
الاقتصاد السياسي لدمشق خلال القرن التاسع عشر
الموضوع المحوري لكتاب "الاقتصاد السياسي لدمشق خلال القرن التاسع عشر" لزهير غزال هو تفكيك البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي حكمت المدينة في تلك الحقبة، وتقديم رؤية بديلة عن "المدينة العربية" في العهد العثماني. يدافع المؤلف عن فكرة أن دمشق لم تكن كياناً متجانساً تحكمه سلطة مركزية واحدة، بل كانت فسيفساء من الجماعات والسلطات المتعددة والمتداخلة، وهو ما شكل عنصر استقرار داخلي لا فوضى، على عكس النموذج الفيبري الذي يرى في هذه التعددية نقصاً جوهرياً. يهدف الكتاب إلى تفسير كيفية تفاعل الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) مع هذه البنى التقليدية، وكيف أن هذه الإصلاحات، رغم خطابها الحداثي، أعادت إنتاج هيمنة طبقة الأعيان وكرستها تحت غطاء مؤسسات جديدة، مما أدى إلى تحولات بطيئة ومعقدة في الاقتصاد السياسي للمدينة.
تسير حجة الكتاب عبر فصوله الثمانية بتسلسل منطقي يبدأ من رسم المشهد العام وينتهي بتحليل الاضطرابات العنيفة. يبدأ الفصل الأول بوصف الوجه العمراني والاجتماعي لدمشق، ويفكك مفهوم "المركز" فيها عبر تقسيمها إلى ثلاثة مراكز للسلطة: المربع المركزي التجاري الديني، والمنطقة العثمانية الإدارية العسكرية، ومنطقة القوى المحلية في الأحياء الجنوبية. يطرح المؤلف هنا فكرة أن تعدد السلطات (الوالي، القاضي، الأشراف، نقابات الحرف، زعماء الأحياء) لم يكن فوضى بل توازناً واستقراراً. ثم ينتقل الفصل الثاني لمناقشة مشكلة الإحصاءات السكانية، فيكشف عن صعوبة الحصول على أرقام دقيقة بسبب تباين منهجيات الإحصاء وأهدافها السياسية والضريبية، موضحاً أن الإحصاءات لم تكن أدوات محايدة بل انعكاساً لممارسات السلطة. يقدم جدولاً يُظهر توزيعاً دينياً مفصلاً لسكان دمشق عام 1847، حيث بلغ إجمالي السكان 92,568 نسمة، منهم 78.58% مسلمون سنة و 13.11% مسيحيون و 4.1% يهود.
يتعمق الفصل الثالث في تحليل مجلس الولاية الذي أُنشئ بعد عودة السيادة العثمانية عام 1840 وفي إطار إصلاحات مرسوم غولخانه. الحجة المحورية هنا هي أن إنشاء المجلس لم يكن نقطة تحول جذرية بقدر ما كان إضفاء طابع مؤسسي جديد على دور وساطة كان يؤديه أعيان المدينة تقليدياً. يكشف الفصل أن أول إجراء للمجلس كان طرد الممثل المسيحي الوحيد منه في مارس 1844، وفرض أعباء ضريبية غير متناسبة على المسيحيين واليهود. يقدم إحصاءات ضريبية تُظهر أن المسلمين، الذين يشكلون حوالي 75% من السكان، دفعوا فقط 60.7% من ضريبة "الإعانة"، بينما دفع المسيحيون (11.5%) واليهود (10.9%) نسباً أعلى بكثير من وزنهم السكاني. هذا يُظهر كيف استُخدم المجلس لتصلب مواقف الأعيان المسلمين ضد الأقليات بدلاً من تحقيق الاندماج الذي وعدت به الإصلاحات.
ينتقل الفصل الرابع إلى تحليل نظام الالتزام الريفي، وهو المحرك الأساسي للاقتصاد. يشرح كيف كانت الدولة العثمانية، بصفتها المالكة لأغلب الأراضي (الميري)، تُفوّض تحصيل ضرائبها إلى طبقة من الملتزمين من أعيان المدن. يقدم جدولاً لالتزام "التعشير" في خمس مقاطعات مجاورة لدمشق عام 1845، يوضح أن تسعة من أصل عشرين ملتزماً ثانوياً كانوا أعضاء في مجلس 1845-1844، وحصلوا على 57.5% من قيمة الالتزام، مما يُظهر هيمنتهم على العملية. يناقش الفصل قانون الأراضي الصادر في نيسان/أبريل 1858، ويخلص إلى أنه لم يُحدث تغييراً جوهرياً، بل هدف إلى فصل "الريع" عن "الضريبة" في مرحلة انتقالية نحو بدايات الخصخصة، مع بقاء نظام الالتزام فعالاً طوال القرن.
يتناول الفصل الخامس نظام الوقف كشكل من أشكال الملكية الخاصة التي تميزت بخصائص فريدة. يجادل المؤلف بأن الوقف، سواء كان خيرياً أو ذرياً، كان أداة رئيسية للأعيان للحفاظ على ثرواتهم وتوزيعها وتوريثها بعيداً عن سيطرة الدولة المباشرة. يناقش ممارستي "الكُدْك" و"المُرصاد" كآليات للتحايل على القوانين التقليدية للتكيف مع المتطلبات الاقتصادية الجديدة. يقدر الفصل أن أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي المبنية أو المزروعة في نهاية القرن التاسع عشر كانت أوقافاً. يقدم مثالاً لشكوى المستأجر درويش إسماعيل أفندي الذي أنفق 7147 قرشاً على ترميم منزل من وقف زوجته، وحصل مقابل ذلك على إيجار طويل الأمد.
الفصل السادس يركز على تنظيم جماعات الحرف، ويبين كيف كانت هذه الجماعات أنظمة متكاملة تعكس البنية الاجتماعية والسياسية للمدينة. يذكر أن منصب شيخ المشايخ كان وراثياً في أسرة العجلاني، المرتبطة بنقابة الأشراف. يقدم الفصل أرقاماً من تقارير قنصلية تظهر ثباتاً في عدد أنوال النسيج في دمشق خلال القرن، حيث بلغ عدد الأنوال حوالي 4000 عام 1840، ثم 17775 نولاً عام 1844، وعاد إلى حوالي 5550 نولاً عام 1875 بعد مذابح 1860. هذا يتحدى فرضية التراجع الخطي للحرف التقليدية، ويظهر صعوداً وهبوطاً بدلاً من انهيار كامل.
الفصل السابع يحلل التطور التجاري لدمشق، ويظهر انتقالها من تجارة "الأصناف الراقية" التقليدية إلى التجارة الجماعية بالبضائع الأوروبية. يذكر أن افتتاح قناة السويس عام 1859 أضعف بشكل كبير الفعالية الاقتصادية لدمشق المرتبطة بقوافل الحجاج، حيث انخفض عدد الحجاج من معدل 10,000 حاج في القرن الثامن عشر. يناقش أزمة ائتمانية حادة في عامي 1858 و1859، حيث أعلن حوالي خمسين حالة إفلاس في شهر واحد، مما دفع التجار الأوروبيين إلى طلب الدفع نقداً فقط. يقدم جداول تفصيلية للصادرات والواردات، ويُظهر عجزاً مزمناً في الميزان التجاري، مع بروز بورجوازية صغيرة جديدة اغتنت بفضل هذه التجارة على هامش الطبقة التقليدية من الأعيان.
أخيراً، يُخصص الفصل الثامن لتحليل فتنين مدنيتين رئيسيتين: فتنة 1851 ومجازر 1860. يقرر المؤلف أن هذه الفتن لم تحمل أي برنامج سياسي واضح، بل كان الهجوم موجهاً ضد كل ما يرمز للسلطة من ضرائب وجنود وولاة. يصف فتنة 1851 التي بدأت في يناير حين ثار الدمشقيون بقيادة الأغوات وزعماء الأحياء ضد ضريبة جديدة، وانتهت بذبح الوالي محمد سليم باشا وتشكيل حكومة محلية مؤقتة. في مجازر 1860، يستند إلى مخطوط شاهد عيان مسلم، ويذكر أن المهاجمين للحي المسيحي كانوا في الأغلب من الفرق العسكرية الجديدة التي تشكلت في إطار التنظيمات، وأنه كان هناك شعور واسع بين المسلمين بأن المسيحيين استفادوا أكثر من اللازم من الإصلاحات. دمرت المجزرة نصف أنوال الحي المسيحي، وقدرت خسائرها بعشرة ملايين قرش.
يقر المؤلف بوضوح بحدود بحثية عديدة طوال الكتاب، فيعترف بصعوبة الحصول على بيانات دقيقة حول التعداد السكاني، حيث أن أول إحصاء منظم لم يتم إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأن الاعتماد على مفهوم "الخانة" هو تقدير غير دقيق. كما يقر بصعوبة تحديد نسب أرباح الملتزمين مقارنة بدخل الدولة، وبأن وثائق التركات لا تكفي وحدها لتحليل العلاقات بين الأعيان والملتزمين. في الفصل الخاص بالوقف، يشير إلى أن الوثائق قد لا تظهر الخسائر الحقيقية للأوقاف بسبب التواطؤ. وفي الفصل الخاص بالعمل، يحذر من أن أرقام التقارير القنصلية يجب فحصها بحذر لعدم تفريقها بين الإنتاج المنزلي والتجاري. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مدى جدية الإصلاحات العثمانية في إلغاء نظام الالتزام، وحول التناقض بين تحسن المكانة السياسية النظرية للأقليات وتدهور أوضاعهم الفعلية.
من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب هي تلك التي تنتقد النموذج الفيبري للمدينة العربية وتقدم بديلاً يرى في التعددية واللامركزية مصدر استقرار. هذه الرؤية، رغم أهميتها، تطرح تساؤلاً حول مدى قابليتها للتعميم، وما إذا كانت "اللامركزية المتناغمة" هي انعكاس لواقع تاريخي فعلي أم قراءة نظرية "متفائلة" تهدف إلى رد الاعتبار للمدن الشرقية. كما أن الجدل حول قانون الأراضي لعام 1858 وتفسيره إما كخطوة نحو الملكية الخاصة أو كأداة لتعزيز الإقطاع يظل مفتوحاً. وأخيراً، فإن العلاقة التي يبنيها المؤلف بين الإصلاحات العثمانية والإقصاء الاقتصادي للأقليات تضع مسؤولية التغيير في البنية الطبقية على عوامل مؤسسية وسياسية داخلية، وليس فقط على قوى السوق العالمية، مما يثير أسئلة حول أولوية هذه العوامل في تشكيل الأحداث.
الأشخاص
الفصول(9)
1.الفصل الأول: الوجه العمراني لدمشق15–48▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل التمهيدي حول تحليل البنية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية لمدينة دمشق خلال العهد العثماني، ويقدم إجابة رئيسية مفادها أن المدينة لم تكن كياناً متجانساً تحكمه سلطة مركزية واحدة، بل كانت فسيفساء من الجماعات والسلطات المتعددة والمتداخلة، وهو ما شكل عنصر استقرار داخلي لا فوضى، رغم ما قد يبدو من تناقض مع النموذج الغربي للمدينة. يسعى المؤلف إلى تفكيك المفاهيم المسبقة عن "المدينة العربية" ويطرح رؤية بديلة تقوم على تعددية الوظائف والانتماءات.
يبدأ الفصل بوصف المدينة كما رسمها المؤرخ ابن طولون (ت 1545م) في بداية العهد العثماني، على أنها تكتل من الجماعات المهنية والدينية (الطوائف) التي يتمتع كل منها باستقلالية وسلطة. ويقدم تصنيفاً تفصيلياً لـ"الأماكن العامة" في دمشق، والتي تشمل المساجد، دور القرآن، دور الحديث، المدارس المصنفة حسب المذاهب السنية الأربعة، المكتبات، الخوانق (للزهاد)، الزوايا (للصوفيين)، ومدافن العائلات الكبرى. ووظيفة هذه التصنيفات هي إظهار أن هذه الأماكن لم تكن مراكز سلطة متصارعة بالضرورة، بل كانت مجالات وظيفية تمارس فيها أنشطة وطقوس محددة تحافظ على تضامن الجماعة.
ينتقل الفصل بعد ذلك لمناقشة رؤية عالم الاجتماع ماكس فيبر، الذي نظر إلى "المدينة العربية" (مستشهداً بمكة في القرن التاسع عشر) على أنها مصابة بـ"نقص" جوهري مقارنة بالمدينة الغربية، وذلك لتركيبها من سلطات متعددة ومتنافسة لا تملك شرعية شاملة، مثل الوالي وقضاة المحاكم والأشراف ونقابات الحرف وزعماء الأحياء. لكن المؤلف يقلب هذه الإشكالية، مقترحاً أن هذا التجزؤ في السلطات كان عنصراً للاستقرار وليس للفوضى، وأن هذه السلطات كانت تتداخل وتتواطأ، كما في حالة إدارة الأوقاف الكبرى حيث كان الأعيان والقضاة يتحالفون لإجراء تحويلات مالية. ويشير إلى أن المجلس الإداري للمدينة الذي أنشئ خلال فترة التنظيمات (منذ حوالي 1840م) حاول فرض أولوية المؤسسة الحديثة على السلطات التقليدية، مما يشير إلى تطور ديناميكيات السلطة مع الزمن.
في مبحث "المدينة والريف"، يتناول الفصل الفروق الجوهرية بينهما، متجاوزاً المقارنات السطحية. ويطرح مفهوم "الاقتصاد السياسي المديني" كما صاغه ماكس فيبر، والذي يفسر العلاقة بين المدينة وريفها على أنها علاقة سيطرة. فالريف يمد المدينة بالمنتجات الزراعية، وسوق المدينة هو السوق الرئيس للمنتجات الحرفية الريفية. لكن السيطرة تتخذ شكلاً أعمق من خلال الريع العقاري؛ فمعظم الأراضي الزراعية ملك للدولة، ويتولى أعضاء المدينة (الأعيان) الالتزام بجباية الضرائب السنوية، مما يجعلهم وسطاء بين الدولة والفلاحين ويتيح لهم تكديس الثروات. كانت سياسة الدولة والأعيان تهدف إلى تخزين الحبوب في الأهراء العامة لإعادة توزيعها وفق احتياجات المدينة، مما يعني أن الفلاحين لم يكونوا يمتلكون الحرية الكاملة في التصرف بمحصولهم أو تصديره.
ينتقل الفصل للإجابة عن سؤال "هل هناك مركز؟" في دمشق. يستند إلى مخطط ليندا شاتكوفسكي الذي يقسم مدينة دمشق في القرن التاسع عشر إلى ثلاثة مراكز رئيسية للسلطة:
- "المربع المركزي" (حوله القلعة وباب الجابية وباب السلام ومسجد الكنيسة)، وهو المركز التجاري والديني، حيث يقع الجامع الأموي، ومعظم خانات المدينة (21 من أصل 28)، ودور الأسر الكبرى للأعيان (19 من أصل 28).
- "المنطقة العثمانية" (شمال غرب القلعة)، وهي المركز الإداري والعسكري، حيث تتركز فرق الجيش النظامي والمباني الحكومية مثل دار الوزارة والسراي وبيت الوالي.
- "منطقة القوى المحلية" (الأحياء الجنوبية والجنوبية الغربية مثل الميدان)، والتي بقيت بمعزل عن العائلات الكبرى والتجارة الكبيرة، وارتبطت تقليدياً بتجارة الحبوب مع ريفها المجاور، خاصة سهول حوران.
يوضح هذا التقسيم أن قوة جماعة الأعيان لم تكن متجانسة، بل تنبع من توتراتها الداخلية وتحالفاتها المختلفة واختيار أحياء السكن.
يتناول الفصل أيضاً ظاهرة العمران والمساكن. ينقل عن الرحالة الأجانب وصفهم لدمشق بأنها "قذرة" وطرقاتها ضيقة ومتعرجة، في مقابل جمال داخلي لدور الأسر الكبرى التي تتميز بباحة داخلية ("ساحة سماوية") وإيوان. ويستند إلى عينة من 300 عقد عقاري تعود لعام 1845-1846م ليكشف أن أكثر من ربع هذه العقود (28%) أُبرمت بين أفراد من نفس العائلة، مما يدل على استراتيجية متعمدة لتجميع الإرث العائلي وإعادة توزيعه لمنع تبعثر الأملاك. ويشير إلى أن المجتمع الدمشقي كان متسامحاً اجتماعياً، حيث لم يكن المجذومون أو المجانين معزولين بشكل صارم، ويعتمد في أمنه على "ميليشيات" الأحياء شبه المستقلة، وغالباً ما يكون أفرادها من الأكراد.
في مبحث "هل يملك القاضي حكماً قاطعاً؟"، يقارن المؤلف بين دور القاضي في المحاكم الدينية التقليدية ودور المجلس الإداري الجديد. يرى أن وظيفة القاضي كانت أقرب إلى كونه "شاهداً متميزاً" يصدق على الوثائق ويوزع التركات، بدلاً من أن يكون صاحب حكم قاطع، وذلك لأن التشريع القانوني العام كان غائباً وكانت الأولوية للمحافظة على التماسك الجماعي. أما خلال فترة التنظيمات، فقد شكل المجلس محكمة تدخلت في العديد من القضايا، وأدخلت إجراءات جزائية جديدة مثل السجن مع الأشغال الشاقة (مثال: الحكم على قاتل بالسجن خمس سنوات)، مما أحدث تغييراً في طبيعة "العرف" الذي كان سائداً قبل ذلك.
أخيراً، يضع الفصل دمشق في سياق "الإمبراطورية العثمانية في اقتصاد عالمي". يناقش نظريتي س. ن. أيزنشتات عن الإمبراطوريات وإيمانويل والرشتاين عن "الإمبراطورية-العالم" التي تندمج في اقتصاد عالمي رأسمالي. ويشير إلى أن الإمبراطورية العثمانية تحولت تدريجياً إلى "دولة محيطية" في هذا الاقتصاد العالمي، يفقد اقتصادها استقلاليته ويصبح مصدراً للمواد الأولية. يذكر المؤلف أن المؤرخين يختلفون حول تاريخ هذا الاندماج، فيرجعه البعض إلى القرن السابع عشر بينما يؤخره آخرون (مثل فرناند بروديل) إلى بداية القرن التاسع عشر. في حالة دمشق، يرى المؤلف أن التغيير الرئيسي في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر لم يكن انهيار الحرف (التي ظلت بنيتها ثابتة رغم الواردات الهائلة من الصناعات الأجنبية)، بل تحول رأس المال التجاري إلى تقديم القروض للفلاحين، مما يعمق علاقة التبعية. ويخلص إلى أن الرأسمالية لم تتقدم في ولاية دمشق إلا في وقت متأخر وببطء شديد خلال القرن التاسع عشر، وبقيت على هامش اقتصاد السوق، لكن التغيرات القانونية والإدارية مهدت لظهور طبقة من المتعهدين المحليين.
يقر المؤلف بصعوبة الحصول على بيانات دقيقة، خاصة فيما يتعلق بالتعداد السكاني، حيث أن أول إحصاء منظم لم يتم إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأن الاعتماد على مفهوم "الخانة" (الذي يترجم عادة بمنزل أو أسرة) هو تقدير غير دقيق يصعب معه استخلاص نتائج موثوقة للقرنين السابع عشر والثامن عشر. كما أن وثائق المحاكم الدينية، رغم ثرائها، ينقصها الدقة في وصف التفاصيل الداخلية للمنازل مما يجعل استقصاء الفروق الطبقية غير مؤكد النتائج.
من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الفصل هي تلك التي تنتقد بحدة النموذج الفيبري للمدينة العربية، وتقدم بديلاً عنه يرى في التعددية واللامركزية مصدر استقرار لا نقصاً. هذه الرؤية، على أهميتها، تطرح تساؤلاً حول مدى قابليتها للتعميم على كل المدن العربية في العهد العثماني، وما إذا كانت هذه "اللامركزية المتناغمة" هي انعكاس لواقع تاريخي فعلي أم أنها قراءة نظرية "متفائلة" تهدف إلى رد الاعتبار للمدن الشرقية في وجه النقد الاستشراقي.
2.الفصل الثاني: سكان دمشق بحسب التقديرات والإحصاءات49–70▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول صعوبة تقدير عدد سكان دمشق خلال القرن التاسع عشر، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن أي رقم متاح هو تقدير تقريبي ومحفوف بالشكوك، نتيجة لتباين منهجيات الإحصاء، واختلاف أهدافها السياسية والضريبية، وغياب مصادر موثوقة ومستمرة. يوضح المؤلف أن الفصل لا يقدم رقماً واحداً محدداً، بل يناقش سلسلة من التقديرات المتضاربة ويكشف عن التحيزات التي أنتجتها.
يبدأ المؤلف بمناقشة مشكلة المصادر في القرنين السادس عشر والتاسع عشر. ففي القرن السادس عشر، يعتمد المؤرخون على سجلات ضريبية عثمانية توزع السكان إلى فئتين: «خانة» (البيت العائلي أو الوحدة الضريبية) و«مجرّد» (الذكر العازب والمعفي من الضريبة). يشير المؤلف إلى غموض هذا التصنيف، ويتساءل عن حجم الأسرة الحقيقي الذي تمثله «الخانة» (هل هو 5 أو 7 أفراد؟) وعن عمر الشاب الذي يصبح «مجرداً». يستشهد بأعمال محمد عدنان بخيت و كمال كاربات و جان-بول باسكوال لتوضيح أن «الخانة» كانت وحدة مالية وليست أسرية بالضرورة. ثم يقدم جدولاً يُظهر تقديراً لسكان دمشق في نهاية القرن السادس عشر (عام 1598) يبلغ 47,775 ساكناً، معتمداً على المضاعف 5 الذي استخدمه الباحث لطفي برقان، مضيفاً 10% للفئات غير المشمولة. ويشير إلى أن حلب شهدت انخفاضاً مماثلاً في عدد السكان خلال الفترة نفسها.
ينتقل الفصل بعدها قفزة زمنية إلى القرن التاسع عشر، حيث ينتقد المصادر المتاحة. المصدر الأول هو تقرير جون بورنج من الفترة المصرية (حوالي 1840)، والذي اعتمد على إحصاءات ضريبة «الفردي». قدر بورنج عدد سكان دمشق بـ 85,185 نسمة بافتراض أن كل دافع ضريبة يمثل أسرة من 5.7 أفراد. لكن المؤلف يرى أن هذا الرقم منخفض جداً، ويقترح استخدام مضاعف 5 مثل برقان، ليصل إلى 113,035 ساكناً. ثم يقدم جدولاً من إحصاءات بودان لعام 1847، والذي يُظهر توزيعاً دينياً مفصلاً لسكان دمشق، حيث بلغ إجمالي السكان 92,568 نسمة، منهم 78.58% مسلمون سنة و 13.11% مسيحيون و 4.1% يهود. يؤكد المؤلف أن أرقام بودان و بورنج متقاربة عند استخدام نفس المضاعف.
لتوضيح توزيع السكان داخل المدينة، يستخدم الفصل جدولاً آخر لضريبة تُدعى «الإعانة» من عام 1844-1845، والتي كانت تجبى حسب محل الإقامة. يُظهر هذا الجدول توزيع الأعباء الضريبية على «الأثمان» (الأقسام الثمانية للمدينة) والمحلات. يلاحظ المؤلف أن النسبة المئوية للضريبة التي دفعها المسيحيون (13.5%) واليهود (2.4%) كانت أعلى بكثير من نسبتهم السكانية، ويتساءل إذا كان هذا يعكس ثراءً أكبر. لكنه يقدم تفسيراً بديلاً وهو أن الأقليات كانت تدفع «الجزية» أيضاً، والتي تحولت لاحقاً إلى «بدل عسكري» بعد إلغائها في 1851.
أخيراً، يعتمد الفصل على إحصاء عثماني حديث نسبياً لأعوام 1881-1882، والذي يعتبره الأكثر اكتمالاً، لكنه يلفت النظر إلى أن أرقامه منخفضة بشكل مريب (حوالي 130,000 نسمة)، ويرجح أن الكثيرين تهربوا من التسجيل خوفاً من التجنيد الإجباري للمسلمين (1872) أو دفع البدل للأقليات. ثم يقدم جدولاً يوثق نمواً سكانياً كبيراً بين عامي 1886 و 1911 من 131,853 إلى 177,417 نسمة. يفسر المؤلف هذه الزيادة الكبيرة بالهجرة القروية الكثيفة إلى دمشق، مما ساهم أيضاً في انخفاض النسبة المئوية للمسيحيين من 15.6% إلى 13.7% خلال الفترة نفسها. يضيف أن هجرة جزء من هذه الأقليات إلى مصر، بفضل الاتفاقات التجارية العثمانية مع بريطانيا وفرنسا، كان عاملاً مساعداً في هذا الانخفاض. وينتهي الفصل برفض تقديرات الباحث كوينيه لعام 1895 التي جعلت المسيحيين يشكلون 27.15% من السكان، معتبراً إياها غير محتملة.
في ختام التحليل، يقر المؤلف بوضوح بحدود هذه الأرقام، مؤكداً أن التركيز لم يكن على الأرقام بحد ذاتها، بل على الطرق التي أنتجتها والتي تعكس ممارسات السلطة السياسية. يلخص التحول من «الخانة» كوحدة ضريبية في القرن السادس عشر إلى الإحصاء الفردي في القرن التاسع عشر، واصفاً هذا التغير بأنه يعكس تحولاً في بنى السلطة والعلاقة بين الدولة ورعاياها. هذه النقطة ذات أهمية نقدية، إذ توضح أن الإحصاءات ليست أدوات محايدة، بل هي انعكاس لأهداف سياسية (ضريبية، عسكرية) وتمثل ممارسة للسلطة على السكان. الحجة القابلة للنقاش هنا هي مدى موثوقية أي من هذه التقديرات، خاصة أن معظمها بني على افتراضات حول حجم الأسرة أو على سجلات هرب منها الكثيرون، مما يترك مساحة كبيرة للشك في أي رقم يُقدم على أنه حقيقة سكانية مطلقة.
3.الفصل الثالث: التمثيل السياسي والاقتصاد الريفي71–106▼ ملخص
يُعالج هذا الفصل من كتاب زهير غزال موضوع التمثيل السياسي والاقتصاد الريفي في دمشق خلال منتصف القرن التاسع عشر، مركزاً على دور مجلس الولاية الذي أُنشئ بعد عودة السيادة العثمانية عام 1840 وفي إطار إصلاحات مرسوم غولخانه لعام 1839. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن إنشاء المجلس لم يكن نقطة تحول جذرية بقدر ما كان إضفاء طابع مؤسسي جديد على دور تقليدي كان يؤديه أعيان المدينة كوسطاء بين السلطة المركزية والسكان المحليين، مما أدى إلى إعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية القائمة، بل وتكريسها تحت غطاء الإصلاح.
يسير الفصل بتسلسل منطقي، فيبدأ بشرح السياق التاريخي لظهور طبقة الأعيان. يوضح المؤلف أن نظام "التمار" لجباية الضرائب بدأ يضعف منذ نهاية القرن السادس عشر، وحل محله نظام "الالتزام" الذي جعل الأعيان المحليين الملتزمين الرئيسيين. هذا الدور الاقتصادي منحهم قوة سياسية، وجعل الدولة، التي كانت تخشى قوتهم المتزايدة، تعتمد عليهم في جباية إيرادات الأراضي. لذلك، حين قرر العثمانيون تشكيل مجالس الولايات في أربعينيات القرن التاسع عشر، كانوا بذلك يمنحون شكلاً سياسياً لدور وساطة كان قائماً بالفعل. يقارن المؤلف مجلس دمشق بديوان الوالي في القرن الثامن عشر، الذي كان هيئة استشارية محدودة النفوذ، ليبين أن المجلس الجديد جاء لتفعيل هذا الدور، وإن كان الهدف الرسمي للإصلاحات هو إضفاء روح "العصر" و"الديمقراطية" على المؤسسات.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تحليل تركيبة أعضاء مجلس دمشق الاثني عشر خلال الفترة 1845-1844، ويكشف عن استمرارية النخب التقليدية. يورد المؤلف أسماء الأعضاء بالتفصيل، موضحاً انتماءاتهم: في الطليعة مفتي دمشق حسين أفندي المرادي ونقيب الأشراف رجب أفندي العجلاني، وهما من كبار العائلات الدينية الحنفية. ثم يأتي ممثلو المذاهب الأخرى كعائلة الغزي للشافعية، بالإضافة إلى قاض حنفي وعلماء وأشراف مثل أحمد أفندي الحسيبي. أما العائلات الإقطاعية الكبيرة غير الدينية فمثلها خليل بك العظم. ويشير المؤلف إلى وجود تاجرين فقط هما صالح آغا المهايني ومصطفى جلبي، مما يؤكد هيمنة إقطاعيي الأراضي على المجلس. يؤكد الفصل أن هذا الاختيار لم يكن عبر الانتخاب، بل عبر الإدارة العثمانية التي أعادت إنتاج التوزيع التقليدي للسلطة.
من أبرز الأدلة التي يسوقها المؤلف لبيان تناقض الإصلاحات هو معالجة المجلس لملف الضرائب والأقليات الدينية. رغم أن مرسوم غولخانه نص على المساواة بين جميع الرعايا، إلا أن أول إجراء للمجلس كان طرد الممثل المسيحي الوحيد منه في مارس 1844، وفرض أعباء ضريبية غير متناسبة على المسيحيين واليهود. يقدم الفصل إحصاءات توضح أن المسلمين، الذين يشكلون حوالي 75% من السكان، لم يكونوا يدفعون إلا %60.7 من ضريبة "الإعانة"، بينما دفع المسيحيون (%11.5) واليهود (%10.9) نسباً أعلى بكثير من وزنهم السكاني (الموضّح بـ %20 و**%5** تقريباً على التوالي). هذه الوقائع تُظهر كيف استعمل الأعيان المسلمون المجلس لتصلب مواقفهم ضد الأقليات، بدلاً من تحقيق الاندماج الذي وعدت به الإصلاحات.
يتناول الفصل بعد ذلك وظيفة المجلس كمحكمة للنظر في القضايا الاقتصادية. يوضح المؤلف أنه إلى جانب المحاكم الشرعية التقليدية، أصبح المجلس هيئة تنظر في شكاوى الفلاحين ضد المغالاة في الضرائب أو الديون، مما منحها طابعاً علنياً لم يكن موجوداً. يقدم ثلاثة أمثلة من محاضر المجلس لتوضيح ذلك: الأولى شكوى فلاحي قرية جب عادين عام 1844 ضد إتاوة إضافية على الشعير، والتي انتهت بإعفائهم بعد أن أثبتوا عدم قدرتهم على الدفع. الثانية نزاع حول توزيع محصول وقف بين ناظر الوقف من عائلة العجلاني وشيخ آخر. الثالثة تتعلق باستبدال "سوباشي" (دائن القرية) في قرية الغزلانية. هذه الأمثلة تظهر أن المجلس كان يتدخل لحماية الفلاحين كجزء من سياسة "مركزة" السلطة، لكنه في الوقت نفسه كان يحافظ على مصالح أعضائه الملتزمين، مما يخلق تناقضاً واضحاً.
في ختام الفصل، يناقش المؤلف مفهومي "التعميم" و"المركزية" كركيزتين للإصلاحات. "التعميم" يعني جعل القوانين والأحكام علنية وشاملة، في محاولة للحد من الممارسات الفردية والتعسفية، وهو ما جسده المجلس بإصدار أحكام حاسمة في القضايا. أما "المركزية" فتُفهم هنا ليس فقط على أنها مركزية في استنبول، بل إنشاء سلطة "مركزية" محلية في كل ولاية عبر دمج الأعيان في مؤسسات رسمية كالمجلس، مما جعلهم عملاء للدولة. يقدم المؤلف مثالاً على ذلك بقرار المجلس بإرسال جيش بقيادة الأمير محمد الحرفوش لقمع تمرد في بعلبك، وهي صلاحية كانت حكراً على الباب العالي سابقاً. لكنه يشير في النهاية إلى أن هذه الإصلاحات كانت في كثير من الأحيان "عديمة الجدوى" على المستوى المحلي، لأنها لم تترافق مع تغييرات اجتماعية جذرية، بل كانت مفروضة من الأعلى.
أخيراً، يقر المؤلف بحدود هذه الدراسة، موضحاً أنه في غياب وثائق مماثلة عن النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يصعب تتبع التطور اللاحق لوظائف المجلس. يشير أيضاً إلى أن الهدف الأسمى للإصلاحات كان تحطيم التقسيمات الإثنية والدينية القديمة، إلا أن الواقع في دمشق أثبت فشلها في تحقيق ذلك، بل على العكس، أبرزت الخلافات بين الطوائف. يترك الفصل تساؤلاً مفتوحاً حول التناقض بين تحسن المكانة السياسية النظرية للأقليات في فترة الإصلاحات وبين تدهور أوضاعهم الفعلية، محيلاً إياه إلى دراسة أوسع.
4.الفصل الرابع: الريع العقاري والالتزام الريفي107–158▼ ملخص
يُشكّل الريع العقاري ونظام الالتزام الريفي المحورَ الأساسي لهذا الفصل، حيث يُبيّن المؤلف كيف كانت الدولة العثمانية، باعتبارها المالكة لأغلب الأراضي (الميري)، تُفوّض تحصيل ضرائبها إلى طبقة من الوسطاء تُعرف باسم "الملتزمين". هؤلاء الملتزمون، الذين كانوا في الغالب من أعيان المدن والقرى، كانوا يشترون حق تحصيل الضرائب سنويًا في مزاد علني، مما جعلهم حلقة الوصل بين الدولة والفلاحين. ويخلص المؤلف إلى أن هذا النظام، رغم محاولات إصلاحه، ظلّ المهيمن على الاقتصاد الريفي طيلة القرن التاسع عشر، وأنه عزّز سيطرة طبقة الأعيان محليًا، حتى وإن ظلّوا تابعين سياسيًا واقتصاديًا للدولة.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك آليات هذا النظام المعقّد. يبدأ بوصف نظام الالتزام قبل الإصلاحات، شارحًا أن الملتزم كان يجمع ثلاثة أنواع من المبالغ: "مال الميري" (العشر) الذي يسلمه كاملاً للدولة، ومبلغ "الالتزام" الذي يدفعه للدولة سنويًا مقابل حقه في التحصيل، والربح الذي كان يحققه لنفسه من خلال فرض ضرائب إضافية على المنتجين أو المضاربة على أسعار الحبوب والعملة. ويستند المؤلف في تحليله إلى وثيقة تركة أحد الملتزمين تعود للفترة المصرية عام 1877م، والتي تقدّر بـ 58,186 قرشًا، وهي ثروة ضخمة قياسًا بمتوسط تركات القرن. تُظهر الوثيقة تفاصيل أصوله التي تضمّنت أدوات زراعية ومواشي، بالإضافة إلى مبالغ محصلة باسم "ضمانات"، وهي عقود دفع مُسبق مع "سماسرة" أو "مرابعين". والمرابعة هنا هي عقد زراعي يحتفظ الفلاح (المرابع) فيه بربع المحصول ويسلّم ثلاثة أرباعه للمالك أو الملتزم.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى الحديث عن ريف دمشق في مواجهة الإصلاحات، مركزًا على مرسوم "غولخانه" عام 1839م الذي ألغى نظام الالتزام رسميًا، لكنه بقي ساري المفعول عمليًا. ويشرح المؤلف التناقض في سياسة الدولة: فهي أرادت تحديث المجتمع ومركزة السلطة، لكنها في الوقت نفسه عزّزت سلطة الأعيان المحليين بإشراكهم في مؤسسات جديدة مثل "المجلس". ويقدّم جدولاً تفصيليًا لالتزام "التعشير" في خمس مقاطعات مجاورة لدمشق عام 1845م (1261هـ) كمثال. يوضح الجدول أن التزام كل مقاطعة كان يُسند إلى "ملتزم رئيس" مقابل مبلغ إجمالي، وهو بدوره يوزّعه على "ملتزمين ثانويين". والأهم أن تسعة من أصل عشرين ملتزمًا ثانويًا كانوا أعضاء في مجلس 1845-1844م، وقد حصلوا على %57.5 من قيمة الالتزام، مما يُظهر الطابع المصطنع للمزاد وهيمنة أعيان المجلس على العملية.
يتعمّق الفصل في تعقيد الاقتصاد الريفي من خلال تقديم فئات اجتماعية إضافية. يُعرّف "السوباشي" على أنه الدائن المحلي الذي كان يدفع سلفًا مبالغ الميري المستحقة على الفلاحين، ويعمل كشخصية هامة في القرية يحميها المجلس. كما يهتم الفصل بشكل خاص بـ "الشدادين"، وهم فئة متميزة من الفلاحين كانوا يتقاضون أجرًا ثابتًا، ويعفون من الالتزامات الإضافية، ويشرفون على عمل الفلاحين الآخرين، وغالبًا ما كانوا مسؤولين عن الأراضي الصعبة الزراعة ("الخراب"). يُشير المؤلف إلى أن اهتمام المجلس بهم يعود إلى تراجع الاقتصاد الريفي خلال فترة الإصلاحات.
يُخصص المؤلف قسمًا مهمًا لقانون الأراضي الصادر في نيسان/أبريل 1858م، ويناقش التفسيرات المختلفة حوله. يرى البعض أنه مهّد للملكية الخاصة، بينما يرى آخرون أنه عزّز الإقطاع. ويوضح المؤلف أن القانون خلط بين مفهومي "الملك" (الملكية الخاصة) و"التصرف" (حق الانتفاع)، فمعظم الأراضي بقيت "ميري" للدولة. وكان الهدف الأساسي للقانون هو زيادة العائدات الضريبية عبر فرض ضريبة جديدة (الفرغي) بقيمة %5 من قيمة الأرض، وإصدار "سند طابو" يثبت حق المالك كدافع ضرائب. ويخلص إلى أن القانون لم يغيّر كثيرًا في جوهر النظام، بل هدف إلى فصل "الريع" عن "الضريبة" في مرحلة انتقالية من سلطة الدولة المطلقة نحو بدايات الخصخصة. ولتأكيد استمرار معاناة الفلاحين، يورد الفصل وثائق حول منع والي دمشق للبيع المسبق للمحاصيل في 1857م، وهو إجراء اعتبره القنصل الفرنسي مخالفًا للمعاهدات التجارية مع أوروبا.
يختتم الفصل بمناقشة الضرائب الجديدة التي فُرضت بعد قانون 1858م، لا سيما ضريبة "الفرغي" التي أصبحت تشكل ثلث مجموع الدخول العقارية، إلى جانب "العُشر" الذي بقي الضريبة الرئيسية. ويقدّم جداول مقارنة لتوزيع الضرائب في دمشق ومقاطعات مثل البقاع وحوران وجيرود في عام 1857م. ويُنهي الفصل بعرض نماذج من وثائق المحكمة التجارية في ثمانينيات القرن التاسع عشر والتي تُظهر أن الإقراض بفائدة أصبح مؤسسيًا بقانون 1860م، بفائدة قانونية قدرها %9 سنويًا، وأن الدائنين كانوا تجارًا وصرّافين يهود، بينما كان معظم المستدينين من الزراع.
يعترف المؤلف صراحةً بعدة حدود بحثية في الفصل. أولها، صعوبة تحديد نسب الأرباح التي كان يجنيها الملتزمون مقارنة بدخل الدولة، بسبب نقص البيانات الإحصائية الدقيقة. ثانيًا، الإشارة إلى أن وثائق التركات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتحليل العلاقات بين الأعيان والملتزمين، وأنها تحتاج إلى مصادر أخرى. كما يترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت الدولة العثمانية جادة حقًا في إلغاء نظام الالتزام أم لا، وحول المعنى الحقيقي للإصلاحات السياسية وأثرها على الاقتصاد، وهل كانت مجرد استجابة لضغوط خارجية أم نابعة من حاجة داخلية.
من النقاط القابلة للنقاش والتي تطرحها المادة، الجدل حول قانون الأراضي لعام 1858م وتفسيره إما كخطوة نحو الملكية الخاصة أو كأداة لتعزيز الإقطاع. كما أن إصرار المؤلف على أن "الالتزام" بقي فعّالاً طوال القرن التاسع عشر بالرغم من محاولات إلغائه، يثير تساؤلاً حول مدى جدية الإصلاحات نفسها. وأخيرًا، تُظهر الوثائق المنشورة في الفصل تناقضًا واضحًا بين الخطاب الإصلاحي الحداثي للدولة وممارساتها الفعلية التي رسخت هيمنة طبقة محددة من الأعيان، مما يترك مجالًا للتأويل حول فعالية التغيير البنيوي في تلك الفترة.
5.الفصل الخامس: الوقف بصفته شكلاً من أشكال الملكية الخاصة159–186▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول نظام الوقف في دمشق خلال القرن التاسع عشر، ويقدمه المؤلف كشكل من أشكال الملكية الخاصة التي تميزت بخصائص فريدة، على الرغم من ارتباطها الوثيق بالشريعة الإسلامية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الوقف، سواء كان خيرياً أو أهلياً (ذرياً)، لم يكن مجرد مؤسسة دينية أو اجتماعية، بل كان لبنة أساسية في الاقتصاد السياسي الدمشقي، حيث شكل أداة رئيسية للأعيان للحفاظ على ثرواتهم وتوزيعها وتوريثها، بعيداً عن سيطرة الدولة المباشرة. يجادل الفصل بأن الوقف مثّل مساحة من الحرية الاقتصادية والاستقلال المالي لطبقة الأعيان، مما جعله هدفاً لإصلاحات الدولة العثمانية التي سعت لإعادة تشكيل علاقاتها مع هذه الفئة بدلاً من القضاء عليها.
يسير الفصل بشكل منطقي ومنظم، حيث يبدأ بتعريف دقيق لنوعي الوقف الرئيسيين. أولاً، الأوقاف الخيرية التي تخصص ممتلكاتها ذات النفع العام كالمساجد والمدارس والمستشفيات، ويضرب المؤلف مثالاً بـ أسعد باشا العظم، والي دمشق بين 1755-1741م، الذي أهدى وقفه لمدرسة والده، ضامناً مجموعة من 31 كتاباً في 187 مجلداً. ثانياً، الأوقاف الأهلية أو الذرية التي أنشئت للحفاظ على إرث العائلة، وتوزع دخولها بحسب وصية الواقف. يوضح المؤلف أن هذه الممارسة سمحت بتوزيع الثروة على أسس تختلف عن قواعد الشريعة الصارمة في المواريث، مثل إمكانية المساواة بين الذكور والإناث، مما أثار جدلاً فقهياً طويلاً. ويشير الفصل إلى أن هذين النوعين غالباً ما يجتمعان، إذ تخصص الأوقاف الأهلية جزءاً من دخلها للأعمال الخيرية.
ينتقل الفصل بعدها لتحليل العلاقة المعقدة بين الوقف والملكية الخاصة العادية (المُلك) والملكية الأميرية (الميري). يرى المؤلف أن الوقف شكل من أشكال الملكية الخاصة لأنه لا يتبع الدولة، لكنه يختلف عنها في نقطتين جوهريتين: أولاً، الوقف لا يمكن التصرف فيه أو بيعه لأنه مخصص لله، ولا يمكن استبداله إلا بشروط محددة وبموافقة القاضي. ثانياً، يجب أن يكون الغرض الخيري هو الدافع الرئيسي لإنشائه. ويلاحظ أن الدولة العثمانية لم تكن تفرق بين المُلك والوقف من حيث الضرائب، بل عاملتهما كفئة واحدة للملكية الخاصة. يشرح المؤلف آلية مهمة للتحايل على هذا النظام، حيث كان العثمانيون يحولون أراضي الميري إلى مُلك بشكل مؤقت ليتمكن ملاكها الجدد من تحويلها إلى أوقاف، وهي ممارسة بدأت منذ القرن السادس عشر.
يتعمق الفصل في دراسة الوقف الريفي، موضحاً كيف كان نظام التزام الأراضي (التمار) يتداخل مع أراضي الأوقاف. يقدم المؤلف مثالاً مفصلاً من وقائع مجلس دمشق بين 1815 و1841م حول شكوى قدمها محمد أمين أفندي العجلاني، ناظر وقف آل العجلاني، ضد الشيخ شهاب بن التل. كانت الأراضي المتنازع عليها في قريتي الجديدة والعرار بوادي بردى تابعة للوقف والتمار معاً. يبين المثال كيف كان يتم توزيع الريع العيني (القمح والشعير) بين الوقف والتمار (أو الميري) على نفس الوحدة الضريبية، مع إضافة عشر دخل الوقف لجانب التمار. يوضح المؤلف أن هذه الممارسة تعود إلى القرن السادس عشر، وأن بقاء مصطلح «تمار» في القرن التاسع عشر يدعم فرضية الوجود المتزامن للميري والوقف في بعض الحالات. مثال آخر على قرية عدادة، التي قُسمت بين وقف الحرمين والميري، يظهر تعدد وظائف أعيان دمشق، حيث كان أحمد أفندي مالكي ناظراً لوقف الحرمين وملتزماً كبيراً في الوقت نفسه. يناقش الفصل أيضاً حالات بيع المحاصيل مسبقاً، حيث كان الفلاحون المدينون يضطرون لبيع محاصيلهم قبل الحصاد بأسعار يفرضها الدائنون من الأعيان، مما يعكس هيمنتهم الاقتصادية.
بالانتقال إلى الوقف المديني، يتناول الفصل تطور إجراءات قضائية على هامش الشريعة لتكييفها مع المتطلبات الاقتصادية الجديدة. وأهم هذه الإجراءات هي ممارستا «الكُدْك» و «المُرصاد». الكُدك هو حق استغلال المحل أو الحانوت الموقوف، ويمكن بيعه أو تأجيره بشكل مستقل عن المبنى نفسه، مما سمح بنوع من التحايل. أما المُرصاد فهو ممارسة أكثر تعقيداً، حيث يسمح للمستأجر بدفع نفقات ترميم العقار الموقوف، وفي المقابل يحصل على حق إيجار طويل الأمد يمكنه توريثه أو التنازل عنه لشخص آخر. يقدم الفصل أمثلة متعددة، منها شكوى المستأجر درويش إسماعيل أفندي الذي أنفق 7147 قرشاً على ترميم منزل من وقف زوجته، وحصل مقابل ذلك على إيجار طويل الأمد. يرى المؤلف أن هذه الممارسات كانت مفيدة للطرفين: المستأجر يحصل على إيجار مستقر، والناظر يتخلص من نفقات الصيانة ويواصل الحصول على الإيجار السنوي. لاحظ الفصل أن الدولة حاولت مراراً إيقاف هذه الممارسات، بإرادات سلطانية في 1631م و1881م، لكنها لم تنجح بشكل كامل بسبب تجذر الوقف في القوانين والتقاليد. ويقدر الفصل أن أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي المبنية أو المزروعة في نهاية القرن التاسع عشر كانت أوقافاً.
يختم الفصل بمناقشة فتاوى الفقهاء، مركزاً على فتاوى حامد العمادي (ت 1725م) و محمد أمين بن عابدين (1084-1875م)، كمرآة تعكس التحديات العملية التي واجهت نظام الوقف. تُظهر الفتاوى الجدل حول صلاحية الوقف، فمن جهة، لا يمكن لشخص أن يوقف أكثر من ثلث ثروته، والباقي يوزع وفق قواعد الميراث العادية. كما أن الوقف الذي ينص على توريثه لشخص ما يُعتبر باطلاً، لأنه وصية لصالح وريث. أما بخصوص أوقاف أهل الذمة (المسيحيين)، فقد أفتى ابن عابدين بأنهم يستطيعون إنشاء أوقاف للفقراء من دينهم، لكنهم لا يستطيعون تخصيص دخولها لصيانة الكنائس أو رجال الدين، أو وهبها للأماكن المقدسة الإسلامية مثل الحرمين. وفي المقابل، إذا أسلم ورثة أحدهم، فإنه يحتفظ بحقه في إدارة الوقف وحصته من دخله. يخلص المؤلف إلى أن جوهر الوقف هو كونه هبة خيرية لله لا يمكن تغييرها، وكل القواعد الأخرى مستنبطة من هذا المبدأ.
في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً متقناً، إلا أن إحدى نقاط القوة فيه قد تكون أيضاً موضع نقاش. اعتماد الفصل على وثائق المحاكم والفتاوى يُظهر بوضوح «ما ينبغي أن يكون»، أي الجانب القانوني والنظري للوقف. ولكن، قد يتساءل القارئ عن مدى انعكاس هذه الوثائق للواقع الاقتصادي الفعلي، وهل كانت هذه الممارسات «الالتفافية» مثل المرصاد والكُدك هي السائدة فعلياً إلى درجة جعلت الوقف أداة مرنة للتكيف أم أنها كانت مجرد حالات استثنائية؟ يقر المؤلف بهذه الإشكالية عندما يشير إلى أن الوثائق قد لا تظهر الخسائر الحقيقية للأوقاف بسبب التواطؤ، مما يترك الباب مفتوحاً لتفسيرات مختلفة حول حجم وتأثير هذه الممارسات على الاقتصاد الدمشقي.
6.الفصل السادس: العمل وميادين تمثيله187–220▼ ملخص
يُشكّل العمل وميادين تمثيله الموضوع المحوري للفصل السادس من كتاب "الاقتصاد السياسي لدمشق خلال القرن التاسع عشر" لزهير غزال. يقدّم الفصل تحليلاً لبنية جماعات الحرف الدمشقية في تلك الفترة، مبيّناً كيف نظّمت هذه الجماعات العمل والإنتاج والضرائب، وكيف تداخلت فيها العوامل الدينية والاجتماعية والسياسية، وكيف أثرت الإصلاحات العثمانية والتجارة مع أوروبا عليها. يخلص الكاتب إلى أن هذه الجماعات لم تكن مجرد وحدات اقتصادية، بل كانت أنظمة متكاملة تعكس البنية الاجتماعية والسياسية للمدينة، وأن تراجعها لم يكن خطياً أو مطلقاً.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتقديم إطار نظري من خلال استعادة تمييز ابن خلدون بين "الرزق" و"الكسب"، وهو تمييز نقله عنه القاسمي (الأب) في مقدمته لـ"قاموس الصناعات الشامية". يوضح المؤلف أن استعادة هذا الخطاب القديم تعكس جموداً في الفكر العلمي الدمشقي آنذاك، حيث كانت الكتابات محصورة في التراجم والفقه. ثم ينتقل لوصف تنظيم جماعات الحرف، التي كانت تُسمى "طائفة"، وهي مجموعة تربطها صلات عائلية ودينية إلى جانب المهنية. يوضح أن وحدات الإنتاج كانت تتجمع في أسواق متجاورة، مما سهل مهمة شيخ الحرفة في الإشراف والتحصيل الضريبي. يذكر المؤلف أن شيخ المشايخ، وهو الرئيس الأعلى للحرفيين، كان منصباً وراثياً في أسرة العجلاني، المرتبطة بنقابة الأشراف، مما يعكس البعد الرمزي والديني لهذه الجماعات. ويورد حادثة وقعت في أعوام 1850 حيث رفض الحرفيون تعيين شيخ جديد من الباب العالي لأنه لم يكن من ذرية الرسول، لكن الإصلاحات العثمانية أضعفت هذه القوة الرمزية بعد ذلك التاريخ.
ينتقل الفصل لتفصيل آليات العمل داخل الجماعة، حيث كان التراتب يعتمد على الأقدمية. يصف طقوس "الشد"، وهي حفلة يتحول فيها المتدرب إلى صانع متخصص، ويشرح أبعادها التأسيسية والتكريسية والدينية. يذكر أن المبتدئ كان لا يتقاضى أجراً لسنوات، ثم يحصل على أجر متدنٍ، بينما يحصل الصناع المهرة على أجر أعلى. ويخلص إلى أن الاختصاص كان دقيقاً لدرجة أن أي تجاوز في حقوق الإنتاج كان يثير نزاعاً، كما في شكوى حسن الصباغ ضد صباغين آخرين لاستخدامهم ألوانه.
بعد ذلك، يُفصّل الفصل نظام الالتزام الضريبي، حيث كانت كل حرفة تُشكل وحدة ضريبية تُسمى "قلم" (جمعها أقلام)، وكانت تؤجر لملتزمين، غالباً ما يكونون شيوخ الحرف. يصف كيف أن نظام "المالكان" (التأجير مدى الحياة) كان شائعاً قبل الإصلاحات، ثم جرى تحويله إلى تأجير سنوي مما زاد الأعباء. يقدم مثالاً لالتزام عبد القادر آغا خطاب، ملتزم أقلام "دق الألاجا" و"دق القطني" و"المنكنة" و"الدمغ" عام 1257هـ/1841م، وكيف اشتكى للـمجلس من عجز في السنة السابقة لسببين: تحول الالتزام من مدى الحياة إلى سنوي، وتأثير الواردات الأوروبية على الإنتاج المحلي. رفض المجلس طلبه بتخفيض السعر. ويبين الفصل أن نفقات صيانة أدوات العمل (مثل حوانيت الدق) أصبحت من مسؤولية الخزانة (الميري) وليس الملتزمين بعد الإصلاحات، كما في وثيقتي شكوى صُناع سوق الدق. يوضح الكاتب أن ملتزمي الأقلام المدينية لم يكونوا من الأعيان، على عكس التزام المقاطعات الريفية، لأن الالتزام المديني كان أكثر تعقيداً ويتطلب معرفة تقنية ومراقبة دائمة. ويُقدم الفصل جدولين مقارنين لأثمان أقلام دمشق بين عامي 1261-1260هـ/1845-1844م و1263-1264هـ/1847-1848م، مستنداً إلى تقرير المستشار الفرنسي بودان، ليرى أن الأسعار بقيت شبه ثابتة أو ارتفعت قليلاً، وأن سنوات 1847-1848 لم تكن مزدهرة.
يُعالج الفصل بعد ذلك تقسيم العمل بحسب الجنس والدين. يذكر أن أعمال النساء كانت تُمارس في المنزل وتُعتبر غير متخصصة، مثل "كبابة الحرير" و"غزالة الصوف". أما تقسيم العمل بين الطوائف الدينية فكان طبق الأصل عن تقسيم الفضاء الاجتماعي للمدينة: كانت الأقلية المسيحية تسيطر على صناعات البناء، واليهود على الصرافة وحرف بدائية أخرى مثل "الخرقي" و"السمكري"، بينما كان المسلمون يهيمنون على معظم الحرف الأخرى. ويُصنّف قاموس الهاشمي المهن إلى "شريفة" (مثل صانع الألاجا والخياط) و"دنيئة" (مثل الدباغ والدلال والحمامي)، وكان المعيار هو نظافة العمل وخلوه من الجهد البدني القذر أو الربح غير المشروع.
ينتقل الفصل لمناقشة أنوال النسيج، ليرد على فرضية تراجع الحرف التقليدية في القرن التاسع عشر بسبب الاندماج في الاقتصاد العالمي. يستشهد بأبحاث أورهان كورموس الذي يرى أن الربط بين الاتفاقيات التجارية والتراجع ليس آلياً، وأن الأرقام القنصلية يجب فحصها بحذر لعدم تفريقها بين الإنتاج المنزلي والتجاري، ولعدم حساب التضخم. يقدم الكاتب أرقاماً من تقارير قنصلية تظهر ثباتاً في عدد الأنوال في دمشق خلال القرن، حيث بلغ عدد الأنوال حوالي 4000 عام 1840، ثم 17775 نولاً عام 1844، وعاد إلى حوالي 5550 نولاً عام 1875 بعد مذابح 1860 التي دمرت نصف أنوال الحي المسيحي. ويخلص إلى أن الوضع لم يكن تراجعاً عاماً بل صعوداً وهبوطاً، كما في تقرير عام 1858 الذي وصف الحرف بأنها مزدهرة.
يُخصص القسم الأخير لتحليل صناعة القطني والألاجا كنموذج لصناعة النسيج الحريرية والقطنية. يصف الفصل مراحل الإنتاج بدءاً من حل الخيوط وتركيب السدى، وحتى النسج، مع ذكر أرقام دقيقة عن الأوزان والأطوال والأجور. على سبيل المثال، يذكر أن ثمن خيوط الحرير الجاهزة للنسج عام 1845 كان 14 قرشاً للرطل، وأن أجر الحل والتركيب والنسج يختلف باختلاف دقة الخيوط وتعقيد الرسوم. يقدم جدولاً يلخص تكاليف إنتاج القطني عام 1849، ويبين أن الأجور كانت متفاوتة داخل المشغل نفسه. ويشير إلى أن فترة أعوام 1855-1857 أثناء حرب القرم كانت فترة تراجع بسبب نقص اليد العاملة وارتفاع الأسعار. وفي محاولة للتحديث، استورد عبد الله بولاد نول جاكار من فرنسا، لكن الأنوال دُمّرت أثناء حريق الحي المسيحي عام 1860.
يحمل الفصل تحفظات واضحة يقرّ بها المؤلف، أهمها صعوبة الحصول على أرقام دقيقة وموثوقة حول حجم الإنتاج والتجارة، مما يجعله يعتمد على التقارير القنصلية مع التحذير من محدوديتها. كما يقرّ بأن وصف "التراجع العام" للحرف يحتاج إلى تمحيص، إذ إن بعض الفروع تراجعت بينما توسعت فروع أخرى. هناك أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية "الجمارك الداخلية" قبل إلغائها، وهو ما يشير إليه كورموس. أخيراً، يمكن القول إن الحجة القابلة للنقاش في الفصل هي التأكيد على استمرارية بنى الحرف وثباتها النسبي في وجه التغيرات الاقتصادية الكبرى، وهو ما يتعارض مع الروايات التي تبالغ في تأثير التبادل التجاري غير المتكافئ وأزمة الحرف العثمانية.
7.الفصل السابع: التجارة221–248▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل التطور التجاري لمدينة دمشق خلال القرن التاسع عشر، مُقدماً إجابة محورية مفادها أن اقتصاد دمشق، رغم كونه اقتصاداً "ما قبل صناعي" يعتمد على تقنيات إنتاج بدائية، أظهر مرونة وقدرة على التكيف مع التحولات الكبرى، وأبرزها انتقال التجارة من نمط "الأصناف الراقية" التقليدي إلى نمط التجارة الجماعية بالبضائع الأوروبية. يبين المؤلف أن هذا التحول، الذي صاحبه تطور طرق النقل وتغير موازين القوى الاقتصادية في بلاد الشام، أدى إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والطبقية في دمشق، مع بروز بورجوازية صغيرة جديدة على هامش الطبقة التقليدية من الأعيان.
يبدأ الفصل بالتمييز بين نموذجين للتجارة. الأول، وهو النموذج السائد لثلاثة قرون، تمثل في تجارة "الأصناف الراقية" أو الكمالية (كالعبيد والتوابل والأقمشة الثمينة) التي كانت لا تؤثر في البنى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع بل كانت تمس فقط شريحة صغيرة من الأرستقراطية. أما النموذج الثاني، فقد ازدادت أهميته تدريجياً بعد الاحتلال المصري (حوالي 1830)، وتمثل في البضائع المستوردة من أوروبا والتي أصبح يستهلكها مجموع السكان، مما أدى إلى تطور الأذواق والعادات. وابتداءً من أعوام 1880، تشكلت بورجوازية صغيرة اغتنت بفضل هذه التجارة الجديدة، على هامش الطبقة التقليدية من الأعيان الملتزمين. يوضح المؤلف أنه لا ينبغي المبالغة في التمييز بين النموذجين، مستشهداً بالمؤرخ فرنان بروديل الذي يرى أن تجارة الأصناف الكمالية ليست ثانوية كما قد يبدو، لأن وجودها في قلب الرأسمالية يجعل لها عواقب تتسرب إلى الحياة اليومية وتؤثر في الأسعار.
يسير الفصل بعد ذلك في تتبع التحولات التي شهدتها طرق التجارة. ففي نهاية القرن الثامن عشر، كانت القوافل تمر بدمشق، حيث كانت تتكون كل منها من حوالي 1000 جمل. لكن هذه الوسائل التقليدية تطورت منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر. ففي عام 1835، كانت البضائع القادمة من الشرق إلى دمشق تقدر بضعف تلك القادمة من ساحل البحر المتوسط. ولكن بحلول عام 1840، تقلص هذا الفارق إلى 75% لصالح الطرق البحرية. يؤكد المؤلف أن افتتاح قناة السويس في 1859 أضعف بشكل كبير الفعالية الاقتصادية لدمشق المرتبطة بقوافل الحجاج، حيث فضّل الحجاج الطرق البحرية على الطرق الصحراوية. كما يشير إلى أن حلب خسرت تأثيرها التجاري في سنوات 1870 بعد أن كانت المدينة التجارية الأولى، وذلك بسبب الزلزال الذي ضربها عام 1854 ومنافسة القطن البنغالي، في حين شهدت بيروت قفزة هائلة وأصبحت "المرفأ النشط لدمشق".
يتناول الفصل بالتفصيل دور "قافلة الحجاج" في الاقتصاد الدمشقي. فمنذ عام 1801، عندما حوّل الباب العالي إمارة الحج إلى ولاة دمشق، أصبح هؤلاء مسؤولين عن تمويل القافلة وقيادتها، مما كان يسبب مشاكل مالية وفراغاً سياسياً أثناء غياب الوالي. كان ينفق على القافلة في المتوسط 160,000 قرش. استفاد التجار من موسم الحج على نطاق واسع، حيث كانوا يحملون بضائعهم لبيعها ويعودون ببضائع أخرى. على سبيل المثال، في حج 1861، بيعت بضائع التجار بربح قدره 70%. يُظهر الفصل أيضاً كيف استخدم أعيان دمشق، وخاصة أعضاء المجلس، امتيازاتهم للإفادة من موسم الحج، مثل شراء الجمال للقافلة أو إدارة القروض اللازمة لتمويلها. مع افتتاح قناة السويس، تراجعت أهمية الحج البري، حيث انخفض عدد الحجاج من معدل 10,000 حاج في القرن الثامن عشر.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة موضوع "منحني الأسعار والأجور" في مجتمع ما قبل صناعي، معترفاً بصعوبة حساب الأجور لأن "دخول العائلات" كانت تسلم عينياً. بالاستناد إلى مقال لمؤرخين أتراك، يذكر أن الأجور الاسمية في الإمبراطورية العثمانية بين عامي 1839 و1913 ارتفعت بمعدل سنوي قدره 1.3%، مما يعطي زيادة 118% للفترة المعنية. لكن الفترة شهدت ثلاثة أوقات عصيبة أدت إلى ارتفاع كبير في الأسعار: أعوام 1854-1856 (تزامناً مع حرب القرم)، وأعوام 1876-1878 (تزامناً مع حرب روسيا)، وبعد 1908 (مع ثورة الشبان الأتراك). يؤكد المؤلف أن هذه النتائج افتراضية لأنها لا تأخذ في الحسبان إلا اليد العاملة المأجورة القليلة الأهمية.
يخصص الفصل مساحة كبيرة لتحليل مشكلة النقد والتضخم. يوضح أن نظام النقد العثماني عانى من صدمات منذ القرن السادس عشر بسبب تدفق المعادن الثمينة من أمريكا وأفريقيا. في القرن التاسع عشر، تكررت مشكلة خفض قيمة العملة بسبب الصادرات الكثيفة من المعادن الثمينة التي استخدمت لتغطية الواردات الفائضة. يذكر أن إجراءات وقائية مثل فرض رسم 3.5% على تصدير سبائك الذهب والفضة في بيروت عام 1840 لم توقف التدفق. أدى ذلك إلى تقلبات كارثية في صرف العملات، حيث عانى الصرف من ارتفاع أو انخفاض بنسبة 10% أو 15%. يقدم المؤلف تفسيراً للتناقض الظاهري بين التضخم السنوي (الذي يقدر بـ 1.2%) وعجز الميزان التجاري، وذلك بالتمييز بين عملات الحساب الذهبية والفضية، والعملات المتداولة يومياً (القروش والبارات) التي كانت قيمتها الاسمية أعلى بكثير من قيمتها الحقيقية، بالإضافة إلى العملة الورقية التي بدأ استخدامها من عام 1879 وفقدت قيمتها بسرعة.
يؤدي هذا التضخم إلى أزمة ائتمانية حادة، كما يصفها القنصل الفرنسي في دمشق، هيكار، في برقيات من عامي 1858 و1859. يذكر أن الحالة التجارية في دمشق كانت "كئيبة" بسبب انتشار الكوليرا وندرة البضائع للتصدير، مما أدى إلى إعلان حوالي خمسين حالة إفلاس في شهر واحد. أصبح التجار الأجانب يجدون صعوبة في تحصيل ديونهم لأن المدينين المحليين كانوا يعلنون إفلاسهم. نتيجة لذلك، توقف التجار الأوروبيون عن إرسال البضائع إلا نقداً. ومع إنشاء محكمة التجارة الدمشقية ووضع قانون التجارة الجديد موضع التنفيذ من عام 1886، أصبح المقرضون محميين بالقانون الذي أسس فوائد القروض بنسبة 12%، ولاحظ المؤلف أن معظم هذه القروض كانت تُقدّم بالعملة الفرنسية (قطعة نابوليون الذهبية)، مما يشير إلى ممارسة نوع من الربا بدلاً من التجارة المباشرة.
يعرض الفصل أرقاماً تقريبية للصادرات والواردات تبدأ من عام 1878، مُظهراً عجزاً مزمناً في الميزان التجاري باستثناء عام 1889 الذي زادت فيه الصادرات بفضل محاصيل القمح والشعير الوفيرة. تشمل الصادرات الرئيسية: الصوف الخام وكانت دمشق تنتج منه 400,000 كغ سنوياً، والفوة (صبغة حمراء) التي كانت تنتج في قرى شمال دمشق بكميات تتراوح بين 200,000 كغ و300,000 كغ، بالإضافة إلى القمح من سهول حوران. يورد الفصل جداول مفصلة لقيم وكميات الصادرات والواردات في عام 1897/1898، ويوضح توزيعها حسب البلدان، حيث كانت بريطانيا العظمى وفرنسا وتركيا من أبرز الشركاء التجاريين. تبرز أهمية الأقمشة الحريرية والقطنية في الصادرات، بينما تشمل الواردات أصنافاً متنوعة من المنسوجات والمواد الأولية والمواد المصنعة.
أخيراً، يناقش الفصل تطور وسائل النقل. يُذكر أن المشروع الهام الوحيد لتحسين الطرق في القرن التاسع عشر كان طريق بيروت - دمشق الذي انتهى في 1 يناير 1859. حصل الكونت ادمون دو بيرتوي على امتياز استغلاله لمدة 50 عاماً من خلال "الشركة العثمانية لطريق بيروت - دمشق". نجحت الشركة في نقل حوالي ثلثي البضائع، وارتفع دخلها الخام وعدد المسافرين. أما سكة حديد دمشق - حوران، فقد بدأت أعمالها في سبتمبر 1891 ودُشنت في يوليو 1895، وأنشأتها شركة بلجيكية بتكلفة 2,000,000 جنيه استرليني. وفي المقابل، واجهت سكة حديد بيروت - دمشق التي دُشنت عام 1896 خسائر سنوية كبيرة، لأن تجار دمشق فضلوا استخدام العربات التي كانت أقل تكلفة وتسمح بالتسليم "من الباب إلى الباب". يُظهر المؤلف أن نجاح الفعالية الاقتصادية في الحفاظ على استقلالها النسبي عن الدولة سمح للرأسمال التجاري بإيجاد منافذ بسهولة، مما أدى إلى ظهور فئة اجتماعية جديدة اغتنت بفضل هذه الأعمال على هامش الفئات المسيطرة التقليدية.
يقرّ المؤلف ضمنياً بحدود التحليل المتعلقة بصعوبة حساب الأجور الحقيقية واعتماد النتائج على تقديرات افتراضية، كما يفتح باب النقاش حول التناقض الظاهري بين التضخم وعجز الميزان التجاري، ويقر بأن هذه مجرد اتجاهات عامة قد تختلف من ولاية لأخرى. من الحجج القابلة للنقاش في النص، العلاقة التي يبنيها المؤلف بين الإصلاحات العثمانية والإقصاء الاقتصادي للأقليات، حيث يرى أن هذه الإصلاحات كان لها تأثير متناقض: فبدلاً من حماية الأقليات، أدت إلى إزاحتها اقتصادياً من قبل الأعيان المسلمين الذين أصبحوا جزءاً من الدولة، مما دفع الأقليات نحو حماية القناصل الأوروبيين. هذه الفرضية تضع مسؤولية التغيير في البنية الطبقية على عوامل مؤسسية وسياسية داخلية، وليس فقط على قوى السوق العالمية.
8.الفصل الثامن: الفتن المدنية249–264▼ ملخص
يُعالج هذا الفصل فتنتين مدنيتين رئيسيتين شهدتهما دمشق خلال القرن التاسع عشر، وهما حدثان يفصل بينهما نحو ثلاثين عاماً من الهدوء النسبي. تهدف المقاربة التي يقدمها المؤلف إلى استكشاف القواسم المشتركة بين هذين الشكلين من الفتن، متجنباً إرجاعهما إلى أسباب اقتصادية خالصة (كفرض ضريبة أو تضخم أسعار)، دون أن يلغي تماماً المتغيرات الاقتصادية. الفصل يقرّ بأن مجازر 1860 حظيت باهتمام كبير من المؤرخين والإخباريين، نظراً لتداعياتها التي بلغت التدخل العسكري الفرنسي في جبل لبنان، بينما بقيت أحداث 1871 شبه مجهولة.
يبدأ الفصل بوصف تفصيلي لفتنة 1871، مستنداً إلى مخطوط وحيد ومجهول المؤلف، يعتقد أنه لعبد الله نوفل، وهو كاتب مسيحي من الروم الأرثوذكس. بدأت هذه الفتنة في يناير 1851 حين ثار الدمشقيون بقيادة الأغوات وزعماء الأحياء بوجه ضريبة جديدة على العقارات فرضها الوالي عبد الرؤوف باشا، ورغم إلغاء الضريبة بسرعة بعد ثلاثة أيام من الاضطرابات، إلا أن الهدوء لم يدم طويلاً. وعند وصول الوالي الجديد محمد سليم باشا في أغسطس 1851، وهو رجل عنيف سبق له أن ذبح آلاف الانكشارية في إسطنبول، حاول إعادة فرض الضريبة وجلب قنصل إنجليزي للمدينة، مما أثار تمرداً شعبياً واسعاً استمر أربعين يوماً، حوصرت خلالها القلعة، وقُصفَت المدينة منها، وانتهى الأمر بذبح الوالي ومساعديه وتشكيل حكومة محلية مؤقتة من الأغوات.
يوضح الفصل أن تنظيم الأحياء (الحارات) كان أساسياً في الفتنة، فقرار المشاركة أو الانسحاب كان يعود للأغوات، وكان إغلاق بوابات الحارة كافياً لعزلها عن القلاقل. ويذكر أن اليهود دعمّوا الأغوات بالمال، بينما بقي المسيحيون على الحياد باستثناء إجبار بعضهم على بناء الحواجز. ويستنتج المؤلف أن هذه الفتنة، مثل فتنة 1860، لم تحمل أي برنامج سياسي واضح، بل كان الهجوم موجهاً ضد كل ما يرمز للسلطة، من ضرائب وجنود وولاة. كما يلاحظ هشاشة الحكم العثماني في دمشق، حيث لم يصدر من الباب العالي رد فعل فعال، ربما بسبب علمه بالغزو المصري الوشيك.
أما مجازر 1860، فيعتمد المؤلف فيها بشكل أساسي على مخطوط محمد أبو السعود الحسيبي، وهو شاهد عيان مسلم كتب بالعامية الدمشقية. ويسرد الفصل الحجج الرئيسية للمخطوط: أولاً، المهاجمون للحي المسيحي كانوا في الأغلب من الفرق العسكرية الجديدة ( مثل العوني والجندرمة) التي شكلها العثمانيون في إطار التنظيمات، والتي كانت تتكون من "أشقياء" المدينة وأكراد حي الصالحية. ثانياً، كان هناك شعور واسع بين المسلمين والأعيان بأن المسيحيين استفادوا أكثر من اللازم من إصلاحات التنظيمات، وأعفوا من ضرائب مثل الجزية والخراج، وتعززت شوكتهم بدعم القناصل الأجانب. ثالثاً، أدى تدفق اللاجئين من جبل لبنان (من الدروز والموارنة) إلى تأجيج النزاع، وبرز تعاون بين الدروز وأكراد الصالحية.
يختم الفصل بذكر تداعيات مجزرة 1860 التي جلبت تدخلاً عثمانياً تمثل بوصول فؤاد باشا ومجلس تحقيقي، مما أدى إلى خسائر جسيمة للمسيحيين (حرق ونهب المنازل والصناعات، قدرت خسائرها بعشرة ملايين قرش) وإضعاف كبير للأعيان المسلمين الذين صودرت أملاكهم أو نفوا، بينما نجا آخرون مثل الأمير عبد القادر الجزائري الذي حمى مسيحيين. كما يوجه الفصل نقداً صريحاً من خلال مخطوط الحسيبي للتنظيمات ونظام الالتزام وجباية الميري.
9.الهوامش280–314▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل، المخصّص للهوامش، الجزء الختامي من كتاب «الاقتصاد السياسي لدمشق خلال القرن التاسع عشر» لزهير غزال، ويضمّ قائمةً ضخمة ومفصّلة من المراجع والمصادر التي اعتمد عليها المؤلف في كتابته. لا يقدّم الفصل حججاً جديدة أو تحليلات إضافية، بل هو بمثابة سجلّ أمين للمواد البحثية التي يستند إليها متن الكتاب، مما يُتيح للقارئ والباحث تتبّع مصادر المعلومات الواردة في الفصول السابقة والتحقّق منها.
يسير ترتيب الهوامش وفقاً لتسلسل فصول الكتاب. يبدأ بقسم الهوامش الخاص بالفصل الأول، ثم الثاني، وهكذا حتى الفصل الثامن. تُظهر القائمة تنوّعاً كبيراً في المصادر، وتشمل بشكل أساسي وثائق المحاكم الشرعية في دمشق، وهي المصدر الرئيسي والأكثر تكراراً. وتأتي هذه الوثائق مُرقّمة بأرقام خاصة تُشير إلى السجلات والصفحات، مثل: (365/2/3/6) و (248/154/344/8) و (268/16/20/7)، مما يعكس حجم الاعتماد على هذا النوع من الأرشيف في تتبع التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لدمشق. إلى جانب وثائق المحاكم، تظهر بشكل متكرر الوثائق القنصلية، ولا سيما الفرنسية منها، والتي يعود تاريخها إلى سنوات مثل 1844 و1845، وهي توفر منظوراً آخر للأحداث من خلال تقارير القناصل الأجانب. كما تتضمن القائمة العديد من المخطوطات والكتب التاريخية، منها مؤلفات محمد بن طولون، ومحمد جميل الشطي، وعبد القادر المغربي، بالإضافة إلى كتابات مؤرخين معاصرين مثل عبد الكريم رافق وفيليب خوري.
تُظهر الهوامش أيضاً اعتماد المؤلف على مصادر أجنبية، لا سيما باللغة الفرنسية. نجد إشارات إلى مؤلفين غربيين مثل لويس ماسينيون وجاك بيك، وأبحاث تناولت تطور مدن إسلامية أخرى مثل القاهرة، مما يدل على مقارنة المؤلف بين حالة دمشق ونظيراتها الإقليمية. تغطي المراجع موضوعات متعددة تشمل: الأوضاع الديموغرافية، التقسيمات الإدارية، الحياة الاقتصادية (الزراعة، التجارة، الأوقاف)، الهيكل الاجتماعي (الأعيان، العسكر، الحرفيون)، والأحداث السياسية مثل الفتن المدينية وأحداث عام 1845. هذا التنوع يخدم الأطروحة الأساسية للكتاب في تحليل التداخلات المعقدة بين هذه المجالات.
يقرّ المؤلف ضمنياً، من خلال طبيعة المصادر المذكورة، ببعض الحدود والتحفظات. الاعتماد الكثيف على وثائق المحاكم الشرعية قد يعطي وزناً للرؤية القانونية والرسمية للأحداث على حساب الأصوات الشعبية غير الموثّقة. في المقابل، فإن إدراج مخطوطات تاريخية مثل مذكرات تاريخية عن حملة إبراهيم باشا على سورية ومؤلفات مؤرخين محليين مثل الحصني، يُحاول تقديم وجهة نظر محلية توازن المصادر الأجنبية والرسمية. كما أن الإشارة المتكررة إلى الحاجة لإجراء «دراسة منهجية» حول بعض الظواهر، مثل إحصاءات السكان في العهد العثماني، تكشف عن وعي المؤلف بوجود فجوات في المعرفة التاريخية أو معلومات تحتاج إلى مزيد من التدقيق والتحليل، تاركاً هذه الأسئلة مفتوحة للبحث المستقبلي.
من خلال استعراض هذا الكم الهائل من المراجع، يمكن للقارئ أن يلمح إحدى الحجج القابلة للنقاش والتي يقترحها المؤلف في المتن. فالإشارة المتكررة إلى صراعات النفوذ بين الأعيان والسلطات العثمانية، ودور محاكم التجارة المشكلة من أعضاء محليين وأجانب، تدفع نحو فكرة أن التغيير الاقتصادي في دمشق لم يكن مجرد عملية استيراد للإصلاحات العثمانية، بل كان نتاجاً لتفاعل معقّد وصراع بين القوى المحلية في المدينة نفسها. الهوامش هنا لا تدعم فقط هذه الفكرة، بل تُظهر أيضاً أن مصادر هذه القوى متنوعة: فهناك المصادر التي تبرز دور الأعيان في المحاكم الشرعية، وهناك أخرى تُظهر النفوذ الأوروبي من خلال القناصل والسجلات التجارية. هذا التنوع في المصادر يُثري الحجة ويُعقّدها في آن واحد، مما يدعو القارئ إلى فحص النص الأصلي بعناية لفهم كيف صاغ المؤلف استنتاجاته من هذه المواد الخام.