المورد
الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة

الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة

عزمي بشارة١ كانون الثاني ٢٠١٨arالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

الموضوع المحوري لكتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" لعزمي بشارة هو تفكيك ظاهرة الطائفية في العالم العربي، وتقديم إطار نظري لتحليلها كظاهرة سياسية واجتماعية حديثة، لا مجرد تعصب ديني موروث. يدافع المؤلف عن الموقف القائل إن الطائفية في عصرنا ليست بقايا من الماضي، بل هي عملية حديثة تُنتج "طوائف متخيلة" في سياق فشل الدولة الوطنية وصراع النخب على السلطة والموارد. الإجابة الجوهرية التي يقدمها هي أن الطائفية هي العملية التي تُحوّل الانتماء الديني أو المذهبي إلى جماعة سياسية متخيلة ذات حدود واضحة، وماضٍ مشترك يُعاد اختراعه، ومصالح موحدة، وذلك في سياق الدولة الحديثة والمجال العام.

يسير الكتاب عبر فصوله في بناء حجاجي متدرج، يبدأ بتأطير نظري للمشكلة، ثم ينتقل إلى تحليل المصطلحات وتاريخها، فدراسة الحالات التاريخية الكبرى، وصولاً إلى النماذج المعاصرة. يبدأ الفصل التمهيدي بعرض الإشكالية المركزية، رافضاً التفسيرات الاختزالية التي ترى الطائفية كمؤامرة خارجية أو كجوهر ثابت. يبني مفهومه على أعمال بندكت أندرسن حول "الجماعة المتخيلة"، وموريس غودلييه، وتشارلز تيلور، ليشرح أن الطائفة الحديثة جماعة لا يلتقي أعضاؤها لكنهم يتصورون أنفسهم كياناً واحداً بفضل خطاب تاريخي مشترك. يميز المؤلف بين "الطائفية الاجتماعية" و"الطائفية السياسية"، معتبراً أن الأخيرة هي محور اهتمامه، وهي التي تسعى إلى "أثننة" الطائفة الدينية، أي التعامل معها كجماعة إثنية ثابتة.

ينتقل الفصل الثاني إلى تفكيك المصطلحات، مفرقاً بين التديّن والتمذهب والطائفية، ويخلص إلى أن جوهر الطائفية ليس الانتماء العقائدي، بل رسم الحدود بين "نحن" و"الآخرين" على أساس انتماء طائفي، وتحويل هذا الاختلاف إلى أساس للصراع الاجتماعي والسياسي. يتتبع جذور مصطلح "طائفة" من معناه المحايد في القرآن كفئة أو جماعة، إلى تطوره في العصر الإسلامي الوسيط حيث أصبح يشير إلى طوائف الحرف والمهن ذات التنظيمات التعاضدية، وصولاً إلى معناه الحديث كجماعة دينية أو مذهبية.

يخصص الفصل الثالث تحليلاً عميقاً لمفهومي "التمذهب" و"التطييف" كعمليتين تاريخيتين. يدرس نموذج "المذهبة" الألماني (Konfessionalisierung) في الفترة من سلام أوغسبورغ (1555) إلى حرب الثلاثين عاماً (1618-1648)، حيث استخدم الأمراء سلطاتهم الدينية لفرض التجانس المذهبي. يقارن ذلك بعمليات مشابهة في السلطنتين العثمانية والصفوية، ويخلص إلى أن المذهبة من أعلى، التي تهدف لخلق تجانس ديني، غالباً ما تنتج عكس هدفها، أي تطييف المجتمع وخلق طوائف سياسية مغلقة. يضرب مثالاً مفصلاً على إيرلندا، حيث تطابقت هوية وطنية (إيرلندي) مع انتماء ديني (كاثوليكي)، وتحول الصراع إلى صراع هوية شبه إثني بتقسيم البلاد عام 1920.

يواصل الفصل الرابع نقده لمقولة إن الطوائف الدينية هي مجرد "جماعات أهلية" تقليدية، معتمداً على تمييز فرديناند تونيز بين "الجماعة الأهلية" (Gemeinschaft) و"المجتمع" (Gesellschaft). يخلص المؤلف إلى أن الطوائف الدينية الكبيرة اليوم ليست جماعات أهلية لأن أفرادها لا يعيشون معاً في مكان واحد ولا تربطهم وشائج يومية عضوية، بل هي "جماعات متخيلة" تستعير عناصر من مفهوم الجماعة الأهلية كالانتماء والتاريخ المشترك، لكنها تفتقر إلى جوهرها المادي والمعيشي. يحذر من إسقاط الصراع الشيعي-السني الحديث على تاريخ الإسلام الأول، معتبراً ذلك إسقاطاً حديثاً لأغراض راهنة.

ينتقل الكتاب بعدها إلى دراسة الحالات التاريخية الكبرى، مخصصاً الفصل الخامس لتحليل أحداث 1860 في جبل لبنان ودمشق. يكشف المؤلف كيف أن الطائفية التي تبلورت في هذه الأحداث لم تكن بقايا تاريخية، بل نتاج حداثة مشوهة: إصلاحات التنظيمات العثمانية المتسرعة، الصدمة الاقتصادية من السوق الرأسمالية، والتدخل الأجنبي الاستعماري. يوضح أن الصراع الاجتماعي بين الفلاحين والملاكين التقى مع الاحتكاك الطائفي، متخذاً شكل تضامن درزي عابر للطبقات ضد المسيحيين. يصف مجازر 9 تموز/ يوليو 1860 في دمشق كرد فعل عنيف على التنظيمات والتدخل الأوروبي، ويبرز دور القوى الأوروبية في تحويل حماية الأقليات إلى أداة للتنافس الاستعماري.

يتناول الفصل السادس إشكالية تطبيق نموذج "العصبية الخلدونية" على فهم الطائفية المعاصرة، ويرفض ذلك رفضاً قاطعاً. يرى المؤلف أن الدولة الحديثة تقوم على المواطنة والسيادة الإقليمية، وليست سلالة حاكمة ترتكز على عصبية متغلبة. العصبية، في العصر الحديث، لا تؤسس الدولة بل القوى المسيطرة على الدولة هي التي تنتج العصبية كأداة للحفاظ على السلطة. ينتقد كتاب "دائرة الخوف" لليون غولدسميث الذي يفسر حكم عائلة الأسد بعصبية طائفية علوية، مقدمًا حجته بأن حافظ الأسد وصل إلى السلطة بفضل عدم طائفية حزب البعث، وأن العصبية الطائفية لم تصبح أداة للحكم إلا بعد تثبيت السلطة عبر إعادة إنتاج الولاءات داخل مؤسسات الدولة الحديثة.

يركز الفصل السابع على تاريخية الظاهرة، مؤكداً أن الطائفة بالمعنى السياسي الحديث هي نتاج عمليات تاريخية حديثة مرتبطة بنشوء الدولة الوطنية والاستعمار والإخفاق في بناء مواطنة حقيقية. يصف مخاطر الحروب الأهلية عندما تعجز النخب عن التوصل لتسويات، مستشهداً بأمثلة من بيروت، سراييفو، وبغداد. يحلل بعمق "أخلاقيات الطائفية" التي تحل محل القيم الأخلاقية العامة، ويعدد سبع سمات رئيسية لها، منها تحويل الدين إلى هوية تخدم مصلحة الطائفة، وإحلال التمييز بين "نحن" و"هم" بدل التمييز بين الخير والشر. يميز بوضوح بين الأكثرية الديمقراطية المتغيرة والأكثرية الطائفية الثابتة بالولادة، ويحذر من أن حكم ممثلي الأغلبية الطائفية يؤدي إلى "إثنوقراطية" لا ديمقراطية حقيقية.

يخصص الفصل الثامن لنقد التفسيرين السائدين للطائفية: كونها أبدية وطبيعية، أو مجرد مؤامرة خارجية. يرفض بشارة كلا التفسيرين، مؤكداً أن الطائفية السياسية هي ظاهرة حديثة بامتياز نتجت عن دخول العامة في السياسة. يحلل مسار الطائفية في العراق، معتبراً أن الاحتلال الأميركي عام 2003 هو الذي مأسس الطائفية عبر مجلس الحكم الذي عين ممثلين على أساس طائفي، لكنه يستدرك أن هذه العملية لم تنجح بالكامل. يقدم قراءة مفصلة لـ"تطييف" الجيش السوري، ويقدم جداول توثق الانتماء الطائفي لقادة الجيش والأجهزة الأمنية بين عامي 2000 و2011، مظهراً الهيمنة العلوية الواضحة على المفاصل الحساسة.

يبحث الفصل التاسع في العلاقة الجدلية بين الطائفية الحديثة والعلمنة، ويخلص إلى أن الطائفية السياسية ليست استمراراً لصراعات دينية قديمة، بل نتاج حداثي لصيرورة العلمنة "المعاقة" في المجتمعات التي لم تنجح فيها الدولة في بناء مواطنة اندماجية. الفصل بين الإيمان الفردي والانتماء إلى جماعة دينية هو جوهر الطائفية الحديثة، حيث أصبح الإيمان خياراً فردياً بينما الانتماء الطائفي أصبح رابطة عضوية لا تشترط التديّن. ينتقد المقاربات "اللاتاريخية" التي تعيد الصراع السني-الشيعي إلى القرن السابع الميلادي، معتبراً أنها تصرف النظر عن الجذور السياسية والاقتصادية للنزاعات.

يميز الفصل العاشر بين مرحلتين: "الطائفة الدينية" كجماعة محلية ملموسة، وتحولها إلى "طائفة متخيلة" في العصر الحديث. يوضح أن الطائفية ليست ديناً يحاول الانتشار، بل هي جماعة دينية بانت حدودها، تعنى بمصالح الجماعة كما صاغتها قيادتها. يقدم أمثلة على جهود التبشير الشيعي المدعوم من إيران والتبشير السلفي المدعوم من السعودية، ويخلص إلى أن ما يسمى بـ"قضية اعتناق الإسلام" ليست دينية بل طائفية تهدف لتحويل الجمهور إلى طائفة. يحلل دور الذاكرة التاريخية وخطاب المظلومية في تحويل الطائفية الاجتماعية إلى سياسية، ويعتبر أن الطائفية غالباً ما تكون "سلاح الأقليات" وصياغة المظلومين لمظلوميتهم.

يتناول الفصل الحادي عشر كيف تتحول الطائفية من أداة تتيح لعامة الناس المشاركة في الشأن العام إلى عائق يحول دون هذه المشاركة. يرى المؤلف أن الطائفية، في البداية، نمط من "سياسات الهوية" يشرك أبناء الطائفة في السياسة، لكنها تتحول في لحظة "الاستدارة التاريخية" إلى أداة للصراع الداخلي داخل الطائفة نفسها، حيث تطالب القواعد الشعبية زعاماتها بحصتها من السلطة. يعدد أسباب تحول الطائفية السياسية إلى عائق أمام المواطنة والديمقراطية، منها تناقضها مع مفهوم المواطنة الفردية، وخلطها بين الأكثرية الطائفية والأكثرية الديمقراطية.

يحلل الفصل الثاني عشر ظاهرة "المزاج الأقلياتي" أو "الذهنية الأقلياتية"، وهو شعور دائم بالغبن يتجاوز الظلم الفعلي ليصبح ثقافة تستخدم كرأس مال رمزي في الصراع على السلطة. يشرح كيف تتحول الأكثرية الدينية إلى "طائفة أغلبية" تتصرف بمنطق أقلياتي حين تشعر بالاغتراب عن الدولة. ينتقد مفهوم "التسامح" ويميز بينه وبين التعايش والتعددية الديمقراطية، معتبراً أن التسامح قد يكون منحة من الأغلبية لا تلغي التراتبية، بينما التعددية الحقيقية من صفات الدولة الديمقراطية الحيادية.

يناقش الفصل الثالث عشر نموذج الديمقراطية التوافقية (Consociational Democracy) من خلال مقارنة بين إيرلندا الشمالية ولبنان. يخلص المؤلف إلى أن نجاح التجربة الإيرلندية الشمالية يعود إلى أن التوافق جرى في إطار ديمقراطي قائم على المواطنة، بينما فشل النموذج اللبناني أو ظل هشاً لأنه وُلد خارج إطار ديمقراطي حقيقي، مكرساً الانتماء الطائفي على حساب المواطنة. النموذج الأعم لحل الصراعات، برأيه، يبقى الدولة الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

يختتم الفصل الرابع عشر بتحليل نموذج العراق، معتبراً أن الطائفية السياسية فيه ظاهرة حديثة تعاظمت بشكل حاد بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، وأن إسقاط الصراع الطائفي على تاريخ العراق بكامله قراءة مغلوطة. يحلل البنية الاجتماعية والسياسية للعراق، ويرفض فكرة أن سيطرة السنة على أجهزة الدولة كانت بسبب المذهب بذاته، بل لعامل تاريخي موضوعي يتمثل بتركّز التعليم العثماني في المدن، مما جعل خريجيها النخبة المتاحة. ينتقد كتابات تاريخية تعيد كتابة تاريخ العراق بمنظور طائفي كتلك التي يقدمها حسن العلوي.

من أبرز الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، يذكر الكتاب تزامن توقيع معاهدة أماسيا (1555) بين العثمانيين والصفويين مع سلام أوغسبورغ في أوروبا، وإلغاء نظام طوائف الحرف عام 1882 أو 1883 مع تأسيس المحاكم النظامية، ومجازر 9 تموز/ يوليو 1860 في دمشق، واكتشاف قبور شيعية في مواقع مثل الرقة وحلب في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين. يقدم الكتاب أيضاً جداول توثق الانتماء الطائفي لقادة الجيش السوري والأجهزة الأمنية بين عامي 2000 و2011.

يقر المؤلف بحدود وتحفظات واضحة، فهو يعترف بصعوبة الفصل بين الديني والسياسي واقعياً رغم ضرورة التمييز النظري. يقر بأن المذهبة لم تكن شاملة دائماً، إذ بقيت فئات شعبية وأقليات عصية عليها. يترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية تغيير مسار الطائفية بالفعل الإنساني، وقدرة النظرية النقدية وحدها على تفكيكها. يؤكد أن الطائفية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج سياسات وتفاعلات اجتماعية حديثة، وأن الحل الوحيد هو بناء دولة ديمقراطية قوية على أساس المواطنة.

من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، رفضه القاطع لتطبيق النموذج الخلدوني على الدول الحديثة، وتأكيده على أن الطائفية أولاً وقبل كل شيء "أيديولوجيا سياسية ونظام سياسي اجتماعي" وليست مسألة إيمان محض. انتقاده للمقاربات "اللاتاريخية" التي تعيد صراعات اليوم إلى القرن السابع الميلادي قد يثير اعتراضاً من باحثين يرون في التاريخ الديني عاملاً تفسيرياً جوهرياً. كما أن تشديده على الطابع الحديث للطائفية قد يقلل من شأن الاستمراريات التاريخية والرواسب الثقافية العميقة التي تسهل التحشيد الطائفي.

الفصول(14)

1.في إشكالية الطائفية63–98▼ ملخص

يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب عزمي بشارة سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الظاهرة المسماة "الطائفية" في العالم العربي، محاولاً تفكيكها وتقديم إطار نظري لتحليلها. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الطائفية في عصرنا الحديث ليست مجرد تعصب ديني موروث، بل هي ظاهرة سياسية واجتماعية حديثة تُنتج "طوائف متخيلة" بدلاً من أن تكون الطوائف هي مصدرها. بمعنى آخر، الطائفية هي العملية التي تُحوّل الانتماء الديني أو المذهبي إلى جماعة سياسية متخيلة، ذات حدود واضحة، وماضٍ مشترك (يتم إعادة اختراعه)، ومصالح موحدة، وذلك في سياق فشل الدولة الوطنية.

يسير الفصل عبر خطوات متعددة ومتشابكة. يبدأ المؤلف بعرض ملموس لأهمية الموضوع عبر سلسلة من الأمثلة التاريخية والمعاصرة. يذكر حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) في أوروبا، ثم ينتقل إلى صراعات في شبه القارة الهندية بين هندوس ومسلمين، وجمهورية أفريقيا الوسطى (2013-2014)، والصراع في العراق (2006)، والحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) التي انتهت باتفاق الطائف (1989) الذي لم يلغ الطائفية بل مأسسها. بعد ذلك، ينتقل إلى التأثير الإقليمي للاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتغلغل النفوذ الإيراني، وصولاً إلى ثورات 2011 التي هزت هيبة الدولة. يستخدم هذه الأمثلة كدليل على أن الطائفية ليست مجرد تمويه لصراعات أخرى، بل هي قوة فاعلة في حد ذاتها، وأن تجاهلها، كما فعل بعض الناشطين في الثورة السورية، هو نوع من "السذاجة". يصف حالة سوريا بالتفصيل، مبيناً كيف استخدم النظام السوري شعار "الوحدة الوطنية" لتجريم المعارضة واتهامها بالتحريض الطائفي، بينما كانت شعارات مثل "العلويين عالتابوت والمسيحيين عبيروت" تُرفع من جهات أخرى. يُظهر المؤلف كيف أن الخوف المتبادل بين الأقليات والأكثرية، والهشاشة البنيوية للدولة، سهّل تحول الصراع السياسي إلى صراع طائفي.

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى التحليل النظري، معترفاً بحدود المناهج السابقة. يرفض المقاربات التي ترى الطائفية كمؤامرة خارجية أو كجوهر ثابت للمجتمعات العربية. بدلاً من ذلك، يبني مفهومه على أعمال بندكت أندرسن حول "الجماعة المتخيلة"، وموريس غودلييه حول "المتخيل الاجتماعي"، وتشارلز تيلور حول "التخيلات الاجتماعية". يشرح أن الطائفة الحديثة هي جماعة متخيلة لا يلتقي أعضاؤها، لكنهم يتصورون أنفسهم كياناً واحداً بفضل خطاب تاريخي مشترك (أمجاد ومظلوميات) وطقوس ورموز يتم إحياؤها. يوضح الفرق الجوهري بين هذه "الطائفة المتخيلة" والجماعة "الأهلية" أو "المحلية" التي كانت قائمة في الماضي. ففي الماضي، كانت الانتماءات مثل القبيلة والعشيرة أكثر أهمية من الانتماء الديني المجرد.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً لمناقشة مفهومي "الأكثرية" و"الأقلية"، رافضاً فكرة أن الأكثريات هي التي تحكم دائماً، ومشيراً إلى أن شعور الأكثرية بأنها محكومة من قبل أقلية هو مصدر رئيسي للتوتر الطائفي. يناقش عمل دونالد هوروفيتس حول الصراعات الإثنية، لكنه ينتقده لشموليته المفرطة ولعدم تمييزه بين الصراعات ما قبل الحداثة والصراعات الحديثة على الدولة الوطنية. يميز المؤلف بين "الطائفية الاجتماعية" و"الطائفية السياسية"، معتبراً أن الأخيرة هي محور اهتمامه، وهي التي تسعى إلى "أثننة" الطائفة الدينية، أي التعامل معها كجماعة إثنية لها سمات موروثة ثابتة.

يختتم الفصل بالحديث عن التداخل بين كتابة التاريخ والطائفية السياسية. يضرب مثالاً مفصلاً على لبنان، حيث يشرح كيف أن كل طائفة تكتب تاريخاً خاصاً بها، وكيف أن الجدل حول حملات كسروان المملوكية واختلاف المؤرخين حول هوية الضحايا (هل هم موارنة، شيعة، أم نصيرية) هو في الحقيقة صراع سياسي معاصر حول الحقوق التاريخية والأولوية على الأرض. يؤكد المؤلف أن الاتفاق على تاريخ موحد ليس شرطاً ضرورياً لإنهاء الطائفية، بل يكفي الاتفاق على رفض الماضي الأليم للحرب الأهلية كمعاناة مشتركة، وبناء المواطنة على أساس الحاضر وليس على أساس انتقاء من الماضي. يترك السؤال مفتوحاً حول قدرة النظرية النقدية وحدها على تفكيك الطائفية، مشيراً إلى أن ذلك يتطلب أكثر من مجرد تحليل نظري، بل يحتاج إلى نجاح سياسات المواطنة والعدالة والاندماج على أرض الواقع.

2.من المصطلح ودلالاته المتبدلة إلى المصطلح السوسيولوجي التحليلي99–124▼ ملخص

يُشكّل الفصل الثاني من كتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" لعزمي بشارة مدخلاً تأسيسياً لتفكيك المصطلحات التي ستُستخدم في الدراسة، وذلك من خلال الانتقال من الدلالات اللغوية والتداولية المتبدلة إلى مفهوم سوسيولوجي تحليلي واضح. الموضوع المحوري هو التمييز بين عدد من الظواهر المتداخلة في الحياة اليومية والخطاب العربي، وهي: الاختلاف الديني والمذهبي، والتمذهب، والطائفية. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الطائفية ليست مرادفة للانتماء إلى دين أو مذهب، بل هي ظاهرة اجتماعية وسياسية قائمة على التعصب لجماعة (طائفة) وتحديد الهوية والموقف من الآخرين بناءً على هذا الانتماء، بغض النظر عن درجة التدين الفردي أو الالتزام بالعقيدة.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال معالجة المفاهيم المتداولة ليفككها. يبدأ بالتمييز بين التديّن والتمذهب، باعتبارهما انتماءً لعقيدة أو مذهب فقهي، وبين الطائفية التي يصفها بأنها "تعصب لجماعة" تكون رابطة العقيدة هي جامعها، حتى لو غاب الإيمان الفردي. ويوضح أن ما يُسمى "مذهبية" في الوعي اليومي هو في الواقع "طائفية". ثم ينتقل إلى مناقشة العلاقة بين هذه المفاهيم والصراعات التاريخية، معترفاً بصعوبة الفصل بينها واقعياً، لكنه يشدد على ضرورة التمييز النظري لفهم تداخلها. يذكر أمثلة تاريخية على حروب دينية ومذهبية، واستخدام السلطة السياسية للدين كشرعية لملاحقة المخالفين، مستشهداً بـ إسماعيل الصفوي في تشييع إيران، وبالصراعات على الخلافة ضد الأمويين والعباسيين، وحالة ماري تيودور في إنكلترا.

يتعمق الفصل في جذور مصطلح "طائفة" لغوياً وتاريخياً. يوضح المؤلف أن اللفظ في أصله العربي الكلاسيكي، وحتى في القرآن الكريم، كان محايداً ويشير إلى "فئة أو جماعة" من كلٍّ أكبر، مثل "طائفة من المؤمنين"، دون أن يحمل بالضرورة دلالة سلبية أو دينية. يشير إلى أن مصطلح "الطائفية" نفسه حديث العهد في اللغة العربية، ولم يكن موجوداً في المراحل ما قبل الحداثة. يتناول بالتفصيل تطور دلالة "الطائفة" في العصر الإسلامي الوسيط، حيث أصبحت تُستخدم للإشارة إلى طوائف الحرف والمهن في المدينة، والتي كانت بمثابة تنظيمات تعاضدية (كوربوراتية) تحدد مكانة الفرد وأنماط حياته، وكان لها شيوخها وتقاليدها في الاحتفالات العامة كموكب المحمل واحتفال رؤية هلال رمضان ووفاء النيل. ويشير إلى أن هذا النظام استمر حتى منتصف القرن التاسع عشر في العصر العثماني، وتم إلغاء ما بقي منه نهائياً عام 1882 أو 1883 مع تأسيس المحاكم النظامية في عهد الخديوي سعيد وإسماعيل. ثم ينتقل لربط "الطائفة" بالطرق الصوفية، حيث كانت تعني جماعة أتباع طريقة صوفية، ليستقر المعنى الحديث على جماعة دينية أو مذهبية هي جزء من دين أكبر.

يواصل الفصل بتقديم مقارنة موسعة مع المصطلحات السوسيولوجية الغربية، مستعرضاً تمييزات ماكس فيبر الكلاسيكية بين "الكنيسة" (Church/"Kirche") و"الفرقة" (Sect). يشرح المؤلف أن "الفرقة" عند فيبر هي اتحاد طوعي من المؤمنين الملتزمين بنمط حياة ديني صارم، ينضمون إليه عن قناعة وليس بالولادة، على عكس الكنيسة التي هي مؤسسة دينية يولد المرء فيها. يوضح بشارة أن المصطلح الغربي (Sect) لا يترجم بدقة إلى "طائفة" بالعربية، بل هو أقرب إلى "فرقة" أو "الفرق"، وأن ما يقابل "الطائفة" في السياق العربي المعاصر هو أقرب إلى (Denomination) أو (Confession)، أي جماعة دينية ممأسسة يمكن أن يولد المرء فيها. يقر المؤلف بأنه سيستخدم مصطلح (Sectarianism) في مقابل "طائفية" بالعربية، ليس لدقته العلمية، بل لأنه الترجمة الشائعة (والخاطئة) في الأدبيات، وهذه المرونة تسمح بتحويله إلى مفهوم تحليلي يناسب الواقع الاجتماعي التاريخي المحدد.

ينتقل الفصل بعدها لاستعراض دراسات أخرى، مثل دراسات برايان ويلسون الذي عمل على تطوير نموذج فيبر، مركزاً على سمات الفرقة الدينية كالاتحاد الطوعي، وإقصائية العضوية، والنخبوية، والعداء للمجتمع العلماني. ويخلص بشارة إلى أن هذه السمات تنطبق على الفرق والحركات الدينية المنشقة (مثل بعض حركات الإسلام السياسي) أكثر مما تنطبق على الطوائف الكبيرة كالشيعة والسنة في العالم العربي، والتي تفتقر إلى شروط العضوية الطوعية والإقصائية بالمعنى الفيبري. يعود بشارة إلى أصل الكلمة اللاتيني (Secta) الذي يعني "اتبع" أو "قطع"، ليجد تطابقاً مع جذر "طائفة" العربي بمعنى الجزء من الكل. ويخلص إلى أن جوهر الطائفية ليس الانتماء العقائدي، بل هو رسم الحدود بين "نحن" و"الآخرين" على أساس انتماء طائفي، وتحويل هذا الاختلاف إلى أساس للصراع الاجتماعي والسياسي.

يختتم الفصل بمقارنة الطائفية بالعنصرية، مشيراً إلى تشابه كبير بينهما من حيث كونهما تركيباً اجتماعياً لتكريس الاختلاف وجعله أساساً للتمييز، مع فارق نظري هو أن تغيير الانتماء الطائفي قد يكون ممكناً، بينما تغيير العرق مستحيل عادة. يقدم بشارة أمثلة من الواقع المعاصر، مثل التمييز ضد الكاثوليك في الولايات المتحدة قبل انتخاب جون كينيدي، وضد المسلمين اليوم فيها، معتبراً أن حالة المسلمين لا ترقى بعد إلى تمييز طائفي كامل، بل هي تحامل ديني ثقافي، وقد تتحول إلى طائفية مع اندماجهم كطائفة داخل النسيج الأميركي. يؤكد الفصل في النهاية على أن الطائفية لا تحل بتحييد الدولة عن الدين فحسب، بل تتطلب أيضاً تحييدها عن الشأن الطائفي، أو ضمان تمثيل الطوائف، وهي معضلة تتداخل مع إشكاليات الديمقراطية التوافقية.

3.عن التمذهب والتطييف125–148▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل بعمق مفهومي "التمذهب" و"التطييف" كعمليتين تاريخيتين متداخلتين. يجادل عزمي بشارة بأن المذهبة (Konfessionalisierung) ليست مجرد اختلاف عقائدي، بل هي عملية سياسية واجتماعية منظمة تُستخدم لبناء الدولة الحديثة وفرض التجانس الديني على السكان، غالباً من أعلى السلطة. ينتقل النقاش من هذه السياسة إلى نتائجها، أي "التطييف"، حيث تتحول الانتماءات المذهبية إلى هويات شبه إثنية صلبة تتحكم في الحياة السياسية والاجتماعية.

يبدأ الفصل باستعراض النموذج الألماني للمذهبة، الذي طوره المؤرخان فولفغانغ رينهارد وهاينز شيلينغ. يركز هذا النموذج على الفترة من سلام أوغسبورغ (1555) إلى حرب الثلاثين عاماً (1618-1648). يشرح بشارة كيف أن مبدأ "cuius regio, eius religio" (الدين بحسب من يسود في المنطقة) لم يحل الصراع، بل أجله، وسمح للأمراء باستخدام سلطاتهم الدينية لتهجير المخالفين وخلق مجتمعات متجانسة دينياً. يعدد الفصل العناصر السبعة للمذهبة البروتستانتية، مثل صياغة العقيدة ونشرها عبر المطبعة، وترسيخها بالتعليم والطقوس، وضبط المجتمع عبر تطهيره من الهرطقات.

ينتقل الكاتب بعدها إلى المقارنة مع العالم الإسلامي، مركزاً على الصيرورة التاريخية المشابهة التي شهدتها السلطنتان العثمانية والصفوية. يرى بشارة أن تزامن توقيع معاهدة أماسيا (1555) بين الدولتين مع سلام أوغسبورغ ليس مصادفة، بل يمثل نهاية لحرب طويلة مذهبت الصراع فيها. يوضح كيف أن السلطان سليمان القانوني كان على علم بالتحولات في أوروبا واتبع سياسة حماية البروتستانت ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة. بالمقابل، قام الشاه إسماعيل الصفوي وخلفاؤه، لا سيما طهماسب، بمذهبة بلاد فارس على مذهب الشيعة الاثني عشري، مستعينين بعلماء مثل علي بن عبد العالي الكركي من جبل عامل لفرض العقيدة وتأسيس المؤسسة الفقهية.

يُفصل الفصل في عملية بناء المؤسسة الفقهية في الدولتين. في الجانب العثماني، يُظهر كيف تطور منصب شيخ الإسلام من وظيفة إفتاء بسيطة في عهد السلطان مراد الثاني إلى مؤسسة بيروقراطية قوية في عهد السلطان محمد الفاتح، وذلك في سياق فرض العقيدة الرسمية الحنفية ضد الحركات الباطنية والشيعية، وخاصة في أعقاب فتنة الشيخ بدر الدين. في الجانب الصفوي، يصف بشارة عملية تحويل الطريقة الصفوية من طريقة صوفية إلى دولة شيعية، حيث تحول القادة الدينيون -العسكريون مثل الشيخ جنيد والشاه إسماعيل- من شخصيات تُبجل إلى أخرى تُعبد، قبل أن يتبنوا لاحقاً المذهب الفقهي الإمامي وتخفيف نبرة ادعاء الألوهية.

يلجأ بشارة بعد ذلك إلى تطبيق هذا النموذج على حالة كلاسيكية هي إيرلندا. يجادل بأن الطائفية الإيرلندية لم تكن صراعاً دينياً محضاً، بل هي نتاج نمط استعمار إنكلترا لإيرلندا. فشلت محاولات فرض الإصلاح الديني من أعلى (البروتستانتية الأنغليكانية) على السكان الكاثوليك، مما أدى إلى تطابق هوية وطنية (إيرلندي) مع انتماء ديني (كاثوليكي)، مقابل هوية أخرى (بريطاني) مع انتماء ديني (بروتستانتي). يصف كيف أن القوانين الجنائية حرمت الكاثوليك من حقوقهم المدنية، مما حول الصراع إلى صراع هوية شبه إثني، وتوج بتقسيم البلاد عام 1920 وخلق أقلية بروتستانتية ثابتة في إيرلندا الشمالية وأغلبية كاثوليكية في الجنوب.

يخلص بشارة إلى أن المذهبة من أعلى، التي تهدف إلى خلق تجانس ديني، غالباً ما تنتج عكس هدفها تماماً في حالات فشلها، أي تطييف المجتمع وخلق طوائف سياسية مغلقة. يقدم مثال بغداد في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي كمرحلة مبكرة من التطييف، حيث تداخل الصراع الحنبلي-الشيعي مع جغرافية الأحياء. كما يناقش تحول الطقوس، مثل طقوس عاشوراء، من تعبير ديني إلى أداة للهوية الجماعية، وانتقالها من إيران إلى جبل عامل في القرن التاسع عشر بموجب اتفاقيات بين الدول. يعترف الكاتب بأن هذه العمليات لم تكن شاملة دائماً، إذ بقيت فئات شعبية وأقليات عصية على المذهبة سواء في أوروبا أو في الدولتين العثمانية والصفوية، مما يشير إلى حدود هذه السياسة وحضور جيوب تعايش حقيقية قبل اندلاع العنف.

في النهاية، تحذو حجة بشارة قابلة للنقاش، وهي التشديد على أن الطائفية في نهاية المطاف هي "أيديولوجيا سياسية ونظام سياسي اجتماعي" وليست مسألة إيمان محض. يستنتج من تحليله لحالة إيرلندا أن الطائفية، عندما تصبح هوية شبه إثنية، قد تنفصل عن التدين نفسه، مشيراً إلى أبحاث في ليفربول أظهرت أن العنف الطائفي لم يكن مرتبطاً بالتدين بقدر ما كان مرتبطاً بالمنافسة على الموارد والعصابات والهوية القومية. هذا الطرح، الذي يميز بين الانتماء الديني كممارسة والطائفية كهوية اجتماعية وسياسية، هو جوهر تحليل الفصل وأكثر أجزائه قابلية للنقاش.

4.هل هي جماعة أهلية (مجتمع محلي)؟149–222▼ ملخص

يطرح الفصل الرابع من كتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" لعزمي بشارة سؤالاً محورياً: هل يمكن اعتبار الطوائف الدينية في المشرق العربي المعاصر "جماعات أهلية" (مجتمعات محلية) بالمعنى السوسيولوجي الدقيق للمصطلح؟ يجيب المؤلف بنفي قاطع، مؤكداً أن الطوائف الدينية الكبيرة اليوم ليست جماعات أهلية تقليدية ولا مجتمعات حديثة، بل هي "طوائف متخيلة" تقوم على عنصر وحيد هو الهوية الناتجة عن الانتماء الديني أو المذهبي الموروث، دون أن تتوفر فيها مقومات الحياة المشتركة والاعتماد المتبادل والتكامل الاقتصادي والاجتماعي.

يبدأ الفصل بتعريف الجماعة الدينية وفقاً لماكس فيبر، فهي ناتجة عن "روتنة" الكاريزما النبوية وتحولها إلى مؤسسة دينية مع تراتبية من رجال الدين. ثم ينتقل إلى مفهوم "الجماعة الأهلية" (Gemeinschaft) كما صاغه فرديناند تونيز، والتي تمثل كياناً عضوياً يعيش أفراده معاً ويعتمدون على بعضهم مادياً ومعنوياً، مثل العائلة الزراعية الممتدة أو القرية التقليدية، على النقيض من "المجتمع" (Gesellschaft) القائم على العلاقات التعاقدية والمصلحية في السوق. يشير المؤلف إلى أن تونيز نفسه أكد أن هذين النموذجين ليسا مرحلتين تاريخيتين متعاقبتين بل نمطان نظريان يتداخلان في الواقع.

يستعرض الفصل تطور مفهوم "المجتمع المحلي" (Community) في السوسيولوجيا الغربية، وخصوصاً في دراسات مدرسة شيكاغو التي ركزت على المكان المشترك. ويدرج تعريفات لعناصر الجماعة، مثل تعريف ماكميلان وتشافيز الذي يشمل العضوية، والتأثير، والتكامل وتلبية الحاجات، والتواصل العاطفي المشترك. ويخلص إلى أن هذه العناصر تفترض تفاعلاً حياً ووجوداً مكانياً مشتركاً، وهو ما تفتقر إليه الطوائف الدينية الكبيرة التي تضم ملايين الأفراد المنتشرين جغرافيا.

يستخدم المؤلف التمييز الذي وضعه جوسف غسفيلد بين الاستخدام "الإقليمي" و"العلائقي" للجماعة. ويشير إلى أن محاولات إعادة تركيب الجماعة في المجتمع الحديث، كما في دراسات "ميدلتاون" لروبرت وهيلين ليند، تهدف إلى التغلب على اغتراب الفرد في الحداثة، لكنها تظل محاولات لخلق "شعور بالجماعة" وليس إحياء للجماعة العضوية التقليدية.

بعد هذا التمهيد النظري، يصل المؤلف إلى استنتاجه الرئيسي: الطوائف الدينية في عصرنا ليست جماعات أهلية (Gemeinschaft) بالمعنى الذي تحدث عنه تونيز، لأن أفرادها لا يعيشون معاً في مكان واحد، ولا ينتجون معاً قوت يومهم، ولا تربطهم علاقات قرابة أو وشائج يومية عضوية. كما أنها ليست جماعات حديثة (Community) بالمعنى الذي تناولته السوسيولوجيا الأمريكية، لأنها لا تقوم بالضرورة على قيم وأهداف مشتركة مختارة طوعياً.

ما هي إذن؟ يجيب بشارة: هي "جماعات متخيلة"، تستعير عناصر من مفهوم الجماعة الأهلية (كالانتماء، والولاء، والتاريخ المشترك، والمسؤولية الجماعية) ولكنها تفتقر إلى جوهرها المادي والمعيشي. فالطائفية الحديثة هي العملية التي تُعيد تخييل الطائفة الدينية وكأنها جماعة عضوية، عبر استدعاء الذاكرة المشتركة (الأمجاد والمظلوميات)، وتفعيل "الشعور بالانتماء" والهوية، وأحياناً المكافأة المادية أو الحماية السياسية. وتصبح الهوية الطائفية "متوّتة" في الفرد، فلا يعيش الفرد في الجماعة، بل "تعيش الجماعة فيه؛ تسكنه".

يؤكد المؤلف أن الحالة الوحيدة التي تتطابق فيها الطائفة الدينية مع الجماعة الأهلية هي حالة الجماعات الدينية الصغيرة المنعزلة والمغلقة، كبعض القرى أو العشائر التي تعيش باكتفاء ذاتي وتمارس ديناً أو مذهباً خاصاً بها. أما في الحالة العامة، فقد انفصل الدين عن القبيلة والعشيرة، وأصبحت الطائفة رابطة معنوية لا تقوم على حياة مشتركة.

ثم يستعرض الفصل دور المؤسسة الدينية ورجال الدين في الحفاظ على حدود الجماعة المذهبية وتثبيتها عبر تقديس النصوص والطقوس والمظاهر الخارجية (كاللباس والرموز). كما يتناول اختراع التقاليد، كما حصل مع الدولة الصفوية التي أضافت طقوساً شيعية جديدة كمجالس العزاء الحسيني، والتي تروّج لها وكأنها ضاربة في القدم. وينتقل إلى التمييز الذي وضعه جورج زيمل بين الدين الإثني (المرتبط بقبيلة أو دولة) والدين الفردي الإيماني (المسيحية)، ليخلص إلى أن الجماعة الدينية حين تتمأسس وتتحول إلى كيان وراثي، فإنها تفقد نقائها الديني وتتحول إلى مجتمع بشري متأثر بكل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

يختتم الفصل بتفصيل تاريخي طويل حول حادثة "سقيفة بني ساعدة" كمثال على إسقاط الصراعات الطائفية الحديثة على التاريخ. يحلل المؤلف الروايات التاريخية المختلفة ويجد أنها صيغت بلغة القبلية والقرابة، وليس بلغة العقيدة أو اللاهوت. ويشير إلى أن التبريرات الثيولوجية للخلاف بين السنة والشيعة جاءت متأخرة (في القرنين الثالث والرابع الهجريين)، وأن المذاهب تبلورت بوصفها جماعات اجتماعية واضحة بعد قرون من الاختلاف. يقول بشارة إن ما يجري اليوم من إسقاط للصراع الشيعي-السني على تاريخ الإسلام الأول هو "إسقاط حديث" يقوم به باحثون وسياسيون لأغراض راهنة، محذراً من كتاب ولي نصر الذي يحاول إثبات أن الصراع المذهبي كان محور التاريخ الإسلامي.

باختصار، يقدم الفصل نقداً منهجياً لمقولة إن الطائفة الدينية هي مجرد مجتمع محلي أو جماعة أهلية، ويفتح الباب أمام مفهوم "الجماعة المتخيلة" كأداة تحليلية لفهم الطائفية السياسية المعاصرة، حيث تكون الهوية هي الرابط الوحيد، بينما تختفي الحياة المشتركة والتكامل العضوي.

أما ما يمكن مناقشته في هذا الفصل في ضوء النص نفسه، فهو أن المؤلف يميل إلى تعريف الطائفة المعاصرة سلباً (بما ليست هي)، ويؤكد على عنصر التخييل والإسقاط التاريخي، مما قد يقلل من شأن الجوانب المؤسسية والاقتصادية للطائفية السياسية التي يصفها هو نفسه في مواضع أخرى بأنها تحشد الناس وتوزع المغانم. كما أن استعماله لمصطلح "متخيلة" (مستعيراً من بنديكت أندرسون) قد يثير تساؤلاً حول الموضوعية التي يزعمها في مقابل الرواسب الذاتية والمادية للهوية الطائفية.

6.الصراع الاجتماعي والطوائف والتدخل الأجنبي: التنظيمات وأحداث 1860223–282▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب عزمي بشارة «الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة» سؤالاً محورياً حول كيفية تحوّل الانتماء الديني والمذهبي إلى أساس للصراع السياسي والاجتماعي في بلاد الشام، وخصوصاً في جبل لبنان ودمشق، ليبلغ ذروته في أحداث 1860 الدامية. يقدّم المؤلف إجابة تتجاوز التفسيرات الاختزالية التي ترى في الطائفية مجرد بقايا قبلية أو مؤامرة خارجية، ليكشف عن تشكّلها كظاهرة حديثة نتجت عن تقاطع ثلاث عمليات كبرى: التحولات الاجتماعية والاقتصادية في السلطنة العثمانية، وإصلاحات التنظيمات، والتدخل الأوروبي المتصاعد.

يسير الفصل وفق بنية متشعبة لكنها محكمة، تبدأ بتأمل نظري في آليات إنتاج الهوية، ثم تنتقل إلى الخلفية الاجتماعية للسلطنة العثمانية قبل القرن التاسع عشر، فتركز على نظام الالتزام الضريبي الذي حلّ محل النظام الإقطاعي العسكري القديم (التيمار). يوضح المؤلف أنه في ظل هذا النظام، لم تكن الانتماءات الطائفية هي الفاصل الأساسي؛ بل كانت الصراعات تدور بين أعيان وملتزمين من مختلف الطوائف ضد السلطة المركزية أو بعضهم البعض، كما في حالات تمردات آل حمادة الشيعة وآل حرفوش. ويُظهر أن التحالفات كانت تعبر الحدود المذهبية، مستشهداً بتصاهرات بين أمراء دروز وموارنة، وتقارير القنصل الفرنسي في 1772 الذي وصف السكان وفق تعميمات طائفية/إثنية، مما يعكس بداية فرض نظرة خارجية على الواقع المحلي.

يبدأ التغيير الجذري مع مرحلة «التنظيمات»، التي يصفها الفصل بأنها مشروع إصلاح عثماني مركزي بدأ بمرسوم كلخانة عام 1839 وتوّجه الخط الهمايوني عام 1856، والذي ألغى عملياً منزلة الذمية وأقر المساواة بين المسلمين وغير المسلمين أمام القانون. يوضح المؤلف أن هذه الإصلاحات، التي جاءت بضغط أوروبي وهزائم عسكرية، لم تطبق في الفراغ، بل نزلت على مجتمعات كانت تعاني أصلاً من أعباء ضريبية وتجنيد إجباري وتغلغل اقتصادي أوروبي مدمر للحرف التقليدية. ويبرز هنا دور الحكم المصري لـإبراهيم باشا (1831-1840) كتمهيد صادم، حيث منح المسيحيين حريات واسعة، وجنّدهم في الجيش، وأشركهم في مجالس الإدارة، مما أثار حفيظة الفئات المحافظة وأعيان المسلمين الذين رأوا في ذلك قلباً للهرم الاجتماعي.

ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل الأحداث التي أدت إلى عام 1860، فيميز بين مسارين: الأول هو انتفاضة الفلاحين المسيحيين في كسروان عام 1858 ضد الإقطاع المسيحي (آل الخازن وآل حبيش)، والتي تحولت لاحقاً إلى احتكاك طائفي مع الدروز في الشوف. الثاني هو التعبئة الطائفية في جنوب الجبل، حيث تبنى دروز بتحريض من بريطانيا والوالي العثماني. ويشير المؤلف إلى أن الصراع الاجتماعي بين الملاكين والفلاحين التقى مع الاحتكاك الطائفي، متخذاً شكل تضامن درزي عابر للطبقات ضد المسيحيين، بينما لعبت الكنيسة المارونية دوراً في تعبئة أبناء طائفتها تعزيزاً لنفوذها. وتتوج هذه الديناميكيات بمجازر ضد المسيحيين في الشوف ودير القمر وزحلة، ثم في دمشق في 9 تموز/ يوليو 1860، والتي يصفها المؤلف بأنها جاءت كرد فعل عنيف على التنظيمات والتدخل الأوروبي، شارك فيها حرفيون عاطلون عن العمل وعامة متضررون، بتحريض من بعض العلماء والأعيان مثل مفتي دمشق الشيخ عبد الله الحلبي.

يبرز المؤلف دوراً مهماً للقوى الأوروبية، فيشرح كيف تحولت حماية الأقليات إلى أداة للتنافس الاستعماري: فرنسا حامية الموارنة، بريطانيا متحالفة مع الدروز، وروسيا حامية الأرثوذكس. ويوضح أن التدخل الأجنبي لم يخلق الانقسامات من عدم، لكنه عمّقها وأضفى عليها شرعية وطابعاً سياسياً. ويستشهد بأمثلة عديدة على ذلك، منها مخطوطة نابليون بونابرت إلى بشير الشهابي عام 1799 مخاطباً «الأمة الدرزية»، ودور القناصل في عزل ولاة دمشق أو حماية التجار المسيحيين واليهود عبر «البراءات». كما يحلل تقرير القنصل الفرنسي من 1772 لبيان كيف أن النظرة الأوروبية كانت تُسقط مفاهيمها الطائفية/الإثنية على واقع اجتماعي أكثر تعقيداً.

في تحليله للأحداث، يقرّ المؤلف بوجود حدود وتفسيرات متعددة، فيشير إلى الجدل القائم حول مسؤولية البادئ بالعنف، معتبراً أن هذا السؤال مهم لسياسات الطائفية ولكن ليس للتاريخ الاجتماعي. ويميل إلى التمييز بين أحداث جبل لبنان وأحداث دمشق: ففي الجبل، كانت الانتفاضة اجتماعية-اقتصادية بالأساس ثم تحولت إلى صراع طائفي، بينما في دمشق، كان رد الفعل على التنظيمات والتدخل الأوروبي مباشراً وأكثر عنفاً. كما ينقل وجهات نظر مختلفة: من الماركسية السوفيتية (عبر مارينا بانتيشينكوفا) التي تركز على الصراع الطبقي، إلى المثقف المحافظ ميخائيل مشاقة الذي يقدم وصفاً لاذعاً لـ«شريعة المساواة» ويدين استفزاز المسيحيين لها، معترفاً في الوقت نفسه بدور أعيان مسلمين مثل الأمير عبد القادر الجزائري في إنقاذ المسيحيين.

في الختام، يخلص الفصل إلى أن الطائفية التي تبلورت في أحداث 1860 لم تكن مجرد بقايا تاريخية، بل هي نتاج حداثة مشوهة: إصلاحات تنظيمات متسرعة، صدمة اقتصادية من السوق الرأسمالية، وتدخل أجنبي استعماري. وقد أدى تثبيت نظام القائمقاميتين (1843) ثم المتصرفية (بعد 1860) إلى إضفاء الطابع المؤسسي على التمثيل الطائفي، مما حول الطوائف من جماعات دينية إلى كيانات سياسية متخيلة. هذا التحليل يظل قابلاً للنقاش، خاصة فيما يتعلق بمدى حتمية تحول الصراع الاجتماعي إلى صراع طائفي، ومسؤولية النخب المحلية مقابل العوامل الخارجية، ودور الدولة العثمانية بين كونها ضحية ظروف أو فاعلاً متعمداً في تأجيج الفتنة.

7.في تركيب العصبية الخلدونية على الطائفة283–306▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل مفهوم "العصبية الخلدونية" وإمكانية تطبيقه على فهم ظاهرة "الطائفة" في العالم العربي المعاصر، ويخلص إلى أن هذا التطبيق يشكل مغالطة منهجية كبرى. الموضوع المحوري هو رفض إسقاط نموذج العصبية القبلية الذي وضعه ابن خلدون قبل ستة قرون على الدولة الحديثة والطوائف المعاصرة. يرى المؤلف أن الدولة الحديثة تقوم على المواطنة والسيادة الإقليمية، وهي كيان سياسي يمثل المجتمع كله، وليست سلالة حاكمة ترتكز على عصبية متغلبة كما في نموذج ابن خلدون. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن العصبية، في العصر الحديث، لا تؤسس الدولة ولا تستولي عليها؛ بل إن القوى التي تسيطر على الدولة هي التي تُنتج العصبية أو تُعيد إنتاجها كأداة للحفاظ على السلطة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل مترابطة. يبدأ بالتمييز بين الطوائف التقليدية القديمة التي كانت جماعات محلية، والطوائف الحديثة (التي يسميها "الطوائف المتخيلة") التي تنشأ في سياق الدولة والمجال العام والصراع عليها. ثم ينتقد محاولات تطبيق نموذج العصبية على أنظمة الحكم العربية، مركزًا على نقد كتاب "دائرة الخوف" لـليون غولدسميث الذي يرى أن حكم عائلة الأسد في سورية يمكن تفسيره بعصبية طائفية علوية قائمة على الخوف. يرفض المؤلف هذا التحليل، ويقدم حجته من خلال ثلاث نقاط رئيسية: أولاً، أن حافظ الأسد وصل إلى السلطة بفضل عدم طائفية حزب البعث ومؤسساته الحديثة وليس بفضل عصبيته العلوية، مستشهداً بمعارضة علويين آخرين له ودعم سنّة كثر له في البداية. ثانياً، أن العصبية الطائفية لم تصبح أداة للحكم إلا بعد تثبيت السلطة، وذلك عبر إعادة إنتاج الولاءات الشخصية والعائلية والعشائرية والطائفية داخل مؤسسات الدولة الحديثة (كالجيش والأمن والحزب). ثالثاً، أن تفسير غولدسميث يهمل عاملين حاسمين هما دور القمع وتكنولوجيا الضبط الحديثة، وغياب تفسير لصعود حكام من الأغلبية السنية، كـصدام حسين في العراق، الذين استخدموا الولاءات الشخصية والقبلية نفسها.

ينتقل الفصل إلى نقد أوسع لمقاربات أخرى، كتقسيم فؤاد خوري للعصبية إلى ثلاثة أنواع، ويرى أنها تخلط بين التعصب والانتماء وبين مفهوم العصبية الخلدوني الدقيق المرتبط بالقبيلة وتأسيس الملك. كما يناقش فكرة سيطرة أقليات على الجيش في دول عربية (مثل العلويين في سورية، والموارنة في لبنان، والبربر في المغرب)، لكنه يحذر من مغالطة منطقية: فالقول بأن "غالبية من يسيطرون على الأمن هم من علويين" يختلف تماماً عن القول "إن العلويين يسيطرون على الأمن"، لأن الأول وصف واقعي والثاني تبرير لاعتبار الصراع طائفياً بالضرورة. ويعدد عوامل ساهمت تاريخياً في الوزن المرتفع للأقليات في الجيوش العربية، كسياسات الاستعمار، ونظرة الأرستقراطية السنية لامتهان العسكر، وصعود الريفيين عبر الجيش كسلم للترقي الاجتماعي.

يعود الفصل إلى تحليل الصراع على السلطة في سورية بعد انفصالها عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، مستنداً بشدة إلى شهادة منيف الرزاز. يصف كيف تحول الصراع داخل اللجنة العسكرية البعثية من صراع على الزعامة بين ضباط (مثل صلاح جديد وأمين الحافظ) إلى تجمعات طائفية وعشائرية، واتهام كل طرف للآخر بـ"التكتيل الطائفي". يؤكد المؤلف أن لب المشكلة كان فردياً وسياسياً، وليس دينياً، لكنه اتخذ شكلاً طائفياً مع اشتداد الصراع. وينتقل إلى الحديث عن عوامل أوسع تغذي الطائفية السياسية في الدولة ما بعد الكولونيالية، منها: فشل بناء الأمة، الصراع على السلطة، وتفسير السياسات الاقتصادية والاجتماعية (مثل التأميم والإصلاح الزراعي) تفسيراً طائفياً من قبل القطاعات المتضررة التي كانت ذات هوية طائفية معينة.

يفرد الفصل قسماً مهماً لمناقشة محاولات التنظير القديمة للعصبية. يبدأ بقراءة متأنية لنص ابن خلدون نفسه، مؤكداً أن العصبية عنده كانت أداة قبلية لتأسيس الملك (الدولة السلالية) وليس للحفاظ على دولة حديثة. ثم ينتقد محاولة ميشيل سورا تطبيق النموذج الخلدوني على سورية، معترفاً بصحة نتائجه حول طبيعة الحكم لكنه ناقض تحليله الذي يقلل من شأن مؤسسات الدولة الحديثة. بعدها، يعود إلى جمال الدين الأفغاني الذي سعى إلى تخييل "الأمة الإسلامية" كعصبية دينية بديلة عن القوميات، ويتتبع أفكاراً لـخليل سعادة وزكي الأرسوزي اللذين اقترحا استبدال التعصب الديني بتعصب قومي. يخلص المؤلف إلى أن هذه المحاولات فشلت، وأن التعصب المذهبي تحول إلى نعرة طائفية، وأن مشكلة الطائفية المعاصرة لا تحل باستبدال عصبية بأخرى، بل بفهم البنى الاجتماعية والسياسية الحديثة التي تنتجها.

يقر الفصل بحدود وتحفظات واضحة، فهو لا يدعي أن الطائفية ظاهرة حديثة، بل يؤكد أن الجديد هو شكلها في سياق الدولة الوطنية. كما يعترف بأنه على الرغم من الطابع الأيديولوجي غير الطائفي لحزب البعث، فإن الضباط كانوا واعين بانتماءاتهم الطائفية التي برزت خلال الصراع على السلطة. يترك الفصل أسئلة مفتوحة، مثل إمكانية تغيير مسار الطائفية بالفعل الإنساني، وإمكانية تطور الوعي الطائفي الأغلبي على مستوى الدولة بدلاً من المستوى المحلي. الحجج القابلة للنقاش في الفصل تتمثل في رفضه القاطع لتطبيق النموذج الخلدوني، وهو موقف نظري واضح قد يعترض عليه باحثون آخرون يرون في العصبية أداة تحليلية صالحة لتفسير بعض مظاهر الحكم في المنطقة.

8.بصدد تاريخية الظاهرة307–336▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوعاً محورياً هو تاريخية الظاهرة الطائفية، أي كيف نُشئت الطوائف الدينية الكبرى سياسياً واجتماعياً، ولم تكن كيانات ثابتة أو بديهية عبر التاريخ. يُقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الطائفة بالمعنى السياسي الحديث، كجماعة متخيلة على مستوى الدولة، هي نتاج عمليات تاريخية حديثة ترتبط بنشوء الدولة الوطنية، والاستعمار، والإخفاق في بناء مواطنة حقيقية، وليس مجرد امتداد طبيعي للانتماء الديني أو المذهبي القديم.

يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. أولاً، يميز بين الطائفة كجماعة أهلية محلية في الماضي، والطائفة كجماعة متخيلة على مستوى الأمة أو الدولة في العصر الحديث. يوضح المؤلف أنه في الماضي، لم يكن المسلمون عمومًا طائفة واحدة متخيلة، بل كان الانتماء الفعلي للإنسان يدور حول جماعته المحلية، أو قبلته، أو عشيرته، أو مدينته، وليس حول مذهبه الكبير. ثم ينتقل إلى مرحلة توسيع نطاق التضامن المذهبي، مستشهداً بالصراع بين العثمانيين والصفويين، حيث جرى استثمار الفروق المذهبية سياسياً لأول مرة على نطاق إمبراطوري، كما في حالة ثورات القزلباش في الأناضول.

بعد ذلك، يركز الفصل على التحول الحاسم الذي حدث مع ظهور الدولة الوطنية وانتهاء الإمبراطوريات. هنا تصبح الطائفة أحد "مكونات" الوطن، لكنها تتحول إلى جماعة تمثل "مصالحها" عندما يفشل الاندماج الاجتماعي-السياسي. يأخذ الفصل لبنان نموذجاً فريداً، حيث جرت عملية تركيب أساطير تاريخية لتجذير الطائفة في المكان، مثل إعادة صياغة شخصية الأمير فخر الدين المعني، وتحويله من مجرد ملتزم ضرائب عثماني إلى مؤسس لكيان وطني طائفي. يُظهر المؤلف أن هذه الأساطير تعكس عملية قومنة المذهب، حيث يُعاد اختراع التاريخ لخدمة الهوية الطائفية الحديثة.

يتناول الفصل أيضاً خطر الحروب الأهلية عندما تعجز النخب عن التوصل إلى تسويات، بسبب التفاوت في التنظيم أو التغيرات الديموغرافية. يصف المؤلف عنف هذه الحروب بأنه شديد الوحشية لأنه يقع بين أهل وجيران، مستشهداً بأمثلة من بيروت، سراييفو، بغداد، ومنطقة الشوف في جبل لبنان، حيث لا تقي الزيجات المختلطة من العنف بل قد تضاعف وحشيته. يذكر الفصل حالة العراق بعد 2003، حيث أدى تفكك الجيش ونظام البعث إلى تحالف المعارضة الشيعية السياسية مع الاحتلال الأجنبي، ثم تحول الصراع إلى صراع طائفي مع ظهور قوى سنية تطالب بـ"تدويل القضية العراقية"، مشيراً إلى دور نوري المالكي في الدعوة لجلاء القوات الأميركية لاحقاً. وينطبق هذا التحليل أيضاً على سورية بعد عامين من ثورتها، حيث أدى رفض النظام للتسوية السياسية واستخدامه العنف المفرط إلى تطور الصراع على خلفية طائفية، وتحول النظام إلى "نظام طائفي أقلوي يقمع الأغلبية".

يحلل الفصل بعمق "أخلاقيات الطائفية" التي تحل محل القيم الأخلاقية العامة. يعدد سبع سمات رئيسية لها: تحويل الدين إلى هوية تخدم مصلحة الطائفة متجاوزة نواهيه الأخلاقية؛ إسباغ القدسية على الرموز الجماعية والطائفية والأساطير المحلية؛ إحلال التمييز بين "نحن" و"هم" بدل التمييز بين الخير والشر؛ الاتكالية على الدولة لتقديم الخدمات بناءً على الهوية؛ ربط الحكم على الفعل بهوية صاحبه، فتخف حدته إن كان من "جماعتنا"؛ تحويل الحسد إلى موقف عنصري ضد المتميزين من الطوائف الأخرى؛ إقصائية تمثيل الهوية، حيث لا يمثل الطائفة إلا "الطائفيون" وليس كل أبنائها.

يتطرق المؤلف إلى ظاهرة "المذهبة" التي قامت بها الدولة الصفوية في الماضي، والتي ميزتها عن الدول الإسلامية السنية، معتمدين على عصبية قبائل القزلباش التركمانية والدعوة الدينية المذهبية. وعلى النقيض، يرى أن إيران الحديثة دولة تقوم على مؤسسات وطنية وأيديولوجيا قومية إيرانية متزوجة بالتشيع المُمأسس، بينما الدولة العربية الحديثة، حتى تلك التي تعلن الإسلام ديناً للدولة، هي دولة دنيوية أبعدت رجال الدين عن السلطة أو جعلتهم موظفين، لكنها لم تقم بعلمنة حقيقية للمجتمع. هذا الإخفاق، وفقاً للمؤلف، خلق فراغاً أخلاقياً وسياسياً، مما دفع الفئات المتضررة إلى التمسك بالدين كأداة للهوية والكرامة والتحشيد، وليس كمنظومة أخلاقية أهلية مكتفية بذاتها.

يعود الفصل إلى الإشارة إلى دور الاستعمار في صناعة الطائفية السياسية. يوضح أن القوى العظمى، وتحديداً بريطانيا وفرنسا، سهلت سيطرتها عبر استثمار الأقليات ورعايتها تحت ستار "التحرير". يذكر دعم البريطانيين للأشوريين في العراق ومحاولتهم زرع أسس انفصال جنوب السودان. كما يذكر محاولات فرنسا خلال انتدابها على سورية عام 1920 إقامة دولة علوية وأخرى درزية، وتوسيع متصرفية جبل لبنان إلى لبنان الكبير تحت إمرة الجنرال غورو عام 1920، ثم تطوره إلى الجمهورية اللبنانية عام 1926. ويضيف أن روسيا في عهد فلاديمير بوتين، ولا سيما بعد تدخلها العسكري في سورية عام 2015، استعادت خطاب حماية الأقليات الاستعماري. كما ينتقد الدور الأميركي بقيادة أوساط صهيونية في "صناعة الأقليات" لتفتيت العرب وتعميم فكرة الدولة الإثنية/الدينية، ويشير إلى قانون الكونغرس الأميركي لعام 1998 للحريات الدينية، والذي يخول الإدارة الأميركية فرض عقوبات بحجة حماية الأقليات، وهو ما يعتبره作者 تدخلاً ضاراً.

يميز الفصل بوضوح بين الأكثرية الديمقراطية والأكثرية الطائفية. فالأكثرية الديمقراطية لا تقوم على انتماءات ثابتة بالولادة، بل هي متولدة من صراعات المصالح والمساومات بين برامج سياسية. أما الأكثرية الطائفية، فهي أغلبية ديموغرافية ثابتة لا يمكن أن تتغير في الانتخابات. ويحذر من أن حكم ممثلي الأغلبية الطائفية بصفتهم هذه يؤدي إلى "إثنوقراطية"، وليس ديمقراطية حقيقية. ويناقش مفهوم "التوافقية" كحل مؤقت لتجنب الحرب الأهلية، لكنه يعتبرها غير كافية وخطيرة إذا لم تقم على أساس مبدأ المواطنة المتساوية وحقوق المواطن؛ فبدون ذلك تتحول التوافقية إلى محاصصة بين نخب طائفية تضعف الدولة وتلغي السياسة كصراع على البرامج والمصالح المشتركة.

أخيراً، يقر المؤلف بعدم نجاح الدولة العربية في بناء أمة تقوم على حقوق المواطنة أو في قومنة الدولة، وذلك بسبب إخفاقها التنموي، وترييف المدن بشكل مشوه، وفشلها في تحقيق العدالة الاجتماعية، وفي غياب الديمقراطية. كل هذه العوامل، بالإضافة إلى السياسات الاستعمارية والتحديث المتأخر الذي تقوده دولة تسلطية، أدت إلى إحياء الروابط الوشائجية (القبلية، الطائفية، الجهوية) وجعلتها أساساً للصراع السياسي بدلاً من المفاهيم المدنية الحديثة. يختم المؤلف بالإشارة إلى أن هذه التعقيدات تجعل مهمة تحليل وتفكيك الطائفية ملحة في الفكر السياسي والعلوم الاجتماعية العربية، في ظل بروز ظواهر مثل التدين السياسي ووصول الموجة الديمقراطية التي أدت إلى خلط بين الأكثرية السياسية والأكثرية بالانتماء الديني.

9.أصحيح أنها كانت قائمة دائماً وستبقى؟337–400▼ ملخص

هذا الفصل التاسع من كتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" لعزمي بشارة يتناول السؤال المحوري: هل الطائفية في المجتمعات العربية ظاهرة أبدية ومستمرة منذ الأزل، أم أنها مؤامرة خارجية حديثة؟ يرفض بشارة كلا التفسيرين، ويعتبرهما وجهين لعملة واحدة، حيث يعفي الأول المجتمع من مسؤولية التحليل الذاتي، بينما يقدم الثاني الطائفية كأمر طبيعي وجوهري. ويؤكد أن كلا الرؤيتين تفتقران إلى المنهجية العلمية والتاريخية، وتلتقيان في النهاية عند العجز عن فهم الطائفية كظاهرة سياسية حديثة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر نقد هذين التفسيرين. أولاً، ينتقد النظريات التي تزرع الطائفية في المنطقة العربية عبر الاستعمار، مستشهداً باقتباسات من حليم بركات وجمال حمدان، اللذان يريان أن السلطنة العثمانية بـ "نظام الملة" هي من زرع بذور الطائفية، يليها الاستعمار الأوروبي. يرفض بشارة هذا الطرح، موضحاً أن وصف الحملات الصليبية أو الحكم العثماني بـ"الاستعمار" هو إسقاط لمفاهيم حديثة على التاريخ، فالاستعمار الذي أنتج الطائفية هو ظاهرة حديثة مرتبطة بنشوء الرأسمالية. ويضرب مثالاً على ذلك بالشيعة في بلاد الشام، حيث يشير إلى أن الغزو الصليبي، وليس الاستعمار، هو الذي ساهم في انهيار الوجود الشيعي العريض هناك، مستنداً إلى دراسات كلود كاهن وكمال الصليبي وروجر شناهان.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة الطائفية السياسية كظاهرة حديثة بامتياز. يوضح بشارة أنه في عهود الخلافة الإسلامية والدولة العثمانية (قبل التنظيمات)، لم تكن السياسة تمارس كشأن عام، بل كانت خصوصية، وبالتالي لم تكن الطائفية السياسية ممكنة. فالزعامات كانت تتنافس على النفوذ لدى الحاكم دون تسييس العامة. الطائفية السياسية، كما يشرح، هي نتاج العصر الحديث ومشاركة العامة في السياسة. ويأخذ مثالاً على ذلك من لبنان، حيث يصف انتفاضة الفلاحين في كسروان عام 1858 بقيادة طانيوس شاهين، والتي مزجت بين مطالب المساواة الاجتماعية والهوية الطائفية المسيحية. هذه الانتفاضة، برأيه، تمثل دخول العامة إلى السياسة، وهو ما لم يستوعبه الوجهاء الذين رأوا فيها مجرد أداة بيد الكنيسة أو دولة أخرى.

في سياق نقده، ينتقل بشارة إلى العراق، منتقداً القراءة الطائفية لتاريخه. يرفض الادعاءات بأن ثورة 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم (الذي يصفه بالكردي) كانت ضد الأكثرية السنية، أو أن جعفر أبو التمن أو صدام حسين كانا قائدين طائفيين. يرى أن هذه القراءة تسقط مفاهيم الحاضر على الماضي، وتستند بشكل غير نقدي إلى تقارير الاستخبارات البريطانية ووزارة الخارجية، والتي صنفت العرب وفق تنميطات طائفية. بالمقابل، يستشهد بعالم الاجتماع العراقي علي الوردي (1913-1995) الذي ركز في دراسته على الصراع بين البداوة والحضارة كمفتاح لفهم المجتمع العراقي، وليس على الصراع الطائفي. لكن بشارة يلاحظ أن الوردي نفسه، في ختام كتابه، يدعو فجأة إلى دراسة الصراع الطائفي، معتبراً أن الطائفية أصبحت "العقدة المكبوتة" في الشخصية العراقية، مما يشير إلى تحول في الوعي بالظاهرة.

يواصل الفصل تحليل مسار الطائفية في العراق، مؤكداً أنها ليست حتمية ولا مؤامرة فحسب. يرى أن العوامل التي أنتجت الطائفية السياسية في العراق الحديث تشمل الحرب العراقية-الإيرانية، حرب الكويت، وأخيراً الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، الذي قام بحل الجيش ومأسسة الطائفية عبر مجلس الحكم الذي عين ممثلين عن الأحزاب على أساس طائفي، حتى أن الأمين العام للحزب الشيوعي عين "شيعياً". هذا التطييف، كما يصفه، هو عملية سياسية حديثة أعادت تخيل الطوائف ككيانات تاريخية صلبة، واجتثت الهوية الوطنية الجامعة. لكنه يستدرك أن هذه العملية لم تنجح بالكامل، وأن العراقيين لا يزالون من أكثر الشعوب العربية نفوراً من التصنيف الطائفي وفق الاستطلاعات.

ينتقل الفصل إلى سورية، ويبدأ بتحليل العلاقة بين الوطنية والطائفية في العهد الفيصلي (1920-1918). يذكر أن شعار "الدين لله والوطن للجميع" كان أساسياً، وأن المؤتمر السوري ضم ممثلين عن المسيحيين والعلويين والشيعة. ويشير إلى أن النخب الوطنية السورية، مثل سعد الله وإحسان الجابري، سعت إلى تجاوز الماضي الدامي لمذابح 1860، ودعت إلى أخوة وطنية شاملة. لكنه يعترف أن هذه التظاهرات الوطنية كانت كشجرة خضراء يانعة لكنها غير عميقة الجذور. كما يتناول دور الإخوان المسلمين في مصر وسورية، مشيراً إلى أن مؤسسهم حسن البنا لم يطرح خطاباً طائفياً ضد الأقباط، لكن منهجهم القائم على تطبيق الشريعة خلق عامل نفور، وتفاقم الوضع مع الحركات الإسلامية المعاصرة. ويخلص إلى أن العلمانية والقومية العربية نفسها لم تكن محصنة من استخدام الهوية الطائفية في التنافس السياسي، مما يمثل مشكلة أخلاقية حين تصبح كل الوسائل مباحة في الصراع على السلطة.

في القسم الأعمق من الفصل، يقدم بشارة قراءة مفصلة لـ"تطييف" الجيش السوري وعلاقته بالحكم. يبدأ من مرحلة الانتداب حيث فضل الفرنسيون تجنيد الأقليات، مروراً بسياسات الدولة المستقلة التي هيمنت عليها نخب مدينية سنية، مما خلق شعوراً بالغبن لدى أبناء الريف من الأقليات. ثم ينتقل إلى فترة حكم حزب البعث وما بعدها، حيث أصبح الصراع على السلطة بين الضباط ذا أبعاد جهوية وقبلية تلتقي مع الطائفة. ويذكر أن صراع حافظ الأسد وصلاح جديد في 1969 لم يكن طائفياً بل على الزعامة والأيديولوجيا، لكن النظام لاحقاً، في مواجهته مع الإخوان المسلمين في الثمانينيات، أصبح أكثر طائفية في تضامنه الداخلي. يقدم الفصل جداول مفصلة وموثقة (من جداول 1-9 إلى 12-9) توضح الانتماء الطائفي لقادة الجيش السوري والأجهزة الأمنية بين عامي 2000 و2011، مظهراً الهيمنة العلوية الواضحة على المفاصل الحساسة مثل الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والاستخبارات العسكرية. ويعلق أن هذه الهيمنة كانت أساساً واقعياً لتشكل شعور عامة الناس بأن "علوية تحكمهم"، وفي الوقت نفسه يوضح أن النظام نفسه لم يصغ خطابه السياسي بصيغة طائفية، بل كان يستفيد من هذه الولاءات.

يختتم الفصل بالحديث عن تناقضات النخب الحاكمة وقادة الأقليات، مستشهداً بحالة محمد عمران في سورية الذي اتهم بالطائفية لتعبيره صراحة عنها، بينما استفاد الآخرون مثل صلاح جديد من الولاءات نفسها دون تصريحات. ويشير إلى أن رجال الدين العلويين أنفسهم شعروا بالتهميش تحت حكم العلمانيين العلويين، لأن السلطة تتطلب التنازل عن الطابع الأقلياتي للمذهب. أخيراً، يذكر مذبحة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979 حيث استهدف الإخوان المسلمون الضباط العلويين، مما أشعل حرباً اجتثاثية غيرت طبيعة النظام وجعلته أشد قمعاً وطائفية. يؤكد الفصل أن الطائفية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج سياسات وتفاعلات اجتماعية حديثة، وأن الحل الوحيد هو بناء دولة ديمقراطية قوية على أساس المواطنة، وإلا سيكون البديل هو الاحتراب الأهلي ودولة التعاقدات الطائفية. الحجج المطروحة، خاصةً المتعلقة بمسؤولية النخب وتأثير الاحتلال، تظل قابلة للنقاش، لكن الفصل يقدم نقداً منهجياً عميقاً للرؤيتين المتناقضتين (الأبدية والمؤامرة)، ويؤسس لفهم الطائفية كظاهرة سياسية حديثة لها جذور اجتماعية واقتصادية.

10.الطائفية الحديثة: أهي نتاج العلمنة؟401–442▼ ملخص

ملخص الفصل العاشر: "الطائفية الحديثة: أهي نتاج العلمنة؟" من كتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" لعزمي بشارة

يناقش هذا الفصل العلاقة الجدلية بين الطائفية الحديثة وعملية العلمنة، ويقدم الإجابة التي مفادها أن الطائفية السياسية المعاصرة ليست مجرد استمرار لصراعات دينية قديمة، بل هي نتاج حداثي لصيرورة العلمنة نفسها، وتحديداً للعلمنة "المعاقة" أو "المتأخرة" في المجتمعات التي لم تنجح فيها الدولة الوطنية في بناء مواطنة اندماجية عابرة للطوائف. يطرح المؤلف أن الطائفية، بهذا المعنى، هي ظاهرة حديثة تستخدم الدين هويةً سياسية وجماعية في الصراع على الدولة ومصادرها.

يبدأ الفصل بتقديم مثال تاريخي على صراع هوياتي غير ديني، وهو الصراع القيسي - اليماني في جبل لبنان في القرن الثامن عشر، والذي تجسد في معركة عين دارة عام 1711. يوضح المؤلف أن هذا الصراع، رغم لبسه أثواباً قبلية وأسطورية، كان في جوهره صراعاً سياسياً على السلطة والنفوذ، متجاوزاً الانتماءات المذهبية والدينية. ينتقل بعدها إلى الصراع السني - الشيعي، مشيراً إلى أنه تطور من خلاف سياسي قبلي في العصر الأموي (بعد وفاة معاوية الثاني) إلى صراع مذهبي عقائدي، خاصة بعد تبلور نظرية "ولاية الفقيه" في العصر الحديث والتي حوّلت المذهب إلى أيديولوجيا دولة.

يُعرّف المؤلف الطائفية على أنها "صراعات اجتماعية مصوغة كصراع هويّات قائمة على معتقدات دينية"، ويُميّز بين شكلين لها: تفضيل الولاء للطائفة على المواطنة، وتجاوز الولاء للدولة لصالح كيانات خارجية بحجة المشترك الطائفي. ويشدد على فكرة محورية: أن الفصل بين الإيمان الفردي (التديّن) والانتماء إلى جماعة دينية (الطائفة) هو جوهر ظاهرة الطائفية الحديثة. فالإيمان أصبح خياراً فردياً، في حين أن الانتماء الطائفي أصبح رابطة عضوية واجتماعية لا تشترط التديّن بالضرورة، بل تقوم على الهوية الجماعية التي تنتجها عملية "التطييف".

يستعرض الفصل مراحل تطور الخلاف المذهبي إلى طائفية سياسية في التاريخ الإسلامي، مروراً بـ: 1. الصراع السياسي القبلي، 2. مذهبة الصراع، 3. تشكيل المذاهب الفقهية، 4. مذهبية المجتمعات في الدول المملوكية والصفوية والعثمانية، 5. التطييف (تحويل المذهبي إلى طائفي)، وأخيراً 6. الطائفية السياسية كأيديولوجيا دولة. ويستخدم مثالاً من تراث ابن تيمية الذي ميّز بين "النواصب" (أعداء آل البيت) و"الروافض" (الشيعة الغلاة)، ليبين كيف ذاب هذا التمييز لاحقاً في ثنائية حادة (السنة نواصب والشيعة روافض)، وكيف أُحييت أساطير تاريخية كأسطورة عبد الله بن سبأ لتغذية الصراع.

يقدم الفصل حجة قوية مفادها أن المجتمعات الإسلامية عرفت صيرورة "العلمنة" (بمعنى التمايز بين السلطتين الدينية والسياسية) قبل العصر الحديث، ويتجلى ذلك في نشوء منصب "أمير الأمراء" في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي في العصر العباسي الثاني، ثم في تبلور "الدولة السلطانية" وفصلها عن الخلافة، ووصولاً إلى مأسسة منصب "شيخ الإسلام" في الدولة العثمانية. ويشير إلى أن سكان بلاد الشام ومصر لم يغيروا مذاهبهم تبعاً للحكام المتعاقبين (فاطميين، أيوبيين، إلخ) خلافاً لأوروبا حيث كان المبدأ "الناس على دين ملوكهم"، مما يدل على أن الزعامة كانت قبلية أسرية وطائفية في آن.

يتناول الفصل بالتفصيل مثال إمارة جبل لبنان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث كان الأمراء الشهابيون يغيرون دينهم (من السنة إلى المسيحية أو الدرزية) دون أن يفقدوا شرعيتهم، وكانت التحالفات الأسرية والزواج المختلط بين الطوائف (المعنيون الدروز وآل سيفا السنة) أمراً شائعاً. يخلص إلى أن مفهوم "الطائفة" آنذاك كان يعني العائلة أو الحاشية السياسية، وليس الجماعة الدينية المغلقة كما في العصر الحديث. ويؤكد أن تغيير الحاكم لدينه في عصرنا أصبح مستحيلاً، وهذا دليل على حداثة الطائفية.

يحاول الفصل الإجابة عن سؤال: هل تشكل وعي طائفي عابر للمحلية قبل الحداثة؟ ويقارن بين حالة البلقان (حيث تطابق الدين مع الإثنية القومية) وحالة العرب (حيث لم يكن الاختلاف الديني بين المسلمين والمسيحيين أساساً لهوية سياسية معارضة قبل الحركة القومية العربية). يناقش "القوميات المتأخرة" في البلقان مثل قومنة البوسنة المسلمة بعد ضم النمسا للبوسنة والهرسك في 1878، وكيف أدى الاختلاف الديني إلى خلق شعوب جديدة (بوسنيين، صرب، كروات) من أصول لغوية وإثنية واحدة.

يُقر المؤلف بأن الطائفية ليست التديّن، بل قد تكون عكسه، فهي تثبت حدود الدين جغرافياً وتحوله إلى هوية جماعية مغلقة، بينما الدين بطبيعته دعوي ونشره هو جوهره. ويرى أن الطائفية تمثل مرحلة انحطاط في الدين، بينما النهضة الدينية الحقيقية تؤدي إلى الدولة العقلانية والمواطنة. ويستشهد بمفكرين نهضويين مثل جميل معلوف الذين وصفوا الطائفية السياسية بـ"الديانات السياسية" ورأوها من نتائج "المسألة الشرقية" التي زرعت الميول الغربية في صدور العثمانيين.

أخيراً، يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش، خصوصاً في نقده للمقاربات "اللاتاريخية" التي تعيد الصراع السني - الشيعي الحالي إلى القرن السابع الميلادي، مستشهداً بخطابات الرئيس أوباما وتوماس فريدمان وكتاب ولي نصر "الصحوة الشيعية". يرى أن هذه المقاربات تنشر "مزاجاً لا تاريخياً" يصرف النظر عن الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنزاعات في البنى القائمة. ويؤكد أن صيرورة العلمنة في المشرق العربي، حيث فرضت من أعلى بأنظمة استبدادية وبدت تهديداً للهوية الثقافية للأغلبية، قادت إلى تعزيز الانقسامات العمودية الطائفية بدلاً من الاندماج الأفقي الطبقي الذي حدث في الغرب.

11.من الطائفة الدينية بما هي جماعة إلى الطائفة بوصفها جماعة متخيلة، ومن الطائفية الاجتماعية إلى الطائفية السياسية443–466▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب عزمي بشارة "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" مسألة محورية هي التمييز بين مرحلتين أساسيتين في تطور الجماعة الدينية: مرحلة "الطائفة الدينية" كجماعة محلية ملموسة، ومرحلة تحولها إلى "طائفة متخيلة" في العصر الحديث، وهي العملية التي تنتج "الطائفية الاجتماعية" التي تتطور بدورها إلى "طائفية سياسية". يرى المؤلف أن الإجابة عن هذه الإشكالية تكمن في فهم الصيرورة التاريخية التي تحول فيها الانتماء الديني من عقيدة فردية أو جماعة محددة إلى هوية جماعية شاملة تُعاد تخيلها باستمرار، وتصبح أساساً للصراع على السلطة والموارد في الدولة الحديثة.

يبدأ الفصل بتأكيد الأساس الاجتماعي للدين، مستشهداً بـ دوركهايم وبقول الشهرستاني قبل أكثر من ألف عام، الذي يربط الاجتماع البشري بالملة والمنهاج، ليبين أن الجماعة سابقة على الطريق إليها (المنهاج). ينتقل بعدها إلى تعريف الطائفية الاجتماعية بأنها "صيرورة تحويل التبعية الاجتماعية الهوياتية إلى جماعة من أتباع المذهب أو الديانة"، وهي ظاهرة موجودة في المجتمعات التقليدية منذ الصراع بين المجتمع الفلاحي والرعوي، وتتجلى في توزيع المهن والحرف والحارات في المدن القديمة. يشير المؤلف إلى أن الخلاف المذهبي بين علماء الدين لا يولد الطائفة بذاته، بل يحدث عندما يرتبط هذا الخلاف بجماعة اجتماعية محددة، فبعد ذلك يتحول الدين إلى أيديولوجيا يجيب عن حاجات سياسية، وتصبح الجماعة أداة بيد زعامتها، لا العكس.

يوضح المؤلف أن الطائفة الدينية كانت في الماضي "جماعة محلية"، مثل شيعة الرصافة وسنة الكرخ في بغداد خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين. لكنها تحولت في العصر الحديث إلى "طائفة متخيلة" يمكن للأفراد تخيل الانتماء إليها في ما يتجاوز الحيّ إلى الدولة بأكملها، أو حتى عبر الدول، لتصبح كالقومية ومنافساً لها. هذا التخيل لا يتطلب وسائل تواصل معاصرة فقط، بل أيضاً إعادة تخيل المكان على أساس الهوية الطائفية المهيمنة، كما حدث في العراق بعد الاحتلال الأميركي حيث أدى الصراع الطائفي وإعادة تمثيل المناطق كأحياء سنية أو شيعية خالصة، متجاهلاً التغيرات السكانية البنيوية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التمييز بين أربع مميزات للطائفية الدينية الحديثة عن التعصب المذهبي في العصر الوسيط: أولاً، تراجع أهمية الفوارق الدينية والفقهية لصالح الذاكرات الجماعية والسرديات التاريخية. ثانياً، قمع الخيار الإيماني الفردي. ثالثاً، منافسة الانتماء إلى الجماعة الوطنية الأوسع. رابعاً، تحول الطائفة من فرقة منعزلة إلى فاعل اجتماعي في خصومة مع المجتمع والدولة. ويؤكد المؤلف أن الطائفية ليست ديناً يحاول الانتشار، بل هي "جماعة دينية بانت حدودها"، تعنى بمصالح الجماعة كما صاغتها قيادتها، وتشمل المتدين وغير المتدين بوصف الدين هوية دنيوية.

يقدم الفصل أمثلة تفصيلية على هذا التمييز، منها جهود التبشير الشيعي التي تقوم بها إيران منذ الثورة الإيرانية، والتي يراها المؤلف ذات أهداف سياسية لتوسيع دائرة النفوذ، وليس دافعاً دينياً محضاً. ويضرب أمثلة على ذلك بتصريح الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في 9 نيسان/أبريل 2006 عن ولاء الشيعة لإيران، وبظهور الصحوة الشيعية في دمشق بتأثير من حزب الله اللبناني منذ بداية القرن الحالي، وبظهور جمعيات مثل "جمعية آل البيت الثقافية" في تونس عام 2003، واكتشاف قبور ومزارات شيعية في سوريا في مواقع مثل الرقة وحلب. في المقابل، يذكر التبشير السلفي المدعوم من السعودية، كما في مدينة السلمية في ريف حماة، حيث تحول الصراع السياسي إلى صراع طائفي. ويخلص إلى أن ما يسمى بـ "قضية اعتناق الإسلام" في مصر ليست دينية بل طائفية، فهي تهدف إلى تحويل الجمهور إلى طائفة عبر الاحتجاج ضد طائفة أخرى.

يتناول الفصل بعدها دور الذاكرة التاريخية وخطاب المظلومية في تحويل الطائفية الاجتماعية إلى سياسية. يناقش المؤلف رأي الباحث حسن العلوي بأن من يمارس التمييز الطائفي يجب أن يكون في مركز القوة، ويخالفه الرأي بشدة معتبراً أن الطائفية غالباً ما تكون "سلاح الأقليات" وصياغة المظلومين لمظلوميتهم، حتى الأغلبية قد تتصرف كأقلية. يطبق هذا التحليل على حالتي سوريا والعراق. ففي سوريا، لم يشكل السنة طائفة موحدة قبل حكم البعث، لكن التنظيمات المتطرفة أحالت الصراع الاجتماعي-السياسي إلى صراع طائفي ضد "العلوية الحاكمة"، على الرغم من أن المعارضين العلويين كانوا من أبرز ضحايا النظام، ومن أن مرحلة حافظ الأسد شهدت ازدهاراً للمؤسسات الدينية السنية كسياسة لدفع تهمة الطائفية عن النظام.

يواصل الفصل نقاشه حول العلاقة بين التدين السياسي والطائفية، مؤكداً أنه لا توجد علاقة بنيوية بينهما، بل قد يتسلل التدين السياسي إلى الطائفية أو يحاربها. تظهر حالات مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كتقاطع بين السلفية الجهادية والطائفية الغاضبة، وهو أسوأ مما يسمى طائفية. أما التشييع السياسي، فلم ينشأ من فعاليات الحوزات الشيعية، بل تحت تأثير الثورة الإيرانية وتحويل إيران نفسها مركزاً للشيعة، مما جمع بين التدين السياسي والطائفية في كيان واحد، وهو أمر جديد وخطير.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن الدولة العربية الحديثة. يرى المؤلف أن الدولة العربية قامت قبل أن تتبلور هوية وطنية عابرة للطوائف، وأن عملية التحديث من أعلى بواسطة الجيش في خمسينيات القرن الماضي عرقلت الاندماج الاجتماعي الطبيعي. فبدلاً من تفكيك البنى التقليدية، أعادت الدولة الاعتراف بها عبر سياساتها الاجتماعية، كما فعل صدام حسين في العراق عبر "الحملة الإيمانية" وتشجيع النشاطات الدينية العشائرية، والتي أنتجت في النهاية مقدمات لظهور تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية. وفي مصر، يشير المؤلف إلى مسايرة النظام الرسمي للطائفية عبر قيود بناء الكنائس ومعاملة الأقباط.

في الختام، يحلل الفصل تعقد الهوية الوطنية في العراق. يرفض المؤلف فكرة أن الوطنية العراقية كانت وطنية شيعية أو سنية حتى أثناء الحرب مع إيران، بل كانت تنبذ الطائفية. لكن مع تحول النظام إلى طائفي شيعي بعد 2003، أصبحت الطائفية السياسية تهدد وجود عراق موحد، وتخلق وطنيتين متنافستين تسعيان إلى تشكيل وطنين مختلفين. ويستعرض كيف أن رموز القومية العربية المستمدة من التاريخ الإسلامي، مثل عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي، هي رموز سنية بامتياز. ويخلص المؤلف إلى أن الطائفية السياسية تتناقض مع الوطنية، وتستسهل استدعاء التدخل الخارجي، كما حدث في العراق عام 1991 و2003 وفي سوريا بعد 2011، وهو ما يطرح سؤالاً مفتوحاً عن إمكانية بقاء دولة وطنية في ظل هذه الاستقطابات الطائفية العميقة.

12.الطائفية من شكل مشاركة العامة في المجال العمومي إلى عقبة أمام هذه المشاركة467–486▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: كيف تتحول الطائفية من أداة تتيح لعامة الناس المشاركة في الشأن العام، إلى عائق يحول دون هذه المشاركة؟ يرى المؤلف أن الطائفية، في البداية، هي نمط من "سياسات الهوية" الذي يُشرك أبناء الطائفة في السياسة عبر مدخل هوياتهم. هذا الإشراك يخلق فضاءً للمطالبة بحقوق، ليس فقط تجاه الطوائف الأخرى، بل وأيضاً داخل الطائفة نفسها، حيث يبدأ العامة بمطالبة زعاماتهم بحصتهم من السلطة والثروة. ويضرب أمثلة على ذلك بـلبنان، حيث ثار قسم من الموارنة على العائلات المارونية التقليدية بعد الحرب الأهلية، وبروز قيادات جديدة من الميليشيات مثل سمير جعجع، وكذلك في العراق مع ظهور ميليشيات شعبية تمثل بسطاء الشيعة وتتحدى الزعامات السياسية والأسر الإقطاعية القديمة. ويشير أيضاً إلى حركة طانيوس شاهين الفلاحية في جبل لبنان عام 1858، والتي خاضت صراعاً طبقياً تحت غطاء طائفي.

يسير الفصل عبر تتبع تحول هذا النمط من المشاركة. يبدأ بوصف المجتمع التقليدي حيث كان التمييز الرئيسي بين حكام ومحكومين، وبين مسلمين وغير مسلمين، وكانت الجماعات الدينية مجرد "جماعات أهلية" تتحرك في فضاء ما قبل السياسة الطائفية. ومع ظهور وجهاء من غير المسلمين، يبدأ "الخطاب الطائفي" الذي يضع هؤلاء الوجهاء كممثلين لطائفتهم أمام الحكام. هنا، يظهر خياران استراتيجيان: إما أن تتبنى النخب الجديدة أيديولوجيات مساواتية عابرة للطوائف (كالقومية أو الاشتراكية)، أو أن تختار الطائفة ذاتها كأيديولوجيا وتطالب بحصتها في الكيان السياسي، مركزةً على "الغبن التاريخي". ويؤكد الفصل وجود علاقة عكسية بين هذين الخيارين: نجاح أحدهما يُضعف الآخر.

يكمن التحول الحاسم في لحظة "الاستدارة التاريخية"، حيث تتحول الطائفية من أداة لتعبئة الجماهير ضد "الآخر" الخارجي، إلى أداة للصراع الداخلي داخل الطائفة نفسها. فزعامات الطائفة، بعد أن حشدت العامة ضد طوائف أخرى، تواجه مطالبات من قاعدتها الشعبية، بقيادة "أبطال حروب" من أصول عامية أو "رجال دين فقراء"، والذين يرون أن طائفتهم لم تنل ما تستحقه. وهكذا، تولد "المزايدات الهوياتية" على الحكام باسم الهوية المشتركة، مما يعمق الطائفية بدلاً من تقليصها.

يوضح الفصل كيف تتحول الطائفية السياسية بعد نجاحها إلى عائق حقيقي أمام المواطنة والديمقراطية، ويعدد الأسباب التالية: 1) تتناقض مع مفهوم المواطنة الفردية. 2) تناقض مفهوم الأمة ذات السيادة. 3) تحرف التعددية السياسية عن مسارها الديمقراطي. 4) تخلط بين الأكثرية الطائفية والأكثرية الديمقراطية، مما يكرّس سلطة زعامات غير منتخبة ديمقراطياً. 5) تستثمر المقدسات والرموز الدينية لتعبئة الجمهور وتجعل المؤسسة الدينية مصدراً للشرعية السياسية. 6) تفتقر إلى برنامج ملزم، مما يجعل مواقف الزعامات متقلبة وتعزز ثقافة "القطيع". ونتيجة لذلك، تغيب المصلحة العامة وتتحول الدولة إلى معادلة توازن بين الطوائف، حيث يستحيل تشكيل "رأي عام" سياسي حقيقي.

يفرق الفصل بوضوح بين "الطائفية الاجتماعية" و"الطائفية السياسية". الأولى تعترف بوجود جماعات دينية واجتماعية وقد تضر بحرية الفرد الاجتماعية، لكنها لا تزال قابلة للتعايش مع المواطنة. أما الثانية، فهي تحول الطائفة إلى "كيان سياسي" ينافس الدولة على ولاء الفرد، ويقوم بتفتيت السيادة، وقد يتحالف مع كيانات خارجية ضد أبناء الوطن الواحد. ويضرب مثلاً على ذلك بـالعراق، حيث تحالفت المعارضة الشيعية في الخارج مع الاحتلال الأميركي بوصفهم ممثلين لطائفة سياسية، متجاهلين خطورة تحويل الصراع ضد الدكتاتورية إلى صراع طائفي، مما أدى إلى حرب أهلية حقيقية.

يتناول الفصل أيضاً إشكالية "التعددية" و"الديمقراطية". فهو يرى أن التعددية الطائفية ليست تعددية سياسية ديمقراطية، بل هي تعددية هويات ثقافية وسوسيولوجية، وهي سمة للمجتمعات التقليدية والإمبراطوريات، وليست اختراعاً حديثاً. فما يميز الحداثة ليس تعدد الهويات بل "تعدد انتماءات الفرد" الواحد، وهو ما يتيحه المجال العمومي الديمقراطي. أما الطائفية السياسية، فتُختزل هوية الفرد في انتمائه الطائفي الوحيد. ويخلص إلى أن بناء فدراليات أو حكم ذاتي على أساس طائفي ديني هو أمر نادر وخطير، إذ لا توجد أمثلة على "فدرالية بين طوائف دينية" في الدولة الحديثة؛ بل إن الفدراليات تقوم إما على أساس إقليمي إداري أو إثني/قومي.

وأخيراً، ينتقد الفصل الخطاب الذي يخلط بين "الاعتراف بالتعددية الطائفية" و"تبني الطائفية السياسية"، ويحذر من أن إسكات صوت الطائفية كان أحياناً غطاءً لسيطرة طائفة معينة. لكنه يؤكد أن الحل ليس في دعم الطوائف ككيانات سياسية، بل في مقاومة تحولها إلى نظام سياسي ممأسس في الدولة. فبمجرد أن يصبح المواطن مضطراً لتعريف نفسه بطائفته أمام الدولة للحصول على حقوقه، تصبح مهمة محاربة الطائفية شبه مستحيلة، لأن أي تعامل مع ظروف الناس المادية يعيد إنتاج هذه الهوية ويُرسخها.

13.الأكثرية والأقلية والتسامح487–510▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل ظاهرة الطائفية السياسية في المجتمعات العربية، مركزاً على علاقة الأكثرية والأقلية، ومفهوم التسامح. يرى عزمي بشارة أن جوهر الطائفية يكمن في نشر ثقافة "المظلومية" وجعلها هوية جامعة، حيث تعتبر كل طائفة نفسها مظلومة، سواء كانت تحكم أو محكومة. ويطلق على هذه الحالة النفسية اسم "المزاج الأقلياتي" أو "الذهنية الأقلياتية"، وهي شعور دائم بالغبن يتجاوز الظلم الفعلي ليصبح ثقافة قائمة بذاتها تُستخدم كرأس مال رمزي في الصراع على السلطة والامتيازات.

يبدأ الفصل بتمييز جذري بين الواقع الحديث ومفاهيم ما قبل الحداثة. يوضح الكاتب أن مصطلحات "أكثرية" و"أقلية" بالمعنى السياسي الحديث لم تكن موجودة في التراث العربي الإسلامي. ففي الدولة الإسلامية التقليدية، كانت الشرعية تقوم على الخلافة والسلطان، وليس على الأكثرية العددية. كان غير المسلمين "أهل ذمة" يدفعون الجزية، وقد كانوا في كثير من الأحيان يشكلون أغلبية سكانية في مناطق شاسعة مثل بلاد الشام ومصر لقرون بعد الفتح، دون أن يغير ذلك من طبيعة الحكم الدينية. كما أن الفرق الإسلامية المنشقة كانت تُعامل كخطر سياسي على وحدة الجماعة والسلطان، وليس كأقلية مذهبية في الدولة الحديثة.

ينتقل الفصل إلى مناقشة الإسقاطات الأيديولوجية المعاصرة على التاريخ، مشيراً إلى تيارين: الأول متشدد يتمسك بأحكام الذمة، والثاني ينشد تأصيلاً للتسامح. يرى بشارة أن كليهما انتقائي وغير علمي، فالأول يسقط الماضي على الحاضر، والثاني يسقط مفاهيم الحاضر (كالمواطنة) على الماضي. ويخلص إلى أن المقارنة المفيدة ليست بين الحضارة الإسلامية والمسيحية في العصور الوسطى، بل بين واقع الدول العربية المعاصر والدول الديمقراطية الغربية، حيث تكون النتيجة غير لمصلحة الأولى.

يشرح المؤلف كيف تتحول الأكثرية الدينية إلى "طائفة". هذا يحدث حين تشعر هذه الأكثرية بأنها مغتربة عن الدولة، أو حين تستخدمها قوى علمانية سياسية للوصول إلى الحكم باسمها. هنا تتحول الأكثرية إلى "طائفة أغلبية" تتصرف بمنطق أقلياتي، وتطالب بالدولة كملكية خاصة لها. ويكون التحول إلى الطائفية السياسية عبر ثلاث مراحل متلازمة: "قومنة الطائفة" (تحويلها إلى جماعة قومية)، ثم التعامل مع الدولة كأنها "قبيلة" يمتلكها أبناؤها، وأخيراً اعتبار الدولة ملكاً لهذه الطائفة. في هذه الحالة، يتم توظيف مصطلحات ديمقراطية مثل "أكثرية" لتبرير هيمنة طائفية ثابتة بالولادة، وليس كأكثرية سياسية متغيرة في صناديق الاقتراع.

في مقابل ذلك، يناقش الفصل تطور مفهومي الأكثرية والأقلية في أوروبا، حيث نشأت مفاهيم الأكثرية والأقلية الدينية ضمن صيرورة العلمنة ونشوء الدولة الحديثة. أما المصطلحات الديمقراطية (أكثرية/أقلية انتخابية) فهي خاصة بالمؤسسات، وتفترض هوية جامعة (المواطنة) ينقسم الناس داخلها وفق آرائهم ومصالحهم، وليس وفق هوية مولودة. ويشير بشارة إلى أن مشكلة الأقليات في العالم العربي هي انعكاس لمشكلة الأكثرية، التي تحررت مشروطة بتحرر الطرفين من هذا التقسيم الطائفي.

يُفرد الفصل مساحة مهمة لمناقشة "التسامح"، بدءاً من جذوره عند جون لوك الذي ربطه بعدم أهلية الدولة للحكم على الضمير. ويبين الكاتب أن التسامح الديني هو في جوهره "تسامح مع الخطأ"، أي قبول وجود العقيدة الأخرى دون التسليم بصحتها، وهي ضرورة للتعايش. هناك درجات للتسامح تصل إلى مواقف روحانية (كالتصوف) أو عقلانية (كالربوبية) ترى حقيقة في كل الأديان. لكن بشارة يميز بوضوح بين التسامح، والتعايش، والتعددية الديمقراطية: فالتسامح قد يكون منحة من الأغلبية للأقلية لا يلغي التراتبية، والتعددية الحقيقية هي من صفات الدولة الديمقراطية الحيادية التي تضمن حرية الضمير والمساواة في المواطنة، وليست من صفات الدين الذي لا يؤمن بتعدد الحقائق.

يوضح الفصل أن الطائفية السياسية في الحالة العربية، وخصوصاً عند الأغلبية، تهتم بالدولة وتسعى للسيطرة عليها وطباعها بهويتها. يضرب مثالاً بالعراق بعد عام 2003 حيث جرى دمج ميليشيات في الجيش، وتغيير أسماء الشوارع، وفرض عطل رسمية لطائفة معينة، وإدخال سردية تاريخية طائفية في المناهج، مثل تفجير نصب أبي جعفر المنصور في بغداد عام 2005 كرفض لسردية الخلافة العباسية لصالح سردية شيعية. هذه العملية تكرس شرعية النخب الطائفية في الحكم، وتجعل الطائفة العابرة للحدود أيديولوجية في خدمة الصراع على الدولة الوطنية.

يصف الفصل كيف تترجم هذه النظرة إلى توقعات عملية، مثل الشعور بأحقية أبناء طائفة معينة بالوظائف الحكومية والمعونات، مما يقوض معايير الكفاءة والإنجاز ويحرض الفاشلين على الناجحين بسبب هويتهم الدينية. الطائفية السياسية، وهي كما يؤكد الكاتب ظاهرة حديثة في الوطن العربي، تحول المواطنة من نظام حقوق وواجبات إلى نظام امتيازات وتراتبية. وتقوم على إنشاء حدود للهوية، وتخترع تقاليد وماضياً، وتعين حراساً للحدود يقمعون محاولات تجاوزها، سواء بالزواج المختلط أو باتخاذ مواقف سياسية عابرة للطوائف.

في ختام هذا التحليل الطويل، يمكن القول إن الفصل يقدم نقداً عميقاً للطائفية السياسية من خلال تفكيك آليات عملها: بدءاً من خلق "المزاج الأقلياتي" لدى الجميع، ومروراً بأسطرة المظلومية، وتحويل الأكثرية إلى طائفة، وانتهاءً بتقديم "التسامح" كفضيلة تكرس التراتبية لا المواطنة المتساوية. يخلق هذا المنطق حلقة مفرغة يصعب كسرها، خاصة وأن الكاتب لا يقدم حلاً مفصلاً أو برنامجاً عملياً واضحاً للخروج منها، مكتفياً بالإشارة إلى ضرورة تحرير الأغلبية والأقلية معاً من هذا التقسيم، وأن شرط الخلاص هو المواطنة الديمقراطية القائمة على المساواة والحياد.

14.في تطوّر مفهوم الديمقراطية التوافقية وملاءمتها لحل الصراعات الطائفية (نموذجا إيرلندا ولبنان)511–574▼ ملخص

هذا الفصل يتناول بالتحليل مفهوم الديمقراطية التوافقية (Consociational Democracy) كإطار نظري وعملي لحل الصراعات في المجتمعات المنقسمة طائفيًا أو إثنيًا، مع التركيز على نموذجي إيرلندا الشمالية ولبنان. يطرح المؤلف أن الديمقراطية التوافقية ليست نظرية مسبقة، بل ظهرت كممارسات سياسية فرضتها الضرورة التاريخية في دول مثل هولندا، بلجيكا، سويسرا، والنمسا، قبل أن يجري تنظيمها نظريًا منذ خمسينيات القرن العشرين على يد مفكرين مثل غيرهارد ليمبروخ، غابريل ألموند، وخاصةً أرينت ليبهارت الذي يُعتبر المنظر الأبرز لهذا المفهوم. يشير المؤلف إلى أن المصطلح نفسه يعود إلى الفيلسوف الألماني يوهان ألتوسيوس (1557-1638) الذي استخدم لفظ "Consociation"، كما تأثر ليبهارت بأفكار الماركسيين النمساويين أوتو باور وكارل رينر حول "الإدارة الذاتية الثقافية" للقوميات على أساس شخصي وليس إقليمي. لكن المؤلف يؤكد أن هذه الأفكار صُممت للقوميات وليس للطوائف الدينية، وهو تمييز جوهري عند تطبيقها على حالات مثل لبنان.

ينتقل الفصل إلى تتبع مسار ليبهارت النظري خطوة بخطوة، بدءًا من دراسته للحالة الهولندية عام 1968 في كتابه "سياسات الاستيعاب"، حيث استنتج أن الاستقرار الديمقراطي في مجتمع منقسم يعتمد على تعاون "النخب السياسية" وليس على تجانس الثقافة السياسية كما زعم ألموند. يوضح المؤلف كيف ميّز ليبهارت بين الديمقراطيات المتجانسة والمستقرة (مثل بريطانيا والولايات المتحدة) والديمقراطيات الطاردة عن المركز (غير المتجانسة)، وأضاف متغيرًا جديدًا هو درجة تعاون النخب لتفسير سبب استقرار دول منقسمة مثل النمسا وسويسرا. توسع ليبهارت لاحقًا في تعريف الديمقراطية التوافقية ليشمل أربعة عناصر أساسية: حكومة ائتلافية واسعة تضم ممثلي الجماعات كلها، الفيتو المتبادل للأقليات، التمثيل النسبي في المناصب، والحكم الذاتي القطاعي. ويشدّد المؤلف على أن ليبهارت استخدم لاحقًا مصطلح "تقاسم السلطة" الأسهل تواصليًا بدلاً من "التوافقية". لكن النقد الجوهري الذي يوجهه المؤلف هو أن هذه العناصر لا تشكل نظرية بالمعنى الدقيق، بل هي مجرد تعميمات من تجارب عينية، تفتقر إلى القدرة على التنبؤ، وتظل الشروط التي حددها ليبهارت لتطبيقها (مثل غياب أغلبية راسخة، قلة عدد الجماعات، تهديدات خارجية، وجود انتماء جامع) مجرد شروط مساعدة لا ضرورية ولا كافية.

في تطبيقه على إيرلندا الشمالية، يرى المؤلف أن اتفاق "الجمعة العظيمة" عام 1998 يمثل نموذجًا للديمقراطية التوافقية، حيث توافقت النخب السياسية في إطار ديمقراطي يضمن تمثيل الجماعات (القوميين الكاثوليك والاتحاديين البروتستانت) ويحول دون حسم الصراع عسكريًا. يُفصّل الفصل عناصر الاتفاق الأربعة وفق تصنيف ليبهارت: تشكيل حكومة ائتلافية تتقاسم السلطة التنفيذية (مع انتخاب الوزير الأول ونائبه بأغلبية عابرة للطوائف)، والحكم الذاتي (مع اعتراف بحق تقرير المصير وتعزيز اللغة الإيرلندية)، والتمثيل النسبي في اللجان والوظائف، والفيتو المتبادل عبر آلية "الموافقة المتوازنة" بين الطرفين. ويشير المؤلف إلى أن الشروط المساعدة التي وضعها ليبهارت لنجاح التوافقية - مثل تقارب حجم الجماعتين وغياب تهديد خارجي واضح - قد توافرت جزئيًا في إيرلندا الشمالية، لكن النجاح الأخير يعود في المقام الأول إلى قناعة النخب باستحالة الحسم العسكري واستعدادها للتسوية، وإلى البيئة الديمقراطية المحيطة التي مثلتها كل من بريطانيا وجمهورية إيرلندا.

أما في لبنان، فيصف الفصل النظام السياسي منذ الاستقلال عام 1943 حتى الحرب الأهلية بأنه نظام توافقي مبني على "الميثاق الوطني" غير المكتوب، الذي قسم المناصب الرئاسية الثلاثة (رئيس الجمهورية ماروني، رئيس الوزراء سني، رئيس البرلمان شيعي) والوظائف العامة على أساس طائفي. يجادل المؤلف بأن هذا النظام لم يكن ديمقراطيًا توافقيًا بالمعنى الدقيق الذي طرحه ليبهارت، بل هو "توافق مغلق" يكرس امتيازات سياسية واقتصادية لسلالات حاكمة داخل كل طائفة، مع غلبة واضحة للبرجوازية المسيحية المارونية. ويعزو أسباب انهياره في السبعينيات إلى تغييرات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية، وإلى عجزه عن استيعاب قوى جديدة، وإلى طائفيته السياسية غير الملتزمة بسيادة الدولة. ويلاحظ المؤلف أن إعادة صياغة التوافق بعد اتفاق الطائف عام 1989 (الذي عدّل الدستور لصالح تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ومناصفة البرلمان بين المسلمين والمسيحيين) لم تحل الإشكاليات الجوهرية، بل عمّقت الطائفية، وأخضعت التوافق لميزان القوى الإقليمية والدولية.

يختم الفصل بمقارنة حاسمة بين النموذجين، مؤكدًا أن نجاح التجربة الإيرلندية الشمالية يعود إلى أن التوافق جرى في إطار ديمقراطي قائم على المواطنة وتحت رعاية دول ديمقراطية، بينما فشل النموذج اللبناني أو ظل هشًا لأنه وُلد خارج إطار ديمقراطي حقيقي، إذ كان نظامًا طائفيًا صرفًا مفروضًا بضمانات دولية منذ عهد "المتصرفية" في القرن التاسع عشر، واستمر في ترسيخ الانتماء الطائفي والأسري على حساب المواطنة ومؤسسات الدولة. ويخلص المؤلف إلى أن النموذج الأعم لحل الصراعات يبقى هو الدولة الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، مع إمكانية تضمين أشكال من الإدارات الذاتية المحلية أو الثقافية، وليس نموذجًا توافقيًا جامدًا ومغلقًا يكرس الانقسام ولا يقدم حلولاً ديمقراطية حقيقية.

15.نموذج العراق575–928▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل نموذج العراق في سياق دراسة الطائفية السياسية، معتبراً إياه الحالة الأكثر راهنية وأهمية في صعود الطائفيتين الشيعية والسنية، لا بوصفها ظاهرة جديدة كلياً، بل كظاهرة تفاقمت وتحولت إلى أداة مركزية في الصراع على الدولة. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الطائفية السياسية في العراق ظاهرة حديثة تعاظمت بشكل حاد بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، وأن إسقاط الصراع الطائفي على تاريخ العراق بكامله هو قراءة مغلوطة ومفروضة بأثر رجعي.

يتحرك الفصل خطوة خطوة عبر عدة محاور رئيسية. يبدأ بمناقشة الأطروحة الاستعمارية التي ترى أن الحكم السلطوي ضرورة في العراق، لعدم قدرة مكوناته الإثنية والطائفية على تشكيل أمة موحدة. يعتمد هذا الطرح على فكرة أن العراق توحيد مصطنع لثلاث ولايات عثمانية، لكن المؤلف يرفض هذا التعميم، مشيراً إلى أن الولايات العثمانية كانت وحدات إدارية لا أقاليم سياسية مستقلة، وأن ما ينطبق على العراق ينطبق على دول عربية أخرى كليبيا وبلاد الشام. يناقش الفصل رأي مجيد خدوري حول صعوبة الوحدة العربية أو العراقية بسبب الانقسامات الإثنية والدينية، لكنه يوازن ذلك بالإشارة إلى وجود قوى اجتماعية واقتصادية وسياسية متجاوزة للطوائف ونخبة عراقية عربية (سنة وشيعة وأكراد) رغبت في بناء دولة اسمها العراق. يستشهد المؤلف بثورة العشرين كبدايات اندماج متجاوز للحدود الطائفية، وينوه بأن التيار القومي العربي ضم شخصيات شيعية أساسية مثل مؤسسي نادي المثنى وقادة البعث الأوائل كـ فؤاد الركابي، ويرفض الفكرة التي تقول إن هؤلاء انضموا للقومية إنكاراً لهويتهم.

ينتقل الفصل إلى مناقشة كتابات تاريخية حديثة تعيد كتابة تاريخ العراق بمنظور طائفي، متخذاً من حسن العلوي نموذجاً. يرى العلوي أن الطائفية هي الظاهرة الوحيدة المستقرة في العراق، وأن مشكلة العراق تكمن في وجود دولة مركزية قوية منذ الملك فيصل حتى صدام حسين. يرفض المؤلف هذا الاستنتاج جملة وتفصيلاً، معتبراً العلوي مفكراً أيديولوجياً لا يستند لحقائق اجتماعية إمبيريقية. ثم يعرض تناقضاً واضحاً بين رأي العلوي وإريك دافيس؛ الأول يرى أن حكم الأقلية السنية يقود لسياسات غير عروبية موالية للإنكليز، بينما الثاني يرى أن هذا الحكم هو ما دفع لتبني الأيديولوجيا القومية العربية. يوضح المؤلف أن كلا الاستنتاجين مبنيان على فرضية واحدة خاطئة عن حكم أقلية سنية.

يحلل الفصل بعمق البنية الاجتماعية والسياسية للعراق، بدءاً بالتفاوت الطبقي والأثنوغرافي. يشير إلى أن هانا بطاطو يؤكد الفوارق الاجتماعية داخل الطوائف نفسها، مثل الهوة بين المدن والمناطق العشائرية. يصف الفصل تشكل الإقطاع العشائري في العهد الملكي والذي ترسخ بقانون العشائر الذي استثنى الريف من القانون الوطني حتى ثورة 1958، مما قسم العراق لمعيارين قانونيين. ينتقل بعدها لفحص توزيع النخبة والسلطة، مؤكداً أن سيطرة السنة على أجهزة الدولة لم تكن بسبب المذهب بذاته، بل لعامل تاريخي موضوعي يتمثل بتركّز التعليم العثماني في المدن، مما جعل خريجيها (وهم غالباً سنة) هم النخبة المتاحة التي اعتمد عليها تأسيس الدولة. يذكر وميض نظمي أنه في عام 1914 لم يكن بين 1338 طالباً في المدارس العسكرية العثمانية أي طالب شيعي. ورغم ذلك، يعترف الفصل بأن الملك فيصل حاول تجاوز هذه الهوة وأشرك شيعة في الحكم. يخالف المؤلف رأي العلوي بأن الحكمين الملكي والجمهوري لم يغيرا من واقع التجزئة الطائفية، مؤكداً أن الواقع العراقي شهد تغيرات بنيوية كبيرة بفعل التحضر وبناء الدولة.

يتناول الفصل أيضاً مسألة التمثيل السياسي كمؤشر للتمييز. يقدم إحصاءات حول عدد الحكومات ورؤسائها: من بين 59 حكومة في العهد الملكي، ترأس أربعة من الشيعة الحكومة، بينما شكل نوري السعيد 14 وزارة وأمضى نحو 14 عاماً في المنصب. في العهد الجمهوري (1958-1991)، شغل شيعي واحد رئاسة الوزراء (ناجي طالب) لمدة 9 أيام. يحذر المؤلف من القراءة المبسطة لهذه الأرقام، مؤكداً أن سمة النظام الملكي كانت عدم الاستقرار والصراع بين تحالفات عابرة للطوائف، وقانون الانتخاب اعتمد عدد الناخبين لا التوزيع الطائفي. وينبه إلى أن تعيين صدام حسين لشخصيات سنية فقط في منصب رئاسة الوزراء ليس مشكلة الشيعة بل مشكلة نظامه هو وعقليته. ويؤكد أن كلاً من صدام حسين وعبد الكريم قاسم كانا علمانيين ولا يمكن وصف حكمهما بالطائفي البسيط.

يصل الفصل إلى خلاصته الجوهرية: الطائفية السياسية كظاهرة جديدة تفاقمت بعد الاحتلال الأميركي، حين تعامل المسؤولون الأميركيون مع العراق ككومة من طوائف دينية سياسية. تحوّلت المعارضة العراقية في المهجر، بعد حصار التسعينيات وانتفاضة 1991، من التركيز على الاستبداد إلى التركيز على المظلومية الطائفية للحصول على دعم أميركي. يصف الفصل انتخاب 2005 بأنه نقطة تحول، حيث شاركت 12 تحالفاً شيعياً، مما أدى لتنافس محموم داخل الطائفة على تمثيلها. ينتقد المؤلف بشدة مقولة برنارد لويس التي شبهت هذه الانتخابات بحملة نابليون على مصر، معتبراً إياها تنكيلاً بالتاريخ. يظهر الفصل كيف أدخل الاحتلال لغة "المكوّنات" و"المحاصصة" الطائفية التي تنتج الطائفية السياسية وتترسخ بها.

يختم الفصل بالتمييز بين عنف طائفي تاريخي محدود (كالذي شهده العصر البويهي والسلجوقي) والعنف الطائفي المعاصر. يرى أن الصراع الصفوي-العثماني والغزوات الوهابية للعراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لم تنتج طائفية سياسية عراقية داخلية. ويقارن بين اصطفاف الشيعة والسنة معاً ضد الغزو الوهابي في بدايات القرن التاسع عشر وبين انقسامهم في مواجهة "داعش" (2014-2015)، ويعلل ذلك بوجود خلفية من الطائفية السياسية بعد 2003 تجعل الوحدة مستحيلة. يشدد على أن المؤسسة الدينية الشيعية في النجف وكربلاء كان لها تأثير طويل، لكنه تراجع في مراحل التحديث، قبل أن يعود للصعود في زمن الحصار بفعل أدوارها الخيرية، ثم تحول إلى صحوة شيعية في نهاية التسعينيات (محمد محمد صادق الصدر). في المقابل، ساهمت "الحملة الإيمانية" التي تبناها نظام صدام حسين المحاصر في تمهيد الطريق للإسلام السياسي السني الذي عرفه العراق بعد 2003.

في النهاية، يقرّ المؤلف بأن إيران لعبت دوراً حاسماً في تعزيز الطائفية السياسية، من ثورتها عام 1979 إلى سعيها للتأثير المباشر في الشيعة العرب. لكنه لا يغفل مسؤولية النخب المحلية التي تفضل أن تكون المرجعية طائفية لتصبح ممثلة عنها، ولا مسؤولية الأنظمة العربية التي سلطت الضوء على شيعية الثورة الإيرانية، مما حولها إلى دعاية مناهضة للشيعة عموماً في أوساط سلفية.

الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه هي قراءة حسن العلوي وإريك دافيس لتاريخ العراق، والتي يرى المؤلف أنها إسقاطات طائفية على الماضي لا تعكس تعقيد وتنوع البنية الاجتماعية والسياسية، ولا ترى خصوصية كل مرحلة تاريخية. كما أن الاستنتاج بأن الطائفية السياسية الحالية هي نتاج الاحتلال والعامل الخارجي بصورة أساسية، وليس حتمية تاريخية، هو جوهر الخلاف مع خطاب التأريخ الطائفي.