المورد
تاريخ سورية الحديث

تاريخ سورية الحديث

هاشم عثمان١ كانون الثاني ٢٠١٢arرياض الريس للكتب والنشر

يقدّم كتاب "تاريخ سورية الحديث" لهاشم عثمان سرداً تاريخياً تفصيلياً لتاريخ سورية الممتد من 1918 حتى 1971، مركزاً على الفترة التي تلت انهيار الدولة العثمانية والحقبة التي شهدت انتهاء الحكم الملكي الفيصلي، مروراً بسنوات الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال وحقبة الانقلابات العسكرية المتتالية. الموضوع المحوري الذي يدافع عنه المؤلف هو أن مسار بناء الدولة السورية الحديثة كان مليئاً بالصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، حيث اصطدمت محاولات إقامة دولة وطنية مستقلة ومستقرة بالطموحات الاستعمارية، والصراعات الإقليمية، والانقسامات السياسية الحادة بين النخب الحاكمة، مما جعل البلاد تعيش في حالة من عدم الاستقرار المزمن كان أبرز تجلياتها تعاقب الحكومات والانقلابات العسكرية.

تسير حجة الكتاب وفق تسلسل زمني واضح يبدأ بالفصل الأول الذي يروي قصة العهد الفيصلي القصير (1918-1920)، والذي يقدمه المؤلف كمحاولة وطنية لتأسيس دولة عربية مستقلة في سورية، اصطدمت بالاتفاقيات الاستعمارية السرية، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس-بيكو، وبوعود الحلفاء الخادعة، والتي تجلت في لجنة كراين-كينغ التي "دفنت عمداً" نتائجها، مما أدى في النهاية إلى سقوط الحلم في معركة ميسلون. ثم ينتقل الفصل الثاني إلى فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946) التي يصفها بأنها مرحلة تأسيسية عنيفة وقمعية، طبعت ذاكرة السوريين بسياسة "فرّق تسد" من خلال تقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة، وقوبلت بمقاومة شعبية واسعة بلغت ذروتها في الثورة السورية الكبرى (1925-1927)، التي قادها سلطان باشا الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر.

يخصص الكتاب مساحة كبيرة لتفكيك الأسباب التي أدت إلى فشل الحكم الذاتي بعد الاستقلال. الفصل الثالث يتناول عهد الاستقلال (1946-1949) ويظهر هشاشة النظام السياسي الفتي، ويوثق بشكل صريح "التزوير الواسع النطاق" الذي شاب أول انتخابات نيابية بأمر من الرئيس شكري القوتلي، مما يشير إلى غياب نزاهة العملية الديمقراطية منذ بدايتها. من هنا ينتقل الكتاب إلى سلسلة من الفصول التي تروي الانقلابات العسكرية الثلاثة المتتالية في عام 1949 (لـحسني الزعيم، ثم سامي الحناوي، وأخيراً أديب الشيشكلي)، ويحللها كنتاج طبيعي لصراع النخب وتآمرها على مؤسسة الجيش التي شعرت بالإهانة، وليس مجرد طموحات شخصية. يوضح الفصل الخاص بـسامي الحناوي كيف تداخلت المصالح الإقليمية (الدور العراقي) مع الانقلابات، بينما يركز فصل أديب الشيشكلي على فترة من القمع السياسي الشامل (حل الأحزاب، إلغاء الألقاب) والتي انتهت بسقوطه بعد حملة عسكرية وحشية على جبل العرب أشعلت تمرداً عسكرياً من حلب.

بعد الإطاحة بالشيشكلي، يدخل الكتاب في مرحلة جديدة (1954-1958) يصفها بأنها الأكثر خطورة، حيث تتعرض سورية لضغوط إقليمية ودولية هائلة لإجبارها على الانضمام إلى الأحلاف الغربية مثل حلف بغداد، مما دفعها نحو التحالف مع مصر وفكرة الوحدة. يقدم الفصل الذي يغطي الوحدة مع مصر (1958-1961) الوحدة على أنها كانت "مشروعاً مصرياً" قاده جمال عبد الناصر عبر أجهزة المخابرات والضباط الموالين، وتم فرضها بقوة على القيادة السورية، ليتبعها فصل عن عهد الانفصال (1961-1963) الذي يصفه بأنه فترة عدم استقرار سياسي حاد، يتخللها صراع داخلي بين القوى السياسية والعسكرية، حاول خلالها حكام عرب (الملك سعود والملك حسين) تقويض الوحدة بأموال بلغت 12 مليون جنيه إسترليني. أخيراً، يختتم الكتاب بفصل عهد البعث (1963-1971)، الذي يعرضه على أنه فترة من الصراع الدموي على السلطة داخل الحزب نفسه، والتي بلغت ذروتها بانقلاب 23 شباط/فبراير 1966 الذي قادته القيادة القطرية ضد القيادة القومية، وصولاً إلى هزيمة حزيران/يونيو 1967 التي يحمل الكاتب وزير الدفاع آنذاك مسؤولية "خطأ فادحاً" فيها.

من بين الوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها، يذكر الكتاب بالتفصيل نتائج الاستفتاء الشعبي الذي أجرته لجنة كراين-كينغ في 1919، حيث طالب السوريون بـ"الاستقلال التام الناجز" ورفض الانتداب الفرنسي. وفي فترة الانتداب، يوثق خطاب الدروبي الترحيبي بالجنرال غورو قبل أن يلقى مصرعه على يد ثوار حوران، وكذلك خطاب الثوار الواضح: "إلى السلاح أيها السوريون! لقد دلت التجارب أن الحق لا يُرجى ولا يُعطى، وإنما يؤخذ حقنا بحد السيوف". وعلى صعيد الانقلابات، يروي الكاتب تفاصيل إعدام حسني الزعيم الفوري بعد اعتقاله بناءً على إصرار من أكرم الحوراني، ويشير إلى أن صاحب فكرة انقلاب سامي الحناوي كان أكرم الحوراني والدكتور أسعد طلس بدافع شخصي. في فترة الوحدة، يذكر أن عبد الناصر صرّح بأنه "كان يقبض الأموال من أجل شراء الذمم" وبلغ عدد أصوات الوحدة في سورية 1,951,888 صوتاً مقابل 119 معارضاً.

يقرّ المؤلف ضمنياً بعدة حدود وتحفظات. فهو لا يخفي أن عملية بناء الدولة كانت مشوبة بالتزوير (انتخابات 1947) والقمع (عهد الشيشكلي)، ويقر بأن الانقلابات لم تكن وطنية دائماً بل مدعومة من جهات إقليمية (العراق في انقلاب الحناوي، والسعودية والأردن في الانفصال)، ويترك أسئلة مفتوحة حول دور شخصيات مثل عبد الحميد السراج وعبد الحكيم عامر في تسهيل انهيار الوحدة. كما لا يقدم تفسيراً عميقاً للجذور الاجتماعية والاقتصادية للخلافات السياسية، مكتفياً بسرد الأحداث.

من الحجج القابلة للنقاش بوضوح، نجد أن الكاتب يرفض بشكل حاسم وحاسم أي تفسير يزعم أن انقلاب حسني الزعيم كان مدبراً من قبل الولايات المتحدة، معتمداً على شهادة الضباط الذين نفذوه الذين أكدوا أن فكرة الانقلاب وُلدت من إحساس بالإهانة، لا من أي مؤامرة خارجية. هذه النقطة تثير تساؤلاً حول مدى دقة نفي التدخلات الخارجية بشكل مطلق. كما أن وصفه المتكرر للضغوط الخارجية بعد عام 1954 بـ"المؤامرات" يعكس منظوراً معادياً للغرب لم يتطرق إلى وجهة النظر الغربية التي بررت هذه السياسات بمنع التمدد الشيوعي، مما يدعو القارئ للتمييز بين السرد التاريخي والتفسير السياسي الذي يقدمه المؤلف.

الفصول(10)

3.العهد الفيصلي 10/1/1918 - 28/7/192015–50▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل سرداً مفصّلاً للفترة القصيرة ولكن الحاسمة من تاريخ سورية الحديثة، والمعروفة باسم "العهد الفيصلي"، والتي امتدت من دخول القوات العربية دمشق في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1918 وحتى سقوطها بيد القوات الفرنسية بعد معركة ميسلون في 24 تموز/يوليو 1920. المحور الرئيسي للفصل هو محاولة إقامة دولة عربية مستقلة في سورية تحت حكم الأمير فيصل بن الحسين، وكيف اصطدمت هذه المحاولة بالطموحات الاستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا قد خططتا لتقسيم المنطقة بموجب اتفاقية سايكس-بيكو السرية، مما أدى في النهاية إلى فشل المشروع الوطني السوري.

يبدأ الفصل بعرض جذور الثورة العربية، مشيراً إلى دور السياسات القمعية لـ جمال باشا، قائد الجيش الرابع العثماني، والتي تمثلت بإعدامه عدداً من المثقفين العرب في 6 أيار/مايو 1916، مما جعل القطيعة مع الدولة العثمانية أمراً لا رجعة فيه. يوضح المؤلف كيف أن هذه الإجراءات التعسفية دفعت الشريف حسين إلى إعلان الثورة العربية في 10 حزيران/يونيو 1916، بالتحالف مع بريطانيا التي وعدته بدولة عربية كبيرة. غير أن الفصل يكشف، من خلال شهادة الجنرال ويلسون، أن هذه الوعود كانت خادعة، وأن الحلفاء كانوا قد قرروا مسبقاً تقسيم المنطقة.

يتناول الفصل بالتفصيل عملية تأسيس الحكم العربي في دمشق، بدءاً من استسلام القائد العثماني جمال باشا المرسيني ("الصغير")، مروراً بحادثة الصراع على السلطة بين شكري باشا الأيوبي والأميرين الجزائريين (عبد القادر وسعيد)، والتي حُسمت بدهاء من نوري السعيد والمستشار البريطاني لورنس لإبعاد الأميرين. ثم يصف إعلان الأمير فيصل لتشكيل حكومة عربية مستقلة، ودخوله الرسمي إلى دمشق، وتوسيع رقعة السيطرة العربية لتشمل المدن السورية الأخرى مثل حماة وحلب. لكن سرعان ما واجه هذا المشروع أولى العقبات باحتلال فرنسا لبيروت والمنطقة الساحلية في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1918، وأمر الجنرال اللنبي بإنزال العلم العربي وفرض الإدارة الفرنسية هناك، مما أثار استياءً شعبياً كبيراً.

يتتبّع الفصل مساعي الأمير فيصل الدبلوماسية لوضع القضية العربية أمام المجتمع الدولي، ويخص بالذكر مشاركته في مؤتمر الصلح في باريس، وتقديمه مذكرة يطالب فيها بوحدة الأراضي السورية واستقلالها. كما يخصص حيزاً واسعاً وأساسياً لعمل لجنة كراين-كينغ الدولية، التي زارت سورية في صيف 1919 للوقوف على رغبة السكان. ويورد الفصل بالتفصيل نتائج الاستفتاء الشعبي الذي تم عبر المؤتمر السوري العام، حيث طالب السوريون بـ "الاستقلال التام الناجز" ورفض الانتداب الفرنسي، واختيار الأمير فيصل ملكاً، وطلب المساعدة من الولايات المتحدة أو بريطانيا دون المساس بالسيادة. ويعتبر المؤلف أن هذا التقرير "دفن عمداً"، مما يكشف نية الحلفاء المبيتة تجاهل إرادة الشعب السوري.

يستعرض الفصل تشكيل أول حكومة سورية نظامية في 4 آب/أغسطس 1919 برئاسة رضا باشا الركابي، ثم تطور الأحداث بسرعة بعد الاتفاق البريطاني-الفرنسي العسكري في 15 أيلول/سبتمبر 1919، والذي قضى بجلاء القوات البريطانية عن سورية وترك المجال مفتوحاً لفرنسا. يصف المؤلف شعور الأمير فيصل بالخيانة بعد أن تخلت عنه بريطانيا، مما اضطره للتفاوض مع رئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو، وأبرم معه اتفاقاً في 6 كانون الثاني/يناير 1920 منح فرنسا امتيازات اقتصادية وعسكرية كبيرة مقابل اعترافها باستقلال اسمي. وبسبب الضغط الشعبي والوطني، اضطر فيصل للتراجع عن هذا الاتفاق، وأعلن المؤتمر السوري العام في 7 آذار/مارس 1920 استقلال سورية بحدودها الطبيعية (بما فيها فلسطين) ومبايعته ملكاً دستورياً، وهو إعلان رفضه الحلفاء تماماً.

يختتم الفصل بوصف الصدام النهائي مع فرنسا، حيث أرسلت الجنرال غورو لفرض الانتداد. يورد الفصل نص الإنذار النهائي الذي وجهه غورو للملك فيصل في 14 تموز/يوليو 1920، والذي تضمن شروطاً مهينة كقبول الانتداب الفرنسي، والسيطرة على سكة حديد رياق-حلب، وتسليم "المذنبين". على الرغم من أن الملك والحكومة مالوا لقبول الإنذار حقناً للدماء، فإن الضغط الشعبي والوطني أدى إلى مقاومة مسلحة. ويسرد الفصل تفاصيل معركة ميسلون في 24 تموز/يوليو 1920، والتي قادها وزير الحربية يوسف العظمة واستشهد فيها، منهياً بذلك الحلم العربي. وبعد احتلال دمشق، فرضت فرنسا غرامات باهظة، وأصدرت أحكاماً بالإعدام على عدد كبير من القادة والزعماء الوطنيين، وأجبرت الملك فيصل على مغادرة البلاد في 1 آب/أغسطس 1920 متوجهاً إلى المنفى، لتنتهي بذلك أول تجربة جمهورية/ملكية عربية حديثة في سورية.

4.عهد الانتداب الفرنسي 24/7/1920 - 17/4/194651–158▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة الانتداب الفرنسي في سورية، الممتدة من 24 تموز/يوليو 1920 (تاريخ دخول القوات الفرنسية دمشق بعد معركة ميسلون) حتى 17 نيسان/أبريل 1946، ويقدّم سرداً تفصيلياً لكيفية فرض السلطة الفرنسية وتثبيتها، ومقاومة السوريين لها، وتداعيات هذه السياسات على بنية البلاد السياسية والاجتماعية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الانتداب الفرنسي كان مرحلة تأسيسية عنيفة ومؤلمة في التاريخ السوري الحديث، تميزت بتقسيم البلاد وتكريس سياسة "فرّق تسد"، وقوبلت بمقاومة شعبية واسعة النطاق، توجت بثورة سورية كبرى، قبل أن تتحول سياسة فرنسا تدريجياً نحو إقامة دولة سورية موحدة تحت سيطرتها.

يسير الفصل وفق ترتيب زمني واضح، مقتفياً أثر الأحداث الكبرى التي شهدتها سورية تحت الانتداب. يبدأ الفصل بتشكيل أول وزارة سورية بعد الاحتلال برئاسة علاء الدين الدروبي، والتي أعلنت قبولها الانتداب. ويُظهر الفصل كيف حاولت هذه الحكومة فرض مطالب الفرنسيين، بما في ذلك غرامة حربية ضخمة قدرها 200 ألف ليرة ذهبية، وقرار تجريد الأهالي من السلاح تحت طائلة العقاب. ويورد الفصل بأسى خطاب الدروبي الترحيبي بالجنرال غورو، مؤكداً فيه ثقته بفرنسا ونافياً مخاوف السوريين من نواياها الاستعمارية، وكيف دفع الدروبي حياته ثمناً لهذه السياسة عندما قُتل خلال ثورة شعبية في حوران في 21 آب/أغسطس 1920، حيث هاجم ثوار حوران القطار الذي كان يقله مع وفد حكومي لجمع الغرامة.

يتناول الفصل بعد ذلك تنفيذ الجنرال غورو لسياسة التقسيم، مُعلناً في 1 أيلول/سبتمبر 1920 عن دولة لبنان الكبير، ثم تقسيم باقي سورية إلى دويلات صغيرة: دولة دمشق (3 تشرين الأول/أكتوبر 1920)، دولة حلب (8 أيلول/سبتمبر 1920)، حكومة جبل الدروز (20 نيسان/أبريل 1921)، وحكومة العلويين (1 أيلول/سبتمبر 1920). هذا التقسيم كان الهدف منه إضعاف الحركة الوطنية وتقوية العناصر الموالية لفرنسا. يُسرد الفصل أيضاً محاولة اغتيال الجنرال غورو الفاشلة قرب القنيطرة في 23 حزيران/يونيو 1921، والتي قام بها سبعة مناضلين، وأسفرت عن مقتل مساعده الكولونيل بارينت وإصابة حقي العظم، حاكم دولة دمشق.

ينتقل الفصل إلى مرحلة مهمة أخرى، هي وصول المستر كراين (أحد أعضاء لجنة كينغ-كراين الأمريكية) إلى دمشق في 1 نيسان/أبريل 1922، حيث اجتمع بوجهاء المدينة وعلمائها الذين عرضوا عليه مظالم الفرنسيين، من تدنيس للمقدسات وفرض ضرائب باهظة. تزامنت زيارة كراين مع مظاهرة شعبية كبيرة، وأدت لاحقاً إلى اعتقال عدد من الوطنيين بقيادة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الذي حوكم وحكم عليه بالنفي. وفي خضم هذه الأحداث، يُسجل الفصل استسلام الشيخ صالح العلي، بطل ثورة جبال العلويين، في 12 تشرين الأول/أكتوبر 1922 بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال.

يُظهر الفصل أن سياسة التقسيم لم تدم طويلاً، فقد اضطر غورو في 28 حزيران/يونيو 1923 إلى إصدار قرار بإنشاء اتحاد بين دولة حلب ودولة دمشق وحكومة العلويين، لمواجهة الدعاية القومية، وانتخب صبحي بركات رئيساً لهذا الاتحاد. ورغم أن هذا الاتحاد كان خطوة نحو الوحدة، إلا أن السوريين رفضوه كحل جزئي تحت الانتداب. يصف الفصل بعد ذلك وصول المندوب السامي الجديد الجنرال ساراي في نهاية 1924، والذي شهدت فترة ولايته القصيرة أحداثاً جساماً، أبرزها زيارة اللورد بلفور لدمشق في 8 نيسان/أبريل 1925، والتي قوبلت بمظاهرات غاضبة أطلق خلالها الفرنسيون النار على المتظاهرين.

يُشكل القسم الأكبر من الفصل وصفاً تفصيلياً لأسباب الثورة السورية الكبرى وانطلاقتها. يحمّل الفصل الكابتن كاريييه، الحاكم الفرنسي في جبل الدروز، مسؤولية إشعال الثورة بسبب سياساته القاسية والمهينة للدروز، مثل منع الاحتفالات الدينية، فرض الغرامات، تسخير الأهالي في أعمال السخرة، وسجن الزعماء في ظروف قاسية. بعد فشل الوفود والمفاوضات مع ساراي، أعلن الدروز الثورة بقيادة سلطان باشا الأطرش في تموز 1925، وحققوا انتصارات باهرة على الجيش الفرنسي في معركتي الكفر والمزرعة. يصف الفصل كيف توسعت الثورة بفضل انضمام الوطنيين من دمشق بقيادة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وأعلن الثوار أهدافهم الواضحة: "إلى السلاح أيها السوريون! لقد دلت التجارب أن الحق لا يُرجى ولا يُعطى، وإنما يؤخذ حقنا بحد السيوف". من أبرز أهدافهم: وحدة سورية، وسحب القوات الفرنسية، وتأليف جمعية تأسيسية لوضع دستور.

يُفرد الفصل مساحة لوصف العمليات العسكرية الكبرى، خاصة معركة المسيفرة في أيلول 1925 وثورة حماة التي قادها الضابط المنشق فوزي القاوقجي في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1925، حيث تمكن الثوار من السيطرة على أجزاء من المدينة. ويورد الفصل تفاصيل دخول الثوار إلى دمشق بقيادة حسن الخراط وآخرين، وكيف هاجموا القصر الذي كان يقيم فيه ساراي، وما كان من هذا الجنرال إلا أن أمر بقصف المدينة بالمدفعية لمدة ثلاثة أيام متواصلة، مما ألحق بها دماراً هائلاً قبل أن ينسحب الثوار في 20 آب/أغسطس 1925. يختم الفصل هذا القسم بملاحظة الكاتب أسعد الكوراني الذي أبدى استغرابه من عدم اشتراك حلب في الثورة، عازياً ذلك إلى تبرئة الزعيم إبراهيم هنانو قبل وقت قصير.

ينتقل الفصل إلى مرحلة ما بعد الثورة، حيث كان لقسوة قمعها ردود فعل دولية أدت إلى استدعاء ساراي وتعيين المندوب السامي الجديد هنري دو جوفنيل في كانون الأول/ديسمبر 1925. يُظهر الفصل أن دو جوفنيل حاول إنهاء الثورة عبر المفاوضات، لكن الثوار رفضوا شروطه التي لم تتضمن الاستقلال الكامل. ومع فشل المفاوضات، أرسلت فرنسا حملة عسكرية ضخمة بقيادة الجنرال أندريا أخمدت الثورة نهائياً بحلول نيسان/أبريل 1927، مما اضطر سلطان باشا الأطرش للانسحاب إلى شرق الأردن والشهبندر إلى مصر.

يصف الفصل محاولات فرنسا بعد الثورة لترتيب الأوضاع السياسية، فشكلت حكومة برئاسة الداماد أحمد نامي في 28 نيسان/أبريل 1927، والتي سعت إلى تحويل الانتداب إلى معاهدة مشابهة لمعاهدة بريطانيا مع العراق. ومع تعاقب المندوبين السامين (بونسو، ثم ماغرا)، استمرت المماطلة في تنفيذ المطالب الوطنية. يُسجل الفصل وصول هنري بونسو في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1927 وتكليفه للداماد بتشكيل حكومة جديدة، لكنه سرعان ما التف على الاتفاق مع الوطنيين وعيّن الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للحكومة في 16 شباط/فبراير 1928.

أخيراً، يصل الفصل إلى لحظة حاسمة وهي إجراء الانتخابات للجمعية التأسيسية وإقرار الدستور. جرت الانتخابات في نيسان/أبريل 1928 وفاز فيها الوطنيون، وانتُخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمعية التأسيسية وإبراهيم هنانو رئيساً للجنة وضع الدستور. أقرت الجمعية دستوراً يؤكد على وحدة سورية السياسية، لكن المفوض السامي بونسو اعترض على ست مواد رئيسية، معتبراً أنها تنتهك مسؤوليات فرنسا كدولة منتدبة. أدى رفض الجمعية تعديل هذه المواد إلى قيام المفوض بإصدار قرار تعطيل أعمال الجمعية التأسيسية لمدة ثلاثة أشهر، ثم فرض الدستور الذي أقرته الجمعية لاحقاً بقرار منه في 14 أيار/مايو 1930، بعد أن أسقط المواد التي اعترض عليها، مختتماً الفصل بحالة من الجمود السياسي والإحباط الوطني.

5.عهد الاستقلال 17/4/1946 - 30/3/1949159–180▼ ملخص

يغطي هذا الفصل من كتاب "تاريخ سورية الحديث" لهاشم عثمان الفترة الممتدة من 17 نيسان/أبريل 1946 حتى 30 آذار/مارس 1949، وهي المرحلة التي تلت جلاء القوات الأجنبية عن الأراضي السورية. الموضوع المحوري للفصل هو مسار بناء الدولة السورية المستقلة حديثاً، وتشكيل حكوماتها المتعاقبة، والتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي واجهتها، مع التركيز على الصراعات الداخلية، والعلاقات مع الدول العربية، وتطور القضية الفلسطينية التي هيمنت على المشهد في نهاية هذه الفترة. يقدم الفصل سرداً تاريخياً مفصلاً للإدارة السورية تحت رئاسة شكري القوتلي، مسلطاً الضوء على هشاشة النظام السياسي الفتي.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر سلسلة من الحكومات المتعاقبة، مسجلاً تفاصيل تشكيلها واستقالتها. يبدأ الفصل بوصف احتفالات الجلاء ورفع علم الوحدة العربية، ليتناول بعدها تشكيل أول حكومة برئاسة سعد الله الجابري في 26 نيسان/أبريل 1946. يروي الفصل اختبار هذه الحكومة الأول بحركة سلمان المرشد في جبال اللاذقية (فتنة اللاذقية) وقمعها لها. ثم ينتقل الفصل إلى أسباب سقوط حكومة الجابري، وأهمها خلافاته مع الرئيس القوتلي ومظاهرات الطلاب العنيفة في أواخر عام 1947 ضد برامج مدرسية، والتي أسفرت عن وقوع إصابات ووفيات. استقال الجابري في 27 كانون الأول/ديسمبر 1947.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً لوصف الفترة الانتقالية وحكومتي جميل مردم بك المتتاليتين. يصف بالتفصيل التحضيرات للانتخابات النيابية، بما في ذلك إحصاء السكان وترقيم الأبنية وتسمية الشوارع بموجب مرسومين صدرا في شباط/فبراير 1947، وصولاً إلى إجراء الانتخابات في 7 تموز/يوليو 1947. يذكر الفصل بوضوح أن هذه الانتخابات شابها تزوير واسع النطاق بأمر من الرئيس القوتلي وتنفيذ الأمير بهجت الشهابي، محافظ دمشق، مما أثار احتجاجات واسعة. بعد الانتخابات، شكل مردم بك حكومته الثانية في 25 آب/أغسطس 1947، ثم استقال وأُعيد تكليفه مرة أخرى في تشرين الأول/أكتوبر 1947. خلال هذه الفترة، يغطي الفصل أحداثاً محلية مثل فتنة حمص التي أثارها الشيوعيون في أواخر آب/أغسطس 1947، وأيضاً أزمة اقتصادية مع لبنان أدت إلى اتفاق "الجنتلمان" لتنظيم العلاقات النقدية بين البلدين.

يبرز الفصل التأثير المهيمن للقضية الفلسطينية على السياسة السورية. يذكر أن سورية كانت أول دولة عربية تصدر قانوناً في 2 أيار/مايو 1947 يعاقب على بيع الأراضي لليهود وتهريبهم إلى فلسطين. بعد قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، اندلعت مظاهرات عنيفة في دمشق استهدفت السفارة الأميركية والحزب الشيوعي. يصف الفصل رد الحكومة بإعلان الأحكام العرفية في 14 أيار/مايو 1948 وفرض الرقابة على الصحافة. كما يوثق الفصل الصراع السياسي الداخلي حول تعديل الدستور لإعادة انتخاب شكري القوتلي لولاية ثانية، والذي تم إقراره في آذار/مارس 1948. تولى القوتلي الرئاسة للمرة الثانية في نيسان/أبريل 1948.

يستمر الفصل في سرد التطورات السياسية والأمنية المتلاحقة، بما في ذلك استقالة وزراء الحزب الوطني في تشرين الثاني/نوفمبر 1948، واستمرار المظاهرات العنيفة بعد القرارات الدولية حول فلسطين في كانون الأول/ديسمبر 1948، والتي أدت إلى تقديم حكومة مردم بك استقالتها. ثم يصف الفصل فشل عدة شخصيات مثل هاشم الأتاسي في تأليف وزارة قومية بسبب اعتراضات من الرئيس القوتلي وحزب الشعب، لينتهي المطاف بتكليف خالد العظم بتشكيل الحكومة في 16 كانون الأول/ديسمبر 1948. في ختام هذه الفترة الزمنية القصيرة، يذكر الفصل قيام وزارة العظم بتوقيع اتفاقية النقد مع فرنسا، وتقديم اتفاقية خط التابلاين للنفط للمجلس النيابي في شباط/فبراير 1949.

يقر الفصل ضمنياً بوجود حدود وتحفظات على مسار الاستقلال، مثل اعترافه بالتزوير الواسع الذي شاب الانتخابات النيابية الأولى والذي تم بأمر من رئيس الجمهورية، مما يشير إلى عدم نزاهة العملية الديمقراطية الفتية. كما يشير إلى فشل المحاولات السياسية لتشكيل حكومات قومية واسعة، مما يعكس صعوبة التوافق السياسي بين الكتل والأحزاب. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول كيفية إدارة الدولة للتوازن بين القضايا المصيرية مثل فلسطين والأزمات الداخلية المتكررة.

حجج الفصل مبنية على سرد زمني دقيق للأحداث القابلة للنقاش، مثل الدور المركزي الذي لعبه الرئيس شكري القوتلي في توجيه الحياة السياسية (كما في التزوير الانتخابي وعرقلة تشكيل وزارة الأتاسي)، وهو ما يمكن قراءته كمحاولة لتثبيت سلطته على حساب المؤسسات. كما أن الفصل يعرض تبايناً واضحاً بين خطاب الحكومة عن القومية العربية والإجراءات القمعية ضد المعارضة والصحافة، مما يدعو إلى إشكالية علاقة السلطة بالحرية في تلك المرحلة التأسيسية.

6.الانقلاب الأول حسني الزعيم 30/3/1949 - 14/8/1949181–210▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل الانقلاب العسكري الأول في سورية، الذي قاده حسني الزعيم في 30 آذار/مارس 1949، ويُقدّم إجابة واضحة عن أسبابه ومسارعه، رافضاً التفسيرات المبسّطة التي تختزله في مجرد طموح شخصي أو افتتاحية لعهد الانقلابات. يرى المؤلف أن الانقلاب كان نتيجة حتمية لصراع مركّب بين ثلاث شخصيات رئيسية هي: رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس الوزراء ووزير الدفاع خالد العظم، والنائب فيصل العسلي. هؤلاء الثلاثة، بحسب المؤلف، شكلوا "ثالوثاً" تآمر على الجيش وقائده، مستغلين قصة "السمن المغشوش" كذريعة لحملة تشهير منظمة.

يبدأ الفصل بسرد تفصيلي لقضية السمن، حيث اكتشف القوتلي والعظم أثناء تفقّد مستودع عسكري وجود سمن مغشوش. أصدر العظم أوامر بإحالة المسؤولين، بمن فيهم العقيد أنطون البستاني وضباط آخرين، إلى المحاكمة العسكرية. وتصاعدت الأزمة عندما شنّ فيصل العسلي، في جلسة لمجلس النواب بتاريخ 17 آذار/مارس 1949 هجوماً عنيفاً على حسني الزعيم متّهماً إياه بالخيانة والتآمر مع الملك عبد الله، في حضور وزير الدفاع الذي لم يدافع عن قائد جيشه. ولم يقتصر الهجوم على الكلام، بل افتعل العسلي حادثة قنبلة ألقيت على منزله اتهم بها الزعيم وقائد الشرطة العسكرية إبراهيم الحسيني، وهو ما ثبت لاحقاً أنه تمثيلية مفبركة.

يستخدم المؤلف شهادات مباشرة من شخصيات عايشت الأحداث، مثل الدكتور عزة الطباع ونصوح بابيل، لتأكيد الحالة التي وصلت إليها هيبة الجيش. يصف الطباع كيف كان على الزعيم أن يقف في طابور طويل في دار الوزير العظم، وكيف تم إهانة ضباط الجيش بإجبارهم على الانتظار دون طعام أو جلوس بينما يتسامر الوزير مع أصدقائه. هذه المشاهد التراكمية، التي بلغت ذروتها بخطاب إذاعي هاجم فيه العسلي قيادة الجيش في 28 آذار/مارس 1949 بحضور وزير الدفاع، جعلت الضباط يشعرون بأن كرامتهم قد انتهكت، وهو ما دفعهم للتحرك. كان الدافع الأول للانقلاب، بحسب الفصل، هو "غسل الإهانة" التي لحقت بالجيش، وليس مجرد التخطيط المسبق للسلطة.

ينتقل الفصل إلى ساعات الانقلاب الأولى، فيوضح أن فكرة الحركة انطلقت من اجتماع ضباط في القنيطرة بقيادة المقدم إبراهيم الحسيني، الذي طالب بالاستيلاء على الحكم فوراً. وافق الزعيم على الخطة، وأصرّ على إبلاغ السفارة الفرنسية بالحركة قبل وقوعها لضمان تأييد دولي. وفي الساعة الخامسة من صباح 30 آذار/مارس 1949، احتل الجيش مؤسسات الدولة واعتقل الرئيس القوتلي ووزير الدفاع وفيصل العسلي. أصدرت القيادة العامة بياناً للشعب أكدت فيه أن الحركة جاءت "مدفوعة بالغيرة الوطنية" وأن هدفها تهيئة "حكم ديمقراطي صحيح". بعد الانقلاب، عمل الزعيم على خطين: إصدار بيانات إصلاحية طموحة (مكافحة الإقطاع، إعطاء المرأة حق الانتخاب، زيادة رواتب الموظفين)، وإصدار أوامر عسكرية مركزت السلطة بيده كحاكم عسكري.

يروي الفصل مسار حكم الزعيم القصير الذي لم يتجاوز بضعة أشهر. بعد حل المجلس النيابي وقبول استقالة القوتلي في 6 نيسان/أبريل 1949، شكل الزعيم حكومته الأولى، ثم رشح نفسه لرئاسة الجمهورية في استفتاء شعبي جرى في 26 حزيران/يونيو 1949، ونال نسبة ساحقة بلغت 717,711 صوتاً، ثم كلف محسن البرازي بتشكيل وزارة جديدة. سرد الفصل جملة من الإنجازات التي تحققت في عهده القصير، منها إنشاء "مكتب للمظالم" للتحقيق في شكاوى المواطنين، وتشكيل لجنة تحقيق في قضايا الفساد، وإحداث مديرية عامة للدعاية والنشر، وإلغاء "الأوقاف الذرية" (تحت حجة الإصلاح)، وحل الأحزاب السياسية ومنع الموظفين من العمل السياسي، وأخيراً إصدار قوانين مدنية حديثة كقانون البينات والعقوبات والتجارة.

إلا أن الفصل لا يخلو من سرد الانتقادات والنقاط المظلمة في عهد الزعيم، والتي يعترف بها المؤلف صراحة. أبرزها تسليمه زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة للسلطات اللبنانية، التي أعدمته. ويعزو المؤلف ذلك لضغوط مارستها مصر ولبنان، وتأثير رئيس وزرائه محسن البرازي القوي عليه. من الانتقادات الأخرى: تعيينه لسكرتيره الخاص نذير فنصة في منصب رفيع غير مستحق، واتهامه (بدون أساس بحسب الكاتب) بالموافقة على مرور خط أنابيب "التابلاين" النفطي عبر سورية، واتهامه كذلك (وهو اتهام يكذبه المؤلف) بالاجتماع بوزير خارجية إسرائيل موشي شاريت.

في الجزء الأخير، يتصدى الفصل بشكل حاسم للتفسيرات التي تزعم أن الانقلاب كان مدبراً من قبل الولايات المتحدة، كما ورد في كتاب "لعبة الأم" لمؤلفه مايلز كوبلاند. يرفض هذا الادعاء جملةً وتفصيلاً، معتمداً على شهادة أسعد الكوراني الذي أكد أن موضوع التآمر الأمريكي لم يكن مطروحاً على الإطلاق في اجتماعات الضباط. ويؤكد المؤلف أن صاحب فكرة الانقلاب كان المقدم إبراهيم الحسيني، وليس أي عميل أمريكي. كما يصحح خطأً تاريخياً شائعاً حول طبيعة انقلاب 14 آب/أغسطس 1949 الذي أطاح بالزعيم، مؤكداً أن من قاموا به هم ضباط بقيادة سامي الحناوي وليس أديب الشيشكلي كما يُشاع، وأن عملية إعدام الزعيم نفذها ضابطان هما عصام مريود وفضل الله أبو منصور.

7.الانقلاب الثاني سامي الحناوي 14/8/1949 - 19/12/1949211–250▼ ملخص

يتركز هذا الفصل من كتاب "تاريخ سورية الحديث" لهاشم عثمان على وصف تفصيلي لانقلاب سامي الحناوي الذي أطاح بحكم حسني الزعيم في 14 آب/أغسطس 1949، ثم يتابع مسار الأحداث حتى انهيار حكم الحناوي نفسه في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ليكشف عن الفترة المضطربة التي تلت ذلك. يقدم المؤلف الفصل كسرد تاريخي يعتمد على شهادات ووثائق، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: كيف تم تنظيم هذا الانقلاب، ومن هم المحرضون الحقيقيون، وما هي العوامل التي أدت إلى فشل الحكم الجديد وسقوطه السريع؟

يبدأ الفصل ببناء صورة متناقضة لشخصية سامي الحناوي، الذي كان أقرب المقربين إلى حسني الزعيم ويثق به ثقة عمياء. يروي المؤلف حكاية عن تدخل الزعيم شخصياً لترقية الحناوي في الجيش عندما كان مهدداً بالحرمان من الترقية، مما يبرز مدى الجميل الذي كان على الحناوي للزعيم. لكن الانتقال المفاجئ للحناوي من الوفاء المطلق إلى الخيانة هو محور التحليل. يشير المؤلف إلى أن التحريض على الانقلاب قاده شخصان أساسيان: أكرم الحوراني والدكتور أسعد طلس. يصف دوافع الحوراني بأنها مزيج من طموحه للزعامة ورغبته في الثأر لحزب القومي السوري الاجتماعي بعد إعدام زعيمه أنطون سعادة على يد حسني الزعيم. أما أسعد طلس، فهو مدفوع برغبة الانتقام الشخصية بعد أن أهانه محسن البرازي (رئيس وزراء الزعيم) وطرده من وزارة الخارجية، مستشهداً بواقعة اتهامه بالكذب في قضية سرقة منزله في طهران.

يسجل الفصل بالتفصيل الاجتماعات السرية للضباط، وأبرزها اجتماع 11 آب/أغسطس 1949، حيث تم وضع خطة الانقلاب. يذكر أن سامي الحناوي اقترح في البداية خطة لاغتيال الزعيم عبر كمين، لكنه تراجع عنها. في النهاية، انطلقت القوات في منتصف ليل 14 آب وتمكنت من اعتقال حسني الزعيم ومحسن البرازي بسهولة بعد أن انسحب حراسهما الشركس بعد رشوتهم. حدث الجزء الأكثر إثارة للجدل بعد الاعتقال، حيث تم إعدام الزعيم والبرازي فوراً، خلافاً لوصية الحناوي الذي أمر بالابقاء عليهما حياً. يضع الفصل المسؤولية عن الإعدام على أكرم الحوراني الذي أقنع الضباط بأن ترك الزعيم حياً يشكل خطراً على الانقلاب، ويورد شهادة نجل الزعيم التي تصف عملية الإعدام بوحشية.

بعد نجاح الانقلاب مباشرة، قام الحناوي بتشكيل مجلس حربي أعلى، وأصدر مراسيم أعادت الصحافة إلى الصدور. ثم استقبل وفداً من الزعماء السياسيين في 14 آب، وأسفر الاجتماع عن تكليف هاشم الأتاسي بتشكيل حكومة وانتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، وهو ما تم في تشرين الثاني/نوفمبر 1949. لكن الفصل ينتقل إلى كشف "المفاجأة الأولى" التي أذهلت حتى بعض الضباط المنفذين: وهو الدور العراقي في الانقلاب. يورد المؤلف شهادة المقدم أمين أبو عساف أنه علم بوجود طائرة عسكرية عراقية جاهزة في مطار المزة لتهريب الحناوي وبطانته إلى العراق إذا فشل الانقلاب، وأن الحناوي وأسعد طلس كانا على اتصال بالعراق وتلقيا أموالاً منه لتنفيذ الانقلاب، مما جعل البعض يعتبر الحناوي عميلاً عراقياً.

يكشف الفصل بعدها عن أسباب الانهيار السريع لعهد الحناوي، والتي تمحورت حول الصراع على مشروع الاتحاد مع العراق. انقسم الضباط إلى فريقين: فريق بقيادة الحناوي يدعم الاتحاد مع العراق، وفريق بقيادة العقيد أديب الشيشكلي يعارضه بشدة. يصف المؤلف سلسلة من المناورات والتنقلات في قيادة الجيش، ومحاولة الحناوي اعتقال معارضيه، لكن خطته فشلت. في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، تحركت الوحدات المدرعة بقيادة أمين أبو عساف واستولت على دمشق، وتم اعتقال الحناوي وأعوانه. أذاع الشيشكلي بياناً اتهم فيه الحناوي بالتآمر مع جهات أجنبية على سلامة البلاد والجيش، وأحيل الحناوي ورفاقه إلى المحاكمة، بينما هرب أسعد طلس إلى لبنان.

لا يتوقف الفصل عند سقوط الحناوي، بل يتابع الفترة المضطربة التي تلت ذلك واستمرت سنتين (حتى 2 كانون الأول/ديسمبر 1951). يصفها المؤلف بأنها كانت مرحلة من "التناحر الحربي الشديد والأزمات الوزارية الحادة" بسبب تدخل الجيش في السياسة. يعدد الفصل سبع وزارات تعاقبت على الحكم، ويسرد أحداثاً مهمة خلالها مثل: إطلاق قانون العفو العام الذي أفرج عن الحناوي ورفاقه في 27 آب/أغسطس 1950 وإخراجهم من البلاد، ومحاولة اغتيال العقيد أديب الشيشكلي، وقضية تهريب اليهود إلى إسرائيل، وأحداث الشغب في حلب، والجدل حول إقامة تمثال للشهيد يوسف العظمة. يختتم الفصل بوصول معروف الدواليبي إلى رئاسة الوزراء في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1951، قبل أيام قليلة من قيام أديب الشيشكلي بانقلابه في 2 كانون الأول/ديسمبر 1951، مما يمهّد لمرحلة جديدة.

يحتوي الفصل على عدد كبير من الهوامش والمراجع، مما يدل على اعتماد المؤلف على مصادر متعددة كالمذكرات والصحف، لكنه لا يقدم نقداً صريحاً لهذه المصادر ولا يكشف عن وجود تحفظات كبيرة لديه. السرد يعتمد على تقديم الروايات كما وردت، تاركاً للقارئ استخلاص استنتاجاته حول مدى موثوقية شهادات شخصيات مثل أمين أبو عساف أو محمد معروف. من الناحية التحليلية، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان دافع الانقلاب هو أيديولوجي (معارضة فكرة الاتحاد مع العراق) أم شخصي (طموحات الحناوي والحوراني وانتقام طلس) أم هو جزء من صراع إقليمي (الدور العراقي)، ويشير الفصل إلى تداخل هذه العوامل جميعها دون الفصل بينها بشكل قاطع.

8.الانقلاب الثالث أديب الشيشكلي 29/11/1951 - 24/2/1954251–274▼ ملخص

يبدأ الفصل بوصف صعود أديب الشيشكلي إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري هو الثالث في تاريخ سورية الحديث، بعد أن أعاده سامي الحناوي إلى الخدمة العسكرية عقب انقلابه. يروي الفصل محاولة الشيشكلي الأولى كسب ولاء المقدم محمد معروف، قائد الشرطة العسكرية، للانقلاب على الحناوي، لكن محمد معروف يرفض بشدة متّهماً إياه بخيانة الرفاق. ورغم هذا الرفض، لم يتخلَّ الشيشكلي عن خطته، بل تحالف مع ضباط آخرين، وأطاح بالحناوي في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. أذاع الشيشكلي بياناً اتهم فيه حزب الشعب بأنه السبب في مشاكل البلاد، متّهماً إياه بالسعي لخدمة مصالحه الشخصية وخلق هوة بين الشعب والجيش، وتآمره ضد استقلال سورية.

بعد الانقلاب، لم يتولَّ الشيشكلي الحكم مباشرة، بل دفع برفيقه فوزي سلو إلى الواجهة. أصدر سلو في 2 كانون الأول/ديسمبر 1951 أمراً عسكرياً يتولى بموجبه السلطتين التشريعية والتنفيذية وصلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الدفاع. وفي إطار محاولة إضفاء الشرعية، صدرت إجراءات إدارية مثل إنشاء دائرة للمراجعات لاستقبال شكاوى المواطنين، وتعميم تعليمات صارمة على الموظفين بالالتزام بأوقات الدوام، وعدم ممارسة أي نشاط سياسي، وعدم الإفشاء بمعلومات سرية. كما صدر بلاغ يمنع مقابلة رئيس الوزراء مباشرة إلا عبر الإدارات المختصة.

يتناول الفصل وقائع متفرقة من تلك الفترة، منها مذكرة من نقابات العمال السورية تطالب بقانون جديد للأحوال الشخصية، ووفاة الصحافي الكبير نجيب الريحاني في 9 شباط/فبراير 1952، وإعدام الرقيب خميس حسين عليون الكردي لفراره إلى العدو، وطرد ثلاثة أساتذة من كلية الحقوق لامتناعهم عن أداء اليمين. كما يشير إلى زيارة خبير اقتصادي ألماني لدراسة الأوضاع، وإقامة معارض فنية دورية، وظهور حزب حركة التحرير العربي في تموز/يوليو 1952 كغطاء سياسي للنظام.

يتناول الفصل بالتفصيل القمع الذي مارسه حكم الشيشكلي، مذكّراً بما قام به حسني الزعيم سابقاً. ففي 17 كانون الثاني/يناير 1952، صدر مرسوم يجيز صرف الموظفين من الخدمة دون إبداء أسباب ودون حق المراجعة القضائية. وفي التاريخ نفسه، صدر مرسوم بإلغاء جميع الألقاب المدنية كـ"باشا" و"بك" و"أفندي"، ومنع حمل الأوسمة الأجنبية دون إذن، مع إبقاء الألقاب لرؤساء الجمهورية والوزراء السابقين. وفي 21 كانون الثاني/يناير، صدر مرسوم يعاقب كل موظف ينقطع عن عمله قبل صدور قرار باستقالته بالحبس والغرامة.

بلغ القمع ذروته بمرسوم حلّ جميع الأحزاب والمنظمات السياسية في أوائل نيسان/أبريل 1952، وصودرت أموالها. وكان هذا الحلّ متزامناً مع احتفالات النظام بافتتاح فروع حركة التحرير العربي، الحزب الوحيد المسموح به. كما أصدر مرسومين سابقين يمنعان الموظفين والطلاب من الانتماء لأي حزب سياسي، ويعاقبان المخالفين. وشمل القمع الصحافة، حيث صدر مرسوم يمنح رئيس الدولة الحق في إلغاء رخصة أي مطبوعة دورية تمسّ كرامته أو تهدد أمن الجيش أو تعكر الأمن العام.

بين القوانين القمعية، يذكر الفصل بعض الإنجازات، منها مرسوم توزيع الأراضي الحكومية على الفلاحين غير المالكين، وتدشين مرفأ بانياس البترولي في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1952، ووضع حجر الأساس لأول مصفاة نفط في البلاد. كما يشير إلى مرسوم تنظيم السلطات العامة في حزيران/يونيو 1952 الذي عزز سلطات رئيس الدولة، ومرسوم تعديل التعليم الذي جعل مدة الدراسة سبع سنوات وجعل تعليم لغة أجنبية إلزامياً، بالإضافة إلى إنشاء مكتب مقاطعة إسرائيل.

يتناول الفصل الخطوات التي قادت الشيشكلي إلى الحكم المباشر. ففي 4 آب/أغسطس 1952، عُيّن نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للدولة مع احتفاظه بمنصبه كرئيس للأركان. ثم في 16 حزيران/يونيو 1953، طلب من فوزي سلو إجراء استفتاء على دستور جديد وضعه بنفسه. أثار هذا الدستور معارضة شديدة من زعماء مثل هاشم الأتاسي وسلطان باشا الأطرش، الذين اعتبروه يمنح الشيشكلي صلاحيات مطلقة. عقدت المعارضة مؤتمراً في حمص قررت فيه مقاطعة الانتخابات، فقمعها الشيشكلي بإعلان حالة الطوارئ واعتقال العديد من الشخصيات. ورغم ذلك، أجري الاستفتاء في 11 تموز/يوليو 1953، وأظهرت النتائج الرسمية موافقة ساحقة على الدستور وانتخاب الشيشكلي رئيساً للجمهورية.

دام حكم الشيشكلي المباشر سبعة أشهر فقط، من 11 تموز/يوليو 1953 إلى 24 شباط/فبراير 1954، وانتهى بسبب الحملة العسكرية الوحشية على جبل العرب (الدروز). يورد الفصل عدة روايات لأسباب هذه الحملة، منها اتهام الأمير حسن الأطرش بالاتصال بحكومة نوري السعيد في العراق لقلب النظام، أو تهريب أسلحة من العراق والأردن. والأرجح أن مظاهرات اندلعت في السويداء تطالب بإسقاط حكم الشيشكلي، فردّ بإرسال جيش بقيادة الزعيم رسمي القدسي، الذي دمّر القرى الثائرة بقسوة. تصف الرواية الثالثة اكتشاف العراق لمخطط انقلاب كان الشيشكلي يحضّره ضدهم، فحرّضوا المعارضة السورية على إشعال ثورة ضده. قُمعت الثورة في جبل العرب بشراسة بعد معارك دامت أسبوعين، لكنها أشعلت شرارة النهاية.

سقط حكم الشيشكلي بعد تمرد عسكري انطلق من حلب في 24 شباط/فبراير 1954، بقيادة العقيد فيصل الأتاسي والعقيد عمر لاذقاني. انضمت إليه المناطق الشمالية والشرقية والغربية، وأذيع بيان يعلن انفصالها عن حكومة الشيشكلي ويناشده مغادرة البلاد. استجاب الشيشكلي للإنذار بعد مشاورات، وقدّم استقالته في خطاب علّلها برغبته في حقن دماء السوريين. غادر البلاد في 25 شباط/فبراير 1954 ملتجئاً إلى المفوضية السعودية في بيروت. بعد رحيله، أُطلق سراح المعتقلين، ودعا رئيس مجلس النواب مأمون الكزبري المجلس للانعقاد، وتولى مهام الرئاسة مؤقتاً، وسط احتجاجات من أنصار الشيشكلي.

في ختام الفصل، يتوقف المؤلف عند مقتطف من مذكرات الدكتور معروف الدواليبي، الذي يشير إلى أن انقلاب الشيشكلي كان نتاج تفاهم مع الفرنسيين، مقابل التزامه الصمت عن شمال أفريقيا وتسهيل ضم العراق إلى سورية. كما ينقل عن فتحي الديب، الموفد من الرئيس جمال عبد الناصر، وصفاً قاتماً لحكم الشيشكلي وصفه بأسوأ صور الاستبداد، وتكهّن بسقوطه الوشيك من يد أقرب المقربين إليه. يختم المؤلف بقول إن عهد الشيشكلي، رغم قصره وقمعه، حقق إنجازات تشريعية مهمة، منها قانون الجمعيات الذي نظم تأليف الأحزاب السياسية بشروط، وقانون المطبوعات الذي عدّل القانون السابق دون أن يكون أكثر تساهلاً.

9.مرحلة ما بعد الشيشكلي 24/2/1954 - 21/2/1958275–298▼ ملخص

ملخص الفصل: «مرحلة ما بعد الشيشكلي 24/2/1954 - 21/2/1958»

يُعالج هذا الفصل فترةً بالغة الخطورة في تاريخ سورية الحديث، تمتد من سقوط حكم أديب الشيشكلي في شباط/فبراير 1954 وحتى الإعلان عن الوحدة مع مصر في شباط/فبراير 1958. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه المرحلة اتسمت بعدم الاستقرار السياسي الحاد، وتناوب الحكومات، ومواجهة سورية لضغوط إقليمية ودولية كبيرة، خاصة من الولايات المتحدة وتركيا، في محاولة لإجبارها على الانضمام إلى الأحلاف الغربية (مثل حلف بغداد) تحت ذريعة محاربة الشيوعية، مما دفعها في النهاية نحو التحالف مع مصر ثم الوحدة معها.

يسير الفصل زمنياً، مسجلاً التغيرات الحكومية المتسارعة والأحداث الرئيسية. يبدأ باجتماع الزعماء في حمص في 28 شباط/فبراير 1954 لتقرير مسار ما بعد الشيشكلي، حيث تقرر عودة المجلس النيابي وحلّت وزارة صبري العسلي الأولى (مارس 1954) محل وزارة معروف الدواليبي. وسرعان ما واجهت هذه الحكومة محاولة انقلاب من العقيد محمد صفا في 17 حزيران/يونيو 1954، مما أدى إلى استقالتها وتشكيل وزارة سعيد الغزي (حزيران/يونيو 1954). ثم تشكلت وزارة فارس الخوري (تشرين الأول/أكتوبر 1954) التي أصدرت عفواً عن الجرائم المرتكبة ضد حكم الشيشكلي، تلتها وزارة صبري العسلي الثانية (شباط/فبراير 1955).

بعد عودة شكري القوتلي من منفاه في مصر، وتزامناً مع توقيع الحلف التركي-العراقي في 24 شباط/فبراير 1955، كثفت الولايات المتحدة (عبر سفيرها جيمس إس. موس) ضغوطها على سورية للانضمام للحلف، لكن سورية رفضت ووقعت بدلاً من ذلك حلف دفاع عربي مع مصر في 3 آذار/مارس 1955، مما أثار حفيظة تركيا التي حشدت قواتها على الحدود.

في خضم هذه الضغوط، شهدت البلاد أحداثاً عنيفة مثل اغتيال العقيد عدنان المالكي في نيسان/أبريل 1955، والذي اتهم به الحزب السوري القومي الاجتماعي وتمت تصفيته. ثم جرت انتخابات رئاسة الجمهورية في آب/أغسطس 1955، وفاز بها شكري القوتلي بعد انسحاب ناظم القدسي، وتولى مهامه رسمياً في أيلول/سبتمبر 1955. خلفت وزارة القوتلي وزارة سعيد الغزي الثانية (أيلول/سبتمبر 1955) التي واجهت مشكلة الميثاق الثلاثي (سورية-مصر-السعودية)، واكتفت بتوقيع اتفاق ثنائي مع مصر في تشرين الأول/أكتوبر 1955. كما أقرت هذه الحكومة اتفاقية مع شركة نفط العراق واتفاقية مع بنك سورية ولبنان.

في أواخر 1955، بدأت فكرة تسليح الجيش السوري من المعسكر الاشتراكي، وقام الرئيس القوتلي بترتيب زيارة إلى الاتحاد السوفياتي. وفي 10 نيسان/أبريل 1956، وصلت مياه الفرات إلى مدينة حلب لأول مرة. أما العام 1957 فكان زاخراً بالأحداث، بدءاً من رسالة القوتلي للنواب في شباط/فبراير داعياً للوحدة الوطنية، وانتهاءً بقمة ثلاثية (القوتلي، عبد الناصر، الملك سعود) في آذار/مارس، والتي دعت لمواجهة التحديات. وفي نيسان/أبريل، زار الملك حسين سورية مما أسفر عن اتفاقيات عسكرية واقتصادية، وتضمنت رفع التمثيل الدبلوماسي وإلغاء الجوازات بين البلدين.

بالنسبة للعام 1957، يذكر المؤلف صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا في شباط/فبراير، وقانون مقاطعة إسرائيل في آب/أغسطس، واكتشاف "مؤامرة حلف بغداد" المدعومة من نوري السعيد والعراق في تشرين الثاني/نوفمبر، والتي أسقطت وزارة العسلي. كما يغطي الفصل العدوان الثلاثي على مصر في تشرين الأول/أكتوبر 1956، واستجابة سورية الحاسمة بتدمير أنابيب النفط وتوزيع السلاح. ويخصص الفصل مساحة للحديث عن مبدأ أيزنهاور الذي أعلن في كانون الثاني/يناير 1957، ورفض سورية القاطع له. كما يفصل المؤامرة الأمريكية الكبرى التي اكتشفت في آب/أغسطس 1957 بقيادة هوارد ستون (عميل CIA)، وتهدف للإطاحة بالحكم وعقد صلح مع إسرائيل. في نهاية العام، حدث خلاف حاد بين ضباط الجيش المؤيدين للبعث وآخرين، انتهى بتعيين ضباط موالين للبعث (عفيف البرزة، عبد الحميد السراج، وآخرين) على رأس الشعب العسكرية، مما مهد الطريق لفرض الوحدة مع مصر على الرئيس القوتلي، وهو ما اختتم به الفصل.

يقرّ المؤلف بأن هذه الفترة من أكثر الفترات خطورة، ويعترف بأن سورية واجهت "مؤامرات واستفزازات" منظمة من الولايات المتحدة وحلفائها، مما جعل خياراتها محدودة للغاية. ويترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الوحدة مع مصر فرضت فعلاً على القيادة السورية من قبل ضباط الجيش، أم أنها جاءت كنتيجة حتمية للضغوط الخارجية والمخاوف من التقسيم أو السقوط في دائرة النفوذ الغربي.

من النقاط القابلة للنقاش بناءً على النص، وصف المؤلف للضغوط الخارجية بأنها "مؤامرات" بشكل متكرر (مؤامرة حلف بغداد، المؤامرة الأمريكية الكبرى)، مما يعكس منظوراً معادياً للغرب ويخلو من أي ذكر لوجهة النظر الغربية التي تبرر هذه الإجراءات بمنع التمدد الشيوعي. كما أن التراكم السريع للأحداث دون تحليل عميق للأسباب الداخلية للخلافات السياسية قد يترك القارئ مع صورة سوريالية من الفوضى والمؤامرات دون تفسير جذورها الاجتماعية والاقتصادية.

10.زمن الوحدة السورية - المصرية 1/2/1958 - 28/9/1961299–328▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة الوحدة بين سورية ومصر، والتي استمرت من 1/2/1958 حتى 28/9/1961، ويقدّمها المؤلف على أنها ليست نتيجة رغبة شعبية عفوية بقدر ما هي مسارٌ خطط له وأداره بعناية الرئيس المصري جمال عبد الناصر، بالتعاون مع ضباط وسياسيين سوريين. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن الوحدة كانت مشروعاً مصرياً بامتياز، قادته أجهزة المخابرات والمال، واستغلت طموحات بعض القادة السوريين وتذمر الجيش، ليتم الإعلان عنها بشكل مفاجئ وسريع قبل أن ينضج أي نقاش عام حول شكلها ومصيرها.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني واضح، يبدأ بوصف كيف وضع عبد الناصر عينه على سورية منذ تشرين الثاني/نوفمبر 1954، عبر شبكة من العملاء وأجهزة الاستعلامات. يذكر المؤلف أسماء شخصيات سورية كانت على صلة وثيقة بالسفير المصري محمود رياض، مثل قيادات حزب البعث الذين "ارتموا في أحضان محمود رياض" وكانوا ينقلون له أسرار مجلس الوزراء. ويؤكد أن الرئيس عبد الناصر صرّح في جلسات مباحثات الوحدة بأنه كان يقبض الأموال من أجل شراء الذمم، مشيراً إلى ضباط وسياسيين كانوا قد انشقوا لصف مصر، منهم عبد الحميد السراج الذي كان أول ضابط سوري يربطه بعبد الناصر اتصال وثيق وتوجيهات مباشرة.

يتوقف الفصل عند اللحظة الحاسمة، مساء 11 كانون الثاني/يناير 1958، حين اجتمع مجلس قيادة القوات المسلحة السري بزعامة اللواء عفيف البزري، وقرر سفر وفد عسكري فوري إلى مصر. ويورد المؤلف بنود المذكرة التي سُلّمت للرئيس شكري القوتلي ولرئيس الوزراء صبري العسلي، والتي طالبت بوحدة شاملة: دستور واحد، رئيس واحد، قيادة عسكرية موحدة، وعلم واحد. بعدها يصف الفصل الزيارات المتتالية إلى القاهرة، وإعلان الجمهورية العربية المتحدة في 1 شباط/فبراير 1958، ونتائج الاستفتاء التي أظهرت أغلبية ساحقة: 1,951,888 صوتاً لصالح الوحدة في سورية مقابل 119 معارضاً، وفي مصر 6,102,128 صوتاً مقابل 1,183. ويذكر أن عبد الناصر زار سورية في 4 شباط/فبراير ولقي استقبالاً هائلاً.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التفاصيل التنظيمية الضخمة للدولة الجديدة، حيث أصدر عبد الناصر الدستور المؤقت في 5 آذار/مارس 1958، ونص على أن "الجمهورية العربية المتحدة جمهورية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة". ثم أصدر سلسلة من المراسيم بتعيين النواب والوزراء، مثل تعيين عبد اللطيف البغدادي والمشير عبد الحكيم عامر وأكرم الحوراني وصبري العسلي نواباً للرئيس، كما شكّل مجلسين تنفيذيين في الإقليمين الشمالي (السوري) والجنوبي (المصري). ويحلل الكاتب أن هذه الهيكلة الإدارية كانت تهدف إلى تركيز السلطة المطلقة في يد عبد الناصر، ويشير إلى قرارين مهمين: إنشاء جيش المقاومة الشعبية وإنشاء وزارة الثقافة والإرشاد القومي، وهي الأولى من نوعها في سورية، بهدف توجيه الرأي العام.

ويخصص الفصل أقساماً مهمة لثلاثة أحداث كبرى صاحبت فترة الوحدة. الحدث الأول هو "المؤامرة السعودية على الوحدة"، التي يصفها بأنها كانت ملفقة من قبل شخصيات موالية لعبد الناصر مثل عبد الحميد السراج وعزيز عباد وبرهان أدهم بهدف خداع الملك سعود وإيهامه بوجود قوة مناهضة للوحدة مقابل المال. وقد تم الإعلان عن هذه المؤامرة في خطاب لعبد الناصر في 6 آذار/مارس 1958، والمؤلف لا يخفي أن هذه المؤامرة جاءت في سياق محاولات تعزيز شرعية الوحدة عبر اختلاق أعداء لها.

الحدث الثاني هو ثورة 1958 في لبنان ضد رئيس الجمهورية كميل شمعون، حيث وقفت الجمهورية العربية المتحدة إلى جانب المعارضة ودعمتها بالسلاح، مما دفع شمعون لتقديم شكوى لمجلس الأمن في 22 أيار/مايو 1958 اتهم فيها سورية بالتدخل. يورد الفصل رواية نقولا بسترس الطريفة عن كيفية تهريب السلاح على ظهور البغال عبر الجبال والتي لم يتمكن المراقبون الدوليون من رؤيتها رغم وجودهم في منزله، وقد خلص تقريرهم النهائي في تموز/يوليو إلى عدم وجود أدلة على إدخال السلاح.

الحدث الثالث هو ثورة 14 تموز/يوليو 1958 في العراق، التي أنهت الحكم الملكي. وينقل الفصل وثائق خطيرة نشرتها "محكمة الثورة العراقية" تثبت ارتباط شخصيات سورية بارزة بالعهد الملكي، وتحديداً صبري العسلي (نائب رئيس الجمهورية آنذاك)، حيث تضمنت برقيات سرية من فاضل الجمالي تظهر أن صبري العسلي كان يناقش إمكان الاتحاد مع العراق على أن يكون ملك العراق رئيساً للاتحاد، وكان مستعداً لاستخدام الجيش العراقي ضد سورية. ويذكر الفصل أن عبد الناصر شكل لجنة للتحقيق بهذه الوثائق، مما دفع صبري العسلي لإصدار بيان في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1958 يبرر مواقفه ويطلب الإعفاء من منصبه.

أما في المجال الاقتصادي والاجتماعي، فيشير الفصل إلى إنجازات ملموسة تمت في عهد الوحدة، مثل: إنشاء جامعة حلب، وافتتاح خط الحديد بين حلب والقامشلي في 18 شباط/فبراير 1960، وبدء تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في آذار/مارس بتوزيع سندات تمليك على الفلاحين، وافتتاح مشروع سد الرستن في 17 آب/أغسطس 1960 بالتعاون مع شركة بلغارية. كما يذكر الفصل تكريم الشخصيات الثقافية مثل الشاعر رشيد سليم الخوري أو "الشاعر القروي" الذي استقبل استقبالاً رسمياً فريداً في 2 آب/أغسطس 1958، والشاعر المهجري إلياس فرحات، وفارس الخوري الذي نال الجائزة التقديرية.

ويُظهر الفصل أن فترة الوحدة لم تخلُ من تحديات أمنية، فيذكر معركة كبرى في شباط/فبراير 1960 بين الجيشين السوري والإسرائيلي استمرت 12 ساعة، دمرت فيها المدفعية السورية المستعمرات الإسرائيلية وأسقطت طائرتين وحررت قرية التوافيق، وأوقعت خسائر بشرية تقدر بـ 400 إسرائيلي. كما يشير إلى اعتداءات إسرائيلية متكررة في حزيران/يونيو 1960، وإلى الحريق الكبير الذي اندلع في مصانع شركة المغازل والمناسج بدمشق في 6 تموز/يوليو 1960.

في الختام، يقرّ الفصل ضمنياً بوجود حدود وتحفظات أساسية، أبرزها أن هذه الوحدة كانت مفروضة بقوة الضباط الموالين للقاهرة، وأنها ألغت الأحزاب السياسية بحكم الأمر الواقع (رغم أن النص يذكر قانون حل الأحزاب في 12 آذار/مارس 1958 قبل إعلان الوحدة)، وأنها قادت إلى تركيز السلطة بشكل مطلق في يد الرئيس عبد الناصر ونوابه. ويُلاحظ أن الفصل لا يقدم تقييماً نقدياً واضحاً لهذه السياسات، بل يكتفي بعرض الوقائع والأحداث، مما يجعل القارئ يستنتج أن النظام الإداري والمركزي الذي أُنشئ كان نفسه بذرة الخلاف والانفصال الذي حدث لاحقاً. هذا الأسلوب السردي المحايد دون تحليل نقدي يمكن اعتباره نقطة نقاش في حد ذاته، حيث يترك المؤلف للقارئ استخلاص الدروس من النص دون توجيه مباشر.

11.عهد الانفصال 8/9/1961 - 3/3/1963329–370▼ ملخص

بدأ الفصل بعنوان "عهد الانفصال" من كتاب "تاريخ سورية الحديث" لهاشم عثمان، ويغطي الفترة من 8/9/1961 إلى 3/3/1963. الموضوع المحوري هو انهيار الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية، والتي دامت حسب وصف الفصل ثلاث سنوات وسبعة أشهر وستة أيام من 22 شباط/فبراير 1958 إلى 28 أيلول/سبتمبر 1961. يقدم المؤلف رواية مفصلة للأحداث التي أدت إلى الانفصال، والجهات المتورطة فيه، والفترة المضطربة التي تلته حتى انقلاب 8 آذار/مارس 1963.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر الأحداث، فيبدأ بذكر الأسباب والتآمر الذي سبق الانفصال. يذكر الفصل أن الانفصال لم يكن مجرد حركة محلية، بل شارك فيه حكام عرب، وأجهزة استخبارات دولية، وبعض السياسيين المصريين الذين فقدوا ثقة الرئيس جمال عبد الناصر. يخصص الفصل مساحة كبيرة لدور الملك حسين والملك سعود، مستشهداً بروايات متعددة منها ما ذكره الصحفي محمد حسنين هيكل في كتابه "عبد الناصر والعالم"، وقوله إن الملكين اتفقا وتضامنا على تقويض الوحدة في سورية، وركزا جهودهما على القوات الصحراوية وبعض السياسيين، ودفعا أموالاً لذلك. يُورد الفصل قول الملك سعود لعبد الناصر بأن المبلغ المدفوع كان 12 مليون جنيه إسترليني وليس 7 ملايين. ويؤكد الفصل هذه الرواية بمقابلات مع شخصيات مثل العقيد جاسم علوان سكرتير المجلس العسكري السوري الأسبق، والعقيد مصطفى رام حمداني الذي نقل قصة سفير سورية في إيطاليا عن الملك حسين الذي ترأس اجتماع وزارته ليلة الانفصال مباهياً، ووضع قواته تحت تصرف الانفصاليين، وذكر أن الأردن أول دولة عربية اعترفت بالانفصال ودعمته.

مع ذلك، لا يلقي الفصل اللوم كله على العوامل الخارجية، بل ينتقل للحديث عن عوامل داخلية حاسمة، أبرزها إهمال وتآمر بعض المسؤولين المصريين. يذكر الفصل بشكل صريح أن انقلاب الانفصاليين بقيادة عبد الكريم النحلاوي وموفق عصاصة وآخرين لم يكن لينجح "لولا استهتار وتآمر المشير عبد الحكيم عامر وصلاح نصر وعبد الحميد السراج ومساعده برهان أدهم". يخصص الفصل مساحة كبيرة لدور عبد الحميد السراج، حاكم الإقليم الشمالي، ويطرح تساؤلات مفتوحة عن سلوكه المريب. يستشهد الفصل بقصة يرويها الضابط السوري فوزي الشعيبي عن تسجيل سري لأسماء الضباط المتآمرين تم تسليمه لـ صلاح نصر مدير المخابرات المصرية، الذي تجاهله ووصفه بأنه "متألف" ولم يطلع الرئيس عليه. كما يذكر الفصل أن المشير عامر استدعى النحلاوي وحذره بلطف فحسب، وأن هاني الهندي الوزير في دولة الوحدة قدم مذكرة مفصلة بالأسماء قبل أسابيع، ولم يُعتد بها. تؤكد هذه الروايات فكرة وجود تآمر داخلي أو على الأقل تقصير متعمد من القيادة المصرية في سورية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سرد تفاصيل يوم الانقلاب وما تلاه. في صباح 28 أيلول/سبتمبر 1961، أعلن المتمردون سيطرتهم وأذاعوا بلاغات باسم "القيادة العربية الثورية العليا للقوات المسلحة". جرت مفاوضات مع المشير عامر الذي قبل بعض المطالب العسكرية وأصدر بياناً أكد فيه عودة الأمور إلى مجراها، مما أثار غضب بعض المتطرفين الذين أعلنوا لاحقاً إلغاء هذا الاتفاق. رد الرئيس عبد الناصر بإصدار أمر بعزل الضباط المتمردين من رتبهم وخطاب تاريخي وصف فيه الحدث بأنه "أخطر من عدوان 1956". في المقابل، أعلن الانفصاليون تشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور مأمون الكزبري. يورد الفصل أيضاً محاولات إدانة الانفصال من قبل قادة بعض المناطق مثل العميد حكمت داية في المنطقة الشمالية.

يخصص الجزء الأكبر من الفصل لوصف فترة "عهد الانفصال" التي امتدت لأكثر من عام. يذكر الفصل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة لإزالة آثار الوحدة، مثل تغيير العلم والنشيد والشعار، وترحيل المصريين، وإلغاء الاتحاد القومي، وإنشاء مجلس قضائي للتحقيق في جرائم العهد السابق. ثم ينتقل إلى العمل السياسي والدستوري، فيذكر الدعوة لإنشاء "وحدة عربية طوعية شاملة" على أسس لا مركزية، وإصدار ميثاق قومي، ووضع دستور مؤقت للبلاد، وإجراء استفتاء عام، وانتخاب الدكتور ناظم القدسي رئيساً للجمهورية. يتتبع الفصل بدقة التشكيلات الوزارية المتعاقبة خلال هذه الفترة: حكومة مأمون الكزبري، ثم عزة النص، ثم معروف الدواليبي، وصولاً إلى وزارة بشير العظمة.

لا يخلو عهد الانفصال من الصراعات الداخلية، ويكشف الفصل عن التنافس الشديد بين القوى السياسية والعسكرية. يصف الفصل انقلاباً جديداً قاده العقيد عبد الكريم النحلاوي ليلة 28 آذار/مارس 1962 في محاولة للاستئثار بالسلطة، حيث تم القبض على رئيس الجمهورية ناظم القدسي. لكن هذا الانقلاب قوبل بمقاومة من بعض قطاعات الجيش، بقيادة العميد بدر الأعسر في حمص، و"الضباط الأحرار" في حلب الذين طالبوا بإعادة الوحدة مع مصر. بعد أيام من الاقتتال والمفاوضات، تم إطلاق سراح الرئيس القدسي وتشكيل حكومة جديدة. يذكر الفصل أن هذه الفترة شهدت أيضاً صراعاً داخل حزب البعث، حيث انقسم الحزب إلى حزبين بسبب تأييد أكرم الحوراني للانفصال. إضافة إلى ذلك، يصف الفصل الصراع الحاد بين الإخوان المسلمين والاشتراكيين، والذي أدى إلى أزمة وزارية حادة في بداية شباط/فبراير 1963، كادت تطيح بالحكم. ويورد الفصل مبادرة قام بها وجهاء البلاد حذروا فيها من الوضع المقلق وطالبوا بوحدة الصف، لكن سرعان ما أنهى "انقلاب الثامن من آذار/مارس 1963" هذه الفترة برمتها.

من الإشارات المهمة التي يوردها الفصل، ما يتعلق بالمجلس الذي أسماه "مجلس الأمن القومي"، وهي هيئة ابتدعها قادة الانفصال وكان لها القول الفصل في سياسة الدولة، وتضم رئيس الجمهورية ووزراء الداخلية والخارجية والدفاع ورئيس الأركان وكبار الضباط، وكانت مداولاته وقراراته سرية وملزمة. كما يورد الفصل تفاصيل عن كارثة طبيعية ضربت البلدة قبور البيض في نيسان/أبريل 1962 وحصدت أرواحاً وتسببت بدمار هائل، بالإضافة إلى فيضانات مدمرة ضربت حمص. وعلى صعيد الإجراءات الإدارية والاجتماعية، يذكر الفصل قرارات هامة مثل تعديل قانون الإصلاح الزراعي، وقانون استعمال اللغة العربية الذي ألزم استخدامها في جميع المعاملات الرسمية والتجارية، وقرارات تنظيم النقابات والمهن، وإعادة تنظيم المراكز الزراعية، وعلاج العمال المصابين بإصابات عمل.

يخلص الفصل إلى أن فترة عهد الانفصال، التي ابتدأت بانقلاب الخامس والعشرين من أيلول، سادها عدم الاستقرار السياسي، حيث شهدت صراعاً بين "أخوة الأمس" الذين انقسموا إلى فريقين متعاديين: فريق الأمس (في إشارة لوحدة 1958) وفريق اليوم (الانفصال). انتهت هذه الفترة المضطربة فجأة بانقلاب 8 آذار/مارس 1963 دون أن يقدم الفصل له وصفاً تفصيلياً، مكتفياً بالقول إنه وضع حداً لها. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول دور عبد الحميد السراج، وتقاعس المخابرات المصرية، وتأثير الأموال العربية على العملية السياسية، مما يجعل القارئ يتساءل عن مدى دقة الرواية الرسمية للانهيار، وهل كان الفعل الانفصالي نتيجة لمؤامرة خارجية فقط أم لانهيار داخلي أكبر.

12.عهد البعث 3/3/1963 - 16/11/1971371–414▼ ملخص

يتناول هذا الفصل من كتاب "تاريخ سورية الحديث" لهاشم عثمان الفترة الممتدة من 8 آذار/مارس 1963 إلى 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1971، والتي يصفها المؤلف بأنها "عهد البعث" أو بتعبير أدق "عهود البعث"، حيث يقسمها إلى ثلاثة أقسام: الأول من 8 آذار/مارس 1963 إلى 23 شباط/فبراير 1966، والثاني من 23 شباط/فبراير 1966 إلى 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1971، والثالث ما بعد ذلك. المحور الأساسي للفصل هو توثيق مسيرة حزب البعث في السلطة، مسلطاً الضوء على الانقسامات الحزبية الحادة والصراع العنيف على السلطة الذي ميز هذه الحقبة، بدءاً من الانقلاب الذي أطاح بحكم الانفصال.

يسير الفصل بتسلسل زمني تقريبي، فيبدأ بوصف تفاصيل الانقلاب الذي قاده التنظيم العسكري للبعث، والذي تشكل في مصر إبان الوحدة وضم ضباطاً مثل محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وأحمد المير وعبد الكريم الجندي. يشير المؤلف إلى تشكيل مجلس وطني للثورة وحكومة برئاسة صلاح البيطار، ويعرض أسماء الوزراء والمسؤولين. يوضح المؤلف كيف أن القيادة الجديدة شرعت فوراً في ترسيخ سلطتها بقسوة، مستشهداً بإصدار مراسيم، مثل إيقاف الصحف وإلغاء امتيازاتها ومصادرة مطابعها، وأبرزها المرسوم التشريعي رقم (7) في 23 آذار/مارس 1963، والذي فرض عقوبات "العزل المدني" على فئات واسعة من الشخصيات السياسية والصحفيين ورجال الأعمال، مع حرمانهم من الحقوق المدنية والمهنية لمدة تتراوح بين 5 و15 سنة.

ينتقل الفصل لاحقاً إلى علاقات النظام الجديد الخارجية، وفي مقدمتها محاولات الوحدة مع مصر. يذكر أن وفداً سورياً زار القاهرة في 14 آذار/مارس 1963 للتباحث مع الرئيس جمال عبد الناصر، وتم في 17 نيسان/أبريل 1963 توقيع اتفاق لوحدة ثلاثية بين مصر وسورية والعراق. ويشير الكاتب إلى أن هذه المباحثات تزامنت مع إجراءات قمعية داخلية لترسيخ الحكم. ثم يعرض الفصل سلسلة من الأحداث المتسارعة، مثل استقالة صلاح البيطار من رئاسة الوزراء في 11 أيار/مايو 1963 وعودته بعد يومين، وتوسيع صلاحيات المجلس الوطني لقيادة الثورة، وتأسيس قوات "الحرس القومي" شبه العسكرية لمواجهة أي انقلابات محتملة.

يخصص الفصل مساحة كبيرة للأحداث الدامية والاضطرابات التي شهدها العهد الثاني لحكم البعث. يصف محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها العقيد جاسم علوان في 18 تموز/يوليو 1963، والتي تم سحقها بوحشية وأعدم المشاركون فيها بعد محاكمة سريعة. ويذكر أن الرئيس عبد الناصر اتُهم بالوقوف وراء المحاولة. ثم يتناول المؤلف فتنة حماه التي وقعت في 7 نيسان/أبريل 1964، والتي تطورت إلى مواجهة عسكرية دامية بين السلطة وسكان المدينة، وأسفرت عن تدمير جامع وتسبب بها، بحسب المؤلف، سوء إدارة مسؤولين محليين. كما يغطي الفصل اضطرابات في دمشق في 22 كانون الثاني/يناير 1965 بسبب مراسيم التأميم، حيث دعا رجال الدين إلى إضراب التجار، فردت الحكومة بأمر عرفي يهدد بمصادرة المحلات المغلقة.

يعرض الفصل أيضاً السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أبرزها مراسيم التأميم الواسعة التي أصدرها أمين الحافظ والتي شملت شركات ومؤسسات كثيرة، وقانون "التسيير الذاتي" في 16 نيسان/أبريل 1965 الذي جعل العمال يشاركون في إدارة المنشآت تحت إشراف الدولة وتوزيع الأرباح. يذكر المؤلف أيضاً قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي تسلل إلى سورية، وأُلقي القبض عليه في 27 كانون الثاني/يناير 1965، وأُعدم شنقاً في 18 أيار/مايو 1965 بعد محاكمة. كما يذكر تشكيل مجلس وطني للثورة بموجب قانون في 23 آب/أغسطس 1965 يتألف من ممثلين عن الحزب والنقابات والقطاعات المختلفة.

يصل الفصل إلى ذروة الصراع الحزبي الداخلي، والذي انتهى بانقلاب عسكري في 23 شباط/فبراير 1966. يشرح المؤلف أن هذا الانقلاب قادته "القيادة القطرية" (الجناح الأكثر يسارية وعسكرية) ضد "القيادة القومية" (الجناح المدني بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأمين الحافظ). أعلنت القيادة القطرية أن تحركها جاء لتصحيح المسار وإبعاد "الرجعية والتخلف"، متهمة القيادة القومية بـ"الفردية واليمينية والأنانية" وتغذية الطائفية. وبعد الإطاحة بـأمين الحافظ، تولت القيادة القطرية السلطة، وعينت نور الدين الأتاسي رئيساً للدولة ويوسف زعين رئيساً للحكومة، وأُلغي الدستور المؤقت وحُل المجلس الوطني للثورة.

يخصص الفصل قسماً مهماً للأعمال الاقتصادية لحكومة يوسف زعين، خاصةً فيما يتعلق بقطاع النفط. يذكر توقيع عقود مع شركات سوفياتية وإيطالية، وبدء العمل في خط أنابيب النفط من كراتشوك إلى طرطوس في 16 أيلول/سبتمبر 1966، وتحديد حقوق سورية من أرباح مرور أنابيب شركة نفط العراق. ثم يتناول الفصل سلسلة من محاولات الانقلاب المضادة من قبل أنصار القيادة القومية المخلوعة، مثل "مؤامرة أيلول 1966" ومحاولة سليم حاطوم في حزيران/يونيو 1967، وكيف تم إفشالها جميعاً.

يتطرق الفصل إلى نكسة حزيران/يونيو 1967، واصفاً إياها بأنها "الهزة الكبرى". يوجه المؤلف اتهاماً خطيراً لوزير الدفاع آنذاك (دون أن يسميه في النص، ولكن السياق يشير إلى حافظ الأسد) بارتكاب "خطأ فادحاً" بإعلانه سقوط القنيطرة قبل أن تسقط فعلاً، وإصداره أوامراً بالانسحاب أدت إلى انهيار الجيش السوري وفقدان أسلحة ثقيلة، وهروب الضباط. ينقل المؤلف تصريحاً صادماً لأحد المسؤولين الكبار: "خسرنا معركة لكن 'الحزب' بقي موجوداً"، منتقداً بذلك أولوية الحزب على الوطن. بعد النكسة، واصلت الحكومة عملها، ونفذت إجراءات مثل مقاطعة المنتجات الأميركية والبريطانية، واستقبلت بعثات تضامن دولية.

يختتم الفصل بفترة حكم حكومة نور الدين الأتاسي وحكومة حافظ الأسد التي تشكلت في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1971، والتي اعتُبرت نهاية العهد الثاني وبداية العهد الثالث. يسرد المؤلف العديد من الإجراءات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، مثل إحداث مركز لتطوير الإدارة، وتوزيع الكتب المدرسية مجاناً، وإحداث منظمة اتحاد الكتاب العربي، وتعديل الحدود الإدارية. كما يشير إلى الكوارث الطبيعية التي ضربت سورية في عام 1968، مثل الفيضانات المدمرة في الحسكة ودمشق، ووصول بعثات إغاثة دولية. وينتهي الفصل بتأكيد أن العهد الثاني استمر نحو أربع سنوات ونصف، وانتهى في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1971، لتبدأ مرحلة جديدة تحت قيادة حافظ الأسد.

أما بالنسبة للحجج القابلة للنقاش، فإن أبرز ما في الفصل هو إلقاء المؤلف مسؤولية هزيمة حزيران/يونيو 1967 بشكل مباشر ومفصل على وزير الدفاع آنذاك، وهو اتهام خطير يتبناه الكاتب بوضوح. كما أن وصفه لصعود البعث بأنه تزامن مع إجراءات قمعية صارمة وصراعات دموية داخلية وطائفية متكررة "مؤسفة"، يقدم صورة نقدية عميقة لهذه الحقبة، مما يجعل الفصل ليس مجرد سرد تاريخي بل تحليلاً للأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار في سورية خلال تلك الفترة.