
الشبكة السورية لحقوق الإنسان - 8 سنين على الثورة
في كتابها "8 سنين على الثورة"، تقدم الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) وثيقة إحصائية وتوثيقية شاملة، تهدف إلى تجميع صورة كلية لحجم وأنماط الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المدنيون السوريون منذ انطلاق الحراك الشعبي في آذار/2011 وحتى آذار/2019. الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو تقرير حقوقي يقوم على قاعدة بيانات دقيقة، معتمداً على منهجية توثيقية صارمة جعلت من الشبكة مصدراً أساسياً للمفوضية السامية لحقوق الإنسان. الموقف المحوري الذي يدافع عنه الكتاب هو أن جوهر الصراع في سوريا لا يزال صراعاً بين شعب يطالب بالحرية والكرامة والديمقراطية، وبين نظام حكم الأقلية العائلي الذي استخدم القمع الممنهج والوحشي لاستمراره. يلقي الكتاب باللوم الرئيسي على النظام السوري وحلفائه (إيران وروسيا)، لكنه لا يخلّص الأطراف الأخرى من المسؤولية، مشيراً إلى انتهاكات ارتكبتها قوات سوريا الديمقراطية ("قسد")، والتنظيمات الإسلامية المتشددة (داعش وهيئة تحرير الشام)، وفصائل المعارضة المسلحة.
تسير حجة الكتاب وفق بنية منهجية واضحة، حيث ينتقل من المقدمة التي تؤطر المشكلة كصراع وجودي، إلى عرض تفصيلي لأنماط الانتهاكات الأساسية. يبدأ الفصل الأول بـ"القتل خارج نطاق القانون"، وهو الباب الأعرض لتصفية الجسد السوري والمطالب السلمية. ينتقل بعدها إلى "الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري"، الذي يمثل أداة القمع اليومي والرعب الممنهج، ليتوج بفصل "التعذيب" كسلاح وحشي يستخدم لكسر الإرادة وانتزاع الاعترافات، وغالباً ما ينتهي بالموت. ثم يفرد الكتاب فصولاً للأدوات الأخرى للعقاب الجماعي: "الحصار" كسياسة تجويع، و"الهجمات العشوائية والأسلحة غير المشروعة" التي تجسد الاستهداف المتعمد للمدنيين بالأسلحة المحرمة دولياً، و"الهجمات على الأعيان المدنية" التي تهدف لتدمير البنية التحتية للحياة اليومية، وأخيراً "التشريد القسري" كنتيجة تراكمية لكل هذه السياسات. المنطق الذي يربط الأجزاء هو منطق تراكمي تكاملي: كل نمط من الانتهاكات ليس منفصلاً، بل هو جزء من آلة قمع شاملة تهدف إلى إخضاع الشعب السوري أو تهجيره أو إبادته.
الأرقام والوقائع التي يسردها الكتاب صادمة وتستعصي على النسيان، وهي حجر الزاوية في قوة الحجة. يوثق الكتاب مقتل 223,161 مدنياً خلال الفترة المغطاة، بينهم 28,486 طفلاً و15,425 سيدة. النسبة الأعلى من هذه الجرائم تعود إلى قوات الحلف السوري الروسي، حيث يتحملان مسؤولية 92% من إجمالي القتلى المدنيين و78.68% من القتلى من الأطفال والنساء. في تفصيل الأطراف، يتحمل النظام السوري والميليشيات الإيرانية المسؤولية عن 198,409 قتيلاً، بينما تتحمل القوات الروسية المسؤولية عن 1,875 قتيلاً. في باب الاعتقال، يوثق الكتاب 127,916 شخصاً لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري في سجون النظام السوري، بمعدل 85% من حالات الاعتقال تتحول إلى اختفاء قسري. ويغوص في تفاصيل مؤلمة عن التعذيب، حيث قضى 13,983 شخصاً بسبب التعذيب في سجون النظام وحده، وهو ما يمثل 98.97% من ضحايا التعذيب بين جميع الأطراف. في الفصل الخاص بالأسلحة المحرمة، يسجل الكتاب 441 هجوماً بالذخائر العنقودية، و216 هجوماً بالأسلحة الكيميائية، تسببت في مقتل 1,161 شخصاً، معظمهم مدنيون. كما يتعرض لاستخدام 14,575 برميلاً متفجراً، و149 هجوماً بأسلحة حارقة. في باب التشريد، يذكر الكتاب أن 14.2 مليون شخص تعرضوا للتشريد القسري، بينهم 8 ملايين نازح داخلياً و5.6 ملايين لاجئ خارج سوريا.
لا يخلو الكتاب من تحفظات وحدود أقرت بها الشبكة صراحة. تشير المقدمة إلى أن الإحصاءات المقدمة تمثل "الحدّ الأدنى" للخسائر الفعلية، نظراً لصعوبات وتحديات جمع المعلومات في ظل الحرب المستمرة، والرقابة المشددة، وخطورة الوصول إلى بعض المناطق. كما يمكن للقارئ أن يستنتج أن الأرقام تعكس فقط ما تم توثيقه، وأن آلاف الضحايا قد لا يكونون مسجلين، خاصة حالات الموت تحت التعذيب أو القصف في المناطق المعزولة. الكتاب، بطبيعته كتقرير حقوقي، لا يخوض في التحليل السياسي العميق لدوافع القوى الخارجية، بل يكتفي بتوثيق النتائج المترتبة على تدخلاتها، مثل الدور الروسي في تصعيد استخدام الذخائر العنقودية والبراميل المتفجرة بعد أيلول/2015، والدور الإيراني في دعم الميليشيات الموالية للنظام.
على الرغم من قوة المادة الوثائقية، إلا أن الكتاب يطرح حججاً قابلة للنقاش، خاصة في جانب التوصيات. ففي ختامه، ورغم توثيقه لانتهاكات من جميع الأطراف، فإنه يركز توصياته بشكل شبه حصري على المجتمع الدولي ومجلس الأمن لاتخاذ إجراءات حازمة ضد النظام السوري وحلفائه، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية المدنيين وإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذا التوصيف يضع كل الثقل على القوى الكبرى التي تدعم النظام، لكنه لا يقدم تقييماً مماثلاً من حيث الحجم أو الأهمية للدور الذي لعبته دول الإقليم أو القوى الأخرى في تأجيج الصراع أو دعم أطرافه. كما أن دعوته الوحيدة للأطراف الأخرى (مثل "قسد" والفصائل) تنحصر في "الالتزام بالقانون الدولي"، وهو أمر يعترف الكتاب نفسه بانتهاكه من قبل هذه الأطراف (بمارسة الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل) دون تقديم توصيات محددة أو آليات للمحاسبة موازية لتلك المطالب للنظام. هذا الخلل في ميزان التوصيات، رغم دقته في توثيق الأرقام، يثير تساؤلات حول ما إذا كان المنطق الحقوقي المجرد يمكن فصله عن المنطق السياسي للصراع، أم أن مسؤولية التحول الديمقراطي تحتاج إلى محاسبة متوازنة ومترابطة لجميع الأطراف التي ساهمت في تقويض أهداف الثورة السورية السلمية.