفرة العشاء ومن يدعى إليها، مداعي العريس أم مداعي العروس. أما في ليلة الدخلة، فتقوم "التعليهات" بالهمس في أذني العروسين قبل دخولهما إلى المخدع، ويحاول العريس كسر جليد الصمت لأنه يرى عروسه لأول مرة، ومن المعروف أن الكثيرات كن "يتناوقن" أي ينظرن خلسة من فتحات النوافذ من باب الفضول، وهنا يصل المؤلف إلى أخطر عادة وأقساها، وهي عادة إثبات البكارة، إذ كان العريس يسلم منديلاً عليه آثار الدم إلى من ينتظرون خارج الغرفة اشعاراً برجولته وطهارتها، وتنطلق الزغاريد، وقد يطلق الرصاص، والقابلة تتدخل لحل الإشكالات إذا حدث عجز أو كانت البكارة من النوع الحلقي الذي لا ينجرح، ويقول المؤلف إن هذه الأمور كانت لها أهمية تجاوزت حدود المعقول وكثيراً ما حدثت بلايا رهيبة بسببها، وفي المقابل يذكر أن الشرع أرحم من العرف هنا، إذ يفترض أن البكارة يمكن أن تزول بعارض صحي فلا يجعلها من شروط الزواج، بخلاف اليهود والنصارى والدروز الذين يقيمون لها وزناً. ومن أبشع العادات التي يذكرها أن البنت كانت تسلم إلى أهل العريس بعد فحص تجريه القابلة، وقد حدثته سيدة مثقفة أن أهل عريسها اشترطوا هذا التسليم وكان أقسى عليها من كل ما مر بحياتها. ثم ينتقل المؤلف إلى هدايا الزفاف، ومنها "ثمن الشعر" و"الصبحية"، معترفاً أن وصفه غير شامل في هذا المجال الشعبي وأنه لم يتتبع هذه الأمور تتبعاً مبالغاً فيه.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تقاليد الولادة، فحضور "داية الولد" وهي القابلة كان أمراً مهماً، وكانت تملك "كرسي الولادة" الخاص الذي يسمح للمرأة بأن تجلس وينزل الولد بسهولة. وعندما يأتي "الطلق" تجتمع بعض النسوة من أقارب الحامل لمساعدتها، والكلمة المشهورة هي "عيني ولدك" لتشجيعها على الصبر. فإذا كان المولود صبياً انطلقت البشارة والزغاريد، وإذا كانت بنتاً بدأت مواساة الأم بعبارات مثل "اللي تأتي بالبنت تأتي بالصبي" و"عقبال أخوها"، ويذكر المثل القائل "البنات للممات" دليلاً على الحزن، ثم يحاولون تخفيفه بمدح جمال البنت. بعد الولادة تمتد "سفرة الخلاص" تأكل منها الداية والحاضرات، وفي الأسبوع تقام وليمة خاصة إذا كان المولود ذكراً، ويقدم للزائرين مشروب الكراوية الساخن مع المكسرات، ويذكر أن أهل دمشق يقدمونها ساخنة بينما يقدمها أهل بيروت باردة.
ثم يأتي الحديث عن تقاليد الختان، فالصبي المسلم يختن إما في الأسبوع الأول من الولادة وهو ما صار القاعدة المفضلة الآن، وإما عندما يبلغ الخامسة إلى السابعة، ليقام له حفل كبير، ويصف المؤلف ختان نفسه في نحو السابعة من عمره، حيث أمسكه رجل قوي وقطع "المطهر" الزائدة، فصاح وشتم كثيراً ونزف، وحاولوا إسكاته بالكلام والطعام والهدايا، وألبسوه قنبازاً أبيض مطرزاً وطربوشاً صغيراً، ومشى أياماً وهو يرفع قنبازه لئلا يؤلمه الجرح، وكانت تقام هذه الاحتفالات اشعاراً بدخول الولد في شريعة أهله وبدء مرحلة الرجولة لديه.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الاحتفالات الدينية، ويبدأ بالمولد النبوي الذي يصادف الثاني عشر من ربيع الأول من العام الهجري، وكان في الأصل يوم الاثنين ولكن الآن لا يتقيدون به، وهو ينتقل على مدار السنة لأن السنة الهجرية أصغر من الميلادية بثلاثة عشر يوماً. وكان الاحتفال في دمشق شعبياً كبيراً يتجلى بالزينات في الأحياء والزيارات، واحتفالات في المسجد الأموي الكبير والمساجد الأخرى، وما تزال الأخيرة تقام حتى الآن بينما انكمشت احتفالات الأحياء. ويذكر المؤلف أن المولد الذي يقرأ فيه هو إما مولد الجوزي أو مولد العروس، وكانت تتخلله أناشيد في مدح الرسول وحمد آل البيت والخلفاء الراشدين، ويدار عطر ماء الزهر، وعند اللحظة التي يذكر فيها ولادة الرسول يقوم الناس واقفين وينشدون "صلوا عليه وسلموا تسليماً حتى تنالوا جنة ونعيماً"، ثم توزع صرر الملبس الدمشقي المحشو باللوز والملفوفة بورق ملون، وقد صار الميسورون الآن يوزعون علباً غالية الثمن للتباهي. ولا يكتفي المسلمون بالمولد، بل يحتفلون بالسابع والعشرين من رجب احتفالاً دينياً في المساجد، وبليلة النصف من شعبان بقراءة الدعاء المعروف "اللهم يا ذا المن ولا يمن عليك"، وبعاشوراء، أما المسيحيون فلهم أعيادهم المستقلة.
يخصص المؤلف حيزاً كبيراً للحديث عن شهر رمضان وعاداته، فهو الشهر الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام. يبدأ الحديث عن "إثبات الشهر"، فيذكر أن أهل دمشق لم يقبلوا حتى الآن الإثبات بالحسابات الفلكية الدقيقة عملاً بالحديث "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته"، وكان من يترقبون الهلال يذهبون إلى أماكن مرتفعة، وكان الظرفاء يتضاحكون حول الإثبات الذي يأتي غالباً من حماة، ويقال إن شخصاً بعين واحدة هو الذي يراه دائماً، وكانوا يتضاحكون أيضاً حول مصلحة تجار اللحوم في إثبات العيد، ويؤكد المؤلف أنه يردد هذه الأقوال الباسمة كجزء من فولكور رمضان وليس اتهاماً لأحد، ويتمنى أن يوجد من يفتي بالأخذ بالحسابات الفلكية لتوحيد الصوم والعيد في البلاد العربية. ومن أغرب الاستعدادات للصوم ما يسميه الدمشقيون "تكريزة رمضان"، وهي أن يسبقوه باحتفال يأكلون فيه ما يريدون، وبعضهم من اعتاد شرب الخمر يتساهل في الأيام العادية ويمتنع مطلقاً في شهر الصوم، فتكون تكريزته ليلة سكر وشراب ثم يغتسل وينوي الصيام، وهذه اللمحة تكشف قدرة بعض الدمشقيين على جمع المتناقضات تحت شعار "كل شيء لحاله"، ويستشهد المؤلف ببيت الشاعر أحمد شوقي: "رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق"، ثم يعقب قائلاً: "وما أغربه في نظري من شهر طاعة محصور بين معصيتين"، مشيراً إلى أن هؤلاء قلة بالنسبة للأكثرية الطيبة، وأنه ليس واعظاً هنا وإنما يشير إلى هذا الملمح المتناقض.
أما يوم الصوم نفسه فيبدأ بلحظة الإمساك، ويوقظ الناس "المسحر" الذي يدور ويدق على الطبل وينادي "قوم يا نايم وحد الدايم"، ويأخذ نوعين من الأكرام: العيدية في نهاية الشهر وشيئاً من الطعام، وقد اختلطت الأطعمة التي يجمعها فصار تعبير "صحن المسحر" يدل على الفوضى غير المنظمة، ويذكر المؤلف من الطف مناداة المسحرين ما سمعه في معرة النعمان: "قوم يا بواحج قنبور"، ويروي فكاهتين عن السحور، أولاهما عن رجل مفطر قال لامرأته تصوم: "يا امرأة تركنا الفرض، تريدين أن نترك السنة؟"، وثانيتهما عن رجل دخل قرية في رمضان فرأى الناس يأكلون نهاراً، فعرف أن شيخهم يصوم عنهم، فدخل على الشيخ فرآه يلوك الطعام، فقال له: "شيخي بعلمك أنك تصوم عن أهل البلد؟" فقال: "يا جاهل، من يصوم عن أهل بلد ألا يتسحر مرة كل نصف ساعة؟". ويصف المؤلف منظر دمشق قبل الإفطار بنصف ساعة بأنه يثير الدهشة والضحك، فالناس يتراكضون والسيارات تثير موجات المواء الساخن، وفي البيوت تنهمك السيدات في المطابخ، وفجأة يعلن المذيعون "حان الآن موعد الإفطار"، وينطلق المدفع والآذان، ولو أن أصوات الملاعق التي تصطدم بالصحون لتأخذ اللقمة الأولى جمعت في صوت واحد لطبق صليلها الآفاق، ويبدأ الأكل والشرب بنهم، أما المدخنون فيبدأون بالسيكارة، إلا عند عدد محدود يعرف أن الصوم له حكمة فيقللون من الطعام. ورمضان شهر استهلاكي كثيف خلافاً لما هو مرتقب، ويكثر فيه الإنفاق ويتحول إلى شهر اكتظاظ للمعدة بأطيب الأصناف، وقد دعاه صديقه الصائم رجاء الشربجي قبل الإفطار بربع ساعة، فوجد "المهيا" أي قائمة الطعام حافلة بأنواع المقبلات ثم الأطباق الرئيسية والحلوى، فأكل حتى كاد ينفجر، وقال مازحاً إنه تحقق من حكمة الصيام إذا كانت "أن تأكل كثيراً بعد أن نجوع كثيراً". ومن المألوف أن يكون على سفرة رمضان التسقية بالسمن والفول المدمس ونقوع قمر الدين، وخاصة "الفتوش" وهو خبز محمص مع خضار سلطة منوعة تتبل بالخل والنعنع والزيت. كما يلفت نظر المؤلف "المساكبة" وهي أن يهدي الناس جيرانهم من أطيب ما عندهم ويرد هؤلاء بهدية مماثلة، فتمتلئ السفرة هنا وهناك، ولكن الفقراء تظل سفرتهم كالعادة، وقد كتب أغنية عن رمضان لإحدى الإذاعات العربية تتحدث عن "الموائد الحرداء" لدى الفقراء. أما الأطفال فيصومون "درجات المأذنة"، فيبدأون بالصيام حتى الضحى ثم الظهر ثم العصر حتى يكملوا النهار، والعادة أن الطفل متى صام يومه الأول حمله أفراد العائلة على ظهورهم ومشوا به تكريماً واحتفالاً، وقد صام المؤلف درجات المأذنة في صغره، ولكنه جاع مرة فأكل بالسر قطعة كعك وشرب ماء، فصار يظن أنه "زوغلت"، ولكن أباه حمله مساء على ظهره، وكان لا يجهل لعبة ابنه الصغيرة وأغضى عنها حناناً. ومن حلويات رمضان النبش والبرازق والجرادق، وهو عجين يقلى بالزيت أو السيرج وترش عليه رشات من الدبس، وينادي عليه الباعة "يا اللي أموا رماك يا ناعم". أما الأتقياء فيذهبون إلى المسجد لصلاة التراويح وهي عشرون ركعة إضافية بعد صلاة العشاء، وفي العشر الأخير يعتكف بعضهم في المسجد يبيتون الليل كله في صلاة وتسبيح، وكان والد المؤلف يفعل ذلك حتى تقدمت به السن فصاروا يرجونه ألا يفعل حرصاً على صحته. ورمضان يقلب مجرى الحياة، فالقادرون يسهرون الليل وينامون أكثر النهار، ويذهبون إلى الحكواتي أو كركوز، وهما يعملان خاصة في رمضان، أما الحرفيون فيعملون من الفجر حتى الظهر ثم ينقطعون للراحة، وبعضهم من لا يرتبط عملهم بالناس كالحذائين والنساجين يعملون طول الليل. وفي ليلة السابع والعشرين يسهر الكثيرون حتى الفجر عساهم ترتاح وجوههم ليلة القدر، ويطوف رجال الأذكار في بعض المساجد كبيت أبو الشامات في القنوات وبيت العيطة في النوفرة، ويدور المولويون على أنغام الناي والدفوف، ثم تختتم في المسجد الأموي، ويحتشد لرؤيته أجانب ومستشرقون وأبناء البلد الذين يروقهم المشهد كطرافة ولو أنهم لم يصلوا ولم يصوموا. وفي العشر الأخير تفتح الأسواق أبوابها ليلاً لتسهيل شراء حاجات العيد، ويربح التجار كثيراً، ويتفقد الميسور أقرباءه المعسرين ويوزع عليهم صدقة العيد المسماة بالفطرة.
يصف المؤلف بعد ذلك عيد الفطر، فبعد أن تعلن المدافع العيد ويصيح الناس "ثبتوه"، يبدأ الاستعداد لماكل العيد وحلواه، ومنها المعمول والسمبوسك اللذان يصنعان في البيوت وتجتمع لهما العائلة، وتحضر الحشوة إما جوز مطحون وسكر أو فستق وسكر، وتملأ باليد وتوضع في قالب من خشب عليه نقوش تنتقل إلى قطعة المعمول، ثم يقلب القالب ويدق من طرفه فينزل القرص ويصف على الصينية ويؤخذ إلى الفرن، ويرافقه الأولاد ليرجعوا بالصواني سالمة ويميزون معمولهم من سواه من نقشة القالب، ويرش على المعمول سكر ناعم جداً، أما السمبوسك فيغطى بالناطف وهي حلوى تصنع من سكر وزيت السمسم. وكان الناس يقدمون المعمول باعتباره حلوى العيد، والأصل صنعه في البيت لأنه أطيب وأنظف، ويجمع العائلة في سهرة عمل وسمر، ولا يمنع ذلك من شراء الكنافة الميرومة والبقلاوة. أما طبيخ العيد فأكثره اللحم والرز، وكان تعبير "فخده ورز" يعني الشيء الفاخر جداً، وإن كانت الأمور تسمح فيصنع "الأوزي" وهو الخروف باللغة التركية، ويذكر المؤلف أن الرز لم يكن شعبياً واسع الانتشار، والبرغل هو المتداول أكثر في الأوساط المتوسطة والفقيرة، وكان بعض البسطاء يسمون البرغل أرزاً أمام أولادهم، فإذا طلب هؤلاء الأرز الحقيقي قالوا "نريد رز العيد"، ولذلك كان هناك مثل شعبي يقول "العز للرز والبرغل شنق حاله"، على أن البرغل المحمص بالسمن الحيد صارت له الآن قيمة أكثر لأنه تساوى في الغلاء والندرة مع الرز وهو أطيب، وفي دمشق يسمون البرغل "مسامير الركب" دليلاً على أنه يقوي العزيمة والتماسك. وفي نهار العيد يذهب الرجال صباحاً مع الأولاد غالباً لزيارة قبور موتاهم ووضع أغصان نبات الآس عليها لأنه لطيف المنظر ويعيش طويلاً، ويقرأون الفاتحة على أرواحهم ويسلم بعضهم على بعض، ويكلفون من يقرأ القرآن على القبر لقاء مبلغ، وهناك عدد كبير من الصبيان الفقراء يذهبون صباح العيد ليقرأوا القرآن لقاء دراهم، فينافسون بذلك المشايخ الذين يحترفون هذه الحرفة، ويروي المؤلف قصة ظريفة عن شيخ أعمى طلبت منه عجوز أن يقرأ على روح زوجها، فبدأ بآيات العذاب من سورة الحاقة، فأوقفته وقالت له: "شيخي أما رأيت غير هذه الآيات؟" قال لها: "خانم، بربع ليرة تريدين أن يدخل الجنة؟" فزادته فغير القراءة إلى آيات الرحمة. وقد تزور النساء القبور إذا كان المتوفى عزيزاً وقد وثي من قريب، وتكون الزيارة قبل طلوع الشمس، ويجلبن الورود والشرائط الحريرية لتزيين القبور، وقد تنصب لهن خيمة تستأجر من حفار القبور لأيام معينة. وبعد زيارة القبور يذهب الرجال أغلبهم إلى صلاة العيد، ثم يعودون ويزور الصغير الكبير أولاً بترتيب القرابة والنسابة، ويرد الكبير الزيارة بعد ذلك، وفي كليهما سكاكر وحلويات وقهوة وأحاديث، وقد طافت جماعة من عائلة على البيوت فدخل كل خمسة أو ستة معاً، وبعض العائلات والأحياء تفتح بيتاً في أول يوم أو في اليوم الثاني للمعايدة فيأتيه الجميع، وقد تلاشت معظم هذه التقاليد أو ضعفت. وكان الناس من عشرات سنين يعنون بإرسال بطاقات المعايدة، وكانت يصحبها قصص باسمة، ويروي المؤلف قصة وجهيه قال لمرافقه "هات الكروت لنا عايد"، وكان مرافقه لم يفهمه وأخذ "كروت الشدة" أي ورق اللعب، فكان كلما دق على باب أعطاهم كرتا على حسب حظهم وترك "الأص السباتي" للآخر، وقصة أخرى فيها وجهيه لا يحب الزيارات فدار بالعربة في وقت الصلاة وكلف العربجي أن ينزل ويضع البطاقات، ولكن في آخر بيت مد صاحب البيت رأسه من الشباك قائلاً "أهلاً وسهلاً لحظة"، فقال له الوجيه: "انزل خذ الكرت وخلصنا"، ولم يدخل. وخفت عادة المعايدة بالكروت هي الأخرى في الوقت الحاضر، وكاد العيد أن يصغر وتنزل قيمته إلى أيام راحة فقط ودسيارين خارج المدينة وكفى الله المؤمنين الضيافات. أما عيد الأضحى فيمتاز بذبح الاكباش يوم الوقفة وتفريق أكثرها على الفقراء والأهل المستحقين، أما التقاليد فتبقى هي ذاتها ولكن أيام العيد تمتد إلى أربعة أيام.
يخصص المؤلف جزءاً كبيراً للحديث عن أعياد الصغار ومباهجها، فيروي ذكرياته عن خروجه مع أبناء الحارة في يوم من أيام العيد إلى بستان في دمر، وكان من تقاليد العائلات أن تسمح لأولادها بالخروج وحدهم إذا كان بينهم واحد "تكلة" أي يصح الاتكال عليه، وكان التكلة بينهم ابن عمة له أكبر منهم بسنوات، استأجروا عربة بحصانين وتسابقوا إلى الجلوس إلى جانب العربجي بالدور، ومضت بهم العربة من حارتهم إلى جسر فكتوريا فجسر الحرية فصدر الباز ثم كيوان فالربوة فالشذروان فدمر، ونزلوا في قصر شمعايا وهو مطعم ومنتزه فاخر على ضفة النهر، وأكلوا ولعبوا وعدوا دراهمهم، وعندما انتهوا بقي معهم ثلاثة قروش فقط، فاقترح أحدهم أن يعودوا ماشين ويتسلوا على الطريق بالتدخين، وفعلاً اشتروا علبة سجائر ماركة "الخروف" وكان يصنعها معمل الشراباتي، واتفقوا على أن يشعلوا من كل واحدة أختها قبل أن تنطفىء، ومشوا على طريق دمشق يدخنون ويسعلون وتأتي الدموع إلى أعينهم ولكنهم يحتملون لأنهم صاروا يعملون ما يريدون، ويصف المؤلف هذه الحادثة بعد عشرات سنين في حديث إذاعي فقال إنهم صاروا مثل القاطرة، أولهم يدخن ويسعل والباقون وراءه صفاً حتى يصلوا إلى الأخير الذي كان حذاؤه الجديد قد جرح أعلى كاحله فصار يظلع مثل "الدريزينه" أي عربة العمال المكشوفة التي يقطرها القطار في آخره، وظلوا كذلك حتى وصلوا إلى دمشق منبكين، ولكنهم "شربوا الخروف بأكمله". ويصف المؤلف ألعاب الأعياد، فكانوا يشترون "فرود الفلين" التي يتقاوصون بها فكأنهم في ساحة حرب، وكان هذا يغذي في نفوسهم روح المقاتلة أيام محاربة الاستعمار، ويجدون في مركز المدينة "القلابة والدوي
9.الفصل العاشر 225–240▼ ملخص
الفصل العاشر من كتاب "حديث دمشقي" مخصص بالكامل لوصف الحمام الدمشقي التقليدي، باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية تتجاوز وظيفته الأساسية في النظافة. يقدم المؤلف وصفاً تفصيلياً دقيقاً لمكونات الحمام وطقوسه، مستنداً إلى ذكرياته الشخصية عندما كان أبوه يأخذه إلى الحمام في طفولته، وإلى ما سمعه عن حمام النساء من قريباته. يبدأ الفصل بذكر أن البيوت الدمشقية الصغيرة لم تكن تحتوي على حمامات، مما جعل حمام السوق وجهةً شبه يومية للناس بجميع فئاتهم، ولم يكن مجرد مكان للاستحمام بل كان "نظافة ومسرة وتقاليد وأشياء أخرى".
يسير الفصل خطوة بخطوة مع المستحم منذ دخوله الحمام حتى خروجه، فيشرح أقسام الحمام الرئيسية الثلاثة: البراني وهو القسم الخارجي البارد حيث توجد البحرة (حوض الماء) وأماكن خلع الملابس، ويدخل الزائر فيختار ركناً ويخلع ثيابه بتأنٍ، ويُستَر بمنشفة يمسكها خادم الحمام أمامه عند خلع السروال وارتدائه. ثم ينتقل إلى الوسطاني وهو القسم الأوسط ذي الحرارة المتوسطة، وفيه أجران الماء ومكان للاستراحة. وأخيراً يدخل الجواناني وهو القسم الأشد حرارة، وفيه أجران يتجمع حولها المستحمون، وكل شخص يجلس على كرسي خشبي ويستخدم طاسة وصابوناً وكيساً وليفة. ويوضح المؤلف نظام تسخين الماء الذي يدخل الحمام من شبكة توزيع المياه الدمشقية الشهيرة، إذ يُسخَّن جزء منه في مكان يسمى القميم المشتق اسمه من القمامة (الزبالة)، حيث كان أصحاب الحمامات يشترون روث الحيوانات لإشعاله لأنه يشتعل بحرارة شديدة، وكان القميمي هو العامل المسؤول عن تلقيم النار بهذا الوقود، وظل مثلاً شعبياً يُضرب للوسخ فيقال عن الشخص الوسخ "قميمي". ومن الطريف أن القميمي كان يستخدم حرارة هذه النار لطهي قدور الفول المدمس وبيض الشواء ولحمة الجرة، لأن النار الهادئة تنضج الطعام ببطء، ويشير المؤلف إلى أن كلمة "مدمس" تعني المغطى والمدفون، لأن القدور توضع في الرماد الحار، لكنه يؤكد أن هذا لا يؤثر على نظافة الطعام لكون القدور محكمة الإغلاق.
بعد الاغتسال بالماء الساخن الذي قد يكون كاوياً في بعض الأحيان فلا يكفي الماء البارد القادم من الحنفيات، فيُؤتى به بالسلول من البحرة، ويصف المؤلف تعبيراً دمشقياً شائعاً في هذا السياق هو "طاسة باردة وطاسة سخنة" دليلاً على التعذيب وعدم التوازن في المعاملة. وهنا يتدخل المفرك، وهو عامل متخصص في التفريك والتدليك، فيلبس كفاً من الخيش الغليظ ويبدأ بفرك جسد المستحم بحركات فنية تشبه المساج الحديث، وبمهارة يزيل الطبقة الميتة من البشرة التي اتسخت فتتحول إلى فتائل سمراء يريها للمستحم ليطمئنه بأنه تخلص من الوسخ، وتسمى كل جولة من هذا التفريك "تغ" وقد يتكرر مرتين أو أكثر. ثم يأتي دور المصوبن الذي يغسل الجسم بالصابون والليفة، فتلقي الصابون في وعاء من الماء الساخن ويرغي الليفة ويبدأ بالغسيل، وكل مرة تسمى أيضاً "تغ". وقد يخضع المستحم لعملية إزالة الشعر بمزيج من الكلس والزرنيخ تسمى "ضرب الدوا"، وتكون هذه العملية دائمة لشعر العانة في مقصورة خاصة، أو باستخدام موس يسمى "موس الوسط"، ويشير المؤلف إلى أن عمال إزالة الشعر هؤلاء كانت لا تُقبل شهادتهم أمام المحاكم الشرعية قديماً لأنهم يرون عورات الناس ولا يستحون، ومن لا يستحي لا يكون أهلاً للثقة.
بعد الانتهاء من الاغتسال والتفريك والتصوين، ينادي المصوبن على عامل المناشف الذي يأتي وعلى رأسه طاقم من المناشف، فيفرد منشفة تستر المستحم بينما تسقط المنشفة المبتلة على الأرض، ويُعطى منشفة ثانية للنصف الأعلى وثالثة أصغر للرأس، ثم يخرج إلى الوسطاني ليرتاح ويتخلص من العرق، فيُغير له طاقم مناشف ثانٍ، ثم يخرج إلى البراني فيُغير له طاقم ثالث. ويوضح المؤلف أن الفقراء يعطون مناشف مستعملة، بينما الأغنياء أو من يشترطون ذلك يعطون مناشف جديدة لم تُستخدم، وبعض الناس كانوا يأخذون مناشفهم الخاصة، وتفعل النساء ذلك خاصة إذا كن يحرصن على النظافة. ولكل هؤلاء العمال حلوان يؤخذ عند الخروج مع عبارة "نعيماً"، بالإضافة إلى أجر صاحب الحمام المعلوم.
يبرز الفصل الدور الديني للحمام، إذ إن كل متزوج يعاشر زوجته يعتبر في حالة جنابة لا يحق له معها أن يصلي أو يلمس مصحفاً قبل الاغتسال، ولذلك كان ذهاب الرجل إلى الحمام في تلك الأيام إعلاناً ضمنياً عن أنه "فعلها"، وكان الناس يتناصحون حول الأمر بتلميحات مضحكة. ويسوق المؤلف قصة سمعها أمام دكان عن رجل سأله صاحب الدكان عن بكوره فقال إنه كان في الحمام، فرد عليه "كل يوم؟ ما بيسوى"، فأجابه الآخر "اتركها لله... (تفشيش)" في إشارة إلى أن العلاقة الجنسية نوع من مكافحة الهم، وكانوا يسمونها في دمشق "محلي الفقير" لأن الفقير لا يملك غيرها من المسرات، ولعل هذا يفسر كثرة الإنجاب عند الفقراء. وكان من يستطيع تجنب الذهاب إلى الحمام يزيل الجنابة في بيته بطريقة تسمى السكب وهي صب الماء على الجسد بنية الاغتسال من الجنابة دون تفريك أو صابون، وقد يلعب السكب دوراً مؤذياً إذا كان الرجل متزوجاً من اثنتين في الدار نفسها، فإذا سكب عند الجديدة ولم يسكب عند القديمة كان ذلك إعلاناً عن التمييز فتنصب عليه النقمة. ويروي المؤلف نكتة عن رجل كبير في السن كان يذهب إلى الحمام ثلاثة أيام متتالية، وعندما سئل عن ذلك قال: "هيه مرة واحدة ولكن ما خلصت إلا اليوم...". وكان الشبان يجتمعون ويتفقون على الذهاب إلى الحمام سوية للتسلية، وقد يستأجر الميسورون منهم حماماً كاملاً على حسامهم بعد سهرة حافلة يسبقهم إليها فرقة موسيقا وغناء وطعام وفواكه، فيكون الحمام سهرة طرب وضحك ولعب وأقلها الاستحمام، وتدوم حتى الصباح، وهذا ما يسمى "الأنكلة". وفي القرى يكون الحمام مناسبة لإظهار القوة، ويتشاطر الشبان بمن يحتمل تدليك الآخر، ويذكر المؤلف صديقه عبد القادر حتيتاني من قرية الحتيته في الغوطة الذي كان يتبارى مع شباب المليحة القبضايات في "الدعك"، فيخرج من تحت يده من يظلون أياماً لا يستطيعون حراكاً من كثرة الدعك.
يتناول الفصل أيضاً العلاقة بين الحمام والغناء، إذ يبنى الحمام عادة بقبة أو أكثر فيها فوهات زجاجية للاضاءة تسمى قمرية أو قماري، وبسبب هذا التكوين يتضخم الصوت ويصبح له رنين، فيستطيب من يغني في الحمام صوته، ويضحك الناس في دمشق عندما يقولون إن فلاناً "صوته حلو في الحمام". ويسوق المؤلف قصة المغني الأشهر معبد الذي جاء إلى دمشق ودعاه حاكمها إلى جلسة طرب في الحمام، لكن الحاكم دعا مغنيه الخاص ليغني، فغضب معبد وحلف ألا يعود إلى هذه البلدة أبداً. ومن الطريف أن الحمام كان يوصف بنعيم الدنيا، فسمع بذلك بدوي فجاء إلى دمشق ليرى نعيم الدنيا، وتصادف أن مر أمام بائع نمورة (وهي أكلة شامية) فاستطاب شكلها وذاق طعمها وكان أطيب، فقال: "أي بالله هذا هو الحمام؟!...".
أما حمام النساء فكان له طقوس خاصة، ويكون عادة من الظهر إلى المغرب، وفيه الترابة الحلبية التي تفرك بها النساء أجسادهن، ومن يصوبن الرأس وتسمى الأسطة، ومن تأتي بالبارد والمناشف. وكانت النساء يعتبرن الحمام تسلية لها طقوسها وماكلها، فيحملن معهن الكرنب والبيض والسفرجل والماكل المجدرة وتخلل اللفت والحراق أصبعه وأنواع النقل والمكسرات. وكان الحمام غالباً "عزيمة" أي دعوة، فمن تذهب تدعو صاحباتها وتدفع عنهن، خاصة عندما يكون الحمام لعروس يوم زفافها أو لنفساء وهي المرأة التي ولدت حديثاً. ولحمام النساء نوعان: حمام الفسخ بعد الولادة بسبعة أيام، وحمام الأربعين بعد أربعين يوماً، وفيه يدهن جسم النفساء بمزيج أصفر من العسل والزنجبيل (ماعدا الصدر الذي يغطى بقهاش) لإشداد الجلد وسحب الرطوبة، ثم تسقى بعد ذلك. أما حمام العروس يوم زفافها ففيه شموع وزلاغيط وبهجة، وتلبس العروس فوطة حمام مقصبة غالية الثمن وتمقشط بمشط من نوع "سن السمك" ثمنه ليرة ذهبية في تلك الأيام، وتتبارى النساء في طاسة الحمام الغالية الآتية من الحج أو من الهند، ويتباهين ببقجة الحمام التي فيها مناشف من نوع "الصرمة" الغالية الثمن، وكان الحمام فيه "دلال" كثير لمن يستطيع الإنفاق من أهلها أو زوجها عن سعة. وتحفظ مناشف العرس فلا تستخدم كثيراً إلا في المناسبات، ويذكر المؤلف قريبة له في بيروت أرتته مناشف عرسها وقالت إنها لم تستعملها منذ أربعين سنة وإنها تخبئها لتنشف بها يوم وفاتها بعد غسلها، وكان من هدايا الزفاف المتبادلة بين العروسين طاسة الحمام والمناشف، ومنها برنس الإمب الذي تبديه العروس لعريسها كتقليد له مغزاه الحميم.
يختتم الفصل بذكر بعض التفاصيل الداخلية، فبعض الحمامات المعروفة في الأسواق كانت أكثر فخامة وأغلى سعراً من غيرها، ويذكر المؤلف أنه كان معتاداً على حمام الخانجي في رأس سوق البزورية، وكان أحسن من حمام الورد وحمام الحوزة القريبين منه. وفي كل حمام مقاصير وهي غرف صغيرة للاستحمام ذات أبواب توضع عليها فوطة حاجزاً عن الأنظار، يستأجرها أفراد العائلة أو الأصحاب لينفردوا بها، وكانت فيه مصطبة حارة فوق بيت النار للتعرق السريع، وكانت في البيوت الكبيرة حمامات خاصة مصغرة عن حمام السوق بكل أقسامها، ويمكن رؤية مثال عليها في قصر العظم (متحف التقاليد الشعبية) حيث توجد تماثيل شمعية تمثل مراحل الاستحمام. وقد تطورت حمامات السوق الآن فدخلتها الكهرباء ومياه الفيجة وأصبح الماء يسخن على المازوت، فلم يبق إلا المظهر الخارجي، لكن الناس ما زالوا يذهبون إليها إما للتسلية أو للاستحمام، وعددها في دمشق مازال كبيراً، كما عاش الحمام في مخيلة الناس من خلال مسلسل حمام الهنا للفنانين دريد لحام ونهاد قلعي والسبيعي، ولم تستطع القصة الجميلة أن تخفي حياة الحمام وتقاليده، بل خلّدت الأشياء الجميلة. ويختم المؤلف بقصة فكهة عن قبضاي تسلط على صاحب حمام وادعى أنه سُرق له شيء فأخذ "ويقروش"، وعندما أراد الدخول مرة ثانية رفضه صاحب الحمام إلا إذا حلف بالطلاق أنه لن يدعي بسرقة شيء، وحلف الرجل ودخل، فتآمر الحمامي مع الزبائن وأخفوا ألبسته للضحك، فخرج القبضاي ولم يجد شيئاً من أغراضه إلا الخنجر، فالتفت إلى الحمامي وقال: "أنا ما انسرق لي شيء... البحرة بين ضحك الناس".
10.الفصل الحادي عشر241–280▼ ملخص
هذا الفصل هو فصل سيرة ذاتية بامتياز، يتوقف فيه المؤلف عند تفاصيل مولده وأسرته الصغيرة والكبيرة، وعن البيئة الدمشقية التي شكلت وعيه. يبدأ المؤلف بالحديث عن ولادته في الثامن من آذار عام 1927 في دمشق، وتحديداً في بستان الكركة المطل على بوابة الصالحية، وهو المكان الذي سيقضي فيه معظم أيام حياته. يذكر أن تاريخ مولده لم يكن معروفاً بدقة في الأصل، وأن أحد أقاربه، وهو العقيد شفيق حمدي، هو من سجّل ذلك في مذكراته، وكانت هدية والده بمناسبة الولادة هي طبق الأرز بالمفول والقطائف. يتناول المؤلف أيضاً قصة محاولته الالتحاق بالكلية الحربية، وكيف أن شرط التقدم في ذلك الوقت كان يتطلب أن يكون المتقدم من مواليد عام 1929، مما اضطر والده لإقامة دعوى قضائية لتصحيح تاريخ ولادته.
يؤكد المؤلف على تعلقه الشديد بمكان ولادته واستقراره فيه، فهو لا يحب التغيير ولا تبديل السيارة إلا عند الضرورة القصوى، ويعتبر السيارة مكاناً للذكريات أكثر منها مجرد آلة. ينتقل بعدها إلى الحديث عن عائلته التي ليست كبيرة أو عريقة، فعدد أفرادها لا يتجاوز الخمسين، لكنها مرتبطة بروابط النسب والمصاهرة مع معظم أسر دمشق القديمة. يتوقف المؤلف عند أحد أفراد عائلته وهو سليم أفندي قصاب حسن، التاجر الشاعر الظريف الذي عاش في مطلع القرن العشرين، ويصف ديوانه المطبوع بعنوان "نسمة الصبا في نشأة الصبا" بأنه شعر للمناسبات، ويذكر أنه نظم شعراً على ألحان أغانٍ دارجة قديمة مثل أغنية "بفتا هندي" بنغم "رصد ماهور".
يسرد المؤلف تفاصيل عن جده محمد رشيد، الذي كان نجاراً عربياً، وعن انتقاله من حي سوق ساروجة إلى بستان الكركة بعدما ورث قطعة أرض من أمه. يصفه بأنه كان رجلاً تقياً صلب العقيدة، من أتباع الطريقة القادرية الصوفية، يلبس العمامة الصفراء شعار المعلمين، ويحرص على صلاة الفجر في جامع الشامية. ينتقل الكلام إلى جدته التي تدعى زاهدة، والتي أنجبت أربعة أولاد بينهم عم المؤلف ووالده، وكانت تربي أولادها مستخدمة هيبة زوجها دون أن تعرضها للاصطدام، وقد عاشت حتى تجاوزت التسعين عاماً. يذكر المؤلف أن جده كان يدلل جدته بأسماء محببة مثل "زادو" أو "زاد الخير".
يعتبر المؤلف أن والده هو الرجل الأهم في حياته، صاحب الفضل الأول في كل ما يتحلى به هو وإخوته من مزايا، ويصفه بأنه أب وأخ ومعلم وصديق في آن واحد. ينقل المؤلف نص مقال نشره في صحيفة الرأي العام عام 1958 يصف فيه لقاءه الأول بوالده في ساحة المرجة وهو طالب، وكيف كان والده رجلاً بشوشاً كريماً يحييه هو وصديقه ويبادلهما الدعابة، ثم يصف المؤلف والده بأنه رجل حنون يستخدم الرفق في التربية بدل الشدة. يركز المؤلف على مشاعر الاحترام المتبادل بينه وبين والده، وكيف كان والده يوقره ويحترمه منذ الصغر، ويستشهد بمواقف كثيرة مثل قراءة القرآن له في الليل ليطمئن، وبكاء والده عندما اضطر لضربه مرة واحدة في حياته.
يذكر المؤلف أن والده رغم صلابته وتدينه كان رجلاً متطوراً، فقد عمل في الحركة النقابية وفتح بيته للمؤتمر الأول للعمال السوريين، ويقول إنه ساهم في تلطيف تعصب والده تدريجياً. ينتقل الحديث إلى عمه إبراهيم قصاب حسن، العقيد المتقاعد الذي كان أكبر من والده بسنوات، والذي سلمه مذكراته التي يروي فيها قصة حياته. يذكر المؤلف أن عمه شارك في معارك جناق قلعة خلال الحرب العالمية الأولى، وكان على رأس سرية رشاشات أثخنت في الفرنسيين والانكليز، وحصل على وسام حربي من السلطان ورفع إلى رتبة ملازم أول. يضيف المؤلف أن عمه تعلم عدة لغات منها الفرنسية والألمانية والروسية والتركية، وعرف مصطفى كمال ورافقه، ثم عاد إلى سورية والتحق بالجيش الفيصلي وعين مدرساً لمادة الطوبوغرافيا، وتولى مناصب إدارية عديدة في مدن سورية مختلفة حتى تقاعد.
يقف المؤلف عند ظاهرة اجتماعية في دمشق القديمة وهي ظاهرة الزواج من أكثر من امرأة، ويحلل أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، مثل العقم والرغبة في اليد العاملة المجانية، وينقل بعض التقاليد القاسية التي كانت تمارس في هذا السياق مثل "اللوعة" و"التلقيحة"، وينقد الكتاب والمسرحيين الذين يصورون العائلة السورية بشكل مشوه. يعود المؤلف بعدها للحديث عن أمه التي تدعى ديبة الطرابيشي، ويصفها بأنها صبية رضية الخلق صبورة، ويقول إنها تشبه المطربة سميرة توفيق لكن على سمنة أكثر. يذكر أن والده كان يحبها كثيراً ولا يخاطبها إلا بكلمات رقيقة ويناديها بـ"الملكة"، وأنها تحملت مشاق الحياة في ظروف صعبة دون كهرباء أو غسالات، وكانت تخدم عائلتها دون أن تشكو أو تلجأ لشتم الأطفال.
يكشف المؤلف عن مفاجأة كبيرة عاشها حين بلغ الحادية والثلاثين من عمره، وهي اكتشافه أن والدته كانت متزوجة قبلاً من رجل آخر وطلقت منه، وأن لها ابنة من هذا الزواج اسمها ليلى. يروي المؤلف أنه عرف بهذا الأمر مصادفة عن طريق عمته التي قالت له إنه ليس "بكر البكرين"، وعندما سأل والدته اعترفت له بالحقيقة، وأخبرته أن والده اشترط عليها ألا تذكر هذه البنت أبداً في بيته، لكنه لم يمنعها من زيارتها، وهذا ما فعله المؤلف حيث أقام علاقة طيبة مع أخته غير الشقيقة وأولادها.
يختم المؤلف الفصل بالحديث عن أسرة والدته، فيذكر إخوتها وتفاصيل حياتهم، ومن أبرزهم ماجد الطرابيشي الذي عاش معهم كأخيهم وعمل معلماً ثم درس الحقوق وأصبح محامياً. ينتقل أيضاً إلى الحديث عن زكي الطرابيشي الملقب بـ"أبو عبده"، وكان لحاماً يتمتع بموهبة الحكواتي، وكيف كان يقص عليهم القصص الشعبية مثل قصص الملك الظاهر والملك سيف، وكان يكره أكلة الملوخية كرهاً شديداً، ويذكر المؤلف أنه من الطرائف الدمشقية أن يكره بعض الناس الملوخية ويتضايقون من ذكر اسمها. يذكر أيضاً أديب بدر خال والدته وهو عازف عود لبناني من بيروت يعرفه الناس في الوسط الفني باسم "أبو عيشة"، وكيف زاره في فندق "بلدن بلاس" ورأى حياة الفنانين البسيطة في الفنادق.
11.الفصل الثاني عشر281–350▼ ملخص
هذا الفصل هو رحلة استرجاعية في طفولة الكاتب نجاة قصاب حسن، لا يكتفي فيها بسرد الذكريات العذبة، بل يجعلها مدخلاً واسعاً للحديث عن المجتمع الدمشقي في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن العشرين. فالموضوع المحوري هنا هو تكوين الوعي الأول للطفل والنشأة في بيئة تقليدية، مبيناً الكيفية التي تشكلت بها شخصيته من خلال الأسرة والمدرسة والمحيط، وكيف كانت هذه التجارب نواة لاهتماماته اللاحقة في الخط والأدب والعلاقات الإنسانية.
يبدأ الكاتب بذكرياته الأولى الضبابية في بستان الكركه بدمشق، حيث يروي حواديت طفولية بسيطة لكنها كاشفة، مثل رميه حذاءه الجديد في النهر ولهوته بذلك بينما يخوض الحاج محمد المغربي لإنقاذه، وموقف عمه المتسامح الذي اكتفى بشراء صندل بسيط بدل العقاب. وينتقل سريعاً إلى ذكرى حية مؤثرة عن إعطائه معطفه الجديد لشحاذة، وهي حادثة يقول إنها رسخت فيه منذ الصغر نزعة الإيثار وتفضيل الآخر على النفس، وظل يفتخر بها ويكررها. ثم ينتقل بالسرد إلى فترة إقامته في دير الزور، حين كان عمه ضابط درك هناك، فيصف خوفه من العقارب ووضعه في المدرسة قبل السن القانونية بفضل نفوذ عمه، ليعود بعدها إلى معرة النعمان حيث بدأ يتذكر مشهد لقائه بأبيه بعد خروجه من المدرسة متأخراً وخوفه الطفولي من ردة فعله، ليتبين له لطف أبيه وحنانه.
لا يكتفي الكاتب بعرض هذه الذكريات كحكايات منفصلة، بل يقف عندها لاستخلاص دلالاتها، فانتقاله من "الكتّاب" إلى مدرسة الحضانة كان حدثاً فارقاً حمده الله عليه لاحقاً. وبمناسبة الحديث عن الكتاتيب، يقدم الكاتب تحقيقاً موسعاً في هذه المؤسسة التعليمية التقليدية، فيصف أدواتها القاسية مثل "الطبشة" و"الفلق"، والعبارة الشهيرة التي كان الآباء يودعون بها أبناءهم: "شيخي اللحم لك والعظم لنا"، والتي تمنح الشيخ الحق في الضرب دون كسر العظام. وهنا يعقد الكاتب مقارنة صريحة مع واقعه كمعلم ومسؤول، فيناقش قضية الضرب في المدارس، ويقر بأن القانون يعفي "ضروب التأدib" من العقاب، لكنه يطرح بذكاء فكرة أن العنف وسيلة تغيير عند من لا يفهمون بغيرها، وأن المسألة مسألة ميزان وعدالة، متنقلاً بعدها إلى وصف طرق التعلم في الكتاب، كتحفيظ القرآن بالترديد والتنغيم دون فهم، واصفاً هذه الطريقة بأنها كانت ترسخ الحفظ لكنها كانت تجعل المعنى يضيع، مستشهداً بقصة طريفة عن دبلوماسي سمع طلاباً في أفريقيا يرددون عبارات محرفة عن آية قرآنية وهم لا يفهمونها.
يتوقف الكاتب عند قضية تعليم اللغة الفرنسية، فيدافع عن تعلمها في سن مبكرة، معتبراً أن سنوات الطفولة هي سن التلقين والاستعداد لاستيعاب اللغات، مخالفاً بذلك تياراً تربوياً واسعاً كان يشجب الفكرة. ويسترسل في ذكرياته عن مدرسته الابتدائية "مدرسة عرنوس"، فيقدم للقارئ لوحة حية عن أجيال من المعلمين المؤثرين، مثل كامل الروماني الذي وصفه بالجميل والأنيق والمعلم البارع الذي أحبوه، وأديب شاكوج الذي عشق يديه الجميلتين وظل يتذكرهما، والشيخ محمود السعدي العبجي معلم الدين، وغيرهم. كما يتحدث بإسهاب عن زملائه، وأبرزهم شاكر مصطفى الذي ربطته به صداقة عمر طويلة، وفيصل الصباغ وبكري المرادي، مستحضراً تفاصيل الطفولة البريئة كتشكيل العصابات في الحارة، ومحاولتهم الفرار من المنزل لاستكشاف الدنيا، كما يصف علاقته المتطورة بالخط العربي والرسم، بدءاً من كتابته على قصب الغزار وصولاً إلى ولعه بالخطاطين في سوق الحميدية، معترفاً بفضل والده الذي كان يسخي عليه بالأوراق والألوان.
وفي النصف الثاني من الفصل، يوسع الكاتب نطاق السرد من الذكريات الشخصية إلى وصف تفصيلي للمدينة وحياة الناس، فتجد فقرات كاملة مخصصة لشرح "التوقيت" في العشرينات، موضحاً أن الناس كانوا يعتمدون الساعة "العربية" التي يبدأ عدها من وقت المغرب، وأنهم كانوا يؤرخون بالتاريخين الهجري والميلادي معاً، ويتحدث عن الأنظمة الشمسية والقمري وأنواع التقاويم المتعددة، وقصة إصلاح البابا غريغوار الثالث عشر للتقويم. كما يخصص فقرات مطولة للأمثال الشعبية المتعلقة بالطقس والمواسم، مثل "المربعانية" و"الخمسينية" وما يرتبط بها من سعود وأمثال عن شدة البرد أو دفء الحياة، فيصف تأثير المناخ على سلوك الناس ومعيشتهم. ثم يقدم تحليلاً لمناخ دمشق نفسه، واصفاً إياه بالقاسي والقاري، وملاحظاً بارتياب زيادة التلوث من السيارات والمكيفات التي أفسدت الحياة، ومستعرضاً معدلات الأمطار ودرجات الحرارة.
ولم يفت الكاتب ذكر الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، فيقدم معلومات وافية عن الأوزان والمكاييل والمقاييس القديمة التي كانت رائجة آنذاك، مثل "الرطل" و"المد" و"الذراع" و"القصبة"، وعن قيمة العملات كالليرة العثمانية الذهبية التي كانت تساوي خمس ليرات سورية، والمجيدي وأجزائه. ولم ينس الإشارة إلى أسعار المواد الغذائية في زمنه، كقيمة الرغيف واللحم، مقارناً إياها بارتفاعها المهول اليوم، مستشهداً على ذلك بمدى هبوط قيمة العملة. وتُختتم هذه الجولة الواسعة بالحديث عن وسائل النقل المختلفة، من سيارات "أبودعسة" التي كانت تسافر إلى بغداد، إلى عربات الخيل التي يصفها بالوسيلة النظيفة والرائجة، وهذه الجولة المتنوعة تعكس منهج الكاتب في المزج بين الذاتي والموضوعي، ليرسم لوحة متكاملة عن ملامح الحياة الدمشقية في زمن مضى.