
الاسد الصراع على الشرق الاوسط
ملخص كتاب "الأسد: الصراع على الشرق الأوسط" لباتريك سيل
يُقدّم هذا الكتاب سيرة ذاتية سياسية شاملة للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، مُتتبّعاً رحلته من طفولته في جبال القرداحة النائية وصولاً إلى سدة الحكم في دمشق، ليصبح أحد أكثر زعماء الشرق الأوسط نفوذاً واستمرارية في السلطة. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك مسيرة الأسد الشخصية والنفسية والسياسية، والإجابة عن سؤال كيف استطاع فتى علوي فقير من جبال سوريا الشمالية الغربية أن يبني نظاماً استبدادياً محكماً، ويقود بلاده خلال عقود من الحروب والصراعات الإقليمية والداخلية. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن شخصية الأسد ونهجه في الحكم لا يمكن فهمها بمعزل عن الخلفيات الطائفية والاجتماعية والجغرافية التي نشأ فيها، وعن الإرث الاستعماري الفرنسي الذي عمّق الانقسامات في المجتمع السوري.
يسير الكتاب زمنياً ومنطقياً عبر فصول متصاعدة، مبتدئاً بالجذور الأولى لعائلة الأسد. يصف الفصل الأول حياة الجد سليمان الذي عُرف بـ"الوحش" بعد أن أطاح بمصارع تركي، ليرسم صورة لمجتمع جبلي كانت القوة الجسدية والبندقية فيه مصدر المكانة والسلطة. يقدّم هذا الفصل لحظة التحول الحاسمة عندما غادر حافظ الأسد الصغير الجبل إلى المدرسة في اللاذقية عام 1939، وهو في التاسعة من عمره، ليتعلم هناك درسه الأول في معنى الانتماء لأقلية مهمشة. ثم ينتقل السرد إلى الإرث الفرنسي، حيث يشرح كيف أن الانتداب لم يقتصر على تقسيم سوريا جغرافياً، بل خلق هوة عميقة بين الطوائف، وزرع بذور انفصالية لدى الأقلية العلوية. يصف المؤلف كيف جنّد الفرنسيون شباب العلويين في قوات خاصة بلغ عدد أفرادها أربعة عشر ألف جندي في منتصف الثلاثينيات، مما منحهم دخلاً ثابتاً وتدريباً عسكرياً، لكنه عزز عزلتهم عن الحركة الوطنية السورية التي قادها وجهاء المدن السنة.
يتناول الكتاب سنوات تكوين الأسد السياسي في المدرسة والكلية العسكرية، موضحاً كيف تحول من فتى ريفي علوي فقير إلى ناشط بعثي وقائد طلابي ثم طيار عسكري. يصف انضمامه في السادسة عشرة من عمره إلى حزب البعث، وانحيازه إلى جانب المثقف العلوي زكي الأرسوزي، الذي تأثر بالثقافة الفرنسية ثم صدم منها. يمضي الكتاب في شرح الأفكار التي جذبت الأسد وجيله نحو البعث، والتي صاغها ميشيل عفلق في شعار "وحدة، حرية، اشتراكية"، مؤكداً كيف أن القومية العربية العلمانية جذبت خصوصاً شباب الأقليات الذين كانوا يبحثون عن هوية تتجاوز الطائفية. ويصف الكتاب حصول الأسد على البكالوريا في صيف 1948، ثم التحاقه بالكلية العسكرية في حمص سنة 1949 هرباً من أقساط دراسة الطب التي لم يستطع تحملها، وتخرجه ضابطاً طياراً في 1952.
يقدّم الفصل الرابع تحليلاً عميقاً لـ"ثورة الفلاحين" التي قادها أكرم الحوراني في الريف السوري، معتبراً إياها العامل الحاسم في تحطيم النظام الإقطاعي القديم. يصف المؤلف أوضاع حماه، معقل ملاك الأرض، في زمن صبا الأسد، موضحاً كيف أن أربع عائلات فقط (البرازي والعظم والكيلاني وطيفور) كانت تمتلك واحداً وتسعين بالمائة من مائة وثلاث عشرة قرية في المنطقة. يورد الكتاب إحصاءات قاسية عن سوريا في تلك الفترة: بلد زراعي، عدد سكانه حوالي ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة، منهم مليونان من الفلاحين، ونسبة وفيات الأطفال دون الخامسة بلغت 75% بين عامي 1945 و1949، بينما كان الدخل القومي للفرد لا يتجاوز 450 ليرة سورية (170 دولاراً).
يصل السرد إلى مرحلة تشكيل "اللجنة العسكرية" السرية في القاهرة عام 1960، والتي ضمت حافظ الأسد وأربعة من رفاق هم: محمد عمران، صلاح جديد، عبد الكريم الجندي، وأحمد المير. يصف الكتاب كيف عملت هذه المجموعة بسرية تامة لإعادة بناء حزب البعث المشتت، وصولاً إلى انقلاب 8 آذار/مارس 1963 الذي أوصل البعث إلى السلطة. يقدّم الفصل تفاصيل درامية عن لحظة الأسد الحاسمة في الاستيلاء على قاعدة الضمير الجوية، حيث تفاوض مع قائدها وأقنع قواته بالاستسلام دون مقاومة. بعد الانقلاب، تولى الأسد قيادة القاعدة، مما أتاح له بناء إقطاعيته داخل القوات الجوية.
يتناول الكتاب الصراع الداخلي المحتدم في حزب البعث، والذي بلغ ذروته في الانقلاب الدموي 23 شباط/فبراير 1966، حيث قامت اللجنة العسكرية بإزاحة ميشيل عفلق والقادة القدامى. يصف المؤلف كيف عُيّن الأسد وزيراً للدفاع بعد هذا الانقلاب مباشرة، ليجد نفسه على مقربة من القمة، بينما كان الرجل الأقوى في سوريا هو صلاح جديد. لكن المأساة الحقيقية كانت في حرب حزيران/يونيو 1967، التي يصفها الكتاب بأنها غيّرت الأسد بعمق، وحوّلته من انقلابي محدود الأفق إلى مفكر استراتيجي بعد صدمة الهزيمة. يشرح الفصل حالة الجيش السوري الكارثية: قوة تعدادها 70 ألف رجل، مزودة بأسلحة سوفيتية رخيصة وقديمة، مع حوالي 500 دبابة نصفها فقط صالح للاستعمال، و120 طائرة ميغ 21 بدون قذائف دفاع جوي.
يصف الكتاب كيف أن الهزيمة كانت النقطة الحاسمة في حياة الأسد، إذ ألقته في مرحلة النضج السياسي وحفزت فيه الطموح لحكم سوريا بعيداً عن قيود زملائه. يشرح الفصل أسباب خلاف الأسد مع صلاح جديد والأطباء الثلاثة (يوسف زعيّن وإبراهيم ماخوس ونور الدين الأتاسي)، مركزاً على التباين في الأولويات: الأسد كان يركز على الصراع مع إسرائيل (أهداف "قومية")، بينما وضع الآخرون الثورة الداخلية في المقام الأول (أهداف "اشتراكية"). يصف المؤلف بناء الأسد لقاعدته العسكرية خطوة بخطوة، بدءاً من طرد رئيس الأركان أحمد سويداني في شباط/فبراير 1968 وتعيين صديقه المقرّب مصطفى طلاس مكانه، وصولاً إلى المواجهة المسلحة مع عبد الكريم الجندي في شباط/فبراير 1969، والتي انتهت بانتحار الجندي.
يأتي فصلا "الإخفاق في ايلول/سبتمبر الأسود" و"دولة الأسد" ليشكلا محورين رئيسيين في تحول الأسد من منافس على السلطة إلى حاكم مطلق. يشرح الكتاب كيف أن أزمة الأردن عام 1970 كشفت عن تناقض أساسي في سياسة الأسد بين دعمه العاطفي للقضية الفلسطينية ومصلحة الدولة التي تتطلب الاستقرار، مما أدى إلى تدخل عسكري سوري محدود ومتردد انتهى بالفشل. ثم يصف كيف استغل الأسد وفاة عبد الناصر في 28 أيلول/سبتمبر 1970 للإطاحة بخصومه في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1970، منهياً الصراع على السلطة في سوريا. ويقدّم الفصل تفاصيل بناء دولة الأسد عبر المصالحة الوطنية، وتخفيف القيود، وخفض أسعار المواد الغذائية بنسبة 25%، وإنشاء مؤسسات مثل الجبهة الوطنية التقدمية في 1972 والمجالس المحلية المنتخبة.
يخصّص الكتاب فصلاً مهماً للعلاقة بين الأسد والسادات في الفترة التي سبقت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، ويكشف عن الخديعة المتعمدة التي مارسها السادات على الأسد. يشرح المؤلف كيف كذب السادات على الأسد حول أهداف الحرب، فبينما كان الهدف الحقيقي لمصر هجوماً محدوداً لعبور قناة السويس واحتلال شريحة ضيقة من الأرض (خطة "المنارات العالية")، باع السادات للأسد خطة أكثر طموحاً لتحرير سيناء بأكملها (خطة "غرانيت/2"). يورد الكتاب اعتراف رئيس الأركان المصري سعد الدين الشاذلي بهذه الازدواجية التي جعلته "يشعر بالغثيان"، ويكشف كيف أن خطط الحرب السورية تسربت إلى العدو عبر عميل سوري سلمها لـهنري كيسنجر وموشي دايان في أواخر آب/أغسطس أو أوائل أيلول/سبتمبر 1973.
يصف الفصل الرابع عشر الحرب نفسها بتفصيل درامي، معترفاً بالانتصار العربي المبكر في اليوم الأول حيث عبر مئة ألف جندي مصري وأكثر من ألف دبابة قناة السويس ودمروا خط بارليف، بينما زجت سوريا بـخمسة وثلاثين ألف جندي وثلاثة دبابات ضد تحصينات مرتفعات الجولان. لكن السرد يتحول بسرعة إلى وصف كيف تحولت الحرب من طموحات كبرى إلى كارثة سياسية، حيث انتهى الأمر بتوقيع اتفاقيات فض الاشتباك التي اعتبرتها سوريا خيانة من السادات للقضية العربية.
يقرّ المؤلف في مواضع متفرقة بحدود تحليله وتحفظاته، مشيراً إلى أن الذاكرة الرسمية للأسد مبنيّة على استعادة سنوات تكوينه كفترة بطولة، مما يعني أن الرواية قد تكون مثالية. كما يطرح أسئلة مفتوحة حول تناقض اللجنة العسكرية التي كانت ترفع شعار الوحدة العربية مع مصر لكنها لم تتردد في التضحية بها من أجل الحفاظ على سلطتها، وعن طبيعة التطرف القومي للأسد الذي كان رد فعل مبالغاً فيه لإثبات تخليه عن إرثه الطائفي الانفصالي. يترك الكتاب سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان النهج القومي الجامد للأسد تعبيراً صادقاً عن قناعة، أم أنه كان قناعاً سياسياً ضرورياً لحكم بلد منقسم على نفسه بفعل الإرث الفرنسي.
من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، التضاد بين "التحرر من السيطرة الأجنبية" الذي رفعته الحركات العقائدية وبين واقع تقسيم فلسطين وإنشاء إسرائيل في 1948، الذي أظهر هشاشة الاستقلال الجديد. كما يبرز الصراع بين التوجه القومي العلماني لدى البعث وهوية الإخوان المسلمين الإسلامية المحافظة، وهو صراع طبع حياة الأسد السياسية منذ البداية، وانفجر في انتفاضة حماه في نيسان/أبريل 1964 والتي انتهت بقصف مسجد السلطان وسقوط نحو سبعين قتيلاً. وأخيراً، التناقض بين طموح الأسد ليصبح طبيباً وبين واقعه كضابط طيار، الذي يقدمه الكتاب ليس كخيار حر بل كنتيجة حتمية لظروف الفقر الطبقي، مما أسس لدور الجيش كمحرك سياسي رئيسي في سوريا.
الأشخاص
الفصول(20)
1.النزول من الجبل13–30▼ ملخص
النزول من الجبل
يتناول هذا الفصل الجذور الأولى للرئيس السوري حافظ الأسد، بدءاً من جده سليمان، الذي عُرف بـ"الوحش" بعد أن أطاح بمصارع تركي في قرية القرداحة الواقعة في جبال سوريا الشمالية الغربية. يقدّم الكاتب هنا صورة حية للحياة في تلك الجبال المنعزلة خلال أواخر الحكم العثماني، حيث كانت القوة الجسدية والبندقية هما مصدر المكانة والسلطة. الموضوع المحوري للفصل هو الانتقال التدريجي لعائلة الأسد من الفلاحين البسطاء إلى وجهاء في قريتهم، وصولاً إلى اللحظة الحاسمة التي غادر فيها حافظ الأسد الصغير الجبل إلى المدرسة في المدينة، وهي نقطة التحول التي مهدت لصعوده السياسي لاحقاً.
يبدأ الفصل بقصة الجد سليمان، الرجل شديد القوة الذي تحدى مصارعاً تركياً وطرحه أرضاً، ليصبح بطلاً في قريته ويُلقب بـ"الوحش". يستخدم الكاتب هذه الحكاية كرمز لنشأة الزعامة المحلية. يصف كيف بنى سليمان مكانته ليس فقط بقوته البدنية، بل أيضاً بدوره كوسيط لحل النزاعات بين الأسر، وكحامٍ لأهله ضد جباة الضرائب الأتراك. هذه المكانة، وإن كانت متواضعة، شكلت الأساس الذي بنى عليه أبناؤه. ثم ينتقل الفصل إلى وصف الحياة القاسية في تلك الجبال: فقر مدقع، غياب تام للخدمات الحكومية مثل التعليم والطرق، وسيطرة "البيوت" أو العشائر الكبيرة التي كان زعماؤها طغاة صغاراً يقاومون التغيير.
بعد ذلك، يركز الملخص على والد حافظ، علي سليمان، الذي ورث عن أبيه القوة والاحترام. كان علي سليمان رامياً ماهراً ووسيطاً في النزاعات، وقد ساعد اللاجئين الأرمن في أوائل العشرينات. ولد حافظ الأسد في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1930، وكان الابن الرابع من زوجة والده الثانية ناعسة. في فترة ولادته، كان علي سليمان قد تحول من فلاح بسيط إلى واحد من وجهاء القرية، وكان من رموز هذا التحول تغيير اسم العائلة رسمياً من "الوحش" إلى "الأسد" في 1927. يصف الكاتب حياة الأسد في طفولته داخل القرية: بيت بسيط من غرفتين، حياة عائلية مزدحمة مع أخوته وأبناء عمومته، وعمل يومي في الحقول. ويشير إلى أن الأمية كانت شبه كاملة، لكن والده كان أحد القلائل المتعلمين، بل إنه كان مشتركاً في جريدة وكان يتابع تطورات الحرب العالمية الأولى على خريطة حائطية.
يأتي التحول الحقيقي عندما أرسل علي سليمان ابنه حافظ إلى المدرسة في اللاذقية في عام 1939، وكان عمره تسع سنوات. هنا يصف الكاتب "النزول من الجبل" لأول مرة، معتبراً إياها أهم نقطة تحول في حياة الأسد. كان حافظ وحيداً في المدينة، بعيداً عن أسرته، وتعلم هناك درسه الأول في معنى الانتماء لأقلية؛ فالعلويون في اللاذقية كانوا مهمشين ويشكلون أقلية صغيرة. بعد عام عاد إلى قريته، ثم في 1942 واجه عقبة حاسمة وهي امتحان شهادة الدراسة الابتدائية. يصف الكاتب بالتفصيل التحدي الذي واجهه الصبية القرويون: ملء الاستمارات بدقة، والخوف من أخطاء بسيطة، ومواجهة أسئلة من معلمين غرباء في المدينة. نجح الأسد في الامتحان وكانت نتائجه من بين الأفضل.
في النهاية، يقدم الفصل خلفية عن الطائفة العلوية، وهم سكان الجبل الذين ينتمي إليهم الأسد. يوضح أنهم طائفة شيعية انشقت عن التيار الرئيسي، وقد تعرضوا للاضطهاد عبر العصور تحت حكم مختلف الغزاة، من الصليبيين والاسماعيليين إلى المماليك والعثمانيين، الذين كانوا يعتبرونهم هراطقة. هذا التاريخ من التهميش والقمع يجعل صعود عائلة الأسد إلى السلطة لاحقاً أكثر دلالة. ويخلص الملخص إلى أن حافظ الأسد ورث عن جده وأبيه إرثاً من القوة والصلابة، لكنه استفاد من فرصة التعليم التي أتاحها له والده ليترك عالم الجبل خلفه ويبدأ رحلته نحو السلطة. ويقر الفصل بأن أسرة الأسد كانت لا تزال تحتل مكانة متواضعة في القرية مقارنة بأسر أخرى بارزة، مما يشير إلى التحدي الكبير الذي واجهه في صعوده.
2.الإرث الفرنسي31–46▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل، الأول من كتاب «الأسد: الصراع على الشرق الأوسط»، مقدمة أساسية لفهم الخلفية التي نشأ فيها حافظ الأسد، والتي يراها المؤلف حاسمة في تشكيل شخصيته وسياساته لاحقاً. الموضوع المحوري هو «الإرث الفرنسي» في سوريا، وتحديداً في المنطقة الساحلية الجبلية التي كانت موطناً للطائفة العلوية. يقدّم المؤلف إجابة واضحة: إن الانتداب الفرنسي لم يقتصر على تقسيم سوريا جغرافياً، بل خلق هوة عميقة بين الطوائف، وزرع بذور انفصالية لدى الأقلية العلوية، مما وضعها في مواجهة مع التيار القومي العربي السني، وهي المفارقة التي سيعيشها حافظ الأسد طوال حياته.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مستعرضاً تاريخ المنطقة. يبدأ بوصف نشأة حافظ الأسد داخل «دولة علوية» صغيرة تعداد سكانها ثلاثمائة ألف نسمة، اقتطعتها فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. ثم ينتقل المؤلف إلى شرح المفهوم العربي لـ«سوريا الطبيعية» الممتدة من جبال طوروس إلى صحراء الجزيرة العربية، وكيف مزّقتها اتفاقيات سايكس-بيكو (1916) ووعد بلفور (1917). يصف بدقة كيف قامت فرنسا بتقطيع أوصال سوريا: فصلت لبنان الكبير (1920)، وتخلت عن أجزاء من ولاية حلب لتركيا، وأسست دويلات منفصلة منها دولة العلويين (1922) وجبل الدروز (1921). أدى هذا التقسيم إلى تقلص مساحة سوريا من 555,000 كيلومتر مربع إلى 186,000 كيلومتر مربع عند الجلاء الفرنسي عام 1946.
في القسم الثاني، يحلل المؤلف كيف رأت فرنسا نفسها «حامية للأقليات»، خاصةً المسيحيين الموارنة والعلويين. يصف مقاومة العلويين الأولى بقيادة الشيخ صالح العلي الذي حارب الفرنسيين لأكثر من عامين، وكان من بين أنصاره علي سليمان، والد حافظ الأسد. بعد إخماد الثورة عام 1921، تذبذبت السياسة الفرنسية بين منح المنطقة حكماً ذاتياً وإعادة ضمها، مما انعكس في تغيير اسمها عدة مرات. يستخدم المؤلف مثال «الريجي»، احتكار فرنسا لتجارة التبغ، كأداة للسيطرة الاقتصادية. ويصف كيف جنّد الفرنسيون شباب العلويين في «قوات المشرق الخاصة» التي بلغ عدد أفرادها سبعة آلاف عام 1924 وتضاعف إلى أربعة عشر ألف في منتصف الثلاثينيات. هذه القوات منحت العلويين دخلاً ثابتاً وتدريباً عسكرياً، لكنها عززت عزلتهم عن الحركة الوطنية السورية التي قادها وجهاء المدن السنة.
يتناول الفصل بتنوع ولاءات الزعماء العلويين تحت الانتداب، مستخدماً إياهم كأمثلة حية. يصف إخوان كنج كأبرز المتعاونين مع فرنسا، والشيخ جابر العباس الذي انشق عن فرنسا لاحقاً، وعزيز الهوّاش الذي وقف مع الوطنيين السوريين. أما الشخصية الأكثر إثارة للدهشة فهي سليمان المرشد، الفتى الأمي الذي ادعى النبوة وبدأ حركة دينية سياسية في عام 1927، جمعت حوله خمسين ألف تابع وامتلكت ترسانة سلاح، قبل أن يتم قمعها ويُشنق في دمشق عام 1946. يوضح المؤلف أن هذه النماذج كلها كانت تعكس صراع الطائفة بين الانفصال والوحدة، وبين التعاون مع الغرب والانخراط في التيار الوطني.
يعترف المؤلف بحدود هذا الإرث الفرنسي، إذ لم يُحدث تحسيناً مادياً كبيراً في حياة العلويين، الذين ظل معظمهم يعاني من الفقر المدقع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. يصف ظاهرة بيع الفتيات العلويّات كخادمات في المدن، مشيراً إلى أن عددهن وصل إلى عشرة آلاف في دمشق حتى أواخر الأربعينيات. لكنه يقرّ بأن خدمتهن في المنازل الغنية فتحت لهن آفاقاً جديدة للتعلم والاندماج. يخلص المؤلف إلى أن أهم إرث فرنسي هو منح العلويين لأول مرة «إحساساً بالفرق» وثقة بأنفسهم، مما جعلهم بعد الاستقلال يندفعون بقوة جامحة للاستيلاء على فرص التعليم والسلطة، كتعويض عن قرون من القمع. وفي هذا السياق، يظهر حافظ الأسد الشاب، الذي تمرد على هذه الخلفية الطائفية لينضم إلى حزب البعث القومي، متعهداً بترك «عقد الأقلية» وراءه.
في النهاية، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش: وهي أن التطرف القومي لـحافظ الأسد ونظامه كان، على الأرجح، رد فعل مبالغاً فيه لإثبات تخليه عن إرثه الطائفي الانفصالي. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً: هل كان النهج القومي الجامد للأسد تعبيراً صادقاً عن قناعة، أم أنه كان قناعاً سياسياً ضرورياً لحكم بلد منقسم على نفسه بفعل «الإرث الفرنسي» الذي يصفه هذا الفصل بتفصيل دقيق؟
3.مدرسة الحزب وكلية الجيش47–74▼ ملخص
يتركز هذا الفصل على تكوين حافظ الأسد السياسي والنفسي خلال سنوات دراسته الثانوية والتحاقه بالكلية العسكرية، ويقدم إجابة واضحة عن كيف تحول من فتى ريفي علوي فقير إلى ناشط بعثي وقائد طلابي ثم طيار عسكري، ليجسد التحول الاجتماعي الذي قاد طليعة الحزب الحاكمة لاحقاً. يبين الكاتب أن البيئة المدرسية في اللاذقية أواخر الأربعينيات كانت مسرحاً صغيراً يعكس الظلم الطبقي الكبير في المجتمع السوري، حيث كان أبناء الوجهاء المتواطئين مع الانتداب الفرنسي يسيطرون على المدارس ويتحكمون بالدرجات، بينما عانى أبناء الجبال الفقراء مثل الأسد من الإذلال اليومي. هذا السخط المبكر، والذي تجسد في حادثة اعتذار مدرس مضطهد عن وظيفته، شكل أول عاطفة سياسية في صدر الأسد.
يمضي الفصل في تتبع المراحل التعليمية للأسد، ويوضح كيف كانت المدرسة الثانوية ساحة للتنافس الإيديولوجي المحتدم بين ثلاث حركات رئيسية: القوميين السوريين بقيادة أنطون سعادة، والشيوعيين بقيادة خالد بكداش، والبعث الذي كان أبطاله الأوائل مدرسين مثل زكي الأرسوزي وميشيل عفلق. يصف الكاتب انضمام الأسد في السادسة عشرة من عمره إلى حزب البعث، وانحيازه إلى جانب زكي الأرسوزي، المثقف العلوي الذي تأثر بالثقافة الفرنسية ثم صدم منها وخاض معركة خاسرة للدفاع عن لواء الاسكندرون ضد ضمّه لتركيا في حزيران/يونيو ١٩٣٩. هذه الخبرة شكلت في نفس الأسد قناعة راسخة بأن الغرب لا يمكن الوثوق به، وأمدته بنموذج المناضل القومي المظلوم.
يتوسع الفصل في شرح الأفكار التي جذبت الأسد وشباب جيله نحو البعث، وهي أفكار صاغها ميشيل عفلق في شعار "وحدة، حرية، اشتراكية". يشرح المؤلف كيف سعى عفلق لتقديم القومية العربية كقومية علمانية تستوعب الإسلام كأعلى تعبير عن العروبة، وهو ما جعلها جذابة خصوصاً لشباب الأقليات العلوية والمسيحية الذين كانوا يبحثون عن هوية تتجاوز الطائفية. لم تكن هذه الأفكار نظرية مجردة، بل تمارس في الشارع من خلال مظاهرات عنيفة، سقط فيها شهداء مثل فوزي اللحام (١٣ سنة)، وكان الأسد جزءاً من هذا النشاط اليومي الذي وسم شخصيته لاحقاً.
بعد حصوله على البكالوريا في صيف ١٩٤٨، يواجه الأسد معضلة الفقر التي تمنعه من دراسة الطب، فيلتحق بالكلية العسكرية في حمص سنة ١٩٤٩ هرباً من أقساط الدراسة ولأن الجيش أصبح المؤسسة الوحيدة التي تصنع مستقبل أبناء الفقراء، خاصة من الأقليات. يصف الفصل انتقال الأسد إلى كلية الطيران في حلب، وتخرجه ضابطاً طياراً في ١٩٥٢. كان الأسد في طفرة الانتداب من الطلاب القلائل، ويصف الكاتب حادثة كاد يموت فيها أثناء طيرانه بالمقلوب داخل غيمة كثيفة، لينجو بأعجوبة قبل أن يتخرج في اليوم التالي. هذه السنوات كونت صداقاته الأولى، مثل مصطفى طلاس وعبد الحليم خدام، التي ستشكل نواة حكمه فيما بعد.
في الفصل حدود واضحة، حيث يعترف المؤلف بأن أسباب اغتيال الضابط العلوي محمد ناصر كانت سياسية غالباً وليست طائفية بحتة، رغم آثارها الطائفية المحتملة. كما يشير إلى أن الذاكرة الرسمية للأسد وسيرته الذاتية مبنيان على استعادة هذه السنوات كفترة بطولة وتفانٍ، مما يعني أن الراوية قد تكون مثالية. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول كيفية تمكن الأسد من تجاوز حدود خلفيته العلوية ليصبح زعيماً قومياً، لا سيّما من خلال إصراره المبكر على تحالفات طبقية مع السنة الفقراء ضد النظام الإقطاعي القديم.
من النقاط القابلة للنقاش ضمن النص نفسه، التضاد بين "التحرر من السيطرة الأجنبية" الذي رفعته الحركات العقائدية وبين واقع تقسيم فلسطين وإنشاء إسرائيل في ١٩٤٨، الذي أظهر هشاشة الاستقلال الجديد. أيضاً، تظهّر الصراع بين التوجه القومي العلماني لدى البعث وهوية الإخوان المسلمين الإسلامية المحافظة، وهو صراع طبع حياة الأسد السياسية منذ البداية. أخيراً، التناقض بين طموح الأسد ليصبح طبيباً وبين واقعه كضابط طيار، الذي يقدمه الكتاب ليس كخيار حر بل كنتيجة حتمية لظروف الفقر الطبقي، مما أسس لدور الجيش كمحرك سياسي رئيسي في سوريا.
4.ثورة الفلاحين75–86▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو كيف أن "ثورة الفلاحين" التي قادها أكرم الحوراني في الريف السوري، وخاصة في منطقة حماه، شكلت الأساس الاجتماعي والسياسي الذي نشأ فيه حافظ الأسد وخرج منه قائداً ثورياً. يقدم المؤلف الإجابة بأن هذه الثورة الريفية كانت العامل الحاسم في تحطيم النظام الإقطاعي القديم، وإطلاق طاقة التغيير التي سيستغلها حزب البعث لاحقاً، والتي مهدت الطريق لصعود الأسد نفسه.
يبدأ الفصل بتحديد أكرم الحوراني كشخصية محورية. يوصف بأنه "ابن حماه" ذو الطبع الناري، وهو المدينة الواقعة في السهل السوري الأوسط. يوضح المؤلف أن ما قام به الحوراني في السهل كان له صدى فوري في الجبل العلوي، موطن الأسد، لأن الكثير من فقراء الجبل كانوا ينزلون إلى السهل بحثاً عن لقمة العيش. ويكمن جوهر الفصل في أن الحوراني أعطى الأسد "نموذج ثورة الريف على المدينة"، وهو نموذج لم يقدمه له مفكرون بعثيون آخرون مثل ميشيل عفلق أو زكي الأرسوزي. وعلى الرغم من أن طفولة الأسد في القرداحة لم تكن بنفس بؤس فلاحي السهول، إلا أنه كان ابناً للريف يفهم مشاكله. ويورد الفصل حادثة مؤثرة من طفولة الأسد لتوضيح إحساسه بالظلم: رجل قوي من قريته مات بصقاً دماً لأنه لم يملك الليرات العشر اللازمة لأجرة الطبيب.
يوضح المؤلف كيف أصبح الأسد أداة للتغيير الثوري بفضل كونه شاباً مثقفاً، منحدراً من الريف، ذا نزعة سياسية كأفراد الأقليات، وإحساس قوي بالظلم الطبقي. ويصفه بأنه هو وأمثاله كانوا "الجسر الهام" الذي جمع بين الريف المستيقظ والطبقات الوسطى من الأجراء في المدن؛ وهذان المكونان معاً زوّدا حزب البعث بطاقته المحركة. ثم يعود الفصل إلى تفصيل أوضاع حماه، معقل ملاك الأرض، في زمن صبا الأسد. يروي أنه في سنة 1947، وجه فلاح مجهول أول صفعة لأحد الملاكين في قرية قرب حماه، تحت شعار التحريض الذي رفعه الحوراني: "الأرض لمن يفلحها".
يسرد الفصل تاريخ حياة الحوراني النضالية: وُلد عام 1915 لعائلة سنية كانت تملك أرضاً ثم افتقرت، حصل على إجازة في الحقوق في أواخر الثلاثينات، سارع في سنة 1941 لمساعدة ثورة رشيد عالي في العراق، أُعيد انتخابه نائباً عن حماه في 1947، استولى على حامية حماه من الفرنسيين في 1945، أسس نادياً رياضياً ذا صبغة سياسية، وحارب في فلسطين في أوائل 1948. بعد ذلك، نظم الحوراني أتباعه في الحزب العربي الاشتراكي الذي أسسه في حماه عام 1950. يُبرز الفصل ظروف الاستغلال الفظيعة آنذاك: أربع عائلات فقط (البرازي والعظم والكيلاني وطيفور) كانت تمتلك واحداً وتسعين بالمائة من مائة وثلاث عشرة قرية في منطقة حماه. وقد اتبع الحوراني تكتيكاً ذكياً بتحالفه مع أصغر هذه العائلات (طيفور) واستخدامهم ضد الكبار.
يواصل الفصل وصف حملة التحريض وكيف تحولت إلى أعمال عنف من إحراق للمحاصيل وإطلاق نار على بيوت الملاك. ويقتبس المؤلف قول الدكتور عزيز صقر، الذي كان حزبياً نشيطاً وابن فلاح علوي بائس أصبح محافظاً للاذقية لاحقاً: "عندما قلنا للناس: هذه الأرض يمكن أن تكون لكم، حدث ما يشبه الانفجار". يؤكد الفصل على أن الحوراني كان أول سياسي سوري يفهم المشكلة الفلاحية ويجعلها قضية مركزية؛ لقد هز النظام الاجتماعي في عمق الأراضي السورية. ويشير المؤلف إلى أن ما فعله الحوراني على الجانب الآخر من الجبل ساعد في تهيئة المناخ الذي سمح للأسد وأقرانه بإطاحة نير الوجهاء المحليين في الجبل.
ثم ينتقل الفصل إلى توسيع نطاق الرؤية من خلال عيني الأسد الشاب كقائد طلابي ثم كضابط طيار. تعرّف الأسد من خلال أسفاره على بلد متخلف جداً. يقدم الفصل إحصاءات قاسية عن سوريا في تلك الفترة: بلد زراعي، عدد سكانه حوالي ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة منهم مليونان من الفلاحين، موزعين على خمسة آلاف وخمسمائة قرية معظمها من الطين وبلا مياه أو كهرباء. كانت الأمراض كالملاريا والسل متفشية، ونسبة وفيات الأطفال دون الخامسة بلغت 75% بين عامي 1945 و1949. كان الدخل القومي للفرد لا يتجاوز 450 ليرة سورية (170 دولاراً). كانت الكهرباء نادرة تخدم أقل من ثلاثة أرباع مليون نسمة، ولم يكن في البلاد سوى 1000 سيارة ومرفأ وحيد هو اللاذقية.
إن المشكلة الجوهرية التي يركز عليها الفصل هي الأرض. فقد كانت مصدر الثروة الأساسي محصورة في أيدي ملاك غائبين، وقد تفاقم هذا الوضع منذ نظام ملكية الأرض في القرن التاسع عشر ولم تغيره فترة الانتداب الفرنسي. يشرح الفصل آلية الاستغلال بنظام "المشاع" الذي انهار مع تنظيم سجلات الأراضي، مما سمح للوجهاء بامتلاك مساحات شاسعة وتحويل الفلاحين إلى محاصصين لا يملكون شيئاً. كان المزارع المشارك لا يحصل سوى على حصة تتراوح بين 50% و60% من المحصول، وهو ما لا يتجاوز الكفاف. ولم تكن معاناة الفلاحين مادية فقط، بل كانت تمس كرامتهم وعرضهم، حيث كانت نساء الفلاحين يخضعن لتسلط الملاك، واعتداء الملاك على النساء كان شأناً يمس شرف الرجل ويجمّع الشباب تحت الأحزاب الجديدة.
ينتقل الفصل إلى فترة حكم الدكتاتوريين العسكريين من 1949 حتى 1954 (حسني الزعيم، سامي الحناوي، أديب الشيشكلي)، معتبراً إياهم غير مجهزين لمعالجة المشاكل الجذرية، لكنهم مع ذلك مهدوا الطريق بإنشاء مصرف مركزي، وإصلاح القوانين، وتوطين البدو، وإزالة الديانة من بطاقات الهوية، وإعطاء النساء المتعلمات حق التصويت. كان الشيشكلي أهمهم، لكنه حين تحول إلى دكتاتور وكمّم الأفواه، ثار عليه الحوراني مع صلاح البيطار وميشيل عفلق، وفي منفاهم قرروا دمج حزبي البعث والعربي الاشتراكي عام 1953 لتكوين حزب البعث العربي الاشتراكي. هذا الدمج جمع بين موظفي المدن والفلاحين الثوريين. في انتخابات 1954، اكتسح هذا التحالف المشهد، وفاز الحوراني في حماه ووهيب الغانم في اللاذقية.
يختم الفصل بأن سنوات الخمسينات كانت عصر الإحساس بإمكانية التغيير الاجتماعي الجذري. ويخلص المؤلف إلى أن الحوراني كان "عامل التغيير والقابلة التي ولدت على يديها سوريا الجديدة". لم يفعل أحد أكثر منه في هز أسس الطبقة الحاكمة القديمة، فهو من أثار الفلاحين، وسيّس الجيش، وأعطى منظري البعث الوزن السياسي، وجعل غضب الريفيين أكثر تركيزاً، وأوضح للشباب الصاعد ما يجب فعله وما يمكن تحقيقه.
خلاصة وتعقيب شخصي: ينجح الفصل في رسم صورة مقنعة لتطور الأسد كنتاج حتمي لثورة اجتماعية عميقة قادها الحوراني، وليس مجرد نتاج لأفكار حزبية مجردة. تظهر الحجج والأمثلة (مثل ملكية الأربع عائريات في حماه، وحادثة موت الرجل الفقير) فداحة الظلم الاجتماعي وتحول الريف إلى خزان بشري هائل للثورة. ومع ذلك، يطرح الفصل حجة قابلة للنقاش وهي أن نموذج الحوراني كان "العامل الحاسم" الوحيد، متجاهلاً إلى حد كبير دور القومية العربية كعقيدة جامعة، أو دور العامل الطائفي الذي لعبه العلويون في الجيش، أو تأثير الأحداث الإقليمية الكبرى مثل نكبة فلسطين. كما أن وصف الحوراني بـ"الداهية" و"القابلة" يمنحه دوراً فردياً قد يبالغ في أهميته مقابل القوى الاجتماعية الاقتصادية المجهولة التي يصفها الفصل نفسه ببراعة.
5.تنظيم القاهرة87–122▼ ملخص
بعد تخرجه من الكلية الجوية، أرسل حافظ الأسد إلى قاعدة المزة الجوية قرب دمشق. كانت المؤسسة العسكرية في بداية الخمسينات أكثر المؤسسات تسيساً، حيث كان من المقبول أن يخطط الضباط ويضعوا رفاق حزبهم في الوظائف الهامة منذ انقلاب 1949. حاول الأسد، كجندي بعثي بسيط، جذب انتباه قادة حزبه وسط صراع سياسي عميق بين حزب البعث، الذي يؤمن بالوطن العربي كاملًا، والحزب القومي السوري الاجتماعي، الذي يرى “سوريا الكبرى” أمة متميزة. تعمق هذا الصراع ليصل إلى العائلات، فعائلة مخلوف، التي تزوج منها الأسد لاحقاً، كانت معروفة بولائها للحزب القومي السوري، مما خلق توتراً مع ارتباطات الأسد البعثية.
تحول الصراع بين الحزبين إلى عنف عندما اغتيل العقيد البعثي البارز عدنان المالكي في نيسان/ أبريل 1955 خلال مباراة كرة قدم على يد رقيب علوي في الشرطة العسكرية. تبين أن القاتل ينتمي للحزب القومي السوري، مما أتاح للبعثيين والشيوعيين شن حملة عنيفة ضده. أدى هذا إلى ترجيح الميزان لصالح ضباط البعث بشكل حاسم، مما خدم مستقبل الأسد الذي وقع عليه الاختيار للترفيع والتدريب الإضافي.
في عام 1958، اختير الأسد للذهاب إلى مصر من أجل التدرب على الطيران النفاث، وهي أول رحلة له إلى الخارج. كانت هذه الفترة ذروة صعود جمال عبد الناصر، خاصة بعد صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955 التي كسرت احتكار الغرب للسلاح. شعر السوريون بانجذاب كبير نحو عبد الناصر، وفي هذه الأثناء طرح البعث لأول مرة فكرة الوحدة مع مصر. في القاهرة، تلقى الأسد تدريباته، وشهد تأميم قناة السويس في تموز/ يوليو 1956، ولعب دورًا صغيرًا في أزمة السويس عندما أرسل شمالاً للاستطلاع.
خاض الأسد تجربة خطيرة كادت أن تقتله عندما هبط باضطرار بطائرة ميتيور في الظلام الدامس بعد مهمة اعتراض، بسبب عطل في الكوابح ونفاد الوقود. نجا بأعجوبة، وتلقى توبيخًا غرامة وحكمًا بالحبس مع وقف التنفيذ. شعر الأسد أن العقوبة كانت بسبب انتمائه البعثي، لكنه فيما بعد لم يحمل ضغينة تجاه الضباط الذين حاكموه.
في شباط/ فبراير 1958، اندمجت مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة بمبادرة من الضباط السوريين الذين كانوا يخشون تقدم الشيوعيين. رغم تحفظ عبد الناصر الأولي، وافق على الوحدة التي صدمت النظام الإقليمي وعزلت الهاشميين في العراق. رأى الأسد في عبد الناصر مثلاً أعلى، خاصة بعد أن تمكن من تحقيق بعض الاستقرار.
في عام 1960، تزوج الأسد من أنيسة مخلوف، التي أحبها منذ الطفولة. واجه معارضة من عائلتها بسبب فوارق اجتماعية وسياسية، إذ كانت عائلتها من الوجهاء المعروفين بالكرم وذوي ولاء للحزب القومي السوري. بدعم من عمته وأم أنيسة التي أعجبت بصفاته، تم الزواج رغم أن الأسد لم يتمكن من تأمين مستوى الحياة الذي اعتادت عليه. اعتبر الأسد هذا الزواج خطوة مهمة في صعوده الاجتماعي.
بعد الزواج بأسابيع، سافر الأسد إلى الاتحاد السوفييتي في منتصف عام 1960 ضمن مجموعة صغيرة من الطيارين للتدرب على طائرات ميغ. على الرغم من التحفظ الأولي تجاه السوفييت بسبب إلحادهم، كانت هذه الرحلة أول اتصال له مع الحليف المستقبلي. أمضى عشرة أشهر في التدريب، وكان مشتاقًا للعودة إلى وطنه، خاصة بعد ولادة ابنته الأولى.
عند عودته في ربيع 1961، اكتشف الأسد أن الوحدة مع مصر لم تكن على ما يرام. ساد السخط بين السوريين بسبب المنافسة غير العادلة مع المنتجات المصرية والقيود المفروضة، بالإضافة إلى جفاف أثر على الريف. فرض عبد الناصر حل الأحزاب وانسحاب الضباط من السياسة، مما أخرج البعثيين من السلطة. نُقل الأسد إلى مصر مع ضباط آخرين، حيث عاش في القاهرة مع شعور بالخيانة والقلق.
في القاهرة، بدأ الأسد وأربعة من رفاقه (محمد عمران، صلاح جديد، عبد الكريم الجندي، وأحمد المير) بتأسيس تنظيم سري أطلقوا عليه اسم “اللجنة العسكرية” في عام 1960. كان هدفهم إعادة بناء حزب البعث المشتت وحماية الوحدة التي شعروا بأنها مهددة. عملوا بسرية تامة لتجنب مراقبة المخابرات المصرية، وركزوا على بناء شبكة من الضباط ذوي الخلفية الريفية والأقليات الدينية.
تدهورت الوحدة أكثر، وانهارت في 28 أيلول/ سبتمبر 1961 عندما قام ضابط دمشقي بانقلاب بدعم من الأردن والسعودية. لم يطلق أحد طلقة واحدة دفاعاً عن الوحدة. أثار الانفصال أضرارًا نفسية كبيرة، وأسفرت الانتخابات عن عودة سياسيين قدامى. وقع أكرم الحوراني، أحد قادة البعث، على بيان يشكر الجيش على “حركته الانقاذية”، مما دمر مستقبله السياسي وأفسح المجال أمام اللجنة العسكرية لتنمية طموحاتها.
بعد الانفصال، أودع الأسد وزملاؤه في السجن ثم أطلق سراحهم لاحقاً. واجهوا معاملة سيئة من القيادة الجديدة، وأعطي الأسد إجازة مفتوحة ثم نقل إلى وظيفة مدنية براتب منخفض. مع ذلك، واصل أعضاء اللجنة العسكرية الخمسة تنظيمهم السري، وبدأوا في تجنيد ضباط جدد.
في آذار/ مارس 1962، غاصت سوريا في سلسلة من الانقلابات. قام العقيد النحلاوي بانقلاب وأودع الحكومة السجن، مما دفع الأسد ومجموعته للتحالف مع الناصريين ضده. انتهى الأمر بفشل التمرد، وهرب الأسد إلى لبنان حيث ألقي القبض عليه وسجن لمدة أسبوع. عند عودته إلى سوريا، سجن في سجن المزة ثم أطلق سراحه. في هذا الوقت، وضعت زوجته ابنهما البكر باسل. عاش الأسد فترة عصيبة، حيث داهمت الشرطة منزله عند الفجر، لكنها لم تجد ما يدينه.
بعد خروجه من السجن، وجد الأسد نفسه كاتبًا حكوميًا ذا راتب منخفض، بعد أن كان طيارًا مرموقًا. توقف صعوده المهني بسبب الوحدة والانفصال. على الرغم من هذه النكسات، بدأ هو ورفاقه في اللجنة العسكرية يعدّون العدة لصعود جديد، متسلحين بالعزيمة والتصميم.
6.الفوز بالدولة123–144▼ ملخص
هذا الفصل، السادس من كتاب «الأسد: الصراع على الشرق الأوسط»، يروي قصة صعود حزب البعث إلى السلطة في سوريا بين عامي 1961 و1963، مركزاً على الدور المحوري الذي لعبته «اللجنة العسكرية» السرية، وهي مجموعة من خمسة ضباط صغار من بينهم حافظ الأسد. الموضوع المحوري هو كيف تمكنت هذه المجموعة الصغيرة والمجهولة، التي تنتمي لطائفة الأقلوية العلوية، من الإطاحة بنظام الانفصال الضعيف والاستيلاء على الدولة في انقلاب سريع، ثم فرض سيطرتها على الحكم.
يسير الفصل زمنياً، ويشرح الخطوات التي سلكتها اللجنة لتحقيق هدفها. يبدأ بوصف حالة النظام الانفصالي برئاسة ناظم القدسي، والذي يصفه المؤلف بأنه كان «حكومة بلا شعب وبلا جيش»، يعاني من ضعف شديد وصراعات داخلية وهجمات دعائية من عبد الناصر في مصر. ثم ينتقل إلى شرح استراتيجية اللجنة العسكرية التي خططت لانقلاب عسكري تقليدي. لم تكن اللجنة تملك قاعدة جماهيرية، فكان عليها الاعتماد على حلفاء داخل الجيش. يستعرض الفصل عملية بناء التحالف السري التي قادتها اللجنة؛ فقد اتصلت بضابطين ناصريين هما العقيد راشد القطيني والعقيد محمد الصوفي، ثم ضمت إليهما العقيد المستقل زياد الحريري، قائد الجبهة مع إسرائيل، بعد أن عرضت عليه قيادة الحركة مقابل أن يصبح رئيساً للأركان. ويشير الفصل إلى أن دافع اللجنة لم يكن الوحدة العربية فحسب، بل كان طموحاً أكثر تعقيداً: إعادة البعث إلى السلطة ووضع أعضائها على طريق الصعود.
يصف الكاتب يوم الانقلاب في 8 آذار/مارس 1963 بتفصيل درامي. قاد الحريري لواءً من الجبهة، بينما تحرك محمد عمران للاستيلاء على اللواء المدرع السبعين في الكسوة. وكانت لحظة حافظ الأسد الحاسمة هي الاستيلاء على قاعدة الضمير الجوية، حيث تفاوض مع قائدها وأقنع قواته بالاستسلام دون مقاومة تذكر، على الرغم من أن قواته كانت أصغر حجماً. يصف الفصل كيف انتهى الانقلاب بنزهة عسكرية دون إراقة دماء، ليعيد الأسد ورفاقه إلى الجيش برتب أعلى، حيث أصبح الأسد قائداً لقاعدة الضمير، مما أتاح له بناء إقطاعيته داخل القوات الجوية. بعد الانقلاب، تم تشكيل «المجلس الوطني لقيادة الثورة» كحكومة صورية، لكن السلطة الحقيقية بقيت في يد اللجنة العسكرية، التي ظلت تعمل بسرية تامة، متخذة القرارات قبل الاجتماعات الرسمية ومانحة المدنيين مثل ميشيل عفلق صلاحيات شكلية فقط. وقد اختارت اللجنة العقيد أمين الحافظ ليكون الشخصية الواجهة، حيث شغل منصب وزير الداخلية ثم وزير الدفاع لاحقاً.
يبرز الفصل الصراع الدامي بين البعث والناصريين كأبرز عقبة واجهت الحكام الجدد. فبينما كان عبد الناصر والبعثيون يتفاوضون ظاهرياً حول وحدة ثلاثية مع العراق، كانوا يتقاتلون في الشوارع السورية. يعدد الفصل إجراءات البعث لتقويض الناصريين، بدءاً من تسريح أكثر من خمسين ضابطاً موالياً لمصر في نيسان/أبريل ومايو 1963، مروراً بقمع انتفاضاتهم الدامية في دمشق وحلب (التي أدت إلى مقتل خمسين شخصاً وإغلاق مكاتب حركة القوميين العرب)، وانتهاءً بمحاولة انقلاب ناصرية فاشلة في 18 تموز/يوليو 1963 بقيادة جاسم علوان. هذه المحاولة قمعت بوحشية، وأعدم فيها سبعة وعشرون ضابطاً ناصرياً على الفور. يخلص الفصل إلى أن هذا الافتراق النهائي عن عبد الناصر وضع البعثيين أمام خيار لا هوادة فيه: إما القتل أو القتل، واختاروا القتل. بعد ذلك، تخلصت اللجنة بسهولة من حليفهم السابق زياد الحريري خلال غيابه، وأجبرت رئيس الدولة الصوري لؤي الأتاسي على الاستقالة، ليحل محله بالكامل رجل الواجهة أمين الحافظ.
يقر الفصل بعدة حدود وتحفظات في نهايته. يطرح تساؤلاً أساسياً حول تناقض اللجنة العسكرية، التي كانت ترفع شعار الوحدة العربية مع مصر، لكنها لم تتردد في التضحية بها من أجل الحفاظ على سلطتها. ويشير إلى أن حافظ الأسد كان أقل مرارة في معاداة عبد الناصر من زميليه صلاح جديد ومحمد عمران، وقد أظهر ذلك بتعامله الإنساني النسبي مع الضباط الناصريين الأسرى بعد التمرد الفاشل، حيث سعى لإطلاق سراح ذوي الأدوار الصغيرة منهم. ويختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذه التجربة المبكرة من الحكم بالقمع زرعت في البعث عادات الحذر والسرية التي رافقته لسنوات، ولكنها في المقابل منحت دمشق سيطرتها على مصيرها لأول مرة منذ الاستقلال، وفتحت عهداً جديداً في السياسة العربية تلاشت فيه هيمنة عبد الناصر وأصبحت سوريا لاعباً إقليمياً صاعداً على الرغم من البداية الدموية المضطربة.
7.الفوز بالحزب145–172▼ ملخص
بدأ الفصل السابع من كتاب "الأسد: الصراع على الشرق الأوسط" بوصف السنوات التي تلت انقلاب آذار/مارس 1963 بأنها فترة قاسية ومليئة بالعبر، تدرب خلالها حافظ الأسد على السلطة وسقط فيها منافسوه واحداً تلو الآخر حتى أصبح الفائز الوحيد. يشرح الكاتب كيف أن هؤلاء الضباط الشباب البعثيين، الذين استولوا على السلطة في دمشق وبغداد، كانوا غير مستعدين للحكم. فقد صرفوا طاقتهم في تأمين انقلابهم، وافتقروا إلى برنامج سياسي واضح، الأمر الذي دفعهم إلى التحالف مع مجموعة ماركسية يقودها معلم مدرسة درزي متحمس يُدعى حمود الشوفي.
يوضح الكاتب كيف تشكلت قيادة قطرية جديدة من ثمانية أعضاء، استبعدت مؤسس الحزب ميشيل عفلق ورفيقه صلاح البيطار. ويصف انتخاب الأسد لهذه القيادة بأنه كان ظهوره العلني الأول، رغم أنه لم يكن يملك بعد سلطة حقيقية مقارنةً بـ محمد عمران وصلاح جديد. ويشير المؤلف إلى أن الأسد وضع نفسه في خانة اليسار مدفوعاً برغبته في إسقاط الامتيازات، وقد أكد ذلك من خلال لقاء مع خالد الفاهوم الذي وجده قومياً عربياً ملتزماً وليس طائفياً. كان المؤتمر القطري الأول بمثابة "بروفة" للمؤتمر القومي السادس في تشرين الأول/أكتوبر 1963، حيث حافظ عفلق على منصبه كأمين عام لكنه غرق في تحالف يساري متشدد بقيادة الشوفي وعلي صالح السعدي العراقي.
ينتقل الكاتب لوصف الوثيقة النظرية التي تبناها المؤتمر القومي، والتي حملت عنوان "بعض المنطلقات النظرية". ركزت هذه الوثيقة، التي أعدها الماركسيون، على ضرورة التلاحم العضوي بين الجيش والحزب، ورفعت الحزب إلى مكانة "الحزب القائد" في المجتمع السوري. كما تضمنت رفضاً للديمقراطية البرلمانية الغربية ووضعت الأسس النظرية لحرب قادمة على طبقات الملاك في المدن. أدى هذا التوجه إلى استقالة البيطار من رئاسة الوزراء، وحل محله الفريق أمين الحافظ، فيما أصبح صلاح جديد يدير الجيش، وتولى الأسد مهمة توسيع شبكة الحزب في القوات المسلحة لخلق "جيش عقائدي".
يتناول الفصل بعد ذلك ما يسميه الكاتب "الانهيار العراقي". يصف كيف ارتكب البعثيون العراقيون خطأ فادحاً بشن حرب ضد الأكراد في حزيران/يونيو 1963، مما زاد الخلافات وأدى إلى انقلاب عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963 الذي أطاح بالحكم البعثي في بغداد. كانت هذه الكارثة صدمة للجنة العسكرية في سوريا، وأجبرتها على إعادة النظر في تحالفها مع الماركسيين. أدى ذلك إلى طرد كل من السعدي والشوفي من الحزب، مما عزز النزعة البراغماتية الطبيعية لدى الأسد، لكنه لم يزعزع التزامه باليسار، بل جعله يدرك أن الحلول الماركسية الجاهزة غير مناسبة.
يتحدث الكاتب عن أزمة كبيرة أخرى واجهت الحكام الجدد، وهي انتفاضة حماه في نيسان/أبريل 1964. قاد هذه الانتفاضة الإخوان المسلمون وطبقات ملاك الأراضي المحافظة، مدعومةً بتمويل من العائلات الإقطاعية والتجار وتحريض من خطباء المساجد. يصف الكاتب المعارك الدامية التي استمرت يومين، والتي انتهت بقصف مسجد السلطان وفق الأمر الذي أصدره أمين الحافظ، مما أسفر عن سقوط نحو سبعين قتيلاً من الإخوان. ويشير إلى أن القمع لم ينهِ التمرد، بل أشعل موجة جديدة من الاضطرابات، وكشف لحكام سوريا الجدد عن مدى افتقارهم للشعبية، مما دفع البيطار للاستقالة وغادر البلاد، ليعود الحافظ لرئاسة الوزراء.
ينتقل الكاتب لتحليل الخلافات الداخلية في اللجنة العسكرية بين محمد عمران الذي كان يميل للمصالحة، وصلاح جديد الذي آمن باستعمال القوة. يوضح الأسد تولى موقع الوسيط بينهما، لكنه في النهاية انحاز إلى جديد في خريف 1964، متفقةً معه على نهجه الراديكالي. يصف الكاتب هندسة سقوط عمران الذي خان السرية وأفشى لعفلق خطط اللجنة، مما أدى إلى نفيه سفيراً في إسبانيا. تبع ذلك حملة تأميم واسعة في كانون الثاني/يناير 1965 استهدفت نحو مئة شركة، مما أثار تجار دمشق الذين أغلقت متاجرهم، ليقابلهم الحرس القومي بالكسف والتكسير، وسيطرت الدولة على المؤسسات الدينية.
يحلل الكاتب الصراع العميق بين الضباط وميشيل عفلق، واصفاً إياه بأنه صراع أجيال وثقافات. فعفلق هو المفكر الدمشقي الذي رأى الحزب منتدى للحوار والنقاش، بينما رأى الضباط الريفيون الحزب أداة للحكم ومؤسسة مركزية للدولة. ويشرح كيف قلب الضباط هرم الحزب رأساً على عقب، ونقلوا السلطة من القيادة القومية إلى القيادة القطرية التي يسيطرون عليها. وبضغط من أعضاء القيادة القومية غير السوريين الذين خشوا من اكتساح العسكريين، اضطر عفلق للتنحي عن منصب الأمين العام لصالح منيف الرزاز الأردني، مما لم يغير شيئاً في ميزان القوى.
يأتي وصف المواجهة النهائية التي اندلعت في 23 شباط/فبراير 1966. يصف الكاتب كيف قام اللواء محمد عمران باستفزاز اللجنة العسكرية، وكيف ردت بحركة تمويهية عبر خدعة على جبهة إسرائيل، تبعها هجوم دموي على منزل أمين الحافظ بقيادة سليم حاطوم ورفعت الأسد، مما أسفر عن سقوط نحو خمسين قتيلاً ودمار المنزل. قاد الأسد جهود الاتصال الهاتفي لكسب ضباط الوحدات إلى صف اللجنة، فيما لم يتدخل سلاحه الجوي في القتال. أعقب ذلك تطهير شمل نحو أربعمائة ضابط وموظف، واعتقال عفلق والقادة القدامى.
في الختام، يشير الكاتب إلى أن الأسد عُين وزيراً للدفاع بعد الانقلاب مباشرة، ويذكر أنه زار المعتقلين القدامى ليستفسر عن صحتهم. ورغم شعوره بالارتياح لحل الصراع، يشير المؤلف إلى أن الأسد لم يوافق على الأساليب الدموية، وألقى بمسؤوليتها على سليم حاطوم، مبرراً تدخل الجيش بضرورة إنهاء "ديكتاتورية القيادة القومية". بهذا الانتصار أصبح الأسد على مقربة من القمة، تاركاً خلفه ربع قرن من نضال عفلق الذي انتهى بالنفي والطرد.
8.التخبّط نحو الهاوية173–192▼ ملخص
بدأ وزير الدفاع السوري الجديد، حافظ الأسد، مسيرته في الحكومة التي تشكلت بعد المواجهة الدامية داخل حزب البعث في 7 شباط/فبراير 1966، وهي الحكومة التي يصفها المؤلف بأنها الأكثر تطرفاً في تاريخ سوريا، متهورة في الخارج ومتشددة في الداخل. ورغم أن الأسد أيد أهدافها العامة في إعادة تركيب المجتمع، إلا أن مزاجه الحذر كان يختلف عن حماسة زملائه المتصلبين، ولم يكن صوته مسيطراً في تلك الفترة.
في تلك المرحلة، كان الرجل الأقوى في سوريا هو صلاح جديد، الذي أصبح الرقم ١ في الحزب والجيش بعد خصومه. ورغم أن جديد كان خبيراً في التآمر وأهمية السيطرة على الجيش، إلا أن انغماسه في إدارة البلاد أعطى الأسد مجالاً واسعاً لإدارة القوات المسلحة، معتمداً عليه للحفاظ على ولاء الجيش. يصف المؤلف جديداً بأنه رجل غامض، تقشف وأخلاقي، يعيش حياة بسيطة في شقة متواضعة، مما أثار شكوك الناس حول تعاطفه مع الحزب القومي السوري الاجتماعي أو محاباته لطائفته العلوية.
كان جديد أكثر يسارية من الأسد، وقد أحاط نفسه بفريق يعكس ميوله الاشتراكية الملتهبة؛ ثلاثة أطباء هم الدكتور نور الدين الأتاسي (رئيس الدولة)، والدكتور يوسف زعين (رئيس الوزراء)، والدكتور ابراهيم ماخوس (وزير الخارجية). جمع هؤلاء تجربة مشتركة كمتطوعين كأطباء في الحرب الجزائرية ضد فرنسا، مما عزز اعتقادهم بإمكانية إرغام إسرائيل على التسليم مثل فرنسا، وكانوا يتميزون بطبع عنيف وعصبية. على الصعيد الأمني، جلب جديد أحمد سويداني كرئيس للأركان، وهو ضابط متشرب بالمذهب الماوي، مما أثار خلافات مع الأسد حول حجم الحرية والدعم الذي يجب تقديمه للفصائل الفلسطينية التي تشن هجمات على إسرائيل.
يسرد المؤلف تفاصيل الشخصيات الرئيسية في هذا النظام الجديد قبل 15 شهراً من حرب حزيران/يونيو 1967، مشيراً إلى أن كفاءتهم للحكم كانت أقل مما ينبغي. كانوا ضباطاً من الرتب المتوسطة رفعوا فجأة إلى رتب عالية، وأطباءً قليلي الخبرة، ومعلمي مدارس ريفيين، وجميعهم مجهولون لعامة الناس ويفتقرون إلى الاحترام التلقائي الذي تقوم عليه التقاليد السورية. ومع ذلك، استكملوا دحر النظام القديم عبر التأميمات وإصلاح الأراضي، وأحلوا محله نخبة سياسية جديدة من أبناء الريف المثقفين والطبقة الوسطى الدنيا، وفرضوا طابعاً تطهيرياً متشدداً على البلاد، طاردوا فيه كل من له علاقة بالعائلات القديمة حتى صار الناس يخشون الكشف عن أسماء عائلاتهم.
يسلط الضوء على الجانب الإيجابي لهذه الحكومة، مشيراً إلى نزاهة صلاح جديد وفريقه، وإنجازاتهم في التخطيط الاقتصادي وتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى مثل سد الفرات العظيم وشبكة الطرق والسكك الحديدية وتشغيل حقول النفط، ومعظمها بمساعدة سوفياتية. ومع ذلك، يؤكد أن يسارية الحكام كانت ذات أصول محلية ولم تأت بإيحاء سوفياتي، وأنهم حافظوا على تشككهم البعثي القديم بالشيوعية ورفضوا منح الشيوعيين أي نفوذ حقيقي في الحكم.
يتناول الفصل بالتفصيل مؤامرة المقدم سليم حاطوم، الضابط الدرزي الطموح الذي شعر بأن النظام لم يكافأه على دوره المحوري في انقلاب 7 شباط/فبراير. استغل حاطوم استياء الطائفة الدرزية التي شعرت بالتمييز ضدها في نظام حكم البعث لصالح العلويين، وتحالف مع البعثيين القدامى من أنصار عفلق بقيادة اللواء فهد الشاعر. تتبع الرواية كيف تورط حاطوم بشكل متهور، وكيف تم اكتشاف المؤامرة بعد حفلة شرب كشفت فيها ألسنة الضباط عن انتماءاتهم، وكيف قام حاطوم نفسه بالتحقيق مع المتهمين لحمايتهم، وكيف تدخل عبد الكريم الجندي بقسوة لاستخلاص الاعترافات، وأدى ذلك إلى اعتقال مئات الضباط معظمهم من الدروز.
بلغت المؤامرة ذروتها في 6 أيلول/سبتمبر 1966 عندما حاول حاطوم اختطاف صلاح جديد والوفد المرافق له في مدينة السويداء، وعندما كان على وشك السيطرة، تدخل حافظ الأسد بحسم من دمشق، وأرسل طائرات سلاح الجو لتحوم فوق القلعة وأمر اللواء المدرع السبعين بالتوجه جنوباً، مما أجبر حاطوم على الهرب إلى الأردن. يترك المؤلف سؤالاً مفتوحاً حول كيفية معرفة الأسد بالخبر في الوقت المناسب لإنقاذ جديد، ويذكر روايتين: هروب سائق جديد بسيارته، أو خيانة مصطفى الحاج علي للمتامرين. يكسب الأسد بفضل هذا التدخل الحاسم امتنان جديد وثقته.
بعد فشل المؤامرة، قاد الأسد وجديد حملة تطهير هائلة هي الأضخم في تاريخ الجيش السوري، حيث طُرد حوالى أربعمائة ضابط، من بينهم 89 عضواً من تنظيم الأسد العسكري الذي شك في ولائهم. ويعلق المؤلف بمرارة أن سوريا انزلقت إلى حرب 1967 بهيئة ضباط مستنزفة بشدة بعد تصفية كل هذه العناصر من الناصريين والانفصاليين والانفصاليين والبعثيين القدامى. ويختتم قصة حاطوم بنهاية مأساوية؛ ففي اليوم السادس من الحرب أعلن عودته ليقاتل، ولكن تم القبض عليه وإعدامه بوحشية على يد عبد الكريم الجندي. ويذكر أن الأسد لم يوافق على هذه النهاية الوحشية، وبعد أن أصبح رئيساً استقبل أرملة حاطوم ومنحها معاشاً.
في الفقرات الأخيرة، يصف المؤلف الحالة العصيبة والمتأزمة للقادة السوريين عشية حرب حزيران/يونيو، حيث رأوا أنفسهم ضحايا مؤامرات من كل جانب؛ من خصوم داخليين، وملكيات رجعية، ووكالة المخابرات المركزية، وإسرائيل التي كانت تراقب اتصالاتهم بفضل الجاسوس إيلي كوهين. ويورد أن الأردن أصبح مركزاً للتآمر ضد سوريا، وأن السعودية وأميركا اتهمتا بالتآمر مع حاطوم. ثم يفصل أسباب الضعف والاضطراب الداخلي، مثل تمرد شعبي عنيف في نيسان/إبريل 1967 بسبب مقال يسخر من الدين، ومفاوضات شاقة ومعركة النفط مع شركة نفط العراق، مما جعل سوريا منقسمة وموزعة الاهتمامات حين انفجرت الصاعقة الإسرائيلية. باختصار، يرى الفصل أن سوريا دخلت حرب 1967 منهكة وضعيفة ومستنزفة بسبب الصراعات الداخلية والتطهير السياسي الواسع في الجيش.
9.الانتصار السهل في حزيران193–234▼ ملخص
بدأ الفصل التاسع، المعنون «الانتصار السهل في حزيران»، بتأكيد أن تولي حافظ الأسد منصب وزير الدفاع في شباط/فبراير 1966، بعد خمسة عشر شهراً من شغله منصب قائد القوات الجوية، قاده إلى المشاركة في تفجير أزمة عالمية كبرى هي حرب حزيران/يونيو 1967. ويوضح المؤلف أن هذه الحرب غيرت الأسد بعمق، وحوّلته من انقلابي محدود الأفق إلى مفكر استراتيجي بعد صدمة الهزيمة. يصف الفصل حالة الجيش السوري الذي ورثه الأسد بأنها كانت كارثية؛ فالجيش كان قوة سيئة التدريب وناقصة الضباط تعدادها 70 ألف رجل، مزودة بأسلحة سوفيتية رخيصة وقديمة. كان لديه حوالي 500 دبابة نصفها فقط صالح للاستعمال، و120 طائرة ميغ 21 بدون قذائف دفاع جوي، ولا أسطول يذكر. وكان أخطر نقاط الضعف هي هيئة الضباط الممزقة بسبب حملات التطهير التي نفذها الأسد نفسه بعد المؤامرات العسكرية في أواخر عام 1965. لم تكن القيادة موحدة، إذ أن رئيس الأركان أحمد سويداني لم يكن رجل الأسد بل كان يدين بالولاء لـصلاح جديد.
في مقابل ذلك، يصف الفصل قوة الجيش الإسرائيلي الذي كان آلة حرب مضبوطة التناغم وجاهزة عالية. فمنذ حملة السويس عام 1956، بنت إسرائيل قوات مدرعة متحركة وقوات مشاة محمولة ومظليين، وسلاحاً جوياً متفوقاً مؤلفاً من طائرات ميراج وميستير. كان الدرس الأساسي الذي تعلمته إسرائيل هو أهمية السيطرة على الجو لاستخدام الطائرات كمدفعية طائرة ضد المشاة والدبابات. كانت عقيدتها العسكرية تقوم على استراتيجية الاستباق لتعويض نقص المساحة والسكان، ونظام استدعاء احتياط فعال جعل من الممكن تعبئة نصف مليون رجل بسرعة. قاد هذه القوات هيئة ضباط كبار وخبيرة مثل رئيس الأركان إسحق رابين، ونائبه حاييم بارليف، ومدير العمليات إيزر وايزمن، وقائد القوة الجوية مردخاي هود. ويشير الفصل إلى أن سوريا كانت معزولة دولياً بينما كانت لإسرائيل علاقات قوية مع فرنسا ثم الولايات المتحدة.
ينتقل الفصل ليفصل جذور الحرب التي نشأت من صراع حدودي صغير ومستمر منذ عام 1949 حول ثلاث قطع من الأرض منزوعة السلاح على الحدود السورية الإسرائيلية: على شواطئ بحيرة طبريا، وبالقرب من مستنقعات الحولة، وفي منطقة "إصبع الجليل". كانت إسرائيل مصممة على السيطرة على هذه المناطق وتستخدم ذريعة حراثة الأرض لخلق حقائق على الأرض، وتستفز النيران السورية لتردّ بشدة. كان كارل فون هورن، رئيس هيئة مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة، يعتقد أن إسرائيل كانت تتعمد استفزاز السوريين. كانت منطقة بحيرة طبريا ذات أهمية خاصة بسبب مشروع إسرائيل لتحويل مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب، وهو مشروع اعتبره العرب "سرقة للموارد العربية". وبحلول عام 1965، كانت إسرائيل قد سيطرت على معظم المناطق المتنازع عليها وأكملت مشروع المياه القطري. ردت سوريا بقصف المستوطنات الإسرائيلية وشجعت الفدائيين الفلسطينيين على مهاجمة المشروع.
يوضح الفصل مأزق الأسد في تلك الفترة: كيف يمكن مقاومة عدو أقوى دون استجلاب الهزيمة أو الاستسلام؟ يصف العام 1966 بأنه شهد تصاعداً عنيفاً في الحوادث، حيث استخدمت إسرائيل قوتها النارية المتفوقة لردع السوريين، وفشلت سوريا في الحصول على إدانة من مجلس الأمن. رداً على ذلك، أعلن قادة سوريا "عقيدة قتالية جديدة" تقوم على الرد على كل تحرك إسرائيلي بضرب أهداف داخل إسرائيل وتبني مفهوم "حرب التحرير الشعبية" مستلهمين نموذجي الجزائر وفيتنام. يصف الفصل كيف أرسل الأسد طياري سوريا لمواجهة طائرات إسرائيل في مهمات كانت "انتحارية" عملياً، كما في حادثة 15 آب/أغسطس 1966 عندما أسقطت إسرائيل طائرتي ميغ سوريتين.
ينتقل السرد إلى ثلاثة عوامل حولت الصراع الحدودي إلى حرب شاملة، أولها حالة جمال عبد الناصر المزاجية والنفسية، إذ كان يشعر بأنه فقد السيطرة على البيئة العربية ويواجه تحدياً من طليعة عربية صاعدة مثل سوريا البعثية. لقد تجاوز عبد الناصر ذروة مجده وكان يعلم أن الحرب أكبر من طاقاته، فاستخدم مؤتمرات القمة العربية لكبح السوريين وفرض سياسة دفاعية تجاه إسرائيل، وخلق منظمة التحرير الفلسطينية كوسيلة لتهدئة الفلسطينيين. لكن هذه الاستراتيجية بدأت تنهار بحلول عام 1966، وزادت عزلته بسبب حرب اليمن المستنزفة وصراعه مع الملك فيصل. العامل الثاني كان إدخال الفدائيين الفلسطينيين في حلبة النزاع. فبعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية كأداة للسيطرة على الفلسطينيين، ظهرت منظمات أكثر فاعلية مثل فتح بقيادة ياسر عرفات في 1 كانون الثاني/يناير 1966، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش. بينما منع الأردن ولبنان الفدائيين من العمل، شجعتهم سوريا ورأت فيهم وسيلة للصراع مع إسرائيل. ويشير الفصل إلى أن الأسد، كضابط محترف، لم يعتبر الفدائيين لاعباً رئيسياً، بل استخدمهم في عمليات تخريبية صغيرة. العامل الثالث كان إدراك إسرائيل الخبيث لإمكانية استخدام هذين العاملين لمصلحتها.
يصف الفصل كيف لعبت إسرائيل على هذه الأوتار. ففي 7 نيسان/أبريل 1967، أرسلت إسرائيل جراراً مدرعاً إلى المنطقة المجردة، وعندما أطلق السوريون النار، خرج الطيران الإسرائيلي وأسقط 7 طائرات ميغ سورية، محلقاً فوق دمشق في تحدٍ سافر. يطرح الفصل تساؤلاً حول أهداف إسرائيل من هذه الاستفزازات: هل كانت تريد ردع السوريين فقط أم كانت تسعى لجرّ عبد الناصر إلى الحرب لتصفيته؟ ويخلص إلى أن ووخزات العمليات الفدائية لم تكن السبب الحقيقي للحرب، كما قال موشي دايان لاحقاً: "إن المضايقات الإرهابية كانت شيئاً مزعجاً، ولكنها ليست سبباً لحرب". كانت الأولوية الإسرائيلية هي عبد الناصر، العدو القديم الذي أصبح رمزاً لوحدة العرب واستقلالهم. وفي أيار/مايو 1967، ومع تزايد التهديدات الإسرائيلية لسوريا، شعر عبد الناصر بأنه مضطر للتحرك لحماية سمعته المهتزة، فأرسل قواته إلى سيناء، وطلب سحب قوات الطوارئ الدولية في 18 أيار/مايو، وأعلن إغلاق مضائق تيران أمام السفن الإسرائيلية في 22 أيار/مايو. يصف الفصل هذا القرار بأنه مقامرة غير محسوبة، حيث كان عبد الناصر يتوق لاستعادة المجد لكنه لم يكن يريد حرباً شاملة، بل كان يأمل أن تخاف إسرائيل وتتراجع.
ينتقل الفصل ليصف ردود الفعل الدولية والإسرائيلية. ففي إسرائيل، لم يكن هناك جدل حول ضرورة القتال، بل حول التوقيت لضمان تفهم أميركي مسبق. أُرسل وزير الخارجية أبا إيبان إلى باريس ولندن وواشنطن، حيث حذره الجنرال ديغول من بدء الحرب، لكن إسرائيل كانت قد أصبحت تعتمد على واشنطن. في أميركا، كشف تحليل المخابرات أن إسرائيل تستطيع هزيمة العرب في أسبوع، وأن ادعاءها بالتعرض لتهديد هجوم عربي وشيك كان مختلقاً. أعطى الرئيس ليندون جونسون لإسرائيل الضوء الأخضر ضمنياً عبر قنوات خلفية، رغم تحذيره الرسمي من بدء الحرب. وفي إسرائيل، أدت أزمة أيار/مايو إلى أزمة سياسية داخلية، حيث ضغطت مجموعة من الجنرالات والساسة الساخطين (حزب رافي بقيادة دافيد بن غوريون) على رئيس الوزراء ليفي اشكول لشن الحرب، معتبرين إياه "عديم الفعل". انتهى الضغط بتشكيل حكومة ائتلاف وطني وتسليم حقيبة الدفاع إلى موشي دايان، الرجل الذي يضمن شن الحرب دون تردد. وفي 30 أيار/مايو، وقع الأردن اتفاقية دفاعية مع مصر تحت ضغط الرأي العام.
يصف الفصل حالة الاستعداد العربي بأنها كانت كارثية؛ فثلث الجيش المصري كان في اليمن، والجيش السوري كان مشلولاً بسبب التطهيرات، ولم تكن هناك خطط عمليات مشتركة بين الدول العربية. ويشير إلى أن إسرائيل نجحت في خدعة حرب نفسية عظيمة، حيث أقنعت العالم بأن الدولة اليهودية كانت مهددة بخطر الإبادة، بينما كان من المعروف لديها أنها لم تواجه مثل هذا الخطر منذ عام 1949. في 5 حزيران/يونيو 1967، وجهت إسرائيل ضربة جوية استباقية مدمرة دمرت فيها سلاح الجو المصري بالكامل وهو على الأرض، ثم تبعتها بسحق الجيش المصري في سيناء. ثم التفتت إلى الأردن، فدمرت طائراته واحتلت الضفة الغربية والقدس الشرقية. يصف الفصل الجمود السوري خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب بأنه كان مذهلاً، ويعزوه إلى أن القادة السوريين، بمن فيهم الأسد، فوجئوا بحجم وسرعة الحرب، ولم يكن لديهم تصور لمدى قوة إسرائيل، وفقدوا قواتهم الجوية في صباح اليوم الأول. كما يصف الفوضى في القيادة العربية المشتركة المبنية على الكراهية وعدم الثقة.
في 9 حزيران/يونيو، بعد أن قبلت مصر وقف إطلاق النار، أمر دايان بشن هجوم على سوريا. قاومت القوات السورية مقاومة شجاعة، لكن البلاغ الكاذب من راديو دمشق عن سقوط مدينة القنيطرة في 10 حزيران/يونيو حوّل الانسحاب المنظم إلى هزيمة منكرة، مما سمح لإسرائيل بالاستيلاء على هضبة الجولان. يبقى الفصل غامضاً حول مصدر هذا البلاغ الكاذب، تاركاً احتمالين: إما محاولة يائسة لحث مجلس الأمن على وقف إطلاق النار، أو الفوضى والذعر الذي أصاب القيادة السورية. يلقي الفصل جزءاً من المسؤولية على الأسد، خاصة في فقدان القوة الجوية، لكنه يؤكد أنه لم يكن صاحب القرار الوحيد ولا حتى الرئيسي في إدارة الحرب. بعد الحرب، نهبت إسرائيل القنيطرة وطردت حوالي 130 ألف شخص من الجولان، وأقامت مستوطنات في مزارع السوريين المشردين، تاركة الهزيمة كصليب حمله الأسد ورمزاً للكراهية بين البلدين.
10.العراك من أجل القمة235–252▼ ملخص
ملخص فصل «العراك من أجل القمة»
يُشكّل هذا الفصل محوراً رئيسياً في سرد مسار حافظ الأسد نحو السيطرة المطلقة على سوريا، مركزاً على الفترة التي أعقبت حرب حزيران/يونيو 1967. يقدّم المؤلف باتريك سيل تحليلاً لتحوّل الأسد من شخصية ثانوية في النظام البعثي إلى طامح يريد اعتلاء القمة وحيداً، مدفوعاً بصدمة الهزيمة وإدراكه لخطأ سياسات رفاقه.
يبدأ الفصل بتصوير الكارثة التي حلت بسوريا خلال الحرب: فقد الأسد بصفته وزيراً للدفاع سلاحه الجوي في 5 حزيران/يونيو، وتلاه فقدان هضبة الجولان في 10 حزيران/يونيو، ثم فقدان الموقع الاستراتيجي على قمة جبل الشيخ في اليوم التالي. تصف الفقرة الافتتاحية حالة الأسد المنهارة، مغشياً عليه من التعب في وزارة الدفاع، ومعتكفاً في بيته لثلاثة أيام يتأمل الكارثة دون أن يرى أحداً.
يُقارن الفصل بين ردود فعل القادة في الدول الأخرى: انهيار رئيس الأركان الإسرائيلي إسحق رابين تحت ضغط "فترة الانتظار"، وكاد عبد الناصر أن يصاب بانهيار عصبي بعد انتحار صديقه المشير عامر، ومرارة الملك حسين وهو يتأمل مملكته المتقلصة. في سوريا، اندلعت مشادات عنيفة بين القادة، حيث اتهم العسكريون المدنيين بجر البلاد إلى الحرب، واتهم المدنيون العسكريين بعدم الكفاءة.
يصف الفصل محاولة فاشلة لطرد الأسد من القيادة القطرية للحزب، باءت بالفشل بفارق صوت واحد هو صوت عبد الكريم الجندي مدير الأمن. ثم يسرد المؤلف العودة الخطيرة لخصوم النظام السابقين بعد الحرب، حين قرر أربعون ضابطاً منفيين في بيروت العودة لقتال إسرائيل، لكن النظام اعتقلهم. وفي سجن المزة، كان اللواء فهد الشاعر يخبط على باب زنزانته متوسلاً الذهاب إلى الجبهة، بينما أفرج النظام عن خصوم آخرين مثل محمد عمران رئيس اللجنة العسكرية الأسبق وأمين الحافظ رئيس الدولة السابق.
يوضح الفصل أن الهزيمة كانت النقطة الحاسمة في حياة الأسد، إذ ألقته في مرحلة النضج السياسي وحفزت فيه الطموح لحكم سوريا بعيداً عن قيود زملائه. لم يكن الأسد قبل الحرب يثير الشكوك حوله، وكان يبدو مخلصاً غير طموح، لكن بعد الهزيمة حلّت محله صلابة فولاذية وعقد العزم على بناء قاعدة شخصية له في القوات المسلحة.
يتناول الفصل بالتفصيل أسباب خلاف الأسد مع زملائه، خصوصاً صلاح جديد والأطباء الثلاثة (جديد، يوسف زعيّن، إبراهيم ماخوس). كان الخلاف حول الأولويات: الأسد يركّز على الصراع مع إسرائيل (أهداف "قومية")، بينما يضع الآخرون الثورة الداخلية في المقام الأول (أهداف "اشتراكية"). انعكس هذا الخلاف على سلسلة من القضايا: موقف سوريا من الفلسطينيين، علاقاتها مع جيرانها العرب والقوى العظمى، كيفية إنفاق موارد البلاد، حرب الطبقات، ونوع الحزب البعثي.
يستشهد الفصل بنقل مباشر لآراء الأسد في تلك الفترة، حيث كان يدعو إلى فتح الحزب أمام أعضاء جدد بدلاً من بقائه شلة مغلقة، والاعتراف بالتيارات السياسية الأخرى وتشكيل جبهة معها، وإنشاء مؤسسات محلية تُشرك الشعب في العملية السياسية، واتباع سياسة خارجية أكثر واقعية مع العرب والاتحاد السوفياتي. رفض الأسد سياسات العزلة التي اتبعها نظام جديد، التي أدت إلى غياب سوريا عن مؤتمر القمة في الخرطوم في آب/أغسطس 1967، مما حرمها من المساعدات المالية التي حصلت عليها مصر والأردن.
يُفصّل الفصل بناء الأسد لقاعدته العسكرية خطوة بخطوة. أبرز مثال كان طرد رئيس الأركان أحمد سويداني في شباط/فبراير 1968 وتعيين صديق الأسد المقرّب مصطفى طلاس مكانه. ثم إزاحة أحمد المير بنفيه إلى مدريد، وإزاحة قريب جديد وأهم مؤيديه المقدّم عبد الغني إبراهيم قائد اللواء السبعين المدرع. يروي الفصل قصة عن هوس الأسد بالولاء: عندما سئل عن إعادة ضابط طُهّر، رفض الأسد لأنه سمع أن هذا الضابط حين كان في دورة تدريبية في إنكلترا عام 1964، رفض مساعدة والدته المريضة بخمسة جنيهات استرلينية، معتبراً أن من لا يخلص لأمه لن يخلص للقوات الجوية.
يُظهر الفصل كيف استمر صلاح جديد في السيطرة على الجهاز الحزبي رغم ضعفه العسكري، بينما حكم الأسد الجيش عبر طلاس. في المؤتمرين القطري والقومي للحزب في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 1968، مال التصويت ضد الأسد، لكنه استطاع إزاحة اثنين من الأطباء (زعيّن وماخوس) مع بقاء مستقبله في قيادة الحزب في الميزان.
يقدّم الفصل مفصلاً مهماً عن ظاهرة عبد الكريم الجندي، مدير مكتب الأمن القومي، الرجل البالغ من العمر 36 عاماً في 1968، الذكي والنشيط لكن "غير الطبيعي تماماً". وسّع الجندي أجهزة القمع توسيعاً كبيراً، وجنّد جيشاً من المخبرين، وحدثت اعتقالات تعسفية وقصص تعذيب غير معهودة، وساد جو من الرعب والعصبية في العاصمة، مع منع تجول غير رسمي.
يصف الفصل انفجار العداوة بين الأسد وجديد إلى صراع مادي في شباط/شباط 1969، حيث اشتبك مؤيدوهما. كان يدير هذا الصراع من جهة رفعت الأسد، شقيق حافظ الأصغر، ومن جهة أخرى عبد الكريم الجندي. انفجر القتال عندما أوقفت سيارة قرب منزل الأسد واعترف سائقها بأن الجندي أرسله لاغتياله. بين 25 و28 شباط/فبراير 1969، حرّك الأسد ورفعت الدبابات إلى النقاط المهمة في دمشق، وطردا بقوة رؤساء تحرير الصحف التابعة لجديد، وسيطرا على الإذاعات. حدثت مشاجرات في اللاذقية وطرطوس، لكن الحادثة الحاسمة كانت قيام رفعت باعتقال سائقي سيارات الجيب التابعة للجندي واحداً تلو الآخر عندما كانوا يتزودون بالوقود في مبنى وزارة الدفاع.
يصف الخاتمة المأساوية لـ عبد الكريم الجندي، الذي أدرك أن وقته قد حان، فانتحر بإطلاق الرصاص على رأسه خلال ليلة 1-2 آذار/مارس 1969 بعد مشادة مع مدير المخابرات العسكرية علي ظاظا. يذكر الفصل أن الأسد بكى عندما سمع بنهاية الجندي، رغم أنه هندس سقوطه، وكان يمقت المجابهات العنيفة. انتحرت زوجة الجندي بعد ذلك ببضعة أسابيع. صرّح زعيّن عند سماعه الخبر: "لقد أصبحنا جميعاً أيتاماً"، معتبراً أن جماعته فقدت بموت الجندي أبا وحامياً.
يختتم الفصل بمشهد زيارة الأسد ونور الدين الأتاسي للرئيس عبد الناصر في القاهرة، وتساءل عبد الناصر متعجباً من قسوة البعثيين تجاه بعضهم البعض، مقارناً باتفاق حركة الضباط الأحرار في مصر بالسماح لكل عضو بالعودة إلى حياته الخاصة إذا حدث شقاق. لكن السوريين لم يكونوا مستعدين لذلك. من بين الأعضاء المؤسسين الخمسة للجنة العسكرية: عمران منفي في لبنان، المير طُرد إلى مدريد، الجندي مات، والاثنان الباقيان الأسد وجديد مشتبكان في عراك يستميت فيه كل منهما للوصول وحده إلى قمة السلطة.
يأتي هذا الفصل خالياً من أي تحفظات أو أسئلة مفتوحة واضحة، ويبدو سرداً مباشراً للأحداث مع استناد واضح إلى شهادات ومقابلات ومذكرات. يمكن القول إن الفصل يطرح صورة واضحة للآلية التي استخدمها الأسد للوصول إلى السلطة، معتمداً على مزيج من التخطيط العسكري والسياسي، والعلاقات الشخصية، والحسم في المواجهات، مع إظهار الجانب المأساوي للصراع بين رفاق الأمس.
11.الإخفاق في ايلول / سبتمبر الأسود253–270▼ ملخص
يتمحور الفصل حول إخفاق سوريا في أزمة أيلول/سبتمبر الأسود في الأردن عام 1970، وكيف كانت هذه الأحداث بمثابة اختبار صعب لوزير الدفاع السوري آنذاك، حافظ الأسد، في بداية صعوده نحو السلطة. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن الأزمة كشفت عن تناقض أساسي في سياسة الأسد: فهو كان مضطراً للتوفيق بين دعمه العاطفي والسياسي للقضية الفلسطينية، وبين مصلحة الدولة السورية التي تتطلب الاستقرار وتجنب المواجهة العسكرية غير المتكافئة مع إسرائيل، مما أدى إلى تدخل عسكري سوري محدود ومتردد انتهى بالفشل والإحباط من جميع الأطراف.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل. يبدأ بعرض السياق الإقليمي المتأزم بعد حرب حزيران/يونيو 1967، حيث كانت المنطقة غارقة في تداعياتها. يذكر الفصل أن شهر شباط/فبراير 1969 شهد أحداثاً حاسمة: حصول الأسد على ميزة حاسمة في صراعه الداخلي في سوريا، ووفاة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول وحلول غولدا مائير محله، وصعود ياسر عرفات البالغ من العمر 59 سنة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وتحويلها لحركة مقاتلة، وبدء الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون محاولاته الدبلوماسية للسلام من خلال "خطة روجرز الفاشلة". في هذا السياق، ينتقل المؤلف لوصف المأزقين اللذين واجههما الأسد: الأول هو مبادرات السلام الأميركية التي رأى فيها محاولة لجرّ الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك حسين بن طلال لتسويات منفصلة تترك سوريا معزولة وعاجزة عن استعادة الجولان. أما المأزق الثاني فكان مع المنظمات الفدائية الفلسطينية التي نمت بقوة وتمتعت بدعم شعبي، لكنها شكلت بحسب الأسد تهديداً لأمن الدول العربية ومصدر إزعاج عسكري أكثر من كونها قوة فعالة ضد إسرائيل. يوضح الفصل أن هذا الخلاف كان سبباً رئيسياً في النزاع بين الأسد وخصمه صلاح جديد داخل حزب البعث.
يقدم الفصل أمثلة مهمة لتوضيح منطق الأسد ورؤيته. فعلى صعيد السلام، يشير إلى أنه في تموز/يوليو 1970، رفضت قيادة حزب البعث السوري قرار مجلس الأمن رقم 242 وخطة روجرز، بينما كان الأسد، رغم انتقاده للخطة، أقل رفضية من زملائه وكان يتعاطف مع عبد الناصر. ويقتبس الفصل من الأسد قوله عن زملائه: «كلما تحدث عبد الناصر عن السلام كان زملائي يعترضون... كانوا ضد أي شيء يقوله عن السلام». أما فيما يخص الفدائيين، فيشرح المؤلف أن الأسد رأى فيهم عبئاً وتهديداً، ففي أيار/مايو 1969 أصدر أمراً يقيد تحركاتهم في سوريا، ولا يسمح لهم بالإغارة من الأراضي السورية إلا بموافقة خطية من وزارة الدفاع. كما يصف الفصل كيف استغل جديد منظمة "الصاعقة" الفلسطينية التابعة للبعث كقوة موازنة لجيش الأسد. وتأتي زيارة الأسد لعمان عام 1970 كمثال صارخ على ما أثار نفوره، حيث رأى فدائيين يتبخترون في الشوارع ويهينون الجنود الأردنيين، مما عزز إيمانه بضرورة النظام ورفضه للفوضى التي يعتقد أنها لا تؤدي إلا إلى الآلام.
عند اندلاع الأزمة في الأردن في 4 و5 أيلول/سبتمبر 1970 باختطاف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش لأربع طائرات مدنية، يصف الفصل تدخل الأسد المحدود والمضطرب. في البداية أرسل سلاحاً، ثم قرر التدخل بقوة أكبر عندما أصبح وضع الفلسطينيين ميؤوساً منه. دخلت الدروع السورية الحدود في 18 أيلول/سبتمبر وسيطرت على مدينة إربد في شمال الأردن، وكان الأسد يدير العمليات بنفسه من مقر قيادة في درعا على الحدود. يوضح الفصل أن هدف الأسد لم يكن إسقاط الملك حسين، بل حماية الفلسطينيين من الذبح وإقامة منطقة آمنة لهم. لكن الهجوم الأردني المضاد في 22 أيلول/سبتمبر كشف محدودية التدخل السوري، حيث أمر الأسد قواته بالانسحاب دون إشراك سلاحه الجوي. يقدم المؤلف تفسير الأسد لهذا القرار: «لم أكن أريد أن أتفادى التصعيد... شعرت بأننا ما دمنا قادرين على تحقيق هدفنا بحماية الفدائيين دون إشراك سلاحنا الجوي فلا حاجة لإشراكه».
لا يقتصر الفصل على السرد العسكري، بل يتوسع في ردود الفعل الدولية، خاصة الأميركية والإسرائيلية. يروي كيف نظر الرئيس الأميركي نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر إلى التدخل السوري على أنه مؤامرة سوفياتية لتوسيع نفوذها في المنطقة، مع أن المؤلف يذكر أن النفوذ السوفياتي على سوريا كان ضئيلاً. وفي ضوء هذا التصور الخاطئ، طلب كيسنجر من إسرائيل احتواء ما رآه تهديداً سوفياتياً. يصف الفصل المشهد المقلق للملك حسين الذي اتصل بالولايات المتحدة في 20 أيلول/سبتمبر طالباً المساعدة، بل وأبدى استعداده لقبول تدخل إسرائيلي إذا لزم الأمر. وقد أدى ذلك إلى خطة أميركية إسرائيلية لشن هجوم على السوريين، لكن الانسحاب السوري في 23 أيلول/سبتمبر حال دون ذلك. يعرض المؤلف مشهداً دبلوماسياً لاذعاً حين اتصل كيسنجر بالسفير الإسرائيلي إسحق رابين في 24 أيلول/سبتمبر لينقل رسالة امتنان من نيكسون لغولدا مائير، مؤكداً أن الولايات المتحدة محظوظة بحليف كإسرائيل. ويشير الفصل إلى أن هذه النتيجة أدت إلى تكليف إسرائيل بدور حفظ السلام الإقليمي بالنيابة عن أميركا، وإلى تدشين علاقة استراتيجية بينهما.
يعترف المؤلف بحدود التحليل ويطرح أسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بتفسير الأزمة. هل كانت بالفعل اختباراً لصراع القوى العظمى، كما صورها الأميركيون، أم أنها كانت نتيجة لسوء التقدير؟ ويخلص المؤلف إلى أن التدخل السوفياتي في الأزمة هو أمر من العسير إثباته، وأن أزمة الأردن كانت نتيجة العلاقة المشحونة بين الدول العربية وإسرائيل والفلسطينيين. ثم ينتقل الفصل إلى خاتمة الصراع على السلطة في سوريا بعد وفاة عبد الناصر في 28 أيلول/سبتمبر 1970. يصف الفصل كيف تم عزل الأسد وقرارات ضده في مؤتمر قيادة الحزب في تشرين الأول/أكتوبر، لكن هذه القرارات ظلت حبراً على ورق بفضل سيطرة الأسد العسكرية. وفي 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1970، تم اعتقال خصومه. يقدم الفصل تفاصيل اعتقال صلاح جديد وإرساله إلى سجن المزة، وهروب آخرين مثل الدكتور يوسف زعين و الدكتور نور الدين الأتاسي الذي ظل رهن الاعتقال لسنوات. يصف المؤلف الانقلاب بأنه "حركة تصحيحية" بيضاء لم تسفك فيها دماء، وأتمها العقيد محمد الخولي في ساعتين.
في حجج قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، يمكن الإشارة إلى أن الفصل يرسم صورة للأسد كقائد براغماتي وواقعي، على عكس خصومه الذين يصفهم بالرفضيين والمتطرفين. فبينما يصور الفصل جديد وأتباعه على أنهم متمسكون بشعارات ثورية لا تأبه للواقع أو للقدرات العسكرية، يظهر الأسد كرجل دولة يحسب العواقب. كما أن الفصل يحلل بعمق العلاقة المشوهة بين الدول المضيفة والفدائيين، وكيف أن كلا الطرفين، كما يصفها المؤلف، قام بتصرفات خاطئة أضعفتهم لمصلحة إسرائيل. هذه النظرة التحليلية التي لا تقدم مبررات أخلاقية لأي طرف، بل تركز على نتائج الأفعال وتداعياتها الجيوسياسية، تجعل من الفصل مادة غنية للنقاش حول مفهوم القيادة والواقعية السياسية في سياق صراعي معقد.
12.دولة الأسد273–296▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على السنوات الأولى لحكم حافظ الأسد في سوريا، ويُقدّم إجابة عن سؤال محوري: كيف بنى الأسد دولته ونظام حكمه بعد وصوله إلى السلطة في انقلاب 1970 المعروف بالحركة التصحيحية؟ يُظهر الفصل أن الأسد سعى إلى تأسيس دولة قوية ومستقرة، مغايرة لفترة الاضطراب والصراع الداخلي التي سبقته، وذلك من خلال مزيج من المصالحة الوطنية، وبناء المؤسسات، وتركيز السلطة بيديه.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح عملية بناء دولة الأسد. يبدأ بوصف المناخ الشعبي الذي استقبل الأسد، حيث حلّ محل نظام صلاح جديد الذي كان محتقرًا. فتح الأسد البلاد على مصراعيها للوفود الشعبية، وقام بجولة في المحافظات، وألغى أوامر الاعتقال ومصادرة الممتلكات، وخفّف القيود على السفر والتجارة مع لبنان، وخفض أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة 25%. كما قام بتكريم شخصيات وطنية مثل سلطان باشا الأطرش، زعيم الثورة ضد الفرنسيين، وأمر بإعادة تأهيل مثقفي ما قبل الثورة في اتحاد الكتاب، مما أشار إلى قطيعة مع الماضي البعثي المتشدد.
يوضح الفصل كيف تعامل الأسد مع قضية الهوية الطائفية، فهو ينتمي إلى الأقلية العلوية في بلد سني الأغلبية. بعد جدل حول دستور 1971 الذي لم ينص على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً، تراجع الأسد وأضاف الشرط. ثم استعان بصديقه الإمام موسى الصدر، رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، الذي أصدر فتوى بأن العلويين هم طائفة من المسلمين الشيعة، مما أزال عقبة دينية من طريق رئاسته. يبين الفصل أن الأسد أراد حكمًا بلا واجهة، وأصرّ على أن يكون رئيساً فعلياً واسمياً، على عكس نموذج صلاح جديد الذي ألغى منصب الرئاسة.
يتناول الجزء الأكبر من الفصل بناء المؤسسات التي أعطت الشرعية والعمود الفقري لدولة الأسد. كانت حزب البعث حجر الأساس، حيث تم تفعيل مؤتمراته وقياداته ومنظماته الشعبية (كالعمال والطلبة والنساء). كما شكّل الأسد الجبهة الوطنية التقدمية في 1972، والتي ضمت أحزاباً أخرى كالحزب الشيوعي والناصريين، لكن مع إبقاء البعث مسيطراً. وعلى المستوى المحلي، أنشأ مجالس محلية منتخبة في كل المحافظات، يُسمح فيها لأعضاء من خارج البعث، مما أفسح مجالاً للمشاركة الشعبية، لكن مع رقابة حزبية مشددة من أمناء فروع الحزب والمحافظين ومديري الأمن السياسي.
يؤكد الفصل على أن السلطة الحقيقية في نظام الأسد كانت تقوم على ثلاث ركائز: الجيش، وأجهزة الأمن والمخابرات، وجهاز الحزب. وقد حرص الأسد على أن يبقى وحده الخيط الذي يمسك بكل هذه الخيوط، محققاً توازناً بين قادتها المتنافسين. لم يكن الأسد طائفياً في اختيار أقرب أعوانه، فوزير دفاعه مصطفى طلاس (سني)، ووزير خارجيته عبد الحليم خدام (سني)، ورئيس أركانه حكمت الشهابي (سني) كانوا من غير العلويين، لكنه اعتمد على الطائفة العلوية في الوظائف الأمنية الحساسة، مثل مدير مخابرات القوة الجوية محمد الخولي.
يصف الفصل فريق العمل المحيط بالأسد الذي تميز بالثبات النادر. ظل مساعدوه المباشرون لعقود، مثل السكرتير الشخصي محمد ديب دعبول، ورئيس المكتب الصحفي أسعد كامل إلياس، والحارس الشخصي العقيد خالد الحسين. كان الأسد يعمل لساعات طويلة، ويقدّر الولاء، ويغرس المحبة فيمن يعملون معه عن قرب. وقد أشار الفصل إلى أن من ملامح شخصية الأسد ثباته الدؤوب وعناده، فلم يكن رجلاً يسهل التأثير فيه، وفي الأساسيات كان يمكن التنبؤ بموقفه بشكل كامل.
يقرّ الفصل بحدود سلطة الأسد وتحفظات عليها. يذكر أن بناء الدولة كان عملية مفروضة من الخارج على المجتمع وليست نابعة من داخله، وأن حكمه كان شخصياً رغم المؤسسات. كما يشير إلى مفارقة مستعصية بين أشكال التمثيل التي رعاها وسيطرته المطلقة على القرارات. مع ذلك، يبين أن النظام لم يعتمد على القوة وحدها، بل تطلب قدراً من القبول العام، وأن معظم السوريين في البداية رأوا في الأسد منقذاً من فوضى الماضي.
في النهاية، يستعرض الفصل كيف تعامل الأسد مع آخر تهديد داخلي مبكر من رفيقه السابق في اللجنة العسكرية، محمد عمران، الذي كان يخطط للعودة إلى سوريا من لبنان. اغتيل عمران في بيته في طرابلس في الرابع من مارس 1973، في ظروف غامضة لا يوضحها الفصل بشكل قاطع، لكنها أنهت أي منافسة جدية على السلطة. بعد هذه الحادثة، التفّ ضباط من فئة عمران حول الأسد، ليصبح الباقي الوحيد من المجموعة التي تكتلت في القاهرة قبل اثني عشر عاماً.
13.السادات : الحليف غير الموثوق297–326▼ ملخص
ملخص الفصل الثاني عشر: «السادات: الحليف غير الموثوق»
يسعى هذا الفصل إلى كشف طبيعة العلاقة بين الأسد والسادات في الفترة التي سبقت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، والإجابة عن سؤال محوري: لماذا انهارت ثقة الأسد بحليفه المصري، وكيف أثر ذلك على مجرى الحرب ونتائجها؟ يقدم المؤلف إجابة مفادها أن السادات خدع الأسد بشكل متعمد حول أهداف الحرب، مما جعله حليفاً غير موثوق، وعرّض سوريا لمخاطر أكبر مما كانت تتوقع.
يبدأ الفصل بعرض الحالة الذهنية للأسد منذ توليه السلطة. لقد كان مقتنعاً بأن إسرائيل كسبت حرب حزيران/يونيو 1967 بالخدعة، وأنها ليست بطبيعتها غير قابلة للهزيمة. كان متلهفاً لمحو وصمة الهزيمة التي أثرت فيه شخصياً، واستعادة الأرض، والبرهنة للعالم أن العرب قادرون على إثبات جدارتهم. بالنسبة له، كانت الحرب هي الطريق الوحيد لإرغام إسرائيل على التفاوض، وأعاد تأكيد رفضه لقرار مجلس الأمن رقم 242 في كانون الأول/ديسمبر 1970 معتبراً أنه يعني تصفية القضية الفلسطينية.
يشرح الفصل لماذا كانت سوريا وحدها بين الدول العربية تحمل هذا التقييم المتجهم. فسوريا عانت من اثنين وعشرين عاماً من حرب الحدود غير المتكافئة، وكانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقضية الفلسطينية، وترى في الصراع مع إسرائيل صراعاً وجودياً لا يمكن التوفيق فيه. بينما كانت مصر والأردن تسعيان بطرق مختلفة للتعايش مع إسرائيل، كانت سوريا تريد إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل حرب 1967. وكانت الجولان تحديداً تشكل جرحاً شخصياً للأسد، حيث كان ضياع القنيطرة مسيطراً على تفكيره.
لشن الحرب، كان الأسد بحاجة أولاً إلى كسر عزلة سوريا الإقليمية والدولية. بعد عشرة أيام من استيلائه على السلطة، طار إلى القاهرة وأعلن انضمام سوريا إلى الاتحاد المقترح بين مصر وليبيا والسودان. ثم فتح أبواباً مع السعودية، تونس، المغرب، ولبنان. لكن المفاتحة الأهم كانت مع الاتحاد السوفياتي، إذ كان المصدر الوحيد للأسلحة. في شباط/فبراير 1971، قام الأسد بزيارته الأولى لموسكو كحاكم، مدركاً أنه لا مكان آخر يمكنه الحصول منه على ما يحتاجه.
كان جوهر سياسة الأسد تجاه السوفيات هو أن العلاقات الصلبة تقوم على المصالح المتبادلة. فهم أن أي شيء يحصل عليه من موسكو يجب دفعه، إن لم يكن نقداً، فبعملة أخرى. كان يعرف أولويات السوفيات في المنطقة: وجود مستقر، تسهيلات بحرية وجوية، نفوذ في عملية السلام، وتقليص النفوذ الأميركي. قدم الأسد عربون ثقة من خلال قبوله درجة من التنسيق مع موسكو، لكنه قاوم توقيع معاهدة صداقة وتعاون طوال عشر سنوات. في المقابل، أهمل الأسد الولايات المتحدة لمدة سبع سنوات تقريباً من 1967 إلى 1974، حيث لم تكن لسوريا علاقات مع واشنطن. كان الأسد ينظر إلى أميركا بعدم ثقة وحقد وعداء، مما شكل نقطة ضعف خطيرة في المساومات السياسية لاحقاً. ومع ذلك، فإن اهتمامه الأساسي كان التسلح، وقد قدر السوفيات أسلوبه العملي وبدأوا يعاملونه باحترام خاص.
أما على الصعيد العسكري، فكان الأسد يعلم أن استراتيجية فتح جبهتين ضد إسرائيل هي ضرورية لتحقيق النصر. لم يكن يستطيع اعتبار الملك حسين شريكاً مقاتلاً بسبب العلاقات السيئة بين سوريا والأردن، خاصة بعد أحداث أيلول الأسود. وهكذا كانت مصر هي الحليف الوحيد الممكن.
سادت الثقة المتبادلة في البداية بين الأسد والسادات. كان الأسد يرى أن سوريا ومصر تقفان معاً وتسقطان معاً. صاغ تحالفه مع السادات تحت مظلة اتحاد الجمهوريات العربية، الذي قدم غطاءً لاجتماعاتهما السرية. بحلول نهاية عام 1972، كان الزعيمان قد توصلا إلى اتفاق حول الخطوط الاستراتيجية العريضة، وقررا إبعاد العقيد القذافي عن مشاوراتهما. خصصا عامي 1972 و1973 لتسليح وتدريب قواتهما. ازداد التعاون وثوقاً بشكل مطرد، لكن العالم الخارجي سخر من وعود السادات بـ«عام الحسم».
يكشف الفصل عن نقطة الخلاف الجوهرية التي قوضت الثقة بين الأسد والسادات. فمنذ البداية، لم يكن الزعيمان متفقين على أسباب القتال. خاض الأسد الحرب لأنه اعتقد أنه لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات مرضية مع إسرائيل دون استعادة الأرض أولاً. أما السادات فخاض الحرب بسبب إحباطه من فشل دبلوماسيته السرية والعلنية للسلام، معتبراً الحرب صدمة ضرورية لإحياء هذه الدبلوماسية.
يوثق الفصل جهود السادات المستميتة للسلام قبل الحرب منذ أواخر 1970، حيث أرسل رسائل سرية للأميركيين، وفتح «قناة اتصال خلفية» مع هنري كيسنجر. لكن كيسنجر رد بوضوح بأنه لن يتحرك ما دام النفوذ السوفياتي قوياً في مصر. أدى هذا إلى طرد السادات للخبراء السوفيات في تموز/يوليو 1972، مما أثار قلق الأسد الذي رفض طرد الخبراء من سوريا. كان الأسد منزعجاً من تهور السادات بتعريض العلاقة الحيوية مع موسكو للخطر.
يكشف الفصل أن السادات كذب على الأسد عمداً حول أهداف الحرب. فالهدف الحقيقي لمصر، كما وضعه رئيس الأركان المصري سعد الدين الشاذلي، كان هجوماً محدوداً لعبور قناة السويس واحتلال شريحة ضيقة من الأرض (خطة «المنارات العالية»). لكن السادات، لضمان مشاركة سوريا، باع الأسد خطة أكثر طموحاً لتحرير سيناء بأكملها (خطة «غرانيت/2»). اعترف أحمد إسماعيل، وزير الحربية المصري، للشاذلي بأن هذه الخطة مجرد مناورة سياسية لإبقاء السوريين على الخط. وكتب الشاذلي: «لقد جعلتني هذه الازدواجية أشعر بالغثيان».
ولم يقتصر سوء الحظ على الأسد على الخديعة فقط، بل إن خططه الحربية تسربت إلى العدو أيضاً. ففي أواخر آب/أغسطس أو أوائل أيلول/سبتمبر 1973، قام عميل سوري بتسليم مجموعة كاملة من خطط الحرب إلى هنري كيسنجر وموشي دايان. لكن الغرور والرضا عن النفس لدى أميركا وإسرائيل حالا دون أخذ هذه الخطط على محمل الجد. وبعد الحرب، أرسل دايان للجاسوس رسالة شكر مع أعلى وسام عسكري إسرائيلي، معترفاً بأن مستقبله المهني كان في رحمته لو كشف الأمر.
مع اقتراب الحرب، كان الملك حسين في موقف صعب. كان يخشى الحرب التي قد تكلفه عرشه، فسعى للمصالحة العلنية مع العرب بينما أعطى أميركا وإسرائيل تأكيدات سرية بأنه سيقوم بأقل قدر ممكن من القتال. كانت براءة الأسد السياسية، كما يصفها المؤلف، واضحة في تمسكه بأهداف بسيطة هي النصر وتحرير الأرض، دون موقع احتياطي للتراجع أو نظرة واضحة لما بعد الحرب. ربما كانت حماسته للحرب قد خلقت بقعة عمياء محت أي شكوك كان يمكن أن تراوده حول إخوانه العرب. فمن منظور عمان أو القاهرة، لم يكن النزاع العربي الإسرائيلي واضحاً كما بدا من دمشق.
باختصار، يرسم الفصل صورة لعلاقة حلفاء غير متكافئة، تآكلت ثقة الأسد فيها بسبب خداع السادات المتعمد ومصالحه المتناقضة، مما جعله حليفاً غير موثوق وخاضت سوريا الحرب وهي لا تعرف الهدف الحقيقي لحليفها، بل وكانت خططها بيد العدو.
14.وهم تشرين327–364▼ ملخص
بدأ الفصل الرابع عشر بعنوان «وهم تشرين» بإعلان أن حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 كانت أكبر مشروع عسكري عربي في العصر الحديث، لكنها تحولت من طموحات كبرى إلى كارثة سياسية وضعت العرب على طريق التفكك، وكانت بالنسبة لـحافظ الأسد سبباً في أقسى خيبة أمل، ورغم ذلك كانت بداية صعوده الإقليمي. يصف الفصل الانتصار العربي المبكر في اليوم الأول، السبت 6 أكتوبر/تشرين الأول، حيث شن المصريون والسوريون هجوماً مفاجئاً. عبر مئة ألف جندي مصري وأكثر من ألف دبابة قناة السويس، ودمروا خط بارليف، بينما زجت سوريا بـخمسة وثلاثين ألف جندي وثلاثة دبابات ضد تحصينات مرتفعات الجولان. كان هذا الإنجاز بمثابة استعادة لاحترام النفس العربي بعد هزائم 1948 و1956 و1967.
يسرد الفصل تفاصيل العمليات العسكرية على الجبهتين. في سيناء، وتحت غطاء نيران أربعة آلاف مدفع ومئتين وخمسين طائرة، عبرت القوات المصرية القناة بمئات القوارب المطاطية، واجتاحت حصون خط بارليف الخمسة والثلاثين، وفتحت ثمانين ممراً في الساتر الرملي. وبحلول صباح 7 أكتوبر، كانت إسرائيل قد خسرت ثلاثمائة دبابة، وفشل هجومها المعاكس بقيادة الجنرالات شارون وادان ومندلر، متكبدة خسائر بأكثر من مئة دبابة أخرى، فيما وصفها المؤرخ العسكري الأميركي العقيد تريفور دوبوي بأنها «أسوأ هزيمة في تاريخ الجيش الإسرائيلي». في الجولان، واجه السوريون دفاعات إسرائيلية محصنة بخندق مضاد للدبابات بعمق أربعة أمتار و11 دشمة محصنة، تحت مراقبة من جبل الشيخ. حشد الأسد ستين ألف مقاتل وألف وثلاثمائة دبابة، وفي 7 أكتوبر زج بثلاث فرق مشاة هي الخامسة والسابعة والتاسعة. تمكنت الفرقة الخامسة بقيادة اللواء علي أصلان من اجتياح الخطوط الإسرائيلية في الجنوب، وكادت تصل إلى بحيرة طبريا، مما جعل الأسد يشعر بأن النصر في متناول يده.
يشرح الفصل أسباب النجاح العربي الأولي: التحضير الدقيق لسنوات، التدريب المتقن، الأسلحة السوفياتية المتطورة مثل قذائف آر بي جي وستريلا المضاد للطيران، وصواريخ سام، وسرية الخطة التي أحكم إغلاقها بمساعدة جهاز شيفرة آي إم-7 سويدي-سويسري، وخداع إسرائيل عبر قضية معسكر شوناو بالنمسا، وشن الحرب في رمضان ويوم الغفران اليهودي. منع توجيه الضربة الأولى كان أعظم نجاح، حيث رفضت غولدا مائير ووزير الدفاع موشيه دايان الضربة الوقائية لأسباب سياسية، على عكس حرب 1967.
يوضح الفصل أن سر النجاح كان جوهر الخيبة: انهيار استراتيجية القتال على جبهتين. فبعد العبور، توقفت مصر عن التقدم من 7 إلى 14 أكتوبر، مكتفية بالدفاع عن شريط ضحلة، مما أربك السوفيات الذين تساءل الأمين العام ليونيد بريجنيف: «ما حدود أهدافهم المحدودة؟». كان هدف السادات هو إحداث هزة لتحريك السلام، وليس التحرير، وعارض الفريق أحمد إسماعيل علي ورئيس الأركان الشاذلي التقدم خوفاً من سلاح الجو الإسرائيلي. ترك هذا الجمود سوريا تقاتل وحدها، مما شكل «أسوأ خيبة أمل» للأسد. استغلت إسرائيل الموقف، فركزت كل قواتها الجوية على الجولان، وأوقفت التقدم السوري وأعادته للخلف، ثم وسعت هجماتها لتشمل أهدافاً اقتصادية في عمق سوريا مثل مصفاة حمص. بحلول 13 أكتوبر، خسرت سوريا ثمانمائة دبابة وستة آلاف رجل بقيمة ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار.
يشرح الفصل الهجوم المصري المتأخر في 14 أكتوبر، الذي كان قراراً سياسياً للسادات تحت ضغط الأسد، لكنه كان «ناقص العزيمة» على أربعة محاور بلا غطاء جوي، مما جعله فريسة سهلة للنيران الإسرائيلية. لم يغير الهجوم شيئاً، بل عرض مصر لـعبور إسرائيلي مضاد للقناة في ليلة 15-16 أكتوبر عند الدفرسوار، مما حاصر الجيش الثالث وهدد رؤوس الجسور. رفض السادات سحب قواته من الشرق للغرب، متمسكاً بـ«ورقته السياسية الرابحة».
يكشف الفصل أن خداع السادات للأسد تجاوز العسكر ليشمل الدبلوماسية. كان الأسد يعتقد بوجود شراكة كاملة في الحرب والسلام، لكنه اكتشف بعد الحرب أن السادات أجرى اتصالات سرية مع هنري كيسنجر في كل يوم من أيام الحرب تقريباً، وأرسل له رسالة سلام منذ 7 أكتوبر. لم يطلع الأسد على أي من هذه المناورات. يبين الفصل أن كيسنجر كان قد صاغ علاقة إسرائيلية-أميركية رسمية، وصور إسرائيل كرصيد استراتيجي لإخراج النفوذ السوفياتي. بدعم من هذا التحالف، تلقت إسرائيل ثلاثة وثلاثين ألف طن من السلاح جوّاً، ومولت الولايات المتحدة %58 من ميزانية الدفاع الإسرائيلية عام 1975 لترتفع لـ%92 عام 1977. تبنى كيسنجر الموقف الإسرائيلي الرافض للانسحاب الكامل، ورافضاً لفكرة دولة فلسطينية، وسعى لإطالة الجمود لتعليم العرب «الاعتدال».
يصف الفصل كيف أعلن السادات وقف إطلاق النار في خطاب لمجلس الشعب في 16 أكتوبر دون استشارة الأسد، الذي صدمته هذه البادرة. مع تدهور وضع مصر، هرع رئيس الوزراء ألكسي كوسيغين إلى القاهرة لحث السادات على القبول بوقف النار دون انسحاب. أرسل السادات للأسد رسالة يائسة في 19 أكتوبر قال فيها إنه يقاتل الولايات المتحدة أيضاً. رد الأسد برسالة مطولة يحثه على الصمود، لكنه لم يتلق رداً. يوضح الفصل كيف ماطل كيسنجر بالتوجه إلى موسكو لمنح إسرائيل وقتاً لتحسين أوضاعها، وأسفرت المفاوضات عن القرار 338 لمجلس الأمن في 22 أكتوبر، الذي طالب بوقف إطلاق النار حيثما الجيوش، دون ذكر «الانسحاب» أو «فلسطين». قبلته مصر فوراً، لكن سوريا رفضته غضباً من التصرف المنفرد.
تصف الفقرات الأخيرة محاولات السادات المتأخرة لإقناع الأسد عبر رئيس وزرائه عزيز صدقي، الذي قدم وعوداً غير قابلة للتصديق بالانسحاب في ستة أشهر. بعد مشاورات مع زعماء عرب وحلفاء، وعدم وجود خيار إلا الاستمرار وحيداً، قبلت سوريا القرار 338 في 24 أكتوبر لكن مع تفسيرها الخاص بالانسحاب الكامل وضمان الحقوق الفلسطينية. يختتم الفصل بأن كيسنجر أثار أزمة عالمية عبر استنفار القوات الأميركية ضد تهديد سوفياتي بالتدخل، لينقذ إسرائيل من انتهاكاتها لوقف النار. وبينما أرادت غولدا مائير تدمير السادات، أراد كيسنجر بقاءه كزعيم «معتدل» يقود نحو سلام منفصل مع إسرائيل، وهو ما سيكون أكبر كابوس للأسد.
15.مبارزة مع هنري كيسنجر365–404▼ ملخص
ملخص فصل «مبارزة مع هنري كيسنجر» من كتاب «الأسد: الصراع على الشرق الأوسط» لباتريك سيل
المحور الأساسي لهذا الفصل هو الصراع الخفي والمعلن بين الرئيس السوري حافظ الأسد ووزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في أعقاب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، والذي كان يدور حول كسب مصر إلى أحد الجانبين. يقدم المؤلف الإجابة بأن هذه المبارزة لم تكن مجرد خلاف تكتيكي، بل كانت صراع إرادات حاسماً لتحديد مستقبل المنطقة: فإما أن يظل التحالف السوري-المصري قائماً لتحقيق انسحاب إسرائيلي شامل، أو ينجح كيسنجر في فصل مصر عن سوريا وعقد سلام منفرد معها، مما يترك سوريا وحيدة ويحقق أهداف إسرائيل الإستراتيجية.
يسير الفصل خطوة بخطوة مسجلاً تفاصيل هذه المبارزة التي وصفها المؤلف بلعبة شد الحبل. يبدأ الفصل بوصف حالة العلاقة المتوترة بين الأسد والسادات بعد الحرب مباشرة. فبعد لقائهما الأول في مطار الكويت بتاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1973، اتضح حجم الشرخ بينهما. كان الأسد يشعر أن السادات تخلى عن الخطة العسكرية المتفق عليها، بينما كان السادات يلقي باللوم على السوريين لطلبهم النجدة مما دفعه للهجوم في 14 تشرين الأول/أكتوبر ومهّد لثغرة الدفرسوار. والأهم من ذلك، اكتشف الأسد في اجتماع القاهرة بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر أن السادات كان يفكر في "فصل قوات" منفرد مع إسرائيل، وهو مفهوم لم يسمع به من قبل، مما أثار دهشته وغضبه. حاول السادات طمأنته بأنه لن يذهب إلى مؤتمر جنيف دون انسحاب إسرائيلي كبير على الجبهتين المصرية والسورية معاً، لكنه سرعان ما تراجع عن هذا التعهد فور وصول كيسنجر إلى القاهرة بعد ثلاثة أيام فقط، وأكد للأمريكي أنه مستعد للذهاب إلى المؤتمر بدون الأسد إذا لزم الأمر.
يتناول الفصل بالتفصيل أول لقاء بين الأسد وكيسنجر في دمشق بتاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر 1973، والذي استمر ست ساعات ونصف. دخل الأسد اللقاء وهو يشعر بالتفاؤل بعد رسالة من مبعوث السادات، أشرف مروان، تؤكد الاتفاق على فصل القوات على الجبهتين قبل جنيف. لكن كيسنجر فاجأه بنفي أي اتفاق من هذا القبيل، مما شكل صدمة كبيرة للأسد. حاول الأسد إجبار كيسنجر على مناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان، لكن الأخير تهرب باستخدام "الغموض البناء". ونتيجة لهذا الخداع، قرر الأسد في تلك اللحظة عدم حضور مؤتمر جنيف، معتقداً أنه بذلك يوقف اندفاعة السادات. لكن المؤلف يوضح أن قرار الأسد كان بالضبط ما يريده كيسنجر، الذي كان يهدف لإبقاء سوريا خارج الصورة وعقد صفقة مصرية-إسرائيلية منفردة.
يواصل الفصل سرد كيفية تنفيذ كيسنجر لخطته. فقد افتُتح مؤتمر جنيف في 21 كانون الأول/ديسمبر 1973 بحضور مصر والأردن وإسرائيل، وكرسي فارغ لسوريا، وكان مجرد غطاء دولي لصفقة ثنائية. وفي 18 كانون الثاني/يناير 1974، تم توقيع اتفاقية فصل القوات المصرية-الإسرائيلية الأولى (اتفاقية سيناء الأولى)، والتي قدم فيها السادات تنازلات كبيرة تحت ضغط كيسنجر، مما أضعف الموقف العربي الاستراتيجي بشكل كبير. حاول الأسد الاتصال بـالسادات في أسوان ليصرخ في وجهه محذراً من أن هذا الاتفاق سينقل كل القوات الإسرائيلية إلى جبهته، لكن السادات كان قد مضى في طريقه. واستمر اللقاء المتوتر بينهما في مطار دمشق لساعات طويلة دون جدوى.
بعد عزل مصر، يصف الفصل كيف أصبح الأسد الهدف التالي لـكيسنجر. فقد أحاطه كيسنجر من كل جانب: حرمانه من ورقة الأسرى الإسرائيليين بعد أن سلمها بسذاجة، ثم حرمانه من ورقة النفط بعد أن أقنع مجلس التعاون العربي برفع الحظر في 18 آذار/مارس 1974. والأخطر من ذلك، يكشف الفصل عن تورط كيسنجر في مؤامرة لاستنزاف الجيش العراقي عبر دعم التمرد الكردي في العراق، بهدف منع أي دعم عراقي محتمل لسوريا. ويستشهد المؤلف بتقرير لجنة التحقيق في الأنشطة السرية (لجنة بايك) الذي أكد أن الهدف لم يكن مساعدة الأكراد بل إضعاف العراق.
أخيراً، أدت مفاوضات كيسنجر المكوكية التي استمرت شهراً إلى توقيع اتفاقية فصل القوات السورية-الإسرائيلية في 31 أيار/مايو 1974. وبعد جولات طويلة وشاقة، استعادت سوريا مدينة القنيطرة (التي دمرتها إسرائيل قبل الانسحاب) وشريطاً ضيقاً من الأرض، لكن الأسد لم يحصل على انسحاب إسرائيلي شامل من الجولان. ويختم الفصل بالإشارة إلى أن كيسنجر خدع الطرفين معاً، فأعطى العرب وعوداً غامضة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، بينما أعطى إسرائيل تعهدات سرية محددة ومعاكسة بضمان عدم انسحابها الكامل وعدم إشراك الفلسطينيين.
الحجج القابلة للنقاش: يقدم الفصل الأسد كبطلٍ صامد وحيدٍ في وجه الماكينة الدبلوماسية الأمريكية، بينما يُصوّر السادات على أنه ساذج أو متعجل وخاضع بسهولة لإغراءات كيسنجر. هذه الرؤية تغفل الجانب الإسرائيلي كفاعل مستقل له مصالحه واستراتيجيته التي تتقاطع أو تختلف مع كيسنجر. كما أن التحليل يركز على "خدعة كيسنجر" كسبب وحيد لنتائج ما بعد الحرب، دون إعطاء وزن كاف لحسابات القوة العسكرية والجيو-سياسية الواقعية التي كانت تقيد خيارات كل من الأسد والسادات. النص يحمل نبرة تمجيد لصمود الأسد دون تقديم تقييم نقدي لاستراتيجيته التي أدت في النهاية إلى نتائج متواضعة جداً على الأرض.
16.1975 : عام الخراب405–432▼ ملخص
ملخص الفصل السادس عشر: «1975: عام الخراب»
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو تحوّل دبلوماسية هنري كيسنجر في الشرق الأوسط بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 من أداة للتسوية الشاملة إلى عامل تفكيك وتدمير للجبهة العربية، مما أدى إلى إغراق المنطقة في فتن واضطرابات لم تهدأ لعقود. يقدّم المؤلف باتريك إجابة واضحة: إن ما بدأ كمسعى للسلام تحوّل إلى خراب منظم، حيث ضحّى كيسنجر بالدول العربية الصغيرة ومصالحها لصالح استراتيجيته التي تهدف إلى إخراج مصر من المعادلة العسكرية وعزل سوريا، مما أفقد العرب أي قدرة على مواجهة إسرائيل أو ممارسة ضغط حقيقي عليها.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليرسم مسار هذا التحول المأساوي. يبدأ الفصل بوصف حالة التفاؤل التي سادت صيف 1975، حيث كان الرئيس حافظ الأسد في مزاج منشرح بعد توقيع اتفاقية فصل القوات في الجولان، وأعطى مقابلة مطولة لمجلة نيوزويك عبّر فيها عن استعداده «للسلام الحقيقي» مع إسرائيل ضمن إطار قراري مجلس الأمن 242 و338، شريطة الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 وإعادة حقوق الشعب الفلسطيني. كان الأسد يشارك العرب شعورهم العام بالارتياح لاهتمام واشنطن بمعالجة مشاكل المنطقة، ويثق بقدرة كيسنجر على إتمام التسوية.
لكن هذه الرؤى الوردية سرعان ما تتصادم مع الحقائق السياسية. يشرح الفصل أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا قد اتفقتا سراً على أهداف مختلفة تماماً: إعادة الوضع الذي ساد من 1967 إلى 1973 حيث تسيطر إسرائيل على المنطقة بلا منازع، وضمان ألا يثير العرب تحدياً جديداً مثل حرب 1973. وهنا يكشف المؤلف عن المفارقة المأساوية: اعتقد العرب أنهم بهزّهم لإسرائيل عسكرياً قد كسبوا احترام العالم واستحقوا السلام، بينما الحقيقة أنهم أخافوا العالم فقط، وأشعلوا أزمة نووية بين الدول العظمى، وأطلقوا شرارة انفجار أسعار النفط، مما أثار رد فعل عالمياً ضدهم وتآكل التعاطف مع قضيتهم.
يتناول الفصل بالتفصيل عملية إقصاء الملك حسين والفلسطينيين من دبلوماسية كيسنجر. فبعد توقيع اتفاقية الجولان، بدأ كيسنجر العمل فوراً لإبرام اتفاقية مصرية-إسرائيلية ثانية. حاول الملك حسين الضغط من أجل «فصل قوات» على الضفة الغربية، لكن حكومة رابين رفضت حتى الانسحاب الرمزي، واكتفت بعرض دور «مدبرة منزل» تحت الاحتلال الإسرائيلي. أما الفلسطينيون فقد حُذفوا من حسابات كيسنجر بالكامل. يصف الفصل موقف كيسنجر من منظمة التحرير الفلسطينية بأنه تحامل وتحيز يصعب تمييزه عن آراء المتشددين الإسرائيليين، حيث كان يعتبرها «قوة تخريبية» و«مجموعة إرهابية» و«غير مقبولة كشريك في المفاوضات». رفض كيسنجر أي حوار مع المنظمة، حتى عندما توسط الرئيس السادات أو الجنرال ثيرنود لترتيب لقاءات، وكانت تعليماته الصارمة: «الولايات المتحدة ليس لديها أية مقترحات تقدمها».
في خريف 1974، حصل الفلسطينيون على دفعة معنوية كبيرة عندما أعلنت قمة الرباط في تشرين الأول/أكتوبر أن منظمة التحرير الفلسطينية هي «الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني»، وكان الأسد والملك فيصل المدافعين الرئيسيين عن هذا القرار، أملاً في إعطاء المنظمة دوراً تفاوضياً. ثم ألقى ياسر عرفات خطابه التاريخي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر، وحصلت المنظمة على صفة عضو مراقب. لكن هذا النجاح العربي دفع كيسنجر وإسرائيل إلى التشدد أكثر، وأسرعا في إبرام الصفقة المصرية-الإسرائيلية المنفردة التي كان الفلسطينيون يخشونها.
يدخل الفصل في تفاصيل اتفاقية سيناء الثانية التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى في أول أيلول/سبتمبر 1975، والتوقيع النهائي في 4 أيلول/سبتمبر 1975 في جنيف. كانت هذه الاتفاقية بمثابة طعنة قاتلة للتضامن العربي. فبموجب شروطها المعلنة والمتعددة السرية، تخلت مصر عن استخدام القوة، وسمحت بمرور الشحنات غير العسكرية إلى إسرائيل عبر قناة السويس، وانسحبت إسرائيل لمسافة 20-40 كيلومتراً مع احتفاظها بمواقع استراتيجية، وفقدت مصر أي قدرة على ممارسة ضغط عسكري على إسرائيل.
أما الاتفاقات السرية فكانت أكثر إثارة للصدمة، حيث التزمت الولايات المتحدة بتقديم مليارين ونصف مليار دولار لإسرائيل، وضمان تزويدها بالنفط، والتعهد بعدم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية أو التفاوض معها ما لم تعترف بحق إسرائيل في الوجود وتقبل القرارين 242 و338، والتزام بتنسيق استراتيجية السلام مع إسرائيل وعدم تقديم مقترحات بدون مشاورتها. وهكذا، كما يخلص الفصل، «أوثق كيسنجر كتاف خلفائه في منصبه وقيد نفسه»، وضمن لإسرائيل السيطرة على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
يمضي الفصل في رسم عواقب هذه الاتفاقية الكارثية. فقد شعر الأسد بالخيانة الكاملة، خاصة بعد تحذيراته المتكررة لكيسنجر والسادات بأن خطوة أخرى في سيناء ستكون ناسفة للتضامن العربي. وفي زيارته الأخيرة لدمشق في 3 أيلول/سبتمبر 1975، عشية توقيع الاتفاقية، استقبل كيسنجر ببرود صقيعي، وأخبره الأسد بأن السلام الحقيقي لا يتحقق بإغداق الأسلحة على إسرائيل أو إدخال أنظمة الإنذار المبكر، بل بالإنسحاب الإسرائيلي وتلبية مطالب الفلسطينيين. وانعكس قلق الأسد المتزايد في تصريحات إعلامية، حيث وصف تحركات كيسنجر بأنها «بهلوانية ضئيلة»، مؤكداً أن السلام لا يتحقق إلا «بتحرك عربي جماعي على كل الجبهات».
يصف الفصل الاضطرابات العنيفة التي اجتاحت المنطقة كنتيجة مباشرة لاتفاقية سيناء الثانية. فإبعاد مصر، أكبر دولة عربية، ترك بقية الأقطار تشعر بانعدام أمن حاد. واندلعت صراعات هائجة: تشاجرت مصر مع سوريا وليبيا والفلسطينيين، وتقاطعت السيوف بين سوريا والعراق، وتشرذم الفلسطينيون وانجروا إلى حرب دامية في لبنان مع الموارنة. وعاد شبح الهيمنة الإسرائيلية الذي كان مهيناً للعرب بعد 1967 ليخيم على الأذهان، إذ تبددت الآمال التي أيقظتها حرب 1973.
يتناول الفصل بالتفصيل الشجار المرير بين سوريا والعراق، الذي تفاقم بعد اتفاقية سيناء الثانية. كان لهذا الصراع جذور عميقة تعود إلى انشقاق حزب البعث الدامي في شباط/فبراير 1963، لكن الاتفاقية أزالت أي وفاق هش كان قائماً. اتهم العراقيون الأسد بالانهزامية بسبب توقيعه على اتفاقية الجولان، مستخدمين نفس الاتهامات التي كان الأسد يوجهها للسادات. ورد الأسد باتهام العراق بالتواطؤ مع الاستعمار عبر اتفاقه مع شاه إيران. وتضخم الشجار حول حقوق مياه الفرات، حيث اتهم العراق في نيسان/إبريل 1975 سوريا بأن سد الطبقة وبحيرة الأسد يهددان حياة ثلاثة ملايين فلاح عراقي. وأصبحت العبارات المسيئة مثل «المجرم اليميني الفاشستي» شائعة في الهجمات الإذاعية المتبادلة.
يزيد الفصل من قتامة المشهد بذكر اغتيال الملك فيصل في 25 آذار/مارس 1975، ذلك الرجل القومي الصلب الذي كان دعامة للأسد بعد حرب 1973، وكان يضخ أموال النفط في اقتصاد سوريا المنهك. وخلفه الملك خالد الأضعف والأكثر تأثراً بحجج واشنطن. ويشير المؤلف إلى أن كثيرين في العالم العربي يميلون لرؤية اغتيال فيصل كجزء من مؤامرة أميركية-إسرائيلية ضد الأمة العربية.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن سباق التسلح الذي أثارته دبلوماسية كيسنجر. شعر الأسد بأنه مهدد ومكشوف، فاتجه إلى الكتلة الشرقية بحثاً عن السلاح، وأصبحت العلاقات بين دمشق وموسكو أوثق. سافر الأسد إلى تشيكوسلوفاكيا ثم إلى موسكو في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1975 لاستعراض الوضع مع الزعماء السوفيات: بودغورني، بريجنيف، كوسيغين، غروميكو، وغريتشكو. وكان ممتناً للجسر الجوي السوفياتي الذي أوصل السلاح خلال حرب 1973 في 975 رحلة جوية. ويخلص الفصل إلى أن الأسد لم يقطع الصلة بأميركا بالكامل، مدركاً أنها القوة العظمى الحاكمة، لكنه منذ ذلك الحين لم يعد يثق بها.
يختم الفصل بتأمل مفتوح حول الفرصة الضائعة للسلام بعد حرب 1973. يرى المؤلف أن الولايات المتحدة كانت تملك السلطة والقدرة على تحقيق تسوية شاملة لو أرادت، لأن إسرائيل كانت معتمدة عليها اعتماداً هائلاً، ولأن العرب رحبوا بتوسطها، ولأن جميع الجهات الأخرى كانت تدعم التسوية. كانت نقطة ضعف العرب القاتلة هي إيمانهم غير الواقعي بأن جهدهم الحربي جعلهم يستحقون التسوية، وهو أمل عززه انفجار أسعار النفط لكنه نبه إسرائيل إلى مقاومة التنازلات. أما إسرائيل فلم تكن مستعدة لتسوية شاملة، إذ كانت غريزتها السيطرة على العرب وردعهم بالقوة وتفتيت الجبهة العربية بدلاً من البحث عن سلام مستقر. وفي هذا السياق، يصف الفصل كيسنجر بأنه ظهر «كشيطان انفلت من عقاله»، مخلصاً للقضية الإسرائيلية، قادراً على اكتساح كل الآراء المعارضة له في البنتاغون ووزارة الخارجية والسفراء والأكاديميين، بل وإبعاد رئيسين أميركيين عن تسوية عامة كانا يرغبان فيها.
يمكن القول إن هذا الفصل يقدّم نقداً لاذعاً لدبلوماسية كيسنجر في الشرق الأوسط، ويكاد يساويها بتدخلاته المدمرة في تشيلي وكمبوديا. ورغم قوة الحجج المقدمة، فإنها تبقى وجهة نظر يمكن مناقشتها، خاصة فيما يتعلق بتحميل كيسنجر الشخصي مسؤولية المشهد الكارثي بأكمله، دون إعطاء وزن كافٍ لمسؤولية القادة العرب أنفسهم عن انقساماتهم وعدم قدرتهم على بناء استراتيجية موحدة، أو لمسؤولية القيادة الإسرائيلية في تشددها ورفضها للسلام.
17.الفخّ اللبناني433–470▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحول سوريا تحت قيادة حافظ الأسد من دولة ضعيفة في منطقة النفوذ المصري إلى قوة إقليمية طموحة، ويشرح بالتفصيل كيفية تورطها في الحرب الأهلية اللبنانية، معتبراً إياها "فخاً" نصبه هنري كيسنجر وإسرائيل. يطرح المؤلف أن الأسد رأى في اتفاقية سيناء الثانية لعام 1975، التي أخرجت مصر من الصراع، مؤامرة تهدف إلى تحجيم سوريا وإذلالها. كان شعار "الصمود" الذي رفعه تعبيراً عن رفضه لهذا الواقع، وسعيه لتحويل سوريا إلى قوة لا يمكن تجاهلها في المنطقة.
يسير الفصل بتسلسل زمني وأحداثي، يبدأ بوصف العزلة الاستراتيجية لسوريا بعد توقيع الاتفاقية. يشرح المؤلف كيف تحول اهتمام الأسد من الدبلوماسية البعيدة إلى محيطه المباشر في بلاد الشام، وأعاد إحياء فكرة "سوريا الطبيعية". يصف هذا التوجه بأنه كان بحثاً عن عمق استراتيجي وحلفاء، فركز على فلسطين والأردن ولبنان، معتبراً إياها الميدان الحيوي لنفوذه.
ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل أسباب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في ربيع 1975، ويعدّد طبقات التوتر المتراكمة. يذكر الوجود الفلسطيني المسلح الذي نزح من الأردن بعد أحداث أيلول الأسود 1970-1971، والتركيبة الطائفية الهشة القائمة على نظام المحاصصة، والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي، وظهور حركات كحركة "المحرومين" بقيادة موسى الصدر. لكن السبب المباشر والحاسم، حسب المؤلف، هو سياسة كيسنجر التي دفعت باتجاه اتفاقية سيناء الثانية، مما خلق شعوراً بالخيانة لدى الفلسطينيين وفزعاً لدى المسيحيين من أنهم سيظلون عالقين معهم، فانطلقت الحرب.
يركز الفصل على دور الهجمات الانتقامية الإسرائيلية الممنهجة كعامل أساسي في تدمير النسيج اللبناني. يورد المؤلف إحصاءات مهمة، مثل 44 هجوماً إسرائيلياً كبيراً بين منتصف 1974 ومنتصف 1975 أوقعت 880 قتيلاً، ويذكر عمليات نوعية كغارة مطار بيروت عام 1968 احتجاز رهائن مدرسة معالوت في أيار 1974، واغتيال قادة فتح في بيروت نيسان 1973، ليبرهن كيف استغلت إسرائيل الوجود الفلسطيني كورقة ضغط لتقسيم اللبنانيين وإضعاف الدولة.
يشرح الفصل بالتفصيل المناورات الدبلوماسية المعقدة التي أنهت الحرب، واصفاً إياها بأنها مؤامرة متقنة. يروي كيف تخوف الأسد من نتيجتين كارثيتين: إما قيام دولة مسيحية تكون حليفة لإسرائيل، أو انتصار اليسار والفلسطينيين مما يستدعي تدخلاً إسرائيلياً مدمراً. في هذه الأثناء، يوضح المؤلف أن كيسنجر غير استراتيجيته فجأة من تهديد الأسد بعدم التدخل، إلى تهديده بأن إسرائيل ستتدخل إذا لم يتدخل هو أولاً، مستغلاً مخاوفه. هذه الحسابات أدت إلى "اتفاقية الخط الأحمر" السرية وغير الموقعة، التي سمحت بدخول الجيش السوري إلى لبنان بشرط عدم استخدام صواريخ أرض-جو جنوبي طريق دمشق-بيروت.
يتناول الفصل الدور المحوري لكل من كمال جنبلاط وياسر عرفات كقوى دافعة للحرب. يصف جنبلاط بأنه زعيم يساري درزي طموح يسعى لتحطيم النظام الطائفي، بينما كان عرفات يريد لبنان قاعدة خلفية مستقلة لحركته. يروي المؤلف كيف حاول الأسد إقناعهما بقبول الإصلاحات ووقف القتال، عبر اجتماعات مطولة مع جنبلاط في آذار 1976 وثلاث لقاءات مع عرفات في الربيع نفسه، لكن كليهما رفض. يخلص الفصل إلى أن إصرارهما على خيار الحرب هو ما دفع الأسد إلى التدخل العسكري.
يصف الفصل التدخل العسكري السوري في 1 حزيران 1976 بأنه خطوة دفاعية ضرورية بالنسبة للأسد، لكنها كانت مثيرة للجدل. يذكر أن الجيش السوري فك حصار المعاقل المسيحية وبدأ بملاحقة القوى الفلسطينية واليسارية، ويخلد حادثة كمين صيدا حيث دُمرت دبابات سورية كسبب رئيسي لتصلب موقف الأسد تجاه الفلسطينيين، الذين رأى أنهم ناكرون للجميل. يختم الفصل بإشارة إلى سقوط مخيم تل الزعتر في آب 1976 بعد حصار دام 52 يوماً، وإلى سقوط ثلاثة آلاف قتيل، واصفاً إياه بأنه مجزرة مروعة عمقت الشرخ بين سوريا والفلسطينيين، وأصبحت صورة مسبقة لمجازر صبرا وشاتيلا و"حرب المخيمات".
يركز الفصل بشكل شبه حصري على وجهة نظر الأسد ومخاوفه، ويعتبر أن أياً من الأطراف اللبنانية أو الفلسطينية لم يمتلك نظرة استراتيجية شاملة. يتبنى المؤلف بشكل واضح فرضية المؤامرة التي يراها الأسد، حيث يصوّر القوى الخارجية (الولايات المتحدة وإسرائيل) كمحرك رئيسي للأحداث. في المقابل، يقدم تحليلاً أقل عمقاً لدوافع القوى اللبنانية والفلسطينية المحلية.
هل لديك أي استفسارات أخرى حول محتوى الفصل أو الشخصيات المذكورة فيه؟
18.فجر كارتر الكاذب471–512▼ ملخص
ملخص فصل «فجر كارتر الكاذب»
يدرس هذا الفصل فترة رئاسة جيمي كارتر (من تشرين الثاني/نوفمبر 1976) وتأثيرها على حافظ الأسد وسوريا، مركزاً على كيفية انهيار آمال الأسد في تحقيق تسوية شاملة للصراع العربي-الإسرائيلي. يقدم المؤلف باتريك سيل حجة مفادها أن الفرصة التاريخية التي أتاحها كارتر لإشراك سوريا والفلسطينيين في عملية السلام قد تحطمت بفعل مزيج من المناورات الإسرائيلية الذكية، والتنافسات العربية الداخلية، وفشل كارتر في مواجهة الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة. ويخلص الفصل إلى أن الأسد ظل مقتنعاً بصحة تدخله في لبنان ومواقفه التفاوضية، رغم الثمن الباهظ الذي دفعه.
يبدأ الفصل بتناول وضع الأسد الصعب بعد تدخله العسكري في لبنان في ربيع عام 1976. فقد واجه الأسد انتقادات عربية واسعة، حيث قطع السادات علاقاته به، واتهمه وزير خارجية مصر بشن «حرب إبادة»، وأرسل صدام حسين قوات إلى الحدود السورية ووصف الأسد بأنه مصاب بجنون العظمة. كما هاجمه كمال جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، ودعا إلى حرب شاملة ضد دمشق. يشير المؤلف إلى مفارقة لافتة: فبعد أن حرم الأسد جنبلاط من أحلامه، تحول الأخير إلى زعيم درزي عنيف، على خلاف طبيعته المسالمة السابقة التي تشبه غاندي. كما تعرض الأسد لانتقادات من صلاح الدين البيطار، أحد مؤسسي حزب البعث، الذي تساءل في صحيفة لوموند كيف يمكن لسوريا أن تشارك مع الانعزاليين المسيحيين. ووجهت للأسد تهمتان رئيسيتان: الأولى أنه يتواطأ مع الولايات المتحدة لسحق الفلسطينيين، والثانية أنه يستغل الطائفية كلعبة سياسية. لكن المؤلف يدافع عن الأسد، قائلاً إنه بإنصاف يمكن القول إن مغامرته اللبنانية كانت تحركها أسباب استراتيجية، لا عواطف طائفية.
على الصعيد الداخلي، اهتز نظام الأسد، حيث تم شنق ثلاثة فلسطينيين في دمشق في أيلول/سبتمبر لاحتلالهم فندقاً وأخذهم رهائن. وعزز الأسد حماية نفسه بإقامة حرس رئاسي بقيادة قريب زوجته عدنان مخلوف، ورفع أخيه رفعت الأسد إلى رتبة عقيد ركن. كما تضررت علاقات الأسد الجيدة سابقاً مع الاتحاد السوفياتي. فقد أرسلت موسكو رئيس وزرائها كوسيغين إلى المنطقة، وحذرت سوريا من التدخل في لبنان، لكنه عندما وصل إلى دمشق في أول حزيران/يونيو، كان الأسد قد دفع بقواته عبر الحدود في الليلة السابقة. علقت وكالة تاس السوفياتية بمرارة أن التدخل السوري لم يفعل شيئاً لوقف «نهر الدم». ونتيجة لهذا السخط، تأجلت عقود الأسلحة السوفياتية الجديدة، مما حرم الأسد من سند دولة كبرى. ولم يصل سلاح سوفياتي متطور إلى سوريا مرة أخرى إلا في عام 1977.
بحلول أواخر أيلول/سبتمبر وأوائل تشرين الأول/أكتوبر 1976، شن الأسد هجمات كبرى أدت إلى دحر الفلسطينيين وحلفائهم تقريباً. ثم أصبح مستعداً لقبول دعوة سعودية إلى مؤتمر قمة في الرياض في 15 تشرين الأول/أكتوبر، الذي أضفى الشرعية على وجوده في لبنان، واعترف بقواته كعمود فقري لـ «قوات الردع العربية»، ووافقت السعودية والكويت على تمويل تدخله. لكن انتصار الأسد كان جزئياً ومعرضاً للشبهات. فقد ظل مثقلاً باتهامات اتباعه سياسة معادية للعرب. ويؤكد المؤلف أن الأسد ظل مقتنعاً بصحة تدخله، مدافعاً عن نفسه مراراً وتكراراً، لكن ظلال الشك بقيت.
يتناول الفصل بعد ذلك اغتيال كمال جنبلاط في 15 آذار/مارس 1977، حيث اعترض مسلحون سيارته وأطلقوا الرصاص على رأسه. وخلفه ابنه وليد جنبلاط، الذي ألقى بالمسؤولية على السوريين، لكنه زار الأسد بعد فترة حداد، واختار سوريا على إسرائيل «والبحر الأزرق العميق». ومع اختفاء جنبلاط، تقوض الحلف الذي كان يقوده ضد سوريا. لكن هدف الأسد الأساسي كان يروغ منه: فعند نهاية عام 1976، كانت إسرائيل قد تورطت بعمق في الشؤون اللبنانية، وأقامت علاقة حميمة مع الموارنة. فمنذ شهر تموز/يوليو 1976، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي شيمون بيريز برنامج «سياسة الجدار الطيب»، وفتحت إسرائيل «السياج الأمني» للمرور. وبحلول تشرين الأول/أكتوبر 1977، كانت هناك مليشيا مؤيدة لإسرائيل بقيادة سعد حداد، الضابط المسيحي السابق. وهكذا، في سعيه للدفاع عن بيئته، سقط الأسد في الفخ اللبناني.
مع انتخاب كارتر رئيساً في تشرين الثاني/نوفمبر 1976، كان السؤال الرئيسي للأسد هو ما إذا كانت الإدارة الجديدة ستتبع خطى كيسنجر في تأييد إسرائيل أم ستعود إلى سياسة أكثر توازناً. كان الأسد، كغيره من القادة العرب، بطيئاً في إدراك جذرية الابتعاد الذي كان ينويه كارتر عن سياسات كيسنجر. فكارتر، الذي جعل حقوق الإنسان عقيدة مركزية في سياسته الخارجية، رأى في الظلم الواقع على الفلسطينيين ظلامات لا يمكن تجاهلها. وكان هو ووزير خارجيته سايروس فانس ينتقدان ميل كيسنجر للنظر إلى العالم من زاوية التنافس مع الاتحاد السوفياتي. كما دعا مستشار الأمن القومي زبغنيو بريجنسكي إلى إقامة «علاقة أميركية بناءة مع العالم العربي». كان برنامج كارتر طموحاً: دعا إلى تحقيق تسوية شاملة خلال عام 1978 في مؤتمر جنيف، تصور أن إسرائيل ستنسحب إلى حدود عام 1967 مع تعديلات طفيفة، وأراد إشراك الفلسطينيين في المفاوضات والحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية. وبدلاً من أسلوب كيسنجر في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل أولاً ثم مواجهة العرب به، كان كارتر يؤمن بالتشاور الوثيق مع إسرائيل لكن دون التنسيق معها ضد العرب. أثار هذا البرنامج فزع القادة الإسرائيليين، الذين رأوا فيه تهديداً خطيراً لمصالحهم.
عندما قام رئيس الوزراء رابين بأول زيارة لكارتر في آذار/مارس 1977، وجده كارتر خجولاً وقلقاً، لكن رابين كان في الواقع يغلي بغضب. فقد رأى في كارتر شخصاً خارجياً سيخلق لإسرائيل متاعب كثيرة. وانزعج الإسرائيليون بشكل خاص من جهود كارتر لمصادقة الأسد. دعا كارتر زعماء الشرق الأوسط إلى واشنطن، فلبى الدعوة كل من السادات والملك حسين ورابين والأمير فهد. أما الأسد، الذي أراد إظهار استقلاله، فقد رفض الدعوة، لكنه وافق على لقاء كارتر في جنيف.
كان الأسد يتطلع للحصول من الإدارة الأميركية على اعتراف بدوره الإقليمي. فقد بدأ بتهدئة لبنان، وأراد الآن اعترافاً بأن الإرادة السورية تسيطر على المشرق. لكن هذه الرؤية اصطدمت بصعوبات: لم يكن هناك تعاطف أميركي مع افتراض سوريا بأن لها حقاً في شؤون جيرانها، وكانت إسرائيل تعارض بروز دور سوري قوي. كما أثارت محاولات الأسد لبسط نفوذه غضب وحيرة مصر والعراق والسعودية، التي خشيت من إعادة بناء «سوريا الكبرى». يشرح المؤلف أن كراهية مصر لبروز سوريا كانت عميقة الجذور تاريخياً، وأن القلق العراقي زادته الضغائن بين حزبي البعث، وأن الحذر السعودي كان ملحاً أيضاً.
في لقاء جنيف في 4 أيار/مايو 1977، قضى الأسد وكارتر سبع ساعات معاً. شعر الأسد بالرضا لرؤية كارتر يستمع إليه باهتمام، وأحس بأن الرئيس الأميركي الجديد قد تفهم المشكلة العربية. وشعر كارتر بدوره بالسعادة لاكتشاف روح الدعابة لدى الأسد، ووجده قائداً واثقاً ومستعداً للسلام. لكن الجو الودي غطى على هوة شاسعة بين الرجلين. فيما يتعلق بالحدود، أوضح الأسد أنه لا يوجد زعيم عربي يستطيع التخلي عن الأرض، وسخر من مفهوم «الحدود الآمنة». أما فيما يخص الفلسطينيين، فكانت العقبات مخيفة. كان كيسنجر قد وضع عقبتين: إعطاء إسرائيل حق رفض أي مشتركين جدد في مؤتمر جنيف، والتزام الولايات المتحدة بعدم التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية إلا إذا قبلت بـ القرار 242 وحق إسرائيل في الوجود. طلب كارتر مساعدة الأسد لتخطي هاتين العقبتين، لكن الأسد كان مهتماً بالمضمون لا الإجراءات: ما الذي يستطيع كارتر تقديمه للفلسطينيين؟ كيف يمكن توقع قبولهم القرار 242 قبل أن يتأكدوا من استعادة الضفة الغربية وغزة؟ وهكذا انكشفت الهوة بين الأمور الإجرائية والفحوى المادية. في الأسابيع التالية، حاول كارتر وفانس حث منظمة التحرير الفلسطينية على إصدار بيان يفتح الطريق للحوار، لكن المنظمة رفضت التخلي عن «آخر ورقة» لديها - الاعتراف بإسرائيل - في مواجهة عدم قدرة واشنطن على الوعد بمقعد في المفاوضات أو بدولة فلسطينية. ويروي الفصل أن أحد الدبلوماسيين الأميركيين على الأقل، وهو تالكوت سيلي، اعتقد أن كارتر أخطأ في تفسير تعهد كيسنجر، وأن كيسنجر نفسه كان سيفتح حواراً مع الفلسطينيين لو فاز الجمهوريون. على أي حال، لم يبدأ أي حوار أميركي-فلسطيني، وانقطعت سوريا عن عملية السلام.
يتناول الفصل بعد ذلك صعود مناحيم بيغن وحزب الليكود في الانتخابات الإسرائيلية في أيار/مايو 1977. كان بيغن، تلميذ فلاديمير جابوتنسكي، يحمل أفكاراً صهيونية متشددة. كان هدفه المباشر تدمير سياسة كارتر في الشرق الأوسط، التي هددت بإعادة إسرائيل إلى حدود 1967 وفتح الباب للوطنية الفلسطينية. استخدم بيغن ووزير خارجيته موشي دايان استراتيجية ذات شقين: الأول حملة منسقة ضد أهداف كارتر، مع تركيز خاص على رفض مؤتمر جنيف؛ والثاني تجاوز المؤتمر تماماً وإغراء مصر باتفاق ثنائي. راح بيغن يؤسس مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، ويذكر كارتر بتعهدات كيسنجر، ونجح في تجنيد منظمة إيباك ضد كارتر.
بلغت عملية التخريب ذروتها بعد نشر البيان الأميركي-السوفياتي المشترك حول الشرق الأوسط في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1977، الذي دعا إلى حل شامل يتضمن انسحاب إسرائيلي وحقوق فلسطينية. كانت صرخات الاستنكار داخل الكونغرس وخارجه هائلة. في ليلة 4-5 تشرين الأول/أكتوبر، واجه دايان كلاً من كارتر وفانس وبريجنسكي لمدة خمس ساعات في مقر البعثة الأميركية في الأمم المتحدة. هدد دايان بنشر التفاهمات السرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل إذا لم يتراجع كارتر. وعندما أقر كارتر بحاجته لمساعدة دايان لصد هجمات اللوبي اليهودي، انتهز دايان الفرصة. في الساعات الأولى من صباح 5 تشرين الأول/أكتوبر 1977، كان البيان الأميركي-السوفياتي قد أفرغ من مضمونه، وأعيدت كتابة قواعد مؤتمر جنيف في ورقة عمل أميركية-إسرائيلية، التي نصت على لجان ثنائية، مما استبعد سوريا وفصل مصر عنها. كان دايان قد ضمن هدفه الأساسي: استبعاد سوريا.
وفي أثناء ذلك، كانت إسرائيل تحقق تقدماً كبيراً في الشق الثاني من خطتها: إقامة حوار مباشر مع السادات. بمساعدة ثلاثة وسطاء - نيكولاي شاوشيسكو، وشاه إيران، والملك الحسن الثاني - نجح بيغن في إغراء السادات. في 15 أيلول/سبتمبر 1977، جاء حسن التهامي، نائب رئيس الوزراء المصري، خلسة إلى طنجة ليستمع إلى دايان. ذهب السادات بنفسه إلى بخارست وطهران في أواخر تشرين الأول للتشاور. ثم أعلن في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1977 أنه مستعد للذهاب إلى آخر العالم للبحث عن السلام. وبعد عشرة أيام، أصبح واضحاً أن الشق الثاني قد نجح، مما أدى إلى قتل مؤتمر جنيف.
كانت مبارزة الأسد الكبرى الأخيرة مع السادات في دمشق في ليلة 16-17 تشرين الثاني/نوفمبر 1977، في اجتماع دام سبع ساعات. صاح السادات: «فلنذهب معاً إلى القدس، أو إذا لم تستطع فارجوك أن تلتزم الصمت». ذهل الأسد من هذه التحركات المسرحية. لقد كان السادات مستعجلاً للذهاب إلى القدس، ويقترح أن يبدأ من النقطة التي يأمل أي عاقل بالوصول إليها بعد مفاوضات طويلة. حذر الأسد من أن رحلة السادات ستكون أخطر نكسة في التاريخ العربي، وأنها ستجعل إسرائيل تضرب الأقطار العربية واحداً بعد الآخر. لكن تشاؤم الأسد كان يتناقض مع ثقة السادات، الذي رأى نفسه رجل استعراض دراماتيكي، واعتقد أن بيغن سيتعهد له بالانسحاب من جميع الأراضي المحتلة. لم يفهم السادات أن بيغن كان ينوي إعادة الأراضي المصرية ليحتفظ ببقية الأراضي المحتلة. غادر السادات دمشق بعد أن أعلن أن رحلته إلى القدس ستتم في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1977. وأعلن الأسد يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر يوم حداد وطني عام.
مضت شهور عشرة قبل أن يوقع بيغن والسادات وكارتر على اتفاقيات كامب ديفيد في أيلول/سبتمبر 1978، وستة أشهر أخرى قبل التوقيع على اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية في 26 آذار/مارس 1979. هذا الوقت استغرقه بيغن لإخضاع شريكيه لإرادته. فبعد شهرين فقط من زيارة السادات للقدس، بدأ كارتر يروج لمعاهدة مصرية-إسرائيلية لا ترتبط بالمشكلة الفلسطينية إلا بصورة فضفاضة. أما الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية فقد حذف من جدول الأعمال، وأما سوريا فلم تعد شريكاً ضرورياً. في كامب ديفيد، ألقى بيغن خطاباً عاطفياً قال فيه إنه «القيم الوكيل على أربعة آلاف عام من التاريخ اليهودي»، وكسب موافقة كارتر والسادات على تأجيل البت في سيادة الضفة الغربية إلى فترة انتقالية يتمتع الفلسطينيون خلالها بحكم ذاتي محدود، مما فك ارتباط الضفة الغربية بالاتفاقية المصرية. ثم نشأ اضطراب بشأن المستوطنات: ظن كارتر أنه حصل على تعهد بتجميدها، لكن بيغن زعم أنه لم يوافق إلا على تجميد ثلاثة أشهر. اضطر السفير هيرمان إيليتس لإخبار السادات بأن «سوء تفاهم» قد حصل، فرد السادات بعبوس: «تعيدني إلى بلادي عارياً».
بعد أسبوع من كامب ديفيد، زار سايروس فانس الأسد في دمشق في وداع حزين. قال فانس إن الأسد أخبره أنه قد «ملى» وأنه سيجلس جانباً ويراقب الأحداث. عانى الأسد كثيراً من خيبات الأمل المتكررة، وشعر أن خيانة كارتر كانت مؤلمة بشكل خاص. لم يقم الأسد قط بزيارة الولايات المتحدة، ولم يتخلص من عدم ثقته العميق بنوايا أميركا. أما نفوره من مصر فكان أعمق: مصر التي كانت شريكته في الحرب أصبحت شريكة إسرائيل في السلام، والمحور المصري-السوري الذي كان العمود الفقري للقوة العربية قد انكسر.
يتساءل المؤلف في النهاية: إلى أي حد كان الأسد نفسه مسؤولاً عما حدث؟ أكان من الممكن الاحتفاظ بالسادات في الصف العربي بمزيد من المراعاة؟ لا يشير دليل إلى أن الأسد طرح هذه الأسئلة على نفسه. لعله كان من المحتوم أن يتخاصم الأسد والسادات ويفترقا، لأنه أعطى سوريا قوة وأهمية جعلتها منافسة لمصر. بعد كامب ديفيد، تعرض الأسد لخطرين: التهميش السياسي، وخطر السقوط إذا اجتذب السادات دولاً عربية أخرى. كانت أولوياته الحماية العسكرية وعزل مصر. ناشد العراق دفن الخلافات، لكن العراق أعار نداءه أذناً صماء. وشكل جبهة اسمها «جبهة الصمود والتصدي» في طرابلس في كانون الأول/ديسمبر 1979، لكنها كانت مجرد ملاكمة وهمية. وأصبح الأسد يشعر بأن الاتحاد السوفياتي وحده يستطيع حمايته، فراح يقدم طلبات للأسلحة الجديدة، لكن تنفيذ التعهد السوفياتي كان بطيئاً. كان الفصل قد بدأ بتوقع كبير ثم انتهى بخيبة أمل، تاركاً الأسد معزولاً ومحاصراً، وقد فاتته فرصة تحقيق تسوية شاملة.
19.العدو الداخلي513–550▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل، المعنون «العدو الداخلي»، على الفترة الأكثر خطورة في حكم حافظ الأسد، الممتدة من أواخر السبعينات حتى منتصف الثمانينات، حيث واجه تحدياً وجودياً مزدوجاً: ضعف استراتيجي مقلق على الساحة الخارجية بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وتفجر تمرد داخلي عنيف من قبل الجماعات الإسلامية المسلحة، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون.
يبدأ الفصل برسم صورة الوضع الدولي الكارثي من وجهة نظر الأسد. فبعد أن أمضى ستة عشر شهراً مريرة، من تشرين الثاني/نوفمبر 1977 إلى آذار/مارس 1979، في مساومات شاقة مع الاتحاد السوفياتي للحصول على الحد الأدنى من السلاح لردع إسرائيل، وجد نفسه وحيداً. وجاء غزو إسرائيل لجنوب لبنان في آذار/مارس 1978 (عملية الليطاني) كصدمة كبيرة، حيث قُتل أكثر من ألفي لبناني وفلسطيني وشُرّد مائتا ألف شخص. خشي الأسد من أن يكون هذا الغزو تمهيداً لهجوم على سوريا نفسها، خاصة وأن قواته البالغة ستين ألف جندي في لبنان كانت منهكة ومنهمكة في صراعات داخلية مع الميليشيات المسيحية. في هذه اللحظة، بدا الأسد كما يصفه المؤلف، وكأنه تكرر سيناريو عزلة عبد الناصر عام 1967. لمواجهة هذا الخطر الخارجي، قام الأسد بمصالحة تكتيكية سريعة مع عدوه القديم العراق، حيث التقى بالرئيس أحمد حسن البكر ونائبه الصاعد صدام حسين في بغداد في تشرين الأول/أكتوبر 1978، ووقعا «ميثاق العمل القومي». كان الهدف من هذا التحالف هو إنشاء جبهة موحدة لعزل وتطويق السادات ومنع انهيار الصف العربي. وقد نجح هذا التحرك جزئياً فرضت قمة بغداد عقوبات على مصر عند توقيعها معاهدة السلام، ووعدت بتقديم 3.5 مليار دولار سنوياً لسوريا لدعمها، لكن هذه الوعوم لم تُوفى بها بالكامل، وعاد التحالف السوري-العراقي للانهيار بعد بضعة أسابيع فقط.
يُظهر المؤلف أن الأسد رأى في اتفاقية كامب ديفيد ليس مجرد انسحاب مصري منفرد، بل خيانة استراتيجية كبرى تم بموجبها «شراء رمال سيناء من إسرائيل بثمن فادح» على حد تعبير السياسي الأميركي جورج بول. لقد حررت هذه الاتفاقية إسرائيل من خطر الحرب على جبهتين وضمنت تفوقها المطلق، مما جعل أي ضغط عليها لحل القضية الفلسطينية مستحيلاً. وفي هذه اللحظة تحديداً، بينما كان الأسد يعاني من الإحباط الخارجي، انفجرت قاعدته الداخلية في وجهه.
ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل الحملة الإرهابية. فبعد سنوات من الازدهار الاقتصادي غير المسبوق في السبعينات، والذي تضاعف بفضله عدد المليونيرات إلى ألف مليونير بحلول عام 1975، تفشت المحسوبية والفساد بين النخبة الحاكمة الجديدة، خاصة العلويين منهم على غرار محمد حيدر (السيد خمسة بالمائة) وشقيق الرئيس رفعت الأسد، مما خلق هوة كبيرة بين طبقة جديدة من الأغنياء وباقي المجتمع. هذه الفوارق والاضطراب الاجتماعي الناتج عن التحديث السريع أوجد أرضية خصبة للمعارضة الإسلامية. تبدأ سلسلة الاغتيالات العشوائية، مستهدفة بشكل خاص ضباطاً وموظفين ومدنيين علويين، لتصل ذروتها في 15 حزيران/يونيو 1978 بمجزرة مدرسة المدفعية في حلب، حيث قتل 32 طالباً ضابطاً علوياً (وربما 83 حسب مصادر أخرى). هذا الحدث كان بمثابة إعلان حرب شاملة. تتبع الحكومة هذه الهجمات لـ الإخوان المسلمين، وترى فيهم تهديداً وجودياً بدعم خارجي من العراق والأردن.
يوضح الفصل التطور التاريخي لحركة الإخوان المسلمين في سوريا، بدءاً من تأسيسها على يد مصطفى السباعي بتأثير من حسن البنا، وصولاً إلى تشكل الخلايا المسلحة السرية مثل «كتائب محمد» بقيادة مروان حديد الذي أصبح شهيداً للحركة بعد وفاته في السجن عام 1976. يستمر التمرد بشكل متصاعد، فيقوم المقاتلون الإسلاميون باغتيال المئات من البعثيين والعلويين، ويفرضون إغلاقاً تجارياً في حلب، ويحاولون زعزعة الاستقرار في دمشق. في هذه الأثناء، يبرز دور رفعت الأسد، الذي كان يدير قوات سرايا الدفاع، ويطالب بخطاب أكثر تشدداً وعنفاً داخل الحزب لسحق المعارضين. في مؤتمر حزبي عام 1980، يهاجم رفعت الحكومة لتسامحها ويدعو إلى «القبضة الحديدية»، مهدداً بتقديم «مائة معركة» و«مليون شهيد» لتدمير الإرهابيين. يقود هذا التصعيد إلى قمع وحشي، حيث يتم إرسال الجيش إلى المدن المتمردة، وشن حملات تفتيش من منزل إلى منزل، وإقامة محاكم ميدانية، ومذبحة سجن تدمر في 27 حزيران/يونيو 1980 التي راح ضحيتها حوالي خمسمائة سجين من الإخوان المسلمين انتقاماً من محاولة اغتيال الأسد. يُظهر الفصل كيف تحول الأسد نفسه، تحت ضغط الأحداث، من رجل مصالحة إلى حاكم مطلق يلقي خطباً ملتهبة ويدعو إلى «العنف الثوري».
يصل الفصل إلى ذروته مع انتفاضة حماه الدامية في شباط/فبراير 1982. يصف الكيفية التي تحولت بها حماه، المعقل التقليدي للمعارضة السنية المحافظة، إلى ساحة حرب شاملة. بعد كمين للجيش السوري في 2 شباط، أعلن قائد المتمردين المحلي «أبو بكر» انتفاضة عامة، وخرج المئات من المقاتلين لذبح المسؤولين الحزبيين. ردّت الدولة بقوة مفرطة، حيث حاصرت المدينة بأكثر من عشرة آلاف جندي، ودكت الأحياء القديمة بقصف مدفعي وجوي، وسوّتها بالأرض. استمر القتال ثلاثة أسابيع، وقُدّر عدد القتلى بين 3,000 و20,000 شخص. دُمّر ثلث المدينة التاريخية. بعد القمع، شرعت الدولة في حملة إعادة إعمار طموحة لا تهدف فقط لإزالة الأضرار المادية، بل لإعادة تشكيل هوية المدينة نفسها من خلال بناء مؤسسات حديثة، وملاعب، ومسابح للسباحة المختلطة، ومحاولة كسر المحافظة الاجتماعية.
في النهاية، يخلص الفصل إلى أن الأسد اعتبر هذه الحرب الداخلية جزءاً من مؤامرة كبرى تحاك ضده من قبل أعداء خارجيين، متهمًا وكالة المخابرات المركزية الأميركية وإسرائيل والأردن بدعم الإخوان المسلمين لإسقاطه. سلسلة الأحداث هذه، من الغزو الإسرائيلي لبنان إلى مذبحة حلب وصولاً إلى تدمير حماه، خلقت ما يصفه المؤلف بأنه «عقد مخيب للآمال»، حيث دفع الأسد ثمناً باهظاً لبقائه في السلطة، وخرجت سوريا من هذه الفترة وقد تغيرت شخصيتها بشكل جذري، وأصبحت أكثر شمولية وقسوة بفعل صراع البقاء.
20.وحيداً يقف551–570▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على مرحلة الحسم في الصراع بين نظام حافظ الأسد وتنظيم الإخوان المسلمين في سوريا، وكيف شكلت هذه المواجهة نقطة تحول في مسار الحكم السوري، من شخصية الرئيس نفسه إلى بنية الدولة ومؤسساتها. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن النظام السوري، رغم هول التحدي، لم ينهار، بل خرج منتصفاً لكنه أكثر قسوة وتشدداً وانغلاقاً، مما غيّر طبيعة الحكم في سوريا بشكل جذري.
يبدأ الفصل بتصوير حالة الحصار التي شعر بها الأسد في تلك الفترة، حيث كان مطوقاً بالأعداء من كل حدب وصوب، داخلياً وخارجياً. يذكر الفصل أن الأسد أثار سخط أميركا بهجماته على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وقطع علاقاته مع العراق، ووقف مع الثورة الإيرانية بعد ظهور آية الله الخميني، وكانت علاقاته مع الملك حسين في أسوأ حالاتها بسبب اتهامات الأسد له بدعم الإخوان المسلمين بالسلاح والتدريب، وهو اتهام اعترف به الملك حسين علناً بعد خمس سنوات. كذلك، اشتبك الأسد مع إسرائيل في لبنان بشكل خطر.
أما عن التحدي الداخلي، فيصف الفصل المقاتلين بأنهم كانوا خصماً مخيفاً وقوياً، يمتلكون ثروة من الأموال الأجنبية، وأجهزة اتصال متطورة، ومخازن سلاح كبيرة، حيث تم الاستيلاء على ما لا يقل عن 16,000 رشاش. ويؤكد المؤلف أن الأدلة كانت دامغة على تواطؤ العراق والأردن والميليشيات المسيحية اللبنانية (المرتبطة بإسرائيل) وحتى الولايات المتحدة، التي اكتشفت المخابرات السورية بحوزة المقاتلين أجهزة اتصال أميركية متطورة لا يمكن بيعها لطرف ثالث إلا بموافقة الحكومة الأميركية. وبذلك، يقدم المؤلف الأدلة التي جعلت الأسد يقتنع بأن الغرب وإسرائيل ومنافسيه العرب متحدون ضده.
مع ذلك، يقرّ الفصل بأن المقاتلين كانوا "سذجاً من الناحية السياسية"، فلم يقدموا أي برنامج منطقي متماسك، مما جعل كفة الرأي العام ترجح ضدهم. ويخلص إلى أن الدولة التي يحكمها حزب مسلح أثبتت قوتها في مواجهة التحدي. ويصف مذبحة حماه بأنها كانت نقطة النهاية، أعقبها شعور بالفرج والارتياح لدى الجانب المنتصر، وظهر الأسد بشكل دراماتيكي في شوارع دمشق في 7 مارس 1982، حاملاً إياه الجماهير على الأكتاف، وخطب خطاباً حاداً أعلن فيه الموت للإخوان المسلمين واتهمهم بأنهم عملاء للمخابرات الأميركية والرجعية والصهيونية.
يبين الفصل كيف أن هذه المواجهة غيرت الأسد شخصياً، حيث تلاشى تفاؤله وحل محله تشكك وقسوة تجاه الأعداء الحقيقيين والمتخيلين. ونتيجة لذلك، اتجه الأسد يساراً داخل سوريا، ففرض قيوداً أشد على التجارة الخاصة وخفض مساحة الأرض التي يحق للأفراد امتلاكها، مما يشير إلى عودة الحرب الطبقية. والأهم من ذلك، تضخمت أجهزة المخابرات وأصبحت أكثر نفوذاً وتغلغلاً في مؤسسات الدولة بما فيها الخدمة الخارجية. ويقر المؤلف بأن النظام الذي أراده الأسد إنسانياً قد اصطبغ بالقسوة، وأن عادات الحكم المطلق التي اكتسبها في صراعه من أجل البقاء أصبحت كالإدمان.
ثم ينتقل الفصل إلى رسم صورة لحكم الأسد في الثمانينات، واصفاً إياه بأنه أصبح أكثر انعزالاً وابتعاداً، وجُلّ من حوله متزلفون ومداهنون. أدى هذا الانعزال إلى تضخيم شخصية الأسد وتقديسها بشكل غير صحي، وهو ما يُعزى أيضاً كأثر من آثار أزمة الإخوان المسلمين. ويصف المؤلف أحمد إسكندر أحمد، وزير الإعلام، بأنه مخترع طقوس عبادة الشخصية، التي تجسدت في الصور والتماثيل مثل تمثاله البرونزي في مدخل مكتبة الأسد الجديدة في دمشق عام 1984.
يصف الفصل أسلوب حكم الأسد من خلال الهاتف، حيث أصبح "صوتاً على الهاتف بلا جسد"، يبدأ الاتصالات دائماً ويتمسك بالسيطرة الكاملة. ويقدم أمثلة على التفاصيل الصغيرة التي كان عليه حسمها بنفسه، مثل قصة طالبَي طب نشأت بينهما مشكلة مع العميد بسبب كتاب. ويشير إلى أن الرئاسة كانت تدار بطريقة قديمة، بدون أرشيف مناسب أو أجهزة كمبيوتر، حتى أن برقية من الرئيس ريغان بمناسبة رمضان عام 1984 ضاعت ووصلت متأخرة عشرة أيام. ويذكر المؤلف تحفظاً مهمًا، وهو أن تغير الأسد نحو الانعزال والقسوة قد يكون ناتجاً عن رد فعل للأحداث وليس بالضرورة تطوراً في شخصيته، تاركاً السؤال مفتوحاً.
أخيراً، يربط الفصل جذور هذا التحول في شخصية الأسد بخيبة أمله الكبرى من عملية السلام مع إسرائيل بوساطة أميركية. يعتبر المؤلف أن تلاعب هنري كيسنجر هو بداية انهيار أمل الأسد. المؤامرات الكبرى في نظره كانت: تخريب إسرائيل لسياسة الرئيس كارتر، وتتويجها بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وفوز مناحيم بيغن، واستيطان الضفة الغربية، وتدمير المفاعل النووي العراقي، وضم الجولان، وغزو لبنان. هذه الأحداث جعلت الأسد يعقد اعتقاداً جازماً بأن إسرائيل عدوانية توسعية وأن أميركا شريك كامل. وبذلك يقدم المؤلف تفسيراً نفسياً وسياسياً: فقد تحول الأسد من رجل حاول استعادة الكرامة العربية في حرب تشرين إلى زعيم مرير ومتشكك، ألقى بنفسه في المعسكر المعادي لأميركا، فعقد اتفاقية تعاون مع بريجنيف في 8 أكتوبر 1980 لمدة عشرين عاماً، وأقام صداقات مع القذافي، وأعاد إحياء جبهة الصمود والتصدي.