
الملكة والخطاط - يهود دمشق
الملكة والخطاط – يهود دمشق كتابٌ ينبض بالحياة، مؤلف من سلسلة حكايات متشابكة تُصوّر عالم حارة يهودية في دمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين. لا يقدّم المؤلف أطروحة تاريخية جافة، بل يبني عالماً بأكمله عبر ذاكرة شخصية وجماعية، حيث تختلط الأسطورة بالواقع، والفقر بالغنى، والقداسة بالتدنيس، والأمل بالخداع. الموضوع المحوري للكتاب هو استعراض حياة هذه الجالية المنغلقة على نفسها، بقيمها وعاداتها وأحلامها ونقاط ضعفها، وكيف تعامل أفرادها مع مفاهيم الموت، الفقر، الشرف، السلطة، الهوية، والخلاص، في عالم يموج بالمخاطر والتحولات. لا يدافع المؤلف عن موقف سياسي أو أيديولوجي محدد، بل يرسم بانوراما إنسانية، تاركاً القارئ مع سؤال دائم حول طبيعة الحقيقة والأسطورة في الذاكرة الجماعية.
يسير الكتاب عبر فصول مترابطة، كل منها يُضيء جانباً من حياة الحارة عبر شخصيات أيقونية. المنطق الذي يربط الأجزاء ليس خطياً، بل هو منطق الذاكرة التي تستدعي القصص متجاورة لتكوين صورة كلية. يبدأ الكتاب بقصص أسطورية وتأسيسية: حكاية صالحة ستيتية التي اختفت صغيرة وعادت بعد نصف قرن كـ«ملكة» بقافلة من عشرين جملاً، لتوزع الهبات وتثير شكوكاً حول مملكة سيدها المزعومة، ثم يُقبل زيف قصتها لكن أهالي الحارة يتمسكون بها حتى وفاتها. ثم يقدّم الخطاط يعقوب مازلتوف الذي امتلك موهبة خارقة وبيتاً مفتوحاً للفقراء، ليموت بعدها فقيراً ومهجوراً، لتنهي ملائكة مزعومة حياته بكتابة الحرف الأول من اسم الإله على بردية. ومن ثم قصة رفول شولا الذي عاد من الأرجنتين «أميركانياً» بثراء فاحش، ليخسر كل شيء بانكشاف خيانة شريكه، وينتهي بائعاً للخردة. هذه القصص الثلاث تطرح أسئلة حول الأحلام، الخداع، والموهبة، وطبيعة النجاح والثروة.
ينتقل الكتاب بعدها إلى الحياة اليومية وطقوس المجتمع. نرى يوسف أفندي عم الراوي، الذي كرس تقاعده لكتابة خطب تأبين جاهزة تبدأ بـ«باطل الأباطيل» وتنتهي بـ«لن ننساك أبداً» التي تتكرر حسب ثروة الفقيد، وتنتهي حياته بإلقاء خطبة نسائية فوق قبره بالخطأ. ثم محاولة إنشاء مدرسة دينية (يشيفا) يفشلها تمسك المعلمين بتقاليد بالية، مثل الحاخام شحادة الذي كان يقلي سمكة على منقل فحم وسط الصف، ومدرّس القبالة الذي كان بائع أوانٍ سابقاً يمص سكرة. تليها قصة فساد سياسي انتخابي لـصبري لارنادو الصيرفي المفلس الذي اشترى أصوات الناخبين بقوارير الزيت وأكياس الأرز ليصبح نائباً «بالإجماع». ثم قصة الحاخام أبو العافية الذي لعن اللحام المتعجرف ماير أطش بعد أن دنس سفر توراة أمامه، فمات أطش قبل غروب الشمس كما تنبأ الحاخام، ولعنة مستمرة تلاحق أحفاده. وأخيراً، قصة الشحاذ أبو سارة الذي نذر نفسه للفقراء بعد مأساة فقدان ابنته وزوجته، وكان لا يقبل المال بل الصدقات العينية ليعيد توزيعها، مقدماً قيمة العطاء الإنساني الخالص.
تتعمق الحكايات في عالم المعتقدات والطقوس. نتابع جد الراوي الذي أمضى عمره في الصلاة وقراءة النصوص، مادحاً جهل المؤمنين البسطاء، وأسئلة الجماعة المتكررة للحاخام حسون عن موعد مجيء المسيح التي يُجاب عنها بـ«صبراً». ثم قصة الحلاق الذي اشتهر بـ«المعاينة» بفحص الدجاج بإصبعه الوسطى، ثم ينتقل بها إلى لحى الزبائن، فخسر زبائنه واحداً تلو الآخر. ثم شخصية حمرا خادم العائلة الذي يتعايش مع الحيات الشريرة ذات الأجراس في الخزائن بإشارات سرية وكلمات همس. يليه وصف وسائل الهروب من الخدمة العسكرية، حيث كان الناس يشترون جوازات سفر مزورة من قناصل حقيقيين ومزيفين على حد سواء، مثل فرّوحه الذي اخترع مملكة وهمية هي «رضوانية» تحت حكم حبادو الثامن. تنتهي هذه القسم بقصة العم عولس، رمز السفر والمخاطرة، حيث طقوس الوداع المعقدة والحقائب التي تفرغ عشرات المرات، وبرقية العودة التي تخلق احتفالاً.
في الذروة، يعرض الكتاب صوراً من الحياة اليومية على هامش الحارة: إسماعيل البناء الأمي الذي يتحول إلى شاعر تحت تأثير سيكائره من الحشيش، يرتجل رباعيات ويختتمها بسؤاله «شو؟» ليموت بعدها منسياً وبقيت كلمته الوحيدة. وإبراهيم زيتون التمبكجي ذو اللحية التي تنمو في جانب في الربيع والآخر في الخريف، يزعم أن نبياً صغيراً سكن تحت مقعده ينذره بالعقاب. وراشيل حلبى العاملة في مشاغل الموزاييك التي تصدر قطعها إلى أوروبا والأمريكتين، ماتت يائسة بعد أن صرخت أمام خزانة التوراة تسأل الله عن عذابها. وروزينة حموي التي فضحت مع عشيقها المسلم وقضت حياتها في محل عمومي «بسبب قبلة». وروزا الخدّامة التي خدمت منذ العاشرة، أحبت شخصاً من فوقها دون أن يراها، مات هو ولم تخبر أحداً بحبها. ومشهد المشيخة في عام 1925 عندما رأى الراوي قافلة من مئات الجمال تحمل جثث فلاحين أعدموا، وقطعة من فخذ الجار حسين سقطت في فنائهم الخلفي.
أخيراً، نلتقط صوراً جماعية قبل الرحيل: قصة البدو الرحل الذين يحطون في بيت جد الراوي كل ربيع منذ خمسين عاماً، مهتدين بنجمة، أصلها أن جد الراوي تاه في الصحراء فاستضافه شيخ بدوي وأطعمه وسقاه هو وفرسه في حوالي عام 1870 أو 1880، فصارا «شريكين» يتناقل الأحفاد اسم العائلة شفوياً. وأبو سالم الشربتجي الذي ابتكر شراباً وردياً سماه «خدود العذارى» ويطلب من الزبائن تدوين ما يشربونه على لوح لأنه ينسى. ثم يودع الراوي شخصيات الحارة قبل سفره إلى باريس للدراسة بعد حصوله على منحة: علي صيّاص صاحب الساق الواحدة الذي عاش مع صيصانه، وعرّور الإسكافي الذي أمضى عمره يرقع أحذية قديمة بقطع من أحذية أقدم. ينتهي الكتاب بالحنين إلى دمشق القديمة التي اندثرت، حيث كل شيء ممكن، وكل الناس على حق، وحيث العدل دوماً للأغنياء والفقراء، للشبعى والجوعى.
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها: قصة صالحة ستيتية التي عادت بقافلة من عشرين جملاً بعد اختفاء دام أكثر من نصف قرن. تزويجها عشرين يتيمة. سفر أحد أعضاء المجمع إلى بغداد ليكتشف أنه «لا يوجد أبداً من مملكة لا في غرب بغداد ولا في أقاصي الصحراء». موت يعقوب مازلتوف منحنياً على بردية مكتوب عليها الحرف الأول من اسم الإله، ورواية أن الملائكة السبعة قادت يده. رفول شولا الذي أصبح «أميركانياً» بعد خمسة عشر عاماً في الأرجنتين، ثم خسر كل شيء وانتهى في التسعين أو الخامسة والتسعين من عمره مع أحفاده من كبار المزارعين والفيزيائيين. حادثة اختلاط خطب التأبين حيث ألقيت خطبة نسائية على قبر يوسف أفندي دون أن يلاحظ الحضور. معلم العربية الذي اختبأ خلف ستارة التوراة ليكشف أنه يحمل جواز سفر مزوراً من رعية «ملك الإنكليز» ليتجنب الخدمة العسكرية في جيش «ملك الفرنساويين». شراء الأصوات الانتخابية بقوارير الزيت وأكياس الأرز. لعنة الحاخام أبو العافية التي حقت: مات ماير أطش مصعوقاً في الحال، ودفن قبل غروب الشمس. قصيدة إسماعيل البناء الذي لم يبق من أعماله سوى كلمة «شو؟». صراخ راشيل حلبى أمام خزانة التوراة وهي تسأل الله عن عذابها قبل موتها مباشرة. عدد أولاد الباروح عند روزا الخدّامة: الواحد والعشرون دون ذكر الأخير الذي قتل أمه. مشهد قافلة الجثث في عام 1925. علاقة الشراكة بين بدو وجد الراوي بدأت في حوالي 1870 أو 1880 واستمرت خمسين عاماً يتناقل الأحفاد اسم العائلة شفوياً.
يقرّ المؤلف بحدوده من خلال الإشارة إلى أن بعض القصص مسموعة أو منقولة عبر ذاكرة شعبية غير موثقة، مثل لعنة الحاخام أو حكاية صالحة ستيتية التي كُشف زيفها لكن الغالبية تمسكت بها. كما يترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة الإيمان مقابل العقل، كما عبر الجد الذي مادحاً جهل المؤمنين البسطاء، وحول الحدود بين الممارسة الطقسية الأصيلة والخرافة كما في حكاية التعايش مع الحيات، وبين الحماية الحقيقية والوهمية في عالم خطير كما في قصص الجوازات المزورة. لا يدّعي الكتاب أنه يكتب تاريخاً موضوعياً، بل يكتب ذاكرة ومشاعر وشهادات حية، معترفاً بفجواتها وطبيعتها الأسطورية أحياناً.
من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، المعالجة المزدوجة لمفهوم الدين والتدين. من ناحية، هناك شخصيات تدين صادق وبساطة إيمان (مثل الحاخام أبو العافية وأبو سارة)، تُظهر أن الإيمان يمكن أن يكون قوة للخير والعدالة والرحمة. ومن ناحية أخرى، هناك استغلال للدين والطقوس لأغراض دنيوية، كما في خطب التأبين الجاهزة، واللعنات الحزبية، وشراء الأصوات باسم الطائفة، مما يقدم نظرة نقدية إلى استخدام المقدّس في خدمة المصالح الشخصية أو السياسية. النقطة الأخرى هي التأكيد على أن الإيمان القلبي القائم على الجهل قد يكون أفضل من معرفة ناقصة وتأويلات مشكوك فيها، وهو طرح يختبر حدود أهمية الفهم العقلي مقابل التسليم الروحي في الممارسة الدينية. الكتاب كله، من خلال حكاياته المتناقضة، يمتنع عن تقديم إجابة واحدة عن الحياة، تاركاً القارئ مع لوحات متقاطعة من الأمل والخداع، من الإيمان والانكسار، ومن الصعود والهبوط، لتكوين صورة مؤثرة عن أحلام وهشاشة مجتمع كامل في زمن مضى.
الفصول(4)
1.في البداية / صورة من شريط الأحداث / ملكة حلّت من السماء / الخطّاط / الأميركاني18–49▼ ملخص
في هذا الفصل، يقدم المؤلف مجموعة من القصص والحكايات المتفرقة التي تدور جميعها حول شخصيات وعوالم من حارة يهودية في دمشق. الموضوع المحوري هو استعراض حياة عدد من الشخصيات البارزة والغامضة في هذه الحارة، مع التركيز على قصصهم الفردية التي تتسم بالغرابة والأساطير الشخصية، والطريقة التي تتشابك بها ذاكرة الكاتب مع هذه الشخصيات التي ترفض مغادرتها.
يسير الفصل عبر أربعة أقسام رئيسية، يبدأ كل منها بقصة مختلفة. القسم الأول، الذي يحمل عنوان «صورة من شريط الأحداث»، يبدأ بتأملات الكاتب حول شخصيات الكتاب التي طاردته وتتبعت ذاكرته. يروي حكاية أسطورية عن سلفين له استقبلا غريباً من طرسوس يدعى شاوول، الذي يقال إنه لم يشكرهما على حسن الضيافة. ثم ينتقل الكاتب إلى صورة أخرى من الماضي، حيث يقابل حائكاً مسناً كان يجلس قرب مشغله ويسمعه يتضرع إلى الله أن «يبعث له ثورة». عندما يسأله الحائك عما يأمله من الثورة، يجيب الحائك بأنه يأمل «بخبز أكثر وظلم أقل»، وعندما يسأله الحائك عن فعله لتحقيق ذلك، يجيب ببساطة: «أصلي».
القسم الثاني، «ملكة حلّت من السماء»، يحكي القصة الأكثر تفصيلاً في الفصل. يستعرض حالة الاستنفار في الحارة استعداداً لاستقبال ملكة تدعى صالحة ستيتية، التي كانت قد اختفت وهي في الخامسة عشرة من عمرها. تروي القصة أن صالحة عادت بعد أكثر من نصف قرن كملكة، حيث كانت المحظية الثانية السابقة لملك تمتد مملكته «حتى أقاصي الصحراء». تصل الملكة بقافلة من عشرين جملاً، وتبدأ في توزيع الهبات بسخاء: تزوج عشرين يتيمة، وتكلف خطاطي القدس بنسخ التوراة، وتقدم هدايا لأعضاء المجمع. ومع مرور الوقت، تظهر الشكوك حول حقيقة مملكة سيدها الأسطورية، ويسافر أحد أعضاء المجمع للبحث عنها في بغداد ليكتشف أنه «لا يوجد أبداً من مملكة لا في غرب بغداد ولا في أقاصي الصحراء». ولكن، على الرغم من كشف الزيف، تتمسك الغالبية بقبولها ويظلون يحافظون على مكانتها حتى وفاتها، حيث توصي بأموالها للطائفة، مما يثير جدلاً حول شرعية قبول هذه الثروة.
القسم الثالث، «الخطاط»، يقدم شخصية يعقوب مازلتوف، الخطاط الشهير الذي كان يكتب المزوزات والملافيق بخط جميل نُسبت إليه مواهب خارقة. يصف الفصل كيف كان يعقوب متديناً ومنفتحاً، يعتاد مشاركة طعامه مع الفقراء وفتح بيته للأيتام. يتحول المشهد عندما يلتقي به الكاتب بعد عشرين عاماً، وقد أصبح فقيراً بين الفقراء، عاجزاً عن المشي دون مساعدة ويسكن في آخر الحارة في منزل تديره «وكالة إعانة الغرباء». في حوار بينهما، يكشف يعقوب عن حزنه العميق لعدم وجود ما يكفي من الطلبيات للعيش، وعن خسارته لموهبته التي لم تعد تأتيه. يخبر الكاتب أنه لم يكتب التوراة قط، قائلاً: «لو كانت الموهبة وحدها كافية... لكن الأمر أكثر من هذا بكثير». بعد هذا اللقاء، تختفي المزوزات من أبواب أكابر الحارة ليلاً، ويُعثر على يعقوب ميتاً على كرسيه، منحنياً على قطعة بردى مكتوب عليها الحرف الأول من اسم ادوناي، وتنتشر رواية أن الملائكة السبعة قادت يده مرة أخيرة.
أما القسم الرابع، «الأميركاني»، فيروي قصة رفول شولا الذي سافر إلى الأرجنتين بحثاً عن الثروة وخلف وراءه والديه وأخواته السبعة في الحارة. تُظهر المراسلات الأولى لرفول حياة صعبة، وإن كان يرسل صوراً له خلف مقود سيارة أو طائرة، والتي يكتشف قارئ الجوال أنها مجرد ديكورات. مع مرور الوقت، تبدأ الشيكات في الوصول، وتتحول حياة عائلته. بعد خمسة عشر عاماً، يعود رفول إلى دمشق بصفته «أميركاني»، فيخوض في حياة البذخ والترف، ويتزوج بهية، أفقر الفتيات لكن أجملهم. لكن فجأة ينهار كل شيء بانكشاف أن شريكه الحلبي قد سرقه وأفلس المتجر. يعود رفول إلى بيع الشراطيط في الأرجنتين. في نهاية الفصل، يلتقي الكاتب بعد سنوات طويلة، في تموز 1981، بأميركاني آخر يخبره أن رفول أصبح في التسعين أو الخامسة والتسعين من عمره، وأن أحفاده أصبحوا من كبار المزارعين والفيزيائيين وعلماء النفس. عندما سُئل عن سبب هذا الصعود، أجاب: «حسن طالعه».
يمكن القول إن الفصل يقدم علماً اجتماعياً ونفسياً ممتزجاً بالأسطورة، تاركاً القارئ مع سؤال حول طبيعة الحقيقة والأسطورة في الذاكرة الجماعية للحارة. النص لا يحاول تقديم إجابة واحدة بقدر ما يبني لوحات متقاطعة من الأمل والخداع، من الإيمان والانكسار، ومن الصعود والهبوط، لتكوين صورة مؤثرة عن أحلام وهشاشة مجتمع كامل.
2.باطل الأباطيل / سمك ومزامير / أصبح عندنا نائب / اللعنة / رائحة الطيبة50–91▼ ملخص
يُقدّم هذا الفصل بانوراما حيّة ومؤثّرة لحياة الجالية اليهودية في دمشق، من خلال سلسلة من القصص والحكايات التي تدور حول شخصيات مختلفة، ليرسم صورة عن قيمهم وأحلامهم ونقاط ضعفهم، وعن التفاعل بين القداسة والتدنيس، والخير والشر، والجدّية والهزل في حياتهم اليومية. الموضوع المحوري هو استعراض ممارسات المجتمع وطقوسه، من التأبين إلى التعليم إلى السياسة والتصدّق، وكيف تتعامل هذه الشخصيات مع مفاهيم الموت، الفقر، الشرف، والسلطة بطرق غالباً ما تكون إنسانية ومتناقضة.
يبدأ الفصل بتقديم شخصية يوسف أفندي، عمّ الراوي الكبير، وهو موظف سابق في مصلحة ضرائب الملح. يُظهره الكاتب كشخصية ذات هيبة في الحارة، تكرّس نفسها لكتابة خطب التأبين بعد تقاعده. لم تكن هذه الخطب نتاج عبقرية أصلية، بل كانت مزيجاً من مقتطفات من صحف تصدر في العاصمة، واقتباسات من خطب للواعظ الفرنسي الشهير جاك بوسوييه، الذي استعار بدوره عبارة «باطل الأباطيل» من سفر الجامعة. يصف الفصل طقوس عمّي في كتابة هذه الخطب وتصنيفها حسب جنس الفقيد وعمره ومكانته، وكانت تبدأ جميعها بعبارة باطل الأباطيل وتنتهي بوعد «لن ننساك أبداً» الذي يتكرر حسب ثروة المتوفّى. في صباح موت عمّي، يبرز موقف طريف ومحرج حين يُكلّف أحد المعلمين، وهو تلميذ للراحل، بإلقاء خطبة التأبين. بحكم السرعة والإرباك، تُعطى له بالخطأ خطبة كانت مخصصة لتأبين «الزوجات والأمهات المثاليات» بدلاً من خطبة الرجال، فيلقيها على قبر يوسف أفندي دون أن يلاحظ الحضور شيئاً، في مشهد يبرز الطابع التلقائي والطقوسي أحياناً في هذه الممارسات.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى حكاية «سمك ومزامير»، التي تروي محاولة إنشاء مدرسة دينية (يشيفا) في الحارة. يبدأ السرد بتصوير الحاخام مسلتون، الذي كان يلقي عظاته ويحذّر من غضب الله، ويصرّ على ضرورة إنشاء مدرسة تلمودية لإنقاذ أولاد الحارة من التأثيرات الأجنبية (من باريز المدينة الملعونة). بعد طول إلحاح، تتحقّق أمنيته ويُفتتح صفّان لستّين طالباً في غرف مهجورة داخل الكنيس. يظهر يوسف أفندي هنا كرئيس مؤسس للمدرسة، ويكلّف الرواي (ابن أخيه) بالإشراف على تنظيمها. في جولة تفقّدية، يكتشف الرواي واللجنة الإدارية واقعاً صادماً: الأثاث الحديث (مناضد ومقاعد) مهمّش على الحائط، والطلاب جالسون على الأرض كمعلمهم الحاخام شحادة (من حلب)، الذي كان يقلي سمكة ضخمة على منقل فحم وسط الصف. هذا المشهد يرمز إلى التمرد على الحداثة والتمسّك بالتقاليد حتى في أبسط أشكالها. بعد هذا المشهد، يتفاجؤون بأن معلم القبالة (التفسير الصوفي للتوراة) هو في الحقيقة بائع أوانٍ سابق من حلب، يمص سكرة ولا يعرف شيئاً عن التدريس، وقد حصل على الوظيفة بالمراسلة. بعد تدخّل الرواي، يتعهّد المعلم شحادة بعدم الطبخ في الصف، لكن تفاجئهم زيارة مفاجئة من مستشار المعارف العامة ومدير مكتبه ميشيل. عندها، يكتشفون المشهد نفسه: المعلم جالس على الأرض، السمكة تُقلى على المنقل، والأستاذ الثاني يمص سكرته. والأكثر طرافة، فرار معلم العربية واختباؤه خلف ستارة التوراة، ليكشف أنه من رعيّة ملك الإنكليز ويحمل جواز سفر مزوّراً ليتجنّب الخدمة العسكرية في جيش ملك الفرنساويين. نتيجة لهذه الفضيحة، تُغلَق المدرسة، ويعود المعلمون إلى أصولهم، ليصبح شحادة كاتباً عمومياً مدى الحياة بفضل صديق، ويواصل الحاخام مسلتون لعناته.
يتناول الجزء الثالث، «أصبح عندنا نائب»، قصة طموح سياسي لشخصية محلية. يُخبر الوسيط إيليا عمران أهالي الحارة أن صبري لارنادو، صيرفيّ مفلس من عائلة صيارفة عريقة، سيترشّح للبرلمان. تظهر الصعوبات التي واجهها لارنادو: منافسة ثلاثة مرشحين آخرين وهم عزيز وعطار وعرور، وهم مقامرون ومحتالون؛ ثم مشكلة العدد القانوني للناخبين في الطائفة. يلجأ لارنادو إلى حل وسط، حيث يدعو منافسيه إلى عشاء فاخر مع عرق عائلي قديم، ويتوصّل معهم إلى اتفاق لإعطائهم نصف أتعابه الشهرية كنائب، ويوقّع على كمبيالات بذلك. بعد نجاحه في التغلّب على العقبات، يعقد اجتماعاً انتخابياً في الكنيس. لكن الاجتماع يتحوّل إلى فوضى، حيث يقاطعه جمهور معادٍ يسأل عن إفلاسه، ويكذّب أحد الحاضرين (إلياهو) معجزة نسبها عمّي إلى رابي ماير، منتقداً استخدام الدين لأغراض انتخابية. بالرغم من كل هذه المهازل، يُنتخب صبري لارنادو «بالإجماع» بأصوات الأحياء والأموات، ويتم شراء الأصوات بقوارير الزيت وأكياس الأرز، في إشارة ساخرة للفساد الانتخابي.
يحكي الفصل التالي، «اللعنة»، قصة ذات طابع تراجيدي وأسطوري، يرويها زكي رحماني (أبو جميل) للراوي في مقهى أبو عبّاس المطل على نبعة البغال، قبل ستّين عاماً من زمن السرد. يصف زكيفي ذاكرته كيف كان اللحّام ماير أطش رجلاً غنياً وقوياً لكنه متعجرف وقاسٍ، يطرد الفقراء من أمام دكانه. في أحد أيام الجمعة، يأتي الحاخام الفقير والقديس أبو العافية ليشتري شقفة لحم صغيرة لأجل وجبة السبت بثلاثة قروش. يستهزئ به أطش ويدير له ظهره، بل ويدنّس سفر توراة أمامه. فيغضب الحاخام شدة ويلعنه بصوت عظيم، متوعّداً إياه بأنه سيموت قبل غروب الشمس. يتحقّق الوعيد، فيسقط أطش ميتاً مصعوقاً في الحال، ويُدفن قبل غروب الشمس كما تنبّأ الحاخام. بعد ستّين عاماً، يرى زكي وأبو جميل حفيد الحفيد ياسوفه، وهو نافخ خراف (وظيفة خطيرة تودي بحياة صاحبها)، ويتبيّن أن اللعنة لا تزال تلاحق العائلة: مات الجيلان الثاني والثالث صغاراً، والجيل الرابع يمرض، مما يربط القصة بنظرة المجتمع للعدالة الإلهية والجزاء.
يختتم الفصل بقصة «رائحة الطيبة»، التي تروي حكاية الشحاذ الفريد أبو سارة. لم يكن هذا الرجل شحاذاً عادياً، بل كان قد تلقّى نداءً في يوم عيد الغفران بعد سماعه صوت البوق، فنذر نفسه للآخرين. كان يتميّز بأنه لا يقبل المال، بل فقط الصدقات العينية من طعام وثياب ليعيد توزيعها على فقراء آخرين (عائلاته المتعسرة). اسمه الغريب (أبو سارة) يثير تساؤل الراوي، فيروي له قصته المؤثرة: كان أباً لابنة اسمها سارة، أجمل هدية من الله، لكنها توفيت صغيرة (في الرابعة أو الخامسة أو السادسة)، ثم توفيت زوجته حزناً. بعد هذه المأساة، سمع النداء وترك عمله كإسكافي وأصبح شحاذاً، متّخذاً اسم ابنته رمزاً لهويته الجديدة، ليشعر أنها تناديه. يُصوّر الفصل حياته وطقوسه اليومية، وجولاته الأولى والثانية، حيث يتحوّل من متلقٍ إلى معطٍ. مع تقدّمه في السن، ينهار ذات يوم ولا يستطيع إكمال جولته، فينقطع الخبز عن «الآخرين» الذين اعتادوا عليه. لكن، بينما كانوا يجدون طعم الخبز الجاف الذي كان يأتيهم به (رائحة الطيبة) أفضل من الخبز الطازج المرسل من دائرة الشؤون الخيرية، يطرح الفصل تساؤلاً حول قيمة العطاء الإنساني الخالص وتأثيره، وكيف أن روح العطاء قد تكون أهم من المادة المقدّمة.
في ختام القراءة، يمكن القول إن الفصل يُظهر براعة في السرد من خلال تفصيل حياة هذه الشخصيات بشكل يجعلها نماذج إنسانية عالمية. النقطة الأكثر قابلية للنقاش، بناءً على النص، هي المعالجة المزدوجة لمفهوم الدين والتدين. فمن ناحية، هناك شخصيات تدين صادق وبساطة إيمان (مثل الحاخام أبو العافية وأبو سارة)، تُظهر أن الإيمان يمكن أن يكون قوة للخير والعدالة والرحمة. ومن ناحية أخرى، هناك استغلال للدين والطقوس لأغراض دنيوية، كما في خطب التأبين الجاهزة واللعنات الحزبية وشراء الأصوات باسم الطائفة، مما يقدم نظرة نقدية إلى استخدام المقدّس في خدمة المصالح الشخصية أو السياسية.
3.المسيح... سيأتي غداً / المعاينة / رجل الأعمال الشاقة / كيف تصبح أعجمياً؟ / العم عولس92–120▼ ملخص
يُقدّم هذا الفصل لوحة حية ومفصّلة للحياة اليومية في حارة يهودية في دمشق، مركزاً على الطقوس والعادات والمعتقدات التي كانت تنظّم حياة الناس. الموضوع المحوري هو البحث عن الحماية والأمان في عالم يموج بالمخاطر، سواء كانت روحية (من خلال الإيمان والتفسير الديني)، أو اجتماعية (من خلال احترام التقاليد والأسرة)، أو سياسية (من خلال الهروب من الخدمة العسكرية). يُظهر المؤلف كيف تداخلت هذه المستويات في حياة بشرية واحدة، وكيف أن السؤال المتكرر عن مجيء المسيح لم يكن سوى تعبير عن أمل في خلاص جماعي، بينما تعامل الناس مع مخاطر يومية أكثر واقعية بطرق عملية وأحياناً عجيبة.
يبدأ الفصل بوصف جد راوي القصة، رجل جاوز الستين وكرّس معظم وقته للصلاة وقراءة الكتب الدينية، خاصة تلك المتعلقة بأعياد مثل روش هاشانا وكيبور. لم يكن الجد يهتم بفهم النصوص فحسب، بل كان يميّز بين المعرفة العقلية والمعرفة القلبية. كان يعلّم حفيده أن الإيمان بالكتاب أولاً، ثم محاولة فهمه من الداخل، مادحاً جهل المؤمنين البسطاء في الكنيس ممن لا يفهمون حرفاً من صلاتهم لكن إيمانهم قوي. كانت قراءاته تهدف للوصول إلى "وحدة الحال" مع الخلق، باستثناء الأفاعي والخنازير.
سير الفصل خطوة بخطوة عبر حكايات متصلة. في أيام السبت بعد صلاة الغداء، كان الجد يصحب حفيده إلى الكنيس، حيث يجتمع الحرفيون والمهمّشون مثل الإسكافي والسمّان والحدّاد والخطّاط، بالإضافة إلى أبله الحارة برهومه. هناك، كان الحاخام حسون يدير نقاشات طويلة تستمر ساعات حول عبارات غامضة من كتب المدراش. كان الجميع يتنافسون لتقديم تفسيراتهم، محاولين استخراج أسرار لم يقلها المفسرون الكبار مثل الحاخام عكيبة أو طرفون أو إلعازر. بعد جدال حاد، كان الحاخام حسون ينهي النقاش بالتفسير "الصحيح والوحيد". كانت النقاشات تتمحور حول الطاهر والنجس، المأكولات الممنوعة، عادات عيد الغفران، عقاب الزانية، وغيرها من الأمور الفقهية والدينية. لكن النقاش كان ينتهي دوماً بسؤال واحد يطرحه أفقر الحاضرين بإلحاح: "المسيح... سيأتي غداً؟". كان رد الحاخام حسون المراوغ: "صبراً... صبراً... لقد وعد الله إبراهيم شعبه بذلك. سيرسله لنا... ويومها." وينهي الفصل الجزء الأول بقسوة: في صباح من شهر نيسان 1943، رأى الراوي ميليشاوياً على كورنيش الإنكليز في نيس يقطع رأس امرأة يهودية أمام مذعورين وطفل يصرخ. يؤكد المؤلف أن المسيح لم يأتِ بعد، لا من أجل تلك المرأة ولا من أجل الملايين من "اخوتها في الدين الذين كانوا سيُصلبون، على غرار ذلك الـ..."
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحلاق، حلاق العائلة، الذي كان يقوم بالحجامة والعناية باللحى. لكن اختصاصه الآخر وشهرته كانتا في "المعاينة"، وهي خدمة مجانية مخصصة لشاري الدواجن (دجاج، أفراخ، ديوك). كان بائعو الدواجن من حذاري الحارة يضعون أقفاصهم على جانبي دكانه. كانت المعاينة تتم علناً: يزن الحلاق الدجاجة، ويتلمسها، ثم يحشر إصبعه الوسطى في طيز الدجاجة ليحدد جودة الشحم والألية ويصدر حكمه بالشراء. لم يكن الزبائن المتبقون للحلاقة متحمسين لرؤية إصبعه ينتقل بين لحاهم وأطياز الدجاج، فنصحوه بالاختيار بين المهنتين. لكنه رفض، معتبراً أن كشفه على الدجاج هبة من الله، وأصر على الاستمرار لمساعدة الفقراء الذين يدخرون لشراء فروجة الفصح. فقد الحلاق زبائنه واحداً تلو الآخر، وأصبح يُرى جالساً على كرسيه يردد مزموراً.
يصف الفصل بعد ذلك حمرا، "رجل الأعمال الشاقة"، خادم العائلة المخلص والذي لا يعرف الكلل. كان يعمل ستة أيام في الأسبوع، يحمل الفحم والحطب، ويشطف الأرض، وينظف البركة، ويحضر الزريعة (البذور)، ويتعامل مع السجاجيد. كان هناك تعايش عجيب مع "الحيات الشريرة" ذات الأجراس التي احتلت الخزائن القديمة؛ فكانوا ينقرون على الخزائن ثلاث مرات أو يحركون خشخيشة لإعلام الحيّات قبل فتحها، وكانت المولولة (إحدى العمات) تطلب منه إنذار الحيّات قبل حمام السجاجيد السنوي. كان حمرا يلصق أذنه بثقب الباب ويهمس للحية، متعهداً باحترام السجاجيد مقابل السلام. كان يوم الخميس عطلة عمله، حيث كان يمارس مهنته الثانية: جمع الكرفس من "أراضيه" المزروعة على حواف نهر بردى، والتي كانت ملكاً للجميع لا أحد يعترضه، ثم بيعه في السوق. مضى أكثر من ثلاثين عاماً على هذه المهنة دون أن يتساءل أحد. بعد البيع كان يعود البيت حيث زوجته تنتظره لتطهيره قبل عشاء السبت. أما الأمسيات الصيفية فكان يقضيها مع أبي الراوي يدخنان ويروي حمرا حكاياته، منها أنه نجا من فلاح حقود بادّعاء أنه "يتحدث مع النجوم"، وهو درس حفظه: "لا أحد يطلق النار على رجل يتكلم مع النجوم".
ثم ينتقل الفصل إلى قصة كيف يصبح المرء "أعجمياً"، أي كيف ينجو من خدمة السلطان العسكرية. يصف سلمونه، أحد المحاربين القدامى الذين نجوا من حرب 1914-1918. لم يعرف أين أو لماذا أو لمن حارب، لكنه ترك ستة أصابع هناك. كانت وسائل النجاة مشهورة ومعروفة السعر: ثمن "لحظة السهو" من الضباط الشرهين مقابل حلي ونقود لتجنيد أو هروب مزيف، أو شراء جواز سفر مزوّر. وكان أفضل جواز هو الروسي أو من شاه العجم. يصف المؤلف دهشة جده عندما وجد جوازاً روسياً أصلياً أهداه إياه صديقه القنصل انطون، ويأبى جده تصديق أن الروس أصبحوا "بلشفيين" يضعون السكاكين بين أسنانهم. كان جده يرفض أي علاقة بروسيا حيث الثلوج أكثر والبرد قاتل. ثم تظهر شخصية فرّوحه، قنصل مزيف من نوع جديد، اخترع مملكة أسطورية هي "رضوانية" تحت حكم جلالة حبادو الثامن، وكان يبيع جوازات سفر مزوّرة باسمها لقاء الذهب. انطلى الأمر على راغبي الحماية حتى ضبط فرّوحه متلبساً بخداع آخر زبون، ولم يرفع ملكه الخيالي صولجانه لإنقاذه.
أخيراً، يصف الفصل العم عولس، رمز السفر والمخاطرة في عائلة الراوي. كان كل شيء يستنفر عند سفر أحد الأفراد، ولو إلى بيروت المجاورة على بعد قرابة المئة كيلومتر (رحلة قطار من 8 إلى 10 ساعات). يصف التحضيرات الدقيقة التي تشمل الحقائب التي تُفرغ عشرات المرات والزوادة الهائلة (بيض مسلوق، فطيرة، فخذ خروف، دجاجة، ليمون، فواكه، بقلاوة) تكفي فريقاً من متسلقي الجبال. ثم يصف طقوس الوداع المعقدة عند باب الدار (تقبيل المزوزة ويد الأب) وعلى رصيف المحطة (الدموع الواجبة والتوصيات بعدم الابتعاد عن الحمالين، وأن يبرق خبر الوصول بست كلمات والعودة بخمس كلمات). بعد أربعة أو خمسة أيام من الانتظار، تصل برقية "غداً الساعة السادسة معكم إنشالله". يهرع الجميع لاستقباله، وتصف الجدة جدها وهي تملأ جيوبه بتعويذات ضد كل شر، مع أن سفرها الوحيد في سبعين عاماً كان ثلاث مرات إلى جوبر، التي تبعد عن دمشق آلاف الكيلومترات على حد وصفها المبالغ فيه.
يقرّ الفصل بحدوده من خلال الإشارة إلى أن الجد يأبى فهم تغيرات العالم (البلاشفة)، وأن الحلاق يخسر زبائنه بسبب عجزه عن الاختيار بين مهنة وأخرى، وأن فرّوحه انكشف أمره في النهاية، وأن المسيح لم يأتِ رغم الوعود. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول طبيعة الإيمان مقابل العقل، وحول الحدود بين الممارسة الطقسية الأصيلة والخرافة، وبين الحماية الحقيقية والوهمية في عالم خطير.
من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، التأكيد على أن الإيمان القلبي القائم على الجهل قد يكون أفضل من معرفة ناقصة وتأويلات مشكوك فيها، وهو ما عبر عنه الجد بنفسه. وهو طرح يختبر حدود أهمية الفهم العقلي مقابل التسليم الروحي في الممارسة الدينية.
4.بناء على الغيوم121–184▼ ملخص
ملخص فصل «بناء على الغيوم»
يقدم هذا الفصل مشاهد متعددة من الحياة في حارة اليهود بدمشق القديمة، عبر شخصيات متنوعة تعيش على هامش المجتمع أو في صميمه، ليرسم صورة بانورامية لعالم يختلط فيه الواقع بالأسطورة، والفقر بالغنى، والقداسة بالدنس. الموضوع المحوري هو استعراض حياة الناس العاديين في الحارة: باعة متجولون، عمال، نساء عاملات، فقراء، ومجاذيب، وكيف تشكل الذاكرة الجماعية والفردية لهذه الشخصيات هوية الحارة المندثرة.
يبدأ الفصل بشخصية إسماعيل، البناء الأمي الذي يتحول إلى شاعر تحت تأثير سيكائره التي يلفها من مزيج التبغ والحشيش. كان إسماعيل لا يتحدث إلا حين يُطلب منه العمل، وفي نهاية اليوم يقبض أجرته ويعود إلى إسطبل قديم، يدخن سيكارته الأولى فيصبح شاعراً يرتجل رباعيات تشبه رباعيات عمر الخيام، ثم يطوف في الحارة ملقياً شعره مختتماً كل رباعية بسؤاله المعهود: «شو؟». كان الجمهور يرددون الكلمة الأخيرة من رباعيته. حاول بعض الشبان تتبعه لأسبوع لسرقة شعره، لكنه انزعج من مراقبتهم واختفى لثلاثة أيام، ثم عاد سعيداً برباعياته بعد أن رفعوا الحصار عنه. في النهاية، مات إسماعيل مسطحاً على بطنه وسط الحارة وعقب سيكارته الأخيرة في يده. يقول الراوي على لسان أحد الشخصيات أن الشاعر مثل الله، له في خلقه شؤون، وأن الحشيش أو الله يعطي الشعراء ما يعطونهم حتى يهربوا من مراقبة الآخرين. مات إسماعيل ولم يعد أحد يذكره، لكن المعلقين على رباعياته العابرة ما زالوا يرددون الكلمة الوحيدة التي بقيت من أعماله: «شو؟».
ينتقل الفصل إلى إبراهيم زيتون، التمبكجي المسن الذي تجاوز التسعين من عمره رغم توقعات الأطباء والمنجمين بموته، بعد التهابات رئة وثلاث وقعات وكسر في الساق وآخر في الكتف. كان إبراهيم يجلس في دكانه خلف أكياسه وقبانه وأوزانه، يفتِّت ويهرس أوراق التمباك الأصلي، ولا ينهض من كرسيه إلا لمعارفه وزبائنه المخلصين. يتميز إبراهيم بلحية غريبة تنمو على الطرف الأيمن في الربيع وعلى الأيسر في الخريف، مما جعل الملتحين في الحارة يقولون إن له وجهين: وجه إنسان عادي ووجه إنسان عارف بأفكاره الخاصة وتأملاته في الحياة والموت. يزعم إبراهيم أن نبياً أرسله الله إليه لينذره بأن ساعة الحساب والعقاب قد حانت، لأن التمباك سم حقيقي للناس، وإبراهيم أكثر من استنشقه من آل زيتون، سبعون عاماً من دخان التمباك. عندما سأله الراوي عن سبب العقاب، أجابه النبي الصغير (الذي سكن تحت مقعده) بأن إرادة إبراهيم هي المشكلة، ليس التمباك وحده.
ثم تظهر راشيل حلبى، التي تزوجت صغيرة من يعقوب حلبي دون أن تحبه، فقط لأنه من شارعها، رافضة صديق أخيها الذي كان من شارع آخر. بعد عشرة أشهر أنجبت توأمين، وأدركت أن زوجها معثّر الحظ لا يقدر على إعالتهم من مهنه البائسة: بويه جي، ماسح شبابيك، مُنَظّف برك، مفرشي كنب. توجهت راشيل إلى ابنة خالتها لتتعلم النقش على النحاس، ثم عملت في مشاغل (نسّام ومصري) للموزاييك، التي كانت تصدر قطعها إلى كل عواصم أوروبا والأمريكتين. كانت المشاغل أشبه بعنابر مفتوحة، والعاملات من حارة اليهود يشتهرن بإتقان العمل بالمطرقة والمِنقَش وبالاكتفاء بالقليل. كان على العاملات الغناء أمام الزائرين، وإظهار السعادة رغم الكدح لعشر إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً، وأي عبوس يعني الفصل من العمل. كانت الأجور متقلبة وتُقدَّر اعتباطياً «حسب رأس العاملة». بعد عشر سنوات من العذاب، فصلت راشيل بسبب ضيق التنفس دون تعويض. لم يبق لديها سوى ابنتين نجحت في تشغيلهما بالخياطة وصبي لم يسحب من الحياة سوى أوراق خاسرة. في النهاية، اقتحمت راشيل الكنيس الكبير تجاه خزانة أسفار التوراة، فتحتها، فكّت أزرار قميصها، وصرخت تحت أنظار المؤمنين المذهولين: «أسألك يا رب أن تقول لي الآن وهنا لماذا تعذب هكذا أكثر مخلوقاتك بؤساً قبل أن تناديهم إليك؟». لم يسمعها الله، وماتت يائسة على إحدى الدرجات المؤدية إلى وصاياه العشر.
يصف الفصل بعد ذلك فضيحة روزينة حموي، الفتاة الجميلة التي رفضت كل عروض الزواج في السابعة عشرة من عمرها. كان الجميع يعلم أنها تهيم حباً بمحضّر الأدوية في الصيدلية، وهو مسلم، لكن أهلها كانوا يجهلون ذلك. ذات مساء باغتت شرطة الأخلاقية روزينة في أحضان عشيقها بالجرم المشهود. أُفرج عن الشاب سريعاً، وفُرضت على روزينة الإقامة الجبرية في محل عمومي حيث تكفلت الشرطة بتقويمها. في اليوم التالي اكتشف أهلها أن ابنتهم صارت في المحل العمومي. تحرك الجميع لإنقاذها دون جدوى، وقد قيل إن المأمور صرح بأن البنت «مشي حالها». توفي والد روزينة أمام صيدلية عشيقها، ووالدتها دفنت نفسها في غرفتها تندب ابنتها. لم يُعرف أبداً إن كانت روزينة قد عانت طويلاً، لكن من المؤكد أنها قضت بقية حياتها في المحل العمومي «بسبب قبلة».
تظهر روزا الخدّامة، امرأة ولدت خادمة وأمها من قبلها. في الأربعين كانت تبدو كأنها في الستين، سكوتة تناجي نفسها. تقول لروزا إنها تذكر أمها دوماً حاملاً، ولو بقي كل إخوتها لكانت أكبر أولاد الباروح الواحد والعشرين، دون ذكر الأخير الذي قتل أمه. تخبر روزا الراوي أنها غير قادرة على الإنجاب. كانت أصابعها ملتهبة ونظرها يضعف، ولا يحتفظ بها بيت جدي إلا من باب الشفقة. تحكي روزا أنها خدمت منذ العاشرة، تقول: «كنت أمسح وأجلي وأغسّل وأكري وألمّع وأكتس». تكشف للراوي أنها أحبت شخصاً كان يمر فوق القبو حيث كانت تعمل، «من فوقي دون أن يراني»، لكنه مات. لم تخبر أحداً بهذا من قبل. كانت هذه أول وآخر مرة تحكي فيها عن نفسها. عندما غادرت روزا البيت، تركَت في البقجة نقوداً قليلة، خاتم عرس أمها، جوارب صوف، تعويذة، وصورة صغيرة داخل قلادة صدئة يبدو فيها وجه رجل.
يصف الراوي مشهداً صادماً من عام 1925، عندما رأى قافلة من مئات الجمال تحمل جثث فلاحين أعدموا على يد مرتزقة فرنسيين، انتقاماً لتحريضهم على الثورة. كانت النساء تركض حافية خلف القافلة، يندبن موتاهن بأسمائهم. عُرضت الجثث طول الليل في ساحة السبيل. بعد أيام، أعلن حظر التجول لمدة عشرين ساعة يومياً، ودوى انفجار حطّم زجاج غرفة الراوي. في الفناء الخلفي، وجدت عمته قطعة من جسد الشاب حسين، الجار الشيعي، قد التهمتها قطط الحارة المتوحشة. تقول العمة إن قطعة من فخذ حسين وقعت في الفناء الخلفي مارّة من فوق العريشة. دُفنت بقايا حسين، ولم تعلم عائلته ما جرى للقطعة الناقصة.
يروي الفصل قصة جميلة عن بدو رحل يحطون في بيت جد الراوي كل ربيع منذ خمسين عاماً، مهتدين بنجمة. يقدمون حملاً وقربة سمنة وكيسين من الصوف، ويقابلهم الجد بالترحيب. يعود أصل هذه الزيارة إلى حوالي عام 1870 أو 1880، حين كان جد الراوي تائهاً في الصحراء، عطشاناً، فاستضافه شيخ بدوي مسلم، وأطعمه وسقاه هو وفرسه. في المقابل، أعطاه جد الراوي نصف القطع الذهبية التي معه، قائلاً: «أنا يهودي أتبع الوصايا التي حملها موسى لشعبه. اسمي أبو بيخور الكترائي، أقيم في دمشق، في حارة اليهود». بعد سنتين أو ثلاث، جاء البدوي إلى بيت الراوي في دمشق حاملاً حملان قطيعه، وسمنة وصوفاً، قائلاً: «أصبحت شريشي». رفض الجد أن يأخذ القطع الذهبية، وأصر البدوي على العودة كل عام ليقدّم حصته من السمنة والصوف. استمر هذا التقليد خمسين عاماً، يتناقل أحفاد البدوي اسم عائلة الكتراني شفوياً. يقول الجد إنه يجهل كل شيء عن هؤلاء الشركاء، ولا يجرؤ على الاعتراف لهم بأنه نسي اسم قبيلتهم.
يتذكر الراوي أبو سالم الشربتجي، الذي كان يبيع في الصيف شراباً وردياً ابتكره بنفسه وسماه «خدود العذارى». كان أبو سالم يطلب من الزبائن تسجيل عدد الكؤوس التي شربوها على لوح، لأنه ينسى كل شيء. يخبر الراوي أبا سالم أنه سيسافر للدراسة في فرنسا في باريس، التي كانت تسمى «ملتقى لغات العالم». يحكي أبو سالم أنه كان يحلم بالرحيل عندما كان شاباً، لكنه لم يستطع. يقدم أبو سالم للراوي إبريق عرقسوس على حسابه. بعد أربعين عاماً، يلتقي الراوي بنادل بار في بلد آخر، يبتكر كوكتيلاً من عصير البرتقال والكريفون والتوت، ويسأله إن كان يعرف اسماً شاعرياً له. يقترح الراوي «خدود العذارى»، فيندهش النادل ويقول إنه فكر في اسم «خدود كلودين» لكنه لم يجرؤ. يتذكر الراوي أبو سالم حينها.
يختتم الفصل بمشاهد الرحيل. يستعد الراوي للسفر إلى باريس بعد حصوله على منحة للدراسة، فيطوف في الحارة. الناس يطلبون منه أن يمثل أمام الملك، ويقولون له: «يا مليكنا، إن الظلم يسود مملكتكم». يشرح لهم الراوي أن فرنسا أصبحت جمهورية ولا ملك فيها، ويحاولون فهم كيف يمكن لشعب بأكمله أن يجلس على عرش واحد.
ثم يودع الراوي شخصيات الحارة واحداً تلو الآخر: علي صيّاص، العجوز ذا الساق الواحدة الذي عاش في غرفة مليئة بالطحالب، دكانه لا يبيع شيئاً سوى صيصانه التي كانت رفاقه وطغاته. يقول علي للراوي: «عندما كنت بساقين كنت أحلم بالرحيل إلى بلاد العصافير». يعترف أنه مثل صيصانه الخائرة، لم يعد يرغب بسماع صياح الديك مرة أخرى. ثم عرّور الإسكافي، الذي أمضى حياته يرقع أحذية قديمة بقطع من أحذية أقدم منها، ولم يستخدم قطعة جلد جديدة أبداً. يقرأ عرّور على الراوي من المزامير: «لا ترك الله قدمك تزل... ليحرسك من كل سوء»، ويبكي وهو يودعه قائلاً: «لن تسمعني تتلو عليك نشيد الأناشيد بعد اليوم». يختم عرّور كلامه بأن السجن الحقيقي هو العيش بعيداً عن الله.
في خاتمة الفصل، يعترف الراوي بحنينه إلى دمشق القديمة وحارته التي اندثرت. يقول إنه لو كان مرشداً سياحياً لما حدث عن الجامع الأموي، بل عن غروب شمس على حقل فول، عن الشربتجية الجوالين، عن البدو الزاحفين تحت الترامواي، عن الأعمى الذي يعطفون عليه لأنه شحاذ وأعمى، عن الحارة حيث يجد الواحد نفسه وسط نقاش حول مصير الإنسانية على كل ناصية. حيث كل شيء ممكن وكل الناس على حق، وحيث العدل دوماً للأغنياء والفقراء، للشبعى والجوعى. يختتم الراوي: «أنا الذي أحنّ إلى دمشق تلك الأيام».