المورد
النصيرية العلوية يارون فريدمان - انجليزي

النصيرية العلوية يارون فريدمان - انجليزي

١ كانون الثاني ٢٠١٠enKoninklijke Brill NV

يُشكّل كتاب «النصيرية العلوية» ليارون فريدمان دراسة أكاديمية شاملة تتتبّع تاريخ هذه الطائفة ومعتقداتها وهُويتها منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع الميلادي وحتى العصر المملوكي. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن النصيرية ليست مجرد فرقة شيعية غالية بسيطة، بل هي نتاج توفيق معقّد لم ينبثق فجأة، بل تبلور تدريجياً خلال قرنين من الزمان في بوتقة التفاعل بين الإسلام والثقافات الهلنستية والفارسية والغنوصية. يرفض فريدمان النظرة الاختزالية التي تختزل الطائفة في هوية واحدة، ويسعى بدلاً من ذلك إلى الكشف عن الطبقات المتعددة التي شكّلت عقيدتها وتاريخها، معترفاً بفجوات معرفية كبيرة في المعلومات التاريخية المتاحة.

يسير الكتاب في ثلاثة محاور مترابطة تبدأ بالتأريخ، ثم تنتقل إلى اللاهوت، وتنتهي بالهوية. يفتتح الفصل الأول بتحديد الجذور الأولى للطائفة في حركة الغلاة بالكوفة في القرن الثامن، وهم متصوفة شيعة بالغوا في تقديس الإمام علي وذريته حتى وصلوا إلى تأليه الأئمة. يوضح المؤلف أن النصيرية هي ثمرة متأخرة لأفكار أبي الخطاب والمفضل بن عمر، حيث بدأت سلسلة نقل التقاليد من المفضل بن عمر الذي تلقى من الإمام جعفر الصادق (المتوفى 148هـ/765م)، ثم انتقلت إلى محمد بن سنان، فصولاً إلى محمد بن نصير النميري في القرن التاسع. يصف الفصل شخصية ابن نصير المُلقب بـ «باب الله»، الذي ادعى علاقته الوثيقة بالإمامين علي الهادي (المتوفى 254هـ/868م) والحسن العسكري (المتوفى 260هـ/873م)، لكن المصادر الشيعية تروي أنه لُعِنَ وحُرِمَ مرتين: الأولى عندما ادعى النبوة ونسب الألوهية للإمام الهادي، والثانية بعد وفاة الإمام العسكري حين ادعى أنه بابه وممثل الإمام الثاني عشر المختفي. تقدم النصوص النصيرية صورة مختلفة، وتذكر مجالس عقدها ابن نصير بحضور الإمام، منها مجلس في البصرة وآخر احتفل فيه الإمام العسكري بعيد النيروز، مما يكشف عن صراع على القيادة مع تلميذه إسحاق بن محمد الأحمر.

يتناول الفصل أيضاً موضوع التمويل والاستمرارية، مشيراً إلى أن الطائفة لم تكن لتستمر دون دعم اقتصادي من أسرة آل الفرات، وهم وزراء شيعة. يوضح المؤلف أن كشف النشاط السري لآل الفرات وفسادهم المالي أدى إلى تصفيتهم على يد العباسيين، وأن قيادة الطائفة انتقلت لاحقاً إلى مثقفين من الطبقة الوسطى والطبقة العليا، مما سمح لها بالبقاء اقتصادياً. يخصص الفصل جزءاً محورياً لشخصية الحسين بن حمدان الخصيبي (المتوفى 346هـ/957م أو 358هـ/969م)، الذي يعتبره المؤلف المؤسس الفعلي للطائفة. يصف كيف حصل الخصيبي على إرشادين صوفيين في المنام من النبي محمد والإمام علي، مما دفعه لبدء دعوته العلنية في العراق، فهاجر إلى سوريا واستقر في حلب تحت حماية الحمدانيين، حيث أنشأ جماعة جديدة ونشر تعاليمه. يُلاحظ الفصل أن الخصيبي مارس التقية وتظاهر بأنه عالم شيعي إمامي اثني عشري لتجنب الاضطهاد.

بعد الخصيبي، ينتقل الكتاب لشخصيات رئيسية أخرى مثل أبو عبد الله الحسين بن حمدان الجنبلاني (الخصيبي الأصغر) الذي قاد الطائفة في حلب ثم بغداد في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، ومحمد بن علي الجلي الذي خلفه ونشر الدعوة في بغداد، وميمون بن القاسم الطبرياني في القرنين الرابع والخامس الهجريين، الذي كتب كتاباً مهماً عن أعياد الطائفة وساهم في صياغة التقويم النصيري. يناقش الفصل أيضاً الفرق المنافسة مثل الإسحاقية والدروز التي نشأت في الفترة نفسها، ثم يصف مرحلة الانحدار والاضطهاد تحت حكم المماليك في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. يروي قصة ثورة المهدي النصيري التي قُمعت بوحشية، ويخصص مكانة مركزية لفتوى ابن تيمية (المتوفى 728هـ/1328م) الشهيرة التي كفَّر فيها النصيريين وأفتى بإباحة دمائهم وأموالهم، مما أدى إلى حملات اضطهاد واسعة. يُنهي الفصل بجدول زمني، معترفاً بوجود فجوات تاريخية، ومحذراً من أن المصادر النصيرية تميل للمبالغة في مكانة مؤسسيها بينما المصادر المخالفة تميل إلى التجريح.

ينتقل الفصل الثاني إلى كشف البنية المركبة للعقيدة النصيرية، مواجهاً التحدي المتمثل في افتقار معظم الكتابات الدينية النصيرية إلى الترتيب المنهجي، باستثناء كتاب «مجموع الأعياد». يستعرض الفصل تاريخ البحث الغربي، مقسماً إياه إلى مرحلتين: الأولى في القرن التاسع عشر مع رواد مثل أنطوان سلفستر دو ساسي وصموئيل ليد ورينيه دوسو، الذين بنوا دراساتهم على مصدر واحد أو اثنين، وتنوعت نظرياتهم بين التأثيرات اليونانية والفارسية والتأثير الوثني القديم. أما المرحلة الثانية فتمثلت بالباحث الفرنسي لويس ماسينيون في القرن العشرين، الذي تخلى عن منهج المصدر الواحد وقدم جميع المصادر النصيرية المعروفة تقريباً. يخلص الفصل إلى أن فرضية دوسو حول التأثير الوثني لا تزال قائمة، وأن نظريات الباحثين السابقين تظل مجرد فرضيات.

يشرح الفصل بعد ذلك أسس العقيدة القائمة على ثالوث إلهي: المعنى (al-Maʿnā) وهو الجوهر الإلهي الأعلى، والاسم (al-Ism) أو الحجاب (al-Ḥijāb) وهو المظهر الذي يتجلى به المعنى، والباب (al-Bāb) وهو الوسيلة للوصول إلى المعرفة الإلهية. تجسدت هذه الأقانيم الثلاثة في شخصيات تاريخية رئيسية: علي بن أبي طالب هو المعنى، محمد هو الحجاب، وسلمان الفارسي هو الباب. يصف الفصل أيضاً عقيدة التناسخ أو «الكدورة»، أي انتقال الروح بعد الموت إلى جسد آخر، وهو ما يرتبط بتقسيم النفوس إلى ثلاث فئات: نفوس تصل إلى الكمال، ونفوس خاطئة تعود إلى أجساد جديدة، ونفوس كافرة تعود إلى أجساد حيوانات. يتم الخلاص من التناسخ من خلال التمسك بالإمام الحق. في القسم الأخير، يحلل المؤلف معتقدات النصيريين حول «المهدي» القادم، وعلاقتهم بالشريعة الإسلامية، حيث يعتبرون أنفسهم المسلمين الحقيقيين والموحدين بينما يرون أن عامة المسلمين وقعوا في الشرك. يختتم الفصل بذكر فتوى ابن تيمية، لكنه يلاحظ أنها لم تنفذ بالكامل بسبب اعتبارات اقتصادية للمماليك الذين فضلوا بقاء النصيريين لزراعة الأرض ودفع الجزية، مشيراً إلى أن الباحث دوسو رأى أن تطبيق الفتوى كان غير واقعي لأنه يكشف عن اندماج النصيريين في الحياة اليومية مع المسلمين الآخرين.

يركز الفصل الثالث على هوية الطائفة بين المذهبين السني والشيعي. يناقش الفصل موقفين شيعيين متعارضين تجاه النصيرية. الأول والأكثر بروزاً هو الموقف السلبي والرافض، الذي يمثله محمد باقر المجلسي (توفي حوالي 1110-1111 هـ). في موسوعته «بحار الأنوار»، يستشهد المجلسي بعلماء شيعة من العصور الوسطى مثل أبي عمرو الكشي (توفي 340 هـ) ومحمد بن الحسن الطوسي (توفي 460 هـ) الذين يعتبرون الغلاة كفاراً ومشركين، وينقل عن الإمام جعفر الصادق قوله إن الغلاة أسوأ من اليهود والنصارى والمجوس. يرفض المجلسي مبدأ التفويض الذي تبنته الجماعات الغالية، ويصر على أن الأئمة بشر، وأن موتهم كان حقيقياً. ينقل الفصل حكماً قاسياً من الشيخ المفيد (توفي 413 هـ) يُكفّر فيه الغلاة الذين ينسبون الألوهية للأئمة، ويذكر أن أحد السفراء الأربعة، أبا جعفر محمد، قد لعن ابن نصير علناً.

على الرغم من هذا الموقف العدائي، يشير الفصل إلى أن تاريخ العلاقة قد لا يكون بهذه البساطة، وأن الغلاة ربما كانوا في البداية دائرة داخلية مقربة من الأئمة، مما يفتح الباب لاحتمال وجود موقف شيعي آخر أقل عداءً في مراحل تاريخية معينة. يُسلط الضوء على استخدام التقية كآلية للبقاء، والتي مكّنت النصيرية من التعايش والحصول أحياناً على حماية بعض الحلفاء الأقوياء، وصولاً إلى مرحلة التقبل من قبل بعض السلطات الشيعية الإمامية في العصر الحديث.

يتميز الكتاب بمنهجية نقدية حذرة، حيث يقر المؤلف صراحة بالفجوات المعرفية خصوصاً فيما يتعلق بالنشاط الاقتصادي للطائفة وتفاصيل بعض الشخصيات. كما يحذر من الاعتماد على مصادر معادية ومصادر طائفية تتطلب قراءة نقدية. تظل بعض الحجج قابلة للنقاش، مثل مسألة التفويض وعلاقة الغلاة المبكرين بالأئمة، إذ يقدم المؤلف أدلة على أن ادعاءات «عبد الله بن سبأ» المغالية أصبحت لاحقاً مبادئ أساسية في التشيع الإمامي، وهذه مفارقة تاريخية لافتة تثير تساؤلات حول حدود الانفصال بين التشيع الرسمي والغلو. كما أن نظريات الباحثين الغربيين عن أصول العقيدة تظل فرضيات غير مثبتة، وهو ما يعترف به المؤلف صراحة. يظل الكتاب إسهاماً قيماً في فهم أحد أكثر الموضوعات تعقيداً في التاريخ الإسلامي، خصوصاً في ضوء الأهمية السياسية المعاصرة للطائفة العلوية في سوريا.

الفصول(3)

1.فصل 15–65▼ ملخص

هذا الفصل هو الفصل الأول من كتاب "النصيرية العلوية" ليارون فريدمان، ويعالج التاريخ المبكر للطائفة النصيرية العلوية منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع الميلادي وحتى العصر المملوكي في القرن الرابع عشر. يقدّم الفصل رواية تاريخية مفصلة، معتمدة على مصادر داخلية (نصيرية) وخارجية (سنية وشيعية)، لتتبع مراحل تطور الطائفة من فرقة غلاة صغيرة في العراق إلى طائفة ذات وجود مادي وديني في سوريا.

يبدأ الفصل بتحديد جذور الطائفة في الغلاة بالكوفة في القرن الثامن، وهم متصوفة شيعة اتهمهم خصومهم بالمبالغة في تقديس الإمام علي وذريته حتى وصل بهم الأمر إلى تأليه الأئمة. يشير المؤلف إلى أن النصيرية هي ثمرة تطور متأخر لأفكار كل من أبي الخطاب (زعيم المخلصية) والمفضل بن عمر (مؤلف معظم أدبيات الغلاة). يوضح أن سلسلة نقل التقاليد النصيرية بدأت من المفضل بن عمر (الذي تلقى من الإمام جعفر الصادق المتوفى عام 148هـ/765م)، ثم محمد بن سنان، وصولاً إلى محمد بن نصير في القرن التاسع.

المحور الأول هو شخصية محمد بن نصير النميري (أبو شعيب)، الملقب بـ "باب الله"، وهو مؤسس الطائفة ومنها أخذت اسمها (النصيرية). لا تذكر المصادر تاريخ وفاته أو مكان ولادته بالضبط، لكن نشاطه الرئيسي كان في النصف الثاني من القرن التاسع. تدّعي المصادر النصيرية علاقته الوثيقة بالإمامين الشيعيين العاشر علي الهادي (المتوفى 254هـ/868م) والحادي عشر الحسن العسكري (المتوفى 260هـ/873م). في المقابل، تروي المصادر الشيعية أنه لُعِنَ وحُرِمَ مرتين: الأولى عندما ادعى النبوة ونسب الألوهية للإمام الهادي وعلم التناسخ، والثانية بعد وفاة الإمام العسكري عندما ادعى أنه بابه (رسوله الخاص) وممثل الإمام الثاني عشر المختفي (المهدي). حاول ابن نصير الاعتذار عن خطأه لكنه رُفض، ومات مريضاً وملعوناً من قبل المجتمع الشيعي.

يصف الفصل بالتفصيل الحلقة الصوفية التي أحاطت بابن نصير، مستنداً إلى نصوص النصيرية نفسها التي تقدم صورة مختلفة عن المصادر الشيعية. تذكر هذه النصوص مجالس (majālis) عقدها ابن نصير بحضور الإمام، منها مجلس في حديقته في البصرة لعب فيه دوراً في خلق مجتمع مقدس، ومجلس آخر احتفل فيه الإمام العسكري بعيد النيروز (رأس السنة الفارسية) مع ابن نصير وأتباعه. تبرز هذه الروايات محاولات إسحاق بن محمد الأحمر، أحد تلاميذ ابن نصير، لنيل شرعية الإمام لقيادة الجماعة، مما أدى إلى صراع على القيادة. ينقل الفصل أيضاً مقابلات بين ابن نصير والإمام العسكري في سامراء حيث كان الإمام مسجوناً.

يتناول الفصل موضوع التمويل والاستمرارية. يشير إلى أن الطائفة لم تكن لتستمر دون دعم اقتصادي قوي. يرجح المؤلف، بدعم من بعض النصوص النصيرية، أن آل الفرات، وهي أسرة من الوزراء الشيعة، كانت المصدر الرئيسي للتمويل. يُعتبر عمر بن الفرات في المصادر النصيرية "باباً" للإمام قبل ابن نصير. يوضح المؤلف أن الكشف عن النشاط السري لآل الفرات وفسادهم المالي أدى إلى تصفيتهم على يد العباسيين بعد فترة وجيزة من انتهاء نشاط ابن نصير. يضيف أن قيادة الطائفة انتقلت إلى مثقفين من الطبقة الوسطى (mawālī) والطبقة العليا (كُتَّاب)، مما سمح للطائفة بالبقاء اقتصادياً.

يخصص الفصل جزءاً هاماً لشخصية الحسين بن حمدان الخصيبي (المتوفى 346هـ/957م أو 358هـ/969م)، الذي يعتبره المؤلف المؤسس الفعلي للطائفة النصيرية. يصف الفصل كيف حصل الخصيبي على "إرشادين صوفيين" من النبي محمد والإمام علي في المنام، مما حفزه ليصبح قائداً للطائفة. بدأ دعوته العلنية (نشر المذهب) في العراق، مما أثار غضب السلطات العباسية، فهاجر إلى سوريا واستقر في حلب، حيث حظي بحماية الحمدانيين (بنو تغلب)، الذين تربطهم صلة قرابة بقبيلة بني نمير التي ينتمي إليها ابن نصير. في حلب، أنشأ جماعة جديدة ونشر تعاليمه. عاد الخصيبي لاحقاً إلى العراق وأسس مركزاً آخر للطائفة. يلاحظ الفصل أن الخصيبي مارس التقية (إخفاء المعتقدات) وتظاهر بأنه عالم شيعي إمامي اثني عشري لتجنب الاضطهاد. يذكر المؤلف أن الخصيبي خلفه اثنان: واحد في العراق والآخر في حلب.

بعد الخصيبي، تطرق الفصل إلى شخصيات رئيسية أخرى: أبو عبد الله الحسين بن حمدان الجنبلاني، المعروف بـ الخصيبي الأصغر، الذي تولى قيادة الطائفة في حلب ثم انتقل إلى بغداد حيث نشط في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. ثم محمد بن علي الجلي، الذي خلف الجنبلاني ونشر الدعوة في بغداد وضواحيها، وكتب العديد من الرسائل اللاهوتية والقضائية. وأخيراً، ميمون بن القاسم الطبرياني (القرنان الرابع/العاشر والخامس/الحادي عشر)، الذي واجه أوقاتاً صعبة من الاضطهاد، وكتب كتاباً مهماً عن أعياد الطائفة وساهم في صياغة التقويم النصيري.

ينتقل الفصل لوصف الفرق المنافسة التي نشأت في نفس الفترة، مثل الإسحاقية (أتباع إسحاق الأحمر) والدروز، مما يعكس حالة الانقسام داخل المذهب الغالي. ثم يتحدث عن بني شعبة من حران، وهم مؤلفون نصيريون بارزون في القرنين السابع والثامن الهجريين/الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، كان لأعمالهم تأثير كبير على لاهوت الطائفة.

بعد العصر الذهبي للطائفة، يصف الفصل مرحلة الانحدار والاضطهاد. يذكر رحلات الشيخ النصيري الشيخ النشابي في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي بهدف توحيد الطائفة وجمع شملها تحت ضغط المماليك. ثم ظهر المكزون السنجاري (أواخر القرن السابع/الثالث عشر) الذي قاد صحوة نصيرية، وأدخل إصلاحات عقدية وأسس "العيد الكبير" المُسمى عيد الغدير.

يختتم الفصل بفترة الاضطهاد الأكثر شدة تحت حكم المماليك. يصف محاولات تحويل النصيريين إلى الإسلام السني قسراً في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. ثم يروي قصة ثورة المهدي النصيري بقيادة شخص يُدعى المهدي، والتي تم قمعها بوحشية. وأخيراً، يخصص الفصل مكانة مركزية لفتوى ابن تيمية (المتوفى 728هـ/1328م) الشهيرة التي كفَّر فيها النصيريين وأفتى بإباحة دمائهم وأموالهم، مما أدى إلى حملات اضطهاد واسعة النطاق ضدهم. يُنهي الفصل بجدول زمني يلخص تاريخ النصيريين في العصور الوسطى.

في نهاية الملخص، تجدر الإشارة إلى أن الفصل يقر بوجود فجوات في المعلومات التاريخية، خاصة فيما يتعلق ببعض الشخصيات والتفاصيل عن النشاط الاقتصادي للطائفة. كما أن اعتماد المؤرخين على مصادر معادية (سنية وشيعية) ومصادر طائفية (نصيرية) يتطلب قراءة نقدية حذرة، حيث أن المصادر النصيرية تميل إلى المبالغة في مكانة مؤسسيها، بينما المصادر المخالفة تميل إلى التجريح ووصفهم بالهرطقة.

2.فصل 267–173▼ ملخص

هذا الفصل هو الفصل الثاني من كتاب "النصيرية العلوية" للمؤلف يارون فريدمان، وهو مخصص لشرح الدين النصيري (العلوي) وتحليل معتقداته وأصوله وتطوره. يتمحور الموضوع المحوري حول كشف البنية المركبة للعقيدة النصيرية، والتي يصفها المؤلف بأنها خليط متبلور من أفكار تطورت على مدى قرنين من الزمان في الأوساط الشيعية الباطنية، في منطقة كانت نقطة تلاقح بين الإسلام والثقافات الهلنستية والفارسية.

يبدأ الفصل بتقديم تحدي رئيسي يواجه الباحث في هذا المجال، وهو الافتقار إلى ترتيب منهجي في معظم الكتابات الدينية النصيرية، والتي تتكون أساساً من مجموعات متفرقة من الروايات. يستثني المؤلف من ذلك كتاب "مجموع الأعياد" الذي رتب مواده حسب الأعياد الدينية، ويشير إلى أن معظم المواد المنشورة في سلسلة "التراث العلوي" تفتقر إلى التنظيم. يعلن المؤلف أن هدفه في هذا الفصل هو استكمال الأعمال السابقة، وعلى الأخص كتاب بار آشير وكوفسكي عن الدين النصيري العلوي، وذلك بتقديم صورة شاملة عن الدين بناءً على جميع المصادر المتاحة، بما في ذلك الإضافات المهمة من السلسلة الجديدة، ومحاولة تتبع جذور المعتقدات التوفيقية التي نشأت من تفاعل النصيرية مع الإسلام واليهودية والمسيحية والفلسفة اليونانية والزرادشتية والجماعات الباطنية الأخرى في العالم الإسلامي في العصور الوسطى.

ثم يستعرض الفصل تاريخ البحث الغربي حول الدين النصيري، مقسماً إياه إلى مرحلتين رئيسيتين. في المرحلة الأولى في القرن التاسع عشر، كان الرواد من أعضاء الجمعيات العلمية والدبلوماسيين والمبشرين، الذين بنوا دراساتهم على مصدر واحد أو اثنين. يذكر الفصل ثلاثة باحثين رئيسيين من هذه الفترة: أنطوان سلفستر دو ساسي الذي اعتمد على رسالة جدلية للداعية الدرزي حمزة بن علي، والقس الإنجليزي صموئيل ليد الذي اعتمد على كتاب "المشيخة" المفقود حالياً، ورينيه دوسو الذي اعتمد على كتاب "باكورة سليمان الإذني". يوضح الفصل الاختلافات بين نظرياتهم حول أصول الدين النصيري؛ فرأى دو ساسي وليد أنه خليط من التأثيرات اليونانية والفارسية، بينما فضل دوسو التأكيد على تأثير المجتمعات الوثنية القديمة في منطقة جبال الساحل السوري، محاولاً إثبات تأثير الصابئة في حران. كما يشير الفصل إلى نظرية أخرى طرحها مبشرون مسيحيون مثل هنري لامنس، الذين رأوا في النصيريين جماعة مسيحية غنوصية معزولة فقدت معتقداتها الأصلية مع مرور الزمن.

يمثل الباحث الفرنسي لويس ماسينيون نقلة نوعية في البحث في القرن العشرين، حيث تخلى عن منهج الاعتماد على مصدر واحد، وقدم في أعماله جميع المصادر النصيرية المعروفة تقريباً. كما تجنب الاعتماد على الشهادات الشفهية، مما جنبه الوقوع في الأخطاء التي وقع فيها أسلافه. يخلص الفصل إلى أن فرضية دوسو حول التأثير الوثني لا تزال قائمة، وأن نظريات الباحثين السابقين تظل مجرد فرضيات في انتظار المزيد من الأدلة.

بعد هذا الاستعراض التاريخي، ينتقل الفصل إلى وصف أسس العقيدة النصيرية. يشرح أن العقيدة تقوم على الإيمان بثالوث إلهي يتجلى في ثلاثة جوانب: المعنى (al-Maʿnā) وهو الجوهر الإلهي الأعلى وغير المدرك، والاسم (al-Ism) أو الحجاب (al-Ḥijāb) وهو النبيذ أو المظهر الذي يتجلى من خلاله المعنى، والباب (al-Bāb) وهو البوابة أو الوسيلة التي يمكن من خلالها الوصول إلى المعرفة الإلهية. يوضح الفصل أن هذه الأقانيم الثلاثة تجسدت في شخصيات تاريخية رئيسية: علي بن أبي طالب هو المعنى، محمد هو الحجاب، وسلمان الفارسي هو الباب. هذا الثالوث هو نموذج متكرر في العقيدة النصيرية، حيث تتجسد هذه الأقانيم في دورات مختلفة عبر التاريخ.

يصف الفصل أيضًا العقيدة النصيرية في التناسخ أو "الكدورة"، أي انتقال الروح بعد الموت إلى جسد آخر، وهو ما يرتبط بتقسيم النفوس إلى ثلاث فئات: نفوس تصل إلى الكمال وتصعد إلى العالم العلوي، ونفوس خاطئة تعود إلى أجساد جديدة، ونفوس كافرة تعود إلى أجساد حيوانات. يتم الخلاص من التناسخ واكتساب المعرفة الباطنية (** العلم **) من خلال التمسك بالإمام الحق الذي هو تجسيد الباب في كل عصر.

في القسم الأخير من الفصل، يحلل المؤلف معتقدات النصيريين حول "المهدي" القادم، وعلاقتهم بالشريعة الإسلامية، ودورهم كـ**"موحدين"** حقيقيين. يشير الفصل إلى أن بعض النصوص النصيرية تنبئ بظهور مهدي من نسل أبي الخطاب الأسدي أو أن المهدي نفسه سيكون أبو الخطاب. مناقشاً مسألة التكفير، يوضح الفصل أن النصيريين يعتبرون أنفسهم المسلمين الحقيقيين والموحدين، بينما يرون أن عامة المسلمين وقعوا في الشرك بعبادتهم لله دون التعرف على تجلياته في الأئمة. يختتم الفصل بوصف فتوى ابن تيمية ضد النصيريين والتي قضت بأنهم ليسوا مسلمين ويجب القضاء عليهم، لكنه يلاحظ أن هذه الفتوى لم تنفذ بالكامل بسبب اعتبارات اقتصادية للمماليك الذين فضلوا بقاء النصيريين لزراعة الأرض ودفع الجزية. يذكر الفصل أيضاً أن الباحث دوسو رأى أن تطبيق الفتوى لم يكن واقعياً، لأنها تكشف عن مدى اندماج النصيريين في الحياة اليومية مع المسلمين الآخرين، وهو ما لم يكن ممكناً إنهاؤه بسهولة.

3.فصل 3175–222▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على هوية الطائفة النصيرية (العلوية) في العصور الوسطى بين المذهبين السنّي والشيعي، وكيف نظر إليها الفريقان. يوضح المؤلف أن دراسة هذه النظرات أمر مهم لفهم الصراع الأيديولوجي بين السنّة والشيعة، وللفهم الحديث للسياسة في الشرق الأوسط حيث يشكل العلويون today مجموعة قيادية في سوريا. في معظم العصور الوسطى، كانت الطائفة أقلية صغيرة في سوريا ولبنان، تعيش في حالة حرب وعدم استقرار، مما أثار الشكوك ضدها لدى الأغلبية السنّية، خاصة وأنها كانت محكومة من قبل سلالات سنّية بينما كانت المنطقة في صراع مع الإمبراطورية الفاطمية-الإسماعيلية والإمبراطوريات الشيعية في الشرق.

يناقش الفصل هويتين شيعيتين متعارضتين تجاه النصيرية. الموقف الأول والأكثر بروزاً هو الموقف السلبي والرافض، والذي يمثله بشكل خاص العالم الشيعي البارز محمد باقر المجلسي (توفي حوالي 1110-1111 هـ). في موسوعته "بحار الأنوار"، يستشهد المجلسي بعلماء شيعة من العصور الوسطى، مثل أبي عمرو الكشي (توفي 340 هـ) و محمد بن الحسن الطوسي (توفي 460 هـ)، الذين يعتبرون الغلاة (ومنهم النصيرية) كفاراً ومشركين، وأن الأئمة قد أعلنوا البراءة منهم. ينقل الفصل عن الإمام جعفر الصادق قوله إن الغلاة أسوأ من اليهود والنصارى والمجوس، ويحذر من إفسادهم للشباب، ويرى أنهم أهملوا أركان الإسلام الظاهرة ولا يمكنهم العودة إليها.

يرى المجلسي أن الغلو (الغلو) دخل إلى الإسلام من المسيحية واليهودية. ويضرب مثلاً على الغلو المسيحي برفع المسيح إلى مرتبة الألوهية، والغلو اليهادي من خلال شخصية عبد الله بن سبأ، الذي يُعتبر أول من ادعى أن علي بن أبي طالب هو وصي النبي محمد ورفض موته. ومن المفارقات التي يذكرها الفصل أن ادعاءات ابن سبأ "المغالية" أصبحت لاحقاً مبادئ أساسية في التشيع الإمامي، وهو ما يعترف به الكشي والذهبي في كتاباتهما. يرفض المجلسي أيضاً مبدأ التفويض (تفويض الله لسلطاته للأئمة) الذي تبنته الجماعات الغالية، ويصر على أن الأئمة بشر، وأن موتهم أو قتلهم كان حقيقياً وليس وهماً (مبدأ docetic).

ينقل الفصل حكماً قاسياً من الشيخ المفيد (توفي 413 هـ) يُكفّر فيه الغلاة الذين ينسبون الألوهية للأئمة، ويذكر أن حكم الإمام علي فيهم هو القتل والحرق. كما يذكر أن أحد السفراء الأربعة، أبا جعفر محمد، قد لعن ابن نصير (مؤسس الطائفة) علناً. هذا الموقف العدائي من قبل المرجعيات الشيعية الكبرى يُظهر مدى التباعد بين النصيرية والتشيع الإمامي الرسمي كما صوّره هؤلاء العلماء.

على الرغم من هذا الموقف العدائي، يشير الفصل إلى أن تاريخ العلاقة قد لا يكون بهذه البساطة، وأن الغلاة ربما كانوا في البداية دائرة داخلية مقربة من الأئمة. هذا الطرح يفتح الباب لاحتمال وجود موقف شيعي آخر، أقل عداءً وأكثر قبولاً، على الأقل في مراحل تاريخية معينة. كما يسلط الضوء على استخدام التقية كآلية للبقاء من قبل النصيرية، والتي مكّنتهم من التعايش والحصول أحياناً على حماية بعض الحلفاء الأقوياء، وصولاً إلى مرحلة التقبل من قبل بعض السلطات الشيعية الإمامية في العصر الحديث.