
الصراع في مدينة سلمية - غ. ميرزا وه. الخطيب
يقدّم كتاب "الصراع في مدينة سلمية - نموذج لتشكّل 'المافيات' في سوريا" للباحثين غريب ميرزا وهمام الخطيب، والصادر عن مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، تحليلاً عميقاً للتحوّلات الاجتماعية والأمنية التي شهدتها مدينة سلمية ذات الغالبية الإسماعيلية بعد أربع سنوات ونصف من اندلاع الأزمة السورية. لا يقتصر الكتاب على توثيق الانتهاكات، بل يسعى إلى فهم آليات تشكّل شبكات مسلحة شبه نظامية، أطلق عليها المؤلفان مصطلح "المافيات"، وكيف استطاعت هذه الشبكات فرض هيمنتها على المجتمع والاقتصاد، في ظل علاقة معقدة مع الدولة/النظام الذي يبدو عاجزاً عن ضبطها، أو ربما لا يريد ذلك. يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن المدينة تواجه "أزمة الكأس المقلوب"، وهي حالة توتر وصراع بين ثلاثة أطراف: المجتمع الأهلي، والنظام/الدولة، والمافيات، لا يستطيع أي منها حيازة المصلحة الكاملة لنفسه، مما يخلق توازناً هشاً يهدد بالانفجار في أي لحظة.
يسير الكتاب في حجته وفق تسلسل منهجي واضح، ينتقل من الوصف العام للمدينة وخلفيتها السكانية والطائفية، إلى تحليل الأوضاع المعيشية المتدهورة، ثم يركز على تحديد أزمة المدينة الحقيقية التي لا تكمن فقط في التهديد الخارجي من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وجبهة النصرة، بل في "العدو الداخلي" المتمثل بـ"المافيات". ينتقل بعدها إلى تفصيل أنواع الانتهاكات التي تمارسها هذه الجماعات، بدءاً من اقتصاد الحرب عبر تهريب المحروقات، وصولاً إلى عمليات الخطف التي تحوّلت إلى مصدر رئيسي للقلق والثراء. يشرح الكتاب أسباب عزوف أهالي المدينة، ومعظمهم من الإسماعيليين، عن التطوع في التشكيلات المسلحة التابعة للنظام، مثل "الدفاع الوطني"، ويعزو ذلك إلى فقدان الثقة بمؤسسة الجيش العسكرية بعد سلسلة الهزائم، وإلى فساد هذه الميليشيات وتورطها في الانتهاكات ذاتها. يتابع الكتاب مسار الأزمة من خلال تتبع موجتي احتجاج رئيسيتين، الأولى في ربيع 2014 والثانية في صيف 2015، اللتين اندلعتا نتيجة تراكم الانتهاكات، وكانتا بمثابة كشف للعلاقة الجدلية بين الدولة والمافيا، حيث تتدخل الدولة عبر مسؤولين كبار مثل وزير الداخلية محمد الشعار، لتطلق وعوداً لا تنفذ، مما يفضح عجزها أو تواطؤها، ويعزز قوة المافيا.
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، أن مدينة سلمية شهدت في مرحلة ما بين إحدى إلى ثلاث حالات خطف واعتداء أسبوعياً لعدة شهور. كما أن عدد المطلوبين للخدمة الإلزامية أو الاحتياط في المدينة قد يزيد على 20 ألف شخص حسب بعض التقديرات، مما يخلق مساومة قاسية حيث يقطع الراتب عنهم ويُطلب منهم الاستمرار بالدوام دون أجر. في الميدان العسكري، يذكر الكتاب شهادة لقائد عسكري معارض تفيد بأن تنظيم "داعش" يمتلك 46 مجنزرة مدرعة في جبال البلعاس، مقابل 10 مجنزرات فقط لأكبر تجمع عسكري موالٍ للنظام في قرية "صبورة"، مما يظهر العجز العسكري لقوات النظام والمافيا عن حماية المدينة فعلياً. ويؤرخ الكتاب لبداية تفعيل الحساسية الطائفية بين العلويين والإسماعيليين، عندما دعت شعبة حزب البعث في شهر نيسان 2011 شباباً من القرى العلوية المحيطة للنزول إلى سلمية "للدفاع عن النظام"، مما أيقظ حالة طائفية كانت منسية. وتصل الأزمة ذروتها في 12 أيلول 2015، عندما أقدم أحد أفراد عائلة "الصالح" على إطلاق النار على صاحب كازية، وعند محاولة القبض عليه جاءته مؤازرة من مجموعة من قرية "خنيفيس"، ليحدث اشتباك يستخدم فيه الرشاشات الثقيلة و"الدوشكا"، وتضطر عناصر الأمن للاختباء وتُصادر أسلحتهم، في مشهد يلخص انهيار هيبة الدولة.
يعترف الكتاب بحدود واضحة في مادته، فهو يقر بصعوبة إجراء مسح ميداني أو مقابلات على نطاق واسع في ظل الظروف الأمنية المعقدة، مما يجعله يقدم تصوراً "تقريبياً" مدعوماً بالشهادات وليس إحصاءات دقيقة قابلة للتعميم. يترك الكتاب أيضاً أسئلة مفتوحة حول طبيعة "المافيات"، مثل: هل هي تشكلت بتنسيق مع النظام أم رغماً عنه؟ هل لا تزال تحت جناحه أم استقلت عنه؟ كما يبقى غامضاً بشأن الجهة التي تقف خلف مبادرات مثل "انتفاضة شباب سلمية" و"فدائيون قادمون"، التي يرى أنها قد تكون مبادرات حقيقية أو أدوات مخابراتية لضرب أي احتجاج حقيقي أو لتغذية الخطاب الطائفي. يقر الكتاب أن استراتيجية المجتمع نفسه منقسمة بين الهجرة الفردية والاحتجاج الجمعي، مما يعيق تشكيل رد فعل موحد وفعال ضد هيمنة المافيا.
أخيراً، يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش، أبرزها تصويره للدولة/النظام كوسيط عاجز، بل ومُقوٍ للمافيا عن قصد أو غير قصد. هذه الفكرة، وهي محورية في التقرير، تطرح تساؤلاً حول مدى وعي النظام باستراتيجيته: هل هو ضحية لضعف مؤسساته أم أنه يتبع استراتيجية متعمدة في "إدارة الأزمة" عبر خلق توازن بين القوى المتنازعة للحفاظ على هيمنته؟ كما أن ربط التقرير بين ظهور العصابات المسلحة في مناطق سيطرة النظام وبين وظيفتها المزعومة في "حماية الأقليات"، يثير جدلاً حول ما إذا كانت هذه الميليشيات حاجة أمنية حقيقية أم أداة لفرض سياسة الأمر الواقع وتقسيم المجتمع، خصوصاً مع إقرار التقرير بأن هذه المافيات تفرض هيمنة استنزاف تؤدي لهجرة الأهالي وبيع عقاراتهم، مما يهدد التركيبة الديموغرافية للمدينة ذاتها بطريقة غير مباشرة.