
بالسكين مجازر النظام السوري بالسلاح الأبيض
الكتاب الذي بين أيدينا، والصادر عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في عام 2013، هو تقرير توثيقي مركز على نمط محدد ومتعمد من العنف مارسته قوات النظام السوري خلال السنوات الأولى للثورة السورية، وهو القتل باستخدام "السلاح الأبيض" كالسكاكين والسيوف والسواطير. الموضوع المحوري للكتاب هو إثبات أن هذه المجازر لم تكن أفعالاً فردية أو عشوائية، بل كانت جرائم ممنهجة ومنظمة، ارتُكبت كجزء من استراتيجية ترهيب وتطهير لمواجهة الانتفاضة الشعبية. الموقف الذي يدافعه المؤلف واضح: هذه الأفعال ترتقي إلى مستوى الإبادة الجماعية، وأن النظام السوري بقيادته هو المسؤول المباشر عنها، مما يجعل التعايش معه أو تجاوز جرائمه دون محاسبة أمراً مستحيلاً وخطيراً على المجتمع الدولي.
تم بناء حجة الكتاب بشكل منهجي عبر عشرين فصلاً، كل فصل مخصص لمجزرة بعينها، لينتقل بالقارئ من مدينة إلى أخرى ومن تاريخ إلى آخر، راسماً خريطة دموية للجريمة المنظمة. المنطق الذي يربط الكتاب هو إظهار نمط متكرر وثابت: تبدأ كل مجزرة بقصف مدفعي وصاروخي عنيف وعشوائي على منطقة سكنية لإخضاعها وخلق الرعب، ثم تليها عملية اقتحام من قبل قوات النظام و"الشبيحة" والقرى الموالية، حيث يُمارس القتل الوحشي بالسلاح الأبيض، مع تمييز واضح ضد النساء والأطفال غالباً، قبل الإجهاز على الضحايا أو حرقهم. يبدأ الكتاب بمقدمة تؤطر هذه الجرائم كدليل على وحشية النظام، ويختتم بمعلومات مفصلة عن "فرقة الموت" المنفذة وملاحق بأسماء الضحايا، مؤكداً على الطبيعة الجماعية والمخطط لها لهذه الأفعال.
من الصعب نسيان الوقائع الصادمة التي يوردها الكتاب. يوثق التقرير 20 مجزرة كبرى على الأقل، راح ضحيتها 2885 شخصاً على الأقل، منهم أكثر من 200 طفل و120 امرأة، بمعدل مجزرة واحدة كل شهر خلال عامين ونصف. من أبرز هذه المجازر وأكثرها توثيقاً مجزرة الحولة التي وقعت في 25 أيار 2012، والتي راح ضحيتها 110 مدنيين، قُتل جزء منهم بالسلاح الأبيض. ويشير الكتاب بتفصيل مؤلم كيف أن مراقبي الأمم المتحدة الذين كانوا في المنطقة غادروها قبل بدء القصف بدعوى أن النظام لم يسمح لهم بالبقاء، مما أثار غضباً عارماً وسلسلة من الطرد الدبلوماسي لسفراء النظام. مجزرة كرم الزيتون والعدوية بحمص في 11 آذار 2012 تبرز بوحشية خاصة، حيث يروي الكتاب كيف تعرضت النساء وحتى الفتيات بعمر 8 سنوات للاعتصاب الجماعي قبل ذبحهن، وهي شهادة يقدمها فارّ من الجيش النظامي نفسه. مجزرة مزارع أبل في ريف حمص في 21 آذار 2012 تخللها حرق الضحايا أحياء بعد ذبحهم، بينما تروي مجزرة القبير في ريف حماة في 6 حزيران 2012 قصة مزرعة صغيرة تم إبادة سكانها بالكامل ورقص الشبيحة على جثثهم. كما كانت مجزرة دير الزور في أيلول 2012 من أكبر المجازر، حيث تم إعدام أكثر من 532 شخصاً بطرق ممنهجة ومشاهد مسرحية دموية أمام الأهالي، مما اضطر الجيش الحر لخوض معركة مكشوفة لإنقاذ من تبقى من المدنيين، أدت لخسائر فادحة في صفوفه.
أما مجزرة جديدة الفضل في نيسان 2013، والتي قضى فيها 483 شخصاً، فتصف حالة من الكارثة الإنسانية والفشل المجتمعي الدولي حيث تُركت الجثث في الشوارع أياماً ولم يصل العالم سوى "معدات دفن الموتى كمساعدات إنسانية". مجزرة البيضا ورأس النبع في بانياس في أيار 2013 هي الأكثر دموية بحسب التقرير، حيث قُتل أكثر من 500 شخص ذبحاً وحرقاً ورجماً بالحجارة، ووثقت هيومن رايتس ووتش إعدام ما لا يقل عن 248 مدنياً بينهم نساء وأطفال. لا يكتفي الكتاب بسرد الأرقام، بل يورد في ملاحقه قوائم بأسماء الضحايا، بعضهم يحملون أسماء وأعماراً دقيقة (أطفال بأعوام، أو رجال ونساء بسنوات عمرهم)، مما يحول الإحصائية إلى مأساة شخصية لا تُنسى. يصف التقرير "فرقة الموت" التي ارتكبت هذه المجازر بأنها تتألف من 400 عنصر من اللواء 104 التابع للحرس الجمهوري السوري، تحت إمرة العميد عصام زهر الدين والعقيد علي خزام، إضافة إلى 50 عنصراً من الحرس الثوري الإيراني، ويصف زيهم الرسمي وسيوفهم التي كانوا يحملونها.
يقر الكاتب ضمنياً بالحدود العملية للكتاب، فهو في النهاية تقرير يعتمد على توثيق الناشطين ومصادر إعلامية ولجان التنسيق المحلية، ولم يتمكن من تغطية جميع المجازر التي ربما حدثت. يُشار أيضاً إلى أن العديد من الجثث بقيت مجهولة الهوية بسبب طمس معالمها بالحرق أو التقطيع. تبقى الأسئلة المفتوحة حول المسؤولية الدولية: لماذا فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين رغم وجود مراقبين دوليين على الأرض في بعض الحالات (مثل مجزرة الحولة)؟ والتقرير يوجه نقداً لاذعاً للصمت الدولي مقارنة بالآلية السريعة للإدانة اللفظية التي تلت المجزرة لكنها لم تترجم لأفعال على الأرض.
من الإنصاف الإشارة إلى أن الحجج التي يقدمها الكتاب ليست خالية من إمكانية النقاش، لكن ذلك يأتي في إطار المادة المقدمة نفسها. الحجة الأساسية حول طبيعة المجازر الممنهجة وأنها "إبادة جماعية" هي قوية جداً ومدعومة بأدلة وصفية وشهادات عيان تشير إلى تنظيم واتباع نمط معين، ولكنها تبقى حجة قانونية وسياسية قد يختلف عليها الآخر. أيضاً، الاعتماد شبه الكامل على مصادر المعارضة ولجانها في التوثيق يطرح سؤالاً مشروعاً حول إمكانية تحيز المصدر، لكن لا يمكن بأي حال نفي الوحشية الموثقة بصرياً في الفيديوهات والصور المذكورة. في النهاية، هذا كتاب ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو اتهام قانوني وأخلاقي، ووثيقة ألم تهدف لتخليد ذكرى الضحايا وإشعال ضمير العالم، لكنها تذكّر بقسوة بأن "الناس هنا لا يموتون بالكيميائي وحده، فعشرات الآلاف قضوا تحت القصف وبالصواريخ... وبراميل البارود، وتحت سكين الجلاد."