المورد
القائمة السوداء لمجرمي النظام السوري - مع العدالة

القائمة السوداء لمجرمي النظام السوري - مع العدالة

ar

يُشكّل كتاب «القائمة السوداء لمجرمي النظام السوري – مع العدالة» مشروعاً توثيقياً وقانونياً متكاملاً، يهدف إلى ترجمة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري منذ عام 2011 إلى ملفات اتهام قابلة للمقاضاة. الموضوع المحوري للكتاب هو التأكيد على أن تحقيق سلام دائم وعادل في سوريا لا يمكن أن يتحقق دون محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وعلى رأسهم بشار الأسد ومعاونوه، مستلهماً في ذلك تجارب تاريخية مثل محاكمات نورنبيرغ ومحاكمات جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة ورواندا. يدافع المؤلف عن موقف واضح مفاده أن السبيل الأنجع لوقف انتهاكات النظام هو تعزيز آليات المحاسبة، وتسليط الضوء على الجناة المحددين بأسمائهم، والعمل على تعميق عزلة النظام قضائياً وقانونياً، معتبراً أن العدالة هي الأساس لبناء الدولة السورية الجديدة القائمة على سيادة القانون.

تسير حجة الكتاب عبر تركيب منظم يبدأ بعرض الجهود الوطنية والدولية للمساءلة، لينتقل بعدها إلى تفصيل الجرائم المرتكبة، ثم يستعرض الآليات القانونية المتاحة، ويختتم بملفات شخصية لكبار المسؤولين. يبدأ الكتاب باستعراض شامل للجهود المبذولة لمحاسبة رموز النظام، حيث يذكر نشاط نحو عشرين منظمة من المجتمع المدني السوري اجتمعت في "مجموعة تنسيق العدالة الانتقالية"، ومشاريع مثل "اليوم التالي" الذي أطلقته منظمة "اليوم التالي" عام 2015 وضم 50 مثقفاً وناشطاً، ومشروع "اللجنة التحضيرية للعدالة الانتقالية في سوريا" في يناير 2014. ويبرز بشكل خاص حملة "لا شرعية للجناة" التي أطلقتها منظمة "مع العدالة" في ديسمبر 2014، والتي تضمنت نشر "لائحة سوداء" تضم صوراً وأسماء 600 شخصية من رموز النظام. على الصعيد الدولي، يوثق الكتاب إنشاء "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" في 22 أغسطس 2011، والتي أصدرت أكثر من عشرين تقريراً استندت فيه إلى مقابلات مع أكثر من 2000 شاهد وضحية، و"آلية التحقيق المشتركة للأمم المتحدة" (JIM) في أغسطس 2015، و"الآلية الدولية المحايدة والمستقلة" التي أبرمت في أبريل 2018 بروتوكول تعاون مع 30 منظمة من المجتمع المدني السوري، وجمعت نحو مليون وثيقة.

بعد رسم صورة الجهود، ينتقل الكتاب إلى تفصيل الوقائع والأرقام اللافتة التي يصعب نسيانها، ليؤسس لقاعدة الأدلة التي تستند إليها الملاحقات القضائية. يوثق الكتاب سلسلة هائلة من المجازر بدءاً من تموز/يوليو 2011 وحتى العام 2018، مصنفة حسب المحافظات، مع أرقام دقيقة لعدد الضحايا. من أبرزها مجزرة الحولة في 25 أيار/مايو 2012 التي يصفها الناجي الشاهد وليد العكش بأنها تمت بذبح عائلات بأكملها بواسطة سكاكين، ومجزرة القبير في حماة (حزيران/يونيو 2012) التي راح ضحيتها 200 مدني بينهم 80 طفلاً، ومجزرة نهر قويق في حلب (شباط/فبراير 2013) التي عُثر فيها على أكثر من 300 جثة مقيدة الأيدي وعليها آثار تعذيب. ويخصص الكتاب حيزاً كبيراً للهجوم بالسلاح الكيميائي على الغوطتين في آب/أغسطس 2013 الذي أسفر عن سقوط نحو 1,700 قتيل معظمهم من الأطفال، وهجوم خان شيخون في نيسان/أبريل 2017 الذي أوقع 86 قتيلاً. كما يورد الكتاب أرقاماً إجمالية صادمة عن حجم الجرائم، حيث تجاوز عدد المعتقلين خارج نطاق القانون أكثر من 100 ألف، وقُتل أكثر من 10,000 امرأة حتى نيسان 2018، وسقط نحو NY VV طفلاً بين 11/3/2011 و30/6/2015. ويخصص الكتاب فصلاً كاملاً لجرائم الحصار التي وصفتها منظمة العفو الدولية باستراتيجية «الاستسلام أو الموت جوعاً»، حيث يوثق حصار الغوطة الشرقية الذي شمل نحو مليون ومئة ألف مدني وأدى لمقتل 538 مدنياً بينهم 207 أطفال، وحصار حلب الذي شمل 350 ألف مدني وأسفر عن مقتل نحو 1500 مدني بينهم 780 طفلاً. وفيما يتعلق بالإعلاميين، يوثق الكتاب مقتل نحو 425 إعلامياً حتى تشرين الثاني 2018، منهم 130 قتلوا تحت التعذيب.

ينتقل الكتاب بعد توثيق الجرائم إلى عرض الآليات المتاحة للمساءلة والمحاسبة، معترفاً بالعقبات الكبيرة التي تواجهها. يستعرض الكتاب القضايا التي رفعت بناءً على مفهوم "الولاية القضائية العالمية" في دول مثل فرنسا (5 قضايا)، وألمانيا (6 قضايا مع تحليل 58,000 صورة لأشخاص تم تعذيبهم حتى الموت، وإصدار أمر بتوقيف رئيس المخابرات الجوية جميل الحسن في يونيو 2018)، وإسبانيا، والسويد، والولايات المتحدة. ويذكر أن القضاء في النمسا بدأ تحقيقات، وأصدر القضاء اللبناني مذكرة إحضار بحق علي مملوك، بينما أصدر قضاة فرنسيون مذكرات توقيف دولية ضد علي مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود في أكتوبر 2018. ومع ذلك، يقر الكتاب بوضوح بالعقبات الرئيسية التي تعترض هذه الجهود، وفي مقدمتها استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعدم توقيع سوريا على نظام روما الأساسي، وضعف التمويل الدولي، وتراجع الملف العسكري للمعارضة وازدياد الضغوط لقبول حل سياسي يبقي بشار الأسد في الحكم، مما يخلق توتراً واضحاً بين الأمل في تحقيق العدالة عبر القانون والواقع السياسي المعقد.

في الأجزاء الأخيرة، ينتقل الكتاب من التوثيق العام إلى ملفات شخصية محددة، حيث يخصص فصلاً لعدد من كبار الضباط مثل اللواء أحمد بلول، قائد القوات الجوية، الذي يعتبره المؤلف المسؤول الرئيسي عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، والمسؤول عن الهجمات بالأسلحة الكيميائية ومنها مجزرة الغوطة. ويتناول الكتاب أيضاً اللواء بسام مرهج الحسن، مدير المكتب الأمني والعسكري، المتهم بتمرير الأوامر لاستخدام الأسلحة الكيميائية التي أوقعت 15751 شخصاً، واللواء علي أسعد المتهم بالتواطؤ مع تنظيم "داعش" في هجومه على مدينة السويداء في 25 يوليو 2018 الذي أسفر عن مقتل نحو 215 شخصاً. ويعترف الكتاب ضمنياً بحدوده، حيث يعتمد بشكل أساسي على تقارير منظمات حقوقية ولجان أممية وشهادات منشقين، ويقر بعدم وجود آلية تحقيق دولية مستقلة لضمان دقة الأرقام المذكورة، ويترك أسئلة مفتوحة حول مصير المفقودين وعدد الضحايا المجهولين، مما يشير إلى أن ما تم توثيقه هو مجرد نموذج عن آلاف الجرائم.

بناءً على المادة المقدّمة، يمكن الإشارة إلى أن الكتاب يقدّم ملف اتهام قانونياً متكاملاً وسلطة أدلة قوية تستند إلى توثيق دقيق، إلا أن قوته تظل مرهونة بالقدرة على تجاوز العقبات السياسية التي يعترف بها بنفسه. فالحجة المحورية للكتاب، التي تؤكد أن المحاسبة هي الشرط الأساسي للسلام وبناء الدولة، قد تكون قابلة للنقاش في سياق سياسي معقد تسوده المصالح الدولية والتوازنات الإقليمية. فبينما يُظهر الكتاب أن الأدلة متوفرة بكثرة، وأن الآليات القانونية موجودة، يبقى السؤال الأكبر هو: كيف يمكن تفعيل هذه الآليات في غياب الإرادة السياسية الدولية اللازمة؟ الكتاب يبرع في بناء القضية، لكنه يترك القارئ مع إحساس بالأسى إزاء الفجوة الهائلة بين التوثيق القانوني الدقيق والمحاكمة الفعلية التي لا تزال بعيدة المنال.