
بلاد الشام في مطلع القرن العشرين - السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني - قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية
يُشكّل كتاب "بلاد الشام في مطلع القرن العشرين - السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني - قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية" لـوجيه كوثراني عملاً بحثياً موسوعياً يعيد تركيب صورة سورية التاريخية (بلاد الشام) في لحظة تحولها المصيرية من ولاية عثمانية إلى كيانات تحت الانتداب. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك آليات السيطرة الاستعمارية الفرنسية، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال هندسة ديموغرافية واقتصادية وسياسية دقيقة، استندت إلى فهم متخصص للتركيبة الطائفية والإثنية المعقدة للمنطقة. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن فرنسا لم تكتفِ باحتلال الأرض، بل سعت إلى "تفتيت" المجتمع السوري عبر تحويل التنوع الطائفي من واقع اجتماعي إلى أداة سياسية، مما مهد الطريق لإنشاء كيانات مصغّرة يسهل السيطرة عليها، وفي الوقت نفسه أحبطت أي مشروع وحدوي عربي ناشئ.
يسير الكتاب في حجته وفق منطق تصاعدي واضح، يبدأ من الطبقة التحتية (الديموغرافيا والاقتصاد) ليصعد إلى البنية الفوقية (المشاريع السياسية والصراع الدولي). يفتتح بتحليل التوزّع السكاني، معترفاً صراحةً بعدم دقة الإحصاءات العثمانية وتقديرات الباحثين الأجانب، واصفاً إياها بأنها ذات طابع "تخميني ودعاوي". ورغم ذلك، يستخرج منها لوحة ديموغرافية هائلة: يُظهر جدول للتقديرات أن عدد سكان المناطق السورية الخاضعة للانتداب الفرنسي كان حوالي 3,080,068 نسمة، بينما بلغ عدد سكان سورية كاملةً بما فيها فلسطين حوالي 4,489,058 شخصاً. ويكشف عن ظاهرة لافتة: "جزر أقليات في بحر إسلامي سني"، حيث كانت كل "دولة" أنشأها الانتداب تهيمن عليها طائفة بعينها؛ فـ"دولة سورية" ذات الغلبة السنية (نحو 1,405,845 شخصاً من أصل 1,735,750)، وجبل الدروز ذو الغالبية الدرزية (حيث لا يزيد عدد سكانه على 51,777، منهم 47,274 درزياً)، ودولة العلويين حيث بلغ عدد العلويين 176,545 أي 91% من غير السنة. هذا التوزّع لم يكن محايداً، بل كان نتاج سياسات متعمدة، كما يظهر في تحليل قانون الأراضي لعام 1858 الذي أدى إلى تمركز الملكية بيد وجهاء المدن، حيث أصبحت 80% من قرى حماة البالغ عددها 115 قرية مملوكة لآيات الوجاهة.
ينتقل الكتاب بعدها من الخريطة السكانية إلى الخريطة الاقتصادية، كاشفاً كيف أن المصالح الفرنسية، بقيادة غرفتي تجارة ليون ومرسيليا، نظرت إلى سورية كسوق استهلاكية ومصدر للمواد الأولية، وليس كشريك تنموي. يُظهر تحليل الميزان التجاري عجزاً صارخاً لصالح فرنسا بلغ في عام 1924 نسبة 1 إلى 5 (قيمة الواردات 51.4 مليون فرنك مقابل صادرات قيمتها 8.6 مليون فرنك). ويضرب مثالاً صارخاً على هذه السياسة بـ"معرض بيروت التجاري" عام 1921، الذي كان هدفه المعلن في الوثائق الفرنسية تحويل سورية إلى "زبون مستهلك للبضائع الفرنسية". وفي المقابل، يوثق الكتاب أشكال المقاومة المحلية، ليس فقط كرفض سلبي، بل كتكيّف خلاق؛ ففي دمشق، أحصى الشيخ محمد سعيد القاسمي وابنه جمال الدين في "قاموس الصناعات الشامية" ما مجموعه 5707 حرفة مهددة بالاندثار، في محاولة لتسجيل الموروث قبل ضياعه، بينما قدّم تجار دمشق في عام 1921 بياناً احتجاجاً على الحواجز الجمركية مع فلسطين، ذاكرين أن في مدينتي دمشق وحمص حوالي 11,510 نولاً يشتغل بها 55,000 عامل، تنتج ملايين القطع.
يبلغ التحليل ذروته في الأقسام التي تتناول المشاريع السياسية الفرنسية، حيث يكشف الكتاب عن وثائق داخلية تظهر كيف تحوّلت "الخصوصيات" الطائفية إلى أداة حكم. يبرز هنا الحوار المكثف بين الرئيس الفرنسي ميلران والجنرال غورو في آب/أغسطس 1920، والذي خطط لإنشاء "سلسلة دول مستقلة جمهورية الشكل" تتحد في فدرالية تحت سلطة المفوض السامي. كان الهدف، كما يعترف غورو نفسه، هو "تصفية حكومة فيصل" واستثمار الانقسامات، حيث رأى أن "انقسامات سورية هي أداة مفيدة لاحتواء الحركة المنظمة ضد فرنسا". هذه الوثائق تظهر أن إنشاء لبنان الكبير في 30 آب/أغسطس 1920 لم يكن مجرد استجابة لمطالب الموارنة، بل كان خطوة أولى في مشروع تفتيت شامل، رفض خلاله غورو فكرة بقاء طرابلس كانتوناً مستقلاً، وأصر على ضمها للبنان الكبير معللاً ذلك بأسباب ديموغرافية (إضافة 70,000 مسيحي مقابل 101,000 مسلم سني).
ويتسع نطاق التحليل ليشمل فلسطين والمشروع الصهيوني، حيث يُظهر الكتاب تأرجح الموقف الفرنسي بين الحذر والطمع. فمن ناحية، حذر المفوض السامي ويغان في تموز/ يوليو 1921 من تشكيل "اتحاد صهيوني" ليهود سورية، معتبراً إياه خطوة نحو "إمبريالية صهيونية" تمتد على سورية. ومن ناحية أخرى، تأثر هنري دوجوفنيل في نيسان/ أبريل 1925 بقدرة وايزمن على تمويل مشاريع زراعية في حوران، مؤكداً على الجاذبية الاقتصادية للصهيونية. هذا التناقض يفضي إلى استنتاج مركزي للكتاب: أن السياسة الفرنسية، رغم مخططاتها الدقيقة، كانت ترتجّل بين إغراءات رأس المال ومخاوفها من انهيار التوازنات الطائفية التي بنت عليها نفوذها.
يقرّ المؤلف بتحفظات مهمة تعزز مصداقية البحث. فهو يعترف صراحة بأن الإحصاءات السكانية التي يعتمد عليها هي "أولية ولا تغطي المناطق بشكل كامل"، ويشرح أسباب الاختلاف بينها، والتي تعود إلى شمول بعضها للمهاجرين وعدم شمول البعض الآخر، وإلى "المبالغة في أعداد بعض الطوائف وإنقاص غيرها بسبب التنافس على المناصب". كما يحذّر من أن التفسيرات الماركسية الجاهزة (إقطاعية، برجوازية كبيرة وصغيرة) لا تصلح لتحليل البنية الاجتماعية الفريدة لبلاد الشام، داعياً إلى البحث عن "أوالية السلوك السياسي" الخاصة بالمنطقة، والتي تتداخل فيها الأسرة والمنصب والملكية.
من بين الحجج الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب، تلك المتعلقة بمدى "وعي" السياسة الفرنسية. فمن جهة، يُظهر الكتاب وثائق تثبت تخطيطاً استعمارياً دقيقاً لتفتيت سورية، كتقرير الجنرال هاملين عن الشيعة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1919، والذي ركز على إبراز "الخصوصية" المذهبية للشيعة واستقلاليتهم عن السلطة المركزية السنية. ومن جهة أخرى، يقر المؤلف ضمنياً بأن بعض الضباط الفرنسيين بالغوا في تبسيط البنى القبلية لتناسب أجندتهم العملية، مما يطرح سؤالاً عميقاً: هل كان السلوك الفرنسي نتاجَ نظرية استعمارية متكاملة، أم كان نتاجاً لفرص انتهازية وتفسيرات انتقائية لواقع معقد؟ يبدو أن الكتاب يميل إلى الرأي الأول، لكنه يترك الباب مفتوحاً لمناقشة أن التطابق بين "الوصف" و"التوظيف" السياسي لم يكن عملاً تآمرياً مدروساً بنسبة مئة في المئة.
الكتاب، في مجمله، لا يكتفي بسرد الوثائق، بل يركّبها في سردية متماسكة تفضي إلى استنتاج قاسٍ: أن بلاد الشام دخلت القرن العشرين وهي تحمل تنوعاً طائفياً واجتماعياً معقداً، لكن الاستعمار الفرنسي حوّل هذا التنوع من مصدر ثراء حضاري إلى أداة تفتيت سياسي، ما زالت تداعياتها تلقي بظلالها على المنطقة حتى اليوم. الحجة المركزية التي يقدمها كوثراني، والمؤيدة بالوثائق الفرنسية نفسها، هي أن حديث فرنسا عن "الحماية" و"الانتداب" كان غطاءً لمشروع اقتصادي وسياسي دقيق، هدفه ليس تنمية البلاد بل ضمان تبعيتها، ليس فقط للدولة الفرنسية، بل لرأسمالية مدينة ليون وغرفة تجارة مرسيليا.
الأشخاص
الفصول(13)
1.في مسألة إنتاج الحرير ومناطق زراعته119–128▼ ملخص
في مطلع القرن العشرين، وتحديداً في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى وما تلاها، يتناول الفصل "في مسألة إنتاج الحرير ومناطق زراعته" الموضوع المحوري للاهتمام الفرنسي المتزايد بالاقتصاد السوري، وخاصة في قطاع زراعة التوت وصناعة الحرير. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا الاهتمام لم يكن مجرد فضول اقتصادي، بل كان جزءاً من استراتيجية استعمارية أوسع، حيث كانت المصالح الاقتصادية الفرنسية، ولا سيما من مدينة ليون، تسعى إلى السيطرة على إنتاج الحرير السوري لضمان نفوذها في المنطقة، وذلك في ظل تصاعد التنافس الإمبريالي وتأزم "المسألة الشرقية" أي تقسيم الإمبراطورية العثمانية. يُظهر الفصل كيف أن هذا التمركز الاقتصادي كان بمثابة طليعة للتدخل العسكري والسياسي الفرنسي لاحقاً.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتأكيد أن الاهتمام الفرنسي بسورية لم يكن جديداً، لكنه تكثف بشكل ملحوظ بعد التدخل العسكري الفرنسي الأول في عام 1860، وانطلاق زراعة التوت في متصرفية جبل لبنان بفضل الرساميل الفرنسية. يوضح المؤلف أن هذا الاهتمام في المرحلة الجديدة، التي بلغ فيها التسابق الاستعماري ذروته، لم يعد مقتصراً على الجهاز الدبلوماسي فحسب، بل شمل خبراء وعلماء وأساتذة جامعات وغرف تجارة ورجال أعمال. ويشير إلى أن مدينة ليون كانت القطب الرئيسي في هذا المجال، حيث كانت مصانعها تعتمد على الحرير السوري الخام، على الرغم من أن كميته كانت أقل من حرير الصين واليابان، إلا أن السيطرة الفرنسية على إنتاجه كانت شبه كاملة، حيث كان أكثر من 40 في المئة من حرير سورية يذهب إلى فرنسا. ويذكر أنه في عام 1904، قدمت ليون حوالي 8 ملايين فرنك سنوياً لشراء الشرانق، وهو ما يعادل ثلث ما يشتريه تجار الحرير من سورية تقريباً.
بعد ذلك، يركز الفصل على تحليل كتاب الباحث الفرنسي غاستون دوكوسو (Gaston Ducousso) الذي صدر عام 1917، والذي يُعتبر تقريراً شاملاً عن أوضاع إنتاج الحرير في العقد الأول من القرن العشرين. يستعرض الفصل مناطق زراعة التوت وحجمها بناءً على إحصاءات دوكوسو. في ولاية دمشق (ولاية سورية)، يُقدر عدد أشجار التوت بـ 608,796 شجرة، موزعة على مناطق مثل البقاع (171,849 شجرة)، ووادي العجم (158,227 شجرة)، وراشيا (142,200 شجرة)، وحوران وجبل الدروز (11,800 شجرة)، وغيرها، وتغطي مساحة 1,756 هكتاراً مع ملاحظة أن هذه المساحة لم تزدد بل ربما نقصت. في ولاية بيروت، يُقدر عدد الأشجار بـ 1,110,000 شجرة تغطي مساحة 5,401 هكتار، تتوزع على بيروت، طرابلس، اللاذقية، وعكا. أما في متصرفية جبل لبنان، فيصل العدد إلى 18,100,000 شجرة تغطي مساحة 7,076 هكتار. يُظهر هذا التوزيع تمركزاً كبيراً للزراعة في جبل لبنان على الرغم من ضيق أراضيه.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن مصانع حل الشرانق ودور الرساميل الفرنسية، فيذكر دوكوسو أن عدد المصانع في سورية عام 1901 بلغ 195 مصنعاً، لكن 55 منها لم تكن تعمل لأسباب مالية أو نقص في الأيدي العاملة. المصانع العاملة البالغ عددها 138 مصنعاً كانت تنتج خيوطاً بدرجات متفاوتة، لكن المصانع الفرنسية الثلاثة الكبرى: مصنع بورتاليس، ومصنع فاران، ومصنع أرمان، كانت تنتج أنواعاً ممتازة. يقدم الفصل جدولاً يوضح كمية الحرير المنتجة في سورية بين عامي 1909 و1913 (بالكيلوغرام)، حيث تراوحت بين 263,000 و267,000 كلغ سنوياً، بمعدل وسطي 263,000 كلغ، ويُصدر القسم الأكبر منها إلى ليون عبر مرفأ بيروت. ويؤكد دوكوسو أن صاحب الحلالة يحتاج إلى مبلغ يتراوح بين 6,000 و5,000 فرنك لتشغيل "دست" واحد، ولا يملك الصناعيون السوريون مثل هذه المبالغ، فيضطرون للاقتراض من المصارف الفرنسية أو الوسطاء، حيث تصل الفائدة في النهاية إلى حوالي 10 في المئة، مما يعكس السيطرة المالية الفرنسية الكاملة.
أخيراً، يتطرق الفصل إلى اليد العاملة السورية في هذه المصانع، حيث يُقدر دوكوسو أن عدد العاملين في عام 1911 بلغ حوالي 15 ألف عامل، منهم 12 ألف امرأة. يقدم الفصل جدولاً يوضح التوزيع الطائفي لهذه اليد العاملة، حيث يشكل الموارنة الأغلبية (5,500)، يليهم الروم الأرثوذكس (3,500)، ثم المسلمون (3,000)، والروم الكاثوليك (1,500)، والدروز (1,000)، وطوائف أخرى (500). يُلاحظ المؤلف أن الأجور كانت زهيدة جداً، حيث كان الأجر اليومي يتراوح بين قرش واحد وستة قروش (القرش يعادل 1.25 سنتيماً فرنسياً)، لكنه يستدرك بأنها كانت "كافية في سورية نظراً للمناخ والعادات". يختتم الفصل بالقول إن هذا التقرير من دوكوسو يُنتظم في إطار الدعوة الفرنسية المُلِحة لتكثيف الجهود وتوسيع مشاريع زراعة التوت في المناطق السورية، مما يعكس البعد الاستراتيجي للاقتصاد في خدمة الأهداف الاستعمارية.
الحجج القابلة للنقاش في الفصل تتمثل في التبرير الضمني لتدني الأجور بحجة "الحاجات المحدودة بسبب المناخ والعادات"، وهو تفسير يمكن اعتباره تعبيراً عن النظرة الاستعمارية التي كانت تسوغ استغلال الموارد البشرية. كما أن الاعتماد على تقرير واحد (دوكوسو) كمصدر رئيسي قد يطرح تساؤلات حول مدى تمثيليته للواقع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، على الرغم من قيمته الوثائقية الكبيرة.
1.الصراع الإنكليزي - الفرنسي (1915-1918) وكيفية انعكاسه على التعامل الأوروبي مع المسيحيين والمسلمين181–200▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول الصراع الإنكليزي-الفرنسي على النفوذ في بلاد الشام خلال الفترة 1911-1914، وكيف انعكس هذا التنافس على سياسات القوتين الأوروبيتين تجاه المسيحيين والمسلمين، وعلاقته بمشاريع التقسيم والبدائل السياسية المطروحة للدولة العثمانية. يقدم المؤلف الإجابة بأن التعامل الأوروبي، وخصوصاً الفرنسي، مع الطوائف كان انعكاساً مباشراً لحسابات الصراع مع بريطانيا، وأن فرنسا وجدت نفسها في مأزق بين سياستها التقليدية في "حماية المسيحيين الكاثوليك" وبين الحاجة إلى استمالة المسلمين العرب لمواجهة "المشروع الإنكليزي" الذي كان يراهن على الإسلام والخلافة العربية.
يبدأ الفصل بتحليل ردود فعل السكان في المدن السورية على الحرب الإيطالية-التركية في عام 1911، التي اعتُبرت مقدمة لتقسيم الولايات العربية. تظهر تقارير القناصل الفرنسيين وجود "لغط" سياسي في بيروت يتمنى الكثيرون، مسيحيين وعرباً مسلمين، أن تكون سورية من نصيب فرنسا، لكن الدبلوماسية الفرنسية تشتبه بأن وراء هذه الأفكار "بروباغندا إنكليزية" مصدرها مصر. يبرز هنا مشروع اتحاد مصر وسورية تحت راية "الخلافة العربية"، وهو ما تراه فرنسا كخطر مباشر على مصالحها التقليدية. يصف سفير فرنسا في القسطنطينية هذه السياسة الإنكليزية التي تهدف، في حال انهيار الدولة العثمانية، إلى وضع الخديوي محل السلطان كزعيم للإسلام، وربط سورية وفلسطين بـ القاهرة، معتمدين على العلاقات الاقتصادية والروابط العائلية بين بيروت والإسكندرية.
ينتقل الفصل إلى عرض كيف حاولت الدبلوماسية الفرنسية تقييم هذا الخطر، من خلال مراقبة تحركات شخصيات مثل كيتشنر وتقارير قناصلها. بعضهم قلل من أهمية المشروع الإنكليزي، معتمداً على تقليد السكان "المسيحيين" ومعارضتهم للحكم الأجنبي المباشر، وأشار إلى وجود حوالي مليون ونصف من السكان في سورية بينهم 400 إلى 500 ألف مسيحي، إضافة إلى 300 ألف سوري مسيحي في المهجر الأميركي، وهو ما اعتبره كتلة يمكن المراهنة عليها. يقدم قنصل بيروت تحليلاً للفئات الاجتماعية: فالمسيحيون والمسلمون العرب يتحد في عدائهم للهيمنة التركية، لكن المسلمين المستنيرين والموسرين بدأوا يميلون لمصر تحت إدارة أوروبية كحل بديل، متجهين نحو فكرة "الخلافة العربية" التي تروّج لها بريطانيا. يُذكر هنا أسماء شخصيات إسلامية مثل سليم علي سلام ومحمد كرد علي وعبد الغني العريسي ورشيد رضا التي يعتقد أنها تقود هذه الحركة الانفصالية ذات التوجه الإسلامي.
في مقابل هذا التوجه الإسلامي، يكشف الفصل عن تخوفات المسيحيين واللبنانيين في القاهرة من مشروع "ربط سورية بمصر"، مما دفعهم للتهديد بإعلان انفصالهم عن تركيا ووضع أنفسهم تحت "الحماية الجماعية لأوروبا" إذا لم تحسم فرنسا موقفها. يُظهر المؤلف هنا "المأزق الفرنسي" بوضوح: ففرنسا حبيسة واقعين؛ الأول: سياستها التاريخية في "حماية الكاثوليك والموارنة" منذ الحروب الصليبية، والتي جعلتها تتعامل مع الطوائف كقاعدة داعمة لها؛ والثاني: ضرورة تبني "سياسة إسلامية" لاستمالة المسلمين العرب ومنعهم من الميل نحو بريطانيا. يظهر هذا التناقض في تقريرين صادرين من نيابة القنصلية في طرابلس؛ أحدهما يدعو لمساعدة المسلمين في اختيار خليفة لهم، والآخر يتحدث عن اضطهاد البكوات المسلمين للمسيحيين في عكار، مما يعكس صعوبة التوفيق بين الحماية الطائفية والانفتاح الإسلامي.
يستعرض الفصل بعض الأمثلة على دعم فرنسا لـ "المسيحيين" عملياً، مثل دعمها لمطالب متصرفية جبل لبنان لفتح مرفأ جونيه والحد من صلاحيات المتصرف. كما يناقش حالات التنسيق بين مسيحيي بيروت والمسلمين في "حركة بيروت الإصلاحية" التي بلورت مطالب إدارية لا مركزية، لكن المسيحيين سرعان ما قدموا عريضة مستقلة إلى القنصل الفرنسي في آذار 1912، يعلنون فيها أن "الأمنية الكبيرة" لديهم هي "وصاية فرنسا على سورية"، مقترحين ثلاثة خيارات أمام الدبلوماسية الفرنسية تتراوح بين الوصاية الكاملة وضم ولاية بيروت إلى لبنان تحت إشراف فرنسي. يعرض المؤلف تقريراً للمستشار الفرنسي أندريه ديبوسك الذي حذّر من المبالغة في تقدير "الحركة العربية" ورأى أن التحالف الإسلامي-المسيحي فيها مؤقت ومبني على حسابات ضيقة، وأن فكرة الانفصال لا يريدها المسلمون ولا المسيحيون خشية تبدل موازين القوى لصالح الطرف الآخر.
في ختام الفصل، يُقرّ المؤلف بأن السياسة الفرنسية رغم تنبيه بعض دبلوماسييها إلى خطورة التمسك بحماية طائفية حصرية، استمرت في خطها العام بالمراهنة على دعم المسيحيين، مما جعلها في منافسة مباشرة مع "المشروع الإنكليزي" الذي استثمر التوجه الإسلامي نحو الخلافة العربية. يمكن القول إن النص يكشف أن الحماية الطائفية التي مارستها فرنسا لم تكن نابعة من قناعة أيديولوجية بقدر ما كانت أداة في صراعها مع بريطانيا، لكنها في النهاية أوقعتها في مأزق جعلها تخسر تعاطف جزء كبير من العرب المسلمين الذين رأوا في بريطانيا حليفاً أكثر انسجاماً مع هويتهم الدينية، كما أن الفصل يطرح سؤالاً مفتوحاً حول إمكانية نجاح أي سياسة أوروبية في المنطقة تختار طرفاً طائفياً على حساب آخر في مجتمع معقد كهذا.
2.السكان: التوزع بحسب الطوائف في الولايات وفي دول الانتداب الفرنسي وفي المدن والأرياف39–58▼ ملخص
ملخص الفصل: «السكان: التوزع بحسب الطوائف في الولايات وفي دول الانتداب الفرنسي وفي المدن والأرياف»
يدور هذا الفصل حول التوزع السكاني في بلاد الشام (سورية التاريخية) عند مطلع القرن العشرين، مع التركيز على التركيبة الطائفية والتوزع الجغرافي بين المدن والأرياف. يقدم المؤلف، عبر تحليله لوثائق دبلوماسية فرنسية وإحصاءات عثمانية وتقديرات باحثين، صورة معقدة وغير دقيقة بالضرورة عن ديموغرافيا المنطقة، ويكشف عن العلاقة بين هذه الإحصاءات والمشاريع السياسية والاستعمارية التي كانت تتشكل آنذاك.
يسير الفصل خطوة خطوة، مستنداً إلى عدة مصادر إحصائية رئيسية. يبدأ بمناقشة المصادر المتاحة، مشيراً إلى أن أرقامنا عن سكان سورية تعود أساساً لمصدرين غير دقيقين: الإحصاءات العثمانية وتقديرات الباحثين والقناصل الأجانب. ويذكر أن هؤلاء الباحثين غالباً ما يعتمدون على أرقام فيتال كوينيه (من كتابه الصادر عام 1897) ويضيفون إليها تقديراتهم الانطباعية. يستشهد الفصل بعدة تقديرات، منها تقدير غانم لسكان «سورية الطبيعية» ونفس الأمر بالنسبة لتقديرات إدمون لوي وتقديرات السفارة الألمانية في إسطنبول عام 1915. يُظهر جدول لأرقام هوفلان أن عدد سكان المناطق السورية الخاضعة للانتداب الفرنسي كان حوالي 3,080,068 شخص، بينما بلغ عدد سكان سورية كاملةً بما فيها فلسطين حوالي 4,489,058 شخص. يُقر المؤلف صراحةً بعدم دقة هذه الأرقام، ويصفها بأنها ذات طابع تخميني ووظيفة دعاوية لصالح المصالح الفرنسية.
ينتقل الفصل بعدها إلى توزيع السكان بين المدن والأرياف، مشيراً إلى صعوبة الحصول على أرقام دقيقة. يورد أن التمركز في المدن زاد مع نمو التجارة وتراجع الريف، خاصةً أثناء الحرب العالمية الأولى. في مناطق الانتداب الفرنسي، أحصى الخبراء الفرنسيون وجود 17 مدينة يزيد عدد سكان كل منها على 10,000 نسمة، إجمالي سكانها حوالي 1,500,000 نسمة. كما توجد أكثر من 15 قصبة يتراوح سكانها بين 5,000 و10,000 شخص. يقدر الفصل أن عدد سكان المدن وصل إلى حوالي 1,600,000 نسمة مقابل 66% من السكان في الريف، منهم حوالي 700,000 بدو رحّل. يذكر الفصل أهم المدن السورية الكبرى ضمن الانتداب الفرنسي بأعداد سكانها التقريبية: دمشق (حوالي 300,000)، حلب (حوالي 250,000)، حماة (حوالي 66,000)، حمص (حوالي 60,000)، ومدن أخرى مثل بيروت وطرابلس وأنطاكيا وزحلة.
يكرس الفصل قسماً كبيراً لتحليل التوزع الطائفي. يقدم جداول تفصيلية مستندة إلى تقديرات جورج سمنة وهوفلان وأخيراً إلى الإحصاءات الفرنسية الرسمية الأولى من سنوات الانتداب. يُظهر جدول سمنة (الذي يؤكد المؤلف عدم دقته) توزعاً تقديرياً لسكان «سورية الطبيعية» إلى:
- المسلمون: حوالي 3,915,020 (ينقسمون إلى سنة وشيعة ومجموعات أقوامية).
- المسيحيون: حوالي 1,150,000 (يتوزعون على ثلاث عشرة فرقة، منها الموارنة 250,000، الروم الأرثوذكس 350,000، الأرمن الأرثوذكس 300,000).
- اليهود: حوالي 100,000 (إسرائيليون وسامريون).
- الفرق الباطنية: حوالي 450,000 (منهم الدروز 180,000، النصيرية (العلويون) 200,000، الإسماعيلية 51,000).
بعد التأكيد على عدم دقة التقديرات السابقة، يقدم الفصل الإحصاءات الرسمية الأولية التي تمت في السنوات الأولى من الانتداب الفرنسي بحسب الانتماء الطائفي، منقولة عن تقرير لعصبة الأمم عام 1927. ثم ينتقل إلى جداول أوزو، مؤلف كتاب «دويلات المشرق تحت الانتداب الفرنسي»، والتي ترسم توزع الطوائف على الولايات التي أنشأها الانتداب الفرنسي بين عامي 1921 و1930**. يوضح الفصل من خلال هذه الجداول أن «دولة سورية» (التي تشكلت عام 1925 من اندماج دولتي دمشق وحلب) كان الطابع الإسلامي السني هو الغالب عليها بأغلبية ساحقة (1,405,845 شخصاً من أصل 1,735,750). يُظهر جدول مفصل آخر التوزع السكاني في سورية في أواخر الانتداب الفرنسي (من دون لواء الإسكندرون)، موزعاً على المحافظات والطوائف، بما في ذلك أعداد السنة والشيعة والعلويين والدروز والإسماعيليين والطوائف المسيحية واليهود.
يفرد الفصل فقرات لمناقشة التوزع السكاني في دويلات الانتداب الأخرى:
- دولة العلويين: يقدر عدد سكانها بـ 307,958 شخصاً، غالبيتهم العظمى من المسلمين غير السنة (خاصة العلويين الذين بلغ عددهم 176,545 أي 91% من غير السنة).
- دولة جبل الدروز: عدد سكانها لا يزيد على 51,777، منهم 47,274 درزياً.
- دولة لبنان الكبير: يقدم جدولاً مفصلاً لتوزع السكان بحسب الطوائف والمناطق (بيروت، صيدا، صور، الشوف، كسروان، طرابلس، زحلة، بعلبك...) لعام 1925، ويظهر الفصل التنوع الطائفي الكبير فيها.
في نهاية الفصل، يقدم المؤلف ملاحظات نقدية حاسمة. يعترف بأن الإحصاءات التي يقدمها أوزو أولية ولا تغطي المناطق بشكل كامل، ويعتقد أن أعداد سكان لبنان الكبير أقل من الواقع، مستشهداً بإحصاء لمتصرفية الجبل وحده عام 1917 بلغ 251,138 شخصاً. يشرح سبب الاختلاف بين الإحصاءات المختلفة، والذي يعود إلى شمول بعضها للمهاجرين وعدم شمول البعض الآخر، وإلى المبالغة في أعداد بعض الطوائف وإنقاص غيرها بسبب التنافس على المناصب في الدولة الناشئة. يخلص المؤلف إلى أن هذه اللوحات الديموغرافية تظهر بوضوح ظاهرتين أساسيتين: التعدد الطائفي، وهيمنة طائفة بعينها على كل «دولة» أنشأها الانتداب. فدولة سورية ذات الغلبة السنية، وجبل الدروز ذو الغالبية الدرزية، واللاذقية ذات الغالبية العلوية. وبهذا، يصف المؤلف المشهد بأنه «جزر أقليات في بحر إسلامي سني»، حيث تتحول الأكثرية في مكان إلى أقلية في آخر. يختتم الفصل بسؤال تفسيري حول أسباب هذا التنوع، مكتفياً بالإشارة إلى أن المدن كانت تاريخياً مراكز للانبعاث الديني والانشقاقات.
إن الفصل قوي في منهجيته، حيث يقدم نقداً صريحاً للمصادر الإحصائية التي يعتمد عليها، ويحذر القارئ من اعتبارها حقائق مطلقة. تكمن قوة التحليل في إظهار كيف أن هذه الإحصاءات لم تكن محايدة، بل كانت جزءاً من لعبة سياسية واستعمارية تهدف إلى تبرير التقسيم وتشكيل كيانات على أسس طائفية تخدم المصالح الفرنسية. ينجح المؤلف في جعل القارئ يدرك أن الحديث عن الأرقام هو في جوهره حديث عن السلطة والنفوذ والمشاريع السياسية المتنافسة في فترة حاسمة من تاريخ بلاد الشام.
2.مشروع «سورية الطبيعية» في البرامج الفرنسية (1915-1918)201–210▼ ملخص
يُعالج هذا الفصل مشروع «سورية الطبيعية» كما تصورته الدوائر الدبلوماسية والاقتصادية الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى، وتحديداً بين عامي 1915 و1918. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا المفهوم لم يكن مجرد طموح سياسي، بل كان انعكاساً مباشراً لمصالح اقتصادية فرنسية محددة، قادتها خصوصاً غرفتا تجارة ليون ومرسيليا، اللتان ضغطتا على حكومتهما للمطالبة بضم مناطق واسعة تحت ذريعة "وحدة سورية الطبيعية"، في مقابل رؤية أكثر تحفظاً من بعض اللجان الرسمية.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تتبع تحول السياسة الفرنسية من مرحلة "التطمين" إلى مرحلة المطالبة العلنية. يبدأ الفصل بعرض المشهد في بداية 1915، حين طمأنت الحكومة البريطانية فرنسا بأنها لا تطمع في سورية، لكن السفير الفرنسي في لندن أوضح أن هذا لا يعني إطلاق اليد لفرنسا. هذا التطمين النسبي حرّك الأوساط الاقتصادية، التي بدأت تكثف نشاطها في سورية عبر مشاريع تعليمية ومالية. على سبيل المثال، أسست جامعة ليون بالتعاون مع جامعة القديس يوسف كلية الحقوق في بيروت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1913، إلى جانب "مدرسة مهنية" كان من المقرر افتتاحها في العام نفسه، بدعم من غرفة تجارة ليون التي خصصت 1000 فرنك لهذا الغرض. هذه المشاريع شكلت ركيزة المطالبة الفرنسية بسورية.
في مقابل هذه الحركة الاقتصادية، شُكّلت لجنة رسمية هي "لجنة الشؤون السورية" التي وضعت في 4 آذار/ مارس 1915 تقريراً لتحديد حدود سورية. هذه اللجنة كانت أكثر تحفظاً، واقترحت أن تشمل منطقة النفوذ الفرنسي ولايات: بيروت، دمشق، وقسماً من حلب، ومتصرفية فلسطين، مع استثناء الإسكندرون. كانت حدودها تمتد من رأس الخان جنوب خليج الإسكندرون إلى حلب، ثم على طول سكة حديد بغداد حتى الفرات، والضفة اليمنى للفرات، وصولاً إلى خط من معان إلى غزة، واعتبرت لبنان الماروني قلب هذه المنطقة، ومدنها الرئيسية: حلب، بيروت، دمشق، القدس. أوصى التقرير بسياسة حذرة تقوم على "الاستمرارية" للدولة العثمانية، مع تعزيز الوجود الفرنسي تحسباً لأي طارئ.
لكن هذا التصور الرسمي اصطدم بمطالب رجال الاقتصاد الذين كانوا أكثر طموحاً. يوضح الفصل أنه عندما تسربت أخبار عن مفاوضات سايكس-بيكو وتنازل فرنسا المحتمل عن بعض مناطقها لمصلحة بريطانيا، ثارت ضجة في غرفتي تجارة ليون ومرسيليا. ففي حزيران/ يونيو 1915، رفعت غرفة تجارة ليون مذكرة لوزير الخارجية تعبر عن قلقها وتطالب بـ"سورية الطبيعية" الموحدة، والتي تمتد من طوروس إلى مصر، شاملة كيليكيا وفلسطين، ومؤكدة على ضرورة إلحاق الإسكندرون وسهول أضنة الخصبة. بررت الغرفة مطالبها بالمصالح الاقتصادية الضخمة، مستشهدة بأن سورية تصدر نحو 500 ألف كيلو من الحرير سنوياً بقيمة 5 ملايين فرنك، وأن المستثمرين الفرنسيين يملكون "حلالات" في لبنان وعلاقات شخصية مع الأهالي.
بعد أسابيع، انضمت غرفة تجارة مرسيليا إلى المطالبة، فحددت "سورية الكاملة" بخطوط أكثر اتساعاً من جبال طوروس شمالاً إلى العريش وخليج العقبة جنوباً، ومن الفرات شرقاً إلى البحر غرباً. أصرت على ضم ولاية حلب والإسكندرون وولاية أضنة، معتبرة أن فلسطين وولاية بيروت ودمشق "لا يمكن التغاضي عنها". بالنسبة لهذه الغرفة، كانت الحجة الاقتصادية هي الدامغة، خاصة في مقابل اعتراف بريطانيا بحقوق فرنسا في سورية بينما تسعى هي للاستيلاء على بلاد ما بين النهرين. وهكذا، يظهر التناقض بين الرؤية الرسمية المتواضعة للجنة الشؤون السورية، والطموحات الإمبريالية الواسعة لرجال الأعمال.
انتهت الحرب، وشاع خبر اتفاقية سايكس-بيكو (1916)، فعادت غرفة تجارة ليون في تشرين الأول/ أكتوبر 1918 لتوجيه رسالة جديدة تعترض بشدة. رأت الغرفة أن حصة فرنسا قد انحسرت إلى "شريط ساحلي بسيط"، وأن سورية الطبيعية التي عرفوها قد تقلصت بعد حذف حلب، الموصل، ودمشق، التي ستتحول إلى إمارات عربية. كما اعترضت على جعل الإسكندرون مرفأ حراً، واحتفاظ بريطانيا بمرافئ عكا وحيفا، محذرة من أن حيفا ستتفوق على بيروت لأنها نهاية خط حديد واسع من الهند إلى المتوسط. ذهبت الغرفة إلى حد استنكار فصل دمشق عن السيطرة الفرنسية، متسائلة: "أليست فرنسا أيضاً قوة إسلامية؟" وطالبت بإعادة النظر في الاتفاقية معتبرة أن انهيار روسيا القيصرية ودخول الولايات المتحدة الحرب قد غيرا الظروف، وأن المطلوب أساساً هو ضم دمشق وحلب والموصل إلى منطقة النفوذ الفرنسي.
في نهاية الفصل، يقدم المؤلف اعتراضات الرئيس العام للإرسالية اليسوعية في سورية على اتفاقية سايكس-بيكو، مشيراً إلى أن دمشق والموصل وحلب هي أراضٍ سورية ولا يجوز فصلها لدمجها في دولة أخرى. هذه الاعتراضات الدينية والاقتصادية تظهر تعدد الأصوات الفرنسية التي اجتمعت جميعها على رفض التقسيم النهائي، حتى وإن اختلفت في تفاصيل الحدود. يقر المؤلف ضمنياً بأن هذه المطالب كانت تصطدم بواقع الحرب وحسابات بريطانيا العسكرية، وأن المشاريع التي أنتجتها الحرب لم تصل إلى حجم الآمال الفرنسية المسبقة، مما يترك سؤالاً مفتوحاً حول إمكانية تحقيق رؤية "سورية الطبيعية" في ظل التوازنات الدولية آنذاك.
من خلال هذا الفصل، تبرز حجة قابلة للنقاش وهي أن المفهوم الجغرافي لـ"سورية الطبيعية" لم يكن بناءً على تاريخ أو وحدة ثقافية، بل كان أداة اقتصادية وسياسية صيغت لتبرير أقصى طموحات رأسمالية فرنسية في المنطقة، مما يجعل المشروع بمجمله أقرب إلى خريطة للمصالح منه إلى خريطة للأوطان.
3.المدن والسكان59–76▼ ملخص
يُشكّل التوزّع الطائفي للسكان في بلاد الشام المحور الأساسي لهذا الفصل، الذي يسعى إلى تفسير كيفية تشكّل هذا «الموزاييك» المعقّد من الطوائف وتأثيراته على البنى الاجتماعية والاقتصادية. يقدّم المؤلف وجيه كوثراني صورة تحليلية لتوزّع الجماعات الدينية المختلفة بين الريف والمدينة، مع التركيز على العلاقة بين الانتماء الطائفي والنشاط الاقتصادي وتوزّع الثروة والسلطة، خاصة في مطلع القرن العشرين.
يبدأ الفصل بتحليل أسباب التوزّع الطائفي في الأرياف، مستنداً إلى أفكار الباحث ووليرس. يرى ووليرس أن هذه العملية تمت عبر ثلاث مراحل رئيسية: أولاً، مقاومة العناصر الريفية للمعتقدات الجديدة بالتمسك بمعتقداتها القديمة، مما أدى إلى تشكّل جيوب دينية منعزلة كما هو حال الأقليات المسيحية في محيط إسلامي. ثانياً، قيام بعض الطوائف الشابة والنشيطة المضطهدة بالانسحاب إلى قلب الريف هرباً من السلطة المركزية، كما هو حال الإسماعيلية. ثالثاً، نزوح الجماعات المهزومة أو المنقولة قسراً، كالمسلمين الجركس القادمين من القوقاز أو الأشوريين الكلدانيين الفارّين من الفتح التركي. ويشير المؤلف إلى أن هذا التوزّع أدى إلى تشكيلات ديموغرافية معقّدة، بحيث تختلف القرية عن جارتها في الانتماء الطائفي، ويضرب مثلاً بـ سنجق الإسكندرون الذي كان يضم ثماني طوائف مختلفة في إطار عدد سكان لا يتجاوز 188,000 شخص بحسب تقديرات ووليرز في أربعينيات القرن العشرين.
يتناول الفصل أيضاً «بلاد العلويين» كنموذج آخر لهذا التوزّع، حيث يجد القارئ، على أساس مجموع سكاني معين (في الأربعينيات)، ثلاث طوائف أساسية هي العلويون والمسلمون السنة والروم الأرثوذكس، وأربع طوائف ثانوية هي الموارنة والإسماعيلية والأرمن والروم الكاثوليك، بالإضافة إلى عناصر قليلة من سبع طوائف أخرى. يوضح المؤلف أن هذه الظاهرة التعددية تمتد إلى المراكز المدينية، حيث تملك الأقليات المهدّدة وسيلتين للبقاء: إما الانكفاء في الريف والدفاع عن طريق العزلة، أو اللجوء إلى المدن والاعتماد على التفوق الاجتماعي والتخصص والتعاضد. ويقدّم ووليرس مثالاً على ذلك بـاليهود والأرثوذكس والأرمن، مشيراً إلى أن اليهود اختفوا كلياً من الأرياف ليتمركزوا كجماعات مدينية وغنية في مراكز حضرية كبرى مثل بغداد والموصل والبصرة ودمشق.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى دراسة أثر ازدهار التجارة الأوروبية مع سواحل المتوسط الشرقية على المدن. فمع تعاظم دور هذه التجارة وتأثير معاهدات الامتيازات الأجنبية، ازدهرت المدن الساحلية ومدن المحطات الكبرى مثل حلب. ويستشهد المؤلف بالمؤرخ محمد عدنان البخيت الذي يصف كيف أن العهد العثماني وفّر الأمن للسواحل، مما أدى إلى حركة عمران جديدة بعد أن كانت مهجورة منذ إخراج الصليبيين عام 1291م، وهاجرت العناصر السكانية، خاصة المسيحية، من الداخل إلى الساحل الذي أصبح يكتسب سمة مسيحية بارزة.
يقدّم الفصل بعد ذلك جداول إحصائية من كتب وثائقية معاصرة، معترفاً بأنها غير دقيقة وقد تتضارب مع إحصاءات أخرى، لكنها تقدم صورة ذات دلالة على التنوّع الطائفي في المدن التجارية. تُعتبر بيروت النموذج الأبرز، حيث منذ عام 1830م بدأت العناصر المسيحية تطغى عددياً. ففي أواخر القرن التاسع عشر، بلغ عدد سكان بيروت حوالي 100 ألف نسمة، ثلثهم من المسلمين والثلثان من المسيحيين (حوالي 50 ألفاً) وأغلبهم كاثوليك. وتلتقي هذه الغلبة العددية مع غلبة اقتصادية تمثلت بتسلّم عائلات مسيحية، خاصة أرثوذكسية وكاثوليكية، زمام حركة التصدير والاستيراد. ويورد الفصل جدولاً للباحث بيير روندو يوضح توزّع سكان بيروت الطائفي في ثلاثينيات القرن العشرين، ليؤكد أن أعداد الأرمن هي التي رجّحت غلبة المسيحيين (نحو 45,000 مسيحي مقابل 27,000 مسلم)، مشيراً إلى أن المسلمين السنة امتلكوا العقارات وتاجروا، بينما سيطر المسيحيون على القسم الأكبر من التجارة والمصارف والأعمال التقنية والمهن الحرة.
يتناول الفصل بالتفصيل أوضاع مدن ساحلية أخرى نقلاً عن كتاب «ولاية بيروت» لمؤلفيه رفيق التميمي ومحمد بهجت. في حيفا، يصف المؤلفان المسيحيين بأنهم يأتون بالدرجة الثانية عددياً، لكنهم يشتغلون بصناعات أرقى، ويمتلكون ثروات كبيرة تصل إلى مئة ألف ليرة. وفي المقابل، توصف الكتلة الإسلامية بأنها أحط الطبقات وأضعفها، وأكثرهم من البحارة والصيادين وأصحاب الصناعات الصغيرة. وفي صور، يُقدّر عدد السكان بـ6,000 إلى 7,000 نصفهم مسلمون والنصف الآخر مسيحيون، ويُعدّ المسيحيون أرقى الطبقات. أما طرابلس فتُظهر وضعاً مختلفاً، حيث انتقلت التجارة في مطلع القرن العشرين إلى أيدي المسلمين بعد هجرة أغنياء المسيحيين إلى مصر، ويقدر المؤلفان أن ثلث ثروة المدينة فقط في أيدي المسيحيين. وفي اللاذقية، يُقدّر عدد سكانها بـ 50,000 نسمة، أربعة أخماسهم من المسلمين السنة والخمس الآخر من المسيحيين، وتشير الوثائق إلى أن أغنى العائلات التجارية كانت مسيحية، بينما انصرف كبار وجهاء المسلمين إلى زراعة أراضيهم.
بالنسبة للمدن الداخلية الكبرى كـدمشق وحلب وحمص وحماة، يُلاحظ أن الطابع الإسلامي السني هو الغالب، إلى جانب أقليات يهودية ومسيحية. في حلب، يورد الفصل جدولاً من كتاب نهر الذهب للغزي يوثّق عدد سكان المدينة عام 1922م، ويُلاحظ فيه هيمنة المسلمين السنة، مع وجود ملحوظ للأرمن (الأرثوذكس والكاثوليك) والروم الكاثوليك. ويُقدّر الغزي أن سكان حلب قد يتجاوزون 200 ألف نفس إذا ما أُجري إحصاء دقيق. وفي دمشق، يُقدّر عدد سكانها عام 1860م بحوالي 142,000 نسمة، موزعين طائفياً، أغلبيتهم الساحقة من المسلمين.
يختتم الفصل بتحليل توزّع السلطة والثروة في دمشق، مستنداً إلى دراسة فيليب خوري. يوضح أن السلطة المحلية حتى مطلع القرن العشرين تشكّلت على قواعد اقتصادية واجتماعية. فمن جهة، استفاد الأعيان المسلمون من «تتجير» الحبوب والسيطرة على الأراضي. ومن جهة أخرى، أتاحت إصلاحات التحديث العثمانية للعائلات المسيحية واليهودية التي جنت ثروات من التجارة مع أوروبا أن تتصدر واجهة السلطة المحلية. ويَضرب مثلاً بعائلتي القدسية والشامية المسيحيتين اللتين جمعتا بين المناصب البيروقراطية ورأسمال التجار لشراء الأراضي. ويُعدّد خوري أقوى العائلات الدمشقية المسلمة مالكة الأراضي من أمثال العظم والعابد واليوسف، ويُقدّر أن النخبة السياسية في دمشق كانت تتألف من نحو خمسين عائلة مسلمة وخمس عشرة عائلة مسيحية وأربع عائلات يهودية.
في ملاحظة ختامية، يمكن القول إن الفصل يقدّم مادة وثائقية غنية ومتنوعة تُظهر التداخل العميق بين الانتماء الطائفي والموقع الاقتصادي والاجتماعي في بلاد الشام. اعتماد المؤلف على مصادر متعددة مثل كتاب «ولاية بيروت» ودراسة فيليب خوري يمنح الملخص مصداقية، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول مدى دقة هذه الإحصاءات وتمثيلها للواقع، وهو ما يقرّ به المؤلف نفسه. تبقى الحجّة الأساسية للفصل واضحة: أن التوزّع الطائفي لم يكن مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل كان عاملاً محدداً في تشكيل البنى الاقتصادية وهرمية السلطة، مما يفسّر كثيراً من التحولات الاجتماعية والسياسية اللاحقة في المنطقة.
3.في الأهمية التجارية لسورية: المواصلات والمدن والمرافئ والأسواق137–152▼ ملخص
يمثل الموقع الجغرافي لسورية "العنصر الأولي في قيمتها" وفقاً للخبراء الفرنسيين، فهي منطقة عبور وحلقة وصل بين أقاليم منتجة ومستهلكة، مما يمنحها دوراً أساسياً كبلد "ترانزيت". إلا أن هذا الدور لم يُستغل بالشكل الأمثل، إذ إن فتح قناة السويس حوّل تيارات التبادل التجاري نحو مصر، تاركاً سورية تعتمد على قوافل برية محدودة. ويرى الخبراء أن مستقبل سورية التجاري مرهون بتحسين شبكة المواصلات، خاصة سكك الحديد والمرافئ.
يتناول الفصل أولاً شبكة سكك الحديد، مشيراً إلى أن الخطوط الأولى التي أنشئت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لم تهدف لفتح طرق جديدة، بل لتحسين الطرق القائمة عبر خطوط قصيرة تصل المرافئ بالداخل. ومن هذه الخطوط الفرنسية: يافا-القدس (1892)، وبيروت-دمشق (1897)، وطرابلس-حمص (1911)، والخط الإنكليزي حيفا-درعا (1905). أما الخطوط الداخلية مثل رياق-حلب (1904-1905) ودمشق-مزاريب (1895)، فلم تكن سوى تطوير لطرق القوافل القديمة. بالمقابل، تبرز أهمية المشاريع الألمانية، وعلى رأسها خط سكة حديد بغداد الذي يُفترض أن يربط إسطنبول بالخليج الفارسي، وخط الحجاز الذي يصل دمشق بمكة، وهما المشروعان اللذان كانا سيمنحان سورية دوراً مركزياً في التبادل التجاري لولا اندلاع الحرب العالمية الأولى. ويخلص الفصل إلى أن الحرب غيرت مسار التبادل التجاري بالكامل، وأدخلت خطوطاً جديدة، مثل فرع دمشق-بصرى-أسكي شام وحيفا-عكا، ليتحقق التقاء خطين رئيسيين في حلب: خط من أفريقيا وخط من أوروبا.
ينتقل الفصل بعدها لتحليل ثلاثة مرافئ رئيسية: الإسكندرون، حيفا، وبيروت. بالنسبة لمرفأ الإسكندرون، يراه الخبراء الفرنسيون "منفذاً طبيعياً" لمناطق واسعة تمتد حتى حلب، الموصل، وديار بكر، وهو ما تعززه مشاريع خط بغداد الألمانية. لكن المنافسة بين الفرنسيين والألمان أدت إلى بناء خط حمص-طرابلس لتخفيف الاعتماد على الإسكندرون، إلا أن الحرب دمرت العديد من الخطوط ثم أعادت الحياة للقوافل. ويحذر الفصل من أن المصالح الاستراتيجية ستؤدي لاحقاً إلى تنازل فرنسا عن كيليكيا ولواء الإسكندرون لتركيا، مما سيحبط المشروع الاقتصادي.
أما مرفأ حيفا، فيحظى باهتمام خاص. وقد أصبح خط درعا-حيفا (المرتبط بخط الحجاز) منافساً قوياً لمرفأ بيروت، إذ استطاع توسيع دائرة نفوذه لتشمل حوران ودمشق بسبب انخفاض تعريفة النقل على خط الحجاز. ويقدم الفصل أرقاماً توضح النمو السريع لحركة المرفأ: بين عامي 1914 و1915، ارتفعت حمولة الواردات من حيفا إلى دمشق بنسبة 457%، ليخلص الخبراء إلى أن حيفا انتصرت على بيروت في جذب التجارة من المناطق الداخلية.
أما مرفأ بيروت، فكان الأكثر تضرراً من هذه المنافسة. فرغم أهمية بيروت كمركز تجاري، إلا أن مجالها الداخلي محدود، إذ تصدر كل من صور وصيدا وطرابلس واللاذقية منتجاتها عبر مرافئها الخاصة. كما أن سهول البقاع والغاب لا تقدم سوى القليل للتصدير. ويشير التقرير إلى أن خط حلب-رياق-بيروت يعاني من صعوبات تقنية في القسم الجبلي بين رياق وبيروت، مما يزيد تكاليف النقل ويضعف القدرة التنافسية. ويقدم الفصل جدولاً لحركة مرفأ بيروت بين 1901 و1919، يظهر تذبذبات واضحة: فبعد فترة ازدهار بلغت ذروتها في 1911، بدأت الصادرات بالتناقص التدريجي مع افتتاح خط حمص-طرابلس عام 1911، لتتجه نحو الانهيار.
في الختام، يطرح الفصل رؤية الخبراء الفرنسيين التي تركز على جعل سورية وسيطاً تجارياً في المشرق العربي، مرتبطاً بالرأسمالية الفرنسية. ويؤكد أن دمشق يمكن أن تصبح سوقاً عربية مركزية إذا ما تم ربطها بالحجاز والعراق، محذراً في الوقت نفسه من وضع عوائق جمركية أو تعريفية تعيق التبادل الطبيعي للسلع. ويُظهر الفصل تناقضاً واضحاً بين منطق المشروع الاقتصادي الرأسمالي الذي يتطلب تحديثاً وربطاً بالأسواق، والمنطق السياسي الذي يفرضه الانتداب الفرنسي القائم على السيطرة وتحالفات مع القوى المحلية، وهو ما سيحد من فعالية أي مشروع اقتصادي طموح.
3.الدبلوماسية الفرنسية والرؤية الإثنولوجية للجماعات في فهمها التركيب الطائفي والأقوامي وتعاملها مع خصوصياته211–222▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول الكيفية التي فهمت بها الدبلوماسية الفرنسية التركيبة الطائفية والأقوامية في بلاد الشام، وكيف وظّفت هذا الفهم لترسيخ هيمنتها عبر نظام الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى. يقدّم المؤلّف وجيه كوثراني إجابة مفادها أن فرنسا لم تتعامل مع الطوائف كمجرد تنوّع ديني، بل كأداة سياسية استراتيجية. لقد لجأت إلى رسم خرائط اجتماعية-دينية تفصيلية للجماعات (كالشيعة والدروز والعلويين) بهدف عزل كل منها عن المحيط السني والعربي، وخلق ولاءات محلية موازية للسلطة المركزية التي كانت تهددها الحركة العربية بقيادة فيصل. هذا النهج الإثنولوجي كان جوهر مشروعها لـ"تقسيم وحكم" المنطقة، وتجسّد في إنشاء كيانات طائفية ودول صغيرة كـ"دولة العلويين" وجبل الدروز.
يسير الفصل عبر عدة مراحل، يبدأها المؤلّف بتحليل الاتفاقيات التي مهّدت للسيطرة الفرنسية، وصولاً إلى اتفاق 15 أيلول/سبتمبر 1919 بين فرنسا وبريطانيا. هذا الاتفاق، الذي سبق مؤتمر سان ريمو، مثّل تعديلاً استراتيجياً لاتفاقية سايكس-بيكو، حيث حصلت فرنسا على سوريا مقابل تخليها عن الموصل وفلسطين لبريطانيا، وبقاء شرق الأردن تحت الاحتلال البريطاني. ويشير المؤلّف إلى أن تنفيذ هذه السيطرة تطلّب أمرين: ضرب الحركة العربية في دمشق وإزاحة فيصل، وإعادة تنظيم سورية إدارياً بطريقة تضمن السيطرة الفرنسية عبر مشاريع كونفدرالية وتقسيمية. ويشدّد على أن الجانب الثاني (التنظيم الإداري) لم يُدرس بشكل كافٍ، وهو ما يركز عليه الفصل بالاعتماد على وثائق ودراسات سوسيولوجية فرنسية.
ينتقل المؤلّف إلى تقديم أمثلة ملموسة على هذه السياسة، بدءاً من النشاط الدبلوماسي الفرنسي حتى قبل الحرب. يورد رسالة من القنصل الفرنسي العام في بيروت كولوندر إلى الرئيس بوانكاريه بتاريخ 4 تشرين الأول/أكتوبر 1908، تتعلق بمحاولة استقطاب الزعيم الشيعي كامل بك الأسعد أثناء حملته الانتخابية لعضوية مجلس المبعوثان العثماني. في هذه الوثيقة، يظهر القنصل كيف حاول كسب ود الأسعد عبر تقديم الدعم الانتخابي له مقابل ولائه، معتبراً أن هذا التحالف سيمنح فرنسا نفوذاً في منطقة بلاد بشارة وقاعدة بشرية يمكن أن تمدها بـ2000 محارب. لكن المؤلّف يحذّر من التسرّع في الاستنتاج، موضحاً أن هذه الحادثة تعكس حاجة آنية لكامل الأسعد أكثر من كونها تحالفاً استراتيجياً متيناً، نظراً لافتقار الطائفة الشيعية آنذاك إلى القاعدة الاجتماعية والاقتصادية التي يتمتع بها الموارنة مثلاً. ويُظهر أن الصراعات العائلية المحلية في جبل عامل هي التي دفعت الأسعد للتلاعب بالقوى الخارجية (العثمانيين، الفيصلين، والفرنسيين) لتعزيز سلطته المحلية.
بعد الحرب، يوضح الفصل كيف تحوّلت هذه المقاربات الدبلوماسية إلى استراتيجية منهجية، يتجلى ذلك في "تدفق التقارير" التي تشكّل مسحاً سوسيوغرافياً دقيقاً للجماعات. يعرض المؤلّف ثلاثة تقارير نموذجية: الأول عن الشيعة الإمامية (المتاولة) والشركس أعده قائد جيوش الشرق الجنرال هاملين في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1919. ركّز التقرير على إبراز "الخصوصية" المذهبية للشيعة واستقلاليتهم عن السلطة المركزية السنية، معتبراً أنهم يعتبرون السلطان "مغتصباً" وأحكام قضاته "غير شرعية"، مما جعلهم جماعة قابلة للاستقطاب ضد أي حكومة مركزية سنية. ويشير المؤلّف إلى أن هذا الفهم تُرجم سياسياً في حملة الكولونيل نيجر عام 1920 على جبل عامل، بهدف فك التحالف بين المثقفين الشيعة والحركة الفيصلية. التقرير الثاني هو دراسة عن الدروز أرسلها الجنرال غورو إلى رئيس الوزراء ووزير الخارجية في 18 تشرين الأول/أكتوبر 1919. وصفت الدراسة الدروز بأنهم "طائفة دينية منشقة عن الإسلام" تعيش نظاماً قبلياً شبه إقطاعي منغلقاً على الأفكار الأوروبية، معتبرةً جبل الدروز بأنه "قبيلة حقيقية" و"مفتاح دولة دمشق". ركزت على الافتقار إلى سلطة مركزية عليا داخل الجبل، مما يجعله قابلاً للسيطرة عبر خلق توازنات مع الزعامات المحلية. التقرير الثالث، كُرّس لتوثيق استراتيجية الكولونيل نيجر حول العلويين، والذي قدّم في 5 كانون الأول/ديسمبر 1921 محاضرة في جمعية الجغرافيا. جمع نيجر وثائق عن عشائر العلويين (قام بتعداد 7 عشائر رئيسية)، ودراسة فلكلورية لهم، مع التركيز على أسباب انتفاضتهم عام 1919، واضعاً أسس "تهدئة البلاد" التي مهدت لإنشاء "دولة العلويين" ككيان إداري منفصل.
يخلص المؤلّف إلى أن هذه الرؤية الإثنولوجية لم تكن مجرد أكاديمية، بل كانت أداة سياسية فعالة. لقد نجحت الدبلوماسية الفرنسية في استثمار "الانعزال" الاجتماعي للطوائف والصراعات العشائرية الداخلية لديها، وذلك بغية إقامة "سلطات محلية" موالية للمركز الفرنسي. هذه السلطات كانت بمثابة أدوات لتنفيذ سياسة الانتداب وتقويض أي مشروع وحدوي عربي أو إسلامي. ويشير المؤلّف إلى تحفّظ مهم: هذه السياسة حملت في طياتها بذور الانقسامات والصراعات الطائفية التي استمرت لعقود طويلة، وجعلت من الطائفة هوية سياسية أولية تعلو على الهوية الوطنية الجامعة. كما يقرّ ضمناً بوجود أسئلة مفتوحة، أبرزها: هل كان هذا التطابق بين "الوصف" و"التوظيف" السياسي عملاً تآمرياً مدروساً بنسبة 100%، أم كان نتاجاً لتفسير انتقائي وتبسيطي لواقع اجتماعي معقّد؟ النص يظهر أن بعض الضباط الفرنسيين (مثل نيجر) بالغوا في تبسيط تلك البنى القبلية لتناسب أجندتهم العملية، مما يطرح إشارة إلى أن المنظور الإثنولوجي الفرنسي، بتركيزه على التفريق بدلاً من التجميع، هو بحد ذاته حجة قابلة للنقاش.
4.فرنسا وفلسطين والصهيونية247–269▼ ملخص
هذا الفصل يتناول الموقف الفرنسي من الحركة الصهيونية وفلسطين، بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرينيات من القرن العشرين. الجواب الذي يقدمه المؤلف هو أن السياسة الفرنسية تجاه الصهيونية لم تكن ثابتة أو واضحة، بل تأرجحت بين عدة عوامل متضاربة: من جهة، المصلحة الكاثوليكية في حماية الأماكن المقدسة ومعارضة وقوعها تحت السيطرة اليهودية، ومن جهة أخرى، مطامع الرأسمالية الفرنسية في السيطرة على «سورية كاملة» بما فيها فلسطين، والتنافس مع بريطانيا الذي دفع فرنسا أحيانًا إلى التودد للحركة الصهيونية كوسيلة لموازنة النفوذ البريطاني. يخلص الفصل إلى أن الموقف الفرنسي استقر بعد الحرب العالمية الأولى على قبول المشروع الصهيوني في فلسطين ضمن إطار الانتداب البريطاني، مع استمرار الحذر من أي توسع صهيوني داخل مناطق الانتداب الفرنسي في سورية، ولكن مع بقاء إغراء الاستفادة من الرساميل الصهيونية قائمًا.
يسير الفصل زمنيًا وتفصيليًا عبر أربعة أقسام رئيسية. في القسم الأول، قبل الحرب العالمية الأولى، يظهر غياب موقف فرنسي رسمي من المؤتمرات الصهيونية الأولى (منذ 1841)، حيث كان القنصل الفرنسي في بال يرسل محاضر الجلسات دون تعليق. ومع ذلك، كان الموقف الدبلوماسي العملي في إسطنبول والقدس يقوم على حماية اليهود الفرنسيين والمهاجرين اليهود الجزائريين، والذين اعتبرتهم فرنسا مواطنين فرنسيين كاملين، وذلك على عكس القوانين العثمانية التي كانت تحاول منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتقييد إقامة اليهود الغرباء بشهر واحد. وتظهر وثائق القنصلية الفرنسية، مثل تقرير نائب القنصل في يافا، كيف أن القنصلية كانت تحتج على منع السلطات العثمانية دخول عائلة يهودية جزائرية، وتعتبر هذا الفعل «اعتباطيًا». ويُظهر الفصل أن القنصليات الأجنبية، بما فيها الفرنسية، كانت تملك سلطة فعلية أكبر من السلطات العثمانية المحلية، مما جعل جهود منع الهجرة وشراء الأراضي (مثل قرار تحويل أراضي الملك في ضواحي القدس إلى أراضٍ أميرية) باءت بالفشل. ويركز الفصل على أن اهتمام فرنسا بفلسطين كان جزءًا من استراتيجيتها تجاه سورية الكبرى، وظهر ذلك في مشاريع استثمارية زراعية مثل المشروع الذي قدمه أحد رجال الأعمال في 1915 لاستصلاح أراضٍ بالقرب من نهر الأردن وبحيرة طبرية، لزراعة القطن والاستفادة من قربها من خط سكة حديد حيفا-دمشق. ويبين الفصل أن فرنسا رأت في فلسطين أرضًا مشابهة للبنان، تركز على حماية الأقليات الدينية لتفكيك اللحمة الإسلامية التي قد تقاوم التوسع الغربي.
في القسم الثاني، إبان الحرب ومؤتمر الصلح (1915-1922)، ينتقل الفصل إلى الضغط الصهيوني المتزايد على فرنسا. تقدمت الحركة الصهيونية، عبر «العصبة الفرنسية - الصهيونية» التي تأسست في نيسان/ أبريل 1915، وقدم الزعيم سلوش مذكرة إلى السفير الفرنسي في واشنطن يسأل فيها كيف يمكن لفرنسا (جمهورية حقوق الإنسان) أن تعارض «مشروع تحرر وطني». يقترح سلوش إنشاء مستوطنة يهودية في منطقة محدودة بين القدس وبيت لحم، مساحتها بين 11 و15 ألف كيلومتر مربع، وعاصمتها الخليل ومرفؤها غزة، طالبًا دعم فرنسا. لكن الحكومة الفرنسية لم تقدم جوابًا رسميًا واضحًا، سواء بالقبول أو الرفض. وفي المقابل، يظهر الفصل تقارير فرنسية داخلية تعبر عن قلق حقيقي، مثل تقرير يذكر أن أكثرية اليهود في فلسطين (حوالي 111,000 من أصل 150,000 عام 1915) هم من الأشكيناز القادمين من ألمانيا والنمسا، مما يجعلهم معادين للغة والثقافة الفرنسيتين، ويخلص إلى أن تشجيع هذه الحركة هو «ضرب من الجنون». كما تبرز في هذا القسم مواقف الغرف التجارية الفرنسية مثل غرفة تجارة ليون التي تؤكد في مذكرة إلى وزير الخارجية بتاريخ 4 حزيران/ يونيو 1915 أن سورية التي يطالبون بها تمتد من جبال طوروس حتى مصر وتشمل فلسطين. وعندما أصدرت بريطانيا وعد بلفور، سعى الزعيم الصهيوني سوكولوف لكسب الموقف الفرنسي وتجنب معارضة البابا، قائلًا إن اليهود ليس لديهم أي مطمح حيال الأماكن المقدسة. لكن فرنسا، التي كانت تنتظر إدارة مشتركة في فلسطين، أبدت اندهاشها من أخبار الموافقة البريطانية. وأرسل جورج بيكو برقية إلى وزير الخارجية الفرنسية يحذر من أن تصريحات بلفور ستثير مشاعر العرب ضد الحلفاء. ومع ذلك، وجدت فرنسا نفسها مضطرة للتعامل مع الصهيونية ومحاولة التوفيق بين مصالحها الخاصة وتأييدها الأعمالي.
في القسم الثالث، بعد الحرب العالمية الأولى، يبين الفصل تبلور موقف فرنسي جديد مع بداية عام 1918 يقوم على الإقرار بـ «شرعية» المطالب الصهيونية، مع إمكانية الاستفادة منها. يظهر ذلك في تقارير تقترح إنشاء مفوضية عليا فرنسية للإشراف على علاقة فرنسا باليهود والصهيونيين. وفي 3 فبراير 1917، حصل سوكولوف على تصريح من وزير الخارجية بيدون يعلن تعاطف فرنسا مع النهضة اليهودية، وقد قوبل هذا الإعلان بترحيب يهود مصر، لكن دوفرانس، وزير فرنسا في مصر، أشار إلى صعوبتين: ريب العناصر الإسلامية والمسيحية، واتجاهات العناصر الصهيونية في الشرق المشايعة للألمان. ويوضح الفصل أن التنافس البريطاني-الفرنسي أدى إلى اتفاقية 15 أيلول/ سبتمبر 1919 التي نصت على الانسحاب البريطاني من سورية وكيليكيا واستبدالها بالجيوش الفرنسية، مع ضم الموصل وفلسطين إلى منطقة النفوذ البريطاني. وأسفر هذا عن مقررات مؤتمر سان ريمو في نيسان/ أبريل 1920، حيث أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني مع إشارة صك الانتداب إلى «إنشاء الوطن القومي اليهودي» (المادة الثانية) والاعتراف بالهيئة الصهيونية (المادة الرابعة).
في القسم الرابع، الموقف الفرنسي في مرحلة الانتداب على سورية، يركز الفصل على أن هذا التقسيم أحبط أحلام الأوساط الاقتصادية والكاثوليكية الفرنسية، لكنه لم يوقف الحذر الفرنسي من الامتداد الصهيوني في مناطق الانتداب الفرنسي. ويظهر الفصل تجاذب الموقف الفرنسي بين الخوف من المشروع الصهيوني والجذب نحو مشاريع الرساميل اليهودية. فمن ناحية، كان الحذر يظهر في ردود فعل المفوضين السامين مثل الجنرال ويغان الذي حذر من تشكيل «اتحاد صهيوني» ليهود سورية في تموز/ يوليو 1921 بعد زيارة الكولونيل كيش، معتبرًا إياه خطوة نحو «إمبريالية صهيونية» تمتد على سورية، ومذكّرًا بالخريطة الصهيونية لعام 1917 حيث تقترب الحدود الشمالية من خط بيروت-دمشق. ومن ناحية أخرى، يظهر الإعجاب بالصهيونية بقدرتها الاقتصادية والاستثمارية، كما فعل المفوض السامي هنري دوجوفنيل في نيسان/ أبريل 1925 عندما قابل الزعيم وايزمن وأعجب بإمكانية إقامة مشاريع زراعية في حوران القريبة من فلسطين، لكنه عاد وحذّر من إدخال الجاليات الصهيونية إلى جنوب لبنان أو حوران حيث يمكن للمسلمين والدروز أن يتحدوا ضدهم، مفضلاً مناطق أخرى مثل الفرات. ويختتم الفصل بتأكيد أن الحذر الفرنسي بقي قائمًا تجاه أي مشروع صهيوني يتجاوز حدود فلسطين كما في الطلب الذي تقدم به الصندوق القومي الإسرائيلي لشراء أراضٍ في «فلسطين التاريخية» التي تمتد إلى خط دمشق-صيدا، مما أثار تحذيرات من تغلغل الصهيونية في جنوب لبنان.
أخيرًا، يقر المؤلف بأن الموقف الفرنسي كان متأرجحًا ومتباينًا، ولم يكن ثابتًا على مبدأ واحد؛ فهو تأرجح بين التعاطف مع الهجرة اليهودية بدافع سياسة «الحماية» التقليدية، والتخوف من مشروع استيطاني توسعي. وبعد الحرب، استقر الموقف على قبول المشروع الصهيوني ضمن الانتداب البريطاني كأمر واقع، مع الاستمرار في حالة من الحذر الممزوج بالرغبة في الاستفادة الاقتصادية. حجة قابلة للنقاش تبرز من النص نفسه هي أن الموقف الفرنسي، وإن بدا متناقضًا، كان في جوهره استراتيجيًا عمليًا: لم يكن دعمًا أيديولوجيًا للصهيونية بقدر ما كان محاولة انتهازية للاستفادة من قواها المالية وكذلك لموازنة النفوذ البريطاني، مع إبقاء السيطرة على النفوذ التقليدي في سورية وحماية المصالح الكاثوليكية. وقد عبر وايزمن عن ذلك في مذكراته بقوله إن الفرنسيين أسفوا لفقدان فلسطين كما أسف العرب، ونظروا إلى سياسة الوطن القومي من وجهة نظر كاثوليكية.
4.العلاقة بين المدينة والأرياف: تمركز السلطة في المدن77–84▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل طبيعة العلاقة بين المدينة والأرياف في بلاد الشام في مطلع القرن العشرين، مع التركيز على آلية تمركز السلطة السياسية والاقتصادية في المدن على حساب الريف. يقدّم المؤلف وجيه كوثراني إجابة واضحة مفادها أن هذه العلاقة لم تكن مجرد تمايز جغرافي، بل كانت علاقة هيمنة شاملة، حيث تحوّلت المدن إلى مراكز قوة تسيطر على الريف من خلال شبكة معقدة من العلاقات الرعوية، والتبعية الاقتصادية، والآليات القانونية والإدارية. يرى المؤلف أن فهم هذه العلاقة هو مدخل أساسي لفهم التركيب الاجتماعي للحركات السياسية لاحقاً، مثل الحركة الفيصلية، وكيف استطاعت القوى الأوروبية اختراق هذه الزعامات المحلية.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تفكيك هذه الآلية المعقدة، معتمداً بشكل كبير على تحليل فيليب خوري لسلوك الزعامات السياسية الدمشقية. يبدأ الفصل بتحديد ثلاثة مستويات متداخلة لفهم سلوك هذه العائلات: السلطة عبر الجهاز الإداري (المنصب)، والأسرة كوحدة اجتماعية، والملكية وأشكال الاستثمار. يوضح الكاتب أن هذه العائلات، مثل آل العظم والعابد واليوسف ومردم بك، لم تكن "طبقة" بالمفهوم الغربي المتجانس، بل كانت وحدة اجتماعية هجينة تجمع بين البيروقراطية والملكية.
يصف الفصل بالتفصيل كيف لعبت هذه العائلات دور الوسيط بين السلطة المركزية العثمانية والمجتمع المحلي. فمن ناحية، استخدمت مناصبها البيروقراطية (التي توسعت بعد رغبة الدولة العثمانية في السيطرة المباشرة على دمشق بعد عام 1851) للحصول على الأراضي في الريف، خاصة بعد سن قانون الأراضي لعام 1858. من ناحية أخرى، استخدمت الأرباح الزراعية التي جنتها من استغلال الفلاحين لشراء المزيد من المناصب والنفوذ، مما خلق حلقة مفرغة من التراكم.
أما بالنسبة للأرياف، فيشرح الفصل كيف أصبحت القرى "أملاكاً" لهذه العائلات المدينية. ويحدد الشروط التي ضمنت استمرار تبعية الريف: تراكم الديون على الفلاح، وحاجته إلى الحماية من عسف الحكومة وتعديات البدو، والحاجة للخدمات في مركز السلطة. الأساس المادي لهذه التبعية كان نظام الملكية الزراعية العثماني "الأرض الأميرية"، حيث تعود ملكية الأرض (رقبتها) لبيت المال، وللفلاح حق "التصرف" بها. هذا الحق، الذي حمّل الفلاح أعباء ضريبية وخدمة عسكرية، تحوّل إلى أداة لنزع ملكيته.
يقدم الفصل تفصيلاً دقيقاً لكيفية تطبيق قانون 1858، الذي كان يهدف إصلاحياً لتسجيل الأراضي بأسماء الفلاحين، لكنه أدى عملياً إلى تسريع تمركز الأرض بيد العائلات المدينية. فبدلاً من التسجيل، رأى الفلاحون في القانون فخاً لفرض الضرائب والتجنيد الإجباري، فسارعوا لتسجيل أراضيهم بأسماء وجهاء المدينة وزعمائها طلباً للحماية. أما الفلاحون الذين أرادوا التسجيل، فكانت الرسوم باهظة لدرجة تمنعهم، مما أدى إلى طرح أراضيهم في المزاد العلني، حيث كان أعضاء مجلس الولاية أنفسهم يزايدون عليها أو يدبرون عمليات المزاودة لصالحهم. كما كان تقصير الفلاح في زراعة أرضه لثلاث سنوات متعاقبة بسبب العجز عن شراء البذور، سبباً كافياً لخسارتها لصالح هؤلاء المتنفذين.
يستخدم المؤلف أمثلة رقمية لتأكيد هذه الهيمنة الشبه كاملة، نقلاً عن محمد كرد علي. ففي أطراف حماة، كانت 80% من القرى البالغ عددها 115 قرية لآيات الوجاهة، والباقي 20% يتصرف به الفلاحون. وفي حمص، كانت النسبة مماثلة، حيث 80% من أصل 111 قرية للوجهاء. هذا التمركز لم يغير نمط الاستثمار الأساسي "المزارعة"، بل أدى إلى إخضاع المجموعة القروية وتسخيرها، حيث استمر الفلاح في زراعة الأرض لكنه أصبح "شريكاً تابعاً" يدفع حصة أكبر. ويضرب الفصل أمثلة إضافية عن مناطق أخرى، مشيراً إلى أن الأزمة الاقتصادية في عامي 1914 و1918، وإغلاق أبواب التسويق، مكنت كبار تجار بيروت ومرابيها من شراء قرى في الشوف والمتن، كما وسع بكوات عكار أملاكهم، وكذلك فعلت عائلات الكيلاني والبرازي والبارودي في حماة.
يقرّ المؤلف في نهاية الفصل بتحفظ مهم، وهو أن هذه الهيمنة المدنية على الريف كانت "قسرية ومفروضة"، وكأنها "جسم غريب" حل بالريف، وليست نتاج تطور طبيعي. يعود بذلك إلى جذور تاريخية، مشيراً إلى أن المدن في بلاد الشام لم تنشأ بشكل عفوي، بل كانت "توطيناً" تقوم به السلطات الحاكمة المتعاقبة منذ السلوقيين والرومان. وحتى في العهد العثماني، بقيت المدن "نقاط ارتكاز ومراكز أمان للحكام"، الذين غالباً ما استقدموا عناصر سكانية من خارج الريف المحيط، مما خلق قطيعة ديموغرافية واجتماعية بين سكان المدينة والريف. ويستشهد بـ ووليرس الذي يضرب أمثلة على هذا التنوع بالإشارة إلى الغلبة التركية في أنطاكيا والغلبة العلوية في حماة، مقابل التناقض السكاني في اللاذقية التي تضم سنّة وأرمن وأرثوذكس.
من خلال عرضه، يطرح المؤلف حجة قابلة للنقاش بشكل ضمني، وهي أن التفسيرات الماركسية المتداولة (إقطاعية، برجوازية كبيرة وصغيرة) لا تصلح وحدها لتحليل هذه البنية الاجتماعية الفريدة. فهو يرفض هذا التصنيف الغربي الجاهز، ويدعو إلى البحث عن "أوالية السلوك السياسي" الخاصة بهذه المنطقة، والتي تتداخل فيها الأسرة والمنصب والملكية، مما ينتج نمطاً من العلاقات الرعوية والتبعية التي لا يمكن اختزالها في صراع طبقي كلاسيكي. هذه البنية المعقدة هي التي جعلت الزعامات المحلية عرضة للاختراق والتفتيت من قبل القوى الدولية، لأن برامجها السياسية كانت تعكس في النهاية مصالح عائلية متضاربة أكثر من كونها تعبر عن مصالح طبقية أو وطنية متماسكة.
4.المشاريع الإدارية السياسية لتنظيم الانتداب في سورية (1918-1920)223–246▼ ملخص
يسعى هذا الفصل إلى كشف النقاب عن الاستراتيجية السياسية والإدارية التي اعتمدتها الدبلوماسية الفرنسية لترتيب أوضاع الانتداب في سورية بين عامي 1919 و1920، وذلك من خلال دراسة وثائق رسمية فرنسية. يجيب المؤلف بأن فرنسا خططت لتنفيذ مشروع استعماري يقوم على تفتيت الوحدة السياسية السورية، والاستفادة من الانقسامات الطائفية والإثنية والجهوية لضمان السيطرة، مع الإبقاء على واجهة محلية لإضفاء الشرعية على وجودها.
يسير الفصل عبر عدة مراحل متصلة من التحليل. يبدأ بتقديم دراسة إثنوغرافية أعدها الخبير الفرنسي أشار حول القبائل البدوية في سورية، مثل قبائل "العنزة" (التي تنقسم إلى عنزة العراق وعنزة حلب والرولة بزعامة نوري باشا الشعلان) وقبائل "شمّر"، وهذه الدراسة التي استندت إلى معلومات جمعها "قسم الاستخبارات السياسية والعسكرية في المفوضية العليا" تهدف وظيفياً إلى فهم التركيبة الاجتماعية لتوظيفها في وضع سياسات التعامل مع هذه القبائل. وقد استطاع فيصل في عامي 1919 و 1920 أن يستقطب بعض تجمعات قبائل العنزة، حيث قدمت سهل حمص-حماة مع 110,000 رأس من الأغنام و 56,000 من الإبل، مما يظهر أهمية هذه القبائل في الصراع المحلي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى المشاريع السياسية مباشرة، مستعرضاً برقية سرية من الجنرال غورو إلى رئيس الوزراء الفرنسي في 29 كانون الأول/ديسمبر 1919، حيث يرى ضرورة تصفية حكومة فيصل لتأمين السيطرة الفرنسية الكاملة على سورية. يستند غورو في تحليله إلى عاملين: عوامل الضعف الذاتية في حكومة فيصل، والمخاطر الناتجة عن منطلقاتها "القومية التوحيدية" على مصالح فرنسا، معتمداً على تناقض أهداف فيصل (بأن يكون للمنطقة العربية منفذ إلى البحر وأن تلحق الموصل وفلسطين بالدولة السورية) مع استعدادات وجهاء المدن السورية الذين أبدوا رغبة في التفاهم المباشر مع فرنسا دون وساطة فيصل، كما حدث مع وجهاء حماه الذين طلبوا تعيين ضابط ارتباط فرنسي. يركز غورو على أهمية الاستفادة من "الخصوصيات" الإقليمية والطائفية (مثل النزعة الإقليمية الذاتية لدى النصيريين ومطالبتهم بإنشاء اتحاد نصيري مستقل) لضرب "الوحدة القومية"، معتبراً أن انقسامات سورية هي أداة مفيدة لاحتواء الحركة المنظمة ضد فرنسا.
ثم يعرض الفصل تقريراً مفصلاً حول نظام الحكم المستقبلي، ينطلق من ضرورة عدم المراهنة على القوة العسكرية وحدها، بل خلق "واجهة محلية متماسكة" تتحمل المسؤولية، مع الاحتفاظ بسلطة فرنسية غير مباشرة لكنها فاعلة. يقترح التقرير تشكيل هيئات سياسية محلية وتركها "لتجربة قصيرة تثبت عجزهم"، مع منع أي تنظيم عسكري لهم وقمع أي اضطراب بقسوة. الهدف هو تجنب "العناصر المغرية" من الانخراط في تحركات قومية، وتجنب الاحتكاك اليومي للجيش الفرنسي بالسكان للحفاظ على هيبته، والاعتماد بدلاً من ذلك على "درك" من أهل البلاد. تبقى المشكلة الرئيسة بحسب التقرير هي كيفية تشكيل هيئات سياسية محلية لا تستند إلى فكرة الأمة الواحدة بل إلى تجمعات "أقوامية" أو إقليمية صغيرة، ليكون من الصعب تعميم المعارضة.
يقدم الفصل أيضاً وجهة نظر مستشار المفوضية العليا، دو كاي، الذي يستبعد صيغة "الملكية الموحدة" ويقترح "فدرالية" لسورية، معتبراً أن إنشاء ملك لسورية سيكون "تدبيراً رديئاً". ويرى أن السياسة الفدرالية هي السبيل لبعث الارتياح لدى وجهاء البلاد. ثم ينتقل الفصل إلى لب الموضوع: الحوار المكثف بين الرئيس الفرنسي ميلران والجنرال غورو في آب/أغسطس 1920، والذي يخطط لتنظيم الانتداب. يقترح ميلران إنشاء "سلسلة دول مستقلة جمهورية الشكل" تتحد في فدرالية تحت سلطة المفوض السامي. ويفصل في الكيانات المقترحة: التعامل مع القبائل البدوية عبر "التكليف" وضباط الارتباط، وإعطاء لبنان استقلالاً تاماً في البداية وتوسيعه باتجاه الساحل والبقاع وعكار والجنوب (تحت شعار "فرنسة" لبنان)، وإنشاء كونفدرالية سورية منثماني مجموعات مستقلة (كانتونات) تشمل سنجق الإسكندرون، مستلحقة حلب، مجموعة النصيرية، مستلحقة حمص، مستلحقة حماه، مستلحقة طرابلس، مستلحقة دمشق، وأخيراً حوران التي تضم الدروز والمسلمين. يصر ميلران على أن يكون لكل مجموعة تنظيمها الخاص، وأن تدار بواسطة "مجالس أعيان" محلية تحت إشراف حاكم سوري تختاره فرنسا، مع إبعاد أي نظام برلماني أو انتخابي حقيقي.
أما الجنرال غورو فيرد على هذه الاقتراحات ببرقيات متتالية، معارضاً بشكل رئيسي فكرة بقاء طرابلس كانتوناً مستقلاً، ويصر على ضرورة ضمها إلى لبنان الكبير لأسباب ديموغرافية (إضافة 70,000 مسيحي مقابل 101,000 مسلم سني) واقتصادية وسياسية، وهي فكرة يتبناها بحماس ليكون إعلان لبنان الكبير في 30 آب/أغسطس 1920 أولى الخطوات. كما يختلف غورو مع ميلران حول عدد الكيانات، معتبراً أن التقسيم إلى ثماني أو تسع مجموعات سيخدم فكرة الوحدة بدلاً من القضاء عليها، ويقترح حصر التجزئة في ثلاث أو أربع دول كبيرة (مثل دمشق وحلب ودولة للعلويين) يسهل تأليب بعضها على بعض. يرى ميلران في رده على غورو أن تقليص عدد الدول إلى اثنتين أو ثلاث خارج لبنان يفقد النظام الفدرالي واقعيته، وأن الدول الكبيرة قد تصبح أقل انقياداً. ومع ذلك، يترك ميلران للجنرال غورو صلاحية تحديد عدد الدويلات بناء على الظروف الميدانية، مع تحفظه على ضم بيروت وطرابلس وجبل الدروز فوراً إلى لبنان أو دمشق، مقترحاً فترة تجربة تحتفظ فيها هذه المناطق باستقلاليتها الإدارية والمالية.
في الختام، يوضح الفصل أن المشاريع الفرنسية لم تكن مجرد ردود فعل على الأحداث، بل خططاً مدروسة بعناية تهدف إلى "فرنسة" لبنان وتفتيت سورية إلى كيانات مصغرة يسهل السيطرة عليها، مستغلة التنوع الطائفي والعشائري والإقليمي. تشكل هذه الوثائق نافذة على عقلية استعمارية ترى في التقسيم أداة للحكم، ولكنها تترك أيضاً أسئلة مفتوحة حول مدى نجاح هذه الخطط في مواجهة مقاومة الحركة الوطنية السورية التي نشأت لاحقاً.
5.معرض بيروت157–164▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على السياسة الاقتصادية الفرنسية في سورية بعد الحرب العالمية الأولى، من خلال تحليل وثائق الدبلوماسية الفرنسية، وتحديداً مذكرات غرفة تجارة مرسيليا وتقارير المسؤولين الفرنسيين. الموضوع المحوري هو الكيفية التي سعت بها فرنسا لتحويل سورية إلى سوق استهلاكية لبضائعها المُصنّعة، واستغلال انتدابها لتحقيق مكاسب اقتصادية، على حساب أي تنمية صناعية محلية حقيقية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الأولوية الفرنسية كانت قصيرة الأمد وتركز على تصريف المنتجات الفرنسية، وليس على بناء اقتصاد سوري متوازن أو صناعة وطنية قادرة على المنافسة.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من تحليل الميزان التجاري السوري قبل الانتداب وبعده. تشير وثائق غرفة تجارة مرسيليا إلى أن فرنسا كانت المستورد الأول للمواد الزراعية الأولية من سورية، مثل الصوف والقطن والجلود والبرتقال، بقيمة بلغت في عام 1921 نحو 10 ملايين فرنك فرنسي عبر موانئ الإسكندرون وبيروت ويافا، متفوقةً على بريطانيا (5 ملايين)، وألمانيا، والنمسا. لكن في المقابل، كانت قيمة الصادرات الفرنسية إلى سورية تفوق بكثير قيمة وارداتها، مما أدى إلى عجز تجاري كبير لصالح فرنسا. يشير المؤلف إلى أن العجز بلغ في عام 1924 نسبة 1 إلى 5 لصالح الواردات (قيمة الواردات 51.4 مليون فرنك مقابل صادرات قيمتها 8.6 مليون فرنك)، مما يعني أن سورية كانت تشتري من فرنسا خمسة أضعاف ما تبيعه لها.
يشرح الفصل كيف بررت الأوساط الاقتصادية الفرنسية هذا العجز، وقالت إنه يُعوّض بأموال المهاجرين والمؤسسات التعليمية وأرباح طرق الحج. ثم يتناول التناقض في الموقف الفرنسي: فبينما يدعو الخبير الاقتصادي هوفلان إلى تحسين الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي لسد العجز، تعترف المذكرات أن الرأسمالية الفرنسية كانت تفضل الاعتماد على «التجمعات السكنية المدينية المستهلكة» في سورية، لأنها زبائن للإنتاج الأوروبي المُصنّع، ولا تريد استثمار الوقت ورأس المال في إنماء الإنتاج السوري.
يُخصص الفصل قسماً مهماً لـ«معرض بيروت التجاري» في عام 1921، الذي يُقدم كأداة عملية لتنفيذ هذه السياسة. تُظهر الوثائق أن الهدف الأساسي من المعرض كان «تحويل سورية إلى زبون مستهلك للبضائع الفرنسية». يصف الفصل مخاوف المسؤولين الفرنسيين، مثل روبير دو كاي والجنرال غورو، من مشاركة أجنبية في المعرض، خاصة من بريطانيا وهولندا وأميركا. حاول الفرنسيون في البداية إبقاء المعرض فرنسياً-سورياً خالصاً، لكن ضغوطاً دبلوماسية، واحتجاجات أميركية وبريطانية بخصوص اتفاق سان ريمو، أجبرتهم على فتح الباب أمام مشاركة أجنبية محدودة. ومع ذلك، تمكنوا من التحكم في الأمر عبر تحديد عدد المنصات (مثلاً 20 منصة للأجانب) واستخدام حيل تنظيمية مثل إعلان انتهاء الموعد مبكراً. يصف التقرير نجاح المعرض من وجهة النظر الفرنسية: فقد اكتشف السوريون سلعاً فرنسية جديدة، وتمت عمليات شراء كبيرة من قبل تجار دمشق وحلب، مما أدى إلى استعادة التجارة الفرنسية لمكانتها في المشرق.
أخيراً، يناقش الفصل «المستقبل الصناعي» في سورية كما صورته التقارير الفرنسية. يُظهر أن هوفلان ومعه الرأسمالية الفرنسية، حكما مسبقاً بفشل أي صناعة سورية وطنية، واصفاً إياها بأنها حرفية قديمة وعاجزة عن التطور. رغم اعترافه بإمكانية حماية الصناعات النسيجية المحلية، إلا أنه دعا إلى دراسة الأمر بحذر شديد، وتجنب إغضاب المصدرين الفرنسيين. يخلص الفصل إلى أن السياسة الفرنسية خلقت تفاوتاً اقتصادياً واجتماعياً خطيراً في سورية؛ ففي المناطق الريفية الغنية، أدى تحسين طرق النقل إلى نمو اقتصادي سريع، بينما في باقي المناطق، قضت السلع الأوروبية الرخيصة على الحرف التقليدية، وزادت من خلل الميزان التجاري. يُنهي الفصل بسؤال مفتوح عن إمكانية وجود مستقبل صناعي لسورية، والإجابة التي يستنتجها هي أن الأفق كان مسدوداً تحت الانتداب، باستثناء بعض الصناعات التحويلية الهامشية مثل حلّ الحرير (الشرائق) التي خدمت حاجة الرأسمالية الفرنسية.
في الفقرة الأخيرة فقط، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش، وهي أن السياسة الفرنسية في سورية كانت تهدف بوضوح إلى إبقاء البلاد منتجة للمواد الأولية ومستهلكة للسلع المصنّعة، وأن أي حديث عن التنمية كان مجرد غطاء لتحقيق هذا الهدف الاستعماري. النص نفسه يقدم أدلة دامغة من الوثائق الفرنسية التي تُظهر القصدية وراء إعاقة التطور الصناعي السوري لصالح المصالح التجارية الفرنسية المباشرة.
6.الطوائف في الأرياف الجبلية: العلويون والدروز93–118▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل من كتاب وجيه كوثراني دراسة مقارنة للجماعتين الدينيتين الريفيتين الجبليتين الرئيسيتين في بلاد الشام في مطلع القرن العشرين: العلويين والدروز. يتمحور الموضوع المحوري حول كيفية إنتاج العزلة الجغرافية والاجتماعية لهاتين الطائفتين لأنماط خاصة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وكيف حدّدت هذه العلاقات موقعهما من السلطة المركزية (العثمانية ثم الفرنسية). يقدم المؤلف نموذجين متباينين لـ «طوائف الأرياف الجبلية»، مقارناً إياهما بطوائف السهول والمدن، ومحاولاً فهم أسباب انخراطهما في الصراع السياسي على عكس القرى السهلية التي ظلت خاضعة لسلطة أعيان المدن.
يسير الفصل بخطوة منهجية واضحة؛ فيبدأ بتمهيد حول عزلة الأرياف الجبلية عموماً، ثم يتناول بالتفصيل حالة العلويين في جبال النصيرية، ثم حالة الدروز في جبل حوران، معتمداً على شهادات ومذكرات معاصرة (مثل مذكرات يوسف الحكيم) ودراسات مؤرخين (مثل الأب لامنس وووليرس وعبد الله النجار وحنا أبو راشد) إلى جانب الوثائق الدبلوماسية الفرنسية التي تشكل أساس الكتاب.
في قسمه الأول عن العلويين، يصفهم المؤلف بأنهم فرقة شيعية باطنية لجأت إلى الجبل هرباً من اضطهاد السلطة الإسلامية السنية. ويبرز عدة خصائص ميزت مجتمعهم. أبرزها غياب أثر الإنسان في الأرض، حيث تبعثر السكان في ضيع صغيرة جداً (لا تتجاوز الواحدة منها 100 شخص) نتيجة لصعوبة التضاريس وندرة الأراضي الصالحة للزراعة. هذا التبعثر أنتج نظاماً زراعياً قائماً على الملكيات العائلية الصغيرة والمتوسطة، بعيداً عن علاقات الاستغلال الحادة بين المالك والفلاح كما في السهل؛ فالفلاح العلوي في الجبل يشعر بأنه «سيد أرضه» لأنه يعمل لدى «الشيخ» أو زعيم العشيرة الذي ينتمي إلى الطائفة نفسها. ويشير المؤلف إلى كون الاقتصاد الجبلي مغلقاً ومرتكزاً على زراعة الحبوب، بينما يمثل «غزو السهول المجاورة» المورد المكمل للمعيشة.
أما في السهل، فكان الفلاح العلوي واقعاً تحت تبعية ملاك وتجار المدن (السنة والمسيحيين). ويؤكد الفصل حالة الاضطهاد التي عانى منها العلويون في العهد العثماني، حيث منعت عنهم الوظائف الحكومية ومنعوا من دخول مساجد المدن، كما يصفها يوسف الحكيم. لقد خلقت هذه الظروف «عالمًا مغلقًا» يتماسك عبر العشائر (التي تنقسم إلى أربعة أحلاف رئيسية: الكلبيون، الخياطون، الحدادون، المتاورة) والدين الذي ينظم الحياة العامة عبر «الشيوخ». ينفتح هذا العالم على الجوار فقط عبر علاقات الاستغلال مع ملاك المدن، أو عبر زعامة دينية-سياسية تبرز لتكون وسيطاً مع السلطة المركزية، كما في حالة ثورة إسماعيل بك في 1804 وثورة الشيخ صالح العلي في 1919 ضد الفرنسيين، أو حالة الاحتواء والاستيعاب مثل إنشاء «دولة العلويين».
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الدروز، مركزاً على دروز جبل حوران (جبل الدروز). ويوضح أن استيطانهم في الجبل حديث نسبياً (على عكس العلويين)، حيث بدأت موجات الهجرة من بلاد الشوف ووادي التيم منذ نحو قرنين قبل تأليف الكتاب، إثر الصراعات القيسية-اليمنية، وتعاظمت بعد أحداث 1860 في جبل لبنان. يصف الفصل جغرافية الجبل الذي تحيط به سهول خصبة، ويذكر أنه في العهد العثماني كان جزءاً من لواء حوران، لكنه فُصل إداريّاً في إطار التقسيم الفرنسي ليتكون منه «حكومة جبل الدروز» وعاصمتها السويداء، ويقدر عدد سكانها بحوالي 52,214 نسمة منهم 55,755 درزياً.
على خلاف تبعثر العشائر العلوية، يلاحظ المؤلف تمركز العشيرة الدرزية الواحدة في منطقة واحدة، مما يمنحها وزناً شبه مستقل ويشكل أطر العمل السياسي ضمن «مجالس العشائر» وتحالفاتها. ويحدد عنصرين لتراتب العشائر: حجم الملكية وحجم «الدور العسكري»، مع غلبة العنصر الأخير. كانت زعامة آل الأطرش قد حلت محل زعامة آل الحمدان تدريجياً، وكان سلطان باشا الأطرش من أبرز قياداتها. ويؤكد الفصل أن جبل الدروز ظل منطقة مقاومة وحماية مسلحة أمام الامتداد التجاري الزراعي لمدينة دمشق، حيث ظل اقتصاد الجبل مغلقاً يعتمد على زراعة المقاسمة والإنتاج للاستهلاك المحلي، مندمجاً بالعلاقات الشخصية والدينية والعشائرية.
يعرض الفصل تحليلاً دقيقاً للعلاقة المتقلبة بين زعماء الدروز والسلطات الخارجية (العثمانية ثم الفرنسية). ويبين كيف أن الانقسامات والمنافسات بين بيوتات العشيرة الواحدة (وخاصة تنافس سليم الأطرش مع سلطان باشا الأطرش) وفرت للسلطة المركزية فرصة للاستفادة من هذه الخلافات. ففي حين سعى جمال باشا لاستمالة الأمير سليم الأطرش واستقطابه، حافظ سلطان باشا على صلاته مع فيصل من جهة، ومعارضته للنفوذ الفرنسي من جهة أخرى. ويورد الفصل نص اتفاقية آذار 1921 بين وفد من الزعماء (بقيادة الأمير سليم) والمندوب الفرنسي روبير دو كاي، والتي غيّرت بنود «برنامج السويداء» المستقل، لتشديد القبضة الفرنسية عبر إدخال «المستشارين الإفرنسيين» وفرض ضرائب جديدة.
تصل ذروة التحليل في «قصة لجوء أدهم خنجر» إلى سلطان باشا واحتمائه به، واعتقاله من قبل حكومة الأمير سليم المدعومة فرنسياً. يستخدم المؤلف هذه الحادثة كنموذج يُظهر كيف اصطدمت القوانين العشائرية (التي تفرض على الزعيم حماية ضيفه) مع السلطة المركزية الجديدة، مما أشعل شرارة أولى انتفاضات سلطان باشا الأطرش في 1921. ويخلص الفصل إلى أن هذه الصراعات كانت تناقضات اجتماعية متجذرة بين فئات اجتماعية محلية وإدارة فرنسية حاولت كسر استقلالية الجبل وأعرافه. وبعد وفاة الأمير سليم وتولي الكابتن كاربيه الحكم المباشر متجاهلاً تلك الأعراف، التفّ الدروز حول سلطان الأطرش مما هيأ لانتفاضة 1925 الكبرى.
في النهاية، يقرّ الفصل ضمنياً بغموض التاريخ المبكر لهاتين الطائفتين، حيث يشير إلى أن نشأتهما الأولى وتفاصيل هجراتهما تكتنفها روايات غير مؤكدة. كما أن التحليل يطرح مسألة قابلية النقاش حول مدى استخدام فرنسا لـ «الخصوصيات» المذهبية كأداة لتقسيم سورية، وهو ما يمثل حجة واضحة في متن النص.
6.أشكال محلية من التكيف والمقاومة حيال الغزو الاقتصادي الغربي165–180▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول دراسة أشكال التكيف والمقاومة التي أبداها المجتمع والاقتصاد في بلاد الشام إزاء الغزو الاقتصادي الغربي، وتحديداً السياسات الاقتصادية الفرنسية خلال فترة الانتداب. يقدم المؤلف الإجابة بأن هذه المقاومة لم تكن مجرد رفض سلبي، بل تجلت في أشكال تنظيمية وثقافية واجتماعية معقدة، تهدف إلى الحفاظ على الهوية الاقتصادية والقيم المجتمعية في مواجهة التغيرات المفروضة. يخلص الفصل إلى أن هناك فاعلية محلية تجلت في محاولات التكيف الدفاعي، مثل تسجيل الحرف قبل اندثارها، وفي المطالبات السياسية والاقتصادية العلنية من قبل التجار والصناعيين.
يسير الفصل عبر عدة خطوات حجاجية مترابطة. يبدأ بتحليل الآثار السلبية للغزو الاقتصادي، مستشهداً بتحديث وسائل النقل (السيارات والطرق) التي أفقدت الاقتصاد المحلي فوائد القوافل التقليدية التي كانت تبقي النفقات ضمن إطار التبادل الوطني، وأدت إلى تسرب الأموال للخارج لشراء العربات والبنزين. يذكر المؤلف أن هذا سهّل استغلال الريف من قبل المدن وشدّد قبضة الملاكين. أما على صعيد التجارة الخارجية، فقد أدى قيام الانتدابات إلى كسر الوحدة الاقتصادية للإمبراطورية العثمانية وإقامة حواجز جمركية، مما تسبب بنقصان مباشر في حجم التبادل التجاري مع المناطق المجاورة لصالح ازدياد التبادل مع العالم الخارجي، حسب ما فرضه ميثاق الانتداب.
يبين الفصل أن هذا الاجتياح السلعي الأوروبي كان "قاتلاً" للنشاط الصناعي المحلي، خاصة الصناعات الحرفية القديمة كالنسيج (الحرير والصوف والقطن) في مدن مثل دمشق وحماة وحلب، وكذلك صناعة الصابون في أنطاكيا وطرابلس. ويضرب مثالاً مفصلاً على تدهور الزراعة الحريرية في لبنان، حيث بلغ إنتاج شرانق الحرير في المشرق حوالي 5000 طن عام 1911 معظمه في لبنان، لكنه لم يبلغ في عام 1925 إلا حوالي 180 طناً، ثم استمرت الجهود ليصل إلى نحو 750 طناً، لكن الأزمة الاقتصادية العالمية ومزاحمة اليابان وشيوع الحرير الصناعي أدت إلى هبوط الأسعار واقتلاع أشجار التوت. ومثل آخر هو زراعة القطن، التي وصلت مساحتها في عام 1930 إلى 40,000 هكتار بعد جهود فرنسية كبيرة، بينما كانت لا تتعدى 600 هكتار عام 1921، لكن الأزمة الاقتصادية العالمية هبطت بأسعارها وأجبرت الفلاحين على هجرها. يعترف المؤلف بصعوبة الوضع عبر نقله عن الكاتب ووليرس الذي أقر، رغم دفاعه عن الانتداب، بأن الإدارة لم تنجح في تجنب النتائج الخطرة الناتجة عن الدخول المفاجئ للاقتصاد الفلاحي في السوق العالمية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى صلب موضوعه، وهو أشكال المقاومة المحلية. يميز بين شكلين رئيسيين: الأول هو مقاومة الحرف وأشكال "تكيفها" مع تدفق السلعة الأوروبية، ويناقشها من خلال كتاب "قاموس الصناعات الشامية". الثاني هو مقاومة تجار المدن السورية الداخلية الذين تضرروا من إغراق السوق بالسلع المصنعة وتجزئة بلاد الشام. في الشكل الأول، يعتمد الفصل على المؤرخ دومينيك شوفالييه لشرح أن انكفاء الحرف لم يكن كلياً، بل كان "ملجومًا بضرورة بقاء المجتمع مجتمعًا دينًا عبر الإرادة الحيوية لتنظيمه الخاص". كانت الحرف في دمشق تقاوم عبر "الحاجة" و"الذوق" المحليين، وبصورة خاصة عبر "طوائفها" التنظيمية التي تشكلت في إطار "المدينة الإسلامية". كانت القيم الأخلاقية والدينية (مثل "لقمة كسب حلال") وتضامن رفاق المهنة سلاحاً أيديولوجياً لرفض غزو الاقتصاد الأوروبي، إذ كان الحرفيون مع زبائنهم يشكلون شبكة حضارية واسعة تمتد إلى الأناضول وفلسطين وبغداد ومكة ومصر والسودان.
يوضح المؤلف أن هذه المقاومة لم تكن تعبيراً عن موقف ديني "متحجر" أو رافض للتحديث، بل كانت محاولة إصلاحية. يبرز هنا دور الشيخ محمد سعيد القاسمي وابنه جمال الدين في كتابتهما لـ "قاموس الصناعات الشامية"، وهي مخطوطة أحصت 5707 حرفة تعمل في دمشق في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يفسر المؤلف هذا العمل كرد فعل لمصلح ديني حاول أن يقاوم ويتكيف مع "العالم الحديث" من خلال تسجيل المهن المهددة والدعوة لتطويرها تقنياً على أساس إسلامي تجديدي ومبدأ "الاستصلاح". ويذكر أن القاسمي كان يدعو في كتابات أخرى إلى الأخذ بمظاهر الحضارة الأوروبية كالتلفون والكهرباء والأسمدة الكيماوية، مما يدل على رؤية إصلاحية وليس رفضاً مطلقاً.
أما الشكل الثاني للمقاومة، فيتناوله الفصل من خلال عرض آراء بعض المثقفين والتجار. يستشهد بخطاب ألقاه محمد كرد علي عام 1929 في افتتاح "الدباغة الوطنية" أبدى فيه أسفه على فقدان الصناعات، وذكر أن عدد أنوال النسيج في دمشق وحدها انخفض من 30,000 نول قبل الحرب إلى حوالي 3000 نول. دعا كرد علي إلى إقامة شركات برؤوس أموال وطنية واستعمال الأدوات الجديدة، معتبراً أن النهضة الاقتصادية ترفع مستوى القومية. ثم يعرض الفصل اقتراحات لطفي الحفار في مقالة عن الصناعة الوطنية في سورية، التي تضمنت: تأليف الشركات الصناعية على الأصول الميكانيكية الحديثة، ووضع رسوم جمركية حمائية، وتحسين الزراعة (خاصة القطن)، وجعل عملة البلاد على قاعدة الذهب بدلاً من ربطها بالفرنك الفرنسي، والإقلال من استعمال الكماليات الأجنبية.
يتوج الفصل بعرض "بيان تجار دمشق" في عام 1921 احتجاجاً على إقامة الحواجز الجمركية بين فلسطين وسورية. يشير البيان إلى أن هذه الحواجز أضرت بالتجارة والصناعة، وجاء فيه أن في مدينتي دمشق وحمص حوالي 11,510 نولاً يشتغل بها 55,000 عامل، تنتج 4,558,600 قطعة قماش قيمتها ثلاثة ملايين ليرة عثمانية ذهباً. تضمن البيان اعتراضات رئيسية: أولاً، أن إلغاء الاتحاد الاقتصادي بين سورية وفلسطين يضر بالعلائق التجارية ويؤدي لانقسام الأمة الواحدة. ثانياً، أن هذا التفريق يخدم المشروع الصهيوني الذي يسعى لإضعاف الوطنيين الفلسطينيين. ثالثاً، أن منع التهريب عبر الحدود المفتوحة شبه مستحيل، وأن الضرائب الجمركية الجديدة ستؤدي لتعطل تجارة وصناعات عشرات الألوف من الناس الذين يعتمدون على تصدير المنسوجات المصنعة محلياً إلى الجنوب.
في ختام الفصل، يناقش المؤلف التقاطع بين "المشروع الغربي" والواقع المحلي. يرى أن قوى "المشروع العثماني" الإسلامي المتمسكة بأشكال الإنتاج القديمة (أصحاب الحرف والعلماء والتجار الصغار) مثلت شكلاً من المقاومة السلبية. في المقابل، انخرطت في "المشروع الغربي" فئات نمت في ظل العلاقة مع الغرب، خاصة في المدن التجارية الساحلية، ومعظمهم من طوائف غير إسلامية (كمسيحيي المدن)، ونشأوا في مدارس إرسالية وقاموا بدور الوسيط التجاري. يعترف المؤلف بأن هذا التقسيم ليس مطلقاً، فهناك عائلات مسلمة في بيروت (مثل بيهم وسلام وداعوق) ودمشق (مثل مردم والعظم ) التي بدأت تنسج علاقات مع شبكة التبادل الغربي. يخلص الفصل إلى أن المشترك بين كل هذه الفئات، بغض النظر عن انتماءاتها، هو بحثها عن "الدولة البديل" في مرحلة التفكك العثماني، وإن اختلفت رؤاها بين المركزية واللامركزية أو الدول المحدثة.
أما الفقرات الأخيرة التي تلي هذا الفصل مباشرة، والتي تبدأ بعنوان "القسم الثالث: مشاريع فرنسا في السيطرة والتجزئة"، فهي تنتقل إلى موضوع جديد هو المشاريع السياسية الفرنسية للتجزئة بناء على التركيبة الطائفية والاثنية، وهو ما يشكل مدخلاً لموضوع منفصل خارج نطاق أشكال المقاومة الاقتصادية المحلية التي تناولها الفصل الرئيسي.
التحليل والكلمات المفتاحية
أماكن