المورد
الزبداني سلسلة مدن في الثورة السورية

الزبداني سلسلة مدن في الثورة السورية

ar

يقدّم كتاب "الزبداني: سلسلة مدن في الثورة السورية" للباحث صبر درويش سرداً تفصيلياً لمسيرة مدينة الزبداني الواقعة شمال غرب دمشق، منذ اللحظات الأولى للثورة السورية في منتصف آذار 2011 وحتى تحولها إلى مسرح للحرب والدمار بحلول عام 2016. الموضوع المحوري للكتاب هو تتبع التحولات الجذرية التي مرت بها المدينة، من حراك مدني سلمي تأسس على قيم الطبقة الوسطى المتنورة، وصولاً إلى عسكرة الصراع وهيمنة الفصائل الجهادية، وانتهاء بخراب شبه كامل وحصار خانق. يدافع المؤلف، عبر شهادات حية جمعها من ناشطين وشهود عيان، عن فكرة أن الثورة في الزبداني كانت نموذجاً مصغراً للتجربة السورية بأكملها، حيث أظهرت كيف أن تدخل النظام العسكري الممنهج، وتحالفه مع أطراف إقليمية مثل حزب الله، والتحول القسري نحو العمل المسلح، قاد إلى تدمير النسيج الاجتماعي وإجهاض الأحلام الأولى بالحرية والعدالة.

تسير حجة الكتاب وفق ترتيب زمني واضح، يبدأ بـ "الزمن الجميل" الذي يصف سياقات ما قبل الثورة. كان عدد سكان المدينة نحو 30 ألف نسمة، يتميزون بارتفاع معدلات التعليم الجامعي وانتشار الطبقة الوسطى، وعاشوا أجواء من النقاش السياسي الحاد إثر ثورات الربيع العربي. يبرز هنا دور عائلات مثل برهان واللبواني وخيطو، وصولاً إلى المظاهرة الأولى في 25 آذار 2011 التي انطلقت من جامع الجسر بمشاركة نحو 200 شخص، رفعوا شعار "الله.. سورية.. حرية". ينتقل الكتاب بعدها إلى مرحلة التصعيد الأمني، مسجلاً الاقتحام الأول للمدينة في أيار 2011 والثاني في تموز 2011، الذي شاركت فيه نحو 9 آلاف جندي، وخلف عشرات المعتقلين. في الباب الثاني، يصف التحول الحاسم نحو العسكرة، مشيراً إلى أن أول مجموعة مسلحة تشكلت تحت اسم "كتيبة شهداء الحق" بقيادة محمود رحمة الملقب بـ "الريس"، وهو شخص ينتمي إلى قطاع التهريب وليس من النخبة المثقفة. يشرح الكتاب هنا ظاهرة بارزة: كيف أن الجيل الأول من حملة السلاح، الذي كان هدفه حماية المظاهرات، بدأ تدريجياً يزيح الناشطين المدنيين عن مواقع القيادة، ويفرض خطاباً إسلامياً متشدّداً، مما أدى إلى تحول المطالب من الديمقراطية إلى "دولة الخلافة". ويضرب مثلاً على ذلك برفض الناشطين الأوائل لرفع راية سوداء في إحدى المظاهرات، في مشهد يعكس الصراع المبكر على هوية الحراك.

يقدم الكتاب أرقاماً وشهادات لافتة يصعب نسيانها، وتندمج في السياق السردي دون افتعال. فبعد معارك بداية عام 2012، يروي أنس برهان كيف تمكن مقاتلون لا يتجاوز عددهم عشرات من الصمود أمام الجيش، مكبّدين إياه خسائر فادحة، حيث ذكر له أحد الوسطاء أن نحو 800 جندي قتلوا في تلك المعارك. يصف أيضاً العمل البطولي للقائد خالد الكويفي، المهندس الزراعي، الذي تمكن من تدمير دبابة باستخدام عبوة غاز منزلي، قبل أن يستشهد في 8 شباط 2012 بعد اقتحامه دبابة وانفجار قذائفها به. أما في مرحلة الحصار، فتروي السيدة مريم كيف كانت النساء يذهبن سيراً على الأقدام لمسافة تتراوح بين ثلاث إلى خمس ساعات للحصول على الطعام، وكيف وصل سعر ربطتين من الخبز وعلبتي سردين إلى نحو 100 دولار. ويكشف النقاب عن تفاصيل هدنة تمت بخدعة، حيث طلب النظام من الناشطين السماح لقواته بدخول المدينة لتصوير انتصار إعلامي على أن تنسحب، لكنه وضع ست دبابات في ساحة المحطة وقام بحملات اعتقال واسعة طالت حتى أنس برهان نفسه، الذي أمضى 45 يوماً تحت التعذيب.

يعترف المؤلف بحدود البحث، ويصرح منذ البداية أن ما جمعه لا يعدو "غيضاً من فيض"، وأن القصة تبقى ناقصة بانتظار جهود باحثين آخرين. كما يترك أسئلة مفتوحة حول الدوافع الحقيقية التي حملت بعض الناشطين على حمل السلاح، مشيراً إلى أن المعلومات التفصيلية عن مرحلة تشكل الكتائب الأولى غير موثقة بشكل كاف، وأن هناك حاجة للتمييز بين الأجيال المختلفة من المقاتلين وقادتهم. أيضاً، يقر بأن سيطرة النظام على السردية الإعلامية وحصار المنطقة حال دون وصول الباحثين إلى أرض الواقع، مما أجبر فريق العمل على الاعتماد على شهادات – وثيقة الصدق – لأشخاص كانوا مشاركين في الأحداث أو على مقربة كافية منها، مع الإقرار بأن الفريق منحاز للثورة السورية رغم سعيه للموضوعية العلمية.

في الفصل الأخير من الكتاب، تظهر "عودة إلى الزمن الجميل" كاستذكار للمؤسسات المدنية التي نشأت في الزبداني رغم الحرب. يبرز هنا دور "تنسيقية الزبداني وما حولها" التي تأسست في حزيران 2011، و"المجلس المحلي المدني" الذي شُكّل من 9 أعضاء في بداية 2012 وتولى التفاوض مع النظام وتوزيع المساعدات. والأهم، تجربة "تجمع ثائرات الزبداني" الذي تأسس في منتصف 2011، حيث لعبت النساء دوراً محورياً غير مسبوق: خرجن في المظاهرات، واعتصمن أمام الأمن للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وأسسن مجلة "أوكسجين" في 16 كانون الثاني 2012 كمنبر إعلامي حر، ثم أنشأن "منظمة ضمة للعمل الإغاثي" في تشرين الأول 2013، التي افتتحت مدارس وروضات وقدمت دعماً نفسياً. تختار الناشطات اسم "ثائرات" بدلاً من "حرائر" تأكيداً على فاعليتهن الثورية بدلاً من تنميطهن. وهنا تبرز حجة قابلة للنقاش: يبدو انزياح العمل المدني النسوي في الزبداني من النشاط السياسي المباشر إلى العمل الإغاثي والإعلامي الموازي، وكأنه انعكاس لتهميش دور المرأة في مرحلة عسكرة الثورة، رغم أن النص يقدمه كاستمرارية بطولية. هذا التحول، وإن كان إيجابياً في تأمين الاحتياجات الأساسية، يثير تساؤلاً حول مدى نجاح المجتمع الأهلي في الحفاظ على استقلاليته السياسية أمام هيمنة الفصائل المسلحة التي احتلت المشهد العسكري والإداري لاحقاً.