
رحلاتي الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي
يتناول كتاب "نيكولاس فان دام - رحلاتي الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي" سيرة ذاتية تحليلية لمؤلفه، الدبلوماسي الهولندي نيكولاس فان دام، الذي قضى عقوداً في خدمة وزارة الخارجية الهولندية في مواقع حساسة عبر الشرق الأوسط وآسيا. الموضوع المحوري للكتاب هو استعراض مسيرة دبلوماسي ميداني عايش لحظات مفصلية في تاريخ المنطقة، ويقدم من خلالها نقداً صريحاً للسياسات الغربية، خاصة الأوروبية منها، في التعامل مع العالم العربي والإسلامي. يدافع المؤلف عن فكرة أن الفهم العميق للثقافة واللغة العربية، وليس مجرد البروتوكولات الرسمية، هو ما يجعل الدبلوماسي فعالاً في أوقات الأزمات، كما ينتقد ازدواجية المعايير في السياسة الخارجية الغربية التي تتغاضى عن انتهاكات الدول الحليفة بينما تشدد على الدول الأخرى.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني لمسيرة المؤلف المهنية، لكنه لا يقتصر على السرد التاريخي المجرد، بل يمزجه بتحليل سياسي عميق مستفيداً من خبرته الطويلة. يبدأ من أيامه الأولى في مكتب الشرق الأوسط بوزارة الخارجية في لاهاي، حيث واجه انحيازاً مؤسسياً واضحاً تجاه إسرائيل، ويتجلى ذلك في حادثة تعديل مديره لكلمة "غزو إسرائيلي" إلى "عملية" في مذكرة رسمية، ثم ينتقل إلى بيروت خلال الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي، حيث عايش القصف وواجه صعوبات في التعامل مع بيروقراطية الوزارة التي بدت غير مبالية بسلامة دبلوماسييها الميدانيين. هذه التجارب المبكرة ترسم صورة لدبلوماسي يجد نفسه غالباً في مواجهة مع صانعي القرار في العاصمة، الذين يبدون أكثر اهتماماً بالمصالح السياسية الداخلية من الحقائق على الأرض.
يتعمق الكتاب في تجربة المؤلف كسفير في العراق خلال فترة حرجة، حيث يقدم صورة مركبة عن نظام صدام حسين القمعي وتأثير حروبه الكارثية على البلاد. يصف فان دام بعين الخبير الحياة اليومية الصعبة تحت الدكتاتورية، والقيود المشددة على حركة الدبلوماسيين، و"عبادة القائد" التي زرعها النظام في نفوس العراقيين. ويمتد السرد ليشمل احتلال الكويت وأزمة الرهائن، حيث ينتقد المؤلف سياسة "الدبلوماسية الهادئة" التي تتبعها الوزارة، ويروي بعمق محنة الرهائن الهولنديين الذين كانوا عالقين في العراق، بما في ذلك الجهود المضنية لإطلاق سراحهم وقراره الصعب بعدم إرسال بعثة سياسية رفيعة المستوى لتحريرهم خشية تعزيز موقف صدام حسين. هذا الجزء من الكتاب شهادة مباشرة على تعقيدات الدبلوماسية في زمن الأزمات، حيث تكون القرارات الأخلاقية الصعبة جزءاً من العمل اليومي.
بعد العراق، تنقل فان دام إلى القاهرة كسفير خلال عهد حسني مبارك، وهي الفترة التي يصفها بوظيفة الأحلام لأي باحث في الشؤون العربية نظراً لمكانة مصر المحورية ووجود جامعة الدول العربية على أرضها. يقدم المؤلف في هذا الجزء مزيجاً من الملاحظات الشخصية الطريفة حول العادات المصرية، وحكايات عن الشخصيات البيروقراطية، بالإضافة إلى معالجة قضايا جدية مثل الهجمات الإرهابية وعلاقات التعاون الإنمائي بين البلدين. يعكس هذا الفصل العلاقات الدافئة التي بنتها هولندا مع مصر، ويظهر الجانب الإنساني من العمل الدبلوماسي بعيداً عن السياسة الكبرى.
يخصص المؤلف فصلاً كاملاً لتحليل الهوية التركية المعقدة، مسلطاً الضوء على تجربته كسفير في أنقرة بين عامي 1991 و1993، ويدمجها بتحديثات لاحقة حول تطور المشهد السياسي التركي. يدور السؤال المحوري حول ما إذا كانت تركيا دولة أوروبية أم شرق أوسطية، ويميل فان دام إلى أن هويتها مركبة، وأن الإصلاحات العلمانية الكمالية لم تغير الجذور الإسلامية والشرقية العميقة للمجتمع التركي. يتناول الفصل أيضاً موضوع انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بتشكك، مشيراً إلى أن البعد الإسلامي كان يشكل عائقاً واضحاً، وأن المطالب الأوروبية بضرورة امتثال تركيا للمعايير الأوروبية أسهمت بشكل غير مباشر في تفكيك النظام العلماني الكمالي، لأنها تطلبت تقليص دور الجيش الذي كان يضمن الحفاظ على تلك العلمانية.
يصل الكتاب إلى ذروة تأملية عندما يتناول الفصل الأطول عن سوريا، وهو الفصل الذي يعكس تجربة المؤلف كمبعوث خاص لسوريا منذ يناير 2014. يطرح الفصل نقداً لاذعاً للسياسة الغربية القائمة على "التفكير الرغائبي" وتوقعات خاطئة بسقوط النظام السوري سريعاً، ويدافع المؤلف عن فكرة أن رفض الحوار مع النظام، حتى لو كان بغيضاً أخلاقياً، أطال أمد الحرب وسفك المزيد من الدماء. يعتبر أن فشل مفاوضات جنيف وبيان الرياض كان بسبب إصرار الأطراف على شروط غير واقعية، مثل تنحي الأسد في بداية الفترة الانتقالية، وهو ما كان بمثابة "توقيع النظام على حكم إعدامه". كما يدافع المؤلف عن برنامج "المساعدة غير الفتاكة" للجماعات المعارضة المعتدلة، والتي بلغت أكثر من 50 مليون يورو بين 2014 و2017، منتقداً الانتقادات النيابية القاسية التي أدت في النهاية إلى وقف كل الدعم.
يعالج الفصل الأخير العناصر الأساسية للصراع العربي الإسرائيلي، مستنداً إلى تجربة المؤلف في بعثة أوروبا للشرق الأوسط عام 1980، ومقارناً المواقف الثابتة للأطراف منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. يقدم الكتاب تحليلاً نقدياً لفشل الدور الأمريكي في الوساطة، معتبراً أن الولايات المتحدة كانت دائماً داعمة لإسرائيل، وينتقد بشدة السياسات الغربية التي تكتفي بإصدار بيانات "القلق البالغ" دون اتخاذ إجراءات ملموسة.
من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها في الكتاب، يبرز عدد القتلى في سوريا الذي تجاوز نصف مليون شخص، وعدد الرهائن الهولنديين الذي بلغ 37 رهينة في نهاية أزمة الخليج، والمطالبة بتعويضات من العراق عبر لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة. كما يذكر المؤلف أن الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 أدى إلى احتجاز أكثر من خمسمائة هولندي في العراق، وأن الملابس الواقية التي أرسلت من هولندا لم تشمل أحجاماً للأطفال الصغار، وهي تفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة في نقل الأثر الإنساني للأزمات.
يعترف المؤلف في عدة مواضع بحدود معرفته وتحفظاته، فهو يؤكد في المقدمة أن الذاكرة ليست موثوقة بشكل كامل حتى مع الملاحظات المدونة في وقت الأحداث، كما يقر في الفصل السوري بأنه يتحدث بصفته دبلوماسياً غربياً له قناعاته، وأن تحليله الشخصي ليس الحقيقة المطلقة. كما يشير إلى صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن عدد القتلى الهائل، تاركاً هذا السؤال للمؤرخين.
تكثر في الكتاب الحجج القابلة للنقاش بوضوح، أبرزها دفاع المؤلف المستميت عن فكرة أن الحوار مع نظام الأسد كان سيمثل خياراً أخلاقياً أعلى من عدم التدخل، وهي أطروحة يعترف المؤلف نفسه بأنها لم تلق قبولاً واسعاً وقد تكون مثيرة للجدل حتى بعد سقوط النظام. كما أن انتقاده لسياسة "الدبلوماسية الهادئة" في قضية ليكس أرونسون قد يكون محل خلاف مع من يرون أن الضغط العلني كان سينقذ حياة الممرض الهولندي، وكذلك دعمه لمبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات الدولية خلال أزمة الرهائن قد يثير جدلاً حول أخلاقية احتجاز دبلوماسيين أبرياء كوسيلة ضغط.
يُجمع الكتاب بين الخبرة الدبلوماسية الميدانية والتحليل السياسي العميق، ويقدم نظرة نقدية للسياسات الأوروبية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، مسلطاً الضوء على الفجوة الواسعة بين صانعي القرار في العواصم الأوروبية والدبلوماسيين الميدانيين الذين يعايشون الأزمات عن قرب. فان دام لا يقدم حلولاً جاهزة، لكنه يدعو إلى مقاربة أكثر واقعية وصراحة في التعامل مع الشرق الأوسط، بعيداً عن الشعارات الأخلاقية التي لا تقترن بإرادة حقيقية لتنفيذها على الأرض.
الأشخاص
الفصول(8)
1.المقدمة5–12▼ ملخص
يقدّم نيكولاس فان دام في هذا الفصل التمهيدي خريطة طريق لمسيرته الدبلوماسية الطويلة، ويشرح الدوافع التي قادته إلى تأليف هذا الكتاب الذي يجمع بين المذكرات الشخصية والتحليل السياسي. يوضح المؤلف أن الكتاب ليس سيرة ذاتية تقليدية، بل هو مجموعة منتقاة من الأحداث والتطورات التي اعتبرها ملحوظة أو مهمة أو ممتعة خلال عمله في وزارة الخارجية الهولندية، مع تركيز خاص على تجاربه كسفير في العراق ومصر وتركيا وألمانيا وإندونيسيا، بالإضافة إلى دوره كمبعوث خاص لسوريا. يؤكد فان دام أن معرفته العميقة بالعالم العربي والإسلامي وإتقانه للغته جعلته أكثر فعالية في عمله، خاصة في أوقات الأزمات حيث يكون الوصول المباشر والتأثير أكبر بكثير من الاعتماد على المترجمين.
يسير الفصل وفق التسلسل الزمني لمسيرة المؤلف المهنية، فيستعرض بدايته في لاهاي حيث عمل في مكتب الشرق الأوسط وتعلم آلية اتخاذ القرار داخل الوزارة، ثم انتقاله إلى لبنان في الفترة من 1979 إلى 1983 حيث واجه مسؤوليات كبيرة خلال الغزو الإسرائيلي في صيف عام 1982، واضطر إلى نقل السفارة إلى منطقة أكثر أمانًا وإجلاء المواطنين الهولنديين. يلفت المؤلف الانتباه إلى أن الوضع الدبلوماسي لا يوفر حماية دائمة في أوقات الحروب، بل قد يزيد من تعرض الدبلوماسيين للخطر. كما يذكر أنه أعاد الاتصالات الرسمية مع الشخصيات الفلسطينية في الضفة الغربية بعد انقطاعها منذ حرب يونيو 1967، وحظي بفرصة مرافقة وزير الخارجية الهولندي كريس فان دير كلاو في جولة استمرت خمسة أشهر شملت إسرائيل وأربعة عشر دولة عربية، ويطرح سؤالاً عن جدوى تلك الجهود الأوروبية بعد أربعين عامًا.
يتنقل المؤلف بعدها إلى ليبيا حيث تولى منصب القائم بالأعمال في عام 1984، ويصف النظام الليبي في عهد القذافي بالعدائي والمستفز، ثم يعود إلى لاهاي في عام 1986 كنائب لمدير إدارة إفريقيا والشرق الأوسط، ليتولى بعدها في عام 1987 منصب السفير الهولندي في العراق وهو في السابعة والثلاثين من عمره، وكان أصغر سفير هولندي في ذلك الوقت. يصف الفصل واقع الدكتاتورية القاسية لصدام حسين وقمع الأكراد في شمال العراق، وتجربة احتجاز الرهائن الهولنديين بعد الغزو العراقي للكويت، والفترة المتوترة التي سبقت عملية عاصفة الصحراء عام 1991. بعد ذلك انتقل إلى القاهرة كسفير في الفترة من 1996 إلى 1991، ويصفها بوظيفة الأحلام لأي باحث في الشؤون العربية نظرًا لمكانة مصر في الصراع العربي الإسرائيلي ووجود جامعة الدول العربية.
ينتقل السرد بعدها إلى تركيا حيث ترأس محليًا للاتحاد الأوروبي، وكان موضوع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي محور كل المحادثات، ويثير تساؤلاً حول صدق نوايا الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ويتساءل: هل كانت الدول الأوروبية تخدع تركيا أم تخدع نفسها؟ ثم إلى ألمانيا حيث شهد انتقال الحكومة الفيدرالية من بون إلى برلين عام 1999، ويحلل التغيرات التي طرأت على الرأي العام الهولندي تجاه الألمان، ويتطرق إلى نقطة مهمة وهي أن الهولنديين يرون الألمان كشعب مذنب بسبب الحرب العالمية الثانية، بينما يدرك القليل منهم أن الإندونيسيين ينظرون إليهم بنفس الطريقة بسبب الحروب الاستعمارية، خاصة بعد إعلان استقلال إندونيسيا عام 1945. كانت آخر محطة دبلوماسية له كسفير هي جاكرتا، حيث بدأ عمله بعلاقات ثنائية في أفضل حالاتها بفضل زيارة وزير الخارجية الهولندي برنارد بوت الذي اعترف بأن هولندا كانت في الجانب الخاطئ من التاريخ، وتقبل تاريخ 17 أغسطس 1945 كموعد رسمي لاستقلال إندونيسيا لأول مرة رسميًا.
يتناول المؤلف في هذا الفصل أيضًا حساسية الإرث الاستعماري الهولندي في إندونيسيا، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الهولنديين يتحدثون بحماس عن "ماضٍ مشترك" مع إندونيسيا بينما الأدق وصفه بأنه "ماضٍ مفروض"، وأن المعرفة العامة بإندونيسيا في هولندا ليست بالمستوى المطلوب رغم أن الإلمام بتاريخ المستعمرات السابقة يعد التزامًا أخلاقيًا. كما يذكر زيارته لجميع المقاطعات السبع والعشرين في الأرخبيل الإندونيسي من سابانغ في الشمال الغربي إلى ميراوكه في الجنوب الشرقي، ويشير إلى أن فيلم "فتنة" المناهض للإسلام الذي أخرجه خيرت فيلدرز تسبب بمشكلات كبيرة له في إندونيسيا والدول ذات الأغلبية المسلمة. يختتم المؤلف حديثه عن مسيرته بتعيينه الأخير كمبعوث خاص لسوريا في نهاية عام 2014 بعد أكثر من أربع سنوات على تقاعد عام 2010، ومقره في إسطنبول حيث كان المقر الرئيسي لأبرز مجموعات المعارضة السورية، مشيرًا إلى أنه لم يتمكن من زيارة دمشق بسبب الحظر على التواصل مع النظام السوري، وكانت مهمته دعم المعارضة في البحث عن حل واقعي وبراغماتي، رغم أن العديد منهم كانوا يعيشون في أوهام كما كان الحال مع الحكومات الغربية والعربية الداعمة لهم.
يقرّ المؤلف في نهاية الفصل ببعض التحفظات والقيود المتعلقة بموثوقية الذاكرة، مشيرًا إلى أن الذاكرة ليست دائمًا موثوقة بشكل كامل حتى مع الملاحظات المدونة في وقت الأحداث، وأن الأحداث التي سبق له روايتها في دوائر صغيرة كانت أسهل في الاسترجاع من غيرها، مؤكدًا أن الغالبية العظمى من محتوى الكتاب تُنشر لأول مرة. كما يتأمل في طبيعة حياته المقسومة إلى فصول منفصلة بسبب التنقل المستمر، وكيف يمثل هذا الكتاب فرصة نادرة لإزالة الفواصل بين مراحل حياته المهنية، ويشير إلى أن معظم مهماته الدبلوماسية انتهت بشكل مفاجئ وغير متوقع مما قصر مدتها، بينما استمرت مهام أخرى لفترات أطول، وكانت المهمات الأقصر أكثر تأثيرًا على الحياة الأسرية. يختم المؤلف بشكر كل من تعاون معهم خلال سنوات عمله وابنتيه إيما على اقتراحاتها القيمة، وزوجته مارينكا وأولاده الذين عاشوا معه في المحطات المختلفة.
يمكن القول إن هذا الفصل التمهيدي يؤسس لإطار الكتاب بأكمله، حيث يقدم المؤلف مبرراته لكتابة هذه المذكرات التحليلية، ويحدد نطاقها الجغرافي والزمني، ويقدم لمحة عن المواقف الصعبة التي واجهها خلال مسيرته. يظهر من النص أن فان دام يتبنى وجهة نظر نقدية تجاه السياسات الغربية في التعامل مع العالم العربي والإسلامي، خاصة في الملف السوري، حيث يتحمل النظام السوري الجزء الأكبر من المسؤولية عن الكارثة الإنسانية التي أدت إلى مقتل أكثر من نصف مليون شخص، لكنه يرى أن الدول الغربية والعربية التي تدخلت في الشأن السوري تتحمل أيضًا جزءًا من المسؤولية. هذه المقدمة تعِد القارئ بكتاب يجمع بين الخبرة الدبلوماسية الميدانية والتحليل السياسي العميق، مع نظرة نقدية للسياسات الأوروبية تجاه المنطقة.
2.مكتب الشرق الأوسط13–21▼ ملخص
يتركز هذا الفصل على تجربة المؤلف نيكولاس فان دام خلال الفترة الأولى من عمله الدبلوماسي في مكتب الشرق الأوسط التابع لوزارة الخارجية الهولندية في لاهاي، أواخر السبعينيات. يقدم الفصل إجابة واضحة عن طبيعة العمل الدبلوماسي الهولندي في تلك الفترة الحساسة، والتي اتسمت بتوتر العلاقات بين هولندا والعالم العربي بسبب موقفها المؤيد لإسرائيل، ويستعرض كيف أثر هذا الموقف على تعامل الدبلوماسيين مع ملفات شائكة مثل القضية الفلسطينية وحقوق الإنسان.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة ملفات رئيسية كان المؤلف طرفاً فيها، وأولها قضية ليكس أرونسون، وهو ممرض هولندي يحمل أيضاً الجنسية الإسرائيلية، اعتقل في العراق عام 1975 بعد انسحاب المقاتلين الأكراد (البيشمركة) نحو إيران، ووجهت إليه تهمة التجسس لصالح إسرائيل. يصف المؤلف الجهود التي بذلها القائم بالأعمال الهولندي في بغداد، جيرين ميهاوزن، لتأمين المساعدة القانونية والإفراج عن أرونسون، لكن هذه الجهود باءت بالفشل، وأُعدم أرونسون. يخلص المؤلف إلى أن القضية كانت محكومة بالفشل منذ البداية بسبب الخلفية الإسرائيلية لأرونسون، وينتقد لاحقاً سياسة "الدبلوماسية الهادئة" التي اتبعتها الوزارة، معتبراً أن أي ضجة إعلامية كبيرة لم تكن لتغير النتيجة، بل ربما كانت ستسرع في الإعدام.
ينتقل الفصل إلى معاناة المؤلف مع المصطلحات المنحازة في وزارته، حيث يروي كيف قام مديره، بوب فان دايل، بتعديل كلمة "غزو إسرائيلي" في مذكرة كتبها المؤلف عن الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1978 إلى كلمة "عملية" للتخفيف من حدتها. كما يذكر الفصل حادثة أخرى عندما رافق المؤلف وزير الخارجية فان دير كلاو إلى سوريا، حيث سُئل الوزير عما إذا كان يدعم قيام دولة فلسطينية، فأجاب بالإيجاب، لكن المدير حذف هذا التصريح من التقرير الرسمي بحجة "حمايته من نفسه" لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية الهولندية.
في جزء لاحق، يتناول الفصل إلغاء زيارة وزير الخارجية الهولندي إلى بغداد في فبراير 1980، والذي جاء احتجاجاً على المفاوضات الثلاثية السرية التي جرت في شيفينينغن بين إسرائيل ومصر والولايات المتحدة بشأن الصراع العربي-الإسرائيلي. يضيف المؤلف تفاصيل طريفة عن السفير العراقي طارق أبو الخيل الذي اعتذر عن التأخر في معرفة هذه المفاوضات بسبب انتقاله إلى منزل جديد، كما يذكر أن أحد الموظفين الأكراد في السفارة العراقية كان قد طلب اللجوء السياسي في هولندا. يوضح هذا الجزء حساسية العراق تجاه أي تحرك هولندي قد يبدو متعاوناً مع إسرائيل.
يُخصص الجزء الأكبر من الفصل لتحليل إعلان البندقية الصادر في يونيو 1980، والذي وصفه المؤلف بأنه "حجر الزاوية في سياسة الشرق الأوسط الأوروبية". يشرح المؤلف كيف شارك في المباحثات التحضيرية للإعلان في روما، وكيف تعامل مع الضغوط الأوروبية حيث التزم الصمت ليتولى مندوبون آخرون مهمة رفض الاقتراح الفرنسي الداعم لفكرة الدولة الفلسطينية، مما جعل هولندا تتجنب تحمل المسؤولية، رغم تسريب أخبار كاذبة تلقي عليها اللوم. ثم يحلل مضمون الإعلان الذي أكد على حق الفلسطينيين في تقرير المصير لكن بشكل مشروط بـ"إطار تسوية شاملة"، وهو ما جعله غير ملزم لإسرائيل. كما أقر الإعلان بالدور الذي يجب أن تلعبه منظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات، واعتبر المستوطنات الإسرائيلية عقبة أمام السلام.
يختتم الفصل بانتقال المؤلف إلى بيروت في نوفمبر 1980 للعمل كسكرتير أول في السفارة الهولندية، ثم نائباً لرئيس البعثة في صيف 1981، رغم استمرار الحرب الأهلية اللبنانية. يصف المؤلف هذا المنصب بأنه حدث رائع على الرغم من الظروف الصعبة، ويؤكد أنه قام خلاله بالكثير من التقارير السياسية وأقام اتصالات واسعة مع سياسيين لبنانيين وشخصيات فلسطينية. لا يتضمن الفصل تحفظات جوهرية من المؤلف حول معلوماته، لكن يمكن القول إن هناك حجة قابلة للنقاش تتمثل في موقفه الدفاعي عن "الدبلوماسية الهادئة" في قضية أرونسون، والذي قد يكون محل خلاف مع من يرون أن الضغط العلني كان سينقذ حياة الممرض الهولندي.
3.لبنان، الأردن، والضفة الغربية21–35▼ ملخص
يستعرض نيكولاس فان دام في هذا الفصل تجربته الدبلوماسية في لبنان والأردن والضفة الغربية، مركزاً على فترة عمله في بيروت خلال الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي. يقدم المؤلف سرداً شخصياً عن التحديات التي واجهها كدبلوماسي في منطقة حرب، ويقارن بين وجهات النظر المختلفة بين الدبلوماسيين في بيروت وتل أبيب، وينتقد بعض ممارسات وزارة الخارجية الهولندية في التعامل مع الأزمات.
يبدأ الفصل بوصف وصول فان دام إلى بيروت في منتصف نوفمبر 1980 بصفته السكرتير الأول في السفارة، بعد أن أعرب عن رغبته في الانتقال إليها رغم استمرار الحرب الأهلية منذ خمس سنوات. يوضح المؤلف أن بيروت كانت مدينة مألوفة له من إقامته السابقة في 1975-1976 عند اندلاع الحرب، ويشير إلى أن جيرارد دي هير، رئيس القسم المسؤول في إدارة الخدمة الخارجية، عارض طلبه في البداية معتبراً أن الدبلوماسيين ليسوا في وكالة سفر. بعد وصوله، تولى منصب الرجل الثاني في صيف 1981 وأصبح نائب رئيس البعثة، حيث أقام اتصالات مع سياسيين لبنانيين وشخصيات فلسطينية من منظمة التحرير الفلسطينية، وتابع الصحف اللبنانية وخاصة النهار والحياة، وزار الكتيبة الهولندية ضمن قوات اليونيفيل في جنوب لبنان ورافقهم في دورياتهم.
يتناول الفصل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 6 يونيو 1982، حيث كان فان دام في عرض للأطفال الصم والبكم عندما بدأ القصف على الملعب الرياضي في بيروت. يروي المؤلف أنه قبل أيام من الاجتياح، زار مع زملائه الأوروبيين منظمة التحرير الفلسطينية في النبطية وصيدا، حيث استقبلهم العقيد الحاج إسماعيل، وعندما عاد بعد الاجتياح لم يجد أي أثر للمنظمة هناك. يستخدم المؤلف هذا المثال لتوضيح أن منظمة التحرير كانت تدرك أن الدبلوماسيين الزائرين سيبلغون عن مواقعها، مما قد يعرضها لخطر الهجمات الإسرائيلية.
يقدم الفصل مقارنة بين وجهات النظر حول القصف الإسرائيلي، حيث اقتبس فان دام في تقريره إلى وزارة الخارجية عن زميل أمريكي قال: «لقد خلقنا وحشاً فرانكشتاين»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة سلحت إسرائيل وأصبحت تتصرف كما تشاء. في المقابل، رفض السفير الهولندي في تل أبيب إيفان فيركادي هذا التصوير، معتبراً أن الإسرائيليين لم يكونوا عدوانيين بتلك الطريقة، بينما أيد زميل آخر هو نيك بيجمان وجهة نظر فان دام، مؤكداً أن الوحش يبدو مختلفاً من الجانب الذي يتعرض للقصف عنه من الجانب الخلفي في تل أبيب. ينتقد المؤلف التقليل من شأن القصف على لبنان ويقول إن فيركادي كان جالساً بأمان في تل أبيب بينما تعرضت بيروت لهجمات مكثفة على أهداف مدنية.
*وصف فان دام عملية إغلاق السفارة الهولندية، حيث أوصى الهولنديين في 9 يونيو 1982 عبر إذاعة راديو هولندا بالمغادرة إلى أماكن أكثر أماناً، بينما انتقلت عائلته إلى شرق بيروت الأكثر أماناً وبقي هو مع فريق عمل محدود. * بقيت معه في غرب بيروت بول مينكفيلد السكرتير الأول، وياب هوبه المستشار، وبوي فرانك المساعد القنصلي، وكانوا يذهبون يومياً إلى السفارة تحت القصف. يذكر أن سفارته تعرضت للقصف في 15 يونيو 1982 من السفن الحربية الإسرائيلية بينما كان في الشارع، وتمزقت كتبه ومكتبه بشظايا القذائف، وفي 15 يونيو أيضاً كاد هو وبوي فرانك أن يلقيا حتفهما أثناء سيرهما في شارع بليس في وسط القصف.
يكشف الفصل عن جانب من عمل وكالة الاستخبارات الإسرائيلية، حيث كان رجل فلسطيني معاق يجلس أمام مبنى السفارة ويساعد السكان، لكنه تبين لاحقاً أنه كان يتجسس لصالح الإسرائيليين وظهر أثناء الاجتياح الإسرائيلي مرتدياً زياً عسكرياً إسرائيلياً. كما يذكر أن ضابطاً في الجيش اللبناني كان يسكن في الطابقين العلويين من المبنى وكان يتعاون مع ميليشيا موالية لسوريا تعرف باسم «النمور الوردية».
انتقد فان دام بشدة نقص التعاطف في وزارة الخارجية الهولندية في لاهاي مع الدبلوماسيين في الميدان، وتناول هذا الموضوع في خطاب وداعه في 15 يناير 2011 أمام وزير الخارجية أوري روزنتال. يروي أنه عندما أصيبت إحدى سيارات السفارة برصاصة، كان رد لاهاي يسأل عما إذا كانت السيارة مستخدمة لأغراض رسمية أو شخصية، دون أي تعليق عن نجاته. كما يشير إلى أن قرار إغلاق السفارة لم يحصل على إذن فوري من الوزارة، حيث كان رد رئيس القسم البارون فيغلين فان كليرييرغن أنه «لا يغلق الدبلوماسي الحقيقي منصبه»، لكن زميلي ياب راماكير، رئيس مكتب الشرق الأوسط، أخذ زمام المبادرة وأرسل برقية تخولهم اتخاذ قرار الإغلاق. يحسن هذا الوضع خلال أزمة الخليج 1990 عندما تم إنشاء مركز للأزمات واتصال إذاعي مفتوح على مدار الساعة.
بعد مغادرة غرب بيروت، افتتحت السفارة مكتباً في بلدة جونيه الساحلية، حيث ساعد بوي فرانك وهيلين فان مانن الهولنديين الذين تم إجلاؤهم بالقوارب إلى قبرص. كما بدأت خدمة بريدية أسبوعية بالسيارة إلى سوريا لأن مطار بيروت كان مغلقاً. يقدم المؤلف أمثلة عن الهولنديين الذين غادروا لبنان، مثل رجل قرر المغادرة فجأة بعد أن واجه بقايا بشرية متناثرة بفعل انفجار، وامرأة أصيبت بالهستيريا عندما أصيبت حبال الغسيل برصاصة كان من الممكن أن تصيبها. كما يذكر أنه اقترح على لاهاي تقديم مطالبة ضد الإسرائيليين لتعويض الأضرار التي لحقت بالسفارة، لكن لم يكن هناك أي رد فعل لأن إسرائيل كانت تعتبر دولة صديقة، بينما بعد أزمة الخليج 1990-1991 طلبت الوزارة منه تقديم مطالبة للتعويض من العراق عبر لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة.
يتناول الفصل الشكاوى غير المبررة، حيث تلقى فان دام رسالة شكوى من هولنديين كانوا يزورون عائلاتهم في لبنان واتهموه بعدم التواصل معهم، رغم أنهم لم يصلهم نداء الإجلاء الذي بث قبل يومين من تاريخ رسالتهم. يشير المؤلف إلى أن الوضع الدبلوماسي قد يعرض الشخص لمخاطر أكبر مثل الاختطاف أو الانتقام، ويذكر أن السفير الأمريكي فرانسيس إدوارد ميلوي جونيور ومرافقيه قتلوا في 1976 بينما كانوا في طريقهم للقاء الرئيس إلياس سركيس، وتم العثور على جثثهم مصابة بالرصاص.
يحكي فان دام عن مغامرة خطيرة خلال الاجتياح الإسرائيلي عندما سافر عبر خطوط القتال إلى جنوب لبنان للتحقق من سلامة هولنديين سجلوا في السفارة، بما في ذلك شخص أقام في مخيم للاجئين الفلسطينيين. تبين أن المواطن الهولندي كان قد غادر لبنان قبل فترة طويلة، وفي طريقه للعودة وجد نفسه وسط إطلاق نار كثيف واضطر للقيادة بأقصى سرعة، وقرر بعدها ألا يخاطر بمثل هذه المخاطر إلا للضرورة القصوى. يذكر أيضاً أنه ذهب لإحضار ممرضة هولندية كانت تعمل مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من غرب بيروت، لكنها فضلت البقاء أسبوعاً إضافياً بعد أن تعرفت على صديق جديد، فذهب زميله بول مينكفيلد لإحضارها فيما بعد، كما ساعدوا عاملة هولندية أخرى في الهلال الأحمر الفلسطيني.
في الجزء الأخير، يتناول فان دام الأردن والضفة الغربية المحتلة، حيث كان نطاق عمل سفارته في بيروت يشمل الأردن وقبرص. كانت الضفة الغربية جزءاً رسمياً من الأردن رغم احتلالها من قبل إسرائيل في عام 1967، ولم يتخل الأردن عنها إلا في عام 1988 عندما نقل مسؤولياتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية. قرر فان دام في ديسمبر 1981 القيام بأول زيارة عمل إلى الضفة الغربية، دون إذن مسبق من وزارة الخارجية، وتم توبيخه لاحقاً على هذه المبادرة التي كانت يمكن تفسيرها على أنها «حقيقة سياسية جديدة»، لكن زيارته كانت مفيدة وتم تقديرها بشدة من قبل الفلسطينيين مثل رؤساء البلديات والجامعات. كانت سفارة تل أبيب غير مسرورة بهذه الزيارات واعتبرتها تدخلاً في نطاق عملها.
يناقش فان دام الصراع على الصلاحيات بين سفارتي القاهرة وتل أبيب حول المسؤولية الهولندية عن الضفة الغربية وغزة عندما كان سفيراً في مصر (1987-1991)، حيث كان يتواصل مع الفلسطينيين في غزة لأن السفارة في القاهرة كانت مسؤولة عن التعاون الإنمائي الفلسطيني-الهولندي. اعترض السفير في تل أبيب جيندا هوراك على ذلك، لكن فان دام كان يرى أن الاتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن تتم عبر بعثة دبلوماسية عربية وليس عبر السفارة المعتمدة لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلية. على مدى العقود، كانت القرارات تسير لصالح إسرائيل غالباً لأسباب سياسية داخلية أو تعاطفاً، ويذكر أن نقل السفارة الهولندية من القدس الغربية إلى تل أبيب كان تنفيذاً لقرار الأمم المتحدة، وأن الصراع على الصلاحيات فقد أهميته بعد إنشاء مكتب تمثيلي هولندي لدى السلطة الفلسطينية في رام الله عام 1995 بقيادة وليم بيلارتس فان بلوكلاند.
أخيراً، يمكن القول إن هذا الفصل يقدم شهادة شخصية مهمة عن عمل الدبلوماسيين في مناطق الحرب، ويكشف عن الفجوة بين الميدان وصناع القرار في العواصم، كما يثير تساؤلات حول المعايير المزدوجة في التعامل مع الدول الصديقة والدول الأخرى عند المطالبة بالتعويضات.
4.في عراق صدام حسين51–86▼ ملخص
في عراق صدام حسين، يستعرض نيكولاس فان دام تجربته كسفير هولندي في بغداد منذ تعيينه في ربيع عام 1989 وحتى مغادرته النهائية في ديسمبر 1990. يقدم المؤلف من خلال سرده الشخصي صورة مركبة عن العراق في فترة حرجة، من نهاية الحرب مع إيران إلى احتلال الكويت وأزمة الرهائن التي تلت ذلك. يتمحور الفصل حول التناقض الصارخ بين الحياة اليومية التي يفرضها النظام العراقي على مواطنيه والدبلوماسيين، وبين الأوضاع الكارثية التي خلفتها حروب صدام حسين وقراراته على البلاد والمنطقة بأكملها.
يبدأ فان دام بسرد خلفيته مع العراق، التي سبقت تعيينه الدبلوماسي بكثير، إذ زار البلاد لأول مرة كطالب في عام 1969، وتابع دراساته الميدانية حول اللهجات العربية. تعرّف خلال زياراته على شخصيات كردية بارزة، منها الزعيم مصطفى البارزاني في عام 1970 في منطقة حاج عمران، ومحمود عثمان الذي كان مفاوضاً رئيسياً مع نظام البعث، وحضر احتفال الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني بحضور ابني البارزاني، إدريس ومسعود. هذه الخلفية المعرفية، بما فيها معرفته بقيادات حزب البعث، شكلت أساساً مهماً لعمله عندما وصل إلى بغداد في 17 يوليو 1989 لتقديم أوراق اعتماده، في وقت كانت فيه الحرب العراقية-الإيرانية قد دخلت مراحلها الأخيرة بعد ثماني سنوات من القتال الذي بدأه العراق عام 1980.
يركز المؤلف في عمله الدبلوماسي على إعادة إعمار العراق الذي أنهكته الحرب، ومصالح الشركات الهولندية التي كانت تأمل في الفوز بعقود إعادة البناء، وسداد الديون المستحقة، وقضية إعادة الملاحة في شط العرب. يوضح أن العراقيين كانوا يعتمدون في تعاملاتهم الاقتصادية على موقف الشركات من الحرب ضد إيران، وكثيراً ما استخدموا مفهومي «المعاملة بالمثل» و«الرد بالمثل» كأساس للعلاقات، كما حدث عندما حاول إلزام وزارة الاقتصاد العراقية بسداد ديون الشركات الهولندية، فرد عليه المدير العام فاروق العبيدي بأنها مجرد «فتات» غير ذات أهمية.
بعد انتهاء الحرب، ينتقل الفصل للحديث عن السياسة العراقية تجاه الأكراد، حيث حاول النظام في بغداد استعادة سيطرته الكاملة على المنطقة الكردية. يصف المؤلف عمليات تدمير القرى الجبلية وما سمي «إعادة توطين» سكانها في السهول، وإخلاء المناطق الحدودية مع تركيا، وتهديد وزير الدفاع خير الله طلفاح، ابن عم صدام حسين، بإبادة الأكراد المتمردين بالوسائل الكيميائية. كما يذكر الهجوم بالأسلحة الكيميائية على بلدة حلبجة الكردية في 16 مارس 1988، والتي خلفت آثاراً مروعة، مشيراً إلى أن العلاقات الأمريكية-العراقية حينها كانت مختلفة تماماً، إذ حصل الدبلوماسيون الأمريكيون على تعليمات أوحت في البداية بأن إيران هي المسؤولة عن الهجوم. ويتناول أيضاً الترحيل الجماعي للأكراد من مدن مثل دوكان ودريندخان وبعقوبة والسليمانية وحلبجة ورانية ورواندوز وخانقين، حيث كان الرجال يُفصلون عن نسائهم وأطفالهم ثم يختفون، ليتضح لاحقاً أنهم نُقلوا إلى معسكرات اعتقال وقُتلوا على نطاق واسع، وهي الحقائق التي لم تظهر إلا بعد سقوط النظام.
يوضح فان دام الطبيعة القمعية والاستبدادية للنظام، التي جعلت الحصول على أي معلومات سرية أمراً شبه مستحيل بسبب القيود المشددة على حرية التنقل والتواصل. يروي حادثة مطاردته من قبل وحدات أمن صدام حسين عندما وجد نفسه دون قصد في موكب الرئيس خلال زيارته للمفاعل النووي في طيسفون، ونجاته بفضل سيارته ذات الدفع الرباعي التي تسلقت تلة صعبة. ويستعرض القيود اليومية على أدوات بسيطة مثل المناظير والآلات الكاتبة التي كانت محظورة، وكان على من يملكها أن يحصل على «بصمة» مسبقة لها ليتسنى تتبع مصدر أي وثيقة، كما يشير إلى منع تصوير المنشآت العسكرية الذي جعل استخدام الكاميرا في العراق أمراً محفوفاً بالمخاطر.
يخصص المؤلف جزءاً كبيراً من الفصل لتحليل شخصية صدام حسين وأسلوب حكمه، معتمداً على متابعته الدقيقة لظهوره الإعلامي. يصف كيف كان صدام يظهر على التلفزيون بشكل محترف للغاية، جالساً بين الناس وليس على منصة، متحدثاً بلغة تجمع بين العربية الفصحى ولهجة تكريت مسقط رأسه، والتي كانت تلقى قبولاً لدى مؤيديه. يذكر زياراته التفتيشية غير المتوقعة للمحافظين، حيث كان يجلس خلف مكتب المحافظ ويستقبلهم كضيوف، حتى أنه فصل محافظاً على الفور لأنه لم يوفر كرسياً سليماً لأحد مساعديه. كما يروي حادثة إلقائه خطاباً طويلاً ثم انتقاده الحاضرين لعدم تدوينهم ملاحظات، وبعد بث الخطاب على التلفزيون مساءً، أصبح من المعتاد أن يحمل الناس دفاتر ملاحظات ويكتبوا بشغف كل ما يقوله القائد خوفاً من العواقب. يخلص فان دام إلى أن «عبادة القائد» التي زرعت في نفوس العراقيين منذ الطفولة جعلت صدام حسين كل شيء تقريباً، فهو لم يتسامح مع النقد، ومن ينتقده يُقتل، وعزله عن العالم الخارجي جعله يفتقر إلى القدرة على التقييم النسبي للأمور، ما أدى في النهاية إلى إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بالعراق، الذي كان في طريقه ليصبح أحد أكثر الدول العربية ازدهاراً بفضل نفطه وزراعته ونخبته الفكرية المتقدمة.
ينتقل الفصل للحديث عن القيود التي فرضها النظام على حرية تنقل الدبلوماسيين أنفسهم، إذ كان على فان دام تقديم مذكرة مفصلة لوزارة الخارجية العراقية قبل أي سفر بفترة لا تقل عن أسبوع، مع خط سير مفصل ووثائق الهوية ورقم السيارة، دون ضمانة بمنح الإذن، وهو ما جعل الخطط العفوية مستحيلة. يروي حادثة حصوله على إذن لزيارة مكان لم يكن موجوداً على الخريطة، وحادثة أخرى سُمح له خلالها بالسفر عبر كردستان من النقطة أ إلى النقطة ب، لكن دون المرور ببلدة لالش الإيزيدية المقدسة التي كانت هدفه الرئيسي، لكنه اضطر للمرور بها لأنها كانت المنفذ الوحيد بين النقطتين.
يجمع فان دام خيوط الفصل المتنوعة عند معالجة الاحتلال العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990، حيث يشرح الخلفية الاقتصادية للنزاع، متمثلة في رغبة العراق في تحميل الكويت جزءاً من تكاليف الحرب مع إيران، واحتجاجه على تجاوز الكويت لاتفاقيات أوبك الإنتاجية الأمر الذي خفض أسعار النفط وكلف العراق عائدات كبيرة. يذكر تحذير صدام حسين الصريح في قمة الجامعة العربية في بغداد في 28 مايو 1990 من أن تجاهل اتفاقيات أوبك سيعتبر شكلاً من أشكال الحرب، وخلالها تحدث عن العالم العربي كمجموعة من 22 خيمة يجب أن تحترم سيادة بعضها البعض، وأن الكويت تجاهلت هذه التحذيرات. كما يوضح نمطاً متكرراً في تصرفات صدام حسين، يتمثل في إرسال تحذيرات متعددة ثم الضرب بقوة بعد تجاهلها، وهو النمط الذي تكرر قبل الحرب مع إيران بسبب عدم التزامها باتفاقية الجزائر لعام 1975، وكانت النتائج كارثية في الحالتين. ويقدم المؤلف تحليلاً مهماً بأن الاحتلال العراقي، رغم نفيه الرسمي التاريخي للمطالبة بالكويت كاملة على غرار عبد الكريم قاسم في عام 1961، كان يعتقد أن له الحق في المطالبة بأجزاء من المنطقة الحدودية، وأشار إلى تصريح وسام الزهاوي بأن عدم تقديم مطالبات رسمية سابقاً لا يعني التخلي عنها.
في خضم الأزمة، يُفصّل المؤلف سياسة احتجاز الرهائن الأجانب التي اتبعها العراق لمنع الهجمات عليه، حيث تم وضع مدنيين من دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان وإيطاليا في مواقع استراتيجية كالسدود ومصافي النفط، ليكونوا دروعاً بشرية تمنع قصف تلك المنشآت. يذكر أن أكثر من خمسمائة هولندي كانوا عالقين في العراق في البداية، وأنه حثّ جميع الهولنديين على المغادرة مبكراً، لكن بعد أيام لم يعد يُسمح لأحد بمغادرة البلاد، وتم احتجاز أفراد أسر الدبلوماسيين كرهائن أيضاً، حتى أن عائلته لم تُسمح لها بالمغادرة في الأسابيع الثلاثة الأولى، وتمكنت لاحقاً عبر إذن شخصي من وزير الخارجية طارق عزيز، وغادرت براً إلى الأردن في حافلة صغيرة مع عمال مصريين.
في معالجة البعد الدولي للأزمة، يناقش فان دام المقترحات التي قدمها صدام حسين في منتصف أغسطس 1990 والتي تربط الانسحاب من الكويت بانسحابات إسرائيل من الأراضي المحتلة وسوريا من لبنان وانسحابات متبادلة بين العراق وإيران، وفق معايير ومبادئ موحدة تحددها الأمم المتحدة، بما فيها القرارات المتعلقة بفلسطين وسوريا ولبنان. يوضح المؤلف أن هذه المقترحات وجدت صدى لدى «العربي العادي» رغم رفض الغرب القاطع لها، خاصة فيما يتعلق برفض أي ربط بين أشكال الاحتلال المختلفة، واستبعدت دول مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة هذا الربط، مكتفية بالتلميح إلى استئناف الجهود لحل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي بعد حل الأزمة، وهي النتيجة التي يرى فان دام أنها أبعد من أي وقت مضى بعد عقود. وينقل شرح طارق عزيز للسفراء الأوروبيين في 14 أغسطس 1990 بأن المعايير المزدوجة غير مقبولة، وأن العراق لن يستسلم للضغط السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، وأنه سيكون هناك إما دمار واسع النطاق في المنطقة أو سلام شامل وأمن، موضحاً أن هذا الدمار لم يحدث عند طرد العراق من الكويت في عام 1991، بل جاء بعد الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق في عام 2003، وما نتج عنه من ظهور تنظيم القاعدة في العراق ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي توسع لاحقاً ليشمل مناطق أوسع، وقول المؤلف أن هذه التحركات أكملت السيناريو الذي وصفه طارق عزيز، وأن التدخل العسكري ساهم في مقتل مئات الآلاف ولم تعرف المنطقة بعده استقراراً.
يقدم الفصل شهادة مباشرة على واقع الدبلوماسية في زمن الأزمات، حيث يتحدث عن اللقاءات المتوترة مع المسؤولين العراقيين مثل طه ياسين رمضان، والحوارات مع طارق عزيز الذي كان المؤلف يعرفه منذ خمسة عشر عاماً قبل الأزمة، عندما كان رئيساً لتحرير صحيفة «الثورة» ثم وزيراً للإعلام، وهي العلاقات التي وصفها بأنها كانت مفيدة للغاية في الأزمات رغم صعوبة الحفاظ على المظهر الودي أثناءها. يعرض المؤلف وجهة نظره حول ضرورة إيصال الرسائل الدبلوماسية غير السارة بطريقة حازمة لا تترك مجالاً للشك، مؤكداً أن الحوار الودي في مثل هذه الظروف يضعف موقف الدبلوماسي، حتى لو تطلب ذلك التصرف ببرود مع أصدقاء ومعارف يحترمهم ويقدرهم.
يختص الفصل جزءاً كبيراً من تفاصيله لمشكلة الرهائن الهولنديين، موثقاً محاولات تحريرهم عبر قوائم الإفراج التي طلبتها السلطات العراقية، محاولات الهروب الفردية والجماعية التي قامت بها مجموعات من الرهائن رغم نصيحته بعدم المخاطرة، ومنها محاولة هروب غير ناجحة في أواخر أكتوبر 1990 والمحاولة الناجحة الوحيدة التي تمكن خلالها ثلاثة رهائن من الوصول إلى إيران في أوائل ديسمبر 1990 عبر المناطق الجبلية الكردية مستعينين بالحمير وسيراً على الأقدام. يعرض أيضاً نقاش الرهائن المستمر حول ضرورة إرسال بعثة سياسية من هولندا للإفراج عنهم، وهو الأمر الذي عارضه المؤلف شخصياً لأنه كان يرى أن كل بعثة من هذا القبيل ستعزز موقف صدام حسين، وأنه سيواصل استخدام الرهائن للضغط السياسي حتى آخر واحد منهم. يروي زيارته إلى هولندا في منتصف نوفمبر 1990 للتشاور مع الوزير فان دن بروك، ومقابلته الملكة بياتريكس في قصر هاوس تن بوش، والتواصل مع لجنة العائلات، وعودته بموقف رسمي بعدم إرسال بعثة، وهو ما قبله الرهائن «بخيبة أمل كبيرة واحباط شديد» وقابلوه بالكلمات الحادة، واصفاً شعوره في تلك اللحظة بأن «الجميع كان ضده».
ينتقل الفصل إلى شؤون السفارة الداخلية، فيذكر استقبال زملائهم من سفارة الكويت الذين حُرم وضعهم الدبلوماسي في العراق، ومنهم السفير صديقه وزميله جوب فيلينج الذي كان محتجزاً في الكويت كسجين في منزله، يمنعه الخروج حتى لتمشية كلبه خوفاً من الاعتقال، حيث اقتحمت القوات العسكرية منزله عدة مرات، وظل في عزلة تامة لا يعلم إن كان سيغادر حياً، إلى أن سُمح له بالانتقال إلى بغداد في 11 أكتوبر 1990 حيث أقام مع المؤلف في مقر السفارة الهولندية لأكثر من ثلاثة أشهر، وكان يتواصلان بالهمس في وسط الحديقة لتفادي التنصت، أو عبر رسائل شخصية تمر عبر سعاة. ويكشف أن النظام العراقي كان يراقب مقر السفارة، على نحو ما ظهر من تسجيل لحن «مصطنى والجمال» من الصندوق الموسيقي الخشبي العربي في منزلهم، والذي سُمع من المنزل المجاور. ويشير أيضاً إلى أن الاتصالات الهاتفية كانت تخضع للرقابة وتنقطع بعد ثلاث دقائق، فارسلت لاهاي هاتفاً يعمل عبر الأقمار الصناعية، لكن بعد تركيبه على السطح لاحظت المخابرات العراقية ذلك، ورُصد الخط الأرضي فجأة ليعمل بشكل طبيعي مرة أخرى، على الأرجح لأن التنصت على الهاتف الأرضي أسهل من القمر الصناعي.
يروي المؤلف الانهيار الأمني الذي صاحب الاحتلال، ونَهب القوات العراقية للمتاجر الكويتية وعرض البضائع المسروقة في أسواق بغداد، من ساعات «رولكس» والسجاد الفارسي الفاخر إلى السيارات المسروقة، ومحاولة بعض الرهائن إرسالها إلى هولندا عبر الساعي الدبلوماسي، وهو ما رفضه المؤلف بحزم ووضع حداً له بتطبيق نظام يقضي بأن تكون الطرود «مقاومة للمطرقة» لمنع إرسال الساعات، ورفضه إرسال سجادة فارسية باهظة الثمن قدمها له أحدهم، معترفاً بأنه لم يكن محبوباً بسبب هذه القرارات لكنه لم يستطع قبول مثل هذه الممارسات لأنها كانت ستعرض الإرساليات الدبلوماسية للخطر.
يُناقش الفصل قضية المعاملة بالمثل في العلاقات الدولية خلال الأزمة، حيث اقترح المؤلف اتخاذ تدابير مضادة تجاه الدبلوماسيين العراقيين المارين عبر هولندا إلى الأمم المتحدة في نيويورك، واحتجازهم حتى يتم إطلاق سراح زملائهم من سفارة الكويت، لكن لاهاي كانت مترددة خوفاً من عواقب قانونية وتصعيدية. ويشير إلى أن لجنة عائلات الرهائن طلبت صراحةً تعليق أي عقوبات ضد السفارة العراقية في هولندا، كما عُقد اجتماع في بروكسل للدول الأعضاء في المجتمع الأوروبي خلص إلى أن الذين «لديهم معرفة بالعراق والمنطقة» يؤيدون مبدأ المعاملة بالمثل، لكن لم يتم تطبيقه، ليعلن المؤلف موقفه بأنه يؤمن بهذا المبدأ لأنه يفرض الاحترام.
يختتم فان دام فصله بوصف المرحلة الأخيرة من وجوده في العراق، فيذكر أن الرهائن بدأوا بتخزين حصص غذائية وإغلاق نوافذهم بشريط لاصق تحسباً لهجمات الغازات السامة، وطلبوا ملابس واقية أرسلت من هولندا دون أحجام للأطفال الصغار، وطلب بعضهم المساعدة في إعداد الوصايا، ويعبر عن الأثر النفسي للاحتجاز في نقل لوم الرهائن المتكرر: «لو كنا نعلم على وجه اليقين أننا سنكون في منازلنا بحلول عيد الفصح القادم لما كان الأمر بهذا السوء، لكننا لا نعلم إطلاقاً ما سيحدث لنا. هل سنرى عائلاتنا مرة أخرى؟». وفي 6 ديسمبر 1990، أُعلن عبر إذاعة بغداد قرار صدام حسين بالإفراج عن جميع الرهائن، في اليوم التالي لاحتفالهم بليلة «سانتا كلوز» في مقر الإقامة، وكان قد تبقى حينها 37 رهينة هولندياً. يذكر أن معظم الرهائن غادروا العراق بأول فرصة، لكن البعض ممن كانوا يلحون على المغادرة بدأوا يتلكؤون لإنهاء أمور شخصية كعلاج الأسنان أو بيع الممتلكات أو تصدير السيارات، رغم احتمال اندلاع الحرب في أي لحظة، حتى غادروا جميعهم في النهاية، فشعر بالارتياح لزوال «تلك المسؤولية الكبيرة عن كاهله».
يخبرنا المؤلف عن رحيله من بغداد في 15 ديسمبر 1990 في إجازة قصيرة إلى سويسرا، على أن يعود قبل المهلة النهائية التي حددها مجلس الأمن الدولي في 15 يناير 1991 للانسحاب العراقي من الكويت، قائداً سيارته ذات الدفع الرباعي عبر الطريق الصحراوي إلى عمان ثم جنيف، في رحلة وصفها بالخطرة بسبب العواصف الرملية التي حدت من الرؤية وتجاوزه السيارات عبر الكثبان الرملية. وصل إلى سويسرا ليتلقى اتصالاً من إد فان بونج، رئيس قسم شؤون الموظفين، يخبره بأنه لن يتمكن من العودة إلى بغداد، لقرار لم يُقدم له سبب واضح، ليستعيد معظم أمتعته بعد حوالي عام ونصف، قائلاً: «إنه أمر غريب أن تغادر بلداً وأنت تعتقد أنك ستعود إليه بعد أسبوعين ثم تكتشف أنك لن تعود إليه أبداً، خاصة إذا كان ذلك بلداً تهتم به بشدة وتتابع أوضاعه».
بعد انتقاله إلى القاهرة في عام 1991، يجري المؤلف مقابلة مع جوس فان نورد من صحيفة «دي تلغراف» في 10 يوليو، حذر خلالها من العواقب الوخيمة التي سيتحملها الشعب العراقي البريء بسبب العقوبات الاقتصادية التي كانت موجهة ضد النظام لكنها أصابت الناس، خاصة الأطفال بسبب نقص الغذاء والأدوية. أشار مؤلف الكتاب إلى أن العقوبات أدت في نهاية المطاف إلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل، وأن مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية، قالت عن الثمن: «نعتقد أنه يستحق ذلك»، قبل أن تعترف لاحقاً بأن قولها كان «خطأ فادحاً» من حيث صياغته، كما اعترف توني بلير بأخطاء الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق عام 2003 بذريعة أسلحة الدمار الشامل التي لم تُعثر عليها، لكن «الأذى كان قد وقع بالفعل». وينهي الفصل بإشارة إلى تعرضه لتوبيخ شديد من وزارة الخارجية الهولندية بقيادة برنارد بوت، الذي ينقل عنه الأمين العام آنذاك «لأن تصريحاته تعارضت مع سياسة الدول الاثنتي عشرة الأعضاء في المجموعة الأوروبية»، رغم اعترافه بأنه من حيث المضمون كان على حق، ليصف الوضع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي-البريطاني بأنه كارثي على المدى الطويل رغم خروج الأكراد والشيعة من الصراع في وضع أفضل، وقول رده على عبارة «كنت هناك فى الوقت الجيد إذن» بأنها ربما صحيحة بشكل غير مباشر، فمنذ عام 2003 شهد العراق سلسلة من الصراعات المروعة، وصعد الإرهاب، وظهرت موجات ضخمة من اللاجئين، وحدث دمار واسع النطاق في المنطقة.
5.في مصر خلال عهد حسني مبارك86–103▼ ملخص
في مصر خلال عهد حسني مبارك، يروي المؤلف نيكولاس فان دام تجربته كسفير لهولندا في القاهرة، مستهلاً الفصل بوصف انتقاله من بغداد إلى مصر بعد حرب الخليج. فبعد أقل من عامين على بدء عمله في العراق، تلقى اتصالاً سرياً من وزارة الخارجية الهولندية يخبره بقرار نقله إلى القاهرة، وهو ما اعتبره شرفاً كبيراً وفرصة ذهبية. لكن اندلاع حرب الخليج في 2 أغسطس 1990 بعد احتلال العراق للكويت حال دون مغادرته بغداد فوراً، واستغرق الأمر نحو تسعة أشهر قبل أن يتمكن من بدء عمله في مصر. وصل في 11 أبريل 1991 بالسفينة إلى مدينة نويبع الساحلية على الساحل الشرقي لشبه جزيرة سيناء، بعد رحلة استغرقت ثلاثة أيام من عمان عبر الأردن، حيث زار خلالها وادي رم الرائع. أقام في سكن جميل بحي الدقي، الذي كان واحة هادئة وسط مدينة مليئة بالضوضاء والتلوث، قريباً من السفارة الواقعة في فيلا تقليدية جميلة بمنطقة الزمالك، وهي التي نجت من مشروع استبدالها بمبنى حديث بفضل جهود المؤرخ المصري سمير رأفت للحفاظ على التراث المعماري.
يصف المؤلف تقديم أوراق اعتماده للرئيس حسني مبارك في 5 مايو 1991، في حفل طويل شمل عزف النشيد الوطني المصري ثلاث عشرة مرة بحضور اثني عشر سفيراً آخرين، حيث كانت التعليمات تقضي بتسليم الأوراق بأقل عدد ممكن من الكلمات دون الوقوف على البساط الموضوع على الأرض. وعلى الرغم من أن مبارك لم يكن قائداً كاريزمياً مثل سابقيه جمال عبد الناصر أو أنور السادات، بل كان أكثر «رئيساً بيروقراطياً»، إلا أنه تطور كقائد على مر السنين. ويشير المؤلف إلى أن مبارك تولى الرئاسة بطريقة بيروقراطية في عام 1981 بعد اغتيال السادات، ولم يعين نائباً للرئيس إلا بعد ثلاثين عاماً عند اندلاع ثورات الربيع العربي، كجزء من عملية تنحيه. وبسبب رئاسته للمجموعة الأوروبية المحلية، تمكن خلال أسبوعين فقط من التعرف على معظم أعضاء مجلس الوزراء المصري، مستفيداً من إتقانه اللغة العربية، ومتحدثاً في إحدى المناسبات مع رئيس الوزراء المصري عاطف صدق.
يتناول الفصل بعد ذلك الأنشطة المتنوعة للهولنديين في مصر، حيث كانت البلاد تحظى بشعبية كبيرة بين السياح والزوار بفضل كنوزها الفرعونية ومساجدها وأسواقها ومتاحفها، إضافة إلى نهر النيل والصحراوات والسواحل الجميلة. كان المعهد الهولندي للآثار والدراسات العربية نقطة التقاء متميزة للعلماء، وقد أتاح هانس شنايدر للمؤلف فرصة زيارة مقابر مصرية قديمة في منطقة سقارة، كما زار الحفريات الهولندية في المدينة اليونانية الرومانية القديمة برينيك على البحر الأحمر. وفي هذه الزيارة، يروي المؤلف حادثة طريفة عندما أعد الجنرال المحلي غداءً وفيراً للعلماء بعد أن كانوا قد تناولوا غداءهم بالفعل، فتوجب عليهم تناول وجبة ثانية كاملة من الأطباق المصرية الشهيرة مثل شورية العدس والفول والملوخية والطعمية والكباب، وانتهت الوجبة بحلوى «أم علي». ويشير المؤلف إلى أن الدبلوماسيين يتعرضون أحياناً لانتقادات بسبب انشغالهم بالولائم، لكن الحقيقة غالباً ما تكون مختلفة، فكثيراً ما اضطر لتناول الطعام في أوقات لم تكن لديه فيه شهية.
ينتقل المؤلف للحديث عن صعوبات تنظيم المواعيد في مصر، فيذكر حادثة دعوته وزيرة التعليم المصرية لعشاء مع وفد من الأساتذة الهولنديين في عام 1997، حيث أكدت حضورها في الظهيرة لكنها لم تظهر أبداً ليلاً ولم تعتذر. ويفسر المؤلف هذا السلوك بأن الاعتذار المباشر لا يُنظر إليه في بعض البلدان العربية كتصرف مهذب، بل من الأدب أن تتظاهر بمحاولة الحضور حتى لو كنت تعلم أنك لن تستطيع. كما يصف عادة تناول العشاء في وقت متأخر جداً، حيث قد تبدأ المضيفة في إعداد الطعام بعد وصول الضيوف وقد لا يبدأ العشاء حتى الحادية عشرة أو بعدها، لأن تمديد الوقت قبل العشاء يعتبر علامة على حسن الضيافة ويسمح بإجراء المحادثات، ولذلك كان المؤلف وزوجته غالباً ما يتناولان طبقاً صغيراً من الأرز قبل الحضور كإجراء احتياطي، ويذكر مثالاً لذلك عند فتحي عرفات شقيق ياسر عرفات.
يتناول الفصل قضية عملية تتعلق بشركة هولندية قامت ببناء جسر للسكك الحديدية فوق نهر النيل في مدينة قنا جنوب مصر لنقل الفوسفات، حيث كان الجزء العلوي في حالة ممتازة لكن الأعمدة الخرسانية السفلية التي بناها مقاول مصري كانت بها ثقوب، ورغم أن الشركة الهولندية لم تكن مسؤولة عن الجزء السفلي، إلا أن السلطات المصرية رفضت دفع مستحقاتها حتى إصلاح كل شيء، الأمر الذي تطلب تدخلات كبيرة بما في ذلك من وزير التجارة الخارجية الهولندي لحل المسألة بنجاح. ثم ينتقل المؤلف لوصف زيارة الوزير يان برونك وزير التعاون الإنمائي إلى مصر في يناير 1995، والتي كانت تهدف للاطلاع على أنشطة التعاون الإنمائي واختيار منطقة تركيز ثانية بعد محافظة الفيوم. يرفض برونك اقتراح بني سويف لكونها قريبة جداً من الفيوم، فيقترح المؤلف بديلاً محافظة أسوان في أقصى الجنوب. كانت الزيارة مكثفة مع إحاطات تقنية متتالية جعلت الوزير شبه غافٍ، لكن زيارة أسوان كانت أقل نجاحاً بسبب سلطوية المحافظ وتركيزه على بناء منشآت حديثة بدلاً من المشاريع المحلية الصغيرة، فلم تصبح أسوان منطقة تركيز ثانية، ويشير المؤلف إلى أن برونك كان من أكثر الوزراء التزاماً ومتابعةً لما يقع تحت مسؤوليته.
يذكر المؤلف تدخله العاجل لمنع إعادة سوري مشتبه بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين قسرياً إلى سوريا، حيث سيكون مصيره الإعدام، وذلك بناءً على طلب صديقه السوري ومدافع حقوق الإنسان هيثم المالح، وبفضل جهود نائب رئيس البعثة توين فان دونغن، تم تأمين قبول هذا السوري في هولندا رغم صعوبة العملية. ثم يتحدث عن الهجمات الإرهابية التي كانت تقع من حين لآخر في مصر، غالباً من جماعات إسلامية متطرفة، مستهدفة أماكن سياحية وكنائس قبطية وفنادق وقطارات وحافلات سياحية في القاهرة والإسكندرية والأقصر وسيناء وساحل البحر الأحمر، وكانت السلطات المصرية تفضل توفير مرافقة شرطية للمؤلف في المناطق الواقعة على طول النيل جنوب مصر، لكن مشكلة صفارات الإنذار المستمرة كانت تجذب انتباه المهاجمين المحتملين، لكنه نجا بينما لقي كثيرون آخرون حتفهم.
يخصص المؤلف جزءاً من الفصل لنشر كتابه عن سوريا في القاهرة، حيث صدرت أول طبعة عربية في عام 1995 عن مكتبة مدبولي الشهيرة في ميدان طلعت حرب، بعد أن رفض عرض دار نشر أخرى اشترطت الخضوع للرقابة. تُرجم الكتاب بمساعدة منى شنودة مترجمة السفارة والعالم رودولف دي يونغ، ونفدت الطبعة الأولى بسرعة وتلتها طبعة ثانية موسعة، ووصل الكتاب إلى قائمة الأكثر مبيعاً في صحيفة الشرق الأوسط، وقد ساعد في توزيعه بشكل أكبر مقال لاذع كتبه صحفي سوري في صحيفة السفير اللبنانية، فأتاح للمؤلف فرصة الرد بمقالين حققا تأثيراً عكسياً تماماً. ويصف المؤلف الحاج مدبولي مؤسس المكتبة بأنه كان أمياً أو شبه أمي لكنه يمتلك مهارات تجارية استثنائية، وقد التقط صديقه وزميله فرديناند سميت الصورة التي ظهرت على غلاف الكتاب، والتي كانت للوحات إعلانية وملصقات للرئيس السوري حافظ الأسد وابنه باسل، وقد نجح في التقاطها بالرغم من ملاحقة المخابرات السورية له، لكن سميت قُتل بعد خمس سنوات في فبراير 2000 مع اثنين من أصدقائه في جريمة سرقة في صحراء مالي، وقد مُنح درجة الدكتوراه بعد وفاته في 19 يونيو 2000 عن أطروحته حول تطرف الشيعة في لبنان، وتشرف المؤلف بالدفاع عنها كمقرر مشارك.
يتناول الفصل إحياء الذكرى الخمسين لمعارك العلمين الشهيرة في عام 1995، التي وقعت بين 1 و27 يوليو 1942 وبين 23 أكتوبر و11 نوفمبر 1942، وكانت نقطة تحول في الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء، حيث تم دحر فيلق إفريقيا الألماني بقيادة المشير إرفين روميل، ويشير المؤلف إلى أن روميل يحظى بصورة أقل سلبية مقارنة بغيره من الجنرالات الألمان، ولقبه «ثعلب الصحراء» لم يكن بدون سبب، وكانت الحكومة المصرية قد أقامت «متحف روميل» في مرسى مطروح في الكهوف التي كانت مقر قيادته. ويلاحظ المؤلف أن بعض المصريين كانوا لا يزالون يحملون أسماء تعود لتلك الفترة، مثل نائب رئيس الأركان الذي كان يحمل اسم «هتلر الطنطاوي»، وهو اسم لم يعد شائعاً بعد عام 1945، كما يذكر أن اسم المتحف قد يكون مرتبطاً تلقانياً بكلمة «رومل» الهولندية التي تعني «فوضى».
يختم المؤلف الفصل بوصف وداعه من مصر في يوليو 1996، حيث ودعه العديد من الوزراء المصريين تعبيراً عن تقديرهم للعلاقات المصرية الهولندية الممتازة، وأقام الدكتور عصمت عبد المجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية مأدبة غداء وداع فخمة حضرها 14 من الممثلين الدائمين أو نوابهم. ويشير المؤلف إلى أن القاهرة لم تكن مجرد بعثة ثنائية بل كانت أيضاً محطة متعددة الأطراف بفضل وجود مقر جامعة الدول العربية، التي لم تكن فعالة بشكل كبير لكنها لعبت دوراً مهماً في تعزيز التعاون العربي المشترك وكانت مصدراً مهماً للمعلومات، وأن وداعهم عكس العلاقات الدافئة والصداقة التي بنوها خلال خمس سنوات قضوها في القاهرة. يمكن القول إن هذا الفصل يقدم صورة شاملة ومتنوعة للحياة الدبلوماسية في مصر خلال عهد مبارك، ممزوجة بالملاحظات الشخصية والحكايات الطريفة، ويعكس العلاقات الوثيقة بين هولندا ومصر على مستويات متعددة، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وإنسانياً.
6.تركيا: بين العلمانية والإسلامية104–112▼ ملخص
تركيا: بين العلمانية والإسلامية
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول الهوية التركية: هل تركيا دولة أوروبية أم شرق أوسطية؟ يحاول المؤلف الإجابة من خلال تجربته كسفير هولندي في أنقرة بين عامي 1991 و1993، ممزوجةً بتحليلاته وتحديثاته اللاحقة حول تطور المشهد السياسي التركي حتى العقد الأول من الألفية الثالثة. الإجابة التي يميل إليها المؤلف هي أن تركيا تحمل هوية مركبة، تجمع بين الطابعين الأوروبي والشرق أوسطي، وأن محاولات العلمانية الكمالية لاقتلاع الجذور الإسلامية والشرقية قد نجحت ظاهرياً لكنها لم تغير الهوية العميقة للمجتمع.
يبدأ الفصل بمقدمة عن أسباب طلب المؤلف الانتقال إلى تركيا، ومنها الروابط التاريخية والثقافية مع الشرق الأوسط والإرث العثماني والإسلام والتنوع العرقي. ثم يروي حادثة مبكرة قبل مغادرته إلى أنقرة في أغسطس 1987، حين أجرى مقابلة تلفزيونية في برنامج «نوفا» مع بول ودتيمان، أوضح فيها أنه لا يرغب في تناول موضوع الأكراد لحساسيته، لكن المذيع طرح السؤال رغم ذلك. سأله عن الفرق بين وضع الأكراد في العراق ووضعهم في تركيا، فأجاب بأن أكراد العراق يتمتعون بحرية التعبير عن هويتهم الثقافية على الرغم من حكم الديكتاتور صدام حسين، بينما تُحظر هذه الأمور في تركيا الديمقراطية. أبلغه السفير التركي في لاهاي باقي إلكين لاحقاً أن هذا التصريح لم يكن مرحباً به في أنقرة، مما يعكس حساسية الملف الكردي في تلك الفترة، حيث كان الجيش التركي في حرب مع حزب العمال الكردستاني المحظور في جنوب شرق البلاد.
يستعرض المؤلف الفروق بين تركيا ومصر من منظور هولندي، مشيراً إلى أن هولندا كانت تعتبر تركيا أكثر أهمية لأن العلاقات الثنائية معها تؤثر مباشرة على المصالح الهولندية، خاصة مع وجود جالية تركية كبيرة، بينما كانت القضايا المتعلقة بمصر تعتبر جانبية. لمس هذا الفارق من خلال المكالمات المباشرة من وزير الخارجية الهولندي هانس فان ميرلو في أنقرة، وهو أمر لم يحدث له في القاهرة. ثم يتناول تفاصيل رئاسة الاتحاد الأوروبي المحلية التي تولتها هولندا نيابة عن أيرلندا في اليوم التالي لوصوله إلى أنقرة عام 1991، ولاحقاً نيابة عن لوكسمبورغ في يوليو 1991. يصف كيف تغير تعامل الأتراك معه وفقاً للدولة التي يمثلها: فكانوا «ودودين للغاية» عندما كانت هولندا نائبة عن أيرلندا، لأنهم كانوا يعلمون أن هولندا من الدول الأوروبية القليلة الداعمة بصدق لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وأصبحوا «ودودين بشكل استثنائي» عندما تولت هولندا الرئاسة مباشرة. أما مع تولي لوكسمبورغ الرئاسة، فقد تغير الوضع جذرياً، لأن رئيس وزرائها جان كلود يونكر كان غير محبوب في أنقرة بعد تصريحاته المسيئة للأتراك ووصفهم بأنهم لا ينتمون أوروبياً.
يرسم المؤلف صورة لتركيا في تلك الفترة كدولة في نزاعات مع معظم جيرانها، مثل سوريا بسبب دعمها لحزب العمال الكردستاني، بالإضافة إلى مشاكل مع اليونان وبلغاريا وروسيا وجورجيا وأرمينيا وإيران والعراق وقبرص. يذكر أن السفير السوري أمضى ثلاث عشرة سنة في أنقرة في ظل هذه التوترات، وقال مازحاً عند مغادرته إنه كان يتطلع إلى هدية الوداع التقليدية طوال هذه المدة. ثم ينتقل إلى موضوع انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن تركيا كانت مرتبطة بالسوق الأوروبية المشتركة منذ عام 1963 عبر اتفاقية شراكة، وتقدمت بطلب عضوية كاملة عام 1987، ومُنحت وضع المرشح الرسمي عام 1999، وبدأت مفاوضات الانضمام عام 2004. يطرح المؤلف سؤالاً حول جدية الدول الأوروبية في نيتها السماح بتركيا بالانضمام، مشيراً إلى أن البعد الإسلامي كان يشكل عائقاً واضحاً زاد مع تصاعد النفوذ الإسلامي في أنقرة.
يخصص المؤلف جزءاً كبيراً من الفصل لمناقشة العلاقة بين تركيا وأوروبا، فيذكر أن المسؤولين الأتراك كانوا يؤكدون أن تركيا دولة أوروبية، وهو موقف تاريخي يعود لما قبل نهاية الإمبراطورية العثمانية التي كانت تتسم بنزعة نحو الغرب، خاصة في المجال العسكري والتبني المبكر للتقنيات الحديثة. ويشير إلى أن القادة الأوروبيين أطلقوا على الإمبراطورية العثمانية لقب «الرجل المريض في أوروبا»، وهو ما يعكس أن تركيا كانت تعتبر جزءاً من أوروبا. يستعرض الإصلاحات الكمالية التي قام بها كمال أتاتورك لتعزيز التغريب: إلغاء الحروف العربية واستبدالها بالحروف اللاتينية المعدلة، حظر الملابس الدينية التقليدية مثل الطربوش، فرض الزي الغربي، استبدال الموسيقى الشرقية بالموسيقى الكلاسيكية الأوروبية كعزف بيتهوفن في افتتاح البرلمان، ومنع النساء من ارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية. لكن المؤلف يتساءل: هل جعلت هذه التغييرات تركيا دولة أوروبية؟ ويجيب بالنفي، لأن تغيير الملابس والمظهر لا يغير الهوية الداخلية.
يناقش المؤلف عشوائية التقسيمات الجغرافية، فجزء صغير فقط من تركيا يقع في أوروبا غرب مضيق البوسفور، وإذا نظرنا إلى بحر إيجة كبحيرة داخلية، يمكن اعتبار تركيا أوروبية بالكامل. ويتساءل عن وضع قبرص الواقعة شرق إسطنبول، والجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي مثل كوس وليسبوس وساموس: هل تعتبر أوروبية لأن سكانها يونانيون؟ وهل الأتراك القبارصة يُعتبرون أوروبيين مثل اليونانيين القبارصة؟ يخلص إلى أن الهويات والثقافات ليست مرتبطة بالضرورة بجغرافيا محددة، وأن الهوية الأوروبية يمكن أن تمتد إلى عمق أوروبا بما في ذلك البوسنة والهرسك، والعكس صحيح. ويقترح أن لو لم يكن لتركيا ذلك الجزء الأوروبي، لكان من السهل اعتبارها آسيوية بالكامل، تماماً كما يُعتبر المغرب أفريقياً بغض النظر عن العوامل الثقافية.
يقدم المؤلف تحليلاً مهماً لأطروحته المركزية، فيذكر تقريراً قدمه لوزارة الخارجية الهولندية في أبريل 1993 أكد فيه أن حزب الرفاه الإسلامي بقيادة رئيس الوزراء نجم الدين أربكان يمثل جزءاً من الهوية التركية التقليدية التي قمعت لفترة طويلة وبشكل مصطنع. ويوضح أن المشهد السياسي تغير كثيراً منذ إقامته في أنقرة: حزب الرفاه حُظر عام 1998 وأُطيح بأربكان عام 1997 من قبل العسكريين، ثم حل محله حزب العدالة والتنمية الذي حقق انتصارات انتخابية غيّرت وجه السياسة التركية. ويؤكد أن تضاؤل فرص انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ترافق مع تصاعد النفوذ الإسلامي، وكان الأفضل لو ذهبت أوروبا منذ البداية نحو علاقة تعاون أقل شمولاً، لكن تركيا رفضت ذلك قاطعاً. ويلاحظ أن المطالب الأوروبية بضرورة امتثال تركيا للمعايير الأوروبية أسهمت بشكل غير مباشر في تفكيك النظام العلماني الكمالي، لأنها تطلبت تقليص دور الجيش في السياسة، وهو الدور الذي كان يضمن الحفاظ على الديمقراطية العلمانية.
يعود المؤلف إلى تقرير قدمه عام 1993 تساءل فيه عما إذا كان الإسلام يشكل عائقاً أمام انضمام تركيا، وكانت إجابته حينها بالنفي طالما احتفظت تركيا بنظامها العلماني الصارم، لكنه يعترف أن هذا الوضع تغير لاحقاً. ويذكر أنه أشار في ذلك التقرير إلى مفارقة أن الأتراك في هولندا يتمتعون بحرية ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، بينما كان محظوراً في تركيا نفسها، معتبراً أنه من غير المنطقي مطالبة تركيا بمواصلة حظر أمور مسموح بها في دول الاتحاد الأخرى. يربط المؤلف هذه الأفكار بانتقاد وزيرة الخارجية التركية تانسو تشيلر للاتحاد الأوروبي ووصفه بأنه «نادٍ مسيحي»، وهي عبارة أثارت جدلاً، ويرى أن إثارة هذا الموضوع في حينه كان أفضل من تأجيله والندم لاحقاً.
يضيف المؤلف ملاحظات ثقافية تعزز فكرته عن الهوية المركبة، فيذكر أن الأتراك الذين هاجروا من آسيا جلبوا معهم لغة ألتاييكية آسيوية، ومع ذلك طُلب منهم اعتبار أنفسهم أوروبيين وفقاً للكماليين. وينتقد فكرة النقاء العرقي التي روجت لها الدولة الكمالية، مؤكداً أن معظم الشعوب خليط من أصول مختلفة، وأن تركيا ما بعد العثمانية مثال واضح على ذلك. ثم يروي حادثة طريفة: سيدة تركية في عشاء في أنقرة أخبرته أن والدها من بغداد، وعندما سألها ما إذا كان من أصل عربي، أجابت قاطعة: «ليس هناك قطرة دم عربية!». ويعلق على ذلك بأن التقدير للعرب لم يكن كبيراً في هذا السياق، وأن هناك عموماً نقصاً في المودة المتبادلة بين الأتراك والشعوب العربية الخاضعة سابقاً للحكم العثماني. ويذكر أنه عندما وصل من مصر وأعرب بحماس عن اكتشافه أن معظم الكلمات التركية التي تبدأ بحرف «م» هي من أصل عربي، لم يُقابل حماسه بترحيب، لأن الأتراك لم يفضلوا التأكيد على هذه الاستعارات اللغوية من العربية.
يختم الفصل بوصف المغادرة المفاجئة من أنقرة في ديسمبر 1996، حين كان يتوقع البقاء حتى منتصف 1997 على الأقل، لكنه تلقى فجأة أمراً بالانتقال إلى وجهة جديدة في غضون أسبوعين دون أن يُسمح له بإخبار أحد بوجهته، باستثناء نابي هيرو دي بوير. أقام له السفير الألماني هانجو فيرجاو حفل وداع رقصا فيه على أنغام أغنية «إسطنبول - ليست القسطنطينية»، وفي خطاب الوداع كان التلميح واضحاً لمن يفهم الأمور، رغم أنه لم يذكر الوجهة صراحة.
تتسم حجج المؤلف بقابلية للنقاش، خاصة في تناوله للإسلام السياسي وإمكانية اندماجه في الديمقراطية الأوروبية. وهو يعترف بحده الخاصة: فهو كان مقتنعاً في البداية بعدم تعارض الإسلام مع الانضمام للاتحاد الأوروبي طالما بقيت العلمانية صارمة، ثم تغيرت قناعته مع تغير الواقع. كما يقر بأنه لا يود التعميم في الحكم على العلاقات التركية-العربية. الفصل في جوهره محاولة للإجابة على سؤال الهوية، لكنه يميل إلى أن تركيا، رغم إصلاحات أتاتورك الشكلية، تظل دولة ذات جذور شرق أوسطية وإسلامية عميقة، وأن الاعتراف بهذه الحقيقة أفضل من إنكارها لأغراض سياسية، سواء من الجانب التركي الذي يتغنى بالأوروبية أو من الجانب الأوروبي الذي يرفض تركيا لاختلافها الثقافي والديني.
7.سوريا: الاحتكاك بين الديمقراطية والسياسة الواقعية (الريالوبوليتيك)184–216▼ ملخص
الفصل بأكمله هو تأمل شخصي وسياسي في التجربة السورية من عام 2011 حتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، من وجهة نظر دبلوماسي هولندي كان مبعوثًا خاصًا لسوريا. الموضوع المحوري هو الاحتكاك الصريح والمتكرر بين المبادئ الأخلاقية والديمقراطية التي رفعها الغرب شعارًا، وبين متطلبات السياسة الواقعية (الريال بوليتيك) التي تتطلب الحوار مع الخصوم والاعتراف بتوازنات القوى الفعلية. يقدم المؤلف إجابة واضحة: أن التمسك بالمواقف الأخلاقية البحتة، دون إرادة حقيقية لتقديم الموارد اللازمة (كالتدخل العسكري) لتحقيقها، لم يطل أمد الحرب فحسب، بل تسبب في إطالة معاناة السوريين وسفك المزيد من الدماء. ويرى أن الحل السياسي كان يتطلب حوارًا واقعيًا مع النظام، مهما كان ذلك بغيضًا أخلاقيًا.
يسير الفصل عبر سرد يجمع بين سيرة المؤلف الذاتية وتحليل السياسات. يبدأ بتفاصيل تعيينه مبعوثًا خاصًا في يناير 2014 ومقره في إسطنبول، متذكرًا كيف حُرم في بداية مسيرته من العمل في دمشق رغم خبرته الأكاديمية عن سوريا، بسبب بيروقراطية الوزارة التي كانت تفصل بين "السلك الدبلوماسي" وموظفي الوزارة. ثم ينتقل إلى صميم الانتقادات: يصف السياسة الغربية تجاه الثورة السورية بأنها مبنية على "التفكير الرغائبي" وتوقعات خاطئة بسقوط النظام سريعًا، وأن من حذر من بقاء الأسد اتُهم بأنه مؤيد له. يسرد المؤلف في هذا السياق تنبؤه المبكر بأن رفض الحوار مع النظام سيؤدي إلى كارثة، مشيرًا إلى أنه قال عام 2012 على التلفزيون الهولندي إنه كان يفضل "عشرة آلاف قتيل" على "ثلاثمئة ألف" لو أن الحوار بدأ مبكرًا، وهو ما تحقق للأسف حين وصل العدد إلى أكثر من نصف مليون قتيل.
يحلل الفصل فشل المفاوضات السياسية بالتفصيل. يتناول بيان جنيف لعام 2012، الذي وضعته مجموعة العمل من أجل سوريا ودعا لتشكيل "هيئة حكم انتقالي"، لكنه يوضح أن كلا الطرفين (النظام والمعارضة) كان يفسره بما يخدم مصلحته، فالنظام رأى في كلمة "انتقال" تهديدًا وجوديًا، بينما رأت المعارضة فيه طريقًا للاستيلاء على السلطة. كما يناقش إعلان الرياض في ديسمبر 2015، حيث وحدت المعارضة موقفها لكنها أصرت على شرط غير واقعي وهو تنحي بشار الأسد في بداية الفترة الانتقالية، وهو الشرط الذي يعتبره المؤلف بمثابة "توقيع النظام على حكم إعدامه"، ويقول إنه كان من المستحيل منطقيًا أن يقبله، رغم أن معظم الدول الغربية والعربية دعمته.
يتطرق الفصل إلى تفاصيل المساعدات الهولندية، خاصة "المساعدة غير الفتاكة" للجماعات المعارضة المعتدلة مثل الجيش السوري الحر والشرطة الحرة السورية، والتي بلغت أكثر من 50 مليون يورو بين 2014 و2017. ينتقل المؤلف هنا إلى الدفاع عن هذا البرنامج الذي تعرض لهجوم سياسي وإعلامي حاد في هولندا، حيث اتهمت وسائل إعلام مثل "نيوزور" هولندا بدعم الإرهاب. يشرح المؤلف منطق البرنامج، وهو دعم القوى المعتدلة لمنعها من الانضمام للجماعات المتطرفة، ويرى أن الانتقادات النيابية كانت قاسية وغير واقعية، متجاهلةً أن أي دعم في ظل حرب معقدة يحمل مخاطر، وأن التحالفات المؤقتة بين الجماعات كانت تفرضها ضرورات البقاء، وتركز في خاتمة هذا الجزء على أن هذا النقد أدى إلى وقف كل الدعم.
يقدم الفصل أيضًا تحليلًا نقديًا لاذعًا للسياسة الغربية تجاه الأكراد، واصفًا إياها بـ"خيانة الأكراد" أو ازدواجية المعايير. يوضح أن الغرب، وفي هذه الحالة البرلمان الهولندي، تغاضى عن الطبيعة السلطوية لـ"وحدات حماية الشعب" الكردية وانتهاكاتها، بسبب براعة علاقاتها العامة وشعبية صورتها، بينما كان صارمًا مع الجماعات العربية. بل واتهم "حزب الاتحاد الديمقراطي" و"وحدات حماية الشعب" بالتعاون مع النظام السوري لتحقيق أهدافه القومية الكردية، وهو ما اعتبرته الجماعات العربية "خيانة للثورة". ويشير إلى أن الغزو التركي لشمال سوريا في أكتوبر 2019 أثار نقاشًا في البرلمان الهولندي ركز على الأكراد والمسيحيين، متجاهلاً العرب الذين يشكلون غالبية السكان هناك. في المقابل، يعتبر المؤلف أن المشاركة الهولندية في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كانت مبررة وحققت نتائج جيدة، معترفًا بأنه لا يمكن ضمان خلوها من الأخطاء.
في الجزء الأخير، ينتقل الفصل من تحليل الماضي إلى تقييم المستقبل. يتحدث عن سقوط نظام الأسد المفاجئ في 8 ديسمبر 2024، بعد أقل من أسبوعين من هجوم "هيئة تحرير الشام" وفصائل أخرى، ويصف انهيار النظام بـ"بيت من ورق". يعزو هذا الانهيار السريع إلى إحباط الجيش، وانشغال روسيا بحرب أوكرانيا، وضعف إيران وحزب الله بسبب الهجمات الإسرائيلية. يطرح المؤلف سؤالًا حاسمًا حول المستقبل: هل هناك أمل في السلام؟ ويجيب بحذر شديد، مشيرًا إلى أن النصر العسكري لا يعني بالضرورة السلام، وأن الصدمات النفسية العميقة، والفساد المستشري، وتفكك الميليشيات، وإعادة الإعمار، كلها تحديات قد تستغرق أجيالًا. يبدي بعض التفاؤل الحذر بشأن تحول "هيئة تحرير الشام" نحو البراغماتية بقيادة أحمد الشرع (الجولاني)، لكنه يظل متشككًا في قدرة الجماعات التي أطاحت بالأسد على بناء "سوريا جديدة" ديمقراطية، مشيرًا إلى أن التاريخ السوري يظهر نمطًا متكررًا من استبدال ديكتاتورية بأخرى.
أخيرًا، يقر المؤلف في أكثر من موضع بحدود معرفته وتحفظاته، فهو يتحدث بصفته دبلوماسيًا غربيًا له قناعاته، ويقدم التحليل الشخصي وليس الحقيقة المطلقة. كما يعترف بصعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن عدد القتلى الهائل، تاركًا هذا السؤال للمؤرخين. الجزء الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هو دفاعه المستميت عن فكرة أن الحوار مع نظام الأسد كان سيمثل خيارًا أخلاقيًا أعلى من عدم التدخل، وهي أطروحة يعترف المؤلف نفسه بأنها لم تلق قبولًا واسعًا، وقد تكون مثيرة للجدل حتى بعد سقوط النظام.
8.العناصر الأساسية للصراع العربي الإسرائيلي217–237▼ ملخص
يستعرض المؤلف في هذا الفصل العناصر الأساسية للصراع العربي الإسرائيلي، مستنداً إلى تجربته الدبلوماسية الطويلة، وتحديداً مهمته كأمين سر لبعثة أوروبا للشرق الأوسط في عام 1980، والتي كانت هولندا تديرها كمتابعة لقمة البندقية. يهدف الفصل إلى إظهار أن جذور الصراع الحالية لم تتغير جوهرياً منذ ذلك الوقت، وأن فهم المواقف الثابتة للأطراف كان ممكناً لو تم استخلاص الاستنتاجات الصحيحة من تلك الزيارات المكثفة.
يسرد المؤلف تفاصيل زيارات البعثة للأطراف الرئيسية في الصراع، والتي شملت إسرائيل وجيرانها العرب مصر وسوريا والأردن ولبنان، بالإضافة إلى منظمة التحرير الفلسطينية والعراق، وعدد من الدول العربية الأخرى. جرت مناقشات مستفيضة مع المسؤولين بناءً على أسئلة محددة وافقت عليها الجماعة الأوروبية، ركزت على الانسحاب من الأراضي المحتلة، وحق تقرير المصير للفلسطينيين، والأمن، ووضع القدس. أظهرت هذه الزيارات تبايناً حاداً في المواقف، حيث رفضت إسرائيل أي دور أوروبي في عملية السلام، معتبرة أنها وحدها من يملك الحق في تحديد احتياجاتها الأمنية، ورافضة بشكل قاطع أي حديث عن دولة فلسطينية أو العودة لحدود ما قبل حرب 1967.
يقدم المؤلف مشاهد محددة من هذه الزيارات لتوضيح المواقف. ففي إسرائيل، واجه الوزير الهولندي كرديس فان دير كلاو غضب رئيس الوزراء مناحيم بيغن لالتقائه بزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وسط اتهامات وابتزاز أخلاقي. بينما أظهر الرئيس المصري أنور السادات رؤية مختلفة، حيث رأى أن الحل العملي الوحيد هو نقل الضفة الغربية إلى السلطات الأردنية، ونصح البعثة بعدم التواصل مع منظمة التحرير الفلسطينية حفاظاً على مصداقيتها، كما كان سلبياً تجاه عرفات. في المقابل، أكد الملك حسين من الأردن على حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ورفض فكرة أن يكون الأردن هو الدولة الفلسطينية البديلة.
انتقد الرئيس السوري حافظ الأسد بشدة عملية كامب ديفيد، معتبراً أنها تهديد للتسوية الشاملة لأنها اتفاقيات منفصلة تضعف مواقف الأطراف العربية الأخرى، وتُحييد أقوى خصم عسكري لإسرائيل. لاحظ المؤلف أن أطرافاً عربية أخرى أبدت مواقف متفاوتة، وأن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت باعتراف أوروبا بها كممثل شرعي وحيد، وبحق إقامة دولة فلسطينية وعودة اللاجئين، واعتبرت أنه من غير العادل مطالبتها بالاعتراف بإسرائيل دون حدود واضحة. يذكر المؤلف أيضاً بعض المشاهد من لبنان والمغرب والسعودية والكويت وعمان، موضحاً فيها طقوس الضيافة العربية وأهمية فهم الإشارات غير المعلنة في البروتوكول.
يخلص المؤلف في الجزء الأخير من الفصل إلى مراجعة نقدية لتطورات الصراع على مدى نصف قرن، مشيراً إلى أن الوضع من المنظور الفلسطيني تدهور بشكل ملحوظ، وأن أفعال إسرائيل لاقت تسامحاً وتشجيعاً من الغرب. يعدد الانتهاكات مثل توسع المستوطنات غير القانونية، وضم القدس الشرقية ومرتفعات الجولان، وبناء جدار الفصل، ومصادرة الأراضي، وعرقلة التعليم. ويؤكد أن المواقف الإسرائيلية الأساسية بشأن القدس والدولة الفلسطينية والحدود لم تتغير، وأن الفرق بين حزب الليكود وحزب العمل ليس جوهرياً، وأن النظام الديمقراطي الإسرائيلي الذي يطبق فقط على اليهود يشكل عائقاً أمام السلام.
يحلل المؤلف فشل الدور الأمريكي في الوساطة، معتبراً أن الولايات المتحدة كانت دائماً داعمة لإسرائيل، ويذكر خطاب الرئيس باراك أوباما في القاهرة عام 2009 الذي لم يتبعه أي إجراءات، ثم سياسات الرئيس دونالد ترامب التي قوضت موقف الفلسطينيين بشكل جذري، بما فيها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والاعتراف بضم الجولان عام 2019، والتراجع عن اعتبار المستوطنات غير قانونية. كما يقدم المؤلف تحليلاً لخطة «صفقة القرن» الأمريكية عام 2020، معتبراً أنها لا تقدم حلاً عادلاً بل تكرس الاحتلال وتقترح دولة فلسطينية غير متصلة، وهو ما رفضه الفلسطينيون والعديد من الجهات الدولية.
يعرض المؤلف في النهاية وسائل مقترحة للضغط على إسرائيل، مثل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، ومراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على أساس احترام حقوق الإنسان. وينتقد بشدة السياسات الغربية التي تكتفي بإصدار بيانات «القلق البالغ» دون اتخاذ إجراءات ملموسة، محملاً هذه الدول جزءاً من المسؤولية عن تدهور الأوضاع. يختتم المؤلف بانتقاد مباشر لافتقاد السياسيين الغربيين الشجاعة السياسية، مؤكداً أن النوايا الحسنة والتصريحات غير كافية دون تنفيذ فعلي للقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة.
التحليل والكلمات المفتاحية
أماكن