المورد
الظاهرة السلفية

الظاهرة السلفية

باحثين عرب١ كانون الثاني ٢٠١٤arمركز الجزيرة للدراسات، الدار العربية للعلوم ناشرون

الكتاب الذي بين أيدينا، وهو من تأليف باحثين عرب، يتخذ من "الظاهرة السلفية" موضوعاً محورياً له، ولا يقدمها كتيار فكري واحد جامد، بل كظاهرة متعددة الوجوه ومتشعبة التيارات، يصعب حصرها في تعريف واحد. الحجة الأساسية التي يدافع عنها الكتاب هي أن الحديث عن "سلفية" واحدة يقع في فخ التبسيط المخل، وأن الواقع يفرض علينا التحدث عن "سلفيات" متعددة، تختلف وتتنوع وتتصارع أحياناً، بتأثير من السياقات التاريخية والاجتماعية والجغرافية والسياسية المختلفة لكل بلد. الكتاب بمجمله هو جهد تركيبي، يحاول تفكيك هذه الظاهرة المعقدة برسم خرائط لتاريخها وفروعها ومواقفها المتغيرة، خاصة بعد التحولات الكبرى التي أحدثها ما يسمى بالربيع العربي.

يسير الكتاب وفق منطق تراكمي واضح، يبدأ بوضع الإطار النظري والتاريخي للتعددية السلفية، ثم ينتقل إلى دراسة حالة الدولة التي تُعتبر مهد الوهابية، وهي المملكة العربية السعودية، ليشرح كيف تحول التحالف التاريخي بين السيف والسلطة إلى ميدان صراع بين تيارات عدة. من هناك، ينتقل الكتاب إلى جولة واسعة في الأقطار العربية، مستعرضاً الحالة المصرية التي شهدت تحولاً دراماتيكياً من رفض السياسة إلى خوض غمارها، ثم اليمنية التي تميزت بصراعات القيادة والانقسامات، والعراقية التي ظلت هامشية حتى الاحتلال الأمريكي الذي فتح الباب أمام أشكال جديدة من السلفية الجهادية. يستمر المسح ليشمل سورية، حيث تحولت السلفية من الإصلاح إلى الثورة المسلحة، والأردن الذي حافظ على جمود نسبي، وفلسطين التي انقسمت بين الدعوي والجهادي في سياق المقاومة، ولبنان المتأخر والمتشابك مع الصراعات الإقليمية، وصولاً إلى السودان وتونس والمغرب وموريتانيا ومنطقة الساحل. هذا التنقل الجغرافي ليس عشوائياً، بل يهدف إلى إظهار كيف أن الظاهرة الواحدة تتخذ أشكالاً مختلفة كل الاختلاف تبعاً للظروف المحلية.

من بين الوقائع والأرقام اللافتة التي يوردها الكتاب، تلك المتعلقة بتحول السلفية المصرية؛ فبعد أن كان الشيخ ياسر برهامي يفتي قبل أيام من ثورة 25 يناير 2011 بحرمة المشاركة في التظاهرات، نجد أن حزب النور الذي أسسته الدعوة السلفية حصد 105 مقاعد في أول برلمان بعد الثورة، مما يمثل قطيعة واضحة بين ما يسميه الكاتب "شرعية الفتوى" و"شرعية الانتخاب". وفي السعودية، يذكر الكتاب أن تحالف محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب عام 1744 أسس لميدان سلطة قسّم الاختصاصات بين السياسي والديني، وهو تقسيم تعقد لاحقاً مع بروز تيار الصحوة الذي مزج بين الوهابية عقيدة والإخوان سياسة. ومن الأرقام المذهلة التي يوردها الكتاب، تلك المتعلقة بالسودان حيث يشكل أتباع الطرق الصوفية أكثر من 50% من السكان أي حوالي 16 مليون شخص، بينما لا تتجاوز نسبة السلفيين 10%، مما يظهر حجم التحدي الذي يواجهونه في بيئة صوفية بطبعها.

في العراق، يروي الكتاب تفاصيل دامغة عن غارات "الإخوان الوهابيين" على القرى العراقية منذ عام 1800، مما خلق عداءً تاريخياً للوهابية. وفي سورية، تتجلى ازدواجية النظام بشكل صارخ؛ إذ كان يقمع السلفيين محلياً، لكنه في مارس 2003 قام بتجييش الرأي العام للجهاد في العراق عبر شيوخ موالين له. أما في فلسطين، فإن حادثة إعلان الشيخ عبد اللطيف موسى "إمارة إسلامية" في رفح في أغسطس 2009 ومقتله مع 24 شخصاً، ثم اختطاف وإعدام الناشط الإيطالي فيتوريو أريغوني، تظهر عمق الصراع بين حماس كمقاومة والسلفية الجهادية كتيار متطرف. وفي المغرب، تشكل تفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو 2003 نقطة تحول محورية أدت إلى حملة أمنية شرسة واعتقال رموز سلفية بأحكام تراوحت بين 20 و30 عاماً.

الكتاب لا يخلو من إقرار بحدوده وتحفظاته. يعترف الفصل التمهيدي صراحة بأنه لا يقدم مسحاً شاملاً لكل الجماعات السلفية، ولا يغوص بعمق كافٍ في الأصول الفكرية أو التحليل الاجتماعي، مكتفياً بمقدمة تفتح الباب لدراسات مستقبلية. وفي فصول أخرى، هناك اعتراف بغموض بعض المعلومات، كالفصل الخاص بلبنان الذي يشير إلى أن معظم الروايات التاريخية عن السلفية اللبنانية هشة وقابلة للمراجعة. كما أن الكتاب يترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل السلفية في كثير من البلدان، مثل قدرة التيار الحركي في الأردن على التغلب على العقبات ليقود تحولاً سياسياً منظمًا، أو احتمال تراجع الفكر السلفي الطارئ في سورية بعد انتهاء الحرب، أو إمكانية تحول السلفية الجهادية في تونس من خطاب المواجهة إلى الانخراط في العملية السياسية.

أما بالنسبة للحجج القابلة للنقاش بناءً على المادة المقدمة، فإن التأكيد المتكرر على التعددية والانقسام داخل التيار السلفي إلى درجة يصعب معها الحديث عن كيان واحد، هو حجة مركزية في الكتاب ولكنها قابلة للنقاش. ففي الواقع، وعلى الرغم من الاختلافات، تظل هناك قواسم مشتركة كبرى تجمع هذه التيارات، مثل الاعتماد على منهج السلف والتمسك بالنص وتقديس شخصيات كابن تيمية وابن عبد الوهاب والألباني، مما يوحد الخطاب السلفي في مواجهة تيارات إسلامية أخرى كالصوفية أو العلمانية. كما أن بعض التحليلات قد تسرف في تمجيد التحول السلفي نحو السياسة، معتبرة إياه استجابة حتمية للثورات، دون إعطاء وزن كافٍ للبراغماتية السياسية أو للضغوط الأمنية والمالية التي مارستها الأنظمة. أيضاً، توصيف بعض التيارات كالسلفية العلمية في السعودية أو السلفية المحافظة في الأردن بأنها تقف "فعلياً في صف الحكومات" يثير تساؤلات حول حيادية المنهج العلمي مقابل خدمة السلطة، وهو حكم يمكن مناقشته في ضوء تعقيد العلاقة بين الديني والسياسي في هذه البلدان. في النهاية، يظل هذا الكتاب مرجعاً مهماً لفهم تعقيدات الظاهرة السلفية، لكنه يقدم نفسه كبداية للسؤال لا كنهاية له.

الفصول(15)

2.السلفية: إشكالية المصطلح، التاريخ، والتجليات المتعددة11–32▼ ملخص

يطرح هذا الفصل إشكالية أساسية: ما المقصود بـ "السلفية"؟ وهل هي تيار فكري واحد أم ظاهرة متعددة ومتنوعة يصعب حصرها في تعريف واحد جامد؟ يجيب الفصل بأن السلفية ليست كتلة واحدة مصمتة، بل هي مصطلح يحمل تاريخاً طويلاً من التطور، وتجليات مختلفة ومتعددة عبر الزمن، مما يدفع الباحثين للحديث عن "سلفيات" بدلاً من "سلفية" واحدة.

يسير الفصل خطوة بخطوة لفك هذه الإشكالية. يبدأ بملاحظة أن الاهتمام بالسلفية تصاعد بشكل كبير في بداية القرن الحادي والعشرين، خصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن، ثم خلال حربي أفغانستان والعراق، وأخيراً مع صعود التيارات السلفية سياسياً بعد ثورات العام 2011، كما حدث في مصر حين حصد ائتلاف سلفي أكثر من عشرين بالمائة من مقاعد البرلمان. لكن هذا الاهتمام، بحسب الفصل، كان متسرعاً ومشوشاً، وافتقر إلى دراسات معمقة تحدد المقصود من السلفية وتميز بين تياراتها المختلفة.

يتعمق الفصل في الإشكالية التاريخية والمصطلحية. يوضح أن الاستخدام الفضفاض للمصطلح من قبل باحثين ليبراليين أو علمانيين، والذين يصفون به كل تيارات الإسلام السياسي، هو استخدام غير دقيق. فالمصطلح له أصل إسلامي خاص، ويعود جذوره إلى جدل كلامي وعقدي في القرنين الثاني والثالث الهجريين. في البداية، ارتبط المصطلح بـأهل الحديث، وأبرزهم أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م)، الذين كانوا يمثلون منهجاً يعلي من قيمة النص (القرآن والحديث) على الرأي والفقه التأويلي، ورفضوا تأويل صفات الله كما فعلت المعتزلة.

يقدم الفصل شخصية ابن تيمية (ت 728هـ/1328م) كعلامة فارقة في تطور المدرسة السلفية. في عصره، الذي تلا الغزو المغولي وما صاحبه من اضطراب، خاض ابن تيمية معارك فكرية واسعة ضد ما اعتبره انحرافات في الدين، شملت التصوف الفلسفي، ونزعة التأويل الأشعرية، وادعاء المغول الشرعية. كان ابن تيمية أكثر اتساعاً وتعقيداً من منهج أهل الحديث البسيط؛ فقد استخدم أدوات المتكلمين لكنه رفض مبادئهم، وأسهم في تحديد ملامح المدرسة السلفية بجملة من المبادئ: رفض التأويل في صفات الله، توكيد مسؤولية الإنسان عن أفعاله، أولوية النص المؤسس كمصدر للشريعة، الدعوة إلى الاجتهاد، ومعارضة التصوف الفلسفي والشعبوي والغلو الطائفي. معه، بدأ مصطلح "السلفية" يتحول من مجرد وصف لغوي إلى دلالة على انحياز إيديولوجي مستقل.

ينتقل الفصل إلى التجليات الحديثة للتيار السلفي. يشرح كيف شهدت بيئة الحرمين في القرنين السابع عشر والثامن عشر حركة فكرية إصلاحية، كان من أبرز قادتها إبراهيم الكوراني، أعادت الاعتبار لأفكار ابن تيمية وابن القيم. تأثر بهذه الحركة كبار الإصلاحيين، لا سيما في المدينة المنورة، وكان من أبرزهم رجلان ولدا في العام نفسه (1703م/1115هـ) واتجهاً في اتجاهين مختلفين: محمد بن عبد الوهاب والشاه ولي الله دهلوي.

يشرح الفصل كيف افترق التيار الإصلاحي إلى اتجاهين رئيسيين منذ القرن الثامن عشر. الاتجاه الأول عاد بمنهجية السلفية إلى طريقة أهل الحديث، وأظهر حساسية للتطورات اللاحقة في العلوم والمذاهب الإسلامية، كما في الحركة الوهابية، وجماعة "أهل الحديث" في شبه القارة الهندية، و"جمعية أنصار السنة" في مصر. لكنه يحذر من تعميم الوهابية ككتلة واحدة، مشيراً إلى وجود اتجاهات أكثر محافظة وأخرى أكثر انفتاحاً على الميراث الفقهي ضمنها. أما الاتجاه الثاني فانطلق من رؤى إصلاحية متعددة الأبعاد، كما في تراث ابن تيمية والكوراني وشاه ولي الله دهلوي، ويمثله علماء مثل القاضي الشوكاني وأبي الثناء الألوسي، وشكل الرافد الأول للحركة الإصلاحية الإسلامية في القرن التاسع عشر، والتي تمثلت في شخصيات كبرى مثل محمد عبده ورشيد رضا. تميز هذا التيار بمحاولة التوفيق بين القيم الإسلامية والحداثة، واستخدام العقل، والدعوة إلى الاجتهاد.

أخيراً، يتناول الفصل "الرياح السلفية الجديدة" منذ سبعينات القرن العشرين. يظهر أن دور المملكة العربية السعودية كان محورياً في إذكاء هذا التيار، عبر استضافة طلاب عرب، وتمويل مؤسسات إسلامية، ودعمها للمجاهدين في أفغانستان. لكن هذا التدفق أدى إلى تنوع كبير في الساحة السلفية، فظهرت جماعات سلفية جديدة تتبنى السلفية كمحدد هوية وحيد. يعطي الفصل أمثلة من مصر، حيث ظهرت جماعات مسلحة مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد التي لجأت إلى العنف، إلى جانب جماعات دعوية بحتة مثل الدعوة السلفية في الإسكندرية، وأخرى سياسية خاضت العملية الديمقراطية بعد ثورة 2011. يؤكد الفصل مجدداً على هذه التعددية التي تجعل من الصعب الحديث عن سلفية واحدة.

يعترف الفصل في البداية بحدوده بشكل صريح، مشيراً إلى أنه لا يقدم مسحاً شاملاً لكل الجماعات السلفية في الدول العربية، ولا يغوص بعمق في الأصول الفكرية أو يقدم قراءة اجتماعية كافية للظاهرة. هو يقدم نفسه كمقدمة لدراسة الظاهرة السلفية، تاركاً التحليلات الأعمق لدراسات مستقبلية.

في النهاية، يمكن القول إن الحجة المركزية للفصل، والتي قد تكون قابلة للنقاش، هي التأكيد على التعددية والانقسام داخل التيار السلفي إلى حد يصعب معه الحديث عن "سلفية واحدة" ذات منهج فكري موحد. هذه الدعوة إلى تمييز ما بين السلفية الإصلاحية والوهابية والجهادية، على سبيل المثال، تفتح باباً مهماً لفهم أكثر دقة للظاهرة، لكنها قد تواجه بصعوبة في التطبيق العملي، حيث تتداخل هذه التيارات وتتشابك في الواقع، مما يجعل وضع حدود فاصلة بينها تحدياً كبيراً.

3.السلفية السعودية في ميدان السلطة33–48▼ ملخص

يسعى هذا الفصل إلى تفكيك الخارطة السلفية في السعودية، مركزاً على التيارات المعارضة التي تُعرف بـ"الصحوة الإسلامية"، وليس على مجمل الساحة السلفية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن التحالف التاريخي بين السيف والدين، ممثلاً في شخصَيْ محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، أسس لميدان سلطة قسّم الاختصاصات بين مجال سياسي وآخر ديني، لكن هذا التقسيم لم يدم مستقراً، بل تعقّد بسبب متغيرات داخلية وخارجية، مما أدى إلى ظهور تيارات سلفية متعددة ومتصارعة، لكل منها فهمها الخاص لمفاهيم رئيسية كالطاعة والولاء والإصلاح.

يبدأ الفصل بتأسيس الإطار النظري، مشيراً إلى أن تحالف محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب في عام 1744 (الدولة السعودية الأولى) أسس لميدان سلطة على غرار مفهوم بيير بورديو، حيث قُسّم العمل إلى مجالين: سياسي بقيادة ابن سعود، وديني تحت إشراف ابن عبد الوهاب. كان هذا التحالف، حسب الباحث إبراهيم الخليفة، أول تحالف في العصر الحديث يصنع دولة للمسلمين على أسس جديدة. ويوضح الفصل أن فكر ابن عبد الوهاب ركز على منهج السلف بالرجوع إلى القرآن والسنة، وكان مفتوحاً للاجتهاد، لكن الباحثين مثل نتانا دلونغ-باس وتيم نيبلوك يؤكدون مرونة هذا الإرث. ومع ذلك، يُظهر الفصل تناقضاً لدى ابن عبد الوهاب بين دعوته للاجتهاد وتقليده العملي للمذهب الحنبلي، وهو ما يُعزى ربما للسياق السياسي للتوسع والسيطرة على أراضٍ جديدة.

يستعرض الفصل تطور الحركة الوهابية، ومن أبرز محطاتها بروز تيارين عقب الغزو المصري للدولة السعودية الأولى عام 1818: تيار إقصائي يُكفّر الغزاة وتيار احتوائي يُفسّقهم فقط. ومع قيام الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود، طرأت متغيرات جديدة، أبرزها موجة التحديث والتنمية التي ركزت على المكان وأهملت الإنسان، مما خلق "تنمية مشوهة" حسب المفكر عبد الله الغذامي. في هذا السياق الإقليمي المضطرب بتراجع القومية العربية وهزائمها، برزت الحركات الإسلامية لملء الفراغ. استغلت المؤسسة الدينية حاجة الدولة للشرعية بعد صراعات العائلة الحاكمة، فعززت سلطتها وسيطرت على قطاعات التعليم، كما أدى احتكاك الفكر الوهابي بأفكار جماعات الإخوان المسلمين الوافدة إلى تطور مفاهيم رئيسية.

ينتقل الفصل بعدها لتحليل ثلاثة مفاهيم جوهرية في الفكر السلفي الوهابي وأثر التحولات عليها. مفهوم طاعة ولي الأمر كان مركزياً لشرعية الحكم، ولا يجوز الخروج على الحاكم إلا بكفره البين. لكن احتكاك شباب الوهابية بأفكار الإخوان المسلمين أنتج مفهوماً بديلاً هو أهل الحل والعقد، والذي يمنح الأمة حق الوصاية على نفسها، ويمكن من إدراج شروط لشرعية الحاكم تصل إلى جواز الخروج عليه عند انتهاكها. أما مفهوم الولاء والبراء، الذي تناوله محمد بن سعيد القحطاني، فيحرّم موالاة الكفار ويضع النظام السعودي في مأزق دائم بين هويته الإسلامية وتحالفه مع الغرب. يوضح الفصل أن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية تعبر عن نفسها عبر هذين المأزقين: مصالحة الأصالة والمعاصرة، والتوفيق بين بلد الحرمين وحليف رئيس للغرب، وهذا ما تجلى في ثورة الإخوان ضد الملك عبد العزيز في أواخر العشرينيات واحتلال جهيمان العتيبي للحرم المكي.

يتعمق الفصل في التيارات السلفية وعلاقتها بالسلطة، مركزاً على التيار الصحوي كمعارض رئيسي لكل من السلفية التقليدية والنظام السياسي. طغى المناخ الإسلامي الحركي الإقليمي، وكانت فترة الجهاد الأفغاني مفصلية، حيث عاد المجاهدون بمهارات قتالية وشعور بالفخر، ليجدوا أنفسهم في "بطالة جهادية". ومع غزو العراق للكويت واستنجاد السعودية بالغرب، وجد الصحويون مبررهم للتحرك ضد "الغزاة الأميركيين" وربطهم بين تغريب داخلي وخارجي. كانت معركتهم فكرية بالأساس، تتمثل في هدم الجدار بين السياسة والدين، وتفكيك مفهوم "أهل الحل والعقد" عبر التشكيك في علمية ومصداقية علماء السلفية التقليدية (الذين يهتمون بـ"هدم القبور")، معلنين انفتاحهم على المجال السياسي (بهدف "هدم القصور"). نجح الصحويون في تعويم الحدود بين المجالين، مما اضطر الحكومة لاستخدام خيارات متعددة: القمع، دعم تيارات مضادة (مثل الجامية والليبرالية)، وإجراء إصلاحات محدودة كإنشاء مجلس الشورى والنظام الأساسي للحكم.

يتناول الفصل تحولاً مهماً بإعلان ولي العهد الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز أن الدولة السعودية هي "دولة سلفية"، وهو ما ترى فيه الباحثة مضاوي الرشيد نقلة رمزية من "دولة التوحيد". وقد طرح الربيع العربي إشكالية عميقة، إذ جاءت الديمقراطية بالإسلام إلى السلطة في مصر وتونس، مما هدد خطاب النظام الذي كان يربط الديمقراطية بالعلمانية، فكان رده التمييز بين "أنصار السلفية" المتمسكين بالكتاب والسنة ومن يتخذ الإسلام سبيلاً للوصول للسلطة. يميز الفصل بين عدة تيارات: الصحويون، وهم مزيج من الوهابية (عقيدة) والإخوان المسلمين (سياسة)، ويتأثرون بمفكرين مثل محمد قطب وعبد الرحمن الدوسري ومحمد أحمد الراشد، وينقسمون إلى إخوانيين (أربع جماعات) وسروريين نسبة لـمحمد بن سرور زين العابدين؛ والسلفية التقليدية بقيادة شخصيات كـابن باز وابن عثيمين، التي تركز على العقيدة وتقديس طاعة ولي الأمر باعتبارها شرطاً وحيداً للشرعية، وتخلو من مفهوم واضح للمواطنة.

يقرّ الفصل بحدود وتحفظات، أبرزها صعوبة تحديد الأسباب التي جعلت ابن عبد الوهاب يميل للتقليد الحنبلي رغم دعوته للاجتهاد، تاركاً الباب مفتوحاً للتفسير. كما يشير إلى أن مفهوم "أهل الحل والعقد" نظرياً هو من صلاحية رجال الدين، لكنه عملياً يخضع لشروط اجتماعية معقدة، مما يترك إمكانية تحوّره. وأخيراً، يلاحظ الفصل أن جميع التيارات (سلفية تقليدية، صحوية، لبرالية) تتفق على ضرورة الإصلاح لكنها تختلف جوهرياً على ماهيته ومرجعيته وخطة العمل. حجة الفصل القابلة للنقاش بوضوح هي أن إعلان الدولة "سلفية" هو تحول استراتيجي لمواجهة تحديات الربيع العربي، وأن مفهوم "المواطنة" الذي تطرحه الجامية هو نقطة خلافية مع السلفية التقليدية التي تخلط بين الوطن والأمة.

4.السلفيون في مصر: من شرعية الفتوى إلى شرعية الانتخاب49–74▼ ملخص

يسعى هذا الفصل إلى تتبع التحول الجذري في موقف التيار السلفي في مصر من رفض العمل السياسي والانتخابي والتحزب، إلى الانخراط الكامل فيه بعد ثورة 25 يناير 2011. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا التحول لم يكن مجرد انتهازية، بل جاء نتيجة صدمة الحدث الثوري الذي أربك المواقف التقليدية، وأظهر عمق التنوع داخل “الظاهرة السلفية” نفسها، وكشف عن تيارات شبابية وأخرى حركية كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتتجاوز فتاوى العزلة السياسية التي سادت لعقود.

يبدأ الفصل برسم خريطة للجماعات السلفية في مصر قبل الثورة، مميزاً بين أربعة تيارات رئيسية. أولها الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية التي تأسست عام 1912 على يد الشيخ محمود خطاب السبكي، والتي ركزت على الدعوة والعمل الاجتماعي والخيري، واتخذت موقفاً واضحاً بعدم التعرض للشؤون السياسية، مع الحفاظ على منهج أشعري متصالح مع التصوف. ثانيها جمعية أنصار السنة المحمدية التي أسسها الشيخ محمد حامد الفقي عام 1926، والتي تميزت بمنهج أكثر تشدداً في العقيدة ومحاربة البدع، وارتبطت بعلاقات وثيقة مع علماء السعودية. ورغم موقفها الرافض للحكم بغير ما أنزل الله، إلا أنها رفضت المشاركة السياسية والتحزب، واكتفت بانتقاد التيارات الأخرى، خاصة الإخوان المسلمين، مع تجنب النقد المباشر للنظام الحاكم.

أما ثالث هذه التيارات فهو الدعوة السلفية التي بدأت كمجموعة طلابية في كلية الطب بجامعة الإسكندرية في أوائل السبعينات، بقيادة محمد إسماعيل المقدم، وتبلورت ككيان منظم في الثمانينات. وقد رفضت الدعوة السلفية الديمقراطية واعتبرتها شركاً، وبررت ابتعادها عن السياسة بـ”موازين القوى المنحرفة” التي تجبر المشارك على التنازل عن العقائد. ورابع التيارات هي “السلفية الحركية”، و”السلفية الجامية المدخلية” الموالية للسلطة، إضافة إلى مشايخ الوعظ والدعوة المستقلين الذين يمثلون العصب الحقيقي للجمهور السلفي، والمتأثرين أساساً بالشيخ ناصر الدين الألباني وعلماء السعودية.

يخصص الفصل قسماً مفصلاً لوصف ارتباك المواقف السلفية خلال ثورة 25 يناير. ففي البداية، أصدر الشيخ ياسر برهامي، المنظر الأول للدعوة السلفية، فتوى قبل أيام من الثورة ترفض المشاركة في التظاهرات، معتبراً إياها فتنة، ومؤكداً إجماع العلماء على ذلك. ومع تتابع الأحداث، أصدرت الدعوة بيانات متدرجة، بدأت باستنكار التخريب، ثم الدعوة لحماية الطرقات، وأخيراً الحديث عن إصلاحات وفترة انتقالية، لكنها تجنبت بوضوح تأييد الثورة أو المطالبة برحيل النظام. في المقابل، يبرز الفصل الموقف الاستثنائي لحركة “حفص” (الحركة السلفية من أجل الإصلاح) بقيادة الشيخ إيهاب الصمدي، التي دعت مبكراً إلى المشاركة في المظاهرات، واعتبرتها لاحقاً “ضرورة شرعية وواجباً وقتياً”.

بعد الثورة، يوثق الفصل الاندفاع السريع للسلفيين نحو العمل السياسي، والذي تجسد في ظهور ثلاثة أنواع من الكيانات. أولها: الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، وهي إطار جامع ضم علماء من تيارات إسلامية مختلفة برئاسة مفتي الجمهورية الأسبق نصر فريد واصل، بهدف توحيد الموقف الإسلامي. وثانيها: مجلس شورى العلماء الذي ضم رموزاً سلفية كباراً مثل محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأسس لترشيح الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل للرئاسة. أما الثالث فهو الجبهة السلفية، وهي كيان شبابي مستقل عن نفوذ المشايخ التقليديين، نابع من رحم الثورة نفسها، ومركز ثقلها في المنصورة.

يختم الفصل بعرض سريع لأهم الأحزاب السلفية التي نشأت بعد الثورة. يتصدرها حزب النور الذي أسسته الدعوة السلفية في يونيو 2011، وحصد 105 مقاعد في أول برلمان بعد الثورة، ليكون أكبر حزب سلفي. ثم حزب الإصلاح والنهضة، وحزب الأصالة الذي انشق عن مشروع “حزب الفضيلة”، وحزب البناء والتنمية الذي أسسته الجماعة الإسلامية، وحزب الفضيلة، وحزب الإصلاح (تحت التأسيس). ويشير الفصل إلى أن هذه الأحزاب، رغم تباينها، مثلت قطيعة مع الماضي القائم على “شرعية الفتوى” التي تحظر السياسة، إلى “شرعية الانتخاب” التي تبررها، لكنه يوضح أن هذه الأحزاب حملت معها تناقضاتها الداخلية وتحالفاتها المتغيرة.

يعترف الفصل ضمنياً بحدود تحليله، إذ يقر بوجود قطاع سلفي واسع غير منظم يصعب حصره، ويكتفي بالإشارة إلى ديناميكيته. كما أنه يترك سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل التحالف بين السلفية التقليدية والنظام السياسي في مصر، معتبراً التوقعات صعبة. حجة الفصل الأكثر قابلية للنقاش هي تصويره للتحول السلفي باعتباره استجابة حتمية لـ”صدمة الثورة”، مما قد يقلل من أهمية التيارات الداخلية التي كانت تسعى للتغيير منذ ما قبل 2011، أو من دور العوامل السياسية والبراغماتية في دفع هذا التحول.

5.السلفية اليمنية: الأصول والفروع75–88▼ ملخص

بدأت الحركة السلفية في اليمن في مطلع الثمانينيات كحركة تقليدية بزعامة الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي، وركزت على العمل الدعوي والخيري واهتمت بقضايا العقيدة والصراعات الفكرية بين الفرق الإسلامية القديمة. قبل الثورة اليمنية، لم تنشئ أي من الفرق السلفية تنظيماً سياسياً، بل كانت تعتبر المعارضة السياسية وآلياتها الديمقراطية ومظاهرها الاحتجاجية خروجاً عن الحاكم الشرعي، ولذلك دعمت أغلب الجماعات السلفية التقليدية النظام السابق. تميزت التيارات السلفية في اليمن بكثرة صراعات القيادة والانقسامات المتتالية، وكانت في الغالب تابعة لتيارات سلفية خارج اليمن. لكن اندلاع الثورة العربية أحدث انقلاباً في مواقف كثير من الجماعات السلفية، فحوّلت بعضها نفسها إلى أحزاب سياسية بينما ما زالت جماعات أخرى تخوض صراعات فكرية لتجاوز الفتاوى السابقة التي كانت تحرّم العمل الحزبي.

يتناول الفصل بالتفصيل تطور الحركة السلفية في اليمن، بدءاً من السلفية التقليدية التي تمثل النواة الأولى للدعوة. بعد وفاة الشيخ الوادعي في 2001 حدث انقسام في جماعته إلى قسمين: الأول بزعامة أبو عبد الرحمن يحيى الحجوري الذي ادعى وجود وصية من الشيخ بخلافته، والثاني بزعامة أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني المأربي. استمد كلا المتنازعين شرعيتهما من خارج اليمن، وتحديداً من الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في السعودية. تبادل الطرفان الاتهامات؛ فاتهم الحجوري المأربي بالخروج عن منهج أهل السنة ومحاولة جمع الطوائف في إطار واحد، بينما اتهم المأربي الحجوري واتباعه بالتقليد الأعمى للشيخ ربيع المدخلي. انتهى الخلاف بانقطاع العلاقة، حيث اتجه المأربي نحو تحالف مع جمعية الحكمة اليمانية الخيرية في أغسطس 2004.

أثرت ثورة فبراير 2011 على الفصيل المأربي (الذي أطلق على نفسه اسم "أهل الحديث")، حيث تذبذبت مواقف أتباعه، فمنهم من اتجه نحو جمعية الإحسان، ومنهم من انضم لاتحاد "الرشاد السلفي"، بينما شارك آخرون في الساحات الثورية أو وقفوا مع الخطاب الوعظي الرسمي. يبرز حضور هذا الفصيل في محافظة مأرب ومحافظة الجوف، كما شارك في المواجهات المسلحة مع الحوثيين في منطقة كتاف بمحافظة صعدة. في المقابل، اصطدم فصيل الحجوري بجميع الفصائل السلفية التقليدية الأخرى، ورغم تراجع حضوره قبل الثورة بسبب خلافاته، إلا أنه استعاد الصدارة بعد اندلاع المواجهة مع الحوثيين، مما وسع التعاطف معه.

يتوقع الفصل أن تيار السلفية التقليدية ينتقل من ضعف إلى ضعف بسبب التشرذم الداخلي واعتماده على دعم خارجي غير مضمون. كما أن النظام السياسي السابق الذي كان حليفاً قوياً لهذا التيار قد انهار، مما غير موازين القوى لصالح الخصم الحوثي. تواجه السلفية التقليدية الآن امتحاناً صعباً لأدبياتها التي تأمر بالسمع والطاعة للحاكم، في وقت لا يوجد فيه حاكم واضح.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى السلفية الجديدة، وأبرز فصائلها جمعية الحكمة اليمانية الخيرية التي تأسست في 21 أغسطس 1990. أعلنت الجمعية أن مهمتها دعوية تربوية وليست سياسية، لكنها مارست السياسة بشكل غير مباشر. تتابع الجمعية اجتهادات جمعية إحياء التراث في الكويت ورمزها الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وهو ما أثار جدلاً في الأوساط السلفية. انقسمت قيادات الجمعية في موقفها من الثورة؛ فبعضهم كـ عقيل المقطري ومراد القدسي وقفوا مع الثورة، بينما وقف آخرون كالشيخ محمد المهدي مع النظام السابق، حيث انضموا إلى جمعية علماء اليمن التي أصدرت بياناً في 29 سبتمبر 2011 يبيح قمع المتظاهرين. كما وقع الشيخ المهدي على بيان هيئة علماء اليمن بقيادة الشيخ عبد المجيد الزنداني في 6 أكتوبر 2011، والذي كان مناصراً للثورة. أدى هذا التباين إلى تعرض الجمعية لانقسامات، وظهر فصيل جديد محدود في مدينة إب باسم حركة الحرية والبناء.

أما جمعية الإحسان الخيرية فقد تأسست في 1992 في حضرموت، وكان سبب انفصالها عن الحكمة هو اعتراضها على قبول الأخيرة لأطروحات الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حول المشاركة في العمل السياسي. تتابع جمعية الإحسان اجتهادات الشيخ محمد سرور زين العابدين، الذي كان له موقف سلبي من المشاركة السياسية. رغم ذلك، فإن الإحسان هي التي برزت عملياً في المشاركة السياسية عبر تأسيس اتحاد الرشاد السلفي الذي أعلن عنه في 14 مارس 2012. شارك في الاتحاد وجوه من الإحسان والحكمة، لكن سرعان ما حدثت انشقاقات بسبب خلافات في التمثيل، وانسحب ممثلون من الحكمة ومن شخصيات جنوبية، مما أدى إلى ظهور حركة النهضة السلفية في الجنوب في مارس 2012.

تركز حركة النهضة السلفية الجنوبية على القضية الجنوبية، معتبرة أن قضية الوحدة أو الانفصال هي مسألة مصالح ومفاسد، وتنتقد موقف اتحاد الرشاد منها. للحركة فروع في عدن ويافع والضالع، وتسعى لتوسيع قاعدتها في حضرموت. يرى الفصل أن جمعية الإحسان والرشاد سيواجهان تحديات كبيرة في المحافظات الجنوبية، وأن فشل مؤتمر الحوار الوطني في امتصاص غضب الشارع الجنوبي قد يؤدي إلى انفصال الجنوب، مما سيهدد كل الجهود التي بذلتها الجمعية على مدى عقدين.

في الختام، يخلص الفصل إلى أن أهم ما يميز القوى السلفية في اليمن هو المراوحة بين التبعية السياسية لأنظمة نافذة في المنطقة ومحاولة الفكاك منها، مما يؤثر على عملية التحول السياسي، حيث يسهم بعضها في إعاقة هذا التحول كحال السلفية التقليدية. يطرح الفصل نفسه إشكالية قابلة للنقاش حول التناقض بين المبادئ النظرية للسلفية التي ترفض العمل السياسي، والممارسة العملية التي أجبرتها التحولات على خوض غمار السياسة، مما يهدد بفقدانها تماسكها وهويتها.

6.السلفية في العراق: تقلبات الداخل وتجاذبات الخارج89–116▼ ملخص

يتمحور الفصل حول تاريخ السلفية في العراق وتطورها، ويسعى للإجابة عن سؤال رئيس: كيف تشكلت السلفية العراقية في ظل التحديات الداخلية والتأثيرات الخارجية، وما العوامل التي جعلت هذا التيار متأخراً وضعيف التنظيم مقارنة بمنطقتي الخليج ومصر؟ يقدم المؤلف، د. يحيى الكبيسي، إجابة تفيد بأن السلفية العراقية ظلت هامشية ومحدودة التأثير حتى عام 2003، وذلك بسبب عدة عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية.

يبدأ الفصل بمقدمات تاريخية ضرورية، موضحاً أن غالبية سنة العراق يتبعون المذهبين الشافعي والحنفي، باستثناء مدينة الزبير القريبة من البصرة حيث المذهب الحنبلي، وهو المذهب الذي أنتج الوهابية. ويذكر أن هناك عداءً تاريخياً للوهابية في العراق يعود لغارات "الإخوان الوهابيين" على القرى والمدن العراقية، ويستشهد بغارة عام 1800 على عانة وأخرى على كبيسة، وينقل أبياتاً للشاعر صكبان الكبيسي تصديهم لهذه الغارات. كما يشير إلى أن معاهدة العقير عام 1922 بين العراق ونجد والكويت وبريطانيا كان سببها المباشر هذه الغارات. بعدها ينتقل المؤلف إلى الحديث عن محاولات بعض الباحثين إثبات وجود "سلفية عراقية خالصة" تسبق دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فيتحدث عن شخصيات مثل عبد العزيز الشاوي والشيخ علي بن محمد سعيد السويدي، لكنه يرفض هذه التأويلات بشدة، معتمداً على مصادر معاصرة لهم تنفي تأثرهم بالوهابية، وينتهي إلى أن التأثر الحقيقي بالسلفية الوهابية يبدأ مع الشيخ محمود شكري الألوسي1924)، الذي دافع عن محمد بن عبد الوهاب في كتابه "غاية الأماني"، مبرئاً إياه من تهم التكفير والغلو، ومبيناً أن السلفيين العراقيين يختلفون مع الوهابيين في قضيتي التكفير والموقف من التصوف، حيث حافظوا على علاقات مع الشيعة والصوفية.

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن ضعف التنظير في السلفية العراقية، معتبراً أنها عانت مثل باقي الحركات والأحزاب العراقية من كثرة الحراك وندرة الإنتاج النظري. يعدد أسماء شيوخ سلفيين عراقيين مثل محمد أمين الواعظ ونعمان الأعظمي وصبحي السامرائي وغيرهم، مؤكداً أنهم ظلوا محصورين في إطار العمل العلمي والدعوي دون محاولة تشكيل تنظيم سياسي إلا في استثناءات قليلة. أول هذه المحاولات كانت في بداية ستينات القرن الماضي بتأسيس "جمعية الموحدين" السلفية، متأثرة بتجربة الإخوان المسلمين، وقد رفضت هذه الجمعية العنف فكرة وممارسة. المحاولة الثانية كانت في منتصف السبعينات على يد شباب، لكنها انتهت باعتقال أعضائها عام 1979 في الموصل وبغداد، ثم انقسم السجناء حول مسألة العنف بين مؤيد ومعارض.

يشرح المؤلف بعدها كيف أن العلاقة بين الحكومة العراقية والسلفيين كانت متقلبة. في الثمانينات، سمحت الحكومة بدخول الكتب السلفية من السعودية بدعم غير مباشر، بسبب الحرب العراقية الإيرانية والعلاقة الجيدة مع السعودية. لكن بعد غزو الكويت عام 1990، وصفت الحكومة السلفيين جميعاً بأنهم "وهابيون" وبدأت بتصنيفهم أمنياً، وإن ظلت الحملات الأمنية محدودة. في التسعينات، التي توصف بأنها "مرحلة التأسيس للسلفية في العراق"، استطاع السلفيون الانتشار والسيطرة على بعض الجوامع حتى عام 1995، قبل أن توقف حملة مناظرات علنية قام بها علماء دين من خصومهم هذا الانتشار، وكشفت عن ضعف الحجة العلمية عند السلفيين. ثم واجهوا حكم الإعدام لأول مرة في نوفمبر 1990 مع إعدام "مجموعة فائز الزيدي"، تلتها إعدامات أخرى لشيوخ سلفيين بعد 1991، مثل الشيخ محمود سعيدة والشيخ طلعة كاظم الجنابي.

فيما يخص السلفية الجهادية، يؤكد الفصل أنها لم تعرف في العراق قبل عام 2001، ولم يتأثر السلفيون العراقيون بتنظيرات الجهاد الأفغاني أو تنظيرات السلفيين الأردنيين، باستثناء حالات فردية محدودة. الناقل الأول للسلفية الجهادية كان تنظيم أنصار الإسلام الذي أسسه الملا فاتح كريكار في كردستان العراق في ديسمبر 2001، والذي استقطب سلفيين عرباً وعراقيين هاربين من الحرب في أفغانستان، من بينهم سعدون القاضي.

يصنف الفصل التيارات السلفية في العراق بعد 2003 إلى أربعة اتجاهات رئيسية:

  1. السلفية العلمية التقليدية: وهي معتدلة وقريبة من الإخوان المسلمين، وتمثلها جمعية الآداب الإسلامية التي يرأسها الشيخ صبحي البدري السامرائي.
  2. السلفية الحامية (المدخلية): وهي سلفية ولائية ترفض مواجهة الاحتلال وتؤيد المشاركة في العملية السياسية، وزعيمها الشيخ محمد العلمي (أبو منار).
  3. السلفية الجهادية المحلية: وهي الأقل تشدداً من الوافدة، وأهم تنظيماتها: الجيش الإسلامي، وجيش أنصار السنة (الذي انشق عنه جيش أنصار السنة - الهيئة الشرعية بقيادة سعدون القاضي)، وجيش المجاهدين. وقد شكلت هذه التنظيمات الثلاثة جبهة الجهاد والإصلاح في مايو 2007 لمواجهة تنظيم القاعدة.
  4. السلفية الجهادية الوافدة (التكفيرية): ويمثلها تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، الذي تحول لاحقاً إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ثم إلى دولة العراق الإسلامية في أكتوبر 2006. يعتمد هذا التيار على خطاب عنيف يسوغ قتل المدنيين تحت مبرر "التترس"، مستمداً شرعيته من فتاوى لابن تيمية وتنظيرات أبي قتادة وأبي محمد المقدسي.

يتناول الفصل مصادر التنظير السلفي في العراق، مشيراً إلى هيمنة التأثير السعودي بخطيه الرسمي (ربيع المدخلي) والحركي (محمد سرور زين العابدين وسلمان العودة)، بالإضافة إلى تأثير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. وبعد 2003، أصبحت كتابات الجماعة الإسلامية المصرية وتنظيرات الجهاديين العرب المصدر الرئيس للسلفية الجهادية.

في الختام، يناقش الفصل فشل السلفيين في تشكيل كيان سياسي موحد، ويذكر محاولاتهم القليلة بعد الاحتلال مثل تشكيل الهيئة العليا للدعوة والإرشاد والفتوى وتجمع الشورى لأهل السنة والجماعة، والتي لم تدم طويلاً. كما يشير إلى محاولة لاحقة لتأسيس الرابطة السلفية عبر اجتماعات في اسطنبول عامي 2012 و2013، وفي مايو 2013 أعلن عن تيار أمة التصحيح والإصلاح (تكامل) بقيادة الجيش الإسلامي، معترفاً بصعوبة توحيد الصف السلفي. ويختتم الفصل بوضع هذه الأزمة في سياق أوسع، وهو أزمة الهوية السياسية السنية في العراق بشكل عام، التي تتأرجح بين هوية وطنية انهارت عام 2003 وهويات أولية (دينية ومذهبية)، مقابل هوية سياسية شيعية وكردية راسخة ومنظمة.

7.السلفية والسلفيون في سورية: من الإصلاح إلى الثورة117–140▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل مسار التيار السلفي في سورية منذ نشأته في القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الثورة السورية عام 2011، ويركز على تحوّلاته الكبرى وعلاقته المتغيرة مع السلطة. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن السلفية السورية لم تكن كياناً ثابتاً، بل تطورت باستمرار على مراحل، وانتقلت من الإصلاح الفكري والسياسي، إلى العلمي والدعوي، فالجهادي، وأخيراً إلى ما يسميه الفصل "السلفية الثورية المسلحة" التي برزت خلال الثورة. يخلص الفصل إلى أن هذا التحول لم يكن نتيجة عوامل دينية فحسب، بل كان مدفوعاً إلى حد كبير بالسياسات القمعية للنظام السوري، والتهميش الاجتماعي والاقتصادي، والتحولات الإقليمية مثل حرب الخليج والغزو الأمريكي للعراق، والاستفزاز الطائفي الناتج عن التبشير الشيعي المدعوم من النظام.

يسير الفصل خطوة خطوة عبر تاريخ السلفية السورية. يبدأ بتأسيس السلفية الإصلاحية في أواخر القرن 19 في دمشق وحلب على يد رجال دين ومفكرين مثل عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902) وجمال الدين القاسمي (1866-1914) ومحمد رشيد رضا (1865-1935). يوضح الفصل أن هذه السلفية، على عكس نظيرتها المصرية، كانت سياسية الطابع إلى حد كبير، وتجلت في جمعيات أثرت في الحياة العامة. على سبيل المثال، أسس الشيخ عبد القادر الدقر "الجمعية الغراء" (1924) التي سعى السياسيون للفوز بتأييدها لكسب الأصوات الانتخابية؛ فاستعان بها شكري القوتلي للفوز في الانتخابات البرلمانية عام 1943. أما "جمعية التمدن الإسلامي" (1930) التي أسسها أحمد مظهر العظمة، فأصدرت مجلة "التمدن الإسلامي" عام 1946، والتي يعدها الفصل أهم سجل مرجعي للسلفية الإصلاحية الشامية. يُشير الفصل إلى أن هذه الجمعية أُغلقت بعد مجزرة حماة عام 1982، ومع حل الأحزاب وانقلاب حزب البعث عام 1963، بدأت السلفية الإصلاحية تتراجع وتتحول من العمل السياسي العلني إلى العمل الدعوي والجدل العقدي، وهو ما تجسد في المناظرة الشهيرة بين البوطي والألباني.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى بذور السلفية الجهادية التي تفلّتت في عهد "الأسد الأب". يعدد الفصل العوامل التي ساعدت على نموها: حرب الخليج الأولى والحصار على العراق، والانقلاب على الإسلاميين في الجزائر، والمجازر في البوسنة، وعودة "الأفغان العرب" بعد انتهاء الحرب في أفغانستان، وانكشاف حجم الإعدامات الجماعية التي تعرض لها الإسلاميون السوريون في السجون (أكثر من 17 ألف سجين). خلق هذا مناخاً هيّأ الأجيال الشابة لتبني أفكار جهادية، متأثرة برموز الجهاد الأفغاني مثل الشيخ عبد الله عزام والصحوة السلفية في السعودية. في هذه الأثناء، لعبت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ومقاومة حزب الله في جنوب لبنان من عام 1994 دوراً في شحن المشاعر. زاد من هذا التوجه انهيار الاتحاد السوفييتي، مما دفع النظام لمواجهة الصحوة الإسلامية عبر دعم رجال دين موالين له مثل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الذي أصدر عام 1993 كتاباً لتبرير القمع دينياً. ومع ذلك، يُشدد الفصل على أن الخوف من أحداث الثمانينات (مجزرة حماة) ظل عميقاً، مما منع تحول هذه المشاعر الجهادية إلى تنظيمات مسلحة داخل سورية، على عكس ما فعله النظام الذي سهل التوجه للجهاد في الخارج، مثل الشيشان وأفغانستان.

يواصل الفصل تحليل تطور السلفية الجهادية في العقد الأول من القرن 21، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول والغزو الأمريكي للعراق. يُظهر الفصل ازدواجية خطيرة في سياسة النظام: فبينما كان يقمع السلفيين محلياً، قام، مع شيوخ موالين له مثل أحمد كفتارو والبوطي، بتجييش الرأي العام للجهاد في العراق في مارس/آذار 2003. يستشهد الفصل بحالة منطقة فقيرة في شمال حلب حيث قام الشيخ الشاب محمود قول آغاسي بتدريب أتباعه علناً في مسجد تحت مرأى النظام ونشر أقراصاً مدبجة عن التدريبات، قبل أن يختفي ويعود بعد سنتين إماماً لمسجد في حي راقٍ، ويُغتال في 28 سبتمبر/أيلول 2007 من جماعة يرجح الفصل أنها كانت "غير موجودة إلا في إعلام النظام". يُشير الفصل أيضاً إلى أحداث أخرى مشبوهة، مثل الاشتباك المعلن في دمشق في 27 مارس/آذار 2004، وصولاً إلى تصريح وزير الداخلية غازي كنعان في يونيو/حزيران 2005 بعدم وجود نشاط للقاعدة في سورية، يتبعه بعد شهر واحد إعلان عن ضبط خلية "جند الشام للجهاد والتوحيد". يخلص الفصل إلى أن انتشار الفكر السلفي الجهادي كان محدوداً في جماعات صغيرة ومتفاوتة، وأن معظم المعتقلين بتهمة السلفية كانوا من ريف دمشق والمناطق الريفية، مما يعزز عامل الفقر والتهميش.

من العوامل الحاسمة التي ساهمت في استفزاز السلفية، حسب الفصل، هو التبشير الشيعي المدعوم من النظام منذ عام 2005. يرى الفصل أن هذه السياسة كانت جزءاً من تعزيز الحلف مع إيران وحزب الله بعد احتلال العراق عام 2003 واغتيال رفيق الحريري عام 2005. خلق هذا "الغزو الشيعي" إحساساً عميقاً بالتمييز لدى الأكثرية السنية، مما جعل السلفية، بطبيعتها المعادية للتشيع، مرتعاً خصباً للاحتجاج. يرى الفصل أن هذا هو أحد الأسباب التي جعلت السياسات الأمنية للنظام قاسية بشكل خاص مع السلفيين الجهاديين.

قبل الحديث عن السلفية المسلحة، يخصص الفصل جزءاً هاماً لتيار "السلفية اللاعنفية" الذي برز في الأقلية الشركسية بزعامة الشيخ جودت سعيد (مواليد 1931). تأثر سعيد بفكر محمد إقبال ومالك بن نبي، وأصدر كتابه "مذهب ابن آدم الأول" عام 1966 كرد على فكر سيد قطب وأول محاولة لصياغة مفهوم لاعنفي إسلامي. لم يشكل سعيد جماعة إلا في مطلع التسعينات، وازدهرت أفكاره بشكل خاص بعد سقوط بغداد عام 2003، حيث بدأ يظهر بسترة كتب عليها "الاتحاد الأوروبي" كرمز لفكرته عن الحل القائم على المصالح بدل الصراع. مثلت جماعته قمة ازدهارها مع انطلاق الثورة السلمية في مارس/آذار 2011، وكان جودت سعيد من الموقعين على "إعلان دمشق للتغيير السلمي الديمقراطي"، وظهرت كلماته وشعاراته في المظاهرات. لكن هذا التيار تراجع بعد أشهر مع اشتداد القمع وتحول الثورة إلى العسكرة.

يتناول الفصل بالتفصيل تشكيل "السلفية الثورية المسلحة" بعد عسكرة الثورة. يُشير إلى أنه رغم أن أولى كتائب الجيش الحر ظهرت في صيف 2011، إلا أن التحول العام للعمل المسلح حصل بعد أحداث بابا عمرو التي أقنعت السوريين بأن النظام سيقتلهم بالدبابات. شكلت معظم الكتائب في الريف، حيث الفقر يجعل البيئة أكثر استعداداً لقبول الفكر المتشدد. برزت "جبهة النصرة لأهل الشام" رسمياً في كانون الثاني/يناير 2012 بدعم من أبو بكر البغدادي في العراق، وتمثل "الجيل الثالث" للسلفية الجهادية، بتوجه مدني واضح وتحول من العمل السري إلى العسكري. يصف الفصل كيف حاول النظام استدراج الجبهة بالعمليات الإرهابية ضد المدنيين، وكيف أدى إعلان الولايات المتحدة تصنيفها كمنظمة إرهابية في 5 ديسمبر/كانون الأول 2012، ومحاولة البغدادي ضمها لـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام"، إلى حدوث انقسام داخلي فيها. إلى جانب النصرة، يعدد الفصل تيارات أخرى: "جهاديو الخلافة العالمية المؤجلة" (مثل "أحرار الشام") و"جهاديو السلفية التقليدية" (مثل "لواء الإسلام" بقيادة زهران علوش) و"السلفية الجهادية الديمقراطية" التي تجمع خطاباً دينياً مع حرص على بناء دولة مدنية حديثة، وأخيراً "السلفية البراغماتية" الطارئة المرتبطة بجهات التمويل. يُقر الفصل بأن الانتشار الواسع للفكر السلفي كان إلى حد كبير "أداة حرب" مرتبطة بظروف القتال، وهو انتشار طارئ قد يتراجع بعد الحرب.

يختتم الفصل بإشارة إلى بعض التحفظات والأسئلة المفتوحة. يُقر بأن الخارطة السلفية للكتائب ليست دائماً حقيقية، فبعض التسميات كانت براغماتية لجذب التمويل، وأن السلفية المنتشرة بين المقاتلين لم تكن بالضرورة متجذرة في أوساط المدنيين. يطرح سؤالاً حول مستقبل هذا الانتشار بعد انتهاء الحرب، مشيراً إلى أنه معرض للتغير بشكل كبير. يُشير أيضاً إلى أن معظم القادة الكبار للكتائب كانت لديهم خبرات سابقة في العراق أو أفغانستان أو لبنان، أو أنهم خريجو سجن صيدنايا، وأن النظام قد تقصد الإفراج عن بعضهم لتفجير الوضع، لكن هذا لم يحدث حتى وقت كتابة الفصل. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الفكر السلفي الطارئ على التحول إلى اعتقاد راسخ بعد أن تضع الحرب أوزارها، وحول إمكانية ظهور حركات سياسية سلفية ذات أدبية في المستقبل.

8.سلفيو الأردن وتغيرات الربيع العربي141–158▼ ملخص

يسعى الفصل الموسوم بـ "سلفيو الأردن وتغيرات الربيع العربي" إلى رسم خريطة شاملة لمواقف التيارات السلفية المختلفة في الأردن إزاء ثورات الربيع العربي، محللاً أسباب جمودها النسبي ورفضها المشاركة في الاحتجاجات السياسية التي شهدتها البلاد. الإجابة المحورية التي يقدمها الكاتب هي أن السلفيين في الأردن لم يكونوا لاعباً سياسياً فاعلاً قبل الربيع العربي ولا خلاله، وذلك بسبب تركيبتهم الأيديولوجية المنقسمة والمتناقضة بين ثلاث تيارات رئيسية، والتي تجمع جميعها على موقف سلبي من العمل السياسي الحزبي والمشاركة في المظاهرات، وإن اختلفت أسبابه.

يبدأ الفصل بتقديم خلفية تاريخية لنشأة السلفية في الأردن، مشيراً إلى أن نشاطها بدأ يتصاعد منذ بداية الثمانينات مع استقرار الشيخ ناصر الدين الألباني في البلاد بعد خروجه من سوريا. ورغم منعه من إلقاء الخطب في المساجد، انتشر تلاميذه وسُمح لهم بالعمل الدعوي، مما أدى إلى نشوء صدامات مع الصوفيين وجماعة الإخوان المسلمين. ثم يميز الكاتب بين ثلاثة تيارات سلفية رئيسية في الأردن، متبعاً منهجاً تصنيفياً واضحاً. أولها السلفية المحافظة (أتباع الألباني) التي تلتزم بشكل صارم بمبدأ "التصفية والتربية" وترفض العمل السياسي والأحزاب، معتبرة إياها أدوات مخالفة للإسلام. يُظهر أتباع هذا التيار، مثل علي الحلبي ومشهور حسن، طاعة مطلقة لولي الأمر وينأون بأنفسهم عن الاحتجاجات، بل ويصدرون الفتاوى التي تحرم المظاهرات والاعتصامات، ويصفون الثورات العربية بأنها "فتنة" ومخططات خارجية.

ثانياً، التيار الجهادي الذي يمثله شخصيات بارزة مثل أبو محمد المقدسي وأبو مصعب الزرقاوي. هذا التيار، الذي ظهر بقوة في التسعينيات، يرفض العمل السياسي الحزبي جذرياً لأنه لن يؤدي إلى التغيير المنشود، ويتمسك بمقاطعة العملية السياسية بأكملها. يوضح الفصل الانقسام الحاد داخل هذا التيار بعد مقتل الزرقاوي في عام 2006؛ حيث تبنت مجموعة المقدسي فكرة "سلمية الدعوة" داخل الأردن مع الإبقاء على تكفير الحكام، بينما أصرّت مجموعة الزرقاوي على العمل المسلح. وكان هذا التيار هو الوحيد الذي خرج في مظاهرات واعتصامات سلمية في بدايات الربيع العربي، لكنها انتهت بمواجهات دامية مع قوات الأمن في مدينة الزرقاء في أبريل/نيسان 2011، مما أدى إلى اعتقالات واسعة.

أما التيار الثالث فهو التيار الحركي، وهو غير موحد ومتفرق بين مجموعات وشيوخ، لكنه يمثل محاولة لتجاوز موقف التيارين الآخرين. أبرز مؤسساته هي جمعية الكتاب والسنة التي تأسست في عام 1993، والتي تحاول التوفيق بين الخطاب السلفي والعمل السياسي المعارض والسلمي. ومع ذلك، يصفه الكاتب بأنه ضعيف ومتأرجح، ولم يظهر نشاطه السياسي بوضوح إلا من خلال تفاعله مع ملف اللاجئين السوريين وليس عبر المشاركة في الاحتجاجات. يخلص الفصل إلى أن تحولات الربيع العربي في مصر، وتأسيس الأحزاب السلفية هناك مثل حزب النور، لم تؤدِ إلى تحول مماثل في الأردن. بل على العكس، أدت إلى سجالات داخلية حادة، حيث أكد التيار المحافظ على موقفه الرافض، بل وكتب مؤلفات كثيرة للرد على التجربة المصرية واعتبارها انحرافاً عن المنهج السلفي الصحيح.

يعترف الكاتب بعدة حدود وتناقضات داخل هذه التيارات. فبالنسبة للتيار الجهادي، هناك "مفاصلة" بين العمل السلمي المعلن والجوهر الأيديولوجي الراديكالي الذي لم يخضع لمراجعات عميقة. أما التيار الحركي الحزبي فيعاني من التشتت وضعف القيادة، بالإضافة إلى معارضة الدولة الشديدة لإنشاء أي حزب سلفي، مما يفسر عدم نضوج فكرة إنشاء حزب سياسي. كما يبرز الفصل تحفظاً منهجياً واضحاً لدى التيار المحافظ بزعامة علي الحلبي، الذي يقرّ بوجود استثناءات عملية، مثل تولي مسيحيين مناصب عليا في الدولة، لكنه يرفض ذلك نظرياً، مما يكشف عن ازدواجية في الموقف بين "الموقف الشرعي" و"الموقف الحكمي".

من النقاط القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، يبدو أن الفصل يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان "التكيف الأيديولوجي" الذي يقوم به التيار الجهادي هو مجرد تغيير في التكتيكات للاستفادة من مناخ الربيع العربي، أم أنه يشير إلى تحول فكري حقيقي. كما أن الوصف المتكرر للتيار المحافظ بأنه يقف "فعلياً في صف الحكومات وسياساتها" يثير تساؤلات حول حيادية المنهج السلفي العلمي في مقابل خدمة السلطة، خاصة في مواجهة الإسلاميين الآخرين. يبقى السؤال الأخير مفتوحاً في الفصل حول ما إذا كان التيار الحركي سيكون قادراً على التغلب على العقبات الرسمية والداخلية ليقود تحولاً سلفياً نحو العمل السياسي المنظم في المستقبل.

9.السلفية في فلسطين: الخلفيات، الواقع والآفاق159–172▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل مسار الحركة السلفية في فلسطين، بدءاً من نشأتها الدعوية في الثمانينات، مروراً بتفرّعها إلى تيارات مختلفة، وانتهاءً بتأثيرات الثورات العربية عليها وآفاقها المستقبلية. يركّز الفصل على تيارَين رئيسيَّين هما السلفية الدعوية والسلفية الجهادية، ويوضح كيف تطوّرت كل منهما في سياق سياسي واجتماعي معقّد، مع إشارة خاصّة إلى قطاع غزة كمسرح رئيسي لهذه التفاعلات.

يبدأ الفصل بتعريف السلفية الدعوية، ممثّلة بشخصيات مثل الشيخ نبيل نعيمي رئيس جمعية القرآن والسنة، والشيخ جهاد العايش رئيس مركز بيت المقدس للدراسات. يقدّم هؤلاء أنفسهم كتيار معتدل ووسطي، يرفض العنف والتكفير ويؤمن بالعمل الدعوي والخيري كأولوية. وموقفهم من السلطة السياسية واضح: يعتبرون الرئيس محمود عباس "ولي الأمر" الواجب طاعته، ويرفضون الانخراط في العمل الحزبي أو السياسي المباشر، معتبرين ذلك من اختصاص أولياء الأمر. ينتقدون حركة حماس لانقلابها على الشرعية (في إشارة إلى أحداث 2007 في غزة)، ويرفضون أسلوب "العمليات الاستشهادية" والاقتتال الداخلي، مع الحفاظ على دعوتهم لتقريب وجهات النظر بين الفصائل كما فعل الشيخ ياسين الأسطل بمبادرة منه بعد سيطرة حماس على غزة.

يستعرض الفصل المؤسسات الأربع الرئيسية التي تمثّل السلفية الدعوية: المجلس العلمي للدعوة السلفية في غزة برئاسة الشيخ ياسين الأسطل والذي يقدّم خدمات اجتماعية، وجمعية القرآن والسنة في الضفة الغربية برئاسة الشيخ نبيل نعيمي والتي تدير مدارس ومراكز طبية وتعمل بالدعوة، ودار الكتاب والسنة في خان يونس التي انطلقت من مكتبة علمية وتدير مشاريع استثمارية، وأخيراً جمعية ابن باز الخيرية برئاسة الشيخ عمر الهمص التي تنظم معسكرات صيفية وتقدّم مساعدات، مع الإشارة إلى أن بعض الجهات تعتبرها أقرب للتيار الجهادي رغم انتمائها الدعوي.

مع ظهور الثورات العربية، يلاحظ الفصل تحوّلاً مهماً في منهج السلفية الدعوية، حيث أعلن محمد أبو جامع عن تأسيس حزب النور السلفي الفلسطيني في أكتوبر 2012، متأثراً بتجربة السلفيين المصريين، وقائلاً إن الحزب "سلمي ومعتدل". لكن هذا التوجّه قوبل بمعارضة من جمعية ابن باز التي نفت في بيان أن يكون الحزب ممثلاً للسلفية في فلسطين، معتبرة ذلك تدليساً. يُظهر هذا الجدل وجود انقسامات داخل التيار الدعوي نفسه حول شرعية العمل السياسي ومدى تمثيلية الحزب الجديد.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تيار السلفية الجهادية، مقدّماً تعريفه كتيار يتبنّى العمل المسلح منهجاً للتغيير، ويرى الجهاد ضد العدو المحتل والنظام الحاكم بـ"القوانين الوضعية" فريضة. يبرز محمود طالب في 2011 رؤيتهم المتشدّدة: رفض الديمقراطية واعتبارها "كفراً أكبر"، وتكفير الحكام الذين لا يحكمون بالشريعة، والتركيز على إقامة "الإمارة الإسلامية". يوضح الفصل أن هذا التيار حديث الظهور في فلسطين، لا يكاد يوجد إلا في قطاع غزة، بسبب القبضة الأمنية للسلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، وأبرز تنظيماته: جيش الإسلام، جيش الأمة، جماعة التوحيد والجهاد (التي أعلنت إمارة رفح)، ومجلس شورى المجاهدين في بيت المقدس.

يحدد الفصل خمسة أسباب رئيسية ساعدت على ظهور السلفية الجهادية في غزة: أولاً، مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية وانخراطها في المنظومة السياسية، وهو ما اعتبره السلفيون خيانة للمنهج الشرعي. ثانياً، حالة الهدوء النسبي (التهدئة) التي سادت غزة بعد وصول حماس للسلطة في 2006، والتي فسّروها تخلياً عن المقاومة. ثالثاً، الحصار الإسرائيلي على غزة والحروب مثل حرب نوفمبر 2012، الذي خلق ظروفاً اقتصادية واجتماعية قاسية ساعدت على انتشار الأفكار المتطرفة. رابعاً، الانقسام الفلسطيني الداخلي الذي أدى إلى شعور بالإحباط والغبن لدى شريحة من الشباب. خامساً، صعود تنظيم القاعدة عالمياً وانتشار أفكاره، جاذباً بعض الشباب كنموذج لمواجهة الهيمنة الأميركية والإسرائيلية.

يعرض الفصل العلاقة المضطربة بين حماس (كسلطة حاكمة) والسلفية الجهادية، مروراً بثلاث محطات رئيسية: في البداية، تعاملت حماس مع الجماعات الجهادية بهدوء رغم حرقها لمحلات الكمبيوتر والمدرسة الأميركية، معتبرة إياها هامشية. لكن إعلان الشيخ عبد اللطيف موسى "إمارة إسلامية" في رفح في أغسطس 2009 دفع حماس للرد بقوة، مما أسفر عن مقتل أربعة وعشرين شخصاً بينهم موسى نفسه، واعتقالات واسعة في صفوف السلفيين. المرحلة الثانية تمثّلت باختطاف وإعدام الناشط الإيطالي فيتوريو أريغوني في أبريل 2010 على أيدي عناصر سلفية، مما زاد التوتر. المرحلة الثالثة شهدت تبديل السلفية الجهادية تكتيكها عبر الانخراط في إطلاق الصواريخ على إسرائيل، سواء لإحراج حماس أو لتحسين شعبيتها، واستفادوا من التغيرات في مصر بعد ثورة يناير 2011 لتعزيز علاقاتهم وشن عمليات عبر الحدود، مثل استهداف معبر كرم أبو سالم في أغسطس 2012 التي أدت لمقتل جنود مصريين، مما دفع حماس لاعتقالات مكثفة وإسرائيل لاغتيال قادة سلفيين مثل هشام السعيدي.

في الختام، يخلص الفصل إلى أن السلفية الدعوية، رغم تأثرها بالثورات العربية وظهور حزب النور، من المستبعد أن تغيّر منهجها الدعوي السلمي وعدم التدخل في السياسة، بينما تبقى السلفية الجهادية، رغم ضعفها العددي (شُبهت بـ"حمولة باص")، قادرة على التأثير من خلال عملياتها واستفادتها من التحولات الإقليمية. كما يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مدى قدرة التيار الدعوي على الحفاظ على وحدته في وجه الدعوات السياسية الجديدة، وحول إمكانية تطور السلفية الجهادية في ظل العلاقة المعقدة مع حماس والتغيرات في المنطقة. حجة رئيسية في الفصل قابلة للنقاش هي التناقض الظاهري بين موقف السلفية الدعوية من طاعة ولي الأمر ورفض العمل السياسي من جهة، ثم تأسيس حزب سياسي (النور) من جهة أخرى، والذي يعترف به المؤلف بوضوح.

10.السلفيون في لبنان: التاريخ بين الدعوة والسلاح173–190▼ ملخص

نشأة السلفية في لبنان متأخرة وملتبسة، فبينما يذكر بعض الباحثين أن بدايتها كانت عام 1946 على يد الشيخ سالم الشهال في طرابلس، يشير آخرون إلى أن تاريخ الانطلاقة الفعلية هو 1964، وأن ما حدث في 1946 هو تأسيس جماعة دينية شعبية وليست سلفية بالمعنى الدقيق. هذه الجماعة المبكرة، التي أطلقت على نفسها اسم "مسلمون"، كانت متشددة في المظهر (إطالة اللحى، وضع العمامة) والممارسة (استخدام ماء الفضة لإرهاب النساء السافرات، تكسير لوحات السينما)، لكنها انطفأت بسرعة بسبب صعود المد القومي العربي الناصري. ورغم هذه البدايات، يؤكد الفصل أن الفكرة السلفية كانت حاضرة في بلاد الشام منذ أواخر القرن العشرين عبر مجلة "المنار" لـمحمد رشيد رضا ومشايخ سوريين كبار، مما يجعل النشأة اللبنانية امتداداً لتراث إقليمي أوسع لا مجرد حدث محلي منعزل.

يسير الفصل خطوة خطوة لرسم خريطة التيارات السلفية في لبنان، مفرقاً بين ثلاثة اتجاهات رئيسية: السلفية الدعوية الخيرية، والسلفية الجهادية، والسلفية السياسية الناشئة. الحجة المركزية هي أن توزع هذه الاتجاهات وتباينها لا يعود فقط إلى اختلافات فكرية، بل هو انعكاس مباشر للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل منطقة، ولارتباطات السلفيين الخارجية (بالسعودية، الكويت، أو تنظيم القاعدة). فمدينة طرابلس، المهمشة اقتصادياً والرافضة تاريخياً لفصل لبنان عن سوريا، كانت مهداً للحركة السلفية المنظمة، حيث تزعمها جيلان: جيل الشيخ سالم الشهال الدعوي المحض، ثم جيل ابنه داعي الإسلام الشهال الذي جمع بين الدعوة والسياسة والعسكر خلال الحرب الأهلية، مؤسساً "الجيش الإسلامي" ونواة العمل المسلح.

في المقابل، برزت في البقاع الغربي (بلدة عنجر خصوصاً) السلفية الجهادية بعد عودة خريجين من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1986، لكنها انشقت في 2003 حين تزعم محمد ياسين (أبو حذيفة) الفكر الجهادي وارتبط بـتنظيم القاعدة، مستفيداً من تسهيلات النظام السوري لنقل المقاتلين إلى العراق عبر شخص سوري يدعى أبو معاذ. هذه النقطة بالغة الأهمية في منطق الفصل: فالانشقاق الجهادي لم يولد من فراغ، بل من خلاف حول تكفير مؤسسات الدولة، ومن بيئة إقليمية (العراق بعد 2003) وُظفت فيها هذه الجماعات كأداة في صراعات إقليمية، قبل أن تنقلب على من وظفها.

أما في صيدا، فظهرت سلفية دعوية بحتة عبر جمعيات مثل "الاستجابة" ومدرسة ابن مسعود، لكن هذا المشهد تعقّد لاحقاً بظهور تيار الشيخ أحمد الأسير إمام مسجد بلال بن رباح، الذي تلقى دعماً من شخصيات قطرية غير معلنة. وفي العرقوب (بلدة شبعا)، استفاد السلفيون من الإهمال الرسمي المزمن والفقر لبناء نفوذ اجتماعي عبر مؤسسات خيرية وصحية وتعليمية، في نموذج واضح لسلفية إعادة البناء التي تملأ فراغ الدولة.

يتوقف الفصل طويلاً عند التنظيمات المسلحة التي شكلت السلفية الجهادية اللبنانية. عصبة الأنصار في مخيم عين الحلوة، التي أسسها أبو محجن عبد الكريم السعدي بعد مقتل شيخه هشام شريدة، تُقدم على أنها أول ظاهرة عسكرية سلفية في المخيمات الفلسطينية، وقد ارتبطت بـحزب الله في مرحلة أولى قبل أن تتحول إلى مشروع جهادي مستقل يرسل مقاتليه إلى العراق. أما جند الشام، الذي ظهر بوضوح بعد اشتباكات 2005 في عين الحلوة، فيعلن استمداد أفكاره من أسامة بن لادن، واسمه مأخوذ من معسكر تدريب ضمه أبو مصعب الزرقاوي في أفغانستان 1999 للمتطوعين من بلاد الشام. وأخيراً، فتح الإسلام، الذي أعلن عن نفسه في 24 أكتوبر 2006، وخاض معركة تدميرية مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد في مايو 2007، انتهت بتصفية التنظيم وتدمير المخيم، بينما لا يزال زعيمه شاكر العبسي طليقاً وقد أفرجت عنه السلطات السورية سابقاً.

يسجل الفصل تحفظاً مهماً: أن كل هذه الجماعات الجهادية لم تنشأ سلفية، بل كانت في البدايات جهادية وطنية (منحازة لحركة فتح أو لحزب الله) ثم انزاحت رويداً رويداً نحو الفكر السلفي العقائدي، بفعل تجارب أفغانستان والعراق والمغتربات الأوروبية والأميركية. وهذا عكس الحال في السعودية مثلاً، حيث كانت السلفية سابقة على الجهاد. كما يقر الفصل بغموض مصادر المعلومات، مشيراً إلى أن معظم الباحثين ينقلون عن دراسة واحدة لـعلي عبد العال (صدرت في 2010) دون الإشارة إليها، مما يجعل الرواية التاريخية للسلفية اللبنانية هشة وقابلة للمراجعة.

في ذيل الفصل، يطرح الكاتب تساؤلات حول مستقبل السلفية الجهادية في ضوء الربيع العربي وحرب غزة 2012. يرى أن نجاح حماس سياسياً وعسكرياً، وخروجها منتصرة من الحرب، وتوقيع اتفاق تهدئة برعاية مصرية نص على تخفيف الحصار، كل ذلك يحرم السلفية الجهادية من ينابيع التمويل التقليدية (الفقر والحصار) ويقلص جماهيريتها. كما أن انخراط الجماعات السلفية في العمل السياسي في دول الربيع العربي، يثبت إمكانية التغيير السلمي، مما يدحض أحد الأسس الفكرية للسلفية الجهادية التي تنفي الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. ويخلص إلى أن السلفية الجهادية، رغم قدرتها على تنفيذ عمليات هنا وهناك، لن تستطيع تشكيل بديل مقنع لحركة حماس ولا أن تتحول إلى رقم صعب في المعادلة الفلسطينية التي يهيمن عليها العامل الوطني.

11.السلفية في السودان: الانقسام بين السلمية والمواجهة191–204▼ ملخص

بدأت السلفية في السودان رحلتها منذ عام 1935، لكنها لم تعلن عن وجودها رسمياً إلا في 1936، وتعتبر من أقدم التيارات السلفية في المنطقة. طبيعة التدين في السودان أقرب إلى التصوف منها إلى السلفية؛ إذ يُقدر أن أكثر من %50 من أهل السودان، أي حوالي 16 مليون شخص، مرتبطون بجماعات صوفية، بينما لا تشكل الجماعات السلفية سوى %10 من الخريطة الدينية. في بداياتها، كانت التيارات السلفية معتدلة ومتأثرة بطبيعة الشخصية السودانية، لكنها شهدت في العقدين الأخيرين تحولات كبيرة بفعل عوامل داخلية وإقليمية ودولية.

يتناول الفصل التيارات السلفية المختلفة في السودان، وأبرزها جماعة أنصار السنة المحمدية، التي تعتبر جماعة دعوية إصلاحية انطلقت بهدف إصلاح المجتمع بدءاً من المعتقد. دخلت الأفكار السلفية إلى السودان من الحجاز عن طريق الحج، وليس من مصر أو غرب أفريقيا. برز من العلماء المؤسسين الشيخ عبد الرحمن بن حجر الجزائري (1870-1939)، ثم أعلن الشيخ يوسف أبو عن قيام الجماعة عام 1936. في 1947 تم التصديق بإنشاء مركز عام، وفي 1967 أقاموا أول مسجد لهم وافتتحه الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود. لم تقتصر أنشطة الجماعة على الحقل الدعوي، بل شاركت في الحقل السياسي؛ فنشطت بعد استقلال السودان عام 1956 للمطالبة بدستور إسلامي، وشاركت في انتخابات عام 1964، ودعمت القوات المسلحة أثناء حركة التمرد في الجنوب، وأصدرت مجلة "الاستجابة". كما أنشأت مراكز تعليمية على غرار جامعة المدينة المنورة وجامعة الإمام محمد بن سعود، واهتمت بالمرأة والعمل الخيري.

تعرضت جماعة أنصار السنة لانشقاقات داخلية، نتج عنها ثلاثة تيارات رئيسية. التيار الأول هو جماعة اللاجماعة، التي ترفض العمل المنظم تحت أمير، وتعتبر الانتماء للجماعات بدعة، ولا تؤمن بالعمل السياسي، وتدعو لطاعة الحاكم وترك المعارضة. تعتبر هذه الجماعة امتداداً لمدرسة الشيخين محمد أمان الجامي وربيع بن هادي المدخلي في السعودية، وترتبط بحادثة حرق جهاز تلفزيون في منطقة القبة بدعوى دخوله على النساء دون استئذان. من أبرز قياداتها الشيخ حسين خالد عشيش، وهو داعية سوري استقر في السودان منذ 1993. التيار الثاني هو لجنة الكتاب والسنة الخيرية، التي نشأت إثر خلاف مع قيادة الجماعة عام 1992، وركزت على محاربة الشرك والخرافة. التيار الثالث هو جماعة أنصار السنة (الإصلاح)، التي ظهرت في يوليو 2007 نتيجة خلاف حول المشاركة في الحكومة السودانية؛ إذ فصل الشيخ الهدية نائبه الشيخ أبي زيد محمد حمزة بسبب رفض الأخير المشاركة في الحكم. تعارض هذه الجماعة الحكومة السودانية وتتجه نحو الانغلاق والتشدد مع نزعة تكفيرية ظاهرة.

ثم يتناول الفصل حزب الوسط الإسلامي الذي أسسه الدكتور يوسف الكودة في أكتوبر 2006 بعد استقالته من جماعة أنصار السنة. يرفض الحزب الغلو والتشدد، ويرفض الانقلابات العسكرية، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة، ويدعو لمنح المرأة حقوقها السياسية كاملة باستثناء الإمامة العامة. تعتبر هذه الأفكار جريئة وغير معتادة عند السلفيين، مما حال دون انخراط أعداد كبيرة منهم في الحزب.

أما السلفية الجهادية، فقد تأثرت بعودة "الأفغان العرب" بعد الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ومنهم أسامة بن لادن الذي استقر في السودان في بداية عقد التسعينات في إطار سياسة الباب المفتوح. غادر بن لادن السودان إلى أفغانستان عام 1996. في الوقت نفسه، عاد الشيخ محمد عبد الكريم من السعودية عام 1993، وأسس ما سمي "الجماعة الإسلامية المسلحة" التي نفذت عمليات منها مذبحة كمبو 10. أيضاً عاد الشيخ عبد الحي يوسف من الإمارات والشيخ مدثر إسماعيل. بتزايد الخطاب الراديكالي وتوفر المهارات العسكرية من الأفغان العرب، ظهر تيار السلفية الجهادية الذي زاوج بين الاتجاه السلفي في المعتقد والمنهج التنظيمي المستمد من تنظيمات الإسلام السياسي، وشعاره "التوحيد وعصرية المواجهة".

برزت فتاوى تكفيرية طالت شخصيات وكيانات. في 1995 صدر شريط بعنوان "إعدام الترابي" يكفر الدكتور حسن الترابي ويطالب بإعدامه، ثم فتاوى تكفر المنضمين للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وتحرم المشاركة في الانتخابات. عام 2006 صدرت فتاوى بإهدار دم الصحفي محمد عبد الله محمد، وفي العام نفسه صدرت فتاوى تكفر الشيعة وتدعو لإغلاق السفارة الإيرانية، وأحرقت كتب شيعية في معرض الكتاب بالخرطوم. في أوائل 2007 أهدرت فتاوى دم المعلمة البريطانية جيليان جيبونز للإساءة للرسول، كما صدرت فتاوى تكفير الصادق المهدي رئيس حزب الأمة. في رمضان 2009، حدثت اشتباكات بين الشيوعيين والتكفيريين أدت للمطالبة بحظر نشاط الشيوعيين.

نفذت الجماعات الجهادية عمليات دامية. في 1994 هاجمت مجموعة بقيادة عبد الرحمن الخليفي الليبي الجنسية مسجد أسامة بن لادن، ثم توجهت لمنزل حسن الترابي. في عام 1997، أطلقت مجموعة النار على المصلين في مسجد لأنصار السنة في أم درمان، مما أسفر عن مقتل سبعة وإصابة أكثر من ثلاثين. في عام 2000، أطلق عباس الباقر، وهو سوداني جند في أفغانستان ثم عاد، وابلاً من الرصاص على المصلين في صلاة التراويح بمدينة ود مدني، فقتل 20 وجرح 50. في احتفالات رأس سنة 2008، اغتالت مجموعة من الشباب التكفيريين الدبلوماسي الأميركي جرانفيل وسائقه. وفي أحدث الهجمات، وقعت مواجهات دامية بين السلفيين والصوفية خلال احتفالات المولد النبوي في 31 يناير 2012، نتيجة توتر سابق لحرق ضريح الشيخ الصوفي إدريس ود الأرباب في ديسمبر 2011.

يخلص الفصل إلى أن هذه الجماعات الجهادية ليست منظمة وليس لها قيادة موحدة، وإنما هي خلايا صغيرة مستقلة ليست من أتباع جماعة أنصار السنة المحمدية. كما يقر المؤلف بأن عدم وجود قيادة وتنظيم هرمي لهذه الجماعات ورّط بعض أفرادها في عمليات استنكرتها كل القوى السياسية في السودان. في الختام، يشير الفصل إلى أن السلفية التقليدية انشقت حول الموقف من الحكومة، بينما افترق السلفيون الجهاديون في مواقفهم من المشاركة في الحكم؛ ففي المرحلة الأولى من 1990 إلى 2000 كانت السلفية الجهادية في خندق المعارضة.

12.التيار السلفي في الكويت: الواقع والمستقبل205–220▼ ملخص

بدأت جذور التيار السلفي في الكويت في عشرينات القرن الماضي، حيث ظهر على يد دعاة وشيوخ مثل الشيخ عبد الله الدحيان والشيخ عبد العزيز الرشيد والشيخ محمد بن سليمان الجراح والشيخ يوسف العيسى القناعي. كانت بداياته عفوية وغير مؤسسية، حيث عملت كل مجموعة دعاة في مسجد أو منطقة. ركزت دعوتهم في البداية على التوحيد ومحاربة البدع والخرافات، وابتعدت عن أي عمل سياسي أو نشاط طلابي. ساهم في نمو التيار عدة عوامل محلية وإقليمية، منها قدوم علماء سلفيين إلى الكويت مثل الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وعودة طلبة كويتيين درسوا الفكر السلفي في الخارج في أواخر السبعينات، مما ساعد على نشر الفكر في المناطق المحافظة. كما أن تركيز السلفيين على الدعوة للعقيدة بعيداً عن السياسة أكسبهم وجوداً مجتمعياً قوياً.

في أوائل الثمانينات، تأسست جمعية "إحياء التراث الإسلامي" كواجهة رسمية للعمل السلفي، على غرار جمعية الإصلاح الاجتماعي للإخوان المسلمين. ورفعت الجمعية شعار رفض الدخول إلى البرلمان، معتبرة أن التشريع الوضعي يخالف الحكم الإسلامي. ثم شهدت الجمعية في تسعينات القرن الماضي، بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي، انقساماً كبيراً، حيث انبثقت عنها عدة تيارات أبرزها "الحركة السلفية العلمية" بقيادة الشيخ حامد العلي. ارتبط التيار السلفي التقليدي في الكويت، ممثلاً بجمعية إحياء التراث، ارتباطاً وثيقاً بعلماء المملكة العربية السعودية، مستنداً إليهم في الفتوى وبناء الثقافة الشرعية.

يقوم الفكر السلفي الكويتي على ثلاث ركائز هي التوحيد، والاتباع (أي اتباع الكتاب والسنة والطاعة المطلقة للرسول)، والتزكية، أي تزكية النفوس من الرذائل. بعد تحرير الكويت، أسست جمعية إحياء التراث ذراعاً سياسياً باسم "التجمع السلفي" لخوض العمل السياسي، وهي خطوة أحدثت جدلاً بين السلفيين بسبب قبولها مبادئ الديمقراطية التي يرون أنها تتناقض مع مبدأ الشورى. رغم أن رموز الجماعة يؤكدون أن برنامجهم "أقرب إلى الاستراتيجية الدعوية منه إلى البرنامج العلمي السياسي".

تركز أيديولوجية التيار السلفي على الدعوة لإقامة الدولة الإسلامية عبر القنوات الدستورية ورفض العنف، مع التدرج في إصلاح الفرد ثم المجتمع. لكنهم لا يقدمون برنامجاً عملياً محدداً لتحقيق هذا الهدف. في السنوات الأخيرة، ظهرت مؤشرات على نشاطهم مثل التصدي لمؤلفات نخب ليبرالية، وقادوا مظاهرات واعتصامات تندد بتطاول مواطن شيعي على السيدة عائشة، مما دفع الحكومة الكويتية إلى إصدار قرار بسحب الجنسية منه، مما يعكس تحولاً من التركيز على التربية إلى التدخل في الشأن العام.

في طروحاتهم السياسية، يركز السلفيون على بناء المواطن الصالح وتشكيل الحكومة وفق نتائج انتخابات مجلس الأمة، لكنهم لم يقدموا برامج تفصيلية لقضايا مثل التعليم والصحة والإسكان. يصرون على وجوب طاعة الحاكم ومبدأ المناصحة غير المعلنة، ويرفضون التظاهر السلمي خوفاً من الفوضى. فيما يتعلق بالمرأة، لم يؤيدوا حقوقها السياسية التي حصلت عليها منذ 2005 إلا كأمر واقع للاستفادة من أصواتها، ويطالبون فقط بحقوقها وفق الشريعة مثل رعاية أبناء الكويتية المتزوجة من غير كويتي.

تنظيمياً، ليس لدى التيار السلفي بناء تنظيمي واضح كجماعة الإخوان المسلمين، بل يتركز عمله من خلال جمعيات النفع العام واللجان الخيرية والمساجد. يشير البعض إلى وجود هيكل تنظيمي سري. انقسم التيار السلفي إلى عدة تفرعات: أولاً: التجمع السلفي، وهو الذراع السياسية لجمعية إحياء التراث منذ 1991. ثانياً: الحركة السلفية، التي تأسست عام 1996 نتيجة خلاف حول الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت، وضمت أكاديميين ومثقفين، وغيرت اسمها من السلفية العلمية إلى الحركة السلفية عام 2006. ثالثاً: حزب الأمة، الذي أسس عام 2005 كذراع سياسي للحركة، وهو أول حزب سياسي في الكويت والخليج، ويعارضه القانون وحول مؤسسيه للتحقيق، ويقدم طرحاً متقدماً للحريات وحقوق المرأة. رابعاً: تجمع ثوابت الأمة، الذي ظهر في 2003، ويتميز بخطاب أخلاقي متشدد ضد الأفلام والحفلات وحقوق المرأة.

بدأ التيار السلفي دخوله الساحة السياسية في أكتوبر 1986 عبر سلسلة مقالات في جريدة الوطن، ثم بإصدار مجلة "الفرقان" في يناير 1989. شارك لأول مرة في انتخابات مجلس الأمة الخامس في فبراير 1981 بمرشحين هما جاسم العون وخالد السلطان، اللذان فازا بمقعديهما. تعتبر منطقة كيفان مركز الثقل السلفي، حيث حصدوا 10 مقاعد من أصل 14 في 7 دورات انتخابية. تعرض التيار السلفي لهزة في انتخابات 1996، لكنه عاد ليحقق تقدماً كبيراً في انتخابات فبراير 2012، ليصبح الفصيل الإسلامي الأكثر تمثيلاً في البرلمان والمشهد السياسي الكويتي. استفاد التيار من هامش الحرية النسبي في الكويت وغياب الأحزاب الرسمية رغم أن الدستور لا يمنعها صراحة، حيث تعمل التجمعات ضمن هذا الغموض.

في الختام، يمثل هذا الفصل محاولة جادة لرسم خريطة التيار السلفي الكويتي وتطوراته، لكنه يقر ضمنياً بوجود تحولات داخلية غير محسومة، خاصة مع ظهور تيارات مثل الحركة السلفية وحزب الأمة التي تمثل ثورة تصحيحية على المدرسة التقليدية. يمكن القول إن الفصل ينجح في رصد الانقسامات الأيديولوجية بين السلفية التراثية الموالية للسعودية والتيار التصحيحي الأكثر استعداداً للنقد والمشاركة السياسية، لكنه يترك سؤالاً مفتوحاً حول قدرة هذا التيار على تقديم برنامج سياسي واقتصادي واضح يلبي احتياجات المواطن، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب الأخلاقي والمحافظة.

13.السلفية في تونس: مخاض التحول221–232▼ ملخص

بدأت الجماعات السلفية في تونس نشاطها خلال الثمانينات من القرن الماضي، وهي جماعات متعددة الاتجاهات، منها المعتدل الذي ينتهج العمل السلمي، ومنها المسلح الذي يدعو إلى القتال. يعود صعود هذه التيارات إلى القمع الذي مارسته الحكومة السابقة برئاسة زين العابدين بن علي ضد حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي الديمقراطي. وبالرغم من التضييق الشديد، ظل التيار السلفي في صعود دائم. يركز الفصل على نشأة التيار السلفي في تونس وتطوره قبل وبعد ثورات الربيع العربي، ويهدف إلى تقييم التحولات الفكرية والتنظيمية التي أحدثتها الثورة على هذا التيار.

تعود الانطلاقة الحقيقية للتيار الإسلامي بشكل عام إلى السبعينات، بينما يرتبط ظهور التيار السلفي بعوامل داخلية وخارجية. فالعوامل الداخلية تشمل الاستئصال المتعمد للتدين في الحياة العامة من قبل الأنظمة السابقة، واستهداف مظاهر التدين، وملاحقة التنظيمات الإسلامية، وضعف منظومة التدين التقليدي، وسياسات الدولة التعليمية. كل ذلك خلق فراغاً كبيراً في تلبية حاجات الناس للموعظة الدينية، وهو ما استغلته التيارات السلفية بكفاءة. أما المؤثرات الخارجية فتكمن في الانتشار الواسع للفكر الجهادي عالمياً عبر أحداث مثل احتلال أفغانستان والعراق، إضافة إلى الثورة الإعلامية التي مكنت الفكر السلفي من الانتشار عبر الإنترنت والفضائيات بخطاب جذاب.

الظهور الملموس للجماعات السلفية في المجتمع التونسي بدأ مع بداية التسعينات، وصاحبته حملة اعتقالات واسعة شملتهم دون تمييز عن حركة النهضة. وسرعان ما تبين أن التيار السلفي مستقل عن الحركة الإسلامية، بل كان متناقضاً معها في العديد من المقولات. لكن صورة التيار السلفي بقيت غير واضحة قبل الثورة بسبب القمع والعقوبات القاسية وضعف النضج السياسي والفكري لأبنائه. أبرز سمات التيار السلفي في تلك الفترة كانت غياب القيادة المعلنة والموحدة، غياب المرجعية الدينية الموحدة، وقلة الإنتاج الفكري الذي يخاطب الواقع التونسي.

بعد الثورة، أتاحت التحولات فرصة لرسم خارطة أوضح للسلفية، خاصة بعد الظهور العلني للجماعات وتشكيلها أحزاباً سياسية. يقسم الفصل الجماعات السلفية في تونس إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية: السلفية العلمية، السلفية الحركية، والسلفية الجهادية.

أولاً، السلفية العلمية هي مجموعات متفرقة ليس لها تنظيم هرمي واحد، وتعتبر مهمتها محصورة في التثقيف الديني والوعظ والإرشاد كعمل دعوي محض. ترفض العمل الحزبي والجماعي باعتباره بدعة، وتدعو إلى طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه، وتتبنى المذهب "المدخلي" الذي يمنع معارضة الحاكم علناً. من أبرز رموزها كمال بن محمد بن علي المرزوقي والشيخ بشير بن حسن. لم تعرف للسلفية العلمية مواقف معارضة للنظام السابق.

ثانياً، السلفية الحركية تمثل الاتجاه الساعي إلى الاندماج في المجتمع والعمل التنظيمي الجماعي، وقبول الانتخابات كآلية للتداول على السلطة. تأسست في 1988 تحت اسم "جبهة الإصلاح السلفي" بقيادة محمد علي الحراني وعبد الله اللاحي. تشبه في منهجها الفكري جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية. من أهم مقولاتها رفض فكرة الحاكمية كأصل من أصول العقيدة، اعتبار العمل التنظيمي مسموحاً به، الدعوة للمشاركة السياسية، وتقديم خطاب إسلامي متسامح. بعد الثورة، تأسست عدة أحزاب سلفية من هذه الأرضية مثل حزب الأصالة وحزب الرحمة السلفي، وتنشط أيضاً في منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية تحت إشراف الهيئة التونسية للجمعيات الإسلامية التي يديرها الشيخ مختار العلوي.

ثالثاً، الاتجاه السلفي الجهادي، ويعود في جذوره إلى بداية الثمانينات بولاية صفاقس، حيث قام شباب بعمليات بدائية انتهت باعتقالهم وإعدام بعضهم. كان الشيخ محمد الأزرق قد أفتى لهم بالجهاد، وقد سلمته المملكة العربية السعودية للأمن التونسي حيث أعدم. يؤمن أصحاب هذا الاتجاه بأفكار القاعدة ويتبنون أطروحة الجهاد العالمي لمقاومة "الحملة الصليبية". انضم العديد من التيار الجهادي إلى طالبان في التسعينات، وساهموا في اغتيال أحمد شاه مسعود وعملية المعبد اليهودي بجربة عام 2002. تعاملت السلطات التونسية معهم بقسوة، وتعددت الاعتقالات بموجب قانون 10 ديسمبر 2003 لمقاومة الإرهاب، الذي تجاوز كل المعايير الإنسانية. هذا التضييق دفعهم لتأسيس تنظيم جند أسد بن الفرات، الذي قام بعملية سليمان عام 2006، وأسفرت عن مقتل 12 مسلحاً وعنصرين من الأمن والعسكر. وقد أحصت الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين قبل الثورة 1208 سجيناً من التيار السلفي.

مثلت الثورة التونسية مكسباً كبيراً للتيارات السلفية. قرار العفو العام الذي اتخذته الحكومة الأولى بعد الثورة شمل كل المساجين السلفيين، مما منحهم فرصة جديدة. وجد التيار السلفي نفسه في محيط جديد يتميز بحرية التنظيم والتعبير، وهو ما قاده إلى اكتشاف ذاته من جديد. كان الوعي بهذه المتغيرات واضحاً في فكر قياداته، وأدى إلى تغيير في استراتيجيات عملهم، مثل اعتبار تونس أرض دعوة وليست أرض حرب، والتراجع عن منهج التغيير القسري، والانخراط في العمل الخيري، ورفع شعار "الشريعة" كعنوان رئيسي في هذه المرحلة. تجسد هذا الوعي في الاجتماع الكبير الذي نظمه التيار السلفي في ضاحية سكرة بالعاصمة، والذي حمل شعار "اسمعوا ولا تسمعوا عا"، في إشارة إلى الاهتمام بالصورة الذهنية والقبول الاجتماعي. كما تجسد في مؤتمر مدينة القيروان في 11 مايو 2011، الذي ضم طيفاً واسعاً من التيار الجهادي واختار اسم جماعة أنصار الشريعة.

14.سلفيات المغرب: توجهات ومسارات233–246▼ ملخص

يسعى الفصل إلى تتبع مسار التيار السلفي في المغرب، متخذاً منحى تاريخياً يشرح نشأته وتحولاته الرئيسية، وصولاً إلى وضعه بعد الربيع العربي. لا يقدم الفصل إجابة واحدة محددة، بل يرسم خريطة لتعددية هذا التيار وتشعبه، شارحاً كيف انتقل من كونه عقيدة جامعة في مواجهة الاستعمار إلى تيارات متفرقة ومتناحرة أحياناً، قبل أن تعيد لها ثورات 2011 فرصة لإعادة تموضع نفسها.

يبدأ الفصل بتأصيل تاريخي طويل، مشيراً إلى أن جذور السلفية في المغرب تعود إلى عصر الدولة المرابطية (بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر)، حيث كان أميرها يوسف بن تاشفين نموذجاً للحاكم السلفي الذي يفضل الفقهاء ويعظم العلماء. ثم ينتقل إلى الدولة الموحدية التي شهدت تراجعاً للممارسات السلفية لصالح العقيدة الأشعرية، قبل أن يعود التوجه السلفي بقوة مع الدولة العلوية، وتحديداً في عهد السلطان محمد بن عبد الله وابنه المولى سليمان اللذين حضا الناس على مذهب السلف.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فترة الاستعمار، مبرزاً تحول السلفية إلى قوة وطنية مقاومة. يصف الفصل هذه المرحلة بـ "السلفية الوطنية" أو "الإصلاحية"، التي انشغلت بمحورين: محاربة الجهل والخرافات المرتبطة بالطرق الصوفية، ومقاومة الاستعمارين الفرنسي والإسباني. يذكر الفصل رموزاً بارزة في هذه المرحلة مثل علال الفاسي ومحمد المختار السوسي وأبو شعيب الدكالي، الذين جعلوا من الدعوة للسلفية مرجعية موحدة لمواجهة الخطر الاستعماري على الهوية والدين.

بعد الاستقلال في 1956، يحدد الفصل بروز تيار جديد هو "السلفية العلمية"، التي أسسها الشيخ محمد تقي الدين الحلالي، والذي جلب أفكاره من مشايخه في مصر والجزائر والعراق والمملكة العربية السعودية. تميز هذا التيار بانصرافه عن السياسة وتركيزه على محاربة "شرك القبور" والخرافات، والتمسك بحرفية النصوص، معتبراً الانشغال بالسياسة بدعة. في المقابل، يقدم الفصل تياراً آخر وسمته الأحداث بالـ"سلفية الجهادية"، الذي برز خلال عقد الثمانينات مع فتح باب الجهاد في أفغانستان، وازداد قوة بعد حرب الخليج 1991. ويشرح الفصل كيف كشفت حرب الخليج عن تمايز واضح بين هذين التيارين؛ فبينما رفض الجهاديون الاستعانة بالقوات الأجنبية، أيدها التقليديون.

يصل الفصل إلى نقطة تحول مفصلية هي أحداث 11 سبتمبر 2001 وتفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو 2003، التي كان لها تداعيات هائلة. أدت هذه الأحداث إلى حملة أمنية شرسة على التيار الجهادي، واعتقال مئات الشباب ورموزهم مثل حسن الكتاني وأبو حفص وعمر الحدوشي ومحمد الفزازي، الذين حُكم عليهم بأحكام قاسية تراوحت بين 20 و30 عاماً.

أما الجزء الأخير من الفصل، فيتناول أثر الربيع العربي (وتحديداً حركة 20 فبراير في المغرب) على السلفيين، وخاصة المعتقلين منهم. يصف الفصل كيف أن الثورات والحراك الاجتماعي، بالإضافة إلى فوز الإسلاميين في الانتخابات، وفرا فرصة لخروج المعتقلين بفضل عفو ملكي شمل رموزاً كبرى. ويشير الفصل إلى أن هذه المتغيرات دفعت السلفيين إلى إجراء "مراجعات فكرية"، والتخلي عن مواقف سابقة، والمشاركة في الحياة السياسية كالتصويت على الدستور، مما أحدث "رخة كبرى في العقل السلفي المغربي". مع ذلك، يعترف الفصل بأن التيار ما يزال يعيش حالة "مخاض"، حيث لم تتبنَّ أي جهة سلفية صراحة عمليات العنف التي شهدتها البلاد بعد الثورة، مما يعكس صراعاً بين ثقافته التقليدية ومتغيرات الواقع.

15.السلفية في موريتانيا ومنطقة الساحل الإفريقي247–258▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل المشهد السلفي في منطقة الساحل الإفريقي، مركزاً على موريتانيا ومالي والنيجر ونيجيريا، ويبحث في جذوره التاريخية وتياراته المختلفة وتأثيراته الإقليمية، خصوصاً تأثير السلفية الجزائرية كرافد رئيسي للحركات السلفية في المنطقة. يسعى الكاتب إلى فهم كيف تشكلت هذه التيارات، وكيف تتفاعل مع البيئة المحلية، وما هو مستقبلها في ظل التحديات الأمنية والفكرية الراهنة.

يبدأ الفصل باستعراض التيارات السلفية الثلاثة الرئيسية في موريتانيا، والتي انطلقت مع منتصف الثمانينات من القرن الماضي، مدفوعة بفتح المعهد السعودي في نواكشوط سنة 1979، والذي اتهمه نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطائع بنشر "الوهابية وثقافة الغلو"، وأغلقه في 2003. ثم يحدد الكاتب التيارات متفرعاً عنها: السلفية العلمية التي تركز على العلم الشرعي وتناكب الصوفية، ويتزعمها شخصيات مثل سيديا ولد النووي (نائب رئيس رابطة علماء المسلمين) ومحمد ولد الشاعر، وتمثلها حالياً جمعية البر للدعوة والإصلاح، وتتميز بعلاقاتها مع الخليج وانتقادها للعمل القتالي لتنظيم القاعدة. ثم السلفية المتسيّسة (الأضعف حالياً)، والتي تنخرط في العملية السياسية وتدعم السلطة، وأبرز وجوهها الشيخ أحمدو ولد لمرابط. وأخيراً السلفية الجهادية التي استقطبها الجهاد الأفغاني مبكراً، وبرز منها الموريتاني أبو حفص محفوظ ولد وليد (الرجل الثالث سابقاً في القاعدة)، ومحمدو ولد صلاحي (المعتقل في غوانتانامو)، وحمادة ولد محمد خيرو القيادي في حركة التوحيد والجهاد بغرب إفريقيا، مع الإشارة إلى وجود أكثر من 30 معتقلاً في سجون موريتانيا بتهم الإرهاب، وازدياد استقطاب القاعدة للشباب الموريتاني منذ أزمة إقليم أزواد شمالي مالي في 2013.

ينتقل الفصل إلى إفريقيا الغربية، فيوضح أن الإسلام الإفريقي ذو طابع صوفي، مما أثار توتراً مع التيارات السلفية. في النيجر ونيجيريا، برزت حركة "إزالة البدعة وإقامة السنة" التي أسسها الشيخ إسماعيل إدريس في نيجيريا عام 1978، والتي انقسمت لاحقاً إلى فصيلين: حركة إحياء السنة وحركة الكتاب والسنة، وتتفقان على محاربة الممارسات الصوفية والتصدي للتشيع. وفي نيجيريا، يسلط الضوء على تنظيم بوكو حرام، مشيراً إلى أن الشيخ أمين الدين أبو بكر، أبرز الوجوه السلفية هناك، يرى أن عمل التنظيم هو "فتنة" رغم أن قادته درسوا عليه. أما في مالي، فاحتضنت منطقة أزواد السلفية المقاتلة بامتياز، حيث بسطت الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية سيطرتها على مناطق واسعة، وتفرعت عنها كتائب رئيسية تخضع لإمارة الصحراء بقيادة الجزائري نبيل القروي: كتيبة الملثمين بقيادة مختار بلمختار، وسرية الفرقان بقيادة يحيى أبو الهمام (الأكثر شراسة وتضم عشرات الموريتانيين)، وكتيبة طارق بن زياد. إلى جانبها تنشط حركة التوحيد والجهاد بغرب إفريقيا وجماعة أنصار الدين بقيادة إياد أغ غالي، ويخلص الكاتب إلى أن السلفية الجهادية باتت عملياً "دولة" من أقوى دول المنطقة.

يتوقف الفصل عند مفارقة تاريخية: فبينما أنجبت مدينة بوتلميت الموريتانية العلامة بابا ولد الشيخ سيديا (1860-1924)، وهو ذو رؤية سلفية، إلا أن السلفية المعاصرة تختلف جوهرياً عن تجربته. فولد الشيخ سيديا جدد من داخل الفقه المالكي وقارب التصوف، بينما رفض السلفيون المعاصرون المالكية والتصوف جملةً وتفصيلاً. كما تعامل مع الاستعمار الفرنسي بعقل منفتح، ورأى في "الدولة المدنية" حلاً نسبياً، وهو ما يتناقض مع رفض السلفية المعاصرة المطلق لكل ما هو "غربي". وينطبق الأمر نفسه على التجربة السلفية للشيخ عثمان دان فوديو (1754-1817) في نيجيريا، فقد كان صوفياً قادرياً في نفس الوقت الذي كان فيه قائداً لحركة جهادية، واستطاع الجمع بين تزكية النفس والجهاد المسلح، واعتبر بلاده "أرض تخليط" لا تنطبق عليها مسلمة "دار الإسلام ودار الكفر" التي تتبناها السلفية المعاصرة.

يختم الفصل بمستقبل السلفية في الساحل في ظل "المراجعات الفكرية"، مشيراً إلى أن التجربة الجزائرية، عبر سياسة الحوار والعفو التي انتهجها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أسهمت في عودة آلاف المقاتلين إلى العمل السلمي. في موريتانيا، لم تصدر مراجعات فكرية معلنة، لكن القيادي السلفي أحمد مزيد ولد عبد الحق يرى أن تراجع القمع والحوار مع الشباب المتشدد كفيلان بإنهاء أزمة التطرف، معتقداً أن الثورات العربية ستدفع التيار السلفي نحو المشاركة السياسية. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول قدرة هذه المراجعات على تحويل التيار الجهادي نحو العمل السياسي السلمي، واحتمالية استمراره كقوة عنيفة، خاصة في ظل قوته التنظيمية والمالية المتزايدة.

16.الاتجاه السلفي ومستقبله في السياسة الصومالية259–274▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل مستقبل الاتجاه السلفي في السياسة الصومالية، ويقدّم إجابة أساسية مفادها أن السلفية في الصومال ليست كياناً واحداً، بل تتشكل من تيارات متعددة ومتنافسة، بعضها مهيأ للعب دور سياسي مؤثر، بينما يرفض البعض الآخر المشاركة السياسية جملةً وتفصيلاً. ويخلص الفصل إلى أن جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة هي المرشح الأقوى للاضطلاع بهذا الدور، نظراً لقاعدتها الشعبية العريضة وخبرتها التنظيمية، بينما تواجه التيارات السلفية الأخرى، مثل حركة الشباب، عقبات جوهرية تحول دون ذلك.

يبدأ الفصل باستعراض تاريخ الدعوة السلفية في الصومال، مشيراً إلى أن جذورها تعود إلى أربعينات القرن العشرين، حيث كان الشيخ نور علي علو من أوائل الدعاة إليها، لكنها بقيت فردية وواجهت مقاومة من الجماعات الصوفية المسيطرة. ثم ينتقل إلى مرحلة السلفية المنظمة التي بدأت في أواسط سبعينات القرن الماضي، بتأسيس الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ محمود عيسى، والتي انبثقت عن حركة "الأهل" التي تأثرت بأفكار التكفير لـشكري مصطفى. أدى النقاش الفكري الحاد حول التكفير إلى العودة لمنهج الاستدلال السلفي، وتأسيس الاتحاد الإسلامي عام 1983 تحت رئاسة الشيخ علي ورسمة، وهو التنظيم الذي شهد انتشاراً سريعاً بفضل وحدته الفكرية وتنظيمه الدقيق، حتى تعرض لملاحقات حكومة الرئيس الأسبق زياد بري، وأعدم بعض قادته عام 1986.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً لوصف مكونات المشهد السلفي الحالي، وأولها جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، التي تشكلت عام 2006 من اندماج فصائل سلفية سابقة، وتُعتبر أكبر حركة إسلامية في شرق إفريقيا. يعدد الفصل تأثير الجماعة في عشرة مجالات رئيسية، منها: فرض النمط السلفي في التدين والالتزام، حيث أصبح الحجاب السابغ زياً موحداً للنساء وحتى لمنتسبات الشرطة؛ والإسهام الكبير في قطاع التعليم عبر إدارة جامعات ومعاهد يدرس فيها عشرات الآلاف؛ ولعب دور محوري في المصالحة بين القبائل؛ والتأثير في مجالات التجارة والمال، حيث أسس أعضاؤها شركات كبرى؛ وكذلك في مقاومة الهجمات الخارجية، خاصة القوات الإثيوبية بعد سقوط المحاكم الشرعية. وفي المجال السياسي، تولى أربعة من كوادر الجماعة الوزارة في حكومة شيخ شريف أحمد، ويسعى بعض أعضائها لتأسيس حزب سياسي. وتعرضت الجماعة لانتكاسات تنظيمية منذ منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، لكنها تمكنت من تجاوزها وتبني رؤية واضحة، وأعلنت موقفها صراحة من الجماعات المتطرفة كحركة الشباب، ومن السلفية غير المنظمة التي ترفض العمل التنظيمي.

ثم يعرض الفصل التيارات السلفية الأخرى، ومنها السلفية غير المنظمة، وهي تيار دعوي محدود الانتشار، انشق عن الاتحاد الإسلامي عام 1993، ويعادي العمل التنظيمي والحزبي. والحزب الإسلامي الذي تأسس عام 2009، وجمع فصائل سلفية مسلحة، وحظي بتأييد شعبي في البداية كبديل عن حركة الشباب، لكن خطابه الراديكالي وتردده أدى إلى انحسار شعبيته، ثم قضت عليه حركة الشباب عسكرياً، وأعلنت قيادته انضمامها إليها، ثم انفصلت عنه لاحقاً في بداية 2013. وأخيراً، حركة الشباب المجاهدين، التي ظهرت كقوة مسلحة قبيل 2006، وانفصلت عن اتحاد المحاكم الإسلامية بعد الاجتياح الإثيوبي، وأعلنت انضمامها لتنظيم القاعدة. يرفض كثير من قيادات التيار السلفي انتساب الحركة إلى السلفية، ويعللون ذلك بمخالفاتها العقدية والمنهجية، وانضمامها لتنظيم "غير سلفي" في نظرهم، وغياب أي مرجع علمي سلفي في تأسيسها، وعدائها لعلماء السلفية الصومالية.

يختتم الفصل بتقديم ملامح مستقبل التيار السلفي، مؤكداً أن جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة هي الأوسع انتشاراً والأكثر قبولاً، وتملك مقومات النجاح السياسي كالكوادر المؤهلة والقاعدة الشعبية والخبرات المتراكمة، وقد قطعت شوطاً في ترتيب بيتها الداخلي. لكنه يشير إلى أن الجماعة لم تحسم بعد موقفها الرسمي من المشاركة في العملية السياسية كجماعة، ويعزو قادتها هذا الإحجام لسببين: عدم نضج الحالة السياسية الصومالية القائمة على المحاصصة القبلية، وسيطرة القوات الأجنبية على مقاليد الأمور. ومع ذلك، فقد أنشأت الجماعة لجنة سياسية داخل مجلس شوراها، مما يشير إلى توجهها نحو العمل السياسي كجماعة ضغط على الأقل، كما أن اتفاقية الصلح التي أبرمتها جبهة تحرير الصومال الغربي مع الحكومة الإثيوبية عام 2010 بعد مراجعات منهجية، تعزز احتمال انخراط التيار في العملية السياسية.

في المقابل، يرى الفصل أن مستقبل التيارات السلفية الأخرى في العمل السياسي محدود للغاية، فالسلفية غير المنظمة تعادي العمل التنظيمي، والحزب الإسلامي يفتقر للقاعدة الشعبية والقوة العسكرية، وحركة الشباب ترفض المشاركة في الانتخابات وتكفر من يجيزها، كما أن نفوذها في انحسار عسكري واحتمال اندماجها في الحكومة شبه معدوم لكرهها محلياً ودولياً.

يقر الفصل بحدود تحليله، أبرزها أن جماعة الاعتصام لم تحسم بعد قرارها النهائي بدخول المعترك السياسي، وأن أي توقعات حول مستقبلها تبقى رهناً بتطور الأوضاع على الأرض، مثل اعتماد نظام التعددية الحزبية والانتخابات المباشرة. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الجماعة على تجاوز إشكالية المحاصصة القبلية التي تهيمن على المشهد السياسي الصومالي.

في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً شاملاً وواقعياً للمشهد السلفي الصومالي، متجنباً المبالغة في التفاؤل أو التشاؤم. الحجة الرئيسية التي قد تكون قابلة للنقاش تتمثل في التقييم الإيجابي الواضح لدور جماعة الاعتصام وقدرتها على التكيف، مقابل التقييم السلبي شبه المطلق لدور حركة الشباب. يكتفي الملخص بهذه الإشارة النقدية دون الخوض في تفاصيلها.