
الثورة السورية وحيدة بوجه العالم
يتمحور كتاب "الثورة السورية وحيدة بوجه العالم" لجوزيف ضاهر حول فكرة مركزية واحدة: أن الثورة السورية التي انطلقت في عام 2011 هي ثورة شعبية حقيقية، نابعة من احتياجات الطبقات الفقيرة والمستغلة، وذات أهداف تحررية ديمقراطية واجتماعية واقتصادية. يدافع المؤلف بشراسة عن هذه الرؤية ضد محاولات اختزال الثورة في صراع طائفي أو مؤامرة خارجية، ويقدّم إجابة واضحة مفادها أن النظام السوري بقيادة بشار الأسد هو المسؤول الأول عن إغراق البلاد في العنف والطائفية، وأن الجماعات الجهادية مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تشكل، إلى جانب النظام، جزءاً من "الثورة المضادة". يرى الكاتب أن الحل الوحيد هو إسقاط النظام بالكامل ورفض أي مشاريع سياسية تُبقي على بنيته، مثل مؤتمرات "جنيف" التي يعتبرها أدوات إمبريالية للحفاظ على الوضع القائم.
تسير حجة الكتاب عبر فصوله المترابطة بمنطق واضح. يبدأ الفصل الأول بوضع الأساس الاقتصادي والاجتماعي للثورة، شارحاً كيف بنى النظام شبكة من الولاءات القائمة على الفساد والمحسوبية منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. يشرح الكاتب كيف أدت السياسات النيوليبرالية إلى خلق طبقة رأسمالية هجينة وانهيار القطاع العام، مما هيّأ الظروف المادية للانفجار الشعبي. هنا تبرز أرقام لافتة يصعب نسيانها، فيذكر أن رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد) كان يسيطر على ما يقارب 60% من اقتصاد البلاد قبل الثورة، وأن القطاع الخاص مثّل حوالي 70% من النشاط الاقتصادي، بينما وصلت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 33% عشية الثورة، أي ما يعادل 7 ملايين مواطن. هذا التحليل الاقتصادي هو الوقود الذي يفسر اندلاع الثورة وفقاً للمؤلف.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل خطاب النظام وكيف يستخدم الطائفية كأداة للسيطرة. في الفصل الثاني، يحلل المؤلف خطاب بشار الأسد في 10 كانون الثاني 2013 في دار الأوبرا بدمشق، معتبراً إياه تكراراً لخطابات سابقة تهدف إلى تجريد الثورة من شرعيتها باتهام الثوار بأنهم "القاعدة". هنا يفضح الكاتب الدور المركزي للنظام في إنتاج وتغذية السياسات الطائفية على مدى عقود، مستشهداً بتحليل أسامة مقدسي. يوضح أن النظام، منذ حافظ الأسد، اعتمد على ثلاثة محاور: السيطرة على النقابات، إنشاء شبكة زبائنية، وانتهاج سياسات نيوليبرالية أدت إلى تهميش الدولة وتراجع خدماتها لصالح مؤسسات الرعاية الدينية. يورد الكاتب تفصيلاً تاريخياً صادماً: حل نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين عام 1970، وزيادة عضوية حزب البعث من 55,894 في 1971 إلى 1,201,855 في يونيو 2004 عبر ربطها بالوظائف، وتعديل الدستور لإضافة "الشريعة الإسلامية هي مصدر كل التشريعات" في آذار/مارس 2012، وإغلاق الكازينو الوحيد في البلاد في نيسان/أبريل 2011. هذه السياسات المتناقضة، برأي الكاتب، تهدف لاستقطاب المحافظين بينما يستمر قمع أي معارضة حقيقية.
يكمل الفصل الثاني رسم صورة أكثر تعقيداً للثورة، فيناقش مفهوم "ليس ثمة ثورة خالصة"، رافضاً محاولات الإعلام الغربي تصوير الثورة على أنها "ربيع إسلامي". يعترف المؤلف بأن الثورة ليست نقية، بل هي ساحة تنازع تضم قوى ديمقراطية وأخرى رجعية طائفية. يهاجم بشدة مؤتمر جنيف 2 الذي انعقد في تموز 2013، ويرفض أي حل يُبقي على بنية النظام مع بقاء الأسد في منصبه. كما ينتقد الائتلاف الوطني السوري المعارض، متّهماً إياه بالانتهازية والاستعداد لخيانة الثورة. يورد الكاتب مثالاً على رفض الشعب لهذه الحلول، فيشير إلى تظاهرات رفعت شعارات مثل: "جنيف 2، هناك فارق بين من يناضل من أجل الحرية وبين من يسعى لتحسين شروط العبودية".
الفصل الثالث يركز على ثلاثة محاور: المسألة الكردية، الإسلاميون، والجيش السوري الحر، في صيف 2013. يشرح الكاتب كيف انسحبت قوات النظام في 19 تموز 2012 من المدن ذات الأغلبية الكردية، تاركة فراغاً ملأه حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه المسلح. يصف الصراع بين هذه القوى الكردية وجبهتي النصرة وداعش على مناطق استراتيجية غنية بالنفط. يورد الكاتب تصريحاً لافتاً للجنرال سليم إدريس، رئيس أركان الجيش السوري الحر آنذاك، قال فيه إن المعارضة "لن تعترف أبداً بدولة كردية"، مما يكشف عن توترات عميقة داخل المعارضة. في المقابل، يُبرز الكاتب مبادرات شعبية للم الشمل العربي الكردي، كمظاهرة في الأشرفية بحلب في 1 آب، وأخرى في عامودا رفعوا فيها العلمين السوري والكردي تضامناً مع حمص المحاصرة.
يتناول الفصل نفسه جرائم النظام بوضوح، متخذاً من مجزرة الغوطة الشرقية في 21 آب 2013 مثالاً صارخاً، مستشهداً ببيان منظمة أطباء بلا حدود الذي أكد علاج أكثر من 3600 مريض بأعراض تسمم عصبي ووفاة 355 منهم. يرى المؤلف أن هذه المجزرة تهدف لتعزيز "الحل السياسي السيء". لكن الكتاب لا يقتصر على نقد النظام، بل يوجه نقداً لاذعاً للجماعات الإسلامية الرجعية، فيصف هجوم داعش على كتيبة أحفاد الرسول في الرقة، وممارساتهم الاستبدادية كخطف النشطاء (منهم الأب باولو وفراس الحاج صالح) وفرض الحجاب وقتل فتى في الرابعة عشرة من عمره. يورد الكاتب شعاراً رفعته مظاهرات في بستان القصر بحلب ضد المجلس الإسلامي: "للعار يا للعار.. الشبيحة صاروا ثوار"، مقارنة بين استبداد الجماعات الإسلامية واستبداد النظام.
المحور الأهم في هذا الفصل هو "التنظيم الذاتي للنضالات الشعبية"، حيث يقدم الكاتب أدلة على حيوية الثورة من خلال إنشاء إدارات مدنية منتخبة ومجالس شعبية في المناطق المحررة مثل دير الزور والرقة. يذكر انتخاب مجالس محلية لأول مرة منذ 40 عاماً، وتأسيس تحالف الشبيبة الثورية في حلب، وارتفاع عدد الصحف المستقلة من 3 قبل الثورة إلى أكثر من 60. في تجربة الرقة، أول محافظة محررة بالكامل، يصف الكاتب كيف أدار السكان جميع الخدمات، ونظموا حملات كحملة "العلم الثوري السوري يمثلني" لمواجهة العلم الأسود للإسلاميين، وأقاموا معارض فنية ومراكز لدعم الشباب. هذا التنظيم الذاتي، بحسب المؤلف، هو الدليل الأقوى على أن الثورة لم تمت رغم كل التحديات، رغم اعترافه بحدود هذه المجالس مثل ضعف تمثيل النساء والأقليات.
يُكرّس الفصل الرابع لموضوعين رئيسيين: الثورة الشعبية الثانية ضد الجماعات الجهادية، وقضية تحرير فلسطين. يصف الكاتب كيف اتبع النظام استراتيجية متعمدة منذ 2011 لتدمير المكونات الديمقراطية للثورة مع السماح للمجموعات المتطرفة بالتطور، مشيراً إلى أن النظام أطلق سراح آلاف الإسلاميين من السجون في الأشهر الأولى للانتفاضة. ثم يتناول الانتفاضة الشعبية الثانية التي اندلعت في 3 يناير 2014 ضد داعش في المناطق المحررة، وخاصة في مدينة الرقة. يشرح أن سكان المناطق المحررة ثاروا ضد استبداد داعش الذي كان يضم آنذاك حوالي 10 آلاف مقاتل، نصفهم أو أكثر من الأجانب. يصف الكاتب مظاهرات 7 و8 يناير 2014 العنيفة التي طردت قوات الجيش السوري الحر والألوية الإسلامية داعش من قواعدها في حلب، ويرفع المتظاهرون شعارات مثل "الأسد وداعش بد واحدة" و"الشعب يريد إسقاط داعش". يوثق الكاتب أن المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق إعدام 42 شخصاً ممن عُثر عليهم في مقار داعش.
ينتقل القسم الثاني من الفصل الرابع إلى فلسطين، حيث يؤكد المؤلف أن إسرائيل مشروع استعماري، وينتقد اتفاقيات أوسلو، ويشدد على أهمية حملات التضامن وخاصة حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات (BDS). يطرح الكاتب "الحل الفعلي الوحيد" وهو إقامة دولة ديمقراطية واجتماعية وعلمانية للجميع في فلسطين التاريخية مع حق العودة لجميع اللاجئين. ويربط هذا الحل بدعم الثورات الشعبية لإطاحة الأنظمة الاستبدادية المتواطئة مع إسرائيل، مستشهداً بمثال نظام الأسد الذي قتل أكثر من 2000 فلسطيني في سوريا منذ 2011 وحاصر مخيم اليرموك. يتضمن الفصل أيضاً أقساماً عن كوباني والمسألة الكردية، حيث يصف مقاومة وحدات حماية الشعب الكردي للدولة الإسلامية في المدينة منذ 14 سبتمبر 2014، مشيراً إلى أن أكثر من 550 شخصاً قُتلوا، وينتقد الكاتب سلطوية حزب الاتحاد الديمقراطي تجاه النشطاء الآخرين مع دعمه لحق تقرير المصير الكردي.
يقر المؤلف بحدود تحليله في أكثر من موضع. فهو يعترف بصعوبة التنبؤ بمسار الثورة، ويقر بوجود أعمال عنف واغتيالات ارتكبتها بعض المجموعات المسلحة المعارضة والتي نددت بها الحركة الشعبية. كما يعترف بأن تدفق المساعدات الغربية المزعومة للمعارضة لم يثبت بعد بحقائق ملموسة، وأن السيرورة الثورية ليست "طاهرة" بل هي مرحلة صراع وتجاذب بين القوى المختلفة. يترك الكاتب أسئلة مفتوحة حول دور اليسار الثوري ومدى قدرته على قيادة التغيير. في ما يخص القضية الكردية، ينتقد سلطوية حزب الاتحاد الديمقراطي وممارساته مثل تجنيد الأطفال وقمعه للمعارضين الأكراد، ويقر بأن التحالفات بين الثوار السوريين والأكراد تواجه تحديات كبيرة.
الحجج القابلة للنقاش في الكتاب عديدة وواضحة. النقطة الأبرز هي تصنيف جبهة النصرة وتنظيم داعش والجماعات المشابهة لهما ضمن "قوى الثورة المضادة"، إلى جانب النظام نفسه، مما يضع الكاتب في موقف معادٍ بشدة للطرفين ويرفض أي تحالف مع أي منهما. رؤيته للثورة كـ"ثورة دائمة" تتجاوز إسقاط النظام نحو تغيير المجتمع جذرياً نحو الاشتراكية هي رؤية أيديولوجية واضحة تستند إلى المنظور الماركسي الثوري. يرفض الكاتب أيضاً أي شكل من أشكال الرأسمالية والإمبريالية والأنظمة الإقليمية، بما فيها تركيا والسعودية وقطر التي قد تُعتبر حليفة للمعارضة السورية. طرحه للحل العلماني والديمقراطي الموحد في فلسطين التاريخية يختلف عن حل الدولتين وغيره من الحلول المطروحة. التركيز الحاد على فكرة أن الصراع الرئيسي هو صراع طبقي وليس دينياً أو عرقياً هو منظور أيديولوجي واضح له مؤيدوه ومعارضوه، ويمثل جوهر الكتاب بأكمله.
الفصول(4)
1.مقدمة / سوريا: التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، الانعكاسات والنتائج. / موقف وتأملات حول جبهة النصرة 4–23▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول ثلاثة موضوعات رئيسية مترابطة: التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي مهّدت للثورة السورية، وطبيعة الثورة كحركة شعبية ديمقراطية، وموقف الكاتب من الجماعات الإسلامية المسلحة وفي مقدمتها جبهة النصرة. يقدّم جوزف ضاهر إجابة واضحة مفادها أن الثورة السورية هي ثورة شعبية حقيقية نابعة من احتياجات الطبقات الفقيرة والمستغلة، وأن النظام وحلفائه هم المسؤولون عن إغراقها في العنف والطائفية، وأن الجماعات مثل جبهة النصرة تشكل جزءاً من الثورة المضادة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر بنية واضحة. يبدأ بمقدمة عامة حول جدلية الثورة والمؤامرة، ثم يتعمّق في التحليل الاقتصادي لسياسات النظام النيوليبرالية منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. هنا، يشرح الكاتب كيف بنى النظام شبكة من الولاءات الاقتصادية قائمة على الفساد والمحسوبية، مما أدى إلى خلق طبقة رأسمالية جديدة هجينة. يقدّم الكاتب أرقاماً مهمة لدعم حجته، فيذكر أن رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد) كان يسيطر على ما يقارب 60% من اقتصاد البلاد قبل الثورة عام 2011. كما يوضح أن السياسات النيوليبرالية أدت إلى انهيار القطاع العام وهيمنة القطاع الخاص الذي مثّل حوالي 70% من النشاط الاقتصادي. ونتيجة لذلك، وصلت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 33% عشية الثورة، أي ما يعادل 7 ملايين مواطن، مع تركُّز الفقر في المناطق الشمالية الشرقية. هذه المعطيات الاقتصادية، وفقاً للمؤلف، هي الوقود الحقيقي للثورة.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تحليل طبيعة الثورة، مؤكداً أنها بدأت بشكل سلمي بحت، وأن النظام هو من ردّ بالعنف والقمع، مما اضطر أقساماً من الشعب إلى تنظيم مقاومة مسلحة للدفاع عن التظاهرات. الأمثلة هنا متعددة، كذكر مشاركة الأكراد والأشوريين في طليعة المعارضة، واستضافة اللاجئين الفلسطينيين للعائلات الفارة من القمع في مخيماتهم، ورفع المتظاهرين لافتات تندد بالطائفية وتحذر منها. وظيفة هذه الأمثلة هي إثبات الطابع الشعبي الموحّد للثورة والذي يتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية. ثم يردّ الكاتب على الاتهامات بأن المقاومة المسلحة مجرد أداة بيد قوى خارجية، مستشهداً بأن عدد المقاتلين الأجانب لا يتجاوز 1000 شخص، بينما يتراوح عدد عناصر المقاومة المسلحة بين 70 ألفاً و100 ألف شخص.
فيما يخص جبهة النصرة، يقدم الكاتب عرضاً موجزاً لأصولها وتطوراتها، مشيراً إلى ظهورها في كانون الثاني/يناير 2012 بخطاب طائفي، وتكوّنها من إسلاميين من أصول أجنبية، وارتباطها الفكري والتكتيكي بـ تنظيم القاعدة في العراق. يرفض الكاتب بشدة العمليات الانتحارية التي تقوم بها الجماعة، ليس فقط لأنها تقتل مدنيين، بل لأنها تضر بالثورة من خلال تحويلها إلى حرب طائفية وتفكيك وحدة الحركة الشعبية. يستشهد بمقولة تروتسكي حول عدم فعالية الإرهاب الفردي في تحقيق التحرر، مؤكداً أن الإطاحة بالنظام تتطلب نضال الملايين من المظلومين، لا العمليات الانتحارية. يرى الكاتب أن دعم دول الخليج لهذه الجماعات يهدف إلى إفشال الثورة وتحويل مسارها، لأنها تخشى امتداد الموجة الثورية إلى أراضيها.
يعترف الكاتب بحدود التحليل وصعوبة التنبؤ بمسار الثورة. يترك أسئلة مفتوحة حول دور اليسار الثوري، ويقرّ بوجود أعمال عنف واغتيالات ارتكبتها بعض المجموعات المسلحة المعارضة والتي نددت بها الحركة الشعبية. كما يقر بأن تدفق المساعدات الغربية المزعومة للمعارضة لم يثبت بعد بحقائق ملموسة. التحفظ الأساسي في النص هو أن السيرورة الثورية ليست "طاهرة" أو ذات لون واحد، بل هي مرحلة صراع وتجاذب بين مختلف القوى.
أخيراً، يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه. النقطة الأبرز هي تصنيف جبهة النصرة والجماعات المشابهة لها ضمن "قوى الثورة المضادة"، إلى جانب النظام نفسه. هذه المقاربة تضع الكاتب في موقف معادٍ بشدة للطرفين (النظام والجهاديين) وترفض أي تحالف مع أي منهما. كما أن رؤيته للثورة كـ "ثورة دائمة" تتجاوز إسقاط النظام إلى تغيير المجتمع جذرياً نحو الاشتراكية، وربط نضال الشعب السوري بنضال الشعوب الأخرى وخاصة الفلسطينية، هي رؤية أيديولوجية واضحة قابلة للنقاش وتستند إلى المنظور الماركسي الثوري للكاتب.
2.الثورة السورية وخطاب بشار الأسد. / الطائفية ونظام الأسد في سوريا. / بسوريا وفي أي مكان آخر: ليس ثمة 24–43▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل من كتاب جوزيف ضاهر دراسةً تحليليةً نقديةً للثورة السورية، مُركّزاً على فضح خطاب النظام السوري بقيادة بشار الأسد، وكشف الدور المُركزي للنظام في إنتاج وتغذية السياسات الطائفية والعنصرية في المجتمع السوري على مدى عقود. يرفض المؤلف بشكل قاطع أي محاولة لاختزال الثورة في صراع طائفي، ويُصرّ على أنها ثورة شعبية حقيقية ذات أهداف تحررية واجتماعية واقتصادية، وأن الطائفية هي نتاج النظام نفسه، وليست انبثاقاً عن المجتمع. يقدّم الفصل إجابة واضحة: لا حل للأزمة السورية إلا بإسقاط النظام بالكامل، ورفض أي مشاريع سياسية تُبقي على بنيته، مثل مؤتمرات «جنيف» التي يعتبرها أدوات إمبريالية للحفاظ على الوضع القائم.
ينطلق الفصل بتحليل خطاب بشار الأسد في 10 كانون الثاني 2013 في دار الأوبرا بدمشق، واصفاً إياه بأنه تكرار لخطابات سابقة لا تحمل جديداً. يوضح المؤلف أن دعوة الأسد للمصالحة الوطنية مع «من لم يخونوا» هي محاولة لتكريس المنطق القمعي، وأن وصفه للثوار بـ«القاعدة» هو اتهام تآمري يهدف لتجريد الثورة من شرعيتها. ويُبيّن الفصل أن النظام لا يريد حلاً سياسياً حقيقياً، بل يريد إكمال الثورة بقوة السلاح، في وقت تجاوز عدد الشهداء 40 ألف شهيد (بحسب تقدير المؤلف في ذلك الوقت). ينتقد المؤلف بشدة أدوار القوى الدولية، واصفاً الأمم المتحدة بأنها «أداة القوى الإمبريالية»، ومُشيراً إلى مقولة ليون تروتسكي عن عصبة الأمم. ويؤكد أن الشعب السوري يرفض أي مفاوضات مع النظام، وأي حل لا يُحقق حريته وكرامته.
ينتقل الفصل لفصل جديد عنوانه «الطائفية ونظام الأسد في سوريا»، حيث يُفصّل المؤلف كيف أن النظام هو «المسؤول الأول عن انتشار السياسات الطائفية والعنصرية». يُشير إلى أن الطائفية ليست إرثاً تقليدياً أو معيقاً للحداثة، بل هي نتاج سياسات حداثية تُوظَّف من قبل الطبقة الحاكمة لتفتيت الحركات الشعبية وتشتيت جهود العمال والطبقات الكادحة، مُستشهداً بتحليل أسامة مقدسي في كتابه عن الطائفية. يوضح أن النظام السوري، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، اعتمد على ثلاثة محاور: السيطرة على الحركة النقابية والسياسية، إنشاء شبكة من العلاقات الزبائنية مع رجال الأعمال والمؤسسات الدينية، وانتهاج سياسات اقتصادية نيوليبرالية. كل هذه الإجراءات أدّت إلى تهميش الدولة وتراجع خدماتها لصالح مؤسسات الرعاية الدينية والعائلية، مما عمّق الانقسامات الطائفية.
يُقدّم الفصل تفصيلاً تاريخياً لسياسات النظام في هذا المجال. ففي المجال العمالي، قام حافظ الأسد بحل نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين عام 1970 واستبدال قياداتها بموالين له. ويُشير المؤلف إلى إضرابات عمالية هامة في 2010 (اعتصام عمال البناء في دمشق وإضراب سائقي السيارات العمومية في حلب) تم قمعها بقسوة. أما في المجال السياسي، فتم قمع أي حركة سياسية معارضة، بدءاً من حركة 8 شباط وحزب العمل في السبعينيات، وصولاً إلى قمع التحركات والفعاليات التي طالبت بالحريات بين عامي 2000 و2005. ويُظهر الفصل كيف حوّل النظام حزب البعث من حزب نضالي إلى أداة بيروقراطية للسيطرة، وزادت عضويته من 55,894 في 1971 إلى 1,201,855 في يونيو 2004 عبر ربطها بالتوظيف والترقي الوظيفي.
وفي ما يخص تعزيز الخطاب الديني، يُفصّل الفصل كيف انتهج النظام سياسات متناقضة: فبينما قمع تنظيم الإخوان المسلمين بوحشية في الثمانينيات، قام بتعديل الدستور عام 1970 ليعلن أن «دين الرئيس هو الإسلام»، وأضيفت إلى الدستور الجديد في آذار/مارس 2012 عبارة «الشريعة الإسلامية هي مصدر كل التشريعات». كما زاد النظام من بناء المساجد ودعم مدارس الشريعة ورفع أجور رجال الدين السنة، مع إقفال الكازينو الوحيد في البلاد في نيسان/أبريل 2011 وإلغاء منع المنقبات من دخول الجامعات لاستقطاب المحافظين. ويتزامن هذا مع انهيار الخدمات العامة نتيجة للسياسات النيوليبرالية، حيث كان 61% من السكان تحت خط الفقر قبل الثورة، ولجأ النظام لتوسيع مؤسسات الرعاية الدينية التي وصل عددها في عام 2010 إلى حوالي 100 مؤسسة توزع أكثر من 103 مليون ليرة سورية على 72 ألف عائلة.
يكرس الفصل قسماً مهماً لسياسات النظام تجاه الطائفة العلوية والأكراد. بالنسبة للعلويين، عمل النظام على ربطهم مباشرة بآل الأسد عبر عسكرة المجتمع العلوي، وتحويل الطائفة إلى خزان بشري للنظام، مع عدم السماح بإنشاء أي هيئة مستقلة تمثلهم (كالمجلس العلوي الأعلى) لإحكام السيطرة. يُشير المؤلف إلى تقرير مجموعة الأزمة الدولية (International Crisis Group) الذي يؤكد أن معظم العلويين التحقوا بالجيش لغياب بديل اقتصادي، وأنهم نادراً ما استفادوا من الفساد في قمة النظام. أما فيما يخص الأكراد، فيوضح الفصل سياسات التمييز الممنهجة منذ 1971، والتي تضمنت حرمانهم من تعليم لغتهم، تجريدهم من الجنسية (حوالي 300 ألف كردي)، وترحيلهم في إطار سياسة «الحزام العربي» وتحويل الأراضي الكردية لملاكين عرب، مع قمع انتفاضة القامشلي في 2005.
في فصل «ليس ثمة ثورة خالصة»، يناقش المؤلف كيف تحاول وسائل الإعلام الغربية تصوير الثورة السورية على أنها «ربيع إسلامي»، مما يخلق شعوراً بالانهزامية لدى الناشطين اليساريين والعلمانيين. يرفض هذا التوصيف ويؤكد أن الثورة ليست «خالصة» أو «نقية»، بل هي ساحة تنازع تضم قوى مختلفة، منها قوى ديمقراطية علمانية وأخرى رجعية طائفية. يهاجم المؤلف بشدة مؤتمر جنيف 2، الذي انعقد في تموز 2013، ويعتبره «محاولة من القوى الإمبريالية» للحفاظ على بنية النظام، من خلال حكومة انتقالية تضم أجزاء من المعارضة مع بقاء بشار الأسد في منصبه حتى انتخابات 2014. ويؤكد أن الشعب السوري رفض هذه الحلول، مُظهِراً ذلك في تظاهرات حاشدة رفعت شعارات مثل: «جنيف 2، هناك فارق بين من يناضل من أجل الحرية وبين من يسعى لتحسين شروط العبودية».
يتناول الفصل أيضاً نقداً لاذعاً للائتلاف الوطني السوري المعارض، متّهماً إياه بـ«الانتهازية والبرجوازية»، وأنه مستعد لخيانة الثورة خدمة لمصالحه الشخصية والقوى الخارجية. يشير إلى بيان أصدرته لجان التنسيق المحلية والهيئات الثورية في 4 حزيران، يعلنون فيه عدم منح أي شرعية لـ«جسم سياسي قد يتحول إلى سرطان في جسم الثورة». كما ينتقد المؤلف الدور الإجرامي لكل من روسيا وإيران وحزب الله في قتل الشعب السوري، وفي الوقت نفسه، ينتقد بشدة المجموعات الجهادية كـجبهة النصرة، التي يدعمها النظامان السعودي والقطري «لتحويل الثورة إلى حرب طائفية». يُورد الفصل أمثلة عديدة على مقاومة القوى الشعبية لهذه الجماعات، كالمظاهرات في الرقة (التي تحررت في آذار الماضي) ضد إعدامات الجبهة، وهتاف «لا سني ولا علوي، ثورتنا ثورة وطنية»، وكذلك في كفرنبل وحلب والميادين.
يُختتم الفصل بتركيزه على قوة التنظيم الذاتي للجماهير، ففي مدينة الرقة المُحرّرة، أدار الناس أنفسهم بأنفسهم وارتفع عدد المنظمات الشعبية إلى 42 حركة اجتماعية. وهم يواجهون محاولات الفرض الطائفي عبر فعاليات مثل «علم الثورة فوق» لمقاومة العلم الإسلامي الأسود. يؤكد المؤلف أن المقاومة الشعبية (سلمية وعسكرية) هي السبيل الوحيد لإسقاط النظام، رغم عدم التوازن العسكري بسبب نقص دعم الجيش السوري الحر الديمقراطي مقارنة بالدعم الهائل بالبترودولار للقوى الرجعية. وختم المؤلف برسالة واضحة: الاستمرار في النضال حتى النصر، من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ورفض أي حلول تفرضها القوى الإمبريالية وتحافظ على بنية النظام المجرم.
3.سوريا: المسألة الكردية، الإسلاميون والجيش السوري الحر. / الشعب السوري لن يركع! / التنظيم الذاتي للنض44–60▼ ملخص
يتناول هذا الفصل من كتاب جوزيف ضاهر ثلاثة محاور مترابطة حول الثورة السورية في صيف 2013، مقدمًا تحليلاً من منظور تيار اليسار الثوري. الموضوع المحوري هو التأكيد على أن الثورة الشعبية السورية ما زالت حية، رغم المؤامرات الخارجية، والهجمات الوحشية لنظام بشار الأسد، والتهديدات الداخلية من الجماعات الإسلامية الرجعية التي يراها المؤلف خطراً لا يقل عن النظام نفسه. يرفض المؤلف اختزال الصراع في حرب بين معسكرين جيوسياسيين، مؤكداً أن الأمل الوحيد يكمن في التنظيم الذاتي للجماهير الشعبية.
يبدأ الفصل بتحليل المشهد في شمال شرق سوريا، حيث تشكل المسألة الكردية بؤرة توتر. يشرح كيف انسحبت قوات النظام في 19 تموز 2012 من معظم المدن ذات الأغلبية الكردية، تاركة فراغاً ملأه حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه المسلح لجان حماية الشعب الكردي (YPG). يستعرض المؤلف الصراع الدائر بين هذه القوى الكردية من جهة، وجبهتي النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من جهة أخرى، للسيطرة على مناطق استراتيجية غنية بالنفط ونقاط عبور إلى تركيا مثل رأس العين وتل أبيض. يوضح أن الجيش السوري الحر (FSA) منقسم في هذا الصراع: بعض كتائبه تقاتل مع الإسلاميين، بينما يدين بعضها الآخر، مثل كتيبة "شيركو الأيوبي" في 18 تموز، انتهاكات الإسلاميين وانضمت إلى لواء الجبهة الكردية.
يستخدم المؤلف هذه الأمثلة ليُظهر مدى تعقيد المشهد وكيف أن الصراع ليس ثنائياً بين النظام والثوار فقط. يورد تصريح الجنرال سليم إدريس، رئيس أركان الجيش السوري الحر آنذاك، الذي قال إن المعارضة "لن تعترف أبداً بدولة كردية"، مما يكشف عن توترات عميقة داخل المعارضة نفسها. وينتقد المؤلف سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي الاستبدادية وتعاونه المزعوم مع النظام في بعض الأوقات، مشيراً إلى أن ممثلين عنه التقوا بشار الأسد قبل أسابيع. في المقابل، يبرز مبادرات شعبية للم الشمل العربي الكردي، كمظاهرة في حي الأشرفية بحلب في 1 آب، وأخرى في عامودا رفعوا فيها العلمين السوري والكردي تضامناً مع حمص المحاصرة، لإثبات أن "الثورة الشعبية في سوريا هي للجميع وهي مناهضة للعنصرية والطائفية".
ينتقل الفصل إلى وصف جرائم النظام، متخذًا من مجزرة الغوطة الشرقية في 21 آب 2013 مثالاً صارخاً. يستشهد ببيان منظمة أطباء بلا حدود الذي أكد علاج أكثر من 3600 مريض بأعراض تسمم عصبي ووفاة 355 منهم، مما يقدم دليلاً على استخدام الأسلحة الكيميائية. يرى المؤلف أن هذه المجزرة، التي تأتي ضمن هجوم واسع لسحق الثورة، تهدف إلى تعزيز "الحل السياسي السيء" الذي يقبله الائتلاف الوطني السوري المدعوم غربياً، وهو حل يحافظ على بنية النظام مع تغيير رأسها. لكنه يؤكد أن الشعب السوري يواصل مقاومته، ويستشهد بمظاهرات في 23 آب وكلمات كتبها ثوار حمص يسخرون فيها من "الخطوط الحمراء" الأمريكية، قائلين: "الخط الأحمر التالي: استخدام الأسلحة النووية".
في المقابل، يحلل الفصل الجماعات الإسلامية الرجعية (داعش وجبهة النصرة) باعتبارها "خطراً على الثورة" و"جزءاً من الثورة المضادة". يورد أمثلة على هجوم داعش على كتيبة أحفاد الرسول في الرقة بمنتصف آب، مما أدى لمقتل قائدها. كما يصف ممارساتهم الاستبدادية مثل خطف النشطاء (منهم الأب باولو وفراس الحاج صالح)، وفرض "الصيام" والحجاب، وقتل فتى في الرابعة عشرة من عمره بتهمة سب الدين. يستشهد بتصريحات لجان التنسيق المحلية التي أدانت هذه الأعمال قائلة إنها "لا تخدم سوى مصلحة نظام الاستبداد"، ويذكر خروج مظاهرات شعبية في بستان القصر بحلب ضد المجلس الإسلامي رافعة شعار "للعار يا للعار.. الشبيحة صاروا ثوار"، مقارنة بين استبداد المجموعات الإسلامية واستبداد النظام.
المحور الأخير والأهم في تقدير المؤلف هو "التنظيم الذاتي للنضالات الشعبية" . يقدم أدلة على حيوية الثورة من خلال إنشاء "إدارات مدنية منتخبة" و"مجالس شعبية" في المناطق المحررة مثل دير الزور والرقة. يصف انتخاب مجالس محلية لأول مرة منذ 40 عاماً، وتأسيس تحالف الشبيبة الثورية في حلب، وارتفاع عدد الصحف المستقلة من 3 قبل الثورة إلى أكثر من 60. يفصل تجربة الرقة، أول محافظة محررة بالكامل، حيث يدير السكان جميع الخدمات، وينظم الشباب حملات كحملة "العلم الثوري السوري يمثلني" لمواجهة العلم الأسود للإسلاميين، ويقيمون معارض فنية ومراكز لدعم الشباب. هذا التنظيم الذاتي، بحسب المؤلف، هو الدليل الأقوى على أن الثورة لم تمت رغم كل التحديات.
يقر المؤلف بحدود هذه المجالس الشعبية مثل ضعف تمثيل النساء والأقليات، ولا يحاول تجميل الواقع، بل يهدف لإثبات قدرة الشعب على مبادراته الخاصة. في النهاية، يخلص إلى خلاصة واضحة: "الثورة السورية مازالت قائمة"، رغم المجازر والتهديدات الداخلية. يرى أن الجماعات الإسلامية، رغم كونها أقلية، فهي خطيرة وتعادي أهداف الثورة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية. يؤكد أن لا عودة للنظام ولا بديل عن متابعة النضال لبناء مجتمع ديمقراطي وعلماني، شعاره "الموت ولا المذلة".
4.سوريا: ثورة ثانية ضد الجهاديين و داعش. / حول تحرير فلسطين، التضامن مع الشعب الفلسطيني والثورات الشعب61–74▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل من كتاب "الثورة السورية وحيدة بوجه العالم" لجوزيف ضاهر على موضوعين رئيسيين مترابطين: أولاً، الثورة الشعبية الثانية داخل سوريا، وهي ثورة ضد الجماعات الجهادية وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وثانياً، قضية تحرير فلسطين والتضامن مع الشعب الفلسطيني في سياق الثورات الشعبية العربية. يقدّم المؤلف تحليلاً نقدياً للقوى الفاعلة في المنطقة، معتبراً أن الصراع ليس بين نظام علماني وإسلاميين، بل هو صراع بين ثورة شعبية من الأسفل من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من جهة، وقوى الثورة المضادة التي تشمل النظام السوري والجماعات الجهادية والإمبريالية الدولية من جهة أخرى.
في القسم الأول، يصف الكاتب كيف أن نظام الأسد، ومنذ بداية الانتفاضة السورية في عام 2011، اتبع استراتيجية متعمدة تهدف إلى تدمير المكونات الديمقراطية والمدنية للثورة، مع السماح للمجموعات المتطرفة والإسلامية بالتطور. يذكر أن النظام أطلق سراح الآف الإسلاميين من السجون في الأشهر الأولى للانتفاضة، بمن فيهم قادة من "الجبهة الإسلامية". ويعتبر المؤلف أن هذه السياسة هي وجه آخر ميكيافيلي للنظام، الذي يُنظر إليه خطأً على أنه علماني، بينما يتحالف مع مجموعات طائفية مثل حزب الله لمحاربة الثوار.
يتناول الفصل بعد ذلك الانتفاضة الشعبية الثانية التي اندلعت في 3 يناير 2014 ضد داعش في المناطق المحررة، وخاصة في مدينة الرقة (المحررة منذ مارس 2013). يشرح الكاتب أن سكان المناطق المحررة ثاروا ضد استبداد داعش الذي كان يضم آنذاك حوالي 10 آلاف مقاتل، نصفهم أو أكثر من الأجانب. كانت مظاهرات 7 و8 يناير 2014 عنيفة، حيث طردت قوات الجيش السوري الحر والألوية الإسلامية داعش من قواعدها في حلب، بما في ذلك مستشفى الأطفال الذي كان قد حوّله التنظيم إلى مقر قيادة وسجن. رفع المتظاهرون شعارات مثل "الأسد وداعش بد واحدة" و"الشعب يريد إسقاط داعش". يشير الكاتب إلى أن داعش أعدمت العديد من المعتقلين قبل طردها، ويذكر أن المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق إعدام 42 شخصاً ممن عُثر عليهم في تلك الأماكن. يُبرز الفصل أن هذه الانتفاضة الشعبية تدل على أن الثورة السورية ليست نزاعاً إسلامياً، بل هي حركة شعبية مستمرة ضد الاستبداد بنوعيه: استبداد النظام واستبداد الجهاديين.
ينتقل القسم الثاني من الفصل إلى موضوع فلسطين، حيث يؤكد المؤلف أن إسرائيل مشروع استعماري منذ نشأته (بدعم من الإمبريالية البريطانية ثم الولايات المتحدة)، وأنها لم تكن مستعدة أبداً للسلام العادل مع الفلسطينيين. ينتقد اتفاقيات أوسلو باعتبارها وسيلة لجعل السلطة الفلسطينية تدير الاحتلال نيابة عن إسرائيل. ويشدد الكاتب على أهمية حملات التضامن، وخاصة حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات (BDS)، التي يعتبرها تهديداً متنامياً لإسرائيل، مماثلة لمقاطعة جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري.
يطرح الفصل "الحل الفعلي الوحيد" للقضية الفلسطينية: وهو تدمير الدولة الاستعمارية الإسرائيلية القائمة على الأبارتهايد والاحتلال، وإقامة دولة ديمقراطية واجتماعية وعلمانية للجميع في فلسطين التاريخية (إسرائيليون وفلسطينيون)، مع حق العودة لجميع اللاجئين. ويرتبط هذا الحل بالعنصر الثاني الأكثر أهمية: وهو دعم الثورات الشعبية في المنطقة لإطاحة الأنظمة الاستبدادية المتواطئة مع إسرائيل. يستشهد الكاتب بمثال نظام الأسد الذي قتل أكثر من 2000 فلسطيني في سوريا منذ 2011، وحاصر مخيم اليرموك للاجئين لأكثر من عام، وكذلك نظام السيسي في مصر الذي ساهم في حصار غزة. يخلص الفصل إلى أن تحرير فلسطين مرتبط بتحرير الطبقات الشعبية في كل من دمشق، الرياض، الدوحة، طهران، القاهرة وعمان من أنظمتها الحاكمة والإمبريالية (خاصة الولايات المتحدة وروسيا والقوى الإقليمية مثل إيران والسعودية وتركيا وقطر).
يتضمن الفصل أيضاً أقساماً عن كوباني والمسألة الكردية، حيث يصف مقاومة وحدات حماية الشعب الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي للدولة الإسلامية في المدينة منذ 14 سبتمبر 2014، مشيراً إلى أن أكثر من 550 شخصاً قُتلوا منذ بدء الهجوم. يُبرز الفصل أن سقوط كوباني سيشكل هزيمة مزدوجة لحق تقرير المصير الكردي وللثورة السورية، لأن منطقة الحكم الذاتي الديمقراطي "روجافا" هي نتيجة مباشرة للثورة. ينتقد الكاتب سلطوية حزب الاتحاد الديمقراطي تجاه النشطاء الآخرين، لكنه يدعم حق تقرير المصير للشعب الكردي. وأخيراً، يتناول الفصل السيرورة الثورية في تونس ومصر، معتبراً أن القوتين الرئيستين في المنطقة هما ممثلو الأنظمة القديمة (مثل حزب نداء تونس ونظام السيسي) والقوى الإسلامية الرجعية (مثل حركة النهضة والإخوان المسلمين)، وكلاهما معادٍ للثورة وأهدافها الأولية. يخلص الكاتب إلى أن دور الثوريين ليس اختيار أحد هذين الشكلين من الرجعية، بل بناء جبهة شعبية مستقلة وجذرية تناضل من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة.
يُقرّ المؤلف ببعض التحفظات والانتقادات، خاصة فيما يتعلق بسلطوية حزب الاتحاد الديمقراطي وممارساته مثل تجنيد الأطفال وقمعه للمعارضين الأكراد، وكذلك بفشل قوات التحالف الدولي في وقف هجوم الدولة الإسلامية على كوباني، مما يثبت برأيه أن التدخلات الخارجية تخدم المصالح الإمبريالية لا مصالح الشعوب. كما يُقرّ بأن التحالفات بين الثوار السوريين والأكراد تواجه تحديات، لكنه يصرّ على أن مصير الثورة السورية وحق تقرير المصير الكردي مترابطان ولا ينفصلان.
إن حجج الفصل قابلة للنقاش بشكل واضح، خاصة في تبنّيه لخطاب راديكالي يرفض أي شكل من أشكال الرأسمالية والإمبريالية والأنظمة الإقليمية، بما فيها تلك التي قد تُعتبر حليفة للمعارضة السورية (مثل تركيا والسعودية وقطر). كما أن طرحه للحل العلماني والديمقراطي الموحد في فلسطين التاريخية هو رؤية سياسية محددة تختلف عن حل الدولتين وغيره من الحلول المطروحة. يركز الكاتب بشكل حاد على فكرة أن الصراع الرئيسي هو صراع طبقي وليس دينياً أو عرقياً، وهو منظور أيديولوجي واضح له مؤيدوه ومعارضوه.