
السلطان الحديث
الموضوع المحوري لكتاب "السلطان الحديث" لـياسين الحاج صالح هو تفكيك الآليات التي حوّلت سورية من جمهورية ناشئة إلى دولة سلطانية محدثة، حيث تُستخدم الطائفية كأداة حكم مركزية. يدافع المؤلف عن فكرة أن الطائفية في سورية ليست نتاجاً طبيعياً للتنوع الديني أو المذهبي، ولا هي قدر تاريخي حتمي، بل هي نتاج سياسي متعمد، صُنع وحُوفظ عليه من قبل نظام حافظ الأسد ثم ابنه بشار لضمان استمرار حكمهما. الحجة الأساسية هي أن هذا النظام أسس "دولة سلالية طائفية" تتمركز حول شخص الحاكم وأجهزته الأمنية، وليس حول مؤسسات وطنية أو قانونية. يُعرِّف المؤلف هذا النموذج بـ"السلطانية المحدثة"، ويراها نتيجة تفاعل ثلاث مقدمات رئيسية: أزمة الكيان السوري الهش منذ الاستقلال، وعدم الاستقرار السياسي المتواصل بين 1945 وحكم الأسد، والتركيبة الاجتماعية المركبة التي تفتقر إلى إطار جامع.
تبدأ حجة الكتاب من تحليل البنى التاريخية والسياسية التي مهدت للتحول السلطاني. يوضح المؤلف أن سورية عانت من اقتطاعات متكررة لأراضيها: لواء إسكندرون لتركيا، فلسطين لإسرائيل، الجولان بعد حرب 1967، مما خلق قلقاً وجودياً لدى النخب. هذا القلق تحول إلى "توق إلى الطبيعة" تجسد في ثلاثة أشكال: الوطن العربي الكبير، أو سورية الطبيعية، أو التمسك بـالجماعات الأهلية. الحكم الأسدي عالج المشكلة بتسخير الدولة لصالح مشروع سلطاني. ثم ينتقل إلى مرحلة التأسيس بعد انقلاب 1970، حيث بنى حافظ الأسد أجهزة أمنية قاسية رأس عليها أقاربه وموثوقيه من العلويين، مع أولوية لأبناء عشيرته ثم عشيرة زوجته. أسس تشكيلات عسكرية أمنية مثل سرايا الدفاع بقيادة أخيه رفعت الأسد، والحرس الجمهوري بقيادة عدنان مخلوف، والقوات الخاصة بقيادة علي حيدر، وجرّد الجيش من دوره السياسي محولاً إياه إلى أداة للقمع الداخلي.
يقدم الكتاب مفهومين مركزيين يربطان الأجزاء ببعضها: "الدولة الخاصة" و**"الطائفة العامة". الطائفة العامة تعني تعميم فئة خاصة (العلويين) في مواقع مفصلية بالدولة، دون أن يعني ذلك أن جميع العلويين حاكمون أو أحرار، بل ينتج ما يسميه المؤلف "السؤدد"، أي الشعور بالقوة لدى المقربين من السيد. أما الدولة الخاصة فتعني تخصيص الجمهورية، بحيث تصبح "سورية الأسد" ملكاً لرئيسها، مما مهد لتوريث الحكم. يكشف الكتاب عن ثنائية بنيوية معممة: دولة ظاهرة (الحكومة، الإدارة، التعليم، القضاء) وهي عامة ولا طائفية لكنها بلا سلطة حقيقية، ودولة باطنة** (الرئيس، الأسرة الأسدية، الأجهزة الأمنية، أثرياء السلطة) وهي خاصة وطائفية وحائزة على سلطة القرار. يضرب المؤلف مثلاً بترتيب الأعياد الوطنية: عيد الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني هو الأكبر، يليه عيد 8 آذار، فيما عيد الجلاء في 17 نيسان هو في مرتبة ثانوية.
تتوالى فصول الكتاب لتعميق هذا التحليل، حيث ينتقل إلى فكرة أن الطوائف ليست كيانات طبيعية، بل تُصنع من خلال عملية مزدوجة: تقليص الفوارق الاجتماعية والطبقية داخل كل جماعة مذهبية لإنتاج "ذات طائفية واعية"، ومحو نقاط التشابه مع الجماعات الأخرى وتضخيم التناقضات. ويشير المؤلف إلى أن العنف الجسدي والرمزي يُستخدم كأداة أساسية "لرص الطائفة" وفرض وحدتها. يقدم أمثلة ملموسة على ذلك من لبنان والعراق، ويخصص فقرة لافتة لتراجع الزيجات البينية كدليل على نجاح التطييف، حيث يخضع جسد المرأة لمتطلبات الهوية الطائفية، وتصبح النساء اللواتي يتزوجن من خارج الطائفة عرضة للنبذ أو القتل.
في تحليل متقدم، ينتقل الكتاب إلى مفهوم "المعارضة الموضوعية"، حيث يرى المؤلف أن لكل نظام سياسي طويل الأمد معارضة تنتجها ظروفه، وهي تمثل "الضد النوعي" لهذا النظام. يخلص إلى أن الإسلاميين بشكل عام هم المعارضة الموضوعية للأنظمة العربية التسلطية، مع إضافة عنصر طائفي في بلدان مثل سورية والعراق. يفسر ذلك بأن الدين يصبح "سياسة مجتمع بلا سياسة"، وأن السلفيين الجهاديين هم في موقع أنسب من الإخوان المسلمين لأنهم أكثر اتساقاً مع مسألة تغيير ما لا يمكن تغييره بالقوة. يستشهد المؤلف بـأبو محمد العدناني، الناطق باسم داعش، في إصدار عنوانه "السلمية دين؟" الذي يعلن أن السلمية استراتيجية عقيمة، ليثبت أن هذه القوى تزدهر في ظروف الحرب وتداعي الدولة الوطنية.
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها: خلال 20 عاماً بين الاستقلال وحكم الأسد، شهدت سورية أكثر من 10 انقلابات عسكرية. كما يشير المؤلف إلى أن أكثر من 100 ألف علوي سقطوا في حرب بقاء النظام منذ عام 2011، مما يظهر أن العلويين هم "أول ضحايا النظام" ويستخدمهم كـ"متراس". وفي سياق الحديث عن التطييف، يذكر أن أكثر الجماعات تضرراً من الإفقار السياسي هي التيارات العلمانية الحديثة (اليساريين، الليبراليين، الديمقراطيين)، لأنها تحتاج إلى "النهار السياسي" لتعيش وتزدهر، بينما تزدهر السلفية الجهادية في "ليل السياسة". يذكر المؤلف مثالاً مهماً على ضعف التيار العلماني من خلال شخصيات مثل سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة، الذين اختطفوا في دوما في الشهر الأخير من عام 2011 من قبل جماعة زهران علوش، مشيراً إلى أن نسبتهم تبقى ضئيلة.
يتناول الكتاب أيضاً ما يسميه "المنابع السنية للطائفية"، وهي الهيمنة الدينية التي يمارسها السنّة بوصفهم الطائفة الإسلامية الأكبر. يرى المؤلف أن هذه الهيمنة لا تقوم فقط على كون السنّة يشكلون أكثرية سكانية، بل على تراكم تاريخي من السيطرة على تعريف الإسلام نفسه، أي على امتلاك "سلطة تعريف الإسلام" التي تُقرّ بأن الإسلام السني هو الإسلام الوحيد. يصف الوضع الناتج بأنه "طائفة عامة" للسنّة على المستوى الديني، حيث يتعلم جميع الأطفال السوريين من غير المسيحيين تعليماً إسلامياً سنياً، وقوانين الأحوال الشخصية إسلامية سنية، والأعياد الدينية المعترف بها هي الأعياد السنية، وحتى رئيس الدولة يؤدي الصلاة وفق الطقوس السنية. يضرب أمثلة على ذلك بتدخل أجهزة دينية مثل البوطي لحظر كتاب "في ظل الحجاب" عام 1978، ووقف عرض مسرحية "طقوس الإشارات والتحولات" لـسعد الله ونوس في حلب عام 1991، ومشروع قانون الأحوال الشخصية الرجعي عام 2004.
يقرّ المؤلف بعدة حدود وتحفظات. ففي حديثه عن "جماعة ما تبقى" (السنّيون السوريون)، يعترف بأن صورة عدم طائفيتهم قد تتغير تحت وطأة العنف التمييزي الحاد، وبفعل الاختراق الإيراني الذي يسعى إلى تنميط الطوائف، مشيراً إلى أن نحو عشر سنوات من الثورة بدأت تُظهر أشكالاً متوترة من العصبية السنية. كما يعترف بأن تحليله لـ"المعارضة الموضوعية" قد يُوصف بـ"السياسوية" أو "شخصنة المشكلة"، لكنه يدافع عن نفسه بأن الإرجاع إلى "طبائع اجتماعية راسخة" هو ما يفعله الأقوياء لتبرير سياساتهم. في نقد كتاب نيقولاوس فان دام، ينتقد المؤلف "الحتمية الطائفية" التي تفسر مسار الثورة السورية كأمر محتوم، معتبراً إياها مصنوعة من خيارات سياسية وليست نتيجة طبيعية لبنية طائفية ثابتة.
تظهر في الكتاب حجج قابلة للنقاش بوضوح. أولها، اعتبار أن الإسلاميين هم "المعارضة الموضوعية" الطبيعية للأنظمة التسلطية العربية، وأن العنف هو استجابة حتمية لهياكل السلطة المغلقة. هذا الطرح قد يُقرأ كتبرير ضمني للعنف السياسي. ثانيها، النقد الحاد لـ"سياسة الأقليات" التي تمارسها قوى دولية مثل روسيا والقوى الغربية، حيث يرى المؤلف أن هذا الخطاب لا يهدف إلى حماية الأقليات فعلياً، بل هو أداة سياسية لتثبيت الطغيان وإدامة التقسيم. ثالثها، تحليل "المحافظة الاجتماعية الجديدة" كنتاج لـ"سلطة مؤبدة" تفرض منطقاً في التعامل مع المجتمع يقوم على تأليف قلوب النخب الاجتماعية وتجنيد ولائها، بدلاً من تشجيع التغيير أو التجديد. هذه المقاربة تضع مسؤولية التشظي الطائفي على عاتق النظام السياسي وليس على المجتمع السوري بتركيبته المعقدة، وتدعو إلى إعادة النظر في الروايات التي تختزل الصراع في سورية إلى صراع مذهبي أو ثقافي، كاشفة عن البنى السلطانية التي أنتجت وأعادت إنتاج الانقسامات.
الأشخاص
الفصول(17)
1.السلطان الحديث: المنابع الاجتماعية والسياسية للطائفية في سورية27–96▼ ملخص
ملخص الفصل: «السلطان الحديث: المنابع الاجتماعية والسياسية للطائفية في سورية»
يدور هذا الفصل حول تحول سورية من جمهورية ناشئة إلى دولة سلطانية محدثة قائمة على الطائفية كأداة حكم، ويقدم المؤلف إجابة أساسية مفادها أن نظام حافظ الأسد ثم ابنه بشار أسسا دولة سلالية طائفية تتمركز حول شخص الحاكم وأجهزته الأمنية، وليس حول مؤسسات وطنية أو قانونية. يصف المؤلف هذا النموذج بـ«السلطانية المحدثة»، ويراها نتيجة لتفاعل ثلاث مقدمات رئيسية: أزمة الكيان السوري الهش منذ الاستقلال، وعدم الاستقرار السياسي المتواصل بين 1945 وحكم الأسد، والتركيبة الاجتماعية المركبة التي تفتقر إلى إطار جامع.
يسير الفصل بتتبع تاريخي وتحليلي يبدأ من مقدمات التحول السلطاني. يوضح المؤلف أن سورية عانت من اقتطاعات متكررة لأراضيها: لواء إسكندرون لتركيا، فلسطين لإسرائيل، الجولان بعد حرب 1967، مما خلق قلقاً وجودياً لدى النخب. هذا القلق تحول إلى «توق إلى الطبيعة» تجسد في ثلاثة أشكال: الوطن العربي الكبير، أو سورية الطبيعية الممتدة، أو الجماعات الأهلية كأطر حياة أكثر طبيعية. الحكم الأسدي عالج المشكلة بتسخير الدولة لصالح مشروع سلطاني يعالج أزمة الكيان من خلال السيطرة على الإقليم والقاعدة الحلية.
المقدمة الثانية هي حالة اللااستقرار السياسي: خلال 20 عاماً بين الاستقلال وحكم الأسد، شهد البلد أكثر من 10 انقلابات عسكرية، بعضها دموي، وكانت سورية موضع تجاذب دولي وإقليمي. المقدمة الثالثة هي التركيبة الاجتماعية: أكثرية سنية مخلخلة منقسمة، وأقليات تشكل نحو ثلث السكان، وفوارق طبقية كبيرة بين نخبة ملاك الأراضي والصناعيين وبين جمهور واسع من المحرومين.
في القسم التالي، ينتقل المؤلف إلى مرحلة التأسيس. بعد انقلاب 1970، بنى حافظ الأسد أجهزة أمنية قاسية رأس عليها أقاربه وموثوقيه من العلويين، مع أولوية لأبناء عشيرته ثم عشيرة زوجته. أسس تشكيلات عسكرية أمنية مثل سرايا الدفاع بقيادة أخيه رفعت الأسد، والحرس الجمهوري بقيادة عدنان مخلوف شقيق زوجته، والقوات الخاصة بقيادة علي حيدر. في الوقت نفسه، جرد الجيش من دوره السياسي وحوله إلى أداة للقمع الداخلي، خاصة بعد حرب 1973 مع إسرائيل، حين انفتحت صفحة الحروب ضد الفلسطينيين واللبنانيين ثم السوريين.
يقدم المؤلف مفهومين مركزيين: «الدولة الخاصة» و**«الطائفة العامة»**. الطائفة العامة تعني تعميم فئة خاصة (العلويين) في مواقع مفصلية بالدولة، دون أن يعني ذلك أن جميع العلويين حاكمون أو أحرار. هذا الوضع ينتج ما يسميه المؤلف «السؤدد»، أي الشعور بالقوة والأفضلية لدى المقربين من السيد، وهو يختلف عن السيادة التي تخص الدولة المتجسدة في شخص الرئيس. أما الدولة الخاصة فتعني تخصيص الجمهورية أو نزع الصفة العامة عنها، بحيث تصبح «سورية الأسد» ملكاً لرئيسها، مما مهد لتوريث الحكم بعد وفاة المؤسس.
يكشف الفصل عن ثنائية بنيوية معممة هي الخاصية الجوهرية للسلطانية المحدثة: دولة ظاهرة (الحكومة، الإدارة، الجيش العام، التعليم، القضاء) وهي عامة ولا طائفية لكنها بلا سلطة حقيقية، ودولة باطنة (الرئيس، الأسرة الأسدية، الأجهزة الأمنية، التشكيلات العسكرية الأمنية، أثرياء السلطة) وهي خاصة وطائفية وحائزة على سلطة القرار. الدولة الباطنة غير مرئية، وأركانها يصفون أنفسهم بأنهم «أبناء النظام» فيما موظفو الدولة الظاهرة مجرد «أجراء». ويضرب المؤلف مثلاً على هذه الثنائية بترتيب الأعياد الوطنية: عيد الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني هو الأكبر يليه عيد 8 آذار (انقلاب البعث)، فيما عيد الجلاء في 17 نيسان هو في مرتبة ثانوية.
في القسم الخاص بـ«قضاء الحاجات ونظام القيم»، يصف المؤلف كيف أن الولاء الشخصي للرئيس هو المفتاح العام لكل باب مغلق، وصارت القيم العليا هي السلطة أولاً ثم المال والقرابة، بينما تراجع وزن العمل والمعرفة والكفاءة. يحدد المؤلف ثلاث وسائل لقضاء الحاجات: الرشوة للمال، القرابة (توسط الأقارب النافذين)، والسلطة نفسها (للنخبة فقط). هذا ينتج نظاماً هرماً: في القمة مجموعة ضيقة من الأسرة الأسدية وكبار رجال الأمن والمال، وتحتها أعيان جدد (ضباط، رجال دين، تجار، بعثيين كبار) يعملون كوسطاء، وفي القاع جمهور واسع من المحتاجين الذين لا واسطة لهم ولا سند، وهو ما يصفه المؤلف بأنه مصدر للثورة.
يشرح الفصل كيف أن نظام الواسطة هذا ينتج «المجتمع الأهلي» القائم على روابط القرابة والطائفة، بدلاً من «المجتمع المدني» القائم على الروابط التطوعية المستقلة. فالمرء يلجأ إلى أهله، مما يسبب انشداد الأفراد إلى رابطة الدم (الأسرة والعشيرة) ثم القرابة المعنوية (الجماعة الدينية أو المذهبية). هذا يعزز التخارج بين الجماعات وتدوير ظهورها لبعضها، وهو ما تحرسه الأجهزة السلطانية.
في الجزء الأخير، يتناول الفصل زمن بشار الأسد، مشيراً إلى أن الممارسات الطائفية سجلت حضوراً علنياً متزايداً بفعل تدهور أجهزة التعبئة الاجتماعية مثل حزب البعث نفسه والمنظمات الشعبية (اتحاد شبيبة الثورة، الاتحاد الوطني لطلبة سورية، اتحادي العمال والفلاحين) التي كانت تقوم بدور وساطة اجتماعية. اعتمد بشار على البرجوازية التابعة التي نشأت في كنف والده، وطبق صيغة ليبرالية جديدة لتحرير الاقتصاد، مما صعد دور الثروة والقرابة والطائفية. يضاف إلى ذلك واقعة التوريث نفسها كتأسيس لسلالة، وانتشار مناخ ثقافي عالمي بعد 11 أيلول يركز على الهوية والاختلاف، والاحتلال الأميركي للعراق وصعود الشيعية السياسية والهيمنة الإيرانية.
يخلص المؤلف إلى أن الطائفية في سورية ليست مجرد تعبير عن المجتمع أو الدين أو الثقافة، بل هي علاقة قوة قائمة على الكراهية والإكراه والتمييز وعدم الثقة، وهي أداة حكم فعالة تتيح تفريق صفوف المحكومين وتحويل العلاقات بينهم إلى تباعد وخوف. الطائفية هي مبدأ تماسك الدولة الباطنة ونهجها غير المعلن في التعامل مع السكان، ومنبع للكراهية والعنف والمذابح. ويؤكد أن النظام مصمم بحيث يجرّئ المجموعات الأكبر ويستفيد منه المجموعات الأصغر والأكثر تماسكاً، مما يجعل سورية «جوهرياً بلداً لا يساوي ظاهر الأشياء فيه واقعها».
أما الفقرة الأخيرة، فيمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش تتعلق بتفسير الطائفية كنتاج لسياسة منهجية متعمدة وليس كنتيجة حتمية للتنوع الاجتماعي أو التاريخ المذهبي، مما يضع مسؤولية التشظي الطائفي على عاتق النظام السياسي وليس على المجتمع السوري بتركيبته المعقدة. هذا الطرح يدعو إلى إعادة النظر في الروايات التي تختزل الصراع في سورية إلى صراع مذهبي أو ثقافي، ويكشف عن البنى السلطانية التي أنتجت وأعادت إنتاج الانقسامات.
2.الأبد، الطوائف كأوابد، والإبادة97–108▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على فكرة محورية: الطائفية ليست نتاجاً طبيعياً لتنوع ديني أو مذهبي موروث في المجتمعات الشرقية، بل هي صُنع سياسي متعمد. يرى المؤلف أن الطائفية استراتيجية للسيطرة السياسية، تهدف إلى تحويل الجماعات الدينية والمذهبية إلى "طوائف" موحدة سياسياً، وذلك في سياق الصراع على السلطة والموارد داخل الدولة الحديثة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الطائفية في سورية هي نتاج مباشر لحكم حافظ الأسد وسلالته، الذي راهن على البقاء في الحكم إلى الأبد.
يسير الفصل بخطى منهجية. أولاً، يميز بين الانتماء الديني الموروث (الجنس) والخيار السياسي الطائفي (الجندر)، مثلما يُفرّق بين الجنس والجندر. فالولادة ضمن جماعة دينية لا تحتم التوجه السياسي الطائفي. ثانياً، يشرح كيف بدأ التطييف في سورية من خلال وضع الرئيس حافظ الأسد لموثوقيه من الطائفة العلوية في المواقع المفصلية، خاصة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، بهدف منع الانقلابات التي اشتهرت بها سورية بعد استقلالها عام 1945. هذا التطييف للوظيفة الأمنية حوّل "الجيش العربي السوري" من مؤسسة وطنية إلى أداة طائفية.
ثالثاً، يوضح الفصل أن التطييف لم يقتصر على الأمن، بل شمل تحطيم كل المنظمات السياسية المعارضة، سواء الإسلامية أو اليسارية، التي كانت تشكل بديلاً مدنياً جامعاً يخلط السوريين من منابت مختلفة. أدى هذا إلى خلق "مضخة للطائفية هي الدولة" دون وجود ديناميكيات مضادة. وكنتيجة، صار السنيون أكثر سُنّية والعلويون أكثر علوية، وأصبح الجميع أقل سورية. كما برز مفهوم "الوحدة الوطنية" المفروض بقوة الدولة، والذي عمل كعنصر مكمل للطائفية، إذ يجرم الاعتراض على التركيبة الطائفية باعتباره اعتراضاً على الوطنية نفسها.
رابعاً، يتناول الفصل كيف صُنعت الطائفة العلوية كطائفة موحدة سياسياً إلى جانب النظام. هذا الصنع تم عبر "علونة العلويين"، أي عبر عمليات تقريب ومجانسة، وعبر العنف ضد المعارضين العلويين داخل النظام وخارجه (مثل قمع تنظيم بعثي منافس بقيادة صلاح جديد الذي قضى 17 عاماً في السجن، وقمع الشيوعيين). الهدف الأسمى هو بقاء النظام، وليس رفاه العلويين، ويشير الكاتب إلى أن أكثر من 100 ألف علوي سقطوا في حرب بقاء النظام منذ عام 2011. يضرب الفصل مثالاً على سهولة التطييف بصعود الإسلام السني الطائفي في سبعينات القرن الماضي، الذي توج بمجزرة إبادية في حماة عام 1982 سقط فيها عشرات العسكريين العلويين الشباب.
خامساً، ينتقل الفصل إلى مفهوم "الأبد" وارتباطه بالإبادة. الأبد هو رهان النظام على البقاء في الحكم وعدم التغيير، وهذا الرهان تحول بمرور الزمن إلى بنية اجتماعية صلبة، حيث تحولت الجماعات المطيَّفة إلى "أوابد متحجرة". الطوائف في هذا السياق هي تماثيل اجتماعية صلدة، تماماً كتماثيل حافظ الأسد المنتشرة، وكلاها نتاج "فن سياسي" صناعي وليس قدراً طبيعياً. من هنا، فإن بناء نظام سياسي على صنع هذه الأوابد يهدد بالإبادة كلما تهدد الأبد، كما يحدث في سورية حالياً. الإبادة هي استمرار للطائفية صناعة الأوابد بوسائل عنيفة، وهي تسهم بدورها في تصلب هذه الهويات، في حلقة مفرغة.
في النهاية، يعترف الفصل بأنه كان يمكن لسورية تجنب هذا المصير، لكنه ليس مضموناً في ضوء أحوال لبنان والعراق. مع ذلك، يؤكد أن سورية الأسدية جمعت أسوأ صفات نظامي صدام حسين وبشار الأسد مع دوام حكم متجدد عمره نصف قرن. يرفض الكاتب تفسيرات "قدرية" ترجع الطائفية لبنية أبدية في المجتمعات، أو لفتاوى قديمة (مثل فتوى ابن تيمية) أو لعداء متأصل. بدلاً من ذلك، يؤكد أن الطائفية مرتبطة ببنى السلطة والنفوذ والموارد الحديثة. يفتح الفصل سؤالاً حول إغلاق باب الإبادة، ويقول إنه يقتضي طيّ صفحة الأبد وإغلاق باب التطييف وتأميم الدولة الخصخصة، وهو أمر غير ميسور الآن، خاصة في ظل حماية قوتين عظميين طائفيتين هما روسيا (التي تتحدث عن حماية المسيحيين الأرثوذكس) وإيران (التي تسعى لمزيد من التطييف).
3.في الطائفية والنظام الطائفي في سورية109–118▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل الطائفية والنظام الطائفي في سورية، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الطائفية ليست مرضاً متأصلاً في الأديان أو المذاهب أو المجتمع، بل هي مرض من أمراض السياسة والدولة أولاً وأساساً. يرى المؤلف أن النظام السياسي السوري هو المُضخِّم الفعال والمُنتِج الأساسي للطائفية، التي يستخدمها كأداة حكم رخيصة لإضعاف المحكومين وتفريقهم وضمان استمراره.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك المفهوم الشائع للطائفية. يبدأ المؤلف بانتقاد موقفين متطرفين في النقاش السوري: الأول يُنكر أي تأثير للعامل الطائفي، والثاني يعتبره طبيعة ثابتة لا تتغير. يرى أن كلا الموقفين يعطل إمكانية معالجة المشكلة، لأن الأول ينكرها والثاني يعتبرها قدراً لا يُرد. يقدم بعدها حجته المركزية بأن مشكلة الطائفية تنشأ من تسريب التمايزات الدينية والمذهبية من النطاق الاجتماعي الخاص إلى الدولة العامة، محولاً إياها إلى قيم سياسية في سياق صراع النخب على السلطة. يستشهد بتجربة دول الغرب التي تحتفظ بفوارقها الدينية والمذهبية دون أن تتسرب إلى الدولة، مما يجعلها "اختلافات اجتماعية مُثرية ثقافياً".
يحدد المؤلف ثلاث عمليات تُسوغ الكلام عن "نظام طائفي" في سورية: أولاً، إعادة إنتاج النظام لذاته من خلال إعادة إنتاج موسعة للتمايزات الطائفية. ثانياً، تفاوت عتبات تماهي السكان مع السلطة بناءً على انتمائهم الطائفي. ثالثاً، تراجع الوعي الوطني وتنامي الوعي الذاتي الطائفي. ويشدد على أن "النظام الطائفي" ليس نظام طائفة واحدة، بل نظام يتوسل الطائفية كأداة حكم، وله مصلحة جوهريّة في ترسيخ الانقسامات. يؤكد أن الأساسي في مسألة السلطة ليس "من يحكم" بل "كيف يحكم": هل يحكم وفق قانون معلوم ومصلحة عامة، أم وفق الهوى والمحاباة؟
يستخدم المؤلف مثالاً واضحاً لتدعيم حجته، وهو أن صفة "نظام طائفي" في سورية لا تعادل "نظام علوي". يشرح أن العلويين هم "أول ضحايا النظام" ويستخدمهم كـ"متراس"، وأكثر مما يمكن القول إن النظام بيد العلويين. يضرب مثلاً تاريخياً بحالة حافظ الأسد عند استيلائه على السلطة عام 1970، مشيراً إلى أنه لم يُقابل باعتراضات طائفية بل بترحيب في دمشق وحلب، وأن الاعتراضات جاءت من حساسية يسارية وعقائدية. ويخلص إلى أن تنامي الاعتراض على حكمه كـ"علوي" جاء بعد سنوات، لأنه حكم بالهوى والتمييز والقربى وليس بالقانون، مما دفع المعارضين لاحقاً إلى استخدام العامل الطائفي كأداة سياسية في غياب أدوات سياسية أخرى.
يقر المؤلف بحدود وترك أسئلة مفتوحة، معترفاً بأن تحليله قد يُوصف بـ"السياسوية" أو "شخصنة المشكلة" من قبل نقاده من "القدرية الجدد". لكنه يدافع عن نفسه بأن هؤلاء النقاد يغفلون أن الإرجاع إلى "طبائع اجتماعية راسخة" هو ما يفعله الأقوياء لتبرير سياساتهم، وأن هذا الموقف لا يقدم حلاً عملياً أو سبباً للتفكير في تغيير الواقع. كما يناقش بإسهاب نظرية النظام الطائفي في الطائفية (ونظرية مثقفيه العضويين) التي تعفي النظام من المسؤولية وتحيل المعالجة إلى مستقبل بعيد، متهماً إياها بأنها نظرية النظام نفسه.
باختصار، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش وواضحة مفادها أن التخلص من الطائفية لا يكون بـ"تأميم الدولة" أو العمل على المواطنة فحسب، بل بفهم أن الطائفية هي نتاج مباشر لنمط معين من ممارسة السلطة. المدخل إلى الحل، حسب المؤلف، هو العمل على تغيير هذا النمط من الحكم الشخصي القائم على الهوى والقرابة إلى حكم القانون والعدالة، مما يقلل من شأن الحيثيات الطائفية ويفتح الطريق لتشكل أكثرية اجتماعية متعالية عليها.
4.صناعة الطوائف: الطائفية كاستراتيجية سيطرة سياسية119–136▼ ملخص
يطرح هذا الفصل أطروحة أساسية ومفادها أن الطوائف ليست كيانات طبيعية أو جوهرانية قائمة بذاتها، بل هي نتاج عملية سياسية واجتماعية ممنهجة تُعرف بـ"صناعة الطوائف". والطائفية، وفقاً للمؤلف، ليست تعبيراً عن اختلافات مذهبية قديمة، بل هي استراتيجية سيطرة سياسية تهدف إلى تحويل الجماعات الأهلية-الدينية أو المذهبية- إلى فاعلين سياسيين متصارعين، وذلك من أجل خدمة أهداف نخب حاكمة أو طامحة للحكم. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن الطائفية "بنت غير شرعية للحداثة السياسية" في المجتمعات العربية، وأنها تنشأ وتزدهر في سياق "التعارض بين التعددية الأهلية والواحدية السياسية المتصلبة"، أي عندما تُغلق أنظمة السلطة وتُمنع المشاركة السياسية وتداول النخب.
يسير الفصل خطوة خطوة في تفكيك هذه الفكرة، مبتدئاً بنقد "النظرية الجوهرانية" التي تعتبر الطوائف كيانات معطاة وثابتة. يوضح المؤلف أن هذا التصور الطبيعي للطوائف هو "الحجر الزاوية في الفكر الطائفي" والدفاع الأشد عنه. بدلاً من ذلك، يقترح أن الطوائف تُصنع من خلال عملية مزدوجة: أولاً، تقليص الفوارق والتباينات الاجتماعية والطبقية والجهوية داخل كل جماعة مذهبية لإنتاج "ذات طائفية واعية لذاتها". ثانياً، محو أو إخفاء نقاط التشابه والتداخل مع الجماعات الأخرى، وفي المقابل رفع الفوارق والتناقضات المحتملة إلى مرتبة عالية وتضخيمها وأحياناً اختلاق تاريخ عريق للصراع بينها. تتوسل هذه العملية بوسائل إدراكية مثل الإشاعة والتهويل والأسطرة لصنع "جماعة متخيلة كلية التماثل داخلياً وكلية الاختلاف عن غيرها".
يقدم المؤلف أمثلة ملموسة على هذه الصناعة، فيشير إلى أن العنف الجسدي والرمزي يُستخدم كأداة أساسية "لرص الطائفة" وفرض وحدتها خلف قيادة واحدة. يذكر على سبيل المثال استخدام العنف في الوسط الماروني في بدايات الحرب اللبنانية لتوحيده خلف كتائب آل الجميل أو مردة آل جعجع، وكذلك ما جرى بين الشيعة في ثمانينات القرن العشرين، وما يحدث في الوسطين الشيعي والسني في العراق المعاصر. أما العنف الرمزي فيتمثل بالتكفير والتصفية الخطابية للمنافسين داخل الطائفة أو خارجها. ويخصص المؤلف فقرة مهمة لمسألة "تراجع الزيجات البينية" كدليل على نجاح التطيف، حيث يخضع جسد المرأة، بشكل خاص، لمتطلبات الهوية الطائفية، وتصبح النساء اللواتي يتزوجن من خارج الطائفة عرضة للنبذ أو القتل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة الظروف السياسية التي تزدهر فيها صناعة الطائفية. يؤكد المؤلف بشكل قاطع أن "مفتاح فهم الطائفية ليس الطوائف بل نظام السلطة". فالأنظمة المغلقة التي تحتكر السلطة وتمنع تداولها وتقمع الحياة السياسية، هي التي تدفع المجتمع إلى التشرذم وفق خطوط التمايز المذهبية. هذا "التجميد المصطنع لتداول السلطة" يولد أزمة ثقة وطنية، ويحول النخب الحاكمة إلى نخب طائفية تستند إلى أقاربها وعشيرتها ومذهبيها للحفاظ على حكمها، حتى لو كانت هذه النخب متعددة الأصول دينياً في البداية. يصوغ المؤلف هذه الفكرة بعبارة لافتة: "ليست مهمة من أو أولئك الذين يحكمون؛ المهم هو كيف يحكمون، وكيف يعاد إنتاج نظامهم بالخصوص". فالطائفية، في هذا السياق، ليست نتاج التعدد الديني، بل نتاج انغلاق المنظومة السياسية.
في الجزء الأخير من الفصل، يناقش المؤلف ما يسميه "النزعة الجمهورية الطائفية" ليفسر لماذا تنجح هذه الاستراتيجية رغم خطرها. يرى أن الجمهور ليس مجرد كتلة سلبية يتلاعب بها الزعماء الطائفيون، بل هو جمهور عقلاني يبحث عن معنى للمشاركة والفاعلية في غياب فضاءات سياسية وطنية حقيقية. تقدم الطائفية، في جوهرها، "حلاً من نوع ما" لجمهور محروم من السياسة، إذ تمنحه شعوراً بالأخوة والمساواة والتضامن داخل الطائفة، وفسحة للحرية والنشاط لا يجدها في أي مكان آخر. هذا البعد "التحرري" الزائف هو مصدر قوة الطائفية، ولكنه أيضاً مصدر خطرها المدمر، لأن الأفراد الذين يتحررون عبر الجمهورية الطائفية هم أنفسهم الذين سيصبحون أدوات للقتل والاستبداد لاحقاً. فالتماسك الداخلي للطائفة، الذي يُنتجه الاستقطاب ضد عدو خارجي، يخلق "بطلاً طائفياً" متطرفاً، فيما يوصف المعتدل بأنه خائر أو خائن. ويختتم المؤلف بالإشارة إلى أن الطائفية الحديثة، مهما كانت مآسيها، هي أكثر تقدماً من "التناثر الأهلي" الذي يسبقها، وبالتالي فإن التحرر منها لا يكون بالعودة إلى الوراء، بل ببناء أطر وطنية جمهورية أوسع وأكثر حيوية قادرة على تلبية تطلعات الجمهور إلى الحرية والمساواة والكرامة.
6.المعارضة الموضوعية: التشكيلة السياسية والتغير السياسي145–162▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو مفهوم «المعارضة الموضوعية» أو «النوعية»، وهو تفسير يقدمه ياسين الحاج صالح لطبيعة العلاقة بين الأنظمة السياسية في المنطقة العربية، وخاصة النظام السوري، ومعارضيه. يرفض الكاتب فكرة أن المعارضة «سيئة مثل النظام» لمجرد أنها تشبهه في بعض الصفات، وهي مقولة يرى أنها تستخدم لتبرير النظام. بدلاً من ذلك، يقدم تفسيراً بنيوياً: لا يمكن الفصل بين تكوين المعارضة وطبيعة ممارسة السلطة العامة في أي بلد، فهما معاً يشكلان «تشكيلة سياسية» واحدة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن لكل نظام سياسي طويل الأمد «معارضة موضوعية» تنتجها ظروفه وتسهل نموها، وهي تمثل «الضد النوعي» لهذا النظام، بغض النظر عن الخيارات الذاتية للأفراد.
يسير الفصل خطوة بخطوة لبناء هذا المفهوم. ينطلق من تعريف «التشكيلة السياسية» التي تجمع بين النظام ومعارضته الموضوعية ومعارضة متنحية أخرى، وتتحدد بظروف مثل المساحة المتاحة للنشاط العلني وطول أمد استقرار الأوضاع. يرى الكاتب أن هذه التشكيلة، سواء كانت استبدادية أو ديمقراطية، تنتج معارضة «موضوعية» ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً. المعارضة الموضوعية لا تغير التشكيلة، بل حتى لو غيرت النظام، فإن التشكيلة تبقى. أما المعارضة المتنحية أو «الذاتية»، فهي أقل ارتباطاً بالنظام وأكثر ارتباطاً بتفضيلات أعضائها الفكرية، وبالتالي فهي مهمشة وأقل تأثيراً.
يستخدم الكاتب مثال الأنظمة العربية التسلطية والحديثة (جهازياً) مثل نظام الأسديين في سورية، وأنظمة مبارك والسيسي في مصر، ونظام القذافي في ليبيا، والنظام الجزائري، ليحدد من هي المعارضة الموضوعية لها. يخلص إلى أن الإسلاميين بشكل عام هم المقابل الطبيعي لهذه الأنظمة، مع إضافة عنصر طائفي في بلدان مثل سورية، العراق (حيث الإسلاميون شيعة)، والبحرين. يوضح الكاتب أن معارضين آخرين، مثله، هم معارضة ذاتية لأن بيئتهم السياسية غير مناسبة لفكرهم، وليسوا قادرين على تقديم إجابة مؤثرة لتحدي السلطة القائمة بالقوة، وهو ما يستطيع الإسلاميون فعله بمواجهة القوة بالقوة، ولديهم خطاب ديني وجذور رمزية في الثقافة واللغة لا يملكها العلمانيون أو اليساريون. يقول الكاتب إن الإسلاميين هم «التيار السياسي الذي يبقى حين يجري اجتثاث كل حياة سياسية»، لأن الدين يصبح «سياسة مجتمع بلا سياسة».
يتوسع الفصل في تحليل موقع الإسلاميين داخل هذه التشكيلة المغلقة (التي يسميها «التشكيلة السلطانية المحدثة» في سورية). يرى أن خاصيتها الأبرز هي «الدهومة» أو الأبدية، والتي تقتضي سحق المعارضة. هذا يضع من لا يستبعد العنف كمنهج للتغيير في موقع أفضل، وهنا يأتي دور السلفيين الجهاديين الذين هم في موقع أنسب من الإخوان المسلمين. يستشهد الكاتب بـأبو محمد العدناني، الناطق باسم داعش، في «إصدار» عنوانه «السلمية دين؟»، الذي يعلن أن السلمية استراتيجية عقيمة. يرى الكاتب أن صعود السلفيين الجهاديين في الحرب السورية (مثل أحرار الشام وجيش الإسلام) يعود لكونهم أكثر اتساقاً مع مسألة تغيير ما لا يمكن تغييره بالقوة، وأقدر على تعبئة المعارضة الكامنة. في المقابل، يقدم مثال الإخوان المسلمين السوريين كمعارضة موضوعية تحولت إلى معارضة ذاتية، مستشهداً بخروجهم من «جبهة الإنقاذ» في عام 2009 بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي على غزة، مما أضعف موقعهم.
يستخدم الفصل التاريخ والمقارنة لتأكيد حجته. يعود إلى سورية في خمسينات القرن العشرين وبعد انهيار الوحدة مع مصر في أيلول 1961 وحتى انقلاب البعث الأول في آذار 1963، ليبين أن المعارضة الموضوعية حينها لم تكن إسلامية بل يسارية (شيوعيين وبعثيين)، لأن النظام كان وطنياً ليبرالياً. كان الإسلاميون (بقيادة مصطفى السباعي) معارضة ذاتية محافظة ومتباينة بشكل محدود، بينما كان الشيوعيون هم الأكثر تبايناً واستعداداً للكفاح المسلح. ويقارن هذا بواقع تركيا الحديثة، حيث المعارضة الموضوعية لحكم حزب العدالة والتنمية المحافظ هو اليسار الاجتماعي ممثلاً بـ«حزب الشعوب الديمقراطي». يشرح الكاتب أن «موضوعية» اليسار التركي وصلت به إلى التضاد مع الثورة السورية ومساندة نظام بشار الأسد، وهو ما يراه أزمة سياسية. ومع ذلك، يشير إلى أن انغلاق النظام التركي المحتمل قد يدفع إلى نمو المقاومة المسلحة ذات القاعدة اليسارية العلمانية.
ينتقل الفصل لدراسة حالات أخرى. في إيران، المعارضة النوعية علمانية ليبرالية رغم أن النظام شيعي استبدادي، لأن النظام نفسه هو الأكثر شيعية. في السعودية، يصعب الحديث عن معارضة بسبب القمع والريع النفطي، لكن الليبراليين هم حساسية معارضة، بينما يواجه الوجه التحديثي للدولة معارضة إسلامية عنيفة وهابية أكثر تطرفاً. أما في الاتحاد السوفييتي السابق، فكان الموقع الوطني الليبرالي هو المعارضة النوعية للتشكيلة الشيوعية المنغلقة. وفي الديمقراطيات الغربية، كانت المعارضة الموضوعية بعد الحرب العالمية الثانية هي أحزاب اليسار الشيوعي (التي كانت لا تستبعد العنف)، لكنها مع الوقت فقدت موقعها «الضدي» وتحولت إلى معارضة ذاتية، مستشهداً بسياسات الاستيعاب التي اتبعتها الديمقراطيات البرجوازية. يخلص الكاتب إلى أن السلفية الجهادية اليوم هي أقرب ما يكون إلى موقع المعارضة الموضوعية «للنظام العالمي القائم» المنغلق، لكنها معارضة «مفرطة الموضوعية» لأنها تقوم على التضاد الخالص والعنف العدمي، مما يجعلها استمراراً للنظام الذي تحاربه وليست بديلاً تحررياً عنه.
يقرّ الكاتب بحدود مفاهيم «التشكيلة السياسية» و«المعارضة الموضوعية»، معترفاً بأنها قد تبدو حتمية وتحرم المعارضين من المبادرة. لذلك، يُدخل تمييزاً بين نوعين من المعارضة المتنحية: «المعارضة المتنحية» التي همشتها التشكيلة فتكيفت معها، و«المعارضة الذاتية» التي تدين باستمرارها لإيمان وتصميم أفراد عنيدين، مما يمنحها طابعاً بطولياً ومأساوياً وإمكانية أن تكون تعبيراً حقيقياً عن الحرية. يرى أن عوامل أخرى تكسر هذه الحتمية، مثل الصراعات الدولية (التي أعطت النظام السوري مساحة هائلة) والعرض الفكري (مثل الفكر الماركسي الذي صنع ذاتية واسعة للعمال والمثقفين). يختم الفصل بالثورة السورية كإجابة مبدعة عن سؤال التغيير، حيث كسرت حتمية التشكيلة باقتحام واسع للمجال السياسي. يشير إلى أنه لو حدث تغيير سياسي مبكر، لربما عاد الوزن للإسلاميين الإخوانيين (كما في تونس ومصر)، لكن تأخر التغيير أفسح المجال لصعود السلفية الجهادية كمعارضة موضوعية أكثر عنفاً وطائفية.
في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن طرح الكاتب يمثل حجة قابلة للنقاش. اعتباره أن الإسلاميين هم «المعارضة الموضوعية» الطبيعية للأنظمة التسلطية العربية، وأن العنف هو استجابة حتمية لهياكل السلطة المغلقة، هو تحليل حتمي وخطير. قد يقرأه البعض على أنه تبرير ضمني للعنف السياسي أو إضفاء شرعية على قوى الإسلام السياسي، رغم أن الكاتب يوضح في النهاية أن هذه المعارضة الموضوعية ليست تحررية. النقد الأعمق هو أنه يختزل الإرادات الذاتية والتنوع السياسي في معادلة بنيوية صارمة، وقد يقلل من شأن دور الفاعلين العقلانيين والفكر الحر في خلق احتمالات سياسية مغايرة خارج منطق العنف والتضاد. السؤال الذي يبقى مفتوحاً في الفصل نفسه هو: كيف يمكن تغيير تشكيلات سياسية مغلقة دون عنف؟ وهو السؤال الذي تعجز إجابة الكاتب عن تقديم حل واضح له سوى الإشارة إلى الإبداع الثوري الذي حصل في سورية لكنه فشل في النهاية.
7.في الأصول البنيوية لانقسامات المعارضة السورية163–172▼ ملخص
في الفصل المعنون «في الأصول البنيوية لانقسامات المعارضة السورية» من كتاب "السلطان الحديث"، يحلل ياسين الحاج صالح الأسباب العميقة والجذرية لانقسامات المعارضة السورية، متجاوزاً التفسيرات السطحية التي تركز على الخلافات الأيديولوجية أو الشخصية. يرى الكاتب أن هذه الانقسامات ليست مجرد اختلافات في الرأي أو التكتيك، بل هي نتاج بنى اجتماعية وسياسية معقدة ومتجذرة في الدولة والمجتمع السوريين. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن تفكك المعارضة وضعفها يعودان إلى ازدواجية بنيوية في السلطة والدولة، مما يخلق التباساً في مواقف المعارضين ويجعل صراعاتهم الداخلية أحياناً أشد من معارضتهم للنظام.
يسير الفصل خطوة بخطوة لكشف هذه البنى الخفية. يبدأ المؤلف بملاحظة أن انقسامات المعارضة، خاصة العلمانية منها، منحت النظام السوري هامش مناورة واسعاً، وأن هذه الانقسامات كانت مزمنة وشديدة الحدة، وتصل أحياناً إلى حد الكراهية المتبادلة التي تفوق خصومة النظام نفسه. هذا يشير إلى وجود محددات بنيوية غير ظاهرة، وهي ما سيتقصاها الفصل.
ثم ينتقل الكاتب إلى تفكيك مفهوم «المعارضة» نفسه، عبر سؤال جوهري: «ماذا يعارض المعارضون؟». الإجابة البديهية هي أنهم يعارضون «النظام»، لكن المؤلف يبين أن هذا السؤال أكثر تعقيداً. فالواقع السوري، كما يراه، قائم على ازدواجين بنيويين رئيسيين: الأول على مستوى الدولة، والثاني على مستوى السلطة.
أولاً: ازدواج الدولة (دولة ظاهرة ودولة باطنة). الدولة الظاهرة هي مؤسسات الدولة العامة: الحكومة، الإدارة، التعليم، القطاع العام. أما الدولة الباطنة فهي المركب السياسي الأمني الذي يمسك بزمام الحكم الفعلي والثروات، وهي أسرية وطائفية بشكل حاسم (في إشارة إلى هيمنة عائلة الأسد والنخبة العلوية). الثورة السورية كشفت هذا الازدواج بوضوح عندما انشقت مؤسسات الدولة الظاهرة (الجيش، الحكومة، الإعلام) في الشهور الأولى، دون أن تمس الدولة الباطنة. هذا الازدواج يخلط الأوراق: فبعض المعارضين يعارضون الدولة الظاهرة بشدة (مثل نقد الحكومة أو الفساد الإداري) بينما هم في حقيقة الأمر موالون للدولة الباطنة أو لا يعترضون عليها. وبالمقابل، هناك من يعارض الدولة الباطنة فقط. النظام نفسه يشجع هذا الخلط، إذ يسمح بنقد الدولة الظاهرة (رئيس الوزراء فما دون) ليصرف الانتباه عن الدولة الباطنة (رئيس الدولة وأسرته والأجهزة الأمنية).
ثانياً: ازدواج السلطة (سلطة سياسية وسلطة دينية). هناك سلطتان عامتان في سورية: السلطة السياسية العامة، التي يمثلها النظام العلوي المسيطر على مراكز القوى الأمنية والعسكرية، والسلطة الدينية العامة، التي يمثلها الإسلام السني المهيمن على تعريف الإسلام الرسمي والشؤون الدينية والأحوال الشخصية. هذا يخلق وضعاً معقداً: قد يعارض شخص السلطة الدينية العامة (مثلاً تيار ثقافوي علماني) دون أن يعارض السلطة السياسية العامة، بل قد يكون موالياً لها. والعكس صحيح: قد يعارض تيار إسلامي السلطة السياسية العامة دون أن يعترض على هيمنة السلطة الدينية العامة. هذا الازدواج، مثل ازدواج الدولة، هو مصدر دائم للالتباس ولصراعات داخل «المعارضة» لا تعكس مجرد عداء للنظام بل مواقف متضاربة من هذه البنى المزدوجة.
يرسم المؤلف جدولاً للمواقف الممكنة الناتجة عن هذين الازدواجين، موضحاً أن حقل السياسة السوري أوسع بكثير من مجرد معارضة السلطة السياسية. إنه يتكون من تفاعل ثلاث قوى: الدولة، الطائفة، والدين. هذه البنية المعقدة هي التي أنتجت وضع «أمتين» تعيشان قرب بعضهما دون تواصل حقيقي، وتفصل بينهما إيديولوجيات متصلبة وقوة مسلحة تطرد الجمهور من السياسة.
في القسم الأخير، يناقش المؤلف علاقة هذا التحليل بمفهوم «التحول السلطاتي». يرى أن المعارضة التقليدية تحتضر، لكن الأهم هو فهم هذه البنى التي تنتجها «الدولة السلطانية» القائمة على التبعية والفتنة. لقد تحولت سورية من جمهورية إلى ما يشبه ملكية يعلوها سلطان، وهذا التحول لم يدرس بشكل كافٍ. الدولة السلطانية لا تسحق المعارضة فقط، بل تقسمها وتستتبع بعضها وتجعل الآخرين صعاليك غير مؤثرين. لذا، يخلص المؤلف إلى أنه لا يمكن أن تكون هناك «معارضة» للسلطانية بالمعنى التقليدي، بل هناك حاجة إلى «ثورة» عليها. القطيعة الجذرية مع هذا النظام تقتضي تحطيم المركز السلطاني وتجاوز الأصول البنيوية للانقسام: أي إنهاء ازدواجية الدولتين (بضمان خضوع الدولة الباطنة للقانون) وإنهاء ازدواجية السلطتين (بعلمنة الدولة والأحوال الشخصية وإلغاء المادة الدستورية التي تحدد ديناً للدولة أو لرئيسها). هذه هي الرؤية الجذرية التي يقدمها الكاتب كسبيل للخلاص، بينما يرى أن المعارضة التقليدية عاجزة عن الإصلاح أو الموت.
أقرّ المؤلف ضمنياً بحدود التحليل، مشيراً إلى أن انقسامات الطيف العلماني تظل غامضة ولا تتوفر أدوات نظرية كافية للإحاطة بها بالكامل، كما أشار إلى أن الفصل يركز على جذور انقسامات المعارضة العلمانية، معترفاً بأن ضعف المنحى الاستيعابي لدى الإسلاميين ساهم أيضاً في توسيع هامش مناورة النظام.
الحجج المطروحة في الفصل قابلة للنقاش، لا سيما ما يتعلق بـ «التطابق البنيوي» الذي يراه المؤلف بين النظام الأسدي والنظام الدولي بقيادة أمريكا والنظام الشرق أوسطي بقيادة إسرائيل، واعتبار أن هذا التماثل هو ما يفسر الدعم الغربي للنظام. هذه مقاربة إشكالية تختزل تعقيدات العلاقات الدولية في بنية تمييزية مشتركة. كما أن الدعوة إلى «ثورة» شاملة بدلاً من «معارضة» إصلاحية تطرح تساؤلات حول إمكانية التغيير التدريجي في ظل هذا البناء السلطاني المتجذر.
8.أشباح في ليل السياسة173–186▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول تحليل تأثير "الإفقار السياسي" أو "ليل السياسة" الذي تفرضه الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، وتحديداً النظام الأسدي في سورية، على مختلف القوى السياسية والاجتماعية. يطرح ياسين الحاج صالح فكرة أن هذا الظلام السياسي لا يخلق وحوشاً مثل السلفية الجهادية فحسب، بل والأخطر من ذلك أنه يمحو الفروق الجوهرية بين هذه "الوحوش" وبين القوى السياسية الأخرى التي تحتاج إلى النهار السياسي لتعيش وتزدهر. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الضرر الناتج عن الطغيان ليس متساوياً على الجميع؛ فبعض القوى تتضرر أكثر من غيرها، بل إن بعضها يستفيد من الظروف السياسية المظلمة.
يسير الفصل خطوة خطوة من خلال مقارنة أثر "الفقر السياسي" على أربعة نماذج رئيسية من القوى السياسية. يبدأ بتحليل السلفيين الجهاديين (مثل جبهة النصرة و داعش)، ويجادل بأنهم "تشكيلات حربية تكوينياً" و"لا سياسية" بشكل جوهري. هم لا يحتاجون إلى السياسة، بل يزدهرون في ظروف الحرب وتداعي الدولة الوطنية كما حدث في أفغانستان، الصومال، اليمن، العراق، وحديثاً في سورية و ليبيا. بالنسبة لهم، "ليل السياسة" هو بيئتهم المثلى، وهم لا يتضررون منه بل يستفيدون. يصف المؤلف العلاقة التكافلية بينهم وبين أجهزة المخابرات، مشيراً إلى أنهم والمخابرات يشكلون "قطبي العالم السياسي السفلي" الذين يتفقون في السرية والإرهاب.
ينتقل الفصل بعدها لتحليل الإخوان المسلمين وغيرهم من "الإسلاميين السياسيين"، مثل تلك الموجودة في مصر و تونس. يرى المؤلف أنهم يتضررون من الإفقار السياسي بحكم صفتهم السياسية، ولكنهم ليسوا الأكثر تضرراً. لديهم قدرة على إعادة بناء شبكاتهم والنشاط في الفضاء العام متى ما سنحت الفرصة، لأن هويتهم الدينية تمنحهم قاعدة اجتماعية. ثم يصل إلى المجموعات التي يراها الأكثر تضرراً، وهي التيارات "العلمانية" الحديثة (اليساريين، الليبراليين، الديمقراطيين). هذه التيارات، التي عرّفت نفسها بالسياسة والنشاط العام المفتوح، تحتضر في غياب الفضاء العام. هي التي تحتاج إلى "النهار السياسي" لتعرض أفكارها وتتنافس، وهي التي تُسحق فعلاً تحت وطأة الطغيان، وفقاً للمؤلف.
في القسم الأخير، يفصل المؤلف النقاش حول كيفية تحويل هذه الظروف إلى فرصة لظهور "الغيلان" مثل القاعدة التي ولدت في ظل الاحتلال السوفييتي لأفغانستان بدعم من أجهزة مخابرات. يشدد على أن السلفية الجهادية، وخاصة داعش "السلفية الجهادية المخابراتية"، هي كائنات ليلية لا يمكنها العيش في "حياة سياسية عادية"، وأن شرط وجودها هو الحرب والموت. يخلص الفصل إلى تمييز أربعة "عوالم" أو أدوار سياسية: دور الجهادي الذي يريد الحرب والدين، ودور سياسي الهوية (مثل الإخوان) الذي يريد مجتمعاً ذا هيمنة إسلامية، ودور السياسي الاجتماعي (الديمقراطي والعلماني) الذي يسعى إلى مجتمع مفتوح وحر، ودور الطاغية الذي يريد سحق الجميع ليمتلك السكان والثروة بمفرده.
يقر المؤلف ببعض التحفظات والحدود، مثل أن "ليس من حسن السياسة إجمال إسلاميين مختلفين بسياسة واحدة"، وأن قدرة الإخوان على المشاركة الديمقراطية تبقى مشروطة بتراجع وجههم الديني وتقدم وجههم السياسي. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت الصفة "النهارية" للديمقراطيين والعلمانيين هي "ميزة إيجابية حصراً"، مشيراً إلى عجزهم عن المقاومة المسلحة كإشكالية وجودية تخرجهم من السياسة ذاتها. أخيراً، يعترف بأن هذه "المقولات السياسية المجردة" هي أدوات مفهومية للتفكير في التاريخ السياسي المعاصر وليست نماذج جامدة تماماً.
من الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، تبرز الفكرة المركزية القائلة بأن الإسلاميين الجهاديين هم الأقل تضرراً من الطغيان "العلماني" بل وربما المستفيد الوحيد منه. هذه المقاربة تتعارض بشكل حاد مع الخطاب الرسمي للأنظمة الاستبدادية العروبية (مثل النظام الأسدي) ذي المنحى العلماني، والذي يبرر قمعه الشامل بذريعة محاربة الإرهاب. الحجة الثانية المثيرة للجدل هي التمييز الحاد بين "السياسي الاجتماعي" و"سياسي الهوية"، حيث يعتبر الأول (الديمقراطيون والعلمانيون) الأكثر تضرراً والأكثر أصالة في مقاومة الطغيان، بينما يُصنف الإخوان ضمن خانة سياسة الهوية التي قد تتحول إلى طغيان أيضاً.
9.الثائرون والسلطان: أدوار ونماذج واستحالات187–198▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب "السلطان الحديث" لياسين الحاج صالح يتناول العلاقة المعقدة بين الثائرين والسلطة في السياق العربي، وبالتحديد السوري والفلسطيني، محاولاً تفكيك الصورة النمطية للثائر "المتمرد اجتماعياً وثقافياً" الذي يجمع بين النضال السياسي والتحرر الاجتماعي. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذا النموذج "الكلاسيكي" للثائر يكاد يكون غائباً في التجارب الثورية العربية المعاصرة، وأن الأدوار التي يظهرها الثائرون اليوم تتحدد بشكل كبير بالبنية العامة للدولة والمجتمع، وتحديداً بظاهرة "الازدواجية" المتعددة المستويات التي تميز النظام السياسي والاجتماعي في سورية.
يسير الفصل بتتبع نماذج مختلفة للثائرين ظهرت في السياق السوري، بدءاً من النموذج الشعبي وصولاً إلى النموذج الإسلامي والمثقف. يبدأ المؤلف بالإشارة إلى الصورة المثالية للثائر في ستينات وسبعينات القرن العشرين، وخاصة في الإطار الفلسطيني، حيث كان يُنظر إليه كـ "إنسان جديد" يجسد التطلع إلى "تحرير الأرض والإنسان". لكنه يلاحظ فوراً عدم وجود أمثلة فعلية كثيرة تجسد هذا النموذج المجرد، مستشهداً بشخصيات مثل دلال المغربي التي قادت عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 1978، لكنه يشير إلى أننا لا نعرف شيئاً يذكر عن تفكيرهم ونمط حياتهم لنتأكد من تمردهم الاجتماعي.
ينتقل الفصل بعدها إلى النموذج الأكثر حضوراً في الثورة السورية: "الثائر الشعبي". يصفهم المؤلف بأنهم أشخاص "شعبيون، شجعان، قاطعون في مناهضتهم للنظام"، لكنهم "متوائمون اجتماعياً"، بل إن بعضهم "تقليديون". هم ليسوا إسلاميين، وقضايا التحرر الاجتماعي مثل أدوار الجنسين أو الثقافة لا تشغل حيزاً في تفكيرهم. هم مرتبطون ببيئاتهم المحلية ويدافعون عنها، ويشبهون هذه البيئات في قيمها (النخوة والشجاعة) وعيوبها (قلة التنظيم والتجزؤ المحلي). يذكر المؤلف أنه التقى ببعضهم في الغوطة بين ربيع وصيف 2017، وكان لهم رأي سلبي بجماعة جبهة النصرة وزهران علوش. يعمل بعضهم في إطار مجموعات "الجيش الحر" لكنهم يجدون أنفسهم مضغوطين من قبل الجماعات الإسلامية الأكثر تنظيماً والأوفر موارداً، والتي يستولي عنفها الهجومي على عنفهم الدفاعي الاضطراري.
ثم ينتقل الفصل إلى تحليل النموذج الإسلامي، مقسماً إياه إلى تيارات فرعية. النموذج "الإسلامي" العام هو رجل ذو عقيدة تنضبط بها حياته وتفكيره ويتطلع لأن ينضبط بها المجتمع ككل. ضمن هذا الإطار، هناك اختلافات جوهرية: فـ جبهة النصرة يميلون إلى نموذج لينيني قطبي حيث الطليعة الإسلامية هي التي تفرض حاكمية الله، أما داعش فيميلون إلى النموذج الستاليني، حيث "الدولة" أكثر من "الثورة"، وقادتها معظمهم مستوردون. أما "جيش الإسلام" و"أحرار الشام" فهما أكثر محلية، وتديّنهم أقرب إلى التدين الشعبي المحافظ، وليس لديهم الإيديولوجية المجردة نفسها. يرى المؤلف أن أكثر الإسلاميين تجريداً وصنعية هم داعش ثم جبهة النصرة، بينما أقربهم إلى المحافظة هم الإخوان المسلمون، وكلهم ليسوا "تقليديين" بالمعنى الدقيق، بل هم ثائرون بمثال صنعي غير تحرري.
النموذج الثالث الذي يناقشه الفصل هو المثقفون من الطبقة الوسطى الذين لم يحملوا السلاح في الغالب. هؤلاء تحضر في تفكيرهم القضايا الاجتماعية والثقافية، وكثير منهم نساء. لكن نقاط ضعفهم الأساسية هي أنهم غير منضبطين بفكرة أو مشروع، وأنهم غير منتجين للمعاني والقيم والتجارب الجديدة، ولا يملكون رؤية قوية لمجتمع جديد. يتكون هذا المجموع من "أنوات" و"تاركين" من تنظيمات منحلة سابقة، وهم شجعان لكن ليسوا منتجين لـ "إنسان جديد". المبدأ الديمقراطي الذي يدعون إليه منفصل عن إنتاج معرفة منظمة بالمجتمع أو عن حركات ديمقراطية مؤثرة.
أما النموذج الذي يجمع بين الراديكالية السياسية والتحررية الاجتماعية والثقافية، فيخلص المؤلف إلى أنه "لا يكاد يكون موجوداً". المجتمع السوري لم ينتج مدافعين عن الشعب ينخرطون في كفاحه من أجل العدالة والكرامة ويدافعون في الوقت نفسه عن تحرر النساء والمواطنة. يقدم الفصل شرحاً لهذا الغياب عبر مفهوم "الازدواجية البنيوية المتعددة المستويات": ازدواجية الدولة (ظاهرة وباطنة)، ازدواجية الأمة (السوريين البيض والسوريين السود)، ازدواجية السلطة (سياسية ودينية)، وازدواجية المثقفين (تحديثيون اجتماعياً وتابعون سياسياً والعكس). هذه الازدواجية وفرت هوامش مناورة واسعة للنخبة السلطانية ولكنها فرّغت المجتمع من الطاقة السياسية والإرادة الجمعية.
يختم الفصل بالحديث عن ظاهرة "الشبيح" كنموذج منحط للبطل الشعبي، وعن "المثقف المتعالي" الذي يزايد على المجتمع. يرى المؤلف أن النموذج الأصلي للشبيحة كان يمكن أن يكون البطل الشعبي المطارد على غرار شخصيات أدبية مثل "الفهد" لـ نبيل المالح أو "ميميد" لـ ياشار كمال، لكنه انحط في سياق النظام الاجتماعي والسياسي التمييزي ليتحول إلى قوة قمع دفاعاً عن أوضاع امتيازية. بالمقابل، يرى أن الثورة السورية أظهرت أمثلة نادرة لكنها مهمة لأشخاص جمعوا بين التحررية والدفاع عن المجتمع، منهم سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة، مشيراً إلى أنهم اختطفوا في دوما في الشهر الأخير من عام 2011 من قبل جماعة زهران علوش. لكنه يستدرك بالقول إن نسبتهم تبقى ضئيلة.
في النهاية، يخلص الفصل إلى أن غياب نموذج الثائر المتمرد اجتماعياً وثقافياً يشير إلى فشل عملية البناء الوطني، وأن الأدوار السياسية تتحدد بصورة كبيرة بالبنية العامة للدولة والمجتمع. إن شرط استمرار السلطانية هو إعادة إنتاج نفسها عبر تغذية الانقسامات الاجتماعية والثقافية وتحويل الصراعات نحو محصلة صفرية، مما يؤدي إلى إغفال القضايا التحررية أو استخدامها استخداماً رمزياً لتدعيم سياسات الهوية الفئوية بدلاً من التحقق الفعلي للتحرر. يبقى الفصل تحليلياً قاسياً في تشخيصه للواقع السوري، مانحاً مسؤولية هذا التشرذم للبنية النظامية أكثر من إرادة الأفراد، ومشيراً إلى أن كسر هذا الشرط هو شرط أساسي لظهور فاعل ثوري تحرري جديد.
10.جماعة «ما تبقى»: السنيون السوريون والسياسة201–228▼ ملخص
ملخص فصل «جماعة «ما تبقى»: السنيون السوريون والسياسة» من كتاب «السلطان الحديث» لياسين الحاج صالح
يدور الفصل حول السؤال المحوري: هل يشكل السنيون السوريون «طائفة» متماسكة أم أنهم مجرد «ما تبقى» من السوريين بعد فرز الجماعات الأخرى الأكثر تجانساً؟ يجيب المؤلف بأن السنيين السوريين ليسوا طائفة بالمعنى السياسي والاجتماعي للكلمة، لأنهم يفتقرون إلى أي مبدأ إيجابي موحد يجمعهم، ولا يمتلكون سردية مشتركة للمظلومية أو التفوق، كما أنهم يتوزعون على نسيج معقد من الفوارق الجهوية والطبقية والثقافية التي تتغلب على أي جامع سني بينهم. يستند هذا الوصف إلى فهم سورية كـ«دولة ما تبقى»، أي الكيان الذي تشكل بعد اقتطاع لبنان والأردن وفلسطين من الإقليم الشامي، وهو كيان حديث لا يعود على تاريخ طويل من الدولة المركزية الموحدة، وهو ما جعل تركيبة سورية متنوعة دينياً ومذهبياً وإثنياً دون أن يكون للغالبية السنية فيها تاريخ في التمايز أو الاضطهاد أو القيادة الجامعة.
يسير الفصل عبر عدة خطوات تحليلية. يبدأ بشرح أن السنيين في سورية هم «الإسلام العام» وليسوا مذهباً خاصاً؛ فهم امتداد للدعوة الإسلامية الأولى، ويتطابقون مع تاريخ الإسلام ككل، وهو ما أضعف لديهم نزوع التمايز والهوية المتماسكة. ثم يتناول كيف أن المركزية الإسلامية لم تهتز إلا في القرن التاسع عشر مع بداية وعي المسلمين بفقدان الهيمنة العالمية، وهو ما أدى إلى ظهور مشروع الإسلاميين الذين يحاولون «تطييف» المسلمين السنيين وتحويلهم إلى طائفة سياسية، لكن هذا المشروع يواجه تناقضاً بنيوياً: فهم لن ينجحوا في السيطرة السياسية إلا بتحويل السنيين إلى طائفة، وهذا يتطلب فشلاً اجتماعياً وثقافياً كبيراً يشبه ما فعله البعثيون بالعروبة حين حولوها من هوية عامة إلى حزب وإيديولوجيا ضيقة. يقدم المؤلف مثالاً على هذا التناقض من خلال الإشارة إلى أن علاقة الإسلاميين بجمهورهم تشبه علاقة البعثيين بعربهم، وعلاقة الشيوعيين بجماهير الكادحين، حيث ينطلق كل منهم من ماهية ثابتة (إسلامية، عربية، بروليتارية) تؤدي إلى تهميش كل من لا ينطبق عليه هذا التحديد الماهوي.
يفصّل الفصل كيفية تشكل شبكات المحسوبية («الواسطات») في ظل حكم الأسد، والتي حلت محل المؤسسات العامة. يذكر أن شبكات محسوبية فعالة تشكلت لدى العلويين (ضباط ورجال حكم)، والمسيحيين (مطارنة ورجال أعمال)، والدروز (شيوخ عشائر وحزبيون)، والشيعة (رجال مال ودين)، بينما فشل السنيون في إقامة شبكة محسوبية جامعة، رغم وجود شبكات محلية محدودة. ويشير إلى أن أهم شبكة سنية كانت «الشبكة الشامية» التي تعرضت للإضعاف بعد انقلاب البعث. هذا الانكشاف جعل بيئات سنية واسعة في الأرياف وضواحي المدن عرضة للسخط والعجز، وهو ما فسّر تعبئة سياسية عالية بينهم في الثورة السورية، حيث لا حماية لهم من القانون ولا من واسطة فعالة، ولا يملكون المال الكافي للرشوة التي صارت القوة الثانية بعد المحسوبية في تسيير الأمور.
في سياق آخر، يتناول الفصل سرديتين بدأتا في الظهور في زمن حافظ الأسد: سردية المظلومية السنية، التي تركز على التمييز في الوظائف وفي الجيش والأمن، وتركز على ما وقع على الإسلاميين من تعذيب ونفي ومجازر، لا سيما مذبحة حماة 1982. وسردية التفوق، التي تبرز تدين السنيين وأخلاقهم وتضحياتهم، لكنها تبقى محصورة في الأوساط السنية المعيارية. ويؤكد المؤلف أن السرديات ليست تاريخاً ولا معرفة موضوعية، بل خطابات جمعية تمتزج فيها وقائع بهواجس ومخاوف وأوهام، وأن فاعلية الاضطهاد التوحيدية للجماعة أقوى بكثير من فاعلية التفوق.
يطرح الفصل تناقضاً مركزياً في وضع السنيين السوريين: لا يمكنهم أن يشكلوا أكثرية سياسية دون أن يتحولوا إلى طائفة، أي دون أن يفقدوا تعددهم الداخلي، لكنهم إذا تحولوا إلى طائفة فإنهم بذلك يفشلون اجتماعياً وثقافياً ونفسياً. ويخلص المؤلف إلى أن ما يحتمل أن يعرض الأقليات من مخاطر في حال سقوط النظام لا ينبع من وجود أكثرية سنية موحدة، بل بالضبط من عدم توحدهم ووجود «طوائف سنية فرعية» متشددة (مثل السلفية الجهادية) يمكنها أن تشكل خطراً على الآخرين، بل إن الخطر الأكبر يتهدد السنيين العلمانيين وغير المؤمنين أنفسهم، لأن سياسات الماهية تقتضي «تطهير الطائفة». وينتهي الفصل إلى أن مواجهة الخطر المزدوج (طغيان النظام القائم أو طغيان سني محتمل) لا تكون إلا ببناء أكثرية وطنية جديدة، فوق أكثريات الدين والمذهب، تقوم على العمل والعلم والكفاءة، وهو مجتمع لاطائفي بالضرورة.
حجج الفصل قابلة للنقاش في عدة نقاط. يقرّ المؤلف بأن صورة «جماعة ما تبقى» قد تتغير تحت وطأة العنف التمييزي الحاد، وبفعل الاختراق الإيراني الذي يسعى إلى تنميط الطوائف، مشيراً إلى أن نحو عشر سنوات من الثورة بدأت تُظهر أشكالاً متوترة من العصبية السنية تشير إلى تحول أقلوي. كما يعترف بأن بعض البيئات السنية (كالشوام) أو الفئات السياسية (الإسلاميين) طورت ضرباً من القلق الوجودي الذي يدفع إلى الانكفاء أو الغضب. هذه التحفظات تفتح الباب لتساؤلات حول ما إذا كان الوصف النظري للفصل، المبني على تحليل تاريخي واجتماعي لـ«عدم الطائفية» السنية، لا يزال صامداً بعد أكثر من عقد من العنف الطائفي والقتل التمييزي. الفصل هو في جوهره نقد لسياسة «الماهيات» (الإسلامية والعربية) التي يمارسها الإسلاميون والبعثيون على حد سواء، ودعوة إلى تفكيك هذه الماهيات لفهم التعدد والتاريخية في قلب المجتمعات العربية.
11.المنابع السنية للطائفية في سورية229–246▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل جذورَ الطائفية في سورية من منظورٍ مغايرٍ للسائد، مركزاً على «المنابع السنية» لها، أي على الهيمنة الدينية التي يمارسها السنّة بوصفهم الطائفةَ الإسلامية الأكبر والأكثر نفوذاً في البلاد. يرى المؤلف أن هذه الهيمنة لا تقوم فقط على كون السنّة يشكّلون أكثرية سكانية، بل على تراكم تاريخي من السيطرة على تعريف الإسلام نفسه، أي على امتلاك «سلطة تعريف الإسلام» التي تُقرّ بأن الإسلام السني هو الإسلام الوحيد وتنفي وجود مذاهب إسلامية أخرى أو تُهمّشها.
يسير الفصل بتتبّع جذور هذه الهيمنة منذ الدولة السلطانية العثمانية، حيث كان المذهب السني هو مذهب الدولة والدين الرسمي، مروراً بسنوات تشكّل الدولة السورية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم. يؤكد المؤلف أن هذه الهيمنة لم تنقطع بالانتقال من الدولة السلطانية إلى الدولة الوطنية، بل استمرّت بفعل تلاقي ثلاثة أوضاع رئيسية: الأول، هو هيمنة النخب السنية على الحياة السياسية والثقافية في سورية منذ التأسيس، وهي نخب لم تكن حساسة تجاه الأوضاع غير العادلة للجماعات الأخرى، بل استفادت منها. الثاني، أن هذه النخب نفسها ورثت موقعها المهيمن من الدولة السلطانية، حيث كانت الجماعات الإسلامية الأخرى (العلويون، الدروز، الإسماعيليون) منزوية في نطاقاتها الخاصة وغير مرئية في الفضاء العام، وقد انتقل هذا الواقع بسلاسة إلى الدولة الوطنية دون إعادة نظر جدية في العلاقة بين الدين والدولة على أساس المساواة. الثالث، يتعلق بالطابع السري أو «الباطني» لتعاليم كل من العلويين والدروز والإسماعيليين، مما جعل قياداتهم الدينية في حرج من المطالبة بتعليم عقائدهم في المدارس العامة، بل إنهم لم يعترضوا على تعليم الأطفال من أتباعهم العقيدة السنية.
يصف الفصل الوضع الناتج بأنه «طائفة عامة» للسنّة على المستوى الديني؛ حيث يتعلم جميع الأطفال السوريين من غير المسيحيين تعليماً إسلامياً سنياً، وقوانين الأحوال الشخصية إسلامية سنية لمعظم الطوائف الإسلامية، والأعياد الدينية المعترف بها هي الأعياد السنية، وحتى رئيس الدولة يؤدي الصلاة وفق الطقوس السنية. هذا الوضع المتناقض، حيث تكون طائفة واحدة هي «الطائفة العامة»، يخلق استلاباً هُوِيّاتياً وعقائدياً لدى الجماعات الإسلامية الأخرى لا يقل تأثيراً عن إشغال العلويين الموالين للنظام لموقع الطائفة العامة سياسياً. ويرى المؤلف أن تفجّر البلاد اليوم يرتبط بهذا الواقع المتناقض.
يضيف الفصل وضعاً رابعاً: أن الهيمنة السنية الدينية لم تعد سيّدة نفسها، بل هي مندرجة منذ عقود ضمن خطط السلطة الأسدية التي تستخدمها لمصالحها. فالنظام يجد في هذه الهيمنة ما يحميه من الناحية الدينية (باعتبارها تراثاً لا يجرؤ على المساس به)، ويستخدمها لإثارة مخاوف الجماعات الأخرى، وفي الوقت نفسه يشدّ عصب ركيزته الأهلية ضد أي حضور سني منتشر قد ينافسه. العلاقة بين السلطتين (السياسية والدينية) معقدة؛ فهي علاقة مركبة من مصلحة ورهبة وخبت، غالباً على حساب المجتمع، وتصل ذروتها في مواجهة الأنشطة التحررية المستقلة. يضرب الفصل أمثلة على ذلك، كتدخل أجهزة دينية (مثل البوطي) عند النظام لحظر كتاب «في ظل الحجاب» عام 1978، ووقف عرض مسرحية «طقوس الإشارات والتحولات» لـسعد الله ونوس في حلب عام 1991، ومشروع قانون الأحوال الشخصية الرجعي عام 2004.
يخلص الفصل إلى أن استمرار الهيمنة السنية الدينية ليس تلقائياً، بل بفعل تمفصّلها مع بنى النظام الأسدي وقيامها بوظائف جديدة. يقرّ المؤلف بصعوبة فتح نقاش عام في هذا الموضوع، ويسجّل صمت النخب الفكرية والسياسية، حتى العلمانية منها. وينتقد العلمانية السورية التي يصفها بأنها «علمانية سلطانية»؛ منشغلة بالسياسة والمركز، متجنّبة المجتمع وأوضاعه، وحتى أنها كانت أحياناً مجرد «ترنيمة لراحة الضمير الطائفي». يفتح الفصل باباً للتفكير في مستقبل ما بعد النظام، محذراً من أن مجرد زوال النظام الأسدي لا يعني بالضرورة زوال الهيمنة السنية الدينية، بل قد يؤدي إلى تطابق بين «الطائفة العامة» دينياً وسياسياً، مما يكرّس تهميش غير السنّة. ينتهي الفصل بتأكيد ضرورة كسر احتكار الفضاء العام، وإخراج هذه المشكلات إلى العلن، وإثارة نقاش مفتوح ونزيه حول منابع الطائفية، باعتبار ذلك الرد الثقافي الأكثر جدية على الأزمة الوطنية.
12.في نقد سياسة الأقليات247–282▼ ملخص
في هذا الفصل، يُفكك ياسين الحاج صالح ما يسميه «سياسة الأقليات» التي تُمارَس في سورية من قبل قوى دولية مثل روسيا والقوى الغربية، ومن قبل النظام السوري نفسه. يرى أن هذا الخطاب لا يهدف إلى حماية الأقليات فعلياً، بل هو أداة سياسية لتثبيت الطغيان وإدامة التقسيم، ومنع تشكل مجتمع مواطنين متساوين. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن مشكلة الأقليات هي ثمرة الحكم الاستبدادي والتلاعب السياسي، وليست نتيجة طبيعة ثابتة للمجتمع السوري أو لـ«الأكثرية» السنية.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من نقد المقدمة الضمنية في خطاب «حماية الأقليات»، والتي تفترض أن هناك «أكثرية» متجانسة ومهددة و«أقليات» هشة. يوضح المؤلف أنه في سورية، لا وجود لأكثرية أو أقلية واحدة، بل تمايزات متعددة بحسب المعيار (إثني، ديني، مذهبي). يذكر أن العرب المسلمين السنة يشكلون نحو ثلثي السكان، لكنهم ليسوا كتلة واحدة متجانسة، بل فيهم تيارات سياسية ودينية متعددة، وكثير منهم كان ولا يزال مع النظام. هذا يبطل فكرة أن الخطر يأتي من «الأكثرية السنية».
ثم يتتبع أصول سياسة الأقليات تاريخياً، عائداً بها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر و«المسألة الشرقية»، حيث كانت القوى الأوروبية تستخدم حماية الأقليات كغطاء للتغلغل في السلطنة العثمانية وتفكيكها. يرى أن هذه السياسة ليست إنسانية ولا أخلاقية، بل هي استعمارية في جوهرها، وتؤدي دائماً إلى تدهور أوضاع الأقليات نفسها على المدى الطويل، مستشهداً بأمثلة تاريخية من الحروب الصليبية ومن «متصرفية جبل لبنان» (1918-1861). يضرب مثلاً بمذبحة 1860 في دمشق، التي يرى أن خلفيتها كانت سياسة الأقليات الأوروبية، وأن العقاب القاسي الذي فرضته السلطنة العثمانية على أعيان دمشق كان بدافع إرضاء الأوروبيين، لا لتحقيق العدالة.
يواصل المؤلف نقد النسخة المحلية من هذه السياسة، والتي يسميها «الانتداب الأسدي». يرى أن نظام حافظ الأسد طبق نسخته الخاصة من «تحالف الأقليات» لتثبيت حكمه، وتغذية الخصومة بين الطوائف، ومنع ظهور متحدين داخليين له. هذا النظام، مثل الانتداب الفرنسي قبله، مارس سياسة قائمة على التقدمية المزيفة والرسالة التحضيرية، مما جعله شبيهاً بالاستعمار. ينتقد المؤلف بقوة كيف حوّل النظام نفسه إلى «قلعة للعلمانية» و«حامٍ للأقليات»، بينما هو في الحقيقة من صنع المشكلة. يذكر تصريح بثينة شعبان عن «إمارات سلفية» بعد أيام من الثورة كدليل على استغلال النظام لهذا الخطاب علناً.
يعترف الفصل بوجود مشكلة حقيقية، هي شعور الأقليات بعدم الأمان والقلق من المستقبل، وهذا ناتج عن سياسات النظام نفسه، وليس بسبب أكثرية افتراضية. لكنه يحذّر من ردود فعل خطيرة، مثل ظهور «سياسة الأكثرية» السنية، التي يراها مشروعاً إسلامياً أو إخوانياً أو سلفياً. يصف الإسلاميين بأنهم «طائفة» سياسية صغيرة، وليسوا ممثلين لكل السنة. يرى أن هذه السياسة ستؤدي إلى مشكلة أكبر، وتكرر دورة العنف، وتخلق نظاماً طائفياً جديداً. يخلص إلى أن الحل ليس في استبدال سياسة الأقليات بسياسة الأكثرية، بل في تجاوز هذا الإطار بأكمله نحو بناء دولة ديمقراطية مواطنية، حيث تكون الأكثرية هي «الشعب» ككل، وليس أي طائفة دينية أو إثنية. يطرح نموذجاً رابعاً للعلاقة بين الأكثرية الثقافية والسياسية، يتمثل في تحييد التمايزات الثقافية عبر صندوق الاقتراع، ويقول إن «الشعب»، أي توسيع قاعدة المشاركة، هو المدخل الأول لتجاوز مشكلة الأقليات والأكثريات معاً.
أخيراً، يقرّ المؤلف بوجود تحفظات أو أسئلة مفتوحة، مثل كيفية التخلص من الانتداب الأسدي دون الوقوع في انتداب «إسلاموي» آخر، وصعوبة إحداث النموذج المواطني بـ«مراسيم فوقية»، وأن الطريق إليه «متعرج». كما يشير إلى غياب نقاش جاد حول هذه القضايا في سورية، سواء من النظام أو المعارضة أو الإسلاميين أو العلمانيين، مما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً. الحجج التي تثير جدلاً واضحاً في النص هي أن «الإسلاميين» هم طائفة وليسوا أكثرية، وأن «الدولة الإسلامية» هي مجرد شكل آخر من النظام الطائفي، وهو طرح يختلف جذرياً عن خطاب التيارات الإسلامية نفسها.
13.العلويون وتفسير السياسة بالعصبية283–290▼ ملخص
هذا الفصل هو مراجعة نقدية لكتاب "دائرة الخوف" للكاتب النيوزيلندي ليون غولدسميث، الذي صدرت ترجمته العربية عام [يحتاج تحققاً]. يقدم الفصل نقداً حاداً للأطروحة المركزية للكتاب، والتي تفسر السياسة السورية، وتحديداً حكم عائلة الأسد، من خلال مفهوم "العصبية العلوية" المستمدة من نظرية ابن خلدون، والمحصنة بمشاعر "الخوف الطائفي" من الأكثرية السنية.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً بتلخيص حجة غولدسميث الأساسية. يذكر أن المؤلف يرى أن تاريخ العلويين الممتد من القرن التاسع الميلادي من عزلة واضطهاد قد خلق عصبية متماسكة. هذه العصبية، التي تفاقمت بسبب الخوف من "التعصب السني" وفقاً للمؤلف، هي ما استند إليها نظام حافظ الأسد لحكم سوريا لثلاثة عقود قبل أن يورثها لابنه. يعتمد غولدسميث بشكل كبير على نموذج ابن خلدون في العصبية وأعمار الدول عبر ثلاثة أجيال، راصداً في الجيل الحالي ملامح ترف، لكنه يعيد تماسك هذه العصبية إلى أطروحته المكملة بالخوف الطائفي من الأكثرية السنية.
ينتقل الفصل بعدها إلى النقد الجوهري، متسائلاً: ألا تفسر السياسة العصبية، بدلاً من تفسير السياسة بالعصبية؟ يطرح السؤال: هل العصبية ذاتها "مصنوعة سياسياً" سواء في سنوات التهميش الطويلة أو في سنوات الحكم الأسدي؟ يرى الكاتب أن ركون غولدسميث غير النقدي، بل الدوغمائي، لنظرية ابن خلدون حال دون رؤيته للديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي تولد العصبيات وتصنعها. يقدم أمثلة على هذه العمليات، مثل تمايز زي النساء في الأرياف السورية (السفور/الحجاب) الذي لم يكن مرتبطاً بالهويات الطائفية بقدر ما كان مرتبطاً بشروط البيعة، ثم أعيدت صياغته لاحقاً سياسياً. ويشير أيضاً إلى تراجع "التماهي العربي" الذي كان قوياً حتى سبعينات القرن العشرين، مما يبرز الطابع السياسي والمتحول لهذه الهويات.
يواصل الفصل نقده بالتركيز على أن تحليل غولدسميث يفشل في تجاوز "الممارسات الخطابية" التي تعيد إنتاج الطوائف ككائنات عابرة للأزمنة. يرى أن خاتمة كتاب غولدسميث التي تقترح سبيلاً للخلاص للطائفة العلوية بتجاوز خوفها والتصالح مع الأكثرية السنية هي خاتمة غير قابلة للتحقيق، لأنها تفترض أن العلويين والسنيين طوائف "معطاة قبل السياسة والدولة". الحل الحقيقي، من وجهة نظر الكاتب، هو تجاوز الطوائف نفسها وعمليات إنتاجها السياسية. ويعتبر أن توسل نظرية ابن خلدون، التي عمرها أكثر من 700 عام، لدراسة مجتمعات اليوم هو استمرار للتقاليد الاستشراقية التي تفترض اختلافاً تكوينياً بين الشرق والغرب، مستشهداً بمثال أن كلمة "تعصب" ترد في كتاب غولدسميث مقرونة بالسنيين والإسلام فقط، وكأن التعصب جوهر خاص بهم وليس علاقة اجتماعية مشروطة سياسياً.
أخيراً، ينتقد الفصل المنهجية التي يتبعها غولدسميث. يصف الكاتب كتابه بأنه مليء بمصادر إسرائيلية وغربية، ويخلو تقريباً من الإحالة إلى مراجع سورية أو لبنانية حية في الشأن الطائفي. يقدم مثالاً صارخاً على سطحية هذا المنهج: حديث غولدسميث عن المعارض العلوي الوهمي فريد الغادري، وعن اعتقال سوريين بسبب أنشطتهم على الإنترنت عام [يحتاج تحققاً] مستنداً إلى مركز "مري" الأمريكي، حيث ينقل كلاماً يبدو ملفقاً عن ضابط استخبارات. يخلص الكاتب إلى أن مشكلة المؤلف ليست مجرد نقص في المعلومات، بل هي اعتماد على معرفة مفترضة بـ"طبائع العمران" الأسدية كبديل عن الاطلاع المباشر على الوقائع، وهذه المعرفة نفسها خاطئة.
في خلاصته، يمكن القول إن هذا الفصل يقدم نقداً قوياً ومقنعاً لمنهجية تفسير الظواهر السياسية المعقدة من خلال عدسة هوياتية جامدة وموروثة. الحجة القابلة للنقاش الأساسية هنا هي افتراض الكاتب بأن العصبية ليست مجرد تفسير للسياسة، بل هي نتاج سياسي في المقام الأول، وأن التركيز على "الخوف الطائفي" كسبب قد يخدم إدامة الانقسامات التي يزعم تحليلها. يظل السؤال مفتوحاً حول مدى فعالية السياسة وحدها في تفكيك هويات تشكلت عبر قرون من التمييز والصراع، وكيف يمكن بناء "شراكة حياة ومصير" حقيقية في سياق يشوبه عدم ثقة عميق، دون الوقوع في فخ الاستعلاء الأخلاقي تجاه القوى الخارجية التي ينتقدها الكاتب بحق.
14.الحتمية الطائفية و«تدمير وطن» السوريين291–300▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو نقد الكتاب "تدمير وطن: الحرب الأهلية في سورية" للمؤلف نيقولاوس فان دام، ويركز النقد على ما يعتبره ياسين الحاج صالح خطأً جوهرياً في الكتاب: افتراض "حتمية طائفية" تفسر مسار الثورة السورية ودمار البلاد كأمر محتوم لا مفر منه. يقدم المؤلف إجابته عبر تفكيك هذه الحتمية، معتبراً إياها مصنوعة من خيارات سياسية وليست نتيجة طبيعية لبنية طائفية ثابتة.
يسير الفصل عبر تفكيك مقدمات فان دام ومنهجه. يرى الحاج صالح أن فان دام يفسر السياسة بالحتمية الطائفية بدلاً من تفسير الحتمية بالسياسة. الحتمية التي يصفها لا تترك مجالاً للسياسة أو الحلول الوسط، وتجعل النظام، رغم قوته، يبدو مضطراً ومحرومًا من الخيارات، بينما تحمّل المعارضة الأضعف مسؤولية الدمار. هذه المقاربة، برأي الحاج صالح، تنبع من "النزعة الدولتية" التي تقدس الدولة مهما كانت، و"النزعة الثقافوية" التي تفترض تأصل الخيارات السياسية في الانتماءات الأهلية (طائفية، إقليمية، عشائرية).
يقدم الكاتب أمثلة من نص فان دام نفسه، مثل إشارته لوجود وحدات عسكرية علوية ترابط قرب دمشق لحماية النظام، وأخرى غير علوية تبعد لحماية البلاد. هذا التوزيع المنهجي للسلطة عسكرياً وأمنياً، وفقاً لـ الحاج صالح، هو الذي يصنع الطائفية السياسية، لا أنها أمر مفروغ منه. ينتقل بعدها للحديث عن التوريث وتدخلات القوى الخارجية، مثل روسيا وإيران، وينتقد فان دام لتعاملها كتطورات طبيعية وليس تحولات كبرى، وكذلك تعامله مع داعش كشيء "مطوي في البيئات السنية دوماً". يرفض الكاتب فكرة الزمن المتجانس الذي تظهر فيه الحتميات، ويصر على أن هناك أحداثاً وانعطافات وصنعاً سياسياً للواقع.
يقرّ الحاج صالح بأن هناك نزعات وتوترات طائفية "في اللحظة صفر"، لكنه يؤكد أن الدولة السورية حولتها من نعرات فردية إلى "طائفية دولة" منظمة عبر التمييز البنيوي، وتحطيم أي بدائل سياسية، ومنح الامتيازات على أساس طائفي. يضع تحفظاته على منهج فان دام "الموضوعي" الذي يعتبره تقليداً استشراقياً يتجاهل الجانب العاطفي (مشاعر الذل، الغضب، الكرامة) والتاريخي (مثل مآسي المعارضين) للسوريين، ويقدم نفسه كحكم محايد بينما يقف ضمنياً إلى جانب النظام.
في لفتة حادة، يستشهد الكاتب بمقدمة الطبعة العربية حيث يصف فان دام بشار الأسد بـ "الرئيس الشرعي"، ويستخدم عبارات "قيل" و"مزعومين" عند الحديث عن فظاعات النظام، مما يكشف عن انحياز واضح. كما ينتقد إحالة فان دام إلى تقرير للصحفي روبرت فسك عن مذبحة داريا دون ذكر انتقادات موثقة له، وإحالته لكتاب آخر منكر للفظائع، معتبراً أن هذا مسلك يفتقر للرصانة البحثية والاتزان الأخلاقي.
الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي الاتهام المباشر لـ فان دام بأنه، عبر حتميته، يمارس "إنكار الوكالة" (Agency) المعرفية والسياسية والأخلاقية للسوريين، وينتهي به الأمر إلى لوم الحكومات الغربية لتقلب دعمها للمعارضة بدلاً من لومها على ترك النظام الإبادي يستمر. يخلص الحاج صالح إلى أن كتاب فان دام يخلو من السياسة ومن الحرية، ويقدم سردية قاتلة تمنع التفكير بمخارج أو تسويات، مهما كانت مجحفة. كسر هذه الحتمية التدميرية، بالنسبة له، يسير في أفق النضال من أجل الحرية.
17.في أبنية الدولة السلطاتية المحدثة: ليبرالية اجتماعية عرفية315–324▼ ملخص
ملخص الفصل: «في أبنية الدولة السلطاتية المحدثة: ليبرالية اجتماعية عرفية»
المحور الأساسي لهذا الفصل هو محاولة تفسير السمة اللافتة التي تميزت بها سوريا في العقود الأخيرة: دولة حد أدنى في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، ودولة حد أعلى في المجال الأمني والسياسي. يقدم ياسين الحاج صالح أطروحته الرئيسية التي تقول إن هذين الوجهين مترابطان جوهرياً، وليسا مجرد تناقض ظاهري. فالنظام، بدافع الحفاظ على السلطة (ما يسميه مبدأ حفظ السلطة)، يجد نفسه مدفوعاً إلى تدخلية محدودة في المجالات الاجتماعية والدينية ليتجنب الاحتكاكات والتوترات التي قد تهدد حكمه. هذه المعادلة أنتجت ما يصفه المؤلف بـ"ليبرالية اجتماعية عرفية" تتزامن مع طغيان سياسي منظم.
يسير الفصل بتتبع تاريخي وتحليلي، ليفحص جذور هذه الظاهرة. يبدأ المؤلف بالإشارة إلى المراحل الأولى من الحكم البعثي بعد عام 1963، والتي تميزت ببناء دولة رعاية اجتماعية تدخلية: تأميم ممتلكات، توحيد مناهج التعليم وتعريب الجامعة، حملات محو الأمية ومكافحة الأوبئة، إنشاء مدارس ومراكز صحية مجانية. كل ذلك كان يندرج في منطق بناء أمة مواطنين متساوين، وفق رؤية قومية تدخلية وعقلانية. لكن حتى في هذه الفترة، كانت الدولة تتجنب تجاوز حدود معلومة في قضايا الدين، وخاصة الأحوال الشخصية، وهو المجال الذي يمنح الإسلام السني سلطة تعريف الإسلام، ويرسم حدوداً للمواطنة وسيادة الدولة.
يستخدم المؤلف مثالاً تاريخياً مهماً: الإشارة إلى التمييز لصالح القرابة أو الجهة أو الطائفة بين رموز الحكم البعثي قبل 1970، حيث كان أساسيو اللجنة العسكرية منحدرين من الوسطين العلوي والإسماعيلي، وجرى تحطيم كتلة الضباط الدروز في 1967. هذا يشير إلى أن البنى السلطانية والعشائرية كانت موجودة تحت سطح الخطاب القومي الوحدوي.
مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم في نوفمبر 1970، حدث تحول حاسم. تمركز النظام حول مبدأ حفظ السلطة، وتوافق ذلك مع ضرب من الليبرالية الاجتماعية. لم يكن هذا تحرراً فردانياً، بل كان ترحيباً محدوداً بفاعليات تجارية ودينية (سنية ومسيحية) في المدن الكبرى، ورعاية لمؤسسات مستقلة نسبياً مثل معاهد الأسد لتحفيظ القرآن، وعقد لقاءات دورية مع أرباب الشعائر الدينية والمشايخ والأعيان. يبرز المؤلف هنا مثال سلطان باشا الأطرش، زعيم 1925، الذي اختلط دوره التاريخي بدوره كزعيم قبلي لضمان ولاء أوساطه. ينطبق الشيء نفسه على تجار دمشق، الذين هم رابطة أهلية جهوية أكثر من كونهم طبقة اجتماعية. في المقابل، لم يلق أي شيء من هذه المراعاة لأي فاعليات مدنية مستقلة ثقافية أو سياسية، بل تعرضت لأقصى درجات القمع والمراقبة.
يخلص المؤلف إلى أن هذه "الليبرالية" الاجتماعية غير مستقرة، فهي تُمارس كـ"تسامح" يتفضل به الحاكم، يمكن سحبه في أي وقت. إنها "ليبرالية عرفية" أو "سلطاتية"، لا علاقة لها بالفردانية والتحررية الاجتماعية، بل تتعامل مع المجتمع كجماعات أهلية وجهوية، على شرط ألا تنشأ أي مراتب اجتماعية مستقلة أو أن يحدث أي لبس حول من هو السيد. هذه الآلية تعيد إنتاج ما يسميه المؤلف "الدولة السلطانية" التي لا تتدخل كثيراً في شؤون الرعايا، لكنها لا تقبل بحال مبدأ عدم التدخل.
ينتقل النص إلى تحليل النتائج: المجتمع السوري الضعيف التشكل أصلاً أخذ يتفكك بطريقتين. أولاً، بتخلي النظام عن أي سياسات دمجية فعالة تصنع من السوريين "شعباً". ثانياً، بقمع أي تعبيرات سياسية مستقلة، فلا الدولة تسهم في تشكيل الأمة، ولا تدعها تتشكل. وهنا يستشهد المؤلف بكتاب "الدولة ضد الأمة" لـبرهان غليون، لكنه ينتقد أطروحته التي تركز على القمع دون الاهتمام الكافي بالوظيفة الدامجة للدولة. بالمقابل، ينتقد أيضاً عزيز العظمة الذي تغنى بحماسة بدور الدولة "المخترقة" للمجتمع، متجاهلاً أن هذا "الاختراق" في سورية كان جهازياً اعتباطياً وخشناً، وليس توحيدياً وعقلانياً، ومتجاهلاً العدوانية السياسية المتفاقمة للنظام.
يحلل المؤلف موقف الفاعليات المختلفة. فالإسلاميون، بحسبه، كانوا يحتجون على ما كان النظام يتخلى عنه (السياسات الدامجة) أكثر مما يحتجون على ما يتمسك به (القمع)، وكانوا متحالفين مع النظام في إضعاف الاندماج الوطني. أما الديمقراطيون في السبعينات، فلم يميزوا بين وجهي النظام، فاعترضوا على التعسف لكنهم لم يروا أن "الليبرالية العرفية" تقوض البنية التحتية للديمقراطية.
يختتم الفصل بإطار نظري ونقدي. يرى المؤلف أن المفهوم الأفضل لوصف الحالة السورية هو "الطغيان السلطاني"، الذي يتفضل ويتسامح لكنه لا ينضبط بقاعدة، ويشكل مع الليبرالية الاجتماعية وجهاً لنظام سلطاني محدث. في هذا النظام، الدولة "ليبرالية" (أي متساهلة) حيث ينبغي أن تكون تدخلية في الشأن السيادي (الدين، العشائر)، وطغيانية حيث ينبغي أن تكون ديمقراطية (في الشأن السياسي). هذا النسق يتطور طبيعياً نحو المزيد من التبعثر الاجتماعي والاستبداد السياسي.
أخيراً، يرى المؤلف أن أي نقد يركز على وجه واحد (القمع أو التبعثر) ويتجاهل الآخر يبقي على البنية السلطانية سليمة. الحل، بحسبه، يكمن في سياسة تجمع بين ليبرالية سياسية وتدخلية اجتماعية تحررية، أي الانتقال من دولة حد أدنى اجتماعياً وحد أقصى سياسياً إلى دولة فاعلة اجتماعياً وتحررية سياسياً، وهي إشكالية بناء الأمة والدولة الوطنية التي يراها المؤلف معقدة ولكن ليست مستحيلة حتى في زمن ما بعد الحداثة.
19.نظرات في أصل نزعة المحافظة الاجتماعية الجديدة، عندنا333–344▼ ملخص
ملخص الفصل: "نظرات في أصل نزعة المحافظة الاجتماعية الجديدة، عندنا" من كتاب "السلطان الحديث" لياسين الحاج صالح
يبحث هذا الفصل في العلاقة بين نمط الحكم الاستبدادي الجديد في البلدان العربية، وتحديداً في سورية، وبين تنامي نزعة محافظة اجتماعية، سواء أكانت دينية أم غير دينية. يطرح المؤلف سؤالاً محورياً: هل هناك علاقة سببية بين هذين الأمرين؟ ويحاول الإجابة من خلال تتبع التحول الذي طرأ على طبيعة الاستبداد نفسه، حيث يرى أن الاستبداد المعاصر يُعَرِّف نفسه من خلال سمة جديدة هي "تطلّب السلطة المؤبدة"، أي الطابع الشخصي والعائلي للحكم، بدلاً من أن يكون ديكتاتورية عسكرية أو حزبية تبحث عن سند إيديولوجي عام.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح كيف أن تحول الحكم إلى "سلطة مؤبدة" أو "سلالية" يفرض منطقاً جديداً في التعامل مع المجتمع. لكي يدوم الحكم ويُورَّث، لا يكفي أن يتحلى الحاكم بخصال استثنائية كالعبقرية والحكمة، ولا يكفي القمع وحده. بل يحتاج هذا النمط من الحكم إلى تأليف قلوب النخب الاجتماعية وتجنيد ولائها، دون إثارة أي مشكلات اجتماعية أو ثقافية مع أي قطاع مجتمعي. هذا المنطق يقود، وفقاً للمؤلف، إلى حصر هذه القطاعات في مراتبها الموروثة وهياكلها التقليدية وقياداتها الأهلية (كالعشيرة والطائفة)، بدلاً من تشجيع التغيير أو التجديد.
يستخدم المؤلف مثالاً توضيحياً مهماً: في هذا البنيان الجديد، يجد المفكر الديني المجدد أو الشخص المتمرد على العشيرة أو المنظمة المدنية المستقلة نفسه محاصراً ومُحطَّماً. في المقابل، يدعم النظام باستمرار التكوينات التقليدية، ويغذي الانتماء للطائفة والعشيرة، ويعزز نفوذ الوجهاء والزعامات التقليدية، الذين يتحولون إلى وحدات سياسية للنظام تضمن له الولاء. يصف المؤلف هذا التطور بأنه ينتج بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة تماماً عن تلك التي كانت سائدة في أنظمة ديكتاتورية وطنية سابقة (مثل النظام الناصري في مصر أو أنظمة سورية والعراق في سبعينات وثمانينات القرن العشرين).
يؤكد المؤلف أن هذه النزعة المحافظة لا علاقة لها أساساً بإعلانات إيديولوجية أو دينية محددة، بل هي نتيجة منطق موضوعي لحفظ السلطة وحاجتها لحشد الولاء. هذا المنطق يدفع النظام للتخلي عن أي لون إيديولوجي محدد قد يغضب قطاعاً من النخبة، ويدفعه إلى مراعاة نخب متنوعة وربطها بالمركز السلطاني. لكنه يوضح أن هذا لا يعني أن رجال الدين المحافظين هم مجرد أتباع للنخبة الحاكمة. فهو يصف العلاقة بأنها تشبه "انتقاء طبيعياً" يضمن فوز الأكثر محافظة وخسارة المجددين والمستقلين، وذلك لأن الأولين يمتلكون سلطة اجتماعية مضمونة (قبل النظام)، بينما التجديد هو مجازفة بفقدان الحماية الاجتماعية. ومع ذلك، يقر المؤلف أن هذه العلاقة تصطبغ بقدر من التجاذب وعدم الثقة، لأن الزعامات الدينية التقليدية التي تشكلت قبل الحكم السلطاني تحتاج إليه أقل من غيرها، خاصة مع تراجع التيارات الإيديولوجية التغييرية في ربع القرن الأخير.
في المحصلة، يرسم الفصل صورة لتقاسم عمل: تنفرد نخب الحكم بالسلطة العمومية والنفاذ إلى الموارد، بينما تتوسع النخب الدينية والأهلية في الميدان الاجتماعي والقيمي مع منافذ للإثراء. يُترك المجتمع ليتحكم به العرف والتقليد والقيادات التقليدية كوسطاء، ويمنع تكوّن قيادات جديدة. يعيد المؤلف هذه الصيغة إلى "سياسة الأعيان" التي تحدث عنها ألبرت حوراني وفيليب خوري في بلاد الشام العثمانية في القرن التاسع عشر، ويربطها بتحولات اقتصادية اجتماعية حالية كارتفاع أهمية الثروة (التي أصبحت أصلاً ثانياً للنفوذ العام) وتراجع وزن "المنظمات الشعبية" والنقابات في سورية خلال العقد الأخير.
يتحفظ المؤلف في المبالغة بحجم التخلي عن أدوات الضبط والتعبئة الاجتماعية، مشيراً إلى أن النظام ما زال بحاجة إليها لمراقبة القطاعات المحرومة والمهمشة، وللحفاظ على ولاء الكادر الواسع الذي يدير دواليب الدولة. يميز المؤلف بين "البورجوازية الجديدة" (أثرياء السلطة) و"الأعيان الجدد" (القادة الأهليون)، معتبراً أن كليهما يشكلان النخبة الاجتماعية التي يصطفيها الحكم السلطاني حليفة له، مع بقاء الكلمة العليا لنخبة الحكم الممسكة بالدولة أو المركب السياسي الأمني. يخلص إلى أن هذه الشراكة هي جزء من "بنية عضوية" للمجتمع، حيث يتحول المجتمع كله إلى تشكلات أهلية مجزأة تحاكي صورة المركز السلطاني. هذا النظام، بحسب المؤلف، هو "خالق" للروابط الأهلية عبر "الانتقاء الطبيعي"، وهو "مضخة" للعلاقات التقليدية في الحياة العامة والسياسية الوطنية. لذلك، يعتبر أن النزعات المحافظة الاجتماعية، بما في ذلك أشكالها الدينية، ليست ظاهرة هامشية بل هي ظاهرة صميمية للنظام.
ينتقل المؤلف بعدها لنقد المثقفين والمناضلين السياسيين الذين يفترض أنهم أكبر الخاسرين، متسائلاً لماذا يبدو هذا التحول غير مرئي أو محلل من قبلهم. يرجح السبب إلى التجزؤ الاجتماعي والثقافي الذي يسري فيهم، وإلى ميلهم لتفسير الظواهر بخصائص ثقافية أزلية للمجتمع العربي (نزعة "ثقافوية") بدلاً من ربطها بالسياسة والاقتصاد والسلطة. يصف هؤلاء المثقفين بأنهم نخبة فرعية من الحكم السلطاني، وأنهم يفضلون خوض الحرب الماضية (ضد الديكتاتورية العسكرية أو الأصولية الدينية) متجاهلين التحولات الجديدة نحو أشكال جديدة من الهيمنة الاجتماعية. هذا الانفصال، وفقاً للمؤلف، يحول نضالهم من عمل لتغيير الواقع إلى تعريف ذاتي وهوية تميزهم عن غيرهم.
يختم الفصل بتأكيد أن هذه التحولات، التي تشمل تحول الحكم إلى سلطاني وتحول الاقتصاد إلى "ليبرالي"، لم تكن نتاج تدبير واعٍ بل هي نتيجة "انتقاء طبيعي" وتنامي دور الثروة وظهور ثقافة مناسبة. ويقر بأن هذه العمليات تتلقى تعزيزاً من تطورات عالمية (العولمة الاقتصادية وما بعد الحداثة الثقافية)، لكنه يرى أن تأثيرها في منطقتنا يتجاوز التجزؤ الثقافي إلى انبعاث تشكلات اجتماعية وسياسية كانت سائدة قبل الحداثة. يترك المؤلف السؤال مفتوحاً حول قدرتنا على الإحاطة بهذه العمليات وتحليلها، مما يجعل المثقفين والمفاهيم التي ينتجونها انعكاساً سلبياً للبنية الاجتماعية السلطانية، مما يضعف قدرتهم على الاستقلال عنها أو تغييرها.
20.هوامش مناورة: الولاء كنظام وعلاقة سياسية345–354▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل آليات الحكم في الأنظمة الاستبدادية العربية، وتحديداً كيف تُوظف "سياسة المناورة" القائمة على مبدأ "فرّق تسد" لضمان بقاء السلطة. يطرح ياسين الحاج صالح أن هذه الأنظمة لا تهدف إلى بناء دولة وطنية أو مجتمع متجانس من المواطنين، بل تتعمد إعادة إنتاج التمزق الاجتماعي والانقسامات (طائفية، عشائرية، مناطقية) لتضمن أن يظل المركز الاستبدادي المرجع الأعلى والحامي الوحيد، مما يبقي المحكومين في حالة تبعية وخوف دائمين.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تفكيك العلاقة بين "الدولة الخاصة" (أي الحاكم والنخبة الحاكمة) و"الدولة العامة" (مؤسسات الدولة ومصلحة المجتمع ككل). يوضح المؤلف أن الأولوية المطلقة للنظام هي أمنه ودوامه، وليس تقديم خدمات أو بناء أمة. لتحقيق هذه الأولوية، يعتمد النظام على عنف واسع ومنظم، لا يقتصر على القمع، بل يمتد ليخلق جواً عاماً من الخوف يدفع الناس للانكفاء على دوائرهم الخاصة ويمنع تكوين روابط جماعية صلبة قد تهدد المركز.
ثم ينتقل الفصل إلى تحليل "الولاء" باعتباره نظاماً وعلاقة سياسية لا مجرد عاطفة. يبين أن هناك سوقاً غير حرة للولاء، يطلب فيها النظام ولاءً مطلقاً، لكنه لا يكافئ المتساوين مكافآت متساوية. يحصل الأكثرون نفوذاً والمستقلون نسبياً على أعلى الثمن (امتيازات، حصانة، ثراء)، بينما يحصل الموالون من الفئات الدنيا على مكاسب متواضعة لكنها حيوية لبقائهم مثل وظيفة أو حماية من خصم أقوى. يقدم الكاتب مثالاً واضحاً على أن "الأشد ولاءً بيننا لنخب السلطة هم الأكثر فساداً"، لأنهم يعتبرون الدولة "نوبتهم" في الاستئثار بالثروة والسلطة، ويبذلون ولاءً متزايداً ليس فقط للحصول على مكاسب، بل لإسكات أي شكوك حول استحقاقهم لها.
يتناول الفصل أيضاً "مكافحة الفساد" كحالة نموذجية للتناقض الجوهري في هذه الأنظمة. الفساد ليس خللاً أو عارضاً يمكن إصلاحه، بل هو النتيجة المحتومة لمنطق النظام الولائي نفسه. لذلك، حملات مكافحة الفساد لا تطال إلا الصغار أو من تجاوز جشعه الحد الذي يهدد بقاء النظام كحامل، بينما تبقى بنية النظام نفسها محصنة. هذا يوضح استحالة إصلاح هذه الأنظمة من داخلها دون تغيير الأولوية العليا من حماية "الدولة الخاصة" إلى خدمة "الدولة العامة".
في جزء لافت، يقرّ المؤلف بأن الولاء ليس مجرد تبعية سلبية أو خوف، بل هو "منفعة متبادلة وخيار عقلاني" للمحكومين أيضاً. فالضعفاء والمسحوقون في قاع الهرم الاجتماعي يتقنون لعبة الولاء كوسيلة للتحايل على النظام واستخلاص فرص حياة متواضعة. يصفهم بأنهم "يتحايلون بمرونة على عبودية النظام لإدمانه السلطوي". هم لا يخلصون للنظام حقيقة، لكنهم يُظهرون الولاء المطلوب لأنهم يدركون أن النظام لا يطلب إخلاصاً حقيقياً بقدر ما يطلب الانصياع العلني، مما يمنحهم هامشاً للمناورة في حياتهم اليومية.
يوضح الفصل كيف يتغلغل النظام الولائي في المجتمع عبر العلاقات الأهلية والقبلية والدينية، حيث تُستخدم هذه الروابط كقنوات للوصول إلى الوظائف العامة والمنافع، مما يحول الدولة إلى "دولة عرفية خاصة" تتشكل على صورة النظام نفسه. هذا الاختراق يعزز التجزؤ ويجعل الدولة العامة أداة لتوزيع المحسوبيات بدلاً من أن تكون مؤسسة قانونية عادلة. في هذا السياق، يفرق الكاتب بين "سياسة كبرى" تديرها النواة الصلبة للحكم وتعتمد على العنف والتماسك الداخلي (العصبية)، و"سياسة صغرى" موزعة اجتماعياً يمارسها الموالون من خلال المناورة اليومية بقواعد النظام.
في الختام، يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول حدود هامش المناورة هذا، مشيراً ضمنياً إلى أنه على الرغم من مرونة النظام وقدرته على الاستمرار عبر تغذية التمزق والفساد، إلا أن هذه الآلية تحمل في طياتها تناقضاً لا يُحل: بقاء الدولة العامة "مكسورة الظهر لا تنهض ولا تقوم ولا تموت"، مما يجعل النظام عرضة لتحديات كبيرة في حال توقف تدفق المنافع أو ظهور بديل سياسي قادر على تجاوز هذا المنطق. إن تحليل الكاتب يسلط الضوء على عمق الأزمة البنيوية في هذه الأنظمة التي تجعل من "الاستبداد" و"الفساد" ليس مجرد ممارسات خاطئة، بل طريقة حياة سياسية متكاملة.
21.وضع الدين العام: مناقشة في الشأن الديني السياسي355–370▼ ملخص
يُخصّص هذا الفصل من كتاب "السلطان الحديث" لدراسة واقع "الدين العام" في البلاد العربية، مع تركيز خاص على الحالة السورية. يطرح المؤلف أن الدين العام ليس مجرد معتقد فردي، بل هو حضور مؤسسي واجتماعي مهيمن للدين، وتحديداً الإسلام السني في الغالب، في الفضاء العام. هذا الحضور يتخذ شكلين مترابطين: الأول، النفاذ إلى الدولة عبر كونه دين الدولة في الدستور، ومشاركاً في التشريع (خاصة في الأحوال الشخصية)، ومادّة إلزامية في التعليم العام، وذا حضور سيادي في الإعلام الرسمي. والثاني، الظهور الجماهيري المقتحم في الحياة اليومية، عبر المآذن ومكبرات الصوت والإذاعات والملابس، وهو حضور "سيادي" لا يقبل المساءلة ويصعب تجنبه، واصفاً المجتمعات العربية بأنها تعيش "حالة استعراض ديني دائم".
يسير الفصل على خطى تحليلية واضحة، بدءاً من تعريف هذا الواقع، ثم تفسير أسبابه التي هي حديثة نسبياً، رغم قدم الدين. يشير المؤلف إلى عدة ظروف أدت إلى اكتساح الدين للفضاء العام منذ مطلع القرن الحالي، منها: ثورة الاتصالات التي سهّلت جعل الدين سلعة للاستهلاك اليومي، والتحرّر الاقتصادي والإعلامي الذي أتاح انتشار التعبيرات الدينية اجتماعياً، والفراغ السياسي والثقافي الهائل الذي تخلقه أنظمة الاستبداد الحديثة، وأخيراً حصانة المساجد كأماكن وحيدة لا يكاد يستثنيها القمع، مما جعل التجمع للصلاة والخطاب الديني هما الشكل الوحيد للتعبير في وجه الطوارئ والرقابة.
يوغل الكاتب بعدها في تحليل عواقب هذا الوضع، ويرى أنها وخيمة ومترابطة. العاقبة الأولى هي تغذية الانقسام في المجتمع، وتحديداً في حركة المعارضة السورية، بين من يعارضون "الدين" ومن يعارضون "الدولة"، مما يضعف العمل العام ويمزّقه. الثانية، أن الدين العام يُعتبر مصدراً رئيسياً للتطييف؛ فحضوره القسري والمحتكر يُشعر قطاعات واسعة (كالمسلمين غير السنيين وحتى بعض السنة) بالغربة والإحباط، مما يدفعهم للاحتماء بروابطهم الأهلية والطائفية. الثالثة والأخطر، أنه يعزز الاستبداد السياسي؛ فالدين العام، بتحفيز الوعي الذاتي للجماعات وتغذية تباعدها، يمنح نخبة الحكم دوراً تحكيمياً فوق الجميع، مما يطيل عمر السلطة الاستبدادية التي تبقى اللاعب الوحيد القادر على إدارة هذا التنوع.
بعد تشخيص المشكلة وعواقبها، يشرع المؤلف في تقييم الحلول المطروحة لترتيب العلاقة بين "عامين" (الدين والدولة). يرفض وبشدة خيار حذف الدولة والعيش تحت دين وحده (مشروع الإسلاميين)، ويصفه بأنه أسوأ ما يمكن حصوله للإسلام نفسه. كما يرفض بالمثل خيار حذف الدين وجعل الدولة إلهاً مقدساً (على غرار النموذج الشيوعي). ثم يطرح خياراً ثالثاً هو ترتيب العلاقة بينهما بحيث يكون أحدهما "عاماً" والآخر "خاصاً"، معتقداً أن الدولة هي الأهل نظرياً لاحتضان العام لسعتها وشمولها، لكنه يقرّ بأن الدولة في واقعها الحالي غير قادرة على إشغال هذا الموقع فهي أيديولوجية ومستبعدة لغير العرب، مما يوسع مساحة احتلال الدين للعام.
يصل الفصل إلى استنتاج جوهري وهو أن الحل لا يكمن في "خصخصة الإسلام" وفصله النهائي عن السياسة، بل في "فصل الدين عن السيادة وعن الولاية العامة". هذا يعني نزع الصفة الإكراهية والعامة عن تمظهرات الدين، مع السماح بحرية الممارسة السياسية والدينية. ينادي المؤلف بـ "الربط الشرطي بين الدور السياسي للدين وبين زوال ولايته العامة الممأسسة والسيادية"، أي السياسة مقابل السيادة. هذا يُترجم إلى مطالبة بعلمانية تفهم كفصل عن "السيادة" لا عن "السياسة"، مما يفتح المجال لدور سياسي للإسلاميين ضمن دولة لا تتبنى الدين لا تشريعياً ولا تربوياً ولا إعلامياً.
في الفقرات الأخيرة، يربط الكاتب بين مقاومة الدين العام الممأسس ومقاومة الدولة الاستبدادية، مؤكداً أنهما وجهان لعملة واحدة هي "الدولة السلطانية المحدثة". يرفض المقاربات الأحادية التي تستهدف أحدهما دون الآخر، ويحذّر من "علمانية سلطانية" تستخدم الاستبداد ضد الدين العام، أو "ديموقراطية سلطانية" تتجاهل وضع الدين. الأولوية العملية، برأيه، هي لكسر الاستبداد، لكن الأولوية التاريخية الأهم هي لتغيير أساسي في موقع "الإسلام" نفسه ونظامه الذاتي ونظرته للعالم، عبر "انفصال محرّر" ينتج عنه سيادة جديدة للإسلام نفسه، تُمارس فيها السياسة بحرية دون أن يكون هو السيادة المهيمنة. هذا هو الطريق الوحيد لـ "قطيعة" تؤسس لمواطنة حقيقية ودولة وطنية حديثة وعلمانية بمعنى فصل الدين عن السيادة.