
اليوم التالي - أمن المواطن في سوريا واقع وآفاق
يقدّم كتاب "اليوم التالي – أمن المواطن في سوريا واقع وآفاق" الصادر عن منظمة عمران للدراسات الاستراتيجية مقاربة نادرة في تناول الملف الأمني السوري، إذ ينتقل بالتحليل من مستوى السياسات والمؤسسات الكبرى إلى مستوى المواطن الفرد، في محاولة لفهم كيف يعيش السوريون الأمن أو انعدامه في حياتهم اليومية، وما تطلعاتهم لمستقبل القطاع الأمني. يدافع الكتاب بقوة عن فكرة أن إصلاح القطاع الأمني يجب أن ينطلق من أمن المواطن وحريته وكرامته، وليس من احتياجات الدولة أو الأجهزة الأمنية وحدها، وهذه مقاربة تعيد تعريف الأمن نفسه باعتباره خدمة للمواطن وليس أداة للسيطرة عليه.
يستند الكتاب إلى مسح اجتماعي ميداني واسع النطاق، أجراه مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بين 12 آب/أغسطس و14 تشرين الأول/أكتوبر 2020، شمل 953 مستجيباً (548 رجلاً و405 نساء) داخل سوريا وخارجها. طُبق الاستبيان وجهاً لوجه في أربع محافظات سورية هي إدلب، حماة، حلب، والحسكة، بالإضافة إلى مخيمات ومدن في تركيا (غازي عنتاب والريحانية) وهولندا (أمستردام) وألمانيا (برلين). صُممت العينة بطريقة عنقودية متعددة المراحل، وراعت التوزع حسب مناطق السيطرة (المعارضة، الإدارة الذاتية الديمقراطية) والقوميات (عرب، كرد، وأقليات أخرى). من المهم الإشارة إلى أن العينة لم تتضمن مناطق خاضعة لسيطرة النظام السوري أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بسبب صعوبات الوصول والمخاطر الأمنية، مما يحد من إمكانية تعميم النتائج على كامل الجغرافيا السورية.
يكشف الكتاب عن واقع أمني متصدع ومتفاوت بشدة بين منطقة وأخرى. تظهر النتائج أن الأغلبية الساحقة (82.3%) من المستجيبين لم تتعرض شخصياً أو من عائلتها لاعتداء مباشر من مسلحين خلال العام السابق للمسح. لكن هذه النسبة الإجمالية تخفي تفاوتات حادة: ترتفع نسبة التعرض للاعتداءات بشكل ملحوظ في مناطق سيطرة المعارضة مقارنة بمناطق الإدارة الذاتية (من 7% إلى 10%)، وتتركز بشكل كبير في إدلب حيث تصل النسبة إلى حوالي 20% بينما تقل عن 10% في باقي المناطق. الفئات الأكثر عرضة للاعتداءات هي، باختصار: الموظفون والعمال، ذوو الدخل الأعلى، العرب مقارنة بالكرد، وسكان إدلب ومناطق المعارضة. أما دوافع الاعتداءات، ففي مقدمتها أسباب تتعلق بالحريات (نشاط سياسي، رأي، التزام ديني) بنسبة 29.3%، يليها الابتزاز المادي والسرقة والنهب بنسبة 20.8%، في حين أن حوالي 19.4% من الحوادث لم يكن لها مبرر واضح، مما يشير إلى مستوى عالٍ من العنف العبثي.
واحدة من أكثر النتائج إيلاماً وإيحاءً هي أن الغالبية العظمى (73.6%) ممن تعرضوا لاعتداءات لم يتقدموا بأي شكوى إلى أي جهة. الأسباب التي يقدمها المستجيبون ترسم صورة قاتمة للسلطة وللدولة: أكثر من النصف يخشون حدوث مضاعفات ضدهم في حال تقدموا بشكوى (لتجنب المشاكل أو لأن المعتدي ينتمي للقوة الأكبر في المنطقة)، بينما عبر الباقون عن عدم جدوى التقديم لأي جهة، حيث وصلت نسبة عدم الثقة بالجهات المتاحة إلى حوالي 70%. هذا الرقم يعكس انهياراً في العقد الاجتماعي وغياباً تاماً لأي سلطة ضابطة أو حماية للمواطن.
أما تقييم السكان للوضع الأمني في مناطقهم، فيكشف عن صورة مركبة. 56.8% من المستجيبين يرون الوضع سيئاً أو سيئاً جداً، لكن الانقسام الجغرافي حاد: في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، الأغلبية الساحقة تصف الوضع بالجيد (50.9%) أو الجيد جداً (8.9%)، بينما تنقسم مناطق سيطرة المعارضة على نفسها. وعند سؤالهم عن مقارنة الوضع الحالي بالعام السابق، قال أكثر من ثلث المستجيبين إنه تحسن نحو الأفضل، بينما رأت نسبة قليلة أنه تراجع نحو الأسوأ. يبدو أن التحسن حدث بشكل رئيسي في مناطق سيطرة المعارضة، حيث لعبت عوامل مثل تفاهمات بين الفصائل في المنطقة (48.4%) ووقف إطلاق النار (18.9%) دوراً أساسياً. تظهر إجابات سكان حلب أن تغييرات إيجابية حدثت قبل إجراء الاستبيان، حيث يوجد شبه إجماع على أن الوضع تحسن بشكل ما. أما إدلب، فتبدو الأقل استقراراً، حيث أن نسبة مهمة قالت إن الأوضاع تراجعت نحو الأسوأ.
المصادر التي تهدد الأمن تختلف حسب المنطقة. ففي مناطق سيطرة المعارضة، يحتل القصف الجوي والتفجيرات والاقتحامات العسكرية المراتب الأولى. أما في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، ففوضى السلاح والتفجيرات والتنظيمات الإرهابية هي المخاوف الرئيسية. لحماية أنفسهم، يلجأ السوريون إلى إجراءات تكيفية تعكس طبيعة التهديدات: عدم الخروج ليلاً (53.9%)، إخفاء الأشياء الثمينة (42.1%)، وعدم التصريح عن الأفكار والمواقف السياسية (35.3%)، وهو إجراء يعكس بقاء التهديدات ضد الحريات الشخصية حاضرة بقوة. ومن اللافت أن حوالي ثلث المستجيبين أفادوا أنهم يحتفظون بسلاح في المنزل.
يتجه الجزء الثاني من الكتاب نحو المستقبل، مستطلعاً آراء السوريين حول إصلاح القطاع الأمني. هناك شبه إجماع (57.3% يوافقون بشدة) على أن ممارسات الأجهزة الأمنية كانت أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الأحداث في سوريا. أكثر من نصف المستجيبين (51.9%) يدعون إلى ضرورة حل الأجهزة الأمنية القائمة وإعادة تشكيلها كلياً، بينما يفضل الربع (26.4%) حصر وظائفها بجمع المعلومات وفق قوانين واضحة. أما المدة اللازمة لهذه التعديلات، فتنقسم الآراء بين عام وخمسة أعوام (29.7% و30.2%)، بينما يعتقد حوالي الربع أنها تحتاج لأكثر من خمسة أعوام. المعوقات التي تعترض الإصلاح متعددة ومترابطة، ويبدو أن جميعها متساوٍ في الأهمية بنظر المستجيبين: فوضى انتشار السلاح، تعدد الميليشيات والفصائل ذات الارتباطات الخارجية، والتغيير المستمر في الأوضاع العسكرية ومناطق السيطرة، ومقاومة الأجهزة الأمنية نفسها للإصلاح.
يرى 60.1% من المستجيبين أن الانتقال السياسي إلى نظام يحترم حقوق الإنسان هو شرط أساسي لتحقيق الاستقرار الأمني. لكن هذا الرأي ليس إجماعياً، فسكان مناطق سيطرة الإدارة الذاتية يرفضون هذا الربط بشكل أكبر، معتقدين أن الاستقرار الأمني يمكن أن يحدث دون انتقال سياسي. في حلب وإدلب، هناك شبه إجماع على الربط بين الاستقرار الأمني والانتقال السياسي.
فيما يتعلق بدور المرأة في القطاع الأمني (الجيش، الشرطة، المخابرات)، تؤيد أغلبية المستجيبين (61%) انضمام النساء، لكن مع تحفظ مهم: 61.5% يعتقدون أن النساء قادرات على إنجاز بعض المهام فقط بنفس كفاءة الرجل، والمهام التي يرونها غير مناسبة هي العسكرية القتالية والميدانية. أما سبب المعارضة من قبل الباقين، فغالباً ما يكون لتصورات جندرية (أن النساء غير قادرات على العمل بكفاءة في هذا القطاع) وليس لرفض ديني مطلق لعمل المرأة.
أما بخصوص دمج المقاتلين السابقين، فيبدو أن تأمين فرص عمل (51.7%) هو الخيار الأكثر تفضيلاً، وليس دمجهم في القوات العسكرية أو تشكيل أجهزة شرطة محلية منهم. في إدلب، أكثر من نصف المستجيبين يريدون ضمهم للأجهزة الأمنية مستقبلاً، بينما في حلب الخيار المفضل هو دمجهم في سوق العمل. هناك إجماع شبه كامل (96.5%) على ضرورة إعادة المقاتلين الأطفال إلى مقاعد الدراسة.
أخيراً، يرى السوريون أن مسؤولية حفظ الأمن تقع على عاتق الدولة أولاً، لكنهم يرحبون بإشراك منظمات المجتمع المدني في مهام محددة مثل تنظيم حملات توعية (64.9%) وتشكيل رقابة على عمل الأجهزة الأمنية (48.8%). العقبات التي تحول دون هذه المشاركة هي هيمنة الدولة وسياساتها، وغياب الأسس القانونية، وتسييس منظمات المجتمع المدني.
في خلاصة قوية، يشير الكتاب إلى أنه رغم كل الفظائع الماضية، هناك بعض المؤشرات الإيجابية المحدودة في تحسن الأمن والثقة في بعض المناطق، لكن هذا التحسن هش ويعتمد على تفاهمات متغيرة. الإصلاح الحقيقي، برأي الأغلبية، يمر عبر انتقال سياسي شامل، وحل الأجهزة الأمنية القائمة وإعادة بنائها، وضمان المحاسبة والمساءلة. إن التحدي الأكبر هو تحويل هذا الوعي العالي لدى المواطن السوري إلى إرادة سياسية ورؤية عملية على الأرض.
كتاب "اليوم التالي" ليس مجرد تقرير إحصائي جاف، بل هو وثيقة إنسانية وسياسية تضع المواطن في قلب عملية إعادة البناء. إنه يذكّر بأن أي حديث عن "اليوم التالي" في سوريا لا يمكن أن يكون ذا معنى دون أن يكون أمن المواطن وكرامته هو الأساس والقاعدة. نقاط القوة في الكتاب تتمثل في منهجيته الميدانية الجادة في ظروف بالغة الصعوبة، وفي تركيزه على الصوت الشعبي المباشر، وفي جرأته في اقتراح تغييرات جذرية كحل الأجهزة الحالية. نقطة الضعف التي يعترف بها الكتاب نفسه هي صعوبة تعميم النتائج على مناطق سيطرة النظام، وهي مناطق واسعة ومهمة، إضافة إلى أن الاعتماد على عينة من المستجيبين لا يكفي لعكس التعقيد الهائل للواقع السوري. تظل هذه الدراسة مرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم متطلبات السلام المستدام في سوريا من منظورٍ لا يُسمع كثيراً: منظور المواطن العادي.