
التكامل القاتل
يتمحور كتاب "التكامل القاتل" ليوسف فخر الدين وهمام الخطيب حول الدور الذي لعبته الفصائل الفلسطينية الموالية للنظام السوري، وعلى رأسها "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل، في الحرب السورية. الإجابة المحورية التي يدافع عنها المؤلفان هي أن هذه الفصائل لم تكن مجرد حلفاء للنظام، بل تحولت إلى أدوات وأجهزة أمنية وعسكرية في خدمة سلطة بشار الأسد، شاركت في قمع الاحتجاجات السلمية الأولى، ثم في المعارك إلى جانب القوات النظامية، وأخيراً في تدمير المخيمات الفلسطينية نفسها. ويصف الكتاب هذه العلاقة بأنها "تكامل قاتل"، حيث استفاد التنظيم من هذه العلاقة لتعزيز شرعيته المتهاوية داخل الوسط الفلسطيني، بينما استخدمه النظام كورقة ضغط وزجّ الفلسطينيين في نزاع ليس لهم فيه مصلحة.
يسير الكتاب في حجته من خلال تتبع تسلسل زمني دقيق، يبدأ ببطاقة تعريف للتنظيم منذ تأسيسه في 10 تشرين الأول/أكتوبر 1968 على يد أحمد جبريل بعد انشقاقه عن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وعلاقته "المتينة" مع النظام السوري التي تجذرت عبر مشاركته في تدخل النظام في لبنان عام 1976، ودعمه للانشقاق في "حركة فتح" عام 1983، وصولاً إلى تأسيس "جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني" الموالية لدمشق في 25 آذار/مارس 1985. من ثم ينتقل الكتاب إلى مرحلة الثورة السورية، موثقاً كيف تحول التنظيم من كونه فصيلاً فلسطينياً إلى جهاز في خدمة استراتيجية النظام، عبر سياسة وصفها بـ"الاستيعاب والتوريط التدريجي". هذه السياسة تجسدت في مشاركة التنظيم في قمع المظاهرات السلمية في "مخيم اليرموك" و**"الحجر الأسود"** في نيسان/أبريل 2011، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
يوثق الكتاب حدثاً مفصلياً هو "انتفاضة مخيم اليرموك" في 6 حزيران/يونيو 2011، والتي انطلقت أثناء تشييع شهداء مسيرة العودة، واصفاً إياها بأنها "انفجار لتحولات صامتة" كشفت عن رفض أبناء المخيم لزجهم في الصراع. ويصف كيف ردّت قيادة التنظيم، بقيادة أحمد جبريل، على هذه الانتفاضة بإطلاق النار على المتظاهرين، مما أسفر عن سقوط ما بين تسعة وعشرة ضحايا، وجرح أكثر من خمسة وعشرين شخصاً. وقد أدانت هذه الأحداث شخصيات وهيئات فلسطينية بارزة، منها "منظمة التحرير الفلسطينية" وياسر عبد ربه، وصولاً إلى بيانات من قادة محليين داخل التنظيم نفسه مثل شوكت حماد الذي انتقد مواقف جبريل ووصفها بأنها "قرارات منفردة".
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، ما أعلنه طلال ناجي، الرجل الثاني في التنظيم، في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2018 من أن عدد قتلى مقاتلي التنظيم بلغ 420 قتيلاً و800 جريح منذ بداية الاحتجاجات عام 2011. كما يورد الكتاب إحصائية من "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية" تفيد بأن عدد القتلى الفلسطينيين على يد النظام السوري منذ آذار/مارس 2011 وحتى آذار/مارس 2019 بلغ نحو 3.920 لاجئاً، وعدد المعتقلين الفلسطينيين بلغ 1.732 معتقلاً بينهم 108 معتقلين في أفرع المخابرات التابعة للنظام. وفي سياق متصل، يوثق الكتاب تفاصيل حصار مخيم اليرموك الذي بدأ بقصف في 16 تموز/يوليو 2012، ثم حصار محكم بدأ في 17 تموز/يوليو من السنة نفسها، وأطبق الحصار الكامل في 18 تموز/يوليو 2013، واستمر حتى أيار/مايو 2018.
يكرس الكتاب فصولاً مطولة لتحليل ميليشيا "لواء القدس" التي تأسست في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2013 في مخيم النيرب بحلب بقيادة محمد السعيد، بدعم من المخابرات الجوية السورية. ويصفها بأنها لم تكن نتاجاً لضرورة عسكرية فحسب، بل مشروعاً ممنهجاً لتفكيك المجتمع الفلسطيني وتحويل بعض أبنائه إلى وقود للحرب، عبر شبكات من الفساد والبلطجة. ويوثق الكتاب تفاصيل دقيقة عن الانتهاكات التي ارتكبتها هذه الميليشيا: تجنيد الأطفال حيث أعلن اللواء في نيسان/أبريل 2015 عن دورة عسكرية لمن هم فوق الـ 15 عاماً، وعمليات الاختطاف وطلب الفدية، والسطو على ممتلكات المدنيين والنازحين، وسرقة الخردة المعدنية في ظاهرة "التعفيش"، وتهريب الأشخاص إلى تركيا مقابل مبالغ تتراوح بين 150 و250 ألف ليرة سورية للشخص الواحد.
يصل الكتاب إلى ذروته في سرد قصة سامر رافع، قائد عمليات اللواء السابق، المعروف بتجارة المخدرات وتهريب الأموال إلى الإمارات، واعتقاله في حزيران/يونيو 2018، ليكشف عن التناقض في موقف النظام الذي يعتقل الفاسدين من جهة، ويبني هرم سلطته عليهم من جهة أخرى. ويخلص الفصل إلى أن "لواء القدس" هو نتاج "آباء كثر"، أي تحالف بين النظام السوري، وإيران، وفصائل فلسطينية موالية (كتنظيم "القيادة العامة")، والمخابرات الجوية، لتشكيل ميليشيا تقوم بأعمال لا تستطيع الفصائل التقليدية القيام بها علناً. ويوثق الكتاب خسائر فادحة للواء، منها مقتل 46 عنصراً في هجوم للمعارضة على منطقة "الزهراء" في أيار/مايو 2016، ومقتل القائد العسكري محمد رافع الملقّب "العرّاب" في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، ومقتل 28 عنصراً في هجوم لتنظيم "داعش" على منطقة "خناصر" في شباط/فبراير 2017.
يقر المؤلفان بوجود حدود وتحفظات مهمة في تحليلهما، معترفين بأن سياسة التنظيم لم تكن منسجمة أو ذات اتجاه واحد. فقد أظهر الكتاب وجود انقسامات داخلية، حيث عارض بعض القادة مثل شوكت حماد توجّه أمينهم العام، وقدم ستة أعضاء استقالتهم من اللجنة المركزية احتجاجاً. كما أشار إلى أن بعض قادة التنظيم الميدانيين في مخيم اليرموك عقدوا اتفاقات محلية مع مجموعات المعارضة السورية لحماية المخيم، متجاهلين أوامر القيادة العليا بالقتال. ويعترف الكتاب أيضاً بأن الموقف الشعبي في المخيمات لم يكن موحداً، بل كان هناك تيار حيادي قوي، وأن الكثيرين رفضوا توريطهم في الحرب، مما أدى إلى نزوح عائلات بأكملها خوفاً من بطش النظام أو المعارضة.
يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها تصويره لـ"القيادة العامة" ليس كفصيل مقاومة، بل كـ"جهاز" استخباراتي وأمني تابع للنظام السوري بشكل كامل. يمكن مناقشة مدى تعميم هذه الرؤية على جميع فصائل "الموالاة" الفلسطينية في سورية، وهل كانت "القيادة العامة" حالة فريدة أم نموذجاً يمثل غيرها من الفصائل الصغيرة. كما أن تركيز الكتاب على دور طلال ناجي كعقلية مدبّرة لسياسة "الاستيعاب" مقابل دور أحمد جبريل باعتباره الوجه الصدامي، يفتح مجالاً للنقاش حول طبيعة القيادة المزدوجة داخل التنظيم وتأثيرها على تنفيذ السياسات. هذه النقاط لا تنتقص من قيمة الوثائق والشهادات التي يقدمها الكتاب، بل تفتح الباب أمام قراءات أكثر تعقيداً لدور الفلسطينيين في الحرب السورية. بناءً على المادة المقدمة، يمكن القول إن الكتاب يقدم توثيقاً تفصيلياً لمأساة المجتمع الفلسطيني في سورية، حيث وجد نفسه عالقاً بين مطرقة النظام وسندان فصيل موالٍ له، مما جعل المخيمات ساحة للصراع وضحايا لسياسة التوريط والتدمير المنهجي.
الفصول(9)
1."الوجهة الشعبية – القيادة العامة" وسياسة "الاستيعاب والتوريط التدريجي"9–62▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل الدور السياسي والعسكري لتنظيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة" في الحرب السورية، ويُقدّم إجابة واضحة عن الكيفية التي حوّلت بها قيادة التنظيم نفسها إلى أداة في خدمة النظام السوري، عبر سياسة وُصفت بـ"الاستيعاب والتوريط التدريجي". يرى المؤلفان أن هذه السياسة لم تقتصر على مجرد الدعم السياسي، بل تجسّدت في مشاركة التنظيم الفعلية في قمع الاحتجاجات السلمية الأولى، ثم في المعارك العسكرية إلى جانب قوات النظام، وأخيرًا في المساهمة المباشرة في تدمير المخيمات الفلسطينية، وخصوصًا "مخيم اليرموك" في دمشق. يُظهر الفصل كيف أن "القيادة العامة" قدّمت نفسها كحليف استراتيجي للنظام، ليس فقط لتأمين بقائها، بل لاستثمار هذه العلاقة في تعزيز شرعيتها المتهاوية داخل الوسط الفلسطيني.
يسير الفصل في بنائه على خطوات مترابطة ومتسلسلة زمنياً تبدأ بتعريف التنظيم ونشأته، ثم تنتقل إلى رصد سياساته الميدانية والخطابية خلال الحرب. في البداية، يقدّم الفصل "بطاقة تعريف" للتنظيم، مشيراً إلى تأسيسه الأول باسم "جبهة التحرير الفلسطينية" في 1 نيسان/أبريل 1965، ثم انشقاق أحمد جبريل عن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في 10 تشرين الأول/أكتوبر 1968 ليؤسس تنظيمه الخاص بعلاقة "متينة" مع النظام السوري. يوضّح الفصل أن هذه العلاقة قديمة وتجذّرت عبر مشاركة التنظيم في تدخل النظام السوري في لبنان عام 1976، ودعمه للانشقاق في "حركة فتح" عام 1983، ومشاركته في حصار "منظمة التحرير" في طرابلس اللبنانية عام 1983، وصولاً إلى تأسيس "جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني" الموالية لدمشق في 25 آذار/مارس 1985.
بعد هذا التقديم التاريخي، ينتقل الفصل بالتفصيل إلى مرحلة الثورة السورية، موثقاً كيفية تحوّل التنظيم من كونه فصيلاً فلسطينياً إلى "جهاز" في خدمة إستراتيجية النظام. من أبرز الأمثلة التي يوردها الفصل هي مشاركة التنظيم في قمع المظاهرات السلمية في "مخيم اليرموك" و**"الحجر الأسود"** في نيسان/أبريل 2011، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. يصف الفصل "انتفاضة اليرموك" التي انطلقت في 6 حزيران/يونيو 2011 كرد فعل شعبي فلسطيني على هذه السياسة، حيث خرج المتظاهرون برفضهم لزج المخيم في الصراع وهتفوا "فلسطيني وسوري واحد". ويُظهر الفصل كيف ردّت قيادة التنظيم، بقيادة أحمد جبريل، على هذه الانتفاضة بإطلاق النار على المتظاهرين، مما أسفر عن سقوط ما بين تسعة وعشرة ضحايا، وجرح أكثر من خمسة وعشرين شخصاً. وقد أدانت هذه الأحداث شخصيات وهيئات فلسطينية بارزة، منها "منظمة التحرير الفلسطينية" وياسر عبد ربه، وصولاً إلى بيانات من قادة محليين داخل التنظيم نفسه مثل شوكت حماد الذي انتقد مواقف جبريل ووصفها بأنها "قرارات منفردة".
لم تقتصر مشاركة التنظيم على قمع التظاهرات، بل امتدت إلى المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية إلى جانب النظام. يُوثّق الفصل إنشاء "لجان شعبية" مسلحة داخل المخيمات، كما حدث في "مخيم اليرموك"، والتي تحوّلت لاحقاً إلى مليشيات قاتلت إلى جانب قوات النظام، خصوصاً في محيط العاصمة دمشق. كما يسلّط الفصل الضوء على إنشاء "لواء القدس" أواخر عام 2013، وهو مليشيا ضمّت فلسطينيين وغير فلسطينيين، واشتركت بشكل فاعل في الحرب. ويكشف الفصل عن أرقام مأساوية، مثل ما أعلنه طلال ناجي، الرجل الثاني في التنظيم، في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2018 من أن عدد قتلى مقاتلي التنظيم بلغ 420 قتيلاً و800 جريح منذ بداية الاحتجاجات عام 2011. كما يورد الفصل إحصائية من "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية" تفيد بأن عدد القتلى الفلسطينيين على يد النظام السوري منذ آذار/مارس 2011 وحتى آذار/مارس 2019 بلغ نحو 3.920 لاجئاً، وعدد المعتقلين الفلسطينيين بلغ 1.732 معتقلاً.
يقرّ الفصل بوجود حدود وتحفظات مهمة في التحليل، معترفاً بأن سياسة التنظيم لم تكن منسجمة أو ذات اتجاه واحد. فقد أظهر الفصل وجود انقسامات داخلية، حيث عارض بعض القادة مثل شوكت حماد توجّه أمينهم العام، وقدم ستة أعضاء استقالتهم من اللجنة المركزية احتجاجاً. كما أشار إلى أن بعض قادة التنظيم الميدانيين في مخيم اليرموك عقدوا اتفاقات محلية مع مجموعات المعارضة السورية لحماية المخيم، متجاهلين أوامر القيادة العليا بالقتال. ويوضح الفصل أن فشل خطة زج المخيمات في الحرب كان واضحاً في "انتفاضة اليرموك"، مما دفع النظام إلى تغيير تكتيكه من محاولة استمالة الفلسطينيين إلى تدمير المخيم بالقصف الجوي، كما حدث في 16 كانون الأول/ديسمبر 2012 بصواريخ طائرات "الميغ". هذا الاعتراف بالانقسامات والتعقيدات يُظهر أن الفصل لا يقدّم صورة ثنائية مبسّطة، بل يركّز على تناقض السياسة الرسمية للتنظيم مع إرادة جزء كبير من قواعده الشعبية.
ختاماً، يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش، أبرزها تصويره لـ"القيادة العامة" ليس كفصيل مقاومة، بل كـ"جهاز" استخباراتي وأمني تابع للنظام السوري بشكل كامل. يمكن مناقشة مدى تعميم هذه الرؤية على جميع فصائل "الموالاة" الفلسطينية في سورية، وهل كانت "القيادة العامة" حالة فريدة أم نموذجاً يمثل غيرها من الفصائل الصغيرة. كما أن تركيز الفصل على دور طلال ناجي كعقلية مدبّرة لسياسة "الاستيعاب" مقابل دور أحمد جبريل باعتباره الوجه الصدامي، يفتح مجالاً للنقاش حول طبيعة القيادة المزدوجة داخل التنظيم وتأثيرها على تنفيذ السياسات. هذه النقاط لا تنتقص من قيمة الوثائق والشهادات التي يقدّمها الفصل، بل تفتح الباب أمام قراءات أكثر تعقيداً لدور الفلسطينيين في الحرب السورية.
2.الظروف المحيطة14–20▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على الظروف المحيطة باللاجئين الفلسطينيين في سورية مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وكيف تحوّل هؤلاء اللاجئون من موقع الحياد إلى ضحايا للصراع الدائر. الإجابة المحورية التي يقدّمها المؤلفان هي أن الفلسطينيين في سورية وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة النظام السوري الذي قمعهم وسانده، وسندان فصيل فلسطيني هو "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل، الذي انحاز بوضوح للنظام وشارك في قمع الثورة، مما جرّ المجتمع الفلسطيني إلى أتون الحرب وسحب منه خيار الحياد.
يسير الفصل بتسلسل زمني تقريباً، مستعرضاً الأدلة عبر شهادات وبيانات وإحصاءات. يبدأ بذكر مشاركة "القيادة العامة" في قمع المظاهرات وحصار مخيم اليرموك في تموز/ يوليو 2013، ثم ينقل إلى إحصاءات الضحايا: في الأشهر الأولى للثورة حتى نهاية 2011 سقط أكثر من 40 ضحية فلسطينية، وارتفع العدد إلى 645 نهاية 2012، وبلغ نحو 1456 ضحية في منتصف أيلول/ سبتمبر 2013، بينهم 160 امرأة و114 طفلاً. هذه الأرقام توثق حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالمجتمع الفلسطيني.
يتناول الفصل بالتفصيل حدثاً مفصلياً هو "انتفاضة مخيم اليرموك" في 6 حزيران/ يونيو 2011، والتي انطلقت أثناء تشييع شهداء مسيرة العودة. كانت هذه الانتفاضة تعبيراً عن رفض أبناء المخيم لاستخدام النظام للدم الفلسطيني لتغطية "الدم السوري الذي يسفكه"، وكشفت عن ولاء الأغلبية للثورة السورية، عبر شعار "فلسطيني وسوري واحد". يصف الفصل هذه الانتفاضة بأنها "انفجار لتحولات صامتة" تكشفت عن صراع بين ثلاثة تناقضات رئيسية: بين الحالة السياسية الفلسطينية التابعة للنظام، والمجتمع الفلسطيني الطامح للحرية؛ تعطيل المشاركة السياسية، وحجز التطور السياسي، ورهن الناس لمصالح السلطة الحاكمة.
يقدّم الفصل مثالاً دامغاً على دور "القيادة العامة" في قمع المتظاهرين، حين أطلق أحمد جبريل وحراسه النار على المتظاهرين المتجهين إلى مقر "الخالصة" في المخيم، مما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا تراوح بين 9 و10 شهداء، وأكثر من 25 جريحاً. ويشير الفصل إلى محاولة التنظيم التكتم على أسماء الضحايا بالتعاون مع "فرع الهلال الأحمر الفلسطيني". ويورد الفصل أيضاً حادثة سابقة في مدينة "الحجر الأسود" في 22 نيسان/ أبريل 2011، حيث كادت الأمور تؤدي لكارثة لولا تدخل الشيخ عدنان إبراهيم، الذي خطب في المشيعين مؤكداً أن القتلى سقطوا برصاص أجهزة الأمن، ونافياً شائعات مشاركة "حماس"، ومطالباً بالتمييز بين "تنظيم القيادة العامة" والشعب الفلسطيني. هذه الأمثلة توضح وظيفتها في المنطق العام: إظهار الفصيل المسلح كأداة في يد النظام لقمع المدنيين الفلسطينيين، وإظهار مقاومة الأهالي لهذا الدور.
في مقابل ذلك، يعرض الفصل المواقف الرسمية الفلسطينية المعارضة. فقيادة منظمة التحرير الفلسطينية أدانت بأشد العبارات استهداف المتظاهرين، ووصفته ب"العمل الإجرامي الجبان"، بينما أدان سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، انحياز أحمد جبريل للنظام. ونقل الفصل تصريحاً لـياسر عبد ربه وصف فيه قصف مخيم الرمل في اللاذقية بأنه "جريمة ضد الإنسانية". كما أورد الفصل بيانات من الأونروا التي أعربت عن قلقها البالغ من إطلاق النار داخل المخيمات. هذه المواقف تمثل محاولة للحفاظ على حياد الفلسطينيين وعدم زجهم في الصراع.
أما موقف اللجان الأهلية في مخيم اليرموك، فقد ظهر جلياً في بيان بتاريخ 21 تموز/ يوليو 2012، رفضت فيه تسليح الشباب من قبل "القيادة العامة"، واتهمت أحمد جبريل بتبرير حملة عسكرية محتملة ضد المخيم، وأكدت أن أي هجوم سيواجه بمقاومة شعبية. هذا البيان يُظهر الانقسام الحاد بين الفصيل المسلح وسكان المخيم الرافضين للتجييش.
يعترف الفصل ضمنياً بحدود ما يطرحه، إذ يترك أسئلة مفتوحة حول مصير المجتمع الفلسطيني المحاصر بين قوى متناقضة، وكيف يمكن للاجئين الاحتفاظ بهويتهم وحيادهم في خضم حرب أهلية. كما أن الحجج المقدمة قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بتقييم دور "القيادة العامة"، حيث يعرض الفصل أدلة قوية على انحيازها للنظام وتورطها في قتل المتظاهرين، مقابل موقف منظمة التحرير الرافض لهذا الدور. كذلك، يمكن الجدل حول مدى نجاح اللجان الأهلية في حماية المخيم أو فشلها. في الختام، يمكن القول إن الفصل يرسم صورة قاتمة لحالة الفلسطينيين في سورية كضحايا صراع لم يكونوا طرفاً فيه، ويسلط الضوء على التناقض بين نخبة سياسية تابعة وجماهير ثائرة، مما يجعل مصير المخيمات مرهوناً بتوازنات خارجية لا حول لهم فيها.
2.كسر إرادة الشعب الفلسطيني في سورية، والإصرار على سياسة التوريط وإثارة العداء الشعب بين الفلسطينيين والسوريين.28–34▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول سياسة نظام الأسد المتعمدة لكسر إرادة اللاجئين الفلسطينيين في سورية، وتوريطهم في الحرب الأهلية السورية، بهدف إثارة العداء بينهم وبين السوريين. يقدم المؤلفان أمثلة مكثفة لإثبات أن السلطة السورية لم تقف موقف المتفرج، بل مارست سياسة ممنهجة شملت القصف والتجويع والاعتقال والقتل، مستخدمةً ميليشيات فلسطينية موالية لها، وعلى رأسها "تنظيم القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل، كأدوات لتنفيذ هذه السياسة.
يسير الفصل عبر سرد متسلسل للأحداث، بدءاً من الانقسام داخل "الجبهة الشعبية – القيادة العامة" نفسها. فينقل تصريحاً لـشوكت حماد، عضو اللجنة المركزية للتنظيم في الضفة الغربية، ينتقد فيه مواقف أحمد جبريل من الأزمة السورية واصفاً إياها بالقرارات الفردية. ويشير إلى أن ستة أعضاء استقالوا من اللجنة المركزية احتجاجاً على هذه المواقف، وأن "الجبهة الشعبية – القيادة العامة في فلسطين" أصدرت بياناً في 7 آب/أغسطس 2012 من رام الله هددت فيه بالانشقاق، مؤكدة أن موقفها هو "الدفاع عن فلسطين وعدم التدخل في أي صراعات داخلية". في المقابل، يذكر الفصل بياناً صادراً عن "كتائب الشهيد أحمد جبريل" (الجناح العسكري للتنظيم) استنكر تصريحات شوكت حماد، وأشاد بمواقف أحمد جبريل ووصفها بأنها "تعبّر عن الكل الجبهوي"، مؤكداً ثبات الموقف "في مواجهة المؤامرة الكونية".
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الجانب الميداني، مركزاً على مخيم اليرموك كحالة مركزية. ويوضح أن سلطة الأسد دفعت مجموعات معارضة من مدينة الحجر الأسود لدخول المخيم، رغم الإجماع السابق في صفوف المعارضة على عدم فعل ذلك، مما أوجد ذريعة للقصف والحصار. فيسرد تفاصيل الحصار: بدأ بقصف للمخيم في 16 تموز/يوليو 2012، ثم حصار محكم بدأ في 17 تموز/يوليو من السنة نفسها، وأطبق الحصار الكامل في 18 تموز/يوليو 2013، واستمر حتى أيار/مايو 2018. ويضرب أمثلة أخرى على هذه السياسة في مخيمات: خان الشيح، الحسينية، الرمل في اللاذقية، النيرب وحندرات في حلب. ويقدم الفصل إحصائية تزعم أن عدد القتلى من اللاجئين الفلسطينيين على يد النظام السوري بلغ نحو 3920 منذ آذار/مارس 2011 حتى آذار/مارس 2019، وبلغ عدد المعتقلين 1732 معتقلاً بينهم 108 معتقلين في أفرع المخابرات التابعة للنظام.
يوثق الفصل أيضاً محاولات تحييد المخيم عبر مبادرات مدنية، ويظهر كيف تعامل النظام معها. فيذكر مبادرة تشكلت من الفعاليات المدنية في 20 كانون الأول/ديسمبر 2012، وتطورت إلى اتفاقية موقعة في 29 كانون الأول/ديسمبر 2013 نصت على خروج المسلحين الغرباء وتموضع المسلحين الفلسطينيين على محيط المخيم. لكن المؤلفين يشيران إلى أن النظام لم يلتزم بها، مما دفع المجموعات المسلحة داخل المخيم إلى إخراج عناصر الميليشيا الموالية للنظام. كما يذكر اتفاقية ثانية مع "تجمع أبناء اليرموك" (الذي تشكل بطلب من "تنظيم القيادة العامة") في 21 حزيران/يونيو 2014، تضمنت بنوداً مشابهة، لكن النظام رفض تنفيذها أيضاً رغم تنفيذ المجموعات المسلحة لبندها المتعلق بإخراج الغرباء، وهو ما أكدته شهادة وفد الفصائل الفلسطينية الذي دخل المخيم.
يقدم الفصل صورة للنظام عبر مقولات تصدر من قادته ومواليه. ففي مقابلة في 11 نيسان/أبريل 2018، يبرر طلال ناجي (أمين سر "تنظيم القيادة العامة" آنذاك) احتلال المخيم ويصف المحاصرين له بـ"العصابات الإرهابية التكفيرية" التي تستهدف المخيمات لخدمة "الكيان الصهيوني". وفي المقابل، ينقل الفصل تصريحاً من خالد عبد المجيد، أمين عام "تحالف قوى المقاومة الفلسطينية"، يطمئن فيه بأن المخيم سيُستعاد وأن الأهالي سيعودون إليه بالتنسيق مع "الدولة السورية"، معترفاً في الوقت نفسه بوجود "آثار نفسية كبيرة وإحباط عام من قبل النازحين والمهجرين، الذين كفروا بالمرجعيات الفلسطينية" بسبب "سياسة التورط والتواطؤ" التي انتهجتها القيادات.
في نهاية الفصل، يمكن القول إن الحجج التي يقدمها المؤلفان قابلة للنقاش، حيث يعتمدان بشكل كبير على شهادات وروايات من جهات معارضة للنظام، بينما تقف رواية النظام (المتمثلة في تصريحات قادة ميليشياته) كوجه آخر للعملة. لكن القوة الأساسية للفصل تكمن في توثيقه التفصيلي لتسلسل الأحداث والمبادرات والاتفاقيات الفاشلة، وتثبيته للإحصاءات حول القتلى والمعتقلين، مما يقدم مادة واقعية تسمح للقارئ بتكوين صورة واضحة عن آليات هذه السياسة المدعاة، وإن كانت الروايات متضاربة حول من يتحمل المسؤولية الأولى عن المأساة التي حلت بالمخيمات الفلسطينية في سورية.
2."لواء القدس" وآباؤه الكثر62–120▼ ملخص
يدرس هذا الفصل نشأة وتطوّر ميليشيا "لواء القدس" الفلسطينية في سورية، ويجيب عن سؤال محوري: كيف تحوّلت هذه الميليشيا من أداة لقمع الاحتجاجات السلمية إلى ذراع عسكرية واقتصادية فاعلة ضمن استراتيجية النظام السوري وحلفائه، وبأي آليات تم توريط فلسطينيي سورية في الحرب. يقدّم المؤلفان أدلّة على أن "لواء القدس" لم يكن نتاجاً لضرورة عسكرية فحسب، بل هو مشروع ممنهج لتفكيك المجتمع، وإغراقه في الفوضى، وتحويل بعض أبنائه إلى وقود للحرب، عبر شبكات من الفساد والبلطجة.
يسير الفصل وفق بنية واضحة، فيبدأ بتعريف الميليشيا ونشأتها التي تعود إلى عام 2011 على شكل "جماعات تشبيحية" في مخيمي "النيرب" و"حندرات" في حلب، قبل أن تُعلن رسمياً في تشرين الأول/ أكتوبر 2013. ويُفصّل الفصل الهيكلية القيادية، مسمياً أبرز القادة مثل محمد السعيد (قائد اللواء) وعدنان السيد (نائبه)، ويصف خلفياتهم الإجرامية والهامشية، كعملهم السابق كبلطجية وعاطلين عن العمل، لتأكيد فكرة أن الميليشيا قامت على تجنيد "الزعران" وأصحاب السوابق. ثم ينتقل الفصل إلى تحليل الظروف المحيطة في المخيمين، موضحاً الانقسام الحاد بين تيارات الرأي: فريق مؤيد للنظام ويدعو لحمل السلاح، وآخر يطالب بالحياد، وفريق ثالث متعاطف مع الثورة. ويستشهد بأحداث بعينها، مثل حادثة الاشتباك المفتعل في 24 حزيران/ يونيو 2012 أمام مركز امتحانات في مخيم النيرب، أو مقتل جنديين من جيش التحرير الفلسطيني، ليبين كيف استخدمت الأجهزة الأمنية هذه الحوادث لتحشيد أبناء المخيمات ضد المعارضة. ويشرح الفصل تفاصيل حصار مخيم النيرب من قبل المعارضة بين 2013 و2013، وكيف استغل "اللواء" هذا الحصار لتجنيد الشباب العاطل عن العمل بالرواتب، بينما كانت الأجهزة الأمنية "مرعوبة من الداخل" كما يصف أحد الشهود.
يخصص الفصل حيزاً واسعاً لفضح شبكات الفساد والانتهاكات التي ارتكبتها الميليشيا، مقدماً تفاصيل ملموسة: تجنيد الأطفال، حيث أعلن اللواء في نيسان/ أبريل 2015 عن دورة عسكرية لمن هم فوق الـ 15 عاماً؛ وعمليات الاختطاف وطلب الفدية؛ والسطو على ممتلكات المدنيين والنازحين؛ وسرقة الخردة المعدنية في ظاهرة "التعفيش". ويصل إلى ذروته في سرد قصة سامر رافع، قائد العمليات السابق، المعروف بتجارة المخدرات وتهريب الأموال إلى الإمارات، واعتقاله في حزيران/ يونيو 2018، ليكشف عن التناقض في موقف النظام الذي يعتقل الفاسدين من جهة، ويبني هرم سلطته عليهم من جهة أخرى. ويخلص الفصل إلى أن "لواء القدس" هو نتاج "آباء كثر"، أي تحالف بين النظام السوري، وإيران، وفصائل فلسطينية موالية (كتنظيم "القيادة العامة")، والمخابرات الجوية، لتشكيل ميليشيا تقوم بأعمال لا تستطيع الفصائل التقليدية القيام بها علناً.
يقرّ المؤلفان، عبر شهادات متعددة، بأن الموقف الشعبي في المخيمات لم يكن موحداً، بل كان هناك تيار حيادي قوي، وأن الكثيرين رفضوا توريطهم في الحرب، مما أدى إلى نزوح عائلات بأكملها خوفاً من بطش النظام أو المعارضة. كما يتركان أسئلة مفتوحة حول الأسباب الحقيقية لاعتقال سامر رافع، وهل كان بسبب فساده أم بسبب خلافات على المحاصصة والشراكة مع جهات أمنية، مما يعكس تعقيد بنية الفساد داخل النظام نفسه.
تتضمن حجج الفصل ما هو قابل للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، مثل التأكيد على أن "لواء القدس" هو الأداة المثلى لسياسة "ضرب الجميع بالجميع"، وأنه لم يكن نتاجاً للصراع فقط بل مخططاً له منذ البداية. ومع ذلك، لا يناقش الفصل احتمال أن يكون "اللواء" قد اكتسب قاعدته الشعبية جزئياً بسبب حاجة بعض الفلسطينيين إلى الحماية في ظل فوضى الحرب، مما يترك مساحة لتفسير بديل يركز على عامل البقاء بدلاً من الفساد البحت، وإن كان النص يصر على أن القيادة والبنية الأساسية للميليشيا كانت إجرامية منذ التأسيس.
3.المساعدة في ترميم شرعية النظام وبناء آليات استيعابه غير المتساوية.35–55▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول الجهود المنهجية التي بذلها تنظيم "القيادة العامّة" بزعامة طلال ناجي، بالتعاون مع فصائل فلسطينية أخرى، من أجل ترميم شرعية نظام بشار الأسد بعد انطلاق الثورة السورية، وبناء آليات لاستيعاب الفلسطينيين في سورية بشكل غير متساوٍ يخدم سلطة الأسد. يقدم المؤلفان الإجابة بأن هذه العملية لم تكن مجرد رد فعل عفوي، بل كانت جزءاً من استراتيجية مخططة تهدف إلى تحويل المخيمات الفلسطينية إلى أدوات في الصراع، وفرض ولاء سكانها للنظام مقابل وعود بالحماية والخدمات.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل خطاب وأفعال طلال ناجي الذي يعتبر السياسة "مصالح دائمة" وليست صداقة أو عداوة. ويشرح الفصل كيف فهم طلال ناجي ضرورة استيعاب "المغرر بهم" و"المخدوعين" من المعارضة، شرط ألا يستوي المنتصر والمهزوم، بل ضمن هيمنة النظام. يُظهر الفصل كيف طبق هذا المفهوم عملياً، أولاً عبر فرض مناهج الدولة السورية في مدارس مخيم اليرموك بدلاً من مناهج الفصائل المسلحة، معتبراً ذلك جزءاً من الدفاع عن شرعية النظام.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل الآليات العملية التي استخدمها طلال ناجي لبناء "استيعاب غير متساوٍ"، ويشمل ذلك خمسة محاور رئيسية. المحور الأول هو صياغة "تحالف قوى المقاومة الفلسطينية" في 8 حزيران/يونيو 2011، بعد يومين من قتل متظاهرين في مخيم اليرموك. ضم التحالف فصائل موالية للنظام مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وحظي بحضور زياد نخالة من حركة الجهاد الإسلامي وموسى أبو مرزوق من حركة حماس. استخدم أحمد جبريل هذا التحالف لاتهام المتظاهرين بأنهم جزء من "مؤامرة" بتمويل سعودي وتنظيم من محمود عباس ومحمد دحلان، في مسعى لتجريد الانتفاضة من شرعيتها. يذكر الفصل أن هذا التحالف انهار لاحقاً بسبب انحياز خالد مشعل للثورة السورية وضغط شعبي فلسطيني.
المحور الثاني هو الدعم السياسي لمشاركة جيش التحرير الفلسطيني في الحرب السورية، حيث سعى طلال ناجي إلى توفير غطاء سياسي لاستخدام النظام لهذا الجيش في معاركه. المحور الثالث هو تشكيل ميليشيات عسكرية فلسطينية جديدة، وأبرز مثال على ذلك "لواء القدس" الذي تأسس في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2013 في مخيم النيرب بحلب بقيادة محمد السعيد، بدعم من المخابرات الجوية السورية. ويشير الفصل إلى أن نجاح هذه الميليشيات كان مرتبطاً بطبيعة علاقة سكان المخيم بمحيطهم السوري؛ فبينما فشلت في مخيم اليرموك، نجحت في مخيمات حلب التي كانت تعيش حساسية مع محيطها.
المحور الرابع هو إرضاء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، عبر إعادة الاعتبار لها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، بعد سنوات من اتهامها بالعمالة. ويوضح الفصل كيف استغل طلال ناجي حاجة هذه القيادة لاستعادة ممتلكاتها في سورية والاعتراف بها، لدفعها إلى كبح إدانتها لجرائم النظام. ونتج عن هذا الضغط اتفاقيات لتحييد مخيم اليرموك لم يلتزم بها النظام، بل استخدمها لمناورات سياسية. المحور الخامس هو صناعة شبكات استيعاب مدنية، مثل "الهيئة الوطنية الفلسطينية" في مخيم اليرموك، ومؤسسات مجتمع مدني مثل "جمعية نور للإغاثة والتنمية" و**"مؤسسة جفرا للإغاثة والتنمية الشبابية"**. ويتهم الفصل هذه المؤسسات بالاشتراك مع الأجهزة الأمنية في استدراج ناشطين معارضين وتسليمهم للسلطات، مستشهداً بحالة المصور نيراز سعيد الذي توفي بعد تسليمه في أيلول/سبتمبر 2016.
يختتم الفصل بعرض كيفية إعادة استيعاب شخصيات معارضة، مثل إسماعيل شموط (أبو هاني) الذي انتقل من قيادة فصيل معارض إلى خدمة النظام عبر ميليشيا "الجيش الوطني" و**"تجمع أبناء فلسطين"** بناءً على طلب طلال ناجي. كما يورد الفصل شهادة ممدوح بدوي من "الهيئة العالمية للإغاثة" التي توضح كيف كان طلال ناجي ينسق مع مؤسسات النظام، بما فيها "الأمانة السورية للتنمية" التي تديرها أسماء الأسد (زوجة عمتها)، لتوفير الحماية والدعم اللوجستي لقوافل الإغاثة.
حجج قابلة للنقاش بناءً على النص: يستند الفصل إلى شهادات ومصادر إعلامية ووثائقية كثيفة، لكنه يقدم تحليلاً واضحاً يُظهر أن قيادة "القيادة العامة" استخدمت آليات متعددة لتحويل المخيمات الفلسطينية إلى ورقة ضغط في خدمة النظام السوري، وأن الولاء للنظام كان الثمن الوحيد للحصول على الخدمات والحماية. يطرح الفصل هذه الأفكار من منظور ناقد، معتبراً هذا التكامل مع النظام سبباً في تدمير المجتمع الفلسطيني في سورية.
6.الظروف المحيطة70–93▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على الظروف المحيطة بمخيمي اللاجئين الفلسطينيين في مدينة حلب، وهما مخيم النيرب ومخيم عين التل (حندرات)، خلال الحرب السورية. يطرح الفصل أن هذين المخيمين وقعا في فخ الصراع المحتدم بين قوات المعارضة المسلحة ونظام بشار الأسد، وأن أغلبيّة سكانهما تمسكت بالحياد كخيار وحيد للحفاظ على سلامتهم، لكن هذا الحياد كان محل تضييق وشكوك من الطرفين، ما أدى إلى معاناة يومية ونزوح واسع.
يسير الفصل بتفصيل جغرافي وسياسي، فيبدأ بتعريف موقع مخيم عين التل (حندرات) وأهميته العسكرية كونه نقطة مرتفعة مطلّة على طريق الكاستيلو الحيوي، ويسرد أن سكانه، وعددهم قبل الحرب نحو 7000 نسمة، ينتمون غالباً لحركة فتح الانتفاضة. يشرح الفصل كيف تشكلت في المخيم "لجان شعبية" و"شبيحة" منذ انطلاق الاحتجاجات في حلب عام 2011، وكيف استُخدمت هذه المجموعات تحت غطاء حماية المخيم، بينما كانت مهمتها الفعلية قمع المحتجين، مما أدى إلى توتر مع الجوار. يذكر الفصل بالتفصيل اتفاقاً تم في كانون الأول/ديسمبر 2012 بين سكان المخيم وفصائل المعارضة بوساطة من لواء التوحيد، حيث نصّ على منح حرية تسيير الدوريات مقابل الإبقاء على السلاح داخل المخيم، لكن الفصل يبين أن هذا الاتفاق لم يستمر طويلاً. بعد ذلك، يروي الفصل كيف أن حدثين رئيسيين غيّرا توجهات الرأي في "حندرات": الأول هو قصف المعارضة لمشروع سكني في محيطه أدى لسقوط ضحايا، والثاني هو إخراج المعارضة لسكان المخيم منه في نيسان/أبريل 2013 بطريقة وصفت بـ "المذلة"، حيث فصل الشباب عن النساء واقتيدوا للتحقيق. يصف الفصل كيف تجمع المطرودون في ساحات جامعة حلب، ثم نزحوا إلى مركزَيْ إيواء في الوحدة التاسعة (استقبل 300 عائلة) ومدرسة الصناعة (استقبلت 60 عائلة)، بتغطية من الأونروا، مشيراً إلى فساد في توزيع المساعدات بقيادة علي حرب. ويختتم الحديث عن هذا المخيم بوصف عودته للحصار والقصف المكثف من الطيران الروسي، الذي استمر 48 ساعة في أيلول/سبتمبر 2016، مما أدى لتدمير 80% من مبانيه وانسحاب المعارضة ودخول لواء القدس.
ينتقل الفصل بعدها إلى مخيم النيرب، المخيم الفلسطيني الأكبر في حلب بعد مخيم اليرموك، ويُقدّر عدد سكانه بـ 21,000 نسمة، وله أهمية عسكرية لقربه من المطار. يصف الفصل هنا الصراع بين اتجاهات الرأي منذ اندلاع الاحتجاجات، ويصنّف الفئات في المخيم: فهناك المتعاطفون مع الثورة من طلاب ويساريين وإسلاميين، وفي مقابلهم هناك الموالون للنظام بقيادة شخصيات مثل رياض الخطيب، وهو مثقف مرتبط بالأجهزة الأمنية والحرس الثوري الإيراني، والذي شكّل مجموعة مسلحة ورهب مخالفيه. يذكر الفصل تفاصيل عن اعتقالات وتعذيب لمناصري الحياد أو المعارضة، مثل عادل الحلبي الذي قُتل تحت التعذيب، وعبد الجبار شلبي وخالد محمود عزام. يشرح الفصل كذلك الآلية التي تم بها تشكيل المجموعات المسلحة في المخيم بتمويل ودعم من عناصر المخابرات الجوية عبر ضابط يدعى فادي عباس، وبقيادة شخصيات مثل عدنان السيد وحسين المصري، الذين كانوا يجنّدون شباباً عاطلين عن العمل مقابل أجر يومي قدره 200 ليرة سورية، ويقمعون الحراك الطلابي في جامعة حلب. يضيف الفصل وصفاً لوقوع حدثين مفتعلين لتجييش الرأي ضد المعارضة: حادثة الاشتباك في 24 حزيران/يونيو 2012 أثناء امتحانات الشهادة الإعدادية والتي أوقعت ثلاث ضحايا، ومجزرة اختطاف وتصفية 16 مجنداً من جيش التحرير الفلسطيني في مصياف، والتي ألقتها سلطة الأسد على المعارضة لتحريض أبناء المخيم.
ينتقل الفصل لوصف الحصار الذي ضربته المعارضة على المخيم بدءاً من تموز/يوليو 2012 وبشكل أشد في آذار/مارس 2013، وما نتج عنه من نقص حاد في الغذاء والدواء وغلاء فاحش، وكيف عانى السكان من تعامل الحواجز بقسوة ومزاجية. وفي مقابل هذه المعاناة، يصف الفصل ظهور "لجان أهلية" محايدة لإدارة شؤون المخيم، مكونة من لجان فرعية (الأفران، الطبية، الأمنية، الإغاثية، التواصل مع الجوار)، واستشعار الأجهزة الأمنية لاستقلال هذه اللجان مما جعلها تترقب لحظة المحاسبة. يشرح الفصل كيف تم فك الحصار عن المخيم في آذار/مارس 2013 بدخول رتل عسكري من تل شغيب، لكنه يضيف أنه أعقب ذلك مرحلة من النهب والفوضى، حيث قام بعض ضعاف النفوس بسرقة ممتلكات القرى المجاورة، مما عمّق الشرخ بين المخيم ومحيطه. ثم يصف "مرحلة المحاسبة" التي تلت فك الحصار، حيث تم تفكيك اللجان الأهلية واعتقال أعضائها ورؤسائها مثل خالد محمود عزام ويوسف قدورة وحازم تعمري الذي توفي متأثراً بتعذيبه في سجون سلطة الأسد.
في القسم الأخير، يقدّم الفصل تحليلاً لنشأة ميليشيا "لواء القدس" وتطورها، ويقول إن قادتها (محمد السعيد وعدنان السيد ومحمد رافع) استغلوا تردي الأوضاع المعيشية والبطالة لجذب العاطلين عن العمل وذوي السوابق إلى صفوفهم مقابل رواتب. يذكر الفصل أن تأسيس الميلشيا أُعلن عنه رسمياً في تشرين الأول/أكتوبر 2013، وأنها تحالفت مع "شبيحة آل بري" وتموضعت كقوة موالية للنظام. يُفصّل الفصل في الهيكلية الرسمية للميلشيا، والتي تضم أجنحة عسكرية وسياسية وإعلامية (مثل قناة قاسيون الفضائية)، ويُشير إلى أن عدد مقاتليها يُقدّر بأكثر من 3500 عنصر، وأن 85% منهم ليسوا فلسطينيين. يختم الفصل بتوضيح شكل الدعم الذي قدمه "تحالف الفصائل الفلسطينية" بقيادة "تنظيم القيادة العامة" (بقيادة طلال ناجي) للواء القدس، بإشراكه في نشاطاته السياسية والإعلامية، ومنح قادته رتباً وهمية وتكريمهم، مُعتبراً إياه "الحل الأمثل" لحمل راية الفلسطيني المقاتل إلى جانب النظام دون أن تُحمّل الفصائل الفلسطينية التقليدية وزر أفعاله.
يعترف الفصل بعدة حدود وتحفظات، مثل تعقيد تحديد دقة الأرقام السكانية التي تعتمد على تقديرات الناشطين والشهود، وعدم معرفة مدى دقة وجود عناصر شيعية ضمن الميليشيا (هل هو اندماج أم مجرد تعاون). كما يترك أسئلة مفتوحة حول مصير العائلات النازحة وصعوبة تتبع حركة النزوح الدقيقة.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، هي فكرة أن سلطة الأسد استغلت أحداثاً مفتعلة واستثمرت في حوادث أخرى لتحشيد الفلسطينيين ضد المعارضة، وأن الحالة الإنسانية الصعبة (الفقر والبطالة) كانت أداة تجنيد فعّالة لصالح النظام عبر الميليشيات، مما يطرح سؤالاً حول مدى "النية" الحقيقية للحماية لدى الفصائل الفلسطينية مقابل مصالحها السياسية الضيقة.
7.شبكات فساد، وانتهاكات متعددة94–101▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل، المعنون «شبكات فساد، وانتهاكات متعددة»، كيف تحوّلت ميليشيا «لواء القدس» الفلسطينية في مدينة حلب من مجموعة مقاتلة إلى «مافيا» متكاملة، وجعها المؤلفان يوسف فخر الدين وهمام الخطيب في إطار «التكامل القاتل» بين الفساد والسلاح. الإجابة التي يقدّمها الفصل هي أن هذه الميليشيا، الموالية لنظام الأسد والمدعومة من إيران، لم تكتفِ بالقتال، بل بنت شبكات واسعة للفساد والانتهاكات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستغلة انهيار الدولة وضعف المجتمع. يشرح الفصل أن هذه الظاهرة لم تكن حكراً على «لواء القدس»، بل جرت على غيرها من الميليشيات المقاتلة، لكنه يركز على هذا اللواء كحالة دراسية.
يسير الفصل خطوة بخطوة بتفصيل الانتهاكات، مستنداً إلى شهادات من سكان «مخيم النيرب» ومصادر إعلامية. يبدأ بتوثيق انتهاكات جسيمة كاختطاف الشباب لطلب فدية مالية من ذويهم، وسرقة أثاث المنازل المهجورة في أحياء حلب مثل «جمعية الزهراء» و**«الراشدين الشمالي»**، ونهب قرى كاملة مثل «تل شغيب». ثم ينتقل إلى تجنيد الأطفال، فيذكر أنه في نيسان/أبريل 2015، أعلن «لواء القدس» عن دورة «عسكرة» لمن أعمارهم 15 سنة وما فوق لمدة 30 يوماً في مخيم حندرات، مع الاستدلال على إقحام الأطفال بصورة تظهرهم بزي عسكري في زيارة للقائد محمد السعيد. ويؤكد الفصل أن هذا يشكل خرقاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، مستشهداً بالبروتوكول الاختياري لعام 2000 الذي يرفع سن التجنيد الإلزامي إلى 18 سنة.
يتوسع الفصل في توثيق الاعتقالات والإخفاء القسري، فيورد أنه في آذار/مارس 2015، اعتقل اللواء الطفلين أحمد أبو رحمة (16 عاماً) وأحمد عزام (16 عاماً) من «مخيم النيرب» قبل الإفراج عنهما. كما يذكر اعتقال اللاجئ يوسف الداهودي بسبب رفضه إخلاء محله التجاري، وذلك في سياق حملة للاستيلاء على منازل معارضين ومغتربين. ويوضح كيف دفع ذلك أبناء المخيم في أوروبا لمطالبة عدنان السيد، أحد قادة الميليشيا، بتقديم توضيح علني حول قرار الاستيلاء على منازلهم، بعد أن هدد «السيد» بمنع عودتهم. لم تقف الانتهاكات عند ذلك، بل امتدت إلى المؤسسات المدنية والتعليمية؛ فالفصل يروي كيف اقتحم عناصر «لواء القدس» السكن الجامعي في حزيران/يونيو 2017، مطلقين النار ومعتقلين الحرس الجامعي.
يوضح الفصل كيف حاولت الميليشيا تحسين صورتها السيئة المرتبطة بتجارة المخدرات وإدارة شبكات الدعارة، فمنذ عام 2017 سعت لاستقطاب المثقفين والجامعيين بعروض مغرية كالإعفاء من الخدمة الإلزامية ورواتب عالية، ومنحهم بطاقات أمنية تحمل عنوان «شعبة مخابرات لواء القدس». لكنه يؤكد أن هذا المسعى لم ينجح في تجميل عمل ميليشيا تقوم على عناصر إجرامية في مركزها، ويسوق قضية سامر رافع، قائد عمليات اللواء الأسبق، كمثال رئيسي. يروي الفصل أنه اعتُقل في حزيران/يونيو 2018 بدعوى اشتباك مع عناصر حاجز أمني، لكن التحقيقات كشفت أن الأمر يتعلق بمحاسبته على فساده، بما في ذلك سرقة منازل وتهريب أموال إلى الإمارات العربية المتحدة. ويورد أن «سامر رافع» ورث فساداً عن أخيه، لكنه تجاوزه بالاتجار بالحشيش والمخدرات وتهريب الأشخاص وبيع الأسلحة لـ**«تنظيم داعش»**. وبعد اعتقاله، تحركت قيادة اللواء للمطالبة بالإفراج عنه واصفة إياه بـ«المناضل الكبير»، بينما فرح موالون كثيرون باعتقاله مطالبين النظام بمزيد من الاعتقالات.
يواصل الفصل سرد مصادر تمويل الميليشيا غير المشروعة، مشيراً إلى أن شبكات الدعارة والترويج للمخدرات كانت من أبرزها، وكان يديرها محمد رافع (العاب) الذي قتل في معارك عام 2015 باستغلال خبرته السابقة من عمله في ملهى ليلي. أما عدنان السيد، فقد حوّل مقصفه إلى مضافة يرتادها رجال أعمال وصناعيون ليتخذوا منه ومن محمد السعيد مفتاحاً لمصالحهم العالقة مع مؤسسات الدولة، نظير مبالغ طائلة. وينتقل إلى ظاهرة «التعفيش» أي سرقة المعادن والخردة من المنازل والمصانع المدمرة، ويشير إلى مشاركة محمد السعيد في اجتماع مع أصحاب معامل صهر الحديد في مجلس الوزراء بدمشق في 12 شباط/فبراير 2019، مما يكشف حجم هذه التجارة. كذلك، ابتزاز الشباب المتخلفين عن الخدمة العسكرية مقابل مبالغ شهرية، وتهريب الأشخاص إلى تركيا مقابل مبالغ تتراوح بين 150 و250 ألف ليرة سورية للشخص الواحد. ويختتم الفصل بالتحكم في توزيع الغاز المنزلي والكهرباء في «مخيم حندرات» عبر فرض «خاوات» (إتاوات) على أصحاب المولدات، مما يرفع الأسعار على السكان.
يعترف الفصل بحدود معينة، إذ يقر بأن نظام الأسد بأسره يقوم على متنفذين فاسدين، مما يضعف رواية أن اعتقال شخص مثل سامر رافع جاء لمكافحة الفساد. ويترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كان هذا الاعتقال ناتجاً عن خلافات شخصية داخل الميليشيا أو محاصصة على العائدات، خاصة بعد تداول معلومات عن بيعه أسلحة لـ**«تنظيم داعش»**. لكن الثابت في الفصل، كما يشير، هو الإقرار بأن عناصر هذا اللواء هم مجرمون جنائيون طال فسادهم المجتمع السوري برمته.
من الممكن القول إن قوة الفصل تكمن في تفصيله الواقعي للانتهاكات المدعومة بشهادات عينية، لكنه في الوقت نفسه قد يثير جدلاً حول تعميم الظاهرة. فبينما يصف الفصل الميليشيا كياناً إجرامياً بامتياز، يمكن التساؤل عما إذا كانت هناك هياكل أو أفراد داخل اللواء رفضوا هذه الممارسات، وهو ما لا يتعرض له النص. كما أن الاعتماد على شهادات من أبناء المخيم ومواطنين، رغم قيمتها، يبقى ضمن الرواية الشفوية التي قد يصعب التحقق من بعض تفاصيلها بشكل مستقل، لكن ذلك لا ينتقص من الصورة الكلية المروعة التي يرسمها الفصل.
8.خريطة المشاركة العسكرية لميليشيا "لواء القدس" في الحرب السورية102–113▼ ملخص
يُقدّم هذا الفصل من كتاب "التكامل القاتل" خريطةً تفصيليّةً للمشاركة العسكريّة لميليشيا "لواء القدس" في الحرب السوريّة، ويُجيب عن سؤالٍ محوريّ: أين وكيف قاتل هذا اللواء الفلسطيني إلى جانب قوّات النظام السوريّ؟ يوضّح الفصل أنّ اللواء لم يقتصر نشاطه على منطقةٍ واحدة، بل امتدّت عمليّاته من أقصى الشمال السوريّ إلى أقصى الجنوب، بدءاً من عام 2013 وحتّى تاريخ إعداد الدراسة، وذلك بدعم من الطيران الروسيّ منذ أيلول/سبتمبر 2015.
يسير الفصل عبر تسعة محاور جغرافيّة، يخصّص لكلّ محافظةٍ قسماً يعرض فيه تفاصيل مشاركة اللواء. يبدأ الفصل بمحافظة دير الزور، حيث شارك اللواء لأوّل مرّة في أيلول/سبتمبر 2017 إلى جانب "حزب الله" اللبنانيّ و**"الحرس الجمهوريّ"**، وسيطر على قرية "فيضة أُم مويعين"، وتكلّلت مشاركته بمقتل عددٍ من عناصره، من بينهم أربعة من أبناء "مخيّم النيرب" في حلب في كمين بمنطقة "الشولة". وفي كانون الثاني/يناير 2018، قُتل المقاتل "محمد المطلق" أثناء القتال في دير الزور.
في محافظة حلب، يُشير الفصل إلى تصريح قائد اللواء محمد السعيد في أيار/مايو 2015، والذي أكّد فيه دور اللواء في حماية مخيّم النيرب ومطار النيرب العسكريّ ومطار حلب الدوليّ، مشيراً إلى مشاركته في 140 معركة في المحافظة. ويوثّق الفصل خسائر فادحة للواء، منها مقتل 46 عنصراً في هجوم للمعارضة على منطقة "الزهراء" في أيار/مايو 2016، ومقتل القائد العسكريّ محمد رافع الملقّب "العرّاب" في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، ومقتل 28 عنصراً في هجوم لتنظيم "داعش" على منطقة "خناصر" في شباط/فبراير 2017، مع أسماء القتلى التي وردت بكثافة في النص.
ينتقل الفصل إلى محافظة اللاذقية، حيث يوثّق لقاءً جمع قائد اللواء محمد السعيد بقائد "المقاومة السوريّة"، علي كيالي، في أيلول/سبتمبر 2014، لفهم طبيعة التنسيق بينهما. وفي محافظة حماة، يسجّل الفصل انسحاب عناصر اللواء من دير الزور باتجاه ريف حماة الشرقيّ منذ كانون الثاني/يناير 2017، وتمركزهم في "مطار حماة العسكريّ"، ثمّ في "مدرسة المجنزرات" التي أصبحت مقرّاً لغرفة عمليّات يشارك فيها روس وإيرانيون. ويوثّق الفصل مقتل 12 عنصراً من اللواء في اشتباكات مع "داعش" في ريف سلمية الشرقيّ، ثلاثة منهم من لاجئي "مخيّم النيرب"، كما يسجّل خسائر العشرات بين قتيل وجريح في معارك محور "الرهجان" في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.
أمّا في محافظة إدلب، فيذكر الفصل مقتل المقاتل كمال يوسف أسعد من أبناء "مخيم الرمل" في حزيران/يونيو 2015، ومقتل محمد خالد حمادة في كانون الثاني/يناير 2018 أثناء القتال في ريف إدلب. وفي محافظة حمص، يشير الفصل إلى تجنيد اللواء للاجئين فلسطينيّين في المدينة، وإرسالهم لقتال في بادية تدمر عام 2017، وإصابة المقاتل "حمادة" في أيار/مايو 2017.
يُخصّص الفصل مساحةً واسعةً لمحافظة دمشق وريفها، حيث كانت المشاركة الأولى للواء في عام 2015 على جبهة "جوير"، ثمّ في معارك الغوطة الشرقيّة في آذار/مارس 2018، ومعركة جنوبي دمشق في نيسان/أبريل 2018، ولا سيّما معركة "مخيّم اليرموك". ويستشهد الفصل بتصريح لنائب قائد اللواء، عدنان السيد، أعلن فيه تجهيز 5 آلاف مقاتل للتوجّه إلى المخيّم. ويسجّل الفصل خسائر اللواء في جنوبي دمشق بـ 17 قتيلاً بين 19 نيسان/أبريل و22 أيار/مايو 2018، مع أسمائهم. كما يوثّق الفصل عمليّات تجنيد قام بها قياديّ في اللواء، أبو ياسين الغربي، في الغوطة الشرقيّة في تشرين الأول/أكتوبر 2018، حيث جُنّد نحو 50 شاباً، قُدّم لهم إعفاءات من الخدمة الإلزاميّة، ثمّ أُرسل 30 مجنّداً إلى جبهات الساحل.
أخيراً، يغطّي الفصل مشاركة اللواء في محافظتَي درعا والقنيطرة في الجنوب السوريّ. ففي حزيران/يونيو 2018، أصيب مسؤول الإسعاف الحربيّ محمد سيف الدين في معارك درعا، كما شارك اللواء في معارك "حوض اليرموك" ضدّ تنظيم "داعش". وفي الفترة نفسها، وصل مقاتلون من اللواء إلى محافظة القنيطرة، والتُقطت صورة تجمع محافظ القنيطرة مع قياديّين في اللواء، للمشاركة في عمليّات الجنوب. يُقرّ الفصل، من خلال هذه التفاصيل الكثيفة، بأنّ "لواء القدس" كان أداةً عسكريّةً فعّالةً للنظام السوريّ، تكبّدت خسائر بشريّةً كبيرةً، لكنّها حافظت على حضورها في أغلب جبهات القتال.
9.وثائق123–136▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول تقديم مجموعة من الوثائق الداعمة للاتهامات الموجهة ضد أطراف متعددة، في مقدمتها "تنظيم القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل، والنظام السوري، بالإضافة إلى شخصيات مثل عبد الله الخطيب، وذلك في سياق الحرب السورية وتحديداً ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان بحق اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ودور بعض الفصائل الفلسطينية في الصراع.
يسير الفصل عبر أربع وثائق رئيسية، تبدأ بالأساس القانوني لرفع دعوى أمام محكمة الجنايات الدولية. يوضح النص أن "منظمة التحرير الفلسطينية" مسؤولة عن حركة الشعب الفلسطيني، وبناءً على انتماء "تنظيم القيادة العامة" للمنظمة، وكون د. طلال ناجي (الأمين العام المساعد للتنظيم) يشغل منصباً في المنظمة، فإن ذلك يؤسس لمسؤولية قانونية. يشير الفصل إلى أن السلطة الفلسطينية (الحكومة) وقعت على ميثاق المحكمة، مما يسمح للضحايا باللجوء إليها لملاحقة د. طلال ناجي وقادة التنظيم وميليشيا "لواء القدس"، وذلك عن جرائم وقعت بعد 1 يناير/ كانون الثاني 2015، وهو تاريخ إعلان الحكومة الفلسطينية قبول اختصاص المحكمة، وقد سلمت الوثائق الرسمية في 2 يناير/ كانون الثاني 2015.
الوثيقة الأولى هي نداء بتاريخ 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، موجه للجهات الرسمية والأمم المتحدة والجامعة العربية، يطالب بحماية المخيمات الفلسطينية في سوريا من القصف المتصاعد، خاصة مخيم اليرموك ومخيم درعا. يصف النداء كيف تحولت المخيمات من ملاذ آمن للنازحين السوريين إلى هدف للقصف العشوائي من قبل قوات النظام. يحمل النداء مسؤولية مقتل مئات المدنيين الفلسطينيين (حيث تم توثيق 608 شهيداً والآلاف من الجرحى والمفقودين) للنظام السوري، ويتهمه باستغلال "الجبهة الشعبية- القيادة العامة" التابعة لأحمد جبريل لإقحام المخيمات في الصراع عبر تشكيل "لجان شعبية" للتصادم مع قوات المعارضة، وذلك في عقاب جماعي للاجئين لرفضهم الانصياع لرغبة النظام في تحويلهم إلى ميليشيا موالية.
الوثيقة الثانية هي نداء بتاريخ 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 موجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. يكرر النداء الاتهامات للنظام السوري بتعمد قصف المخيمات لرفض اللاجئين الفلسطينيين المشاركة في قمع الشعب السوري، ويشير إلى توريط "جماعة الجبهة الشعبية-القيادة العامة" وعناصر تابعة للنظام مثل ياسر كلبونة. يذكر النداء أرقاماً محددة من الضحايا الفلسطينيين على أيدي النظام السوري: 608 شهداء، 4,462 جريحاً، حوالي 2,540 مفقوداً، و117,415 نازحاً. يشير النداء إلى أن "الشبكة الدولية للحقوق والتنمية" حذرت في تقرير لها من أن الإغارة على المخيمات المحمية قانوناً تقود إلى جرائم حرب تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
الوثيقة الثالثة هي شهادة تفصيلية طويلة عن عمل إغاثي في الداخل السوري، وتشكل سرداً شخصياً لشخص يدعى ممدوح نوفل. يحكي النص قصة عمله ضمن "قافلة الوفاء الأوروبية" لتقديم مساعدات إنسانية في سوريا وغزة. تبدأ القصة بذهابه إلى غزة، ثم انتقاله للعمل في سوريا بتنسيق مع الحكومة السورية ووزارة الشؤون الاجتماعية. يصف الشاهد كيف حظي بدعم من د. طلال ناجي، الذي وفر له المرافقين والتسهيلات. تتحول القصة إلى نزاع مالي وإداري مع منسق القافلة أحمد فرحات (أبو صبحي)، الذي يصفه الشاهد بأنه كان يهدده ويتهمه بمساعدة المسلحين، وكان يتدخل في توزيع المساعدات لصالح "محسوبياته". تصل القصة إلى ذروتها باعتقال الشاهد من قبل "الأمن الجنائي" داخل فندقه، ثم توسط مسؤولين في "القصر الرئاسي" لإطلاق سراحه، وصولاً إلى لقاء مع رئيس الجمهورية حسب ادعاء الشاهد. تهدف هذه الشهادة إلى إظهار كيف استُخدم العمل الإغاثي كغطاء في صراعات السلطة والنفوذ، وكيف أن الحكومة السورية كانت تسهل عمل القوافل التي تلتزم بخطها، وكيف أن د. طلال ناجي و"تنظيم القيادة العامة" كانوا طرفاً فاعلاً ومتحكماً في هذا الملف.
الوثيقة الرابعة هي شهادة من شخص يدعى أبو سلمى خليل، وهي موجهة ضد الناشط الفلسطيني المعروف عبد الله الخطيب. تتهمه الشهادة بعلاقات مع مجموعات مسلحة في مخيم اليرموك، وتحديداً "لواء أسود التوحيد" بقيادة أبو النور دريد (الذي يوصف بأنه مروج مخدرات)، و"جيش أبابيل حوران"، و"العهدة العمرية". يتهمه الشاهد بأنه كان يموّل هذه الجماعات مادياً ويقدم لهم الدعم الإعلامي، ويستخدم العمل الإغاثي (من خلال مؤسسة "بصمة") لتوجيه نصف المساعدات للمجموعات المسلحة وعلى رأسها "جبهة النصرة"، مما دفع الشاهد لترك المؤسسة. يصف الشاهد عبد الله الخطيب بأنه أصبح أحد المفاوضين باسم قوة عسكرية ويبرر إغلاق المخيم بحجة النظام ويمنع فتح مدارس في المنطقة إلا بإذنه، ويوجه له اتهامات بالفساد المالي و"سرقة" التبرعات. يختتم الشاهد بوصف الخطيب بأنه "فلهوي محتال" ويسأله عن علاقته بالقتلة ومصير المعتقلين، معترفاً بأن هذه اتهامات مباشرة ويدعوه للرد عليه.
في ختام الفصل، يمكن القول إن الحجج المطروحة قابلة للنقاش بشكل كبير، فهي تستند إلى شهادات فردية ووثائق ونداءات من جهات سياسية وحقوقية، وليس إلى تقارير تحقيقية محايدة. الشهادة الثالثة والرابعة، على وجه الخصوص، تحملان طابعاً اتهامياً وانتقامياً واضحاً، مما يجعلهما مادة للنزاع الشخصي والسياسي أكثر من كونهما أدلة موضوعية لا تقبل الجدل. يُلاحظ أن الفصل يخلط بين توثيق انتهاكات حقيقية لحقوق الإنسان في المخيمات، وبين اتهامات موجهة لأفراد محددين بدوافع قد تكون سياسية أو شخصية، مما يترك القارئ بحاجة إلى تمحيص شديد لوزن مصداقية كل ادعاء على حدة.