
الاستبداد المفرح
يتمحور كتاب «الاستبداد المفرح» للمخرج حاتم علي حول سؤال جوهري: كيف يتشكل المبدع في بيئة عربية تسمها الفقر والنزوح والهوية الممزقة بين السوري والفلسطيني، وقبل كل هذا، الاستبداد بكل أشكاله السياسية والاجتماعية والثقافية؟ الإجابة التي يدافع عنها المؤلف ليست نظرية، بل هي سيرة ذاتية مكثفة، يقرأ من خلالها مساره الشخصي كصانع دراما، ويستخلص منها رؤية نقدية لتاريخ فني وسياسي بأكمله. الكتاب ليس مذكرات بالمعنى التقليدي، بل هو تأمل في «الكيفية» التي يصبح بها المرء راوياً، وكيف يمكن للفن، رغم كل القيود، أن يخلق مساحة من الفرح، ومن هنا يأتي عنوان «الاستبداد المفرح» الذي يجمع بين المتناقضات.
يسير الكتاب وفق منطق تراكمي يبدأ من التكوين المبكر للوعي والذاكرة، ثم ينتقل إلى لحظات مفصلية في مسيرة المخرج الإخراجية. البداية من المكان: بعد النزوح من القنيطرة في الجولان السوري المحتل، استقرت العائلة في منطقة الحجر الأسود الملاصقة لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. البيت الذي امتلكوه كان بمساحة ثماني قصبات، وحاول استحضار شكل البيت الريفي في الجولان، لكنه احتوى على حوش صغير شكل بستاناً. في هذا الحوش، ظهر التلفزيون كإضافة عصرية باهظة الثمن. يروي حاتم علي كيف كان يزور الجيران مع والده لمشاهدة المسلسلات المصرية، وكيف أدى إلحاحه هو وأخوته لشراء جهاز إلى بيع نصف البيت بثمن بخس، وهي واحدة من الأخطاء الكبيرة التي اقترفها والده. هذا المشهد الأول يلخص معضلة ثقافية واقتصادية: رغبة جامحة في النافذة التلفزيونية على حساب المأوى.
تتوالى الذكريات كشظايا: أول الصور التلفزيونية التي علقت في ذاكرته كانت مسلسلات أسبوعية ذات طابع توجيهي صارخ، لكنها مثلت له ساعة من الحرية والفرح وسط شظف العيش. إلى جانب التلفزيون، كانت هناك مجلات مصورة مثل «تان تان» و**«سمير»** و**«فوتوريما»، كان يستأجرها من مكتبة قرب المدرسة في مرحلة الصف الأول الإعدادي في مدارس وكالة غوث اللاجئين، ثم تطور إلى قراءة روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس**. لكن الأهم من هذه المواد هو إدراكه المبكر بأن الصناعة التلفزيونية والسينمائية السورية صعبة ومكلفة، وأنه كان يسمع في محيطه أن اللهجة السورية بشعة وغير قابلة لأن تكون لهجة درامية. ورغم هذا، بدأ الكتابة فعلياً من خلال كتيبات تشبه المسلسلات ذات الحلقات المنفصلة مثل المغامرين الخمسة والشياطين الثلاثة عشر، وكتب قصصاً تشويقية بوليسية بأبطال سوريين مستنسخين، تدور أحداث إحداها في معرض دمشق الدولي الذي كان متنفساً لعوالم جديدة. هذه الكتابات، كما يذكر، ذهبت أدراج الرياح.
ثمة لحظة فارقة في التكوين المبكر هي لحظة انقطاع البث التلفزيوني. حين كانت القناة السورية هي الوحيدة بهوائي عادي، كانوا يحاولون بحيل بسيطة التقاط إشارات من لبنان أو الأردن، ويحسد أقاربه في درعا على قدرتهم على مشاهدة البث الأردني وأحياناً الإسرائيلي. يتذكر الدهشة من عالم مختلف عن الصورة التي كونها عن الآخر. وكانت لحظة الانقطاع زماناً متوقفاً، صمتاً وموتاً، يثير الخوف من عطل تقني لا يمكن إصلاحه بشراء جهاز ثانٍ. هذا الخوف من القطيعة مع العالم يعكس شرطاً وجودياً: التلفزيون لم يكن ترفيهاً، بل شريان حياة واتصال بعوالم خارج الحصار الجغرافي والسياسي.
يدخل الفصل الأول إلى تفاصيل مشكلة أخرى من خلال شخصية الجار «موسى»، الذي عمل في مصنع دهانات كيماوية فهرم مبكراً، وكان يملك مجلدات «حمزة البهلوان». شكلت قراءة هذه القصص مع موسى بداية أول فرقة مسرحية، حيث كان موسى المخرج والمؤسس، وحولوا مقاطع من السيرة إلى مسرحيات. يصف عالم حمزة البهلوان بأنه مختلف عن التلفزيون، عالم معارك وفرسان بلغة تراثية تجمع بين الشعر والسجع، ذات إيقاع متمهل. في المقابل، يكشف المؤلف عن خجله الشديد وانطوائيته في الصغر، حيث كان يغير وجهته لتجنب النسوة الجالسات أمام بيوتهن، ويعاني من عزلة اجتماعية دفعته لبناء عوالم خيالية خاصة. كان اكتشافه أن صلاح الدين الأيوبي في شبابه كان خجولاً ومتلعثماً بمثابة مفاجأة، تخيله بطريقة البهلوان. ثم ينتقل إلى شخصية يوسف العظمة التي وجدها جذابة كشخصية تراجيدية مشى إلى موته في مواجهة غير متكافئة، ويصفه بأنه رجل مظلوم لا تقف خلفه قوة داعمة، مما يجعل إنتاج عمل عنه مشروعاً قاتماً. هذه الشخصيات التاريخية التي تأمّلها لم تكن مجرد أبطال، بل نماذج للصراع بين الفرد والسلطة، وبين الحلم والواقع.
عند بلوغه الثامنة عشرة، انتقل حاتم علي إلى المسرح حيث التقى زيناتي قدسية، وهو رجل مسرح يعاني من صعوبات اقتصادية مماثلة. تقرب منه كثيراً وبدأ كممثل ثانوي في فرقته، ثم نتج عن شراكتهما كتاب «الحصار» الذي ضم ثلاث مسرحيات فلسطينية. يصف زيناتي بأنه مثله الأعلى، بتفاصيل صغيرة مثل طريقة إغلاق علبة السجائر وشرب القهوة، والتي مازال يحافظ عليها. لكن زيناتي حذره من تقليد طريقته في التمثيل، والتي تقوم على المبالغة في إيصال الانفعال. وعندما أصبح طالباً في المعهد العالي للفنون المسرحية، طالبه الأستاذ محمد إدريس، أحد أهم قامات المسرح التونسي المعاصر، بالافتراق عن إرث زيناتي، وكانت مرحلة مؤلمة. هذا الصراع بين الميراث والتجديد هو خيط ناظم للكتاب كله.
يتناول حاتم علي أيضاً نظرة لدروس التاريخ التي تلقاها، مشيراً إلى أنه كان ميالاً للجانب الأدبي ويجد في التاريخ دراما وروي مشابهة للمسلسلات. يقر بأنه لم يملك القدرة على محاكمة التاريخ وكان يثق به ثقة عمياء، وأن المنهاج التعليمي كان قائماً على التلقين والحوار مغيب. لذلك هرب من الوقائع التاريخية إلى الروايات التاريخية مثل كتب جرجي زيدان، ليغوص في جوانب الشخصيات كبشر. يختبر هذا المنهج من خلال مسلسل «الزير سالم»، المنبثق من السيرة الشعبية، والذي حاول تخليص السيرة من الخرافات وإنزال البطل ليصبح بشراً. يرى أن النهاية التي قدمت الزير كرجل مكسور مهزوم كانت صدمة للمشاهد الذي خدعه المسلسل. هذه القراءة أسست عنده منهجاً لقراءة التاريخ من زاوية لا تتواطأ مع الروايات الرسمية، منتقداً طريقة التعامل مع التاريخ التي تنتقي الصفحات البيضاء والمشرقة وتسقط العمل الفني في فخ الدعاية، مما يرسخ الفكر السلفي والتطرف. هذا النقد المبكر للخطاب التاريخي الرسمي سيكون حجر الزاوية في أعماله اللاحقة.
الفصل الثاني من الكتاب ينتقل بنا إلى محطة مركزية في مسيرة حاتم علي: مسلسل «التغريبة الفلسطينية». يقدم هنا قراءة نقدية لعمله الأهم، ويكشف عن الرؤية التي قادته. يبدأ بتأكيد أن العمل كان شخصياً بالنسبة له، إذ وجد تقاطعات كبيرة بينه وبين الشخصيات. ثم ينتقل إلى نقد الدراما التلفزيونية السابقة التي كانت تقدم الفلسطيني في إطار «العمل الفدائي المقاوم»، وهي نظرة يراها مفهومة في سياقها التاريخي، لكنها كانت على حساب الآدمية. هنا يكمن الابتكار في «التغريبة الفلسطينية»: تقديم الفلسطينيين بأحلامهم ونقاط ضعفهم، والتركيز على لحظات الضعف والانكسار، وتخليص التمثيل من الخطابة والمبالغة.
مثال واضح على ذلك هو شخصية قيس الشيخ نجيب وحتى شخصية مسعود (التي لعبها رامي حنا)، حيث استخدم السلاح الفني لسخرية عالية من الذات، وهو ما يكشف عن وعي الشخصية وذكائها، ويعمل كعملية تطهر من العيوب، تشبه الاعتراف الذي يسبق المغفرة. هذه المقاربة الإنسانية جعلت العمل قادراً على الصمود في وجه الزمن. يرى حاتم علي أن رغبة المشاهد في استعادة العمل تفصح عن رغبة في مشاهدة «عداياته» والتماهي معها، وأن استعادة الذكرى بهذه الطريقة «تحلل من الألم»، ويصبح النسيان أكثر إيلاماً. يربط ذلك بالخوف من ضياع الحكاية، خاصة أن الجيل الجديد، حسب قوله، ليس لديه فكرة واضحة عما حدث، وتقتصر معرفته على معلومات مجردة عن ألف قرية دمرت هناك. وهنا يبرز أحد أهداف العمل: إعادة إنعاش الذاكرة بقصص صغيرة وبسيطة تشكل سفر عذاب جديد ومختلف، ومن هنا جاءت تسمية «التغريبة» هرباً من كليشيهات المرحلة السابقة، رغم أن هذا المصطلح أثار اعتراضات في البداية قبل أن يتحول إلى مصطلح سياسي.
يتعمق الفصل في تحليل ازدواجية الشخصيات، وبالأخص شخصيتي علي وحسن. يوضح حاتم علي أن اختيار تيم حسن لشخصية علي كراوٍ للحكاية جاء لحل إشكالية الشكل الفني، ليكون الناظم لزاوية النظر. أما الثنائية بين علي وحسن فتمثل صراعاً محورياً. فبينما كانت العائلة مضطرة لتعليم فرد واحد، دفع حسن (باسل خياط) الثمن كضحية، بينما أصبح علي المنقذ المتعلم. هذا التضحية تسببت بتأنيب ضمير أفسد حياة علي فيما بعد، بينما عاش حسن بقوة وغريزة، وقدم نفسه كقربان. يصل المخرج إلى استنتاج مفاده أن حسن هو الشخصية الأكثر حقيقة، لأنه عاش الحياة بشغف وكان قادراً على الاختيار، بينما بقي علي متأملاً مراقباً، مما حوله لاحقاً إلى «مثقف سلبي» يشبه شخصية هاملت. في المقابل، كان حسن الأكثر التصاقاً بالحياة. هذه القراءة للثنائيات تعكس رؤية المخرج للصراع بين الفعل والتأمل، وبين الغريزة والعقل، والتي تتجاوز الفلسطيني إلى الإنسان بعامة.
يتناول الفصل أيضاً شخصيات أخرى. شخصية أبو صالح (جمال سليمان) تبدأ كمتمرد وطني في ثورة 1936، لكنه يتحول بعد فشل الثورة إلى رجل مهزوم ومنسي وعاجز، «رجل معطوب على الصعيدين السياسي والجسدي»، وقد جسد هذا الانكسار من خلال بطله وانكسار ظهره. المخرج يشير إلى أن العمل لا يبدأ فقط من 1948، بل من قبل ذلك ليرصد شعور الغربة داخل النسيج الفلسطيني نفسه، والمجتمع الذي لم يكن فردوساً، بل كان يعاني من الإقطاع والظلم الاجتماعي. هذه المقاربة هي «محاولة لرد هذه النكبة ليس فقط إلى مشروع استعماري خارجي، وإنما إلى أسباب ذاتية». حادثة مقتل جميلة، على سبيل المثال، أنسنت هؤلاء البشر وأظهرت تخلف مجتمعاتهم وحوّلت الفلسطينيين من «أنصاف ملائكة إلى بشر خطائين مثل كل الآخرين». هذا التصريح هو من أكثر لحظات الكتاب جرأة، إذ لا يتردد حاتم علي في نقد المجتمع الفلسطيني من الداخل.
في الختام، يقرّ حاتم علي بحدود العمل وتركه أسئلة مفتوحة. فكرة إنتاج جزء ثانٍ أو ثلاثية كانت موجودة لكنها اصطدمت بعقبات كبيرة، لأن الفترة التاريخية التي تلت مرحلة الكفاح المسلح أصبحت معقدة وشديدة الإشكالية، مما يجعل تجسيدها في نظام تلفزيوني محكوم بوزارات الإعلام أمراً صعباً. المخرج يقر بأن الحل الذي قدمه المسلسل في شخصية رشدي (الذي لعبه هو بنفسه) معلماً بالكفاح المسلح، لم يكن حلاً دعائياً أو استشرافاً للمستقبل، بل كان انسجاماً مع «الصيرورة التاريخية» في تلك اللحظة. يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية استكمال السرد، ولكن مع الاعتراف بأن الفترة اللاحقة هي الأكثر إشكالاً، وربما يمكن الخوض فيها بعد سنوات. هذه الصراحة في الاعتراف بحدود العمل، وبالضغوط السياسية والرقابية، تعطي الكتاب مصداقية عالية.
«الاستبداد المفرح» ليس كتاباً سهلاً، ولا هو مجرد سيرة ذاتية. إنه تأمل نقدي في فعل الإبداع في ظل الاستبداد، وفي كيفية تحويل القيود إلى محركات للفرح الفني. حاتم علي لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يشارك القارئ رحلته الشخصية والمشقة، تاركاً أسئلة مفتوحة عن الهوية، والتاريخ، والفن. من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب هي نظرة المؤلف إلى الفلسطيني «الإنسان» مقابل الفلسطيني «البطل»، والتي قد يراها البعض تجريحاً للمقاومة، بينما يراها هو ضرورة فنية ونفسية. كما أن إصراره على ربط الفشل الداخلي بالمشروع الاستعماري قد يبدو اختزاله للتاريخ، لكنه يظل طرحاً يستحق التأمل في علاقة الفن بالسياسة، وفي إمكانية صنع فرح أصيل تحت وطأة الاستبداد.
الأشخاص
الفصول(2)
2.املأ الفراغات التالية ....21–34▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو التكوين المبكر لوعي وذاكرة الكاتب، ونشوء علاقته بالحكاية والمسرح والتلفزيون، وكيف شكلت البيئة الفقيرة والهوية السورية الفلسطينية والنزوح هذا التكوين. يقدم المؤلف إجابة ضمنية عن سؤال كيف يصبح المرء راوياً ومخرجاً وممثلاً، عبر تتبع الشظايا الأولى لهذه الرغبة منذ الطفولة.
يبدأ الفصل بذاكرة مكانية: بعد النزوح من القنيطرة في الجولان السوري المحتل، استقرت العائلة في منطقة الحجر الأسود الملاصقة لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. يصف المؤلف البيت الذي امتلكوه بمساحة ثماني قصبات، ببناء يحاول استحضار شكل البيت الريفي في الجولان، مع حوش صغير يشكل بستاناً. في هذا الحوش، ظهر التلفزيون كإضافة عصرية باهظة الثمن، ويروي كيف كان يزور الجيران مع والده لمشاهدة المسلسلات المصرية، وكيف أدى إلحاحه هو وأخوته لشراء جهاز إلى بيع نصف البيت بثمن بخس، وهي واحدة من الأخطاء الكبيرة التي اقترفها والده.
يتذكر أول الصور التلفزيونية التي علقت في ذاكرته، وكانت مسلسلات أسبوعية ذات طابع توجيهي صارخ، لكنها مثلت له ساعة من الحرية والفرح وسط شظف العيش. يضيف إلى هذه المصدر مجلات مصورة مثل «تان تان» و**«سمير»** و**«فوتوريما»** التي كان يستأجرها من مكتبة قرب المدرسة في مرحلة الصف الأول الإعدادي في مدارس وكالة غوث اللاجئين، ثم تطور إلى قراءة روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس.
يكشف المؤلف عن شعوره المبكر بأن الصناعة التلفزيونية والسينمائية السورية صعبة ومكلفة، وأنه كان يسمع في محيطه أن اللهجة السورية بشعة وغير قابلة لأن تكون لهجة درامية. لكنه بدأ الكتابة فعلياً من خلال كتيبات تشبه المسلسلات ذات الحلقات المنفصلة مثل المغامرين الخمسة والشياطين الثلاثة عشر، وكتب قصصاً تشويقية بوليسية بأبطال سوريين مستنسخين، تدور أحداث إحداها في معرض دمشق الدولي الذي كان متنفساً لعوالم جديدة. يذكر أن هذه الكتابات ذهبت أدراج الرياح.
يتوقف عند لحظة انقطاع البث التلفزيوني، حين كانت القناة السورية هي الوحيدة بهوائي عادي، وكانوا يحاولون بحيل بسيطة التقاط إشارات من لبنان أو الأردن، ويحسد أقاربه في درعا على قدرتهم على مشاهدة البث الأردني وأحياناً الإسرائيلي، ويتذكر الدهشة من عالم مختلف عن الصورة التي كونها عن الآخر. كانت لحظة الانقطاع زماناً متوقفاً، صمتاً وموتاً، يثير الخوف من عطل تقني لا يمكن إصلاحه بشراء جهاز ثانٍ.
يدخل الفصل إلى تفاصيل مشكلة أخرى من خلال شخصية الجار «موسى» الذي عمل في مصنع دهانات كيماوية فهرم مبكراً، وكان يملك مجلدات «حمزة البهلوان»، ويؤمن بأنه يقوم على كنز. شكلت قراءة هذه القصص مع موسى بداية أول فرقة مسرحية، حيث كان موسى المخرج والمؤسس، حولوا مقاطع من السيرة إلى مسرحيات. يصف عالم حمزة البهلوان بأنه مختلف عن التلفزيون، عالم معارك وفرسان بلغة تراثية تجمع بين الشعر والسجع، ذات إيقاع متمهل.
يكشف المؤلف عن خجله الشديد وانطوائيته في الصغر، حيث كان يغير وجهته لتجنب النسوة الجالسات أمام بيوتهن، ويعاني من عزلة اجتماعية دفعته لبناء عوالم خيالية خاصة. اكتشافه أن صلاح الدين الأيوبي في شبابه كان خجولاً ومتلعثماً شكل مفاجأة له، وتخيله بطريقة البهلوان. ثم ينتقل إلى شخصية يوسف العظمة التي وجدها جذابة كشخصية تراجيدية مشى إلى موته في مواجهة غير متكافئة، ويصفه بأنه رجل مظلوم لا تقف خلفه قوة داعمة، مما يجعل إنتاج عمل عنه مشروعاً قاتماً.
عند بلوغه الثامنة عشرة انتقل إلى المسرح، حيث التقى زيناتي قدسية، وهو رجل مسرح يعاني من صعوبات اقتصادية مماثلة. تقرب منه كثيراً وبدأ كممثل ثانوي في فرقته، ثم نتج عن شراكتهما كتاب «الحصار» يضم ثلاث مسرحيات فلسطينية. يصف زيناتي بأنه مثله الأعلى، بتفاصيل صغيرة مثل طريقة إغلاق علبة السجائر وشرب القهوة، والتي مازال يحافظ عليها. لكنه حذره من تقليد طريقته في التمثيل، والتي تقوم على المبالغة في إيصال الانفعال، وعندما أصبح طالباً في المعهد العالي للفنون المسرحية طالبه الأستاذ محمد إدريس، أحد أهم قامات المسرح التونسي المعاصر، بالافتراق عن إرث زيناتي، وكانت مرحلة مؤلمة.
يتناول نظرة المؤلف لدروس التاريخ التي تلقاها، مشيراً إلى أنه كان ميالاً للجانب الأدبي ويجد في التاريخ دراما وروي مشابهة للمسلسلات. يقر بأنه لم يملك القدرة على محاكمة التاريخ وكان يثق به ثقة عمياء، وأن المنهاج التعليمي كان قائماً على التلقين والحوار مغيب. يذكر هروبه من الوقائع التاريخية إلى الروايات التاريخية مثل كتب جرجي زيدان، ليغوص في جوانب الشخصيات كبشر.
يختبر هذا المنهج من خلال مسلسل «الزير سالم»، المنبثق من السيرة الشعبية، والذي حاول تخليص السيرة من الخرافات وإنزال البطل ليصبح بشراً. يرى أن النهاية التي قدمت الزير كرجل مكسور مهزوم كانت صدمة للمشاهد الذي خدعه المسلسل، وأن هذه القراءة أسست عنده منهجاً لقراءة التاريخ من زاوية لا تتواطأ مع الروايات الرسمية، منتقداً طريقة التعامل مع التاريخ التي تنتقي الصفحات البيضاء والمشرقة وتسقط العمل الفني في فخ الدعاية، مما يرسخ الفكر السلفي والتطرف.
يشرح كيف تحول من شاب خجول لا يجرؤ على عبور الشارع إلى ممثل، عبر حادثة مصادفة عندما غاب الممثل الرئيسي عن مسرحيته «الغول» قبل يوم من العرض، واضطر لصعود الخشبة كبديل. يصف اللحظة التي تبخر فيها خجله دفعة واحدة وتحول إلى شخص ثانٍ، ثم عاد بعد العرض إلى شخصيته الأولى الخجولة. هذه الازدواجية ظلت ترافقه لسنوات.
أخيراً، يتحدث عن علاقته بالسينما التي بدأت من دار عرض في مخيم اليرموك اسمها «سينما النجوم»، وبعد البكالوريا التحق بكلية العلوم الاجتماعية والفلسفة ليتيح له العمل الوظيفي، وعمل في المؤسسة العامة للسينما قسم التسويق والتوزيع، حيث شاهد الأفلام في صالة الرقابة. يختتم بذكر مسلسل «أسعد الوراق» الذي ترك أثراً في نفسه، مركزاً على أداء الممثل والمبالغة العاطفية، ويتذكر ناهد واصف وصرختها الشهيرة والدموع المتدفقة، مستنتجاً كيف كان الممثلون يملأون فراغات الشاشة بجهد كبير.
9.التغريبة الفلسطينية.. لا أكثر ولا أقل81–94▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو قراءة في مسلسل «التغريبة الفلسطينية» من وجهة نظر مخرجه حاتم علي، الذي يقدم رؤيته حول سبب نجاح العمل وتميزه. الإجابة التي يقدمها المؤلف تتمحور حول فكرة أن المسلسل استطاع أن يحقق توازناً دقيقاً بين المضمون العاطفي والشكل الفني، مما منعه من التحول إلى «منشور دعائي». السبب الجوهري لهذا النجاح، بحسب حاتم علي، هو الزاوية الجديدة التي اشتغل عليها العمل، والتي تخلت عن النمط السائد الذي كان يحول الفلسطيني إلى «مارد» أو «سوبرمان» لا يُقهر، وركزت بدلاً من ذلك على البعد الإنساني المفقود.
يسير الفصل على شكل مقابلة أو حوار، يتنقل خلاله المخرج خطوة بخطوة لشرح فلسفته في بناء الشخصيات والحكاية. يبدأ بتأكيد أن العمل كان شخصياً بالنسبة له، إذ وجد تقاطعات كبيرة بينه وبين الشخصيات. ثم ينتقل إلى نقد الدراما التلفزيونية السابقة التي كانت تقدم الفلسطيني في إطار «العمل الفدائي المقاوم»، وهي نظرة يراها مفهومة في سياقها التاريخي، لكنها كانت على حساب الآدمية. هنا يكمن الابتكار في «التغريبة الفلسطينية»: تقديم الفلسطينيين بـ«أحلامهم ونقاط ضعفهم»، والتركيز على لحظات الضعف والانكسار، وتخليص التمثيل من «الخطابة والمبالغة». مثال واضح على ذلك هو شخصية قيس الشيخ نجيب وحتى شخصية مسعود (رامي حنا)، حيث استخدم السلاح الفني «لسخرية عالية من الذات»، وهو ما يكشف عن وعي الشخصية وذكائها، ويعمل كعملية «تطهر» من العيوب، تشبه الاعتراف الذي يسبق المغفرة.
ينتقل النقاش بعد ذلك إلى ظاهرة إعادة عرض المسلسل. يرى حاتم علي أن رغبة المشاهد في استعادة العمل تفصح عن رغبة في مشاهدة «عداياته» والتماهي معها، وأن استعادة الذكرى بهذه الطريقة «تحلل من الألم»، ويصبح النسيان أكثر إيلاماً. يربط ذلك بالخوف من ضياع الحكاية، خاصة أن الجيل الجديد، حسب قوله، ليس لديه فكرة واضحة عما حدث، وتقتصر معرفته على «معلومات مجردة عن ألف قرية دمرت هناك». وهنا يبرز أحد أهداف العمل: إعادة إنعاش الذاكرة بقصص صغيرة وبسيطة تشكل «سفر عذاب جديد ومختلف»، ومن هنا جاءت تسمية «التغريبة» هرباً من كليشيهات المرحلة السابقة، رغم أن هذا المصطلح أثار اعتراضات في البداية قبل أن يتحول إلى مصطلح سياسي.
يتعمق الفصل في تحليل ازدواجية الشخصيات، وبالأخص شخصيتي علي وحسن. يوضح حاتم علي أن اختيار تيم حسن لشخصية علي كراوٍ للحكاية جاء لحل إشكالية الشكل الفني، ليكون الناظم لزاوية النظر. أما الثنائية بين علي وحسن فتمثل صراعاً محورياً. فبينما كانت العائلة مضطرة لتعليم فرد واحد، دفع حسن (باسل خياط) الثمن كضحية، بينما أصبح علي المنقذ المتعلم. هذا التضحية تسببت بـ«تأنيب ضمير» أفسد حياة علي فيما بعد، بينما عاش حسن بقوة وغريزة، وقدم نفسه كقربان. يصل المخرج إلى استنتاج مفاده أن حسن هو الشخصية الأكثر حقيقة، لأنه عاش الحياة بشغف وكان قادراً على الاختيار، بينما بقي علي متأملاً مراقباً، مما حوله لاحقاً إلى «مثقف سلبي» يشبه شخصية هاملت. في المقابل، كان حسن الأكثر «التصاقاً بالحياة».
يتناول الفصل أيضاً شخصيات أخرى. شخصية أبو صالح (جمال سليمان) تبدأ كمتمرد وطني في ثورة 1936، لكنه يتحول بعد فشل الثورة إلى رجل مهزوم ومنسي وعاجز، «رجل معطوب على الصعيدين السياسي والجسدي»، وقد جسد هذا الانكسار من خلال بطله وانكسار ظهره. المخرج يشير إلى أن العمل لا يبدأ فقط من 1948، بل من قبل ذلك ليرصد شعور الغربة داخل النسيج الفلسطيني نفسه، والمجتمع الذي لم يكن فردوساً، بل كان يعاني من الإقطاع والظلم الاجتماعي. هذه المقاربة هي «محاولة لرد هذه النكبة ليس فقط إلى مشروع استعماري خارجي، وإنما إلى أسباب ذاتية». حادثة مقتل جميلة، على سبيل المثال، أنسنت هؤلاء البشر وأظهرت تخلف مجتمعاتهم وحوّلت الفلسطينيين من «أنصاف ملائكة إلى بشر خطائين مثل كل الآخرين».
في الختام، يقرّ حاتم علي بحدود العمل وتركه أسئلة مفتوحة. فكرة إنتاج جزء ثانٍ أو ثلاثية كانت موجودة لكنها اصطدمت بعقبات كبيرة، لأن الفترة التاريخية التي تلت مرحلة الكفاح المسلح أصبحت معقدة وشديدة الإشكالية، مما يجعل تجسيدها في نظام تلفزيوني محكوم بوزارات الإعلام أمراً صعباً. المخرج يقر بأن الحل الذي قدمه المسلسل في شخصية رشدي (الذي لعبه هو بنفسه) معلماً بـ«الكفاح المسلح»، لم يكن حلاً دعائياً أو استشرافاً للمستقبل، بل كان انسجاماً مع «الصيرورة التاريخية» في تلك اللحظة. يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية استكمال السرد، ولكن مع الاعتراف بأن الفترة اللاحقة هي الأكثر إشكالاً، وربما يمكن الخوض فيها بعد سنوات.