المورد
تسع عشرة امرأة: سوريّات يروين

تسع عشرة امرأة: سوريّات يروين

سمر يزبك١ كانون الثاني ٢٠١٨arمنشورات المتوسط

هذا الكتاب ليس سجلاً للبطولات ولا دليلاً على الضحايا. هو بالأحرى محاولة لسبر أغوار ذاكرة جماعية مضادة، كما تقول سمر يزبك في تمهيدها، ذاكرة تكسر الصورة الثنائية التي اختزلت السوريين بين جلاد وشلاء محطمين. من خلال تسع عشرة شهادة نسائية، تُقدّم المؤلفة لوحة معقدة ومتناقضة للحياة تحت القمع والحرب، حيث لا مكان للأبطال الخارقين ولا للضحايا الصامتين، بل لنساء يحاولن فهم ما حلّ بهن وببلدهن، ويصارعن من أجل البقاء والمعنى وسط الخراب.

ينطلق الكتاب من هاجس شخصي للمؤلفة: الخوف من "النسيان الجماعي" في المنفى، والمسؤولية الأخلاقية للمثقف في مقاومة هذا النسيان. لم تختر يزبك تسع عشرة امرأة من بين خمس وخمسين قابلتهنّ بالصدفة، بل بقصد تنوّعٍ جغرافي يمتد من غوطة دمشق إلى دير الزور ومن حمص إلى حلب، وعمري يتراوح بين العشرين والسابعة والسبعين. لقد زارت فرنسا، ألمانيا، كندا، لبنان، بريطانيا، هولندا، إضافة إلى الداخل السوري، لتجمع شهادات لا تدّعي الإحاطة، بل تسعى لكشف طبقات من التجربة الإنسانية صعبة المنال. المنهجية التي اعتمدتها جريئة: تركت الشهادات كاملةً بـ "لغة السهل الممتنع"، كما روتها كل امرأة، وأرسلتها لمراجعتها، وأخفت أسماء من أرادت الإخفاء. هذا القرار يمنح الكتاب صدقية وحميمية، ويجعل القارئ في مواجهة مباشرة مع الصوت النسائي دون وساطة أدبية.

يتتبّع الكتاب مسار الثورة السورية من انطلاقتها السلمية، مروراً بتسليحها، وصولاً إلى تحولها إلى صراع دولي إقليمي بأدوات دينية. تروي سارة من المعضّمية قصة بدايات التظاهر السلمي في 21 آذار 2011، حيث كانت تراقب من نافذتها قوات الأمن وهي تعتقل وتضرب. لكن سرعان ما يتحول السرد إلى توثيق العنف المتصاعد: حصار البلدة في 9 أيار 2011، واعتقال 1500 شخص، ثم مجزرتين كبيرتين، الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 حيث اختبأت مع عائلتها في قبو لمدة خمسة أيام وشهدت مقتل 75 شخصاً. القصف بالصواريخ الفراغية الذي أودى بحياة قريبتها وأطفالها الثمانية، والهجوم الكيميائي في 21 آب 2013 الذي فقدت فيه بصرها لمدة أسبوع، كلها مشاهد لا تقدم صورة ضحية بقدر ما تظهر امرأة كانت تعمل في مشفى ميداني، تصور الجثث المجهولة، وتدعم فريق "رؤية" لتعليم الأطفال تحت القصف. السؤال الذي يلاحقها يظل مفتوحاً: "هل كانت المطالبة بالحرية والكرامة تستحق هذه الدماء كلها؟".

تظهر مريم حايد من فصل آخر، وهي طالبة علم الاجتماع في جامعة دمشق التي عملت مع النازحين في مدارس "سبينة" و**"دمّر"** و**"المزة"**، وتشارك في تظاهرة نسائية صامتة في شارع "الحمرا" عام 2011. تجربتها مع الاعتقال والتعذيب منهجية ومروعة: التحرش الجنسي أثناء الاعتقال الأول، الضرب بالعصي والأرجل، ثم التعذيب بالكهرباء، وإجبارها على اسم جديد "أميرة خليف" حتى استسلمت له. تصف لحظة قاسية حين كان المحقق يلصقها بجسده ويهصر عظامها، لكنها كانت تردد في نفسها أنها "مريم حايد التي تريد سورية حرة ديمقراطية"، وتستخدم هذه الكلمات كدرع. حتى بعد خروجها بدفع رشوة، تحكي عن تجارة المحامين والقضاة التي أدت لاعتقال أبرياء. شهادتها توضح كيف كانت المشاركة السلمية في الثورة تُعاقب كجريمة بأبشع الوسائل.

تقدم "ديما" من حرستا، في السابعة والثلاثين من عمرها، منظوراً مختلفاً: امرأة تعمل في التصميم والإعلام العسكري مع "كتائب الجيش الحر"، تصوّر المعارك وتصمم الشعارات. الفصل الذي ترويه يفضح انهيار الثورة من الداخل. تروي كيف تفاوضت مع رجال السلاح، وكيف رأت الكتائب وهي تتحول إلى جماعات إسلامية، وكيف أن الدعم المالي كان يأتي لغير المتعلمين والمتدينين، وأشخاص معروفين قبل الثورة بسوء أخلاقهم. تشهد على سرقة الذهب من جثث النساء، وتحول الكتائب من أسماء غير إسلامية إلى "جبهة النصرة" و**"الكتائب الإسلامية"** التي لم تسمح بوجود العلويين والمسيحيين. حتى الحديث عن الطعام أثناء الحصار يدمي القلب: أكلوا الخبز المعفن، الشوكولاته التي عليها آثار أسنان الجرذان، والشعير. تصف كيف كان النظام يبيع ربطة الخبز بخمس وعشرين ليرة، وكانت "الكتائب" وأمراء الحرب يبيعونها للناس بألف وخمسمئة ليرة تحت الحصار، في تجارة ممنهجة أثرت الفقراء. هذه الشهادة، مثل غيرها، تدحض أي تبسيط أخلاقي للصراع.

"زين" من حلب تقدم واحدة من أقوى السرديات. تبدأ قصتها من تظاهرات "الفرقان" ووفاة الطالب أنس سمو، ثم عملها في مشفى "دار الشفاء" بحي "بستان القصر"، حيث الجثث تملأ الممرات لدرجة أنهم كانوا يقفزون فوقها. لحظة قصف المشفى الذي دمّر ستاً من سبع طبقات وقتل صديقتها بشرى شيخو وأربعة وثلاثين شخصاً، هي لحظة تأسيسية في شهادتها. لكن الشق الأكثر فظاعة هو اعتقالها على حاجز، حيث تعرّضت لتعذيب جنسي ممنهج طوال الليل، ثم نقلها عبر عدة سجون: فرع الأمن العسكري في حلب، الشرطة العسكرية في حمص، مطار "الشعيرات"، وصولاً إلى "فرع فلسطين" في دمشق حيث عرفت أنها ستموت. تصف مشهداً فظيعاً: مجبرة على النظر إلى شاب عارٍ يغتصب، وامرأة حامل تُجهض أمامها والكاميرا تصوّر. في سردها، يصبح السجن "مسرحاً" للفظائع، والجلادون ممثلين يحاولون تحطيم الروح قبل الجسد. بعد خروجها، عادت إلى حلب لتعمل مع "أطباء بلا حدود"، وتشهد الحصار والجوع حتى خروجها الأخير في ديسمبر 2016، حيث “خرجت من حلب إلى غير رجعة”. شهادتها تنهيها بقناعتها أنه “لا توجد بشريّة”.

جرح الهوية الأعمق هو الجرح الطائفي. تظهر ضحى عاشور، اليسارية المخضرمة التي تعرضت للاعتقال في عام 1990 حاملاً، لتلد ابنتها "ديانا" في السجن. رؤيتها للنضال ليست في هدم "الشر"، بل في "تفكيك السلطة" وفهم ترابطات البشر. ثم تأتي شهادتا "سعاد" و**"ليلى"**، الأولى من دير الزور تحت حكم "داعش"، والثانية علوية من حمص تواجه صعوبة في التموضع داخل الثورة بسبب هويتها. تروي سعاد ببرودة تفاصيل حكم "الحسبة": ارتداء العباءة السوداء السميكة والنقاب الذي يغطي نصف الوجه، منع إصدار الحذاء لأي صوت، جلود النساء علناً في السوق، وقطع رؤوس الشباب على أعمدة. تقول: "عشنا في جحيم ورعب معهم!". أما ليلى، فتواجه التمييز داخل الحراك الثوري بسبب طائفتها، مما يفضح خطاب الكراهية بين الطوائف ويطرح أسئلة مؤلمة حول إمكانية عقد اجتماعي جديد. **آمنة خولاني تؤكد هذه النقطة، مشيرة إلى أن النظام استفاد من التلاعب الممنهج بالنسيج المجتمعي. تبرز هنا قضية مركزية: كيف حولت السلطة ضحاياها إلى جلادين، متمثلة في المتطرفين الإسلاميين من جهة والشبيحة من جهة أخرى.

يقر الكتاب بحدوده بوضوح: الصوت الغائب، كما تعترف يزبك، هو صوت الفقيرات واللاجئات في الخيام، اللواتي يكافحن من أجل البقاء فقط. النساء اللواتي يتحدثن في هذا الكتاب هن من الطبقة الوسطى، قادرات على "فعل القصّ والمكاشفة". هناك أيضاً اعتراف بفشل الإعلام العالمي في نقل الحقيقة، وبأن العالم “رأى كل شيء ولم يتحرك”. كما أن العديد من الشهادات، مثل شهادة "سارة"، تترك الأسئلة الكبرى مفتوحة دون إجابة: هل كانت التضحية تستحق؟ كيف نتعايش مع هذا الفقدان؟ هذه الأسئلة المفتوحة تجعل الكتاب ليس مجرد توثيق، بل مراجعة حزينة وحادة لمسار ثورة ضائعة.

الحجج القابلة للنقاش في الكتاب عديدة. الدور المزدوج الذي لعبته "الكتائب الإسلامية" (مثل "جبهة النصرة" و**"داعش"**) هو محور نقد لاذع من قبل الراويات أنفسهن، حيث يُعتبرن أن هذه القوى كانت سبباً رئيسياً في إجهاض الثورة وتحويلها إلى حرب طائفية. تقديم سارة لصورة نقدية عن هؤلاء “الرفاق”، الذين نظروا إليهن نظرة دونية ومنعوهن من العمل، يكشف تناقضاً عميقاً. كما أن وصف "زين" لرفض "الكتائب" السماح للرجال بنزع ثياب النساء المصابات بالكيماوي، بحجة “هذا حرام!”، مما أدى إلى وفاة الكثيرات وسرقة جواهرهن، هو مثال صارخ يفضح ازدواجية المعايير الأخلاقية. في النهاية، يعود الكتاب إلى هدفه الأساسي: تقليب وجهي "الضحية والجلاد" في الذاكرة، والبحث عن "وميض الفرح والتغني والإسهاب في جماليات المقاومة" وسط الخراب. إنها شهادة على أن بعض الحقائق قد تكون مدخلاً إلى العدالة، ولكنها في أحسن أحوالها البائسة، تظل سؤالاً حول هزيمة قضية عادلة أمام قوى الاستبداد المحلية والإقليمية والدولية.

الأشخاص

الفصول(13)

2.الرّاوية الأولى9–24▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي من كتاب "تسع عشرة امرأة: سوريات يروين" مدخلاً منهجياً وشخصياً للمؤلفة سمر يزبك، إذ تشرح فيه دوافع كتابتها، ومنهجية عملها، والأسئلة الكبرى التي يحاول الكتاب مقاربتها من خلال شهادات نسائية. الموضوع المحوري للفصل هو الكشف عن سورية التي "لم نعد نعرفها تماماً" من خلال أصوات النساء، ليس بهدف تقديم صورة بطولية أو ضحية، بل لرسم معالم ذاكرة جماعية مضادة للرواية الرسمية وللخطاب الإعلامي السائد الذي اختزل السوريين بأحد قطبين: إما جَلاداً وإما شلاءً محطمين. تسعى يزبك إلى تفكيك هذه الصورة الثنائية عبر تقديم شهادات تكشف التعقيد والتناقض في تجربة النساء السوريات خلال الثورة والحرب.

تبدأ المؤلفة بسرد الحكاية الشخصية التي أشعلت فكرة الكتاب، والتي تعود إلى منتصف عام 2010. أثناء تجوالها، التقت بعائلة سورية في قطار، فوجدت نفسها منجذبة إلى قصتهم، واكتشفت قدرتها على "لمس سورية البعيدة" من خلال هذه الحكايات. هذا الدافع الأولي تطور إلى هاجس وجودي: يزبك تصف لحظة ضياع في شوارع باريس، حيث فقدت اتجاهها فجأة، مما جعلها تتساءل عن "مرض النسيان" كفرد، وعما إذا كان منفصلاً عن فعل "النسيان الجماعي" في المنفى. هذا الهاجس قادها إلى التساؤل عن صورتنا كسوريين أمام أنفسنا والعالم، وعن ذاكراتنا الجمعية، وعن قدرتنا كمجموعات على العيش في سورية التي "عرفناها وأدركناها" أو التي لم نعرفها. تتحول هذه الأسئلة الشخصية إلى دافع لمسؤولية جماعية: ضرورة بناء ذاكرة "حقيقية وفعلية" مضادة لتلك التي تبرر الجريمة، وقادرة على تثبيت سردية موازية تكشف الحقائق.

تحدد يزببك سببين رئيسيين دفعاها لكتابة هذا الكتاب. الأول هو "التحديق والبحث في صورتنا المفترضة كهوية" وتفكيكها. الثاني هو اعتبار الكتاب "أحد طرائقها في المقاومة"، وجزءاً من إيمانها بدور المثقفين في تحمل المسؤولية الأخلاقية والوطنية تجاه العدالة وإنصاف الضحايا، والتي تتجلى في الحرب على النسيان. أما المنهجية فتقوم على إجراء مقابلات مع خمس وخمسين امرأة سورية، اختارت منهن تسع عشرة شهادة فقط في هذا الكتاب، بسبب التكرار في التجارب، ولإعطاء الأولوية للتنوع الجغرافي السوري. زارت يزبك لهذا الغرض بلداناً عدة منها فرنسا، ألمانيا، كندا، لبنان، بريطانيا، هولندا، بالإضافة إلى الداخل السوري. ركزت في أسئلتها على ثلاثة محاور: "ماذا كنت تفعلين عندما بدأت الثورة؟، وما هو السبب الذي دفعك إلى الانخراط في الثورة؟، ثم رواية التجربة الشخصية من منظور المقاومة والجندرة".

في خطوة منهجية مهمة، تشرح يزبك أنها في البداية فكرت في إعادة كتابة الشهادات بأسلوبها الخاص، كما فعلت في كتابيها السابقين "تقاطع نيران" و"بوابات أرض العدم"، لكنها بعد التفريغ والمراجعة، قررت أن الخيار الأكثر أمانة ودقة هو ترك الشهادات كاملة بـ"لغة السهل الممتنع"، المروية بضمير المتكلم، وبأسلوب كل امرأة ولغتها. بعد الانتهاء من التدوين، أرسلت كل شهادة إلى صاحبتها لمراجعتها وتأكيدها، مع إعطائها الحق في حذف أو تعديل أي جزء. بعض الأسماء وردت كاملة، بينما أسماء أخرى مفردة أُخْفِيَت بناءً على رغبة صاحباتها. توضح يزبك أنها لا تدّعي الإحاطة بكل الجغرافيا السورية، وأن اختيارها للنساء تنوع بين أماكن متعددة: غوطة دمشق، حرستا، سقبا، إدلب وريفها، حلب، الساحل السوري، حمص، القنيطرة، دير الزور، دمشق، وحماه.

يمتد تنوع النساء في العمر من العشرين إلى السابعة والسبعين، ويجمع بينهن انتماؤهن للطبقة الوسطى وكونهن "قادرات على فعل القصّ والمكاشفة". لكن يزبك تعترف بحدود الكتاب، وتذكر أن الصوت الغائب هو صوت الفقيرات واللاجئات في الخيام، اللواتي يكافحن من أجل البقاء، وتأمل في إتاحة الوقت لإنجاز كتاب آخر يخصهن. تشير المؤلفة إلى أن الراويات لا يصفن أنفسهن كضحايا أو مناضلات، بل يراجعن تجاربهن الخاصة في مواجهة الوضع الاجتماعي. وتؤكد أن منطق المقاومة يتناقض مع منطق المجتمع الذي يتراوح بين حدي الضحية والبطولة، والذي يضع المرأة في خانة الضحية "كما لو أن المرأة هي ضحية بالضرورة". في المقابل، تأتي الكلمات هنا من جهة مغايرة، حيث تتحدث النساء عن المعاناة وعن "فعل الحياة" وسط الموت.

يقدم الفصل للمحة عن بعض الشهادات الواردة في الكتاب كنماذج، وكشفاً عن المضامين التي ستعالجها: فاتن من غوطة دمشق تصف الضغط الاجتماعي بأنه أسوأ من القصف، وتشير إلى أن أسوأ ما في الحرب هو ظهور "التخلّف الاجتماعي" إلى السطح. آمنة خولاني تؤكد كيف استفادت المجموعات الإسلامية المتطرفة من التلاعب الممنهج بالنسيج المجتمعي الذي مارسه نظام الأسد. سارة من المعضمية، التي نجت من المجزرة الكيماوية والحصار، تروي كيف مارس الناشطون العلمانيون تشويه السمعة للحد من سلطة النساء. ديمة من حرستا تتحدث عن تجربتها في المعارك، وكيف أدى دخول المرتزقة إلى انزياح الثورة نحو الشعارات الإسلامية. رنا من دمشق تروي تجربتها مع "القبيسيات" ومقاومتها لارتداء الحجاب. علياء من ريف دمشق تروي حكاية المقاومة السلمية وتأسيس مركز تنموي للنساء تحت القصف. زين من حلب تعرض لتفاصيل اعتقالها وتعريتها وتعذيبها أمام كاميرا السجن الذي يتحول إلى "مسرح" للفظائع. تشير يزبك إلى أن الشهادات التي تتناول السجن تكشف عن "مسرحة" التعذيب التي تهدف إلى تحطيم السجينة وتفتيتها، كما تكشف عن لعبة الطائفية التي يحاول الجلاد اختزال النساء فيها رغم معارضتهن لذلك.

يبرز الفصل قضية "جرح الهوية الأعمق" أو الجرح الطائفي، خاصة من خلال شهادات راويات من الساحل السوري وحمص، وهما من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها بشار الأسد، لكنهما ضده، فيجدان نفسيهما في موقف صعب إذ يتم تمييزهما بسبب هويتهما داخل الحراك الشعبي والثورة. هذا الوضع يفضح خطاب الكراهية بين الطوائف ويطرح أسئلة حول إمكانية تحقيق عقد اجتماعي جديد. تشير المؤلفة إلى أن إحدى القواسم المشتركة بين النساء هي مقاربتهن لموضع "الاغتراب" الذي وجدن أنفسهن فيه قسراً. في المقابل، تقدم ضحى عاشور، التي أنجبت ابنتها في سجن نظام حافظ الأسد قبل سنوات من الثورة، شهادتها حول اختلاف تجربة العمل السياسي بين الأجيال. أما حذامي عدي، ابنة السابعة والسبعين، فتروي تاريخ مدينة حماه وما حل بها من ويلات، ودور نظام الأسد والبعث في تحويل المجتمع نحو الطائفي.

يكشف الفصل أيضاً كيف تحول الصراع في سورية من صراع سياسي ديمقراطي إلى صراع دولي إقليمي، بأدوات دينية. وتظهر يزبك كيف حولت السلطة ضحاياها أنفسهم إلى جلادين، متمثلين في المتطرفين الإسلاميين من جهة والشبيحة من جهة أخرى. وتشير إلى استخدام النساء كرهائن حرب من قبل النظام والمعارضة المسلحة، مع الإشارة إلى "صفقة تبادل الراهبات الشهيرة" كمثال على ذلك. في النهاية، تعود يزبك إلى هدفها الأساسي: تقليب وجهي "الضحية والجلاد" في الذاكرة، والبحث عن "وميض الفرح والتغني والإسهاب في جماليات المقاومة" وسط الخراب. وتختتم الفصل بقولها إن هذه الشهادات أثبتت لها أن "بعض الحقائق قد تكون مدخلاً إلى العدالة"، وأنه في أحسن أحوالنا البائسة قد تكون هي "سؤالاً حول هزيمة قضيتنا العادلة أمام قوى الاستبداد المحلية والإقليمية والدولية"، ولكن من خلال أصوات النساء ووحيهن المكاشف، قد تفتح باباً نحو "مراجعة تاريخنا وحقائقه".

2.الرّاوية الثانية25–44▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل، وهو الرواية الثانية في كتاب "تسع عشرة امرأة: سوريات يروين" لسمر يزبك، شهادة امرأة شابة تدعى "سارة" من بلدة المعضّمية في ريف دمشق. الموضوع المحوري للفصل هو تفصيل مسار حياة سارة من بداية الاحتجاجات السلمية في عام 2011 وحتى خروجها القسري من البلاد، مروراً بتصاعد العنف والحصار والمجازر. لا يقدم الفصل إجابة نظرية بقدر ما يقدم سرداً واقعياً لتجربة امرأة ناشطة تحولت حياتها رأساً على عقب، محاولةً الإجابة على أسئلة حول معنى الحرية والكرامة في وجه الموت والدمار، وموضحةً التناقض الصارخ بين المطالبة بالحياة وجني الموت.

يسير الفصل بتسلسل زمني تقريباً، يبدأ من اللحظة التي سمعت فيها سارة هتاف المتظاهرين عند مناسبة عيد الأم في 21 آذار (مارس) 2011. تروي كيف راقبت من النافذة قوات الأمن وهم يعتقلون ويضربون المتظاهرين، ومنهم صبي في السادسة عشرة، مما أثار غضبها وشعرها بالعجز. تنتقل السردية إلى توثيق نشاطها السري كمراسلة إعلامية، حيث كانت تصور التظاهرات وتكتب التفاصيل وترسلها لصديق ليوزعها على وسائل الإعلام، مخفية ذلك عن أهلها خوفاً من الاعتقال والوصم الاجتماعي. تتحدث عن صعوبات في الجامعة حيث واجهت اتهامات بالخيانة، مما أدى إلى خسارتها لأصدقاء قدامى وكسبها آخرين جدد من رفاق الثورة.

يصف الفصل أحداث العنف المتصاعدة بتفصيل صارخ، من حصار البلدة وقطع الاتصالات في 9 أيار (مايو) 2011 واعتقال 1500 شخص، إلى المجزرتين الكبيرتين. المجزرة الأولى، التي وثقتها سارة من نافذتها، والمجزرة الثانية في نهاية الشهر 11 (تشرين الثاني/نوفمبر) 2011 والتي اختبأت خلالها مع عائلتها في قبو المنزل لمدة خمسة أيام، وشهدت مقتل 75 شخصاً. تروي حكاية عائلة إدريس التي قتلت بالكامل، وأربعة شباب أعدموا أمام أمهم التي أصبحت تعرف بـ"خنساء المعضمّية". يروي الفصل أيضاً مشاهد الهروب من قذائف المروحية التي كانت تطارد عائلتها في شاحنة صغيرة، وكيف أدى ذلك إلى مذبحة أودت بحياة 150 شخصاً.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لتفاصيل الحياة تحت القصف والحصار، خصوصاً تجربة القصف بالصواريخ الفراغية التي أودت بحياة قريبة سارة وأطفالها الثمانية جميعاً باستثناء طفلة تبلغ 13 عاماً. تصف سارة عملها في المشفى الميداني حيث كانت تقوم بالتمريض وتصوير الجثث المجهولة الهوية، وتصف أصعب مهمة: تصوير القتيلات. تحكي تفصيلاً مؤلماً عن جلوسها بجانب جثة امرأة تدعى "مديحة"، تحاول إقناعها بالنهوض لزوجها ورضيعها الباكي. يضرب الفصل مثلاً صارخاً على الفقدان باستخدام صورة حبة البندورة التي صورتها لأخيها قبل مقتله بقذيفة، لتصبح طيفاً يراود كوابيسها كدماء تتساقط من السماء.

على الرغم من كل هذا، توثق سارة كيف عملت مع مجموعة من النساء لتأسيس فريق "رؤية" لدعم الأطفال وتعليمهم وتقديم الدعم النفسي تحت القصف. يصف الفصل نشاط المركز الذي نما إلى ثلاثة مراكز إضافية. لكنه يبرز تحولاً دراماتيكياً في طبيعة الصراع، عندما تصطدم هذه المبادرات النسوية مع المجلس المحلي (المكون من رجال). يصف الفصل الصعوبات والمضايقات التي واجهتها سارة وفريقها بسبب استقلاليتهم، وكيف اتهموا بالسرقة وسخر منهم أعضاء المجلس الذين أرادوا تحويل المساعدات لشراء السلاح بدلاً من توزيع الخبز. تشير سارة إلى أن الضغط الأكبر لم يأت فقط من النظام، بل من "رفاقنا في الثورة" الذين نظروا إليهن نظرة دونية ومنعوهن من العمل والتصوير.

يصف الفصل تفاصيل الهجوم الكيميائي الذي تعرضت له المعضّمية في 21 آب (أغسطس) 2013، وهو مشهد مرعب من الاختناق والموت الجماعي. تصف سارة فقدانها لبصرها لمدة أسبوع، ومشاهدة الناس يموتون ببطء، والجثث المنتفخة، والأم التي أصيبت بالجنون وهي تشير إلى عائلتها الميتة. ينتقد الفصل بمرارة دخول المفتشين الأمميين لاحقاً لأخذ عينات، واصفة شعورها بأنهم تعاملوا معهم كفئران تجارب. يختتم الفصل بوصف خروجها من المعضّمية في أكتوبر خلال هدنة، والمرور بتفتيش مهين من جنود "حزب الله"، ثم رحلة الهروب الصعبة عبر الحدود إلى لبنان، وانتهاءً بوضعها كلاجئة في إحدى الدول الأوروبية.

يقر الفصل بحدود واضحة وتناقضات عميقة. السؤال الذي يلاحق سارة هو: "هل كانت المطالبة بالحرية والكرامة تستحق هذه الدماء كلها؟" هذا السؤال يظل مفتوحاً دون إجابة، مما يشكل تحفظاً مركزياً على مسار الثورة برمته. يقر الفصل أيضاً بفشل الإعلام في نقل الحقيقة بشكل كاف، وبأن العالم رأى كل شيء ولم يتحرك، مما يترك شعوراً بالغضب والخذلان.

الحجج القابلة للنقاش في الفصل تتمحور حول دور الجماعات الإسلامية المسلحة ("جبهة النصرة"، "الكتائب الإسلامية") التي دخلت البلدة لاحقاً، وتقييم سارة لدورها السلبي في تغييب النساء وفرض القوانين الجائرة. تقدم سارة صورة نقدية لهذه القوى المعارضة، وتصف كيف تآكلت أهداف الثورة بسببها، مما دفعها للمغادرة. يمثل هذا التقييم نقداً جذرياً من داخل الثوار أنفسهم، يقارن وحشية النظام بقمع الجماعات المسلحة، ويضع المسؤولية على النظام وحلفائه والتدخل الإقليمي والدولي، وليس على الناس العاديين الذين خرجوا مطالبين بالحرية.

2.الرّاوية الثالثة45–56▼ ملخص

تبدأ مريم حايد، وهي امرأة سورية في العشرين من عمرها عند اندلاع الثورة، بسرد قصتها من اليوم الذي بدأت فيه مشاركتها النشطة. كانت تدرس علم الاجتماع في جامعة دمشق، وعملت في الهلال الأحمر، حيث ساعدت الأسر النازحة التي سكنت المدارس بعد تحويلها إلى ملاجئ. تصف الظروف الصعبة في تلك المدارس، حيث كانت كل عائلة تعيش في غرفة ضيقة خلف ملاءة، وتوضح أن عملها كان يهدف إلى كسر حاجز الخوف لدى الأطفال من خلال أنشطة حركية كالرسم والكتابة والألعاب الذهنية، مثل كتابة رسائل إلى شخص قريب أو الرقص. كما عملت مع المراهقين الذين اضطروا للبقاء في غرفة واحدة رغم خوفهم من اختلاط الجنسين، وكانت مسؤولة عن مشروع دليل الأمهات لمساعدة النساء في التعامل مع التغيرات المفاجئة، وهو مشروع رفضه الرجال بالكامل تقريباً، إذ لم يشارك منهم سوى خمسة فقط.

عملت مريم في أحياء دمشق مثل «سبينة» ومشروع «دمّر» و«المزة»، واستمرت في عملها مع النازحات لمدة ثلاث سنوات حتى اعتقالها. تشارك تفاصيل مشاركتها في تظاهرة نسائية صامتة في شارع «الحمرا» عام 2011، حيث كتبت لافتة تقول «نحن بدنا حرية»، وشكل الشباب طوقاً لحمايتهم، لكن الأمن اعتدى عليهم بوحشية واعتقل بعضهم. تروي أيضاً كيف مارست إدارة الجامعة ضغوطاً على الطالبات للخروج في مسيرات مؤيدة للنظام، وكيف كانت تُطرق أبواب الغرف ليلاً للتهديد بالفصل، فخططت مع أصدقائها لتظاهرة مضادة في كلية الهندسة المعلوماتية، لكن أحد أفراد مجموعتهم أبلغ الأمن مسبقاً، مما أدى إلى فض التظاهرة واعتقال بعض الطلاب.

في أثناء عملها في الهلال الأحمر، طُلب منهم التزام الحياد ظاهرياً، لكنهم انقسموا بين مؤيد ومعارض. أصدرت مديرية التربية والتعليم قراراً بفصل الطلاب المشاركين بالتظاهر في عام 2012. تروي مريم قصة خالتها «مي» التي كانت تحضر رسالة الماجستير في علم الاجتماع، وقررت العودة إلى سوريا للمشاركة في الثورة، فذهبت إلى الباب لتشارك في إعداد تقرير عن «داعش»، لكنها رفضت وضع الحجاب فاعتقلها عناصر التنظيم مع صديقها، ولا يزال مصيرها مجهولاً حتى الآن. تشرح مريم دوافعها الشخصية العميقة للمشاركة، فبعد موت حافظ الأسد، بكت الناس خوفاً، لأنه كان الإله الوحيد الذي عرفوه، فقررت أن تفهم وتقرأ كتباً عن حقوق الإنسان، خاصة أن أخاها كان ناشطاً حقوقياً عرضة للملاحقة الأمنية، وعانت أسرته من الخوف الدائم. قررت أن تكون امرأة مستقلة وألا تخضع لسيطرة الرجال، وأن تشارك في التظاهرات من الشارع وليس من الجوامع، لأنها تريد سورية ديمقراطية.

تصف مريم تفاصيل اعتقالها اليومي. كان الأمن اعتقل صديقاً لها وأجبره على الاعتراف ضدهم، وفي صباح أحد الأيام، اقتحمت دورية أمنية منزلهم، وضعوا مسدساً في رأسها، ودمروا محتويات البيت، واعتقلوها. كان التحرش الجنسي جزءاً من لحظات الاعتقال الأولى، حيث دسوا أيديهم في أنحاء جسدها وربطوا يديها. تنقل إلى مركز أمني تحت الأرض، وتصف الرحلة المروعة في الأدراج، والضرب بالعصي والأرجل، والتحرش المستمر، ثم حشرها في غرفة صغيرة جداً تضم ما بين خمس وعشرين وثلاثين امرأة، حيث بالكاد يستطعن الجلوس وسط روائح خانقة ومنظر مرعب. تروي أنها كانت في فرع الأمن في باب «مصلى»، وهو قسم مخصص للنساء المتهمات بالقتل أو الدعارة، مما زاد خوفها.

تتحدث عن نظرات المعتقلات التي كانت تسرق الحياة من عينيها، حيث كانت عيناها تأتيان من العالم الأعلى حيث الحياة، وعيونهن من العالم السفلي حيث الموت. خلال الأيام الأولى، كان المحقق يأخذها ويعيدها تحت الماء المثلج، ويبقيها في ثياب مبللة، فبقيت عدة أيام ترتجف ولا تنام. بعد اليوم الرابع، بدأ التعذيب بالكهرباء على رجليها وظهرها ورقبتها، وكانت تسمع صراخ الآخرين أثناء فقدانها للوعي. كان المحقق يضربها ويلطمها باستمرار، ويطلب منها الاعتراف، لكنها لم تكن تعرف تهمتها. في أثناء التحقيق، عرفت أن هناك وشاية من شخص قريب، وأخبرها المحقق أنها إن أرادت الخروج فعليها مغادرة سوريا. كان يضربها بلا توقف ويعرض عليها صوراً وكاميرات، ويستخدم ألفاظاً بذيئة، ثم يضعها تحت الماء البارد ويمنعها من الكلام.

تسرد واحدة من أقسى لحظات التعذيب النفسي، حين دخل المحقق ونادى باسم «أميرة»، وعندما قالت مريم اسمها الحقيقي، كان يصفعها بعنف ويصر على أنها «أميرة خليف»، حتى استسلمت وأقرت بالاسم الجديد. أصبح هذا الاسم هويتها في السجن، وكان السجينات يواسينها بعد جلسات التعذيب. تصف الحياة اليومية في المهجع، حيث كانت زعيمة المهجع (وهي أكبر سجينة) تسيطر على الطعام، وتأكل قبل الجميع، وإلا تعرضت السجينات للضرب. لم يكن هناك هواء كافٍ، وكانت الروائح تزداد سوءاً، والنساء يتبادلن النوم على الأرض الضيقة. تسمع مريم صراخ بنات الدعارة وهن يتعرضن للتعذيب، وتذكر قصة فتاة كانت تحضر طعاماً لأهلها واتهمت بإيصال سلاح لـ«الجيش الحر»، وما زال صراخها في أذنها.

تصف الظروف غير الإنسانية، حيث كانت الحفرة في الأرض للتبرز، ويستحمون بالماء البارد عبر خرطوم. أصيبت مريم بمرض جلدي في سجن الشباب، ولم تستحم إلا بالماء العادي. تروي معاناة الشباب في المهجع المجاور، حيث كانوا يتبولون ويتغوطون في ثيابهم أحيانماً، وكان الممر بين المهجعين مليئاً بالأوساخ. كان المحقق يتحرش بها جنسياً طوال فترة التحقيق، ويفتح إيميلاتها وحسابها على «فايسبوك» ليكتشف نشاطاتها السلمية والإغاثية، لكنه استمر في تعذيبها لمعرفة أسماء أصدقائها. تصف لحظة قاسية حين كان المحقق يلصقها بجسده ويهصر عظامها، لكنها كانت تردد في نفسها أنها «مريم حايد التي تريد سورية حرة ديمقراطية»، وتستخدم هذا الكلمات كدرع لتنسى ما يفعلونه بها.

تتحدث عن تفاصيل التعذيب الجسدي الشديد، كربط يديها من الأمام بحبل وتعليقها من سقف الغرفة بعد نزع برميل من تحت قدميها، ثم جلدها بسوط من المعدن والبلاستيك، بينما يصرخ المحقق «شو حرية؟ شو تطلعي مظاهرات؟»، وكانت تغيب عن الوعي ثم يُصبون الماء البارد عليها ويحشرونها بين الشباب المعذبين. تروي جلسة تعذيب جماعي شهدت فيها صديقها يُعذب ويُقص شعره الطويل وهو فاقد الوعي. تفاصيل أداة تعذيب جديدة، حيث ثبتوا لوحين خشب بجسدها وثنوهما كزاوية، مما سبب ضغطاً على ظهرها وتهشيمه، ثم جلدها بلا حدود. بعد أن انسحق ظهرها وتخدر، كان المحقق يضربها ويقول «يا شرموطة بدك حرية؟»، وهي تردد ما كانت تصرخ به في المظاهرة حتى كادت تغيب عن الوعي.

في لحظة ضعف، وافقت مريم على طلب المحقق بالظهور على التلفزيون للاعتراف «بندمها وتوبتها» مقابل الخروج من السجن. صُورت في فرع الأمن مع أصدقائها، وأجبرت على القول إنها تعاونت مع «الجيش الحر»، رغم أنها ناشطة سلمية. بعد التصوير، تحطمت معنوياتها، وعرفت أن رئيس الفرع والمحقق حصلا على مكافآت وتقدير إعلامي. نُقلت إلى سجن «حاج» بعد 75 يوماً من الاعتقال، وكانت المرأة الوحيدة بين المعتقلين، وفي الطريق جعلوهم يتعرون أمامها وربطوهم بسلسلة حديد وجروهم كالعبيد. في السجن الجديد الذي كان في منطقة اشتباك بين «النظام» و«جيش الإسلام»، كان القصف شديداً، وكان الخوف من أن يقتحم «جيش الإسلام» السجن ويأسرهم، معتقدة أن كلا الطرفين سيء. عرفت لاحقاً أن تهمتها كانت «الترويج لمنظمة إرهابية»، وحُولت على المحاكمة.

تصف حادثة وحشية أخرى، حيث أرادوا معاقبة معارضة حلبية رفضت مبايعة الرئيس بالقوة، فوضعوها في غرفة بنات المخدرات، فمسكنها من شعرها ورطمن رأسها بالحائط حتى اغتسلت بالدم وغابت عن الوعي. خرجت مريم من السجن بعد دفع رشوة عبر وسيط، وتصف هذه التجارة التي راجت بين المحامين والقضاة وأدت لاعتقال أبرياء. بعد الإفراج المشروط، هربت فوراً، وتبدأ رحلة اللجوء التي تنتهي بها في فرنسا، حيث تعيش كلاجئة وتريد إكمال دراستها العليا في الجامعة.

الملخص يعكس بوضوح صورة امرأة شابة دفعت ثمناً باهظاً لمشاركتها السلمية في الثورة السورية، حيث كان التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي جزءاً ممنهجاً من تجربتها، ويظهر كيف تحولت المطالب بالحرية والديمقراطية إلى جريمة يعاقب عليها بأبشع الوسائل.

2.الرّاوية الرابعة57–71▼ ملخص

ملخص الفصل: «الرّاوية الرابعة»

هذا الفصل يروي قصة امرأة سورية تحمل الاسم الحركي "ديما"، تبلغ من العمر سبعاً وثلاثين سنة، من حي "ساروجة" في دمشق. درست "الغرافيك ديزاين" وأكملت في الصحافة والإعلام في الجامعة، وتعمل في مرسمها وتصميم الرسومات التي تطبع على القماش. تبدأ الراوية من لحظة اندلاع الثورة السورية، حيث كانت تسكن في "حرستا"، المنطقة الصناعية في ريف دمشق، مع أهليها.

عند خروج تظاهرة "الحريقة" في عام ٢٠١١، فوجئت بشجاعة الناس، خاصة بعد قصة "أطفال درعا" الذين كتبوا عبارات على جدران مدارسهم، واعتقالهم وتعذيبهم بشكل وحشي. في الأسبوع التالي، تظاهر الناس في "حرستا"، وخرج الرجال من الجامع بعد صلاة الجمعة في التظاهرة. كانت الراوية غاضبة في البداية ولم تفهم ما يحدث حولها، وترددت في المشاركة لأنها لم تكن تثق بما يريده المتظاهرون. لكن بعد سقوط "أحمد العلي" كأول شهيد في "حرستا"، خرجت في تشييعه.

تنتقل الراوية لوصف التنوع الديني في "حرستا"، حيث كان للمسيحيين والدروز والعلويين حارات خاصة، ومع ذلك انتفضت البلدة كلها. كانت تعرف مخارجها ومداخلها وأسرار طرقاتها وأهلها، الذين كانوا متكافلين في البداية. لكنها اختارت الخروج بعيداً عن "حرستا"، إلى أماكن التظاهرات في دمشق حيث لا يعرفها الناس. تظاهرت في عزاء "هلا المنجد"، وهي طفلة قتلت برصاص قناص في أثناء خروجها من المدرسة في شهر نوفمبر ٢٠١١. خرجوا في "الميدان" وسط دمشق، هتفوا ورقصوا، وقتل رجال الأمن حينذاك خمسة شباب، وفي اليوم التالي شيعوهم في تظاهرة كبيرة. رأوا سباطانات ورجال أمن وجيش، هرعوا في شارع "أبو حبل" في "الميدان"، وصاح الشباب "الله أكبر" لترتعب قوات الأمن وتهجم عليهم. أمسكها أحد رجال الأمن بخصرها، فخلصها شاب من المتظاهرين قُبض عليه وأُبرح ضرباً. لكن صديقاتها اعتصمن، وهن من طوائف جميعها: الإسماعيلية والدروز والعلوية والمسيحية، وكانوا خمس عشرة فقط، وطالبن بإطلاق سراح المعتقلين، لكن الأمن لم يقبل إلا بإطلاق سراح النساء.

في هذه التظاهرة، تأكدت الراوية أنها على صواب في معارضة نظام الأسد، وأرادت عدالة وكرامة ودولة تعترف بالحقوق. دخل السلاح في تشرين الأول ٢٠١٢، في تظاهرات جمعة "إن تنصروا الله ينصركم"، وكانت لتشييع شهداء سقطوا برصاص الأمن: محمد المختار زيتون، سامر منير المهدي، ماهر الحسن، وحسان الجلاد. قال المسلحون إنهم يحمون التظاهرة، فنزلت قوات النظام إلى "حرستا". عملت الراوية في تأمين الإغاثة الغذائية، وكانت على علاقة مباشرة مع "كتائب الجيش الحر"، وعملت في التنسيق مع "الفصائل" و "الكتائب" و "المجلس العسكري" لدمشق الذي كان يرأسه "خالد الحبوس"، بهدف توحيد "الكتائب" تحت لواء المجلس. كانت تنسق بينها وبين سيدة كانت تملك المال والسلاح، وهي قصة تحتاج إلى صفحات وصفحات، بظهورها واختفاءها المفاجئين والمال والسلاح الذي أحضرته بطرق غير مفهومة.

لم تفكر الراوية في هذا كله حينذاك، لأنها كانت في قلب المعركة والعنف، مهتمة بحماية الشباب ما استطاعت. تابعت عملها في التصميم، وفي الوقت نفسه كوّنت شبكة علاقات ممتازة من الأطباء الأكراد الذين ساعدوا الجرحى والمصابين. لكن حين اعتقل النظام أحد الذين تعمل معهم في "حرستا"، تورطت بشكل واضح في "حرستا" لأنه لم يعد عندها ما تخشاه، خاصة أن الرجل الذي اعتقل قد يُخبر أجهزة الأمن باسمها الحقيقي. حمى "الجيش الحر" تظاهراتهم، واعتقل صديقتها التي عملت معها على مشروع "روزنامة" حيث رسم أولاد الشهداء صور آبائهم ونشروها. أصبح وضعها في خطر أكبر لأن الأمن سيقتحم مكتبها، وتم تحذيرها بالهروب، لكنها استمرت تعمل مع مجموعات "الجيش الحر".

كانت الفكرة أن يؤسسوا "جيشاً موحداً" مع رواتب للمقاتلين، تحمست للفكرة وكانت على دراية بالأموال التي تأتي من "المجلس العسكري" إلى "الكتائب"، ومنها "كتيبة الاغتيالات" التي مات منها اثنان في مكمن نصبه النظام في "دار الزاهرة". كان في الكتائب أطباء ومحامون، أرادوا اغتيال المسؤولين في النظام ونفذوا بعض العمليات. في تلك الفترة تحديداً، بدأ الأمن يأتي إلى مكتبها ويسأل عنها. في السابع عشر من الشهر العاشر عام ٢٠١٢، حصلت "معركة حرستا" التي قررها "الجيش الحر" لمنع ارتكاب مجازر أخرى. الكتيبة التي قاتلت هي "كتيبة درع العاصمة"، أفرادها من "حرستا"، قائدهم اسمه "أبو محمود عقوف" الذي ذهب إلى العراق للقتال عندما فتح باب الجهاد فيه أثناء الاجتياح الأميركي، حيث ذهب كثير من الشباب السوري إلى هناك واعتقلوا لدى عودتهم وأطلق سراحهم في بداية الثورة. استمرت المعركة ثمانية أيام، فجروا باب فرع الجوية الذي كانت قوات النظام تقصف منه "حرستا" و "دوما". كانت الراوية المرأة الوحيدة في المعركة، لكن نساء أخريات شاركن في أماكن أخرى. رأت الدبابات تقتحم من جهة مشفى الشرطة، والقصف بالهاون مثل المطر، وهم في الأبنية التي تقصفها الطائرات. طلب الشباب منها الخروج حرصاً على سلامتها، لأنهم لا يريدون تسليم "حرستا" والمعركة ستكون عنيفة. ذهبت إلى "مسرابا" وبقيت في بيت عائلة تعرفها، والبيت نفسه كان نقطة إسعاف. "مسرابا" تبعد كيلومتراً واحداً فقط من "حرستا"، ورأت أهل "حرستا" في الشوارع، عائلات كاملة مشردة هاربة وهائمة على وجوهها. كان هذا المشهد صعباً، رأت كتلة بشرية تُقتلع من مكانها، وتساءلت كيف يستمرون في العيش والمقاومة.

مع تزايد القصف، تزايدت أعداد الجرحى والمصابين، فعملت ليلاً نهاراً حسب حاجة المنطقة التي تنزح إليها. كان الجرحى ممددين في الشوارع ولا توجد أدوية. تعلمت التمريض بأجساد البشر تحت إشراف طبيب. رأت الفظائع: أشخاصاً بلا أرجل، بلا أيد، بلا رؤوس. توسعت رقعة المعركة، لم يتراجع "الجيش الحر" مع أن "حرستا" لم يبق فيها شيء. ثم بدأ النظام يرمي من الطائرات صواريخ فراغية تُدمر الأبنية كما هي. كانت بلدات "الغوطة" كلها محاصرة: "سقبا، حمورية، الشهابية، المرج، حران العواميد"، قطع النظام الطريق من "المليحة". بقيت مع أصدقائها تعمل ليلاً نهاراً، في الليل تبقى في "سقبا" وفي النهار تذهب إلى "مسرابا". كانت تعمل مسعفة وممرضة، وفي الإغاثة الغذائية، وربط الجهات العسكرية، وفي الإعلام. كان هذا جنونياً، لأنهم لم يكونوا ينامون سوى ساعات قليلة. شاركت النساء في الفاعليات جميعها، لكن الحيطة الأمنية والحذر جعلتا الناشطات يخفين وجوههن وأسماءهن. ما بدا أن النساء اختفين، لكن الحقيقة أنهن كن يعملن في الخفاء. نشاطها توزع بين المدني والعسكري، لذلك كان وضعها خطيراً، وكان اسمها في مكاتب الأمن بتهمة الخيانة. سافرت إلى مصر لخمسة وأربعين يوماً في الشهر التاسع من عام ٢٠١٢ وعادت في الشهر العاشر. كان المفترض ألا تعود، لكنها لم تستطع تقبل فكرة مغادرة بلديها وهم يواجهون القمع والظلم. عادت إلى سورية بطريقة غير قانونية.

حينذاك، كان الأمن ارتكب مجازر في "حرستا"، إحداها في "التعلية" والأخرى غرب الأوتوستراد، وسحب حواجزه كلها ووضعها على مداخل "الغوطة". استنفرت قوات النظام، اختفى الحجاب، خرجت النساء نهائياً. تغير المشهد الاجتماعي بشكل مفاجئ، وكان هذا أمام عينيها، وكانت "حرستا" شبه خالية لا يوجد فيها سوى بعض المسلحين. في أحد الأيام، اعتقلهم "الجيش الحر" هي وصديقتها في الساعة السادسة صباحاً، وأطلق سراحهم، وبعد ذلك بفترة اعتقلتهم "كتيبة" أخرى. كانت "الكتائب" تتكاثر والفوضى تزداد مع تزايد المال والسلاح. مشكلة "الجيش الحر" معها أنها كانت امرأة تعمل بين مجموعة رجال. حاولت الخروج من "سقبا" عندما اعتقلها "الجيش الحر" للمرة الثالثة في "مسرابا". بقيت صديقتها معها في "مسرابا" ومعهما مجموعة شباب. كان معها جهاز لاسلكي بسبب ارتباطها بقسم العمليات العسكرية. كانت في المنطقة غرفة عمليات وهي محسوبة على غرفة عمليات "مسرابا". في ذلك الوقت، خرجت معظم مدينة دمشق إلى "الغوطة" وبقيت هي. بدأت استخدام طابعتها الخاصة وأدوات مرسمها لطباعة الخرائط من غوغل واستخدامها في المعارك والعمليات العسكرية التي خططت لها الكتائب التي وثقت بها ولجأت إليها لأنها كانت على دراية بتفاصيل ما تخطط له. صممت الشعارات واللافتات واللوغو الخاص بكل "كتيبة"، وكانت "الكتائب" التي تكاثرت تغير أسماءها حسب الممول الذي يدفع لها. كانت تعمل بلا مقابل، وباعت أغراضها كلها لتعيش، كان ذلك قبل الحصار الذي بدأ على "الغوطة" في الشهر العاشر من عام ٢٠١٣.

ساعدت "الكتائب العسكرية" إعلامياً، وقسم كبير منها من الطبقات المسحوقة غير المتعلمة، ولا يعرف شيئاً خارج إطار حدود قراها وبلداتها، أراد أفرادها الانتقام من أجل السلطة حينذاك، ولم تفهم ذلك. كثير من الرجال قاتلوا للحصول على السلطة والمركز الاجتماعي، وليس من أجل محاربة الأسد. كان هناك لصوص فعلوا أسوأ بكثير مما فعل الجيش النظامي، سرقوا ونهبوا وضربوا وقتلوا الناس. رفضت ما يفعلونه، وأعلنت موقفها منهم، واعتقلوا شريكها في العمل لأنهم وصفوهم باللصوص. صدمت مما يحدث أمامها، لأنهم خرجوا ضد الأسد من أجل العدالة، وكان ما يحصل أسوأ مما حدث في سورية كلها. كانت حينذاك في المكتب الإعلامي التابع لكتيبة مجاهدي الشام، تعمل في قسم التصميم والأخبار، وذهبت مع المقاتلين إلى معركة تحرير حواجز أوتوستراد "دمشق - حلب" الدولي، وكان الدعم يأتي من لواء "مغاوير سورية" الذي استلمه أبو الحسن السوري. طلبوا منها تصوير المعركة التي خاضتها "فتح الشام" ونشر مقاطع على اليوتيوب. كان معها لاسلكي بشكل دائم وكانت في قلب المعركة. كان معها مسدس لكنها لم تستخدمه، أعطته لشريكها. ذهبت إلى المعركة مع كمبيوترها و "الثريا"، قيل لهم هناك الكهرباء متوافرة في البناء الذي سيكونون فيه ويقع خلف "الكتيبة" على خط المواجهة. كان قصف الهاون فوقهم مثل المطر، وقائد "الكتيبة" في الصف الأمامي يقف إلى جانب مقاتليه الذين استطاعوا الاستيلاء على الأوتوستراد الدولي. فكر بعضهم في إقامة حواجز على الأوتوستراد من أجل سرقة أموال الناس. في صباح اليوم التالي، قصفت طائرات النظام منطقة المعركة بغاز الخردل، وانسحبت "الكتيبة" من الأوتوستراد، واستلم قائد "الكتيبة" المال وحوله مصدراً لثرائه، لذلك قبل بهذه المقايضة وباع المعركة.

تتحدث الراوية عن أبو الحسن السوري، الذي لم يكن يحبه أحد لكنه فرض نفسه عبر مقاره العسكرية، وتصفه بأنه مجرد لص وقاتل. أسست صديقة لها "ألمى شحود" كتيبة نسائية اسمها "أمهات الشهداء" في "الغوطة الشرقية"، وعلمت النساء فنون القتال والكاراتيه والتمريض واستخدام السلاح. لكن إحدى "الكتائب" المحسوبة على "الجيش الحر" هاجمتها وسرقت السلاح. ومنذ عام ٢٠١٤، لا وجود لأي كتيبة نسائية في "الغوطة". بدأت تفقد إيمانها "بالكتائب العسكرية"، والمجموعات الجيدة منها كانت تقل أكثر فأكثر. خلال عام ٢٠١٣، عرفت أن لها ارتباطات خارجية. صدمت عندما نزعت إحدى "الكتائب" علم الثورة ووضعت راية سوداء، فاستهجنت ذلك، فقال لها صديق: "قد يأتينا تمويل من جبهة النصرة أو من السعوديين". كانت على علم دقيق بهذه الأمور لأنها تصمم لها الشعارات واللوغو، وشهدت مراحل تحول شعاراتها إسلامية متشددة. المكتب السياسي التابع للمجلس العسكري في تركيا هو الذي نفذ صفقات السلاح الذي يأتي من ليبيا. في بداية تأسيس "الجيش الحر"، كانت أسماء "الكتائب" غير إسلامية، وكانت تضم دروزاً ومسيحيين وعلويين. لكن بين نهاية ٢٠١٤ وبداية ٢٠١٦، تحولت كل الكتائب إلى "جبهة النصرة" و "الكتائب الإسلامية" التي لم تسمح بوجود العلويين والمسيحيين، فخرجوا. كان الدعم المالي يأتي لغير المتعلمين والمتدينين، وهم أناس معروفون قبل الثورة بسوء أخلاقهم. اغتيل كثير من قادة "الكتائب" الشرفاء المؤمنين بمبادئ الثورة. كانت تحدث أمامها أمور جعلتها تبتعد عن "الكتائب" نهائياً، رفضت حتى وجود السلاح في بيتها. كانت مصدومة من تفاصيل السرقات التي وصلت إلى سرقة الذهب من جثث النساء، رفضت حتى مجرد اللقاء بهم ورؤيتهم.

تفرغت للعمل المدني، واستمرت في عملها على طابعتها حتى توقفت بسبب الحصار حين نفد الحبر. بعد ذلك، افتتحت مركزاً نسائياً في "حرستا" التي لم تكن آمنة، في قبو بمساعدة أصدقاء لها في مطلع عام ٢٠١٣. كانت بالقرب منه "كتيبة" تابعة لـ "الجيش الحر" قبل أن تصبح "سلفية"، حاولت السيطرة عليهم فوجهتها بصرامة ومنعتها من الاقتراب. القبو كان غرفة كبيرة، أمدوا مواسير الماء من بناء مجاور مقصوف، لم تكن هناك مواصلات فكانت تمشي ساعات وساعات لتأمين المؤن. كان مبنى القبو مقصوفاً وشبه مدمر، والقبو كان مكشوفاً، يتعرضون للقصف باستمرار. فتحوا مركزهم تحت الركام. كان الشتاء قد اقترب، والحصار اشتد، واختفت المواد الغذائية وارتفعت الأسعار. كانت المعاناة في شراء المازوت لتشغيل المولدات الكهربائية، ثم اختفت المواصلات نهائياً. تقريباً لم يعودوا يأكلون. معبر العتيبة وقع في يد النظام تارة وفي يد "داعش" تارة أخرى، ومنعه الطحين الذي اختفى وكان يغذي تقريباً ثمانمئة ألف إنسان محاصرين. حاولوا إيجاد بدائل كي يستمروا في الحياة، امتلكوا بقرة. بعد معارك "الكتائب"، كان الناس يأتون بالخبز المعفن ويبللونه بالماء ويعيدون خبزه من جديد. من يحصل على الخبز، كان يعد صاحب ثروة وغني بين الجائعين. كان لديهم شعير، جعلوه مادة أساسية، أكلوه. أحد أصحاب معامل الألبان كانت له علاقات مع النظام، قرر أن يبيع منتوجات الألبان إلى مناطق النظام والنظام يرسل لهم الشعير. وجدوه نعمة! كان سعر كيلو الشعير سبعمئة وخمسين ليرة، كانوا يقشرونه ويطحنونه ويعجنونه ويخبزونه بأيديهم على فرن له فتحة من فوق وفتحة من تحت ويوقد داخله الحطب. لا يوجد رز ولا سكر ولا ملح ولا زيت ولا شاي. كان الشاي نفسه خيبة أمل. كانت لديهم مخللات غالية، كانت تصل إلى خمسين ألف ليرة سورية للكيلو. وهذا فقط لأن "الكتائب" سيطرت على أحد مصانع المخللات وباعته للناس! كانوا جائعين طوال الوقت، حتى الماء كانوا يشترونه. كان ثمن الماء ألف ليرة ويكفيها لأسبوع، والعائلة التي كانت تسكن تحتها كان يكفيها الخزان ليوم واحد. كانت العوائل تأتي من الآبار لمسافات طويلة للحصول على الماء، والأطفال هم من كانوا يحملون المياه تحت القصف وفي البرد.

في مجزرة الكيماوي في ٢١ آب ٢٠١٣، استيقظت في الساعة السادسة فجراً على صوت القصف، اعتقدوا بداية أنهم قصفوا بغاز الخردل لأنهم سبق أن عانوا منه في "حرستا" في ٦ تشرين الأول ٢٠١٢. لكن القصف هذه المرة كان على "زملكا". عانت الراوية من آثار بعيدة للغاز الذي أطلقه النظام: مشاكل في التنفس وهبوط في الطاقة والغياب عن الوعي. لكنها لم تعمل بالإسعافات في ذلك اليوم مباشرة. في تلك المجزرة، جمعوا النساء في شاحنة وأخفوا الأجساد عبر تكديسها فوق بعضها. الأمر الفظيع أنه في مركز العلاج بعد القصف الكيماوي لم يكن يوجد سوى فتاتين لتنزعا الملابس عن الجثث، وهذا جزء من عملية الإسعاف. كان هذا مرهقاً، والفتاتان لم تستطيعا تحمل جهد العمل وحدهما في نزع ثياب المصابات، لأن الرجال لم يقتربوا قائلين: "هذا حرام!"، مما أدى إلى وفاة الكثيرات وسرقة جواهرهن. وجدوا في جيوب أحد المصابين أقراطاً وأساور وسلاسل ذهباً منتشلة من جثث النساء. كان هذا فظيعاً، ولا تستطيع وصفه.

في شتاء ٢٠١٣ القاسي، اختفت أدوات النظافة في الحصار، لا معجون أسنان ولا صابون ولا شامبو ولا ثياب نظيفة، حتى الشامبو استولت عليه "الكتائب" من معامل الشامبو في "الغوطة". أرسل لها أصدقاؤها جراباً من الشامبو، لم تملك سواه. كانت تذهب صباحاً إلى المدرسة لتعليم الأطفال في "دوما"، وبعد الظهر إلى مركز النساء في "حرستا". كانت تتحرك في بيتها في طبقة عليوية مواجهة للقصف، فأجرته وانتقلت، ومدفأتها تعمل على الحطب، فكان صديقها يأتي بأغصان الأشجار وهي تقطع الحطب بنفسها بالفأس. الوقت العصيب كان فترة الدورة الشهرية حيث لا فوط نسائية ولا صابون للنظافة. كانت تستخدم القماش كبقية النساء، أدوات العناية بالنساء كلها اختفت. بعد فترة، غابت عن وعيها ومرضت ونحلت جداً. عندما استولى "الجيش الحر" على معمل شوكولاتة، أرسل لها الأصدقاء بضع قطع منها. كانت القطعة بحجم الإصبع، وكلها عليها آثار أسنان الجرذان. كانوا يحفون الآثار بمبرد، وعندما يزيلون الطبقة العليا يأكلونها، ليحصلوا على بعض الطاقة من قطع الشوكولا هذه.

بدأت اتفاقات المصالحة بين النظام وبعض "الكتائب" المعارضة بطريقة غير مباشرة عبر لجنة المصالحة في بداية الشهر الخامس من عام ٢٠١٤، ووصلت بضائع من "برزة"، لكن بأسعار مرتفعة. كان النظام يبيع ربطة الخبز بخمس وعشرين ليرة سورية، وكانت "الكتائب" وأمراء الحرب من "الجيش الحر" يبيعونها للناس بألف وخمسمئة ليرة تحت الحصار. هذا حصل مع الأدوية والحشيش والمواد الغذائية. صار الناس يلجؤون إلى "الكتائب" التي تفرض إتاوات على دخول الأشخاص والمواد وخروجهم عبر الحواجز، وقد اغتنت بشكل فاحش من تجارة الحصار. حتى الإسعاف والأدوية المجانية كانت تفرض عليها غرامة لدخولها "الغوطة". الفقراء لم يقدروا على شراء حتى طحين العلف. مازالت في أذنيها حتى اللحظة أصوات أطفال جيرانها الذين كان أهلهم يضربونهم في الليل لأنهم لم يكونوا يستطيعون النوم بسبب الجوع. أهلهم يضربونهم ويبكون عليهم! كان الأطفال في شبه غيبوبة بسبب عدم توافر الطعام. تحول بيتها مركزاً لطالبي الأدوية وأدوات الإسعاف، كانوا لا يملكون ثمن طعامهم، جوعى ومرضى دائماً. لم يكن هناك أطباء ولا مستوصفات، كانت تعطيهم الإسعاف والأدوية مجاناً. لم يكونوا ينامون إلا بصعوبة، القصف لا يتوقف ليلاً ولا نهاراً، كانت تشعر بالخ

2.الرّاوية الخامسة72–88▼ ملخص

ملخص الفصل: «الرّاوية الخامسة»

هذا الفصل يروي سرداً شخصياً لامرأة سورية تدّعي اسماً حركياً هو "زين"، تروي مسيرتها من بداية الانتفاضة السورية في 2011 حتى خروجها النهائي من حلب في ديسمبر 2016. الموضوع المحوري هو مسار تحوّل الثورة السلمية إلى حرب شاملة، وما واجهته من اعتقال وتعذيب وفقدان، ثم عملها الإنساني في ظروف استثنائية قاسية.

تبدأ الراوية قصتها في العشرين من عمرها، كطالبة في كلية التربية بجامعة حلب، حين خرجت في التظاهرات الأولى. تصف كيف كانت المشاركة واسعة من مختلف الكليات: الطب، الهندسة، والعلوم. حدثان رئيسيان يحددان بداية التحرك: ما حدث في "درعا"، وحادثة حمزة الخطيب، الطفل الذي اعتُقل وعُذّب حتى الموت. في تظاهرة "الفرقان" في آذار، هتفت مع زملائها "حرية"، لكن قوات الأمن هاجمتهم بالعصي والرصاص الحي. كانت المرة الأولى التي ترى فيها شخصاً يُقتل أمامها: الطالب أنس سمو الذي استُشهد قرب جامع سعد. رغم ذلك، لم تتوقف عن المشاركة في تظاهرات أحياء بستان القصر، صلاح الدين، وسيف الدولة. تذكر كيف أن ثلاثة طلاب طب كانوا يُسعفون الجرحى اعتُقلوا، وبعد خمسين يوماً وُجدت جثثهم محترقة قرب حاوية في الرهاء؛ هم حازم بطيخ ومصعب برد.

مع تصاعد العنف، انتقلت زين من النشاط التظاهري إلى العمل الإسعافي المباشر. بعد مجزرة نهر "5258"، صبغ المتظاهرون النهر بالأحمر احتجاجاً، إذ عثر الأهالي على أشلاء أبنائهم المعتقلين في النهر. دخل "الجيش الحر" منطقتها في الشهر السابع من 2012، وبدأت طائرات النظام تقصف حلب. تركت منزل أهلي والتحقت بمشفى "دار الشفاء" في حي "بستان القصر"، ضد تقاليد بيئتها المحافظة التي تمنع فتاة من البقاء خارج بيت أهلها. تصف المشفى الذي أصبح نقطة اشتباك دائمة، حيث الرصاص يخترق غرفة الإسعاف، والجثث تملأ الممرات لدرجة أنهم كانوا يقفزون فوقها. تذكر كيف كانوا يضعون الجثث مجهولة الهوية على الرصيف، ويدفنونها، ويدوّنون مكان الدفن بجانب صورة ليعرف الأهالي قبور أبنائهم لاحقاً. كانت تعتني بالجثث الممزقة محاولة إعادة تركيبها بشكل إنساني. تقول إنها لا تستطيع وصف شعورها حين كانوا يأتون بجثث مقطوعة الرؤوس.

اللحظة الأقسى في المشفى كانت حين قُصف المبنى بشكل غير مسبوق في نهاية 2012. كان المبنى من سبع طبقات، دمّرت ست منها، وبقوا في الطبقة الأولى. قُتلت صديقتها بشرى شيخو وكثير من كوادر المشفى. نجت هي بمحض المصادفة لأنها كانت على خط الطائرة عندما ضربت الصواريخ الفراغية. مات أربعة وثلاثون شخصاً، وظلوا يلملمون الجثث لأربعة أيام. تقول: "مات أصدقائي بيدي!". أصيبت بانهيار وبكاء لا يتوقف.

في وسط هذه الفوضى، كانت تتعامل مع الجميع بإنسانية: حتى جريح من "جبهة النصرة" اهتمت به وتواصلت مع أهله، لكن "الكتائب" أخذته. النّاس كانوا يشتمونها و"الجيش الحر" لأن أولادهم قُتلوا وبيوتهم دُمّرت. انتقلت للعمل في مشفى آخر بحي "الهلك" على خط الجبهة، في الشهر الخامس من 2013. كانت تتنقل بين مشافٍ حسب الحاجة. ورغم خطورة الأوضاع، أصرّت على إكمال دراستها في ماجستير التربية وعلم النفس بجامعة حلب، فخرجت من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام عبر معبر "المشارقة"، المعبر الوحيد بين النظام و"الكتائب المعارضة"، وأنجزت أوراقها الرسمية.

في طريق عودتها، وبالتحديد في 1/1/2013، أوقفها حاجز. كانت ترتدي حجاباً عادياً، وليست منقبة، فوضعت غطاءً على وجهها خوفاً من التعرف إليها. على الحاجز، كان نساء ورجالاً، اعتقدوا أنها تخفي حزاماً ناسفاً. ضربتها النساء بوحشية، وانضم إليهن رجال أطفؤوا سجائرهم في جسدها، واتهموها بالإرهاب. أدخلوها غرفة، وهددوها بالاغتصاب واحداً تلو الآخر. تصف التعذيب الجنسي الممنهج: أحدهم يضربها، والآخر يركلها، وآخر يعريها وينام فوقها عارية ويقرصها في أنحاء جسدها. استمر هذا طوال الليل. ثم أخذوها إلى فرع الأمن، وفي الطريق استمرت أيديهم تعبث بجسدها بتركيز على ما بين فخذيها. عند باب فرع الأمن العسكري في "حلب الجديدة"، قبضوا أموالاً أمامها كمكافأة على تسليمها. في السجن، أنزلوها طبقات تحت الأرض، ووضعوها في غرفة مع نساء مصابات بالجرب والقمل. لم يُسمح لها بالخروج للحمام إلا مرة واحدة. الأصعب كان رائحة الدم تحت غطاء العينين. حاول المحققون انتزاع أسماء العاملين في المشفى، وعندما رفضت، استمر التعذيب.

تستخدم السلطات زين كوسيلة لتعذيب المعتقلين الآخرين: يضعونها أمام الشباب ويقولون إن لم يعترفوا فسيغتصبونها، فيعترفون لحمايتها. تعرفت عليهم من امرأة حلبيّة وشَت بها. في مشهد فظيع، أحضروا شاباً عارياً وأمسكوا برأسها وأجبروها على النظر إليه، وهي ترتجف. رأت شباباً يغتصبون، وآخرين فقدوا عقولهم من التعذيب بالكهرباء، وثالثاً فقد السيطرة على جسده. تنقلت بين عدة سجون: فرع الأمن العسكري في حلب، الشرطة العسكرية في حمص، مطار "الشعيرات"، ثم طائرة إلى مطار "المرة" في دمشق. كانت مع رجال مقيّدين بسلسلة حديد يضربونهم باستمرار. وصلت إلى "فرع فلسطين" في دمشق، الذي عرفت أنها ستموت فيه لأنه لا يخرج منه أحد إلا بمعجزة. تصف الزنزانة المزدحمة حيث يتناوبون على الجلوس والوقوف والنوم، طعاماً ملوثاً بالأظفار وكرات الشعر، لا ضوء ولا هواء. أصيبت بمرض وأغمي عليها أياماً، وعندما طلبت البنات النجدة، قال السجان سيرمونها بالزبالة عندما تموت. تركوها تتبول في ثيابها، وفي فترة الحيض لم توجد فوط صحية فمزقوا ملابس الداخلية كبديل. كانوا يجبرونهم على شرب ماء بالكافور لوقف الحيض، فنزفت فتيات. امرأة حامل في الشهر الثامن من إدلب كانت مريضة ومعتقلة، حاولت إجهاض نفسها بضرب بطنها، فنزفت وسقطت. أتوا بممرضة توليد من زنزانة أخرى، والكاميرا تصوّر الوضع المهين. أجهضت المرأة أمام عشرين امرأة، ولم يُعطوها مسكناً ولا أي رعاية بعد الإجهاض.

عندما عرفوا أنها حرّضت الموجودات على الإضراب عن الطعام، وضعوها في زنزانة منفردة مليئة بالصراصير والحشرات تأكل من جسدها. مقابلها كانت أجساد مكومة، روائحها قاتلة وجروحها متفسخة، حتى السجانون وضعوا كمامات. في المنفردة، سمعت شاباً يُضرب رأسه بباب الزنزانة الحديدي حتى سقط، وسمعت صوت غرغرته قبل الموت، وتسرّب دمه إلى زنزانتها. كانت جدران الممرات كلها بقع دماء من رؤوس الشباب. في ذكرى الثورة، كان السجانون أكثر وحشية: عرّوا الشباب ووضعوهم في الممرات وضربوهم صارخين: "هذا من أجل ذكرى ثورتكم!".

بعد خمسة أشهر، نقلت إلى سجن "عدرا" حيث قضت خمسة أشهر أيضاً. هناك، أجبروها على البصم لانتخابات الأسد، فرفضت، فوضعوها في زنزانة منفردة عقاباً. خرجت بمساعدة محامٍ بعد دفع رشوة مالية. كانت منهارة نفسياً وجسدياً: أصيبت بأمراض في المجاري البولية والتهابات، توقفت دورتها الشهرية طوال فترة السجن، وعانت من فقر دم وهزال استمرا بعد خروجها.

عند خروجها، عادت إلى حلب وسكنت في حي "الميدان". رفضت عرض أهلي بمغادرة المدينة. بدأت العمل في 2016 كمنسقة ميدانية لمنظمة "أطباء بلا حدود"، توزع الطعام والدواء على النساء والأطفال. كان القصف يتزايد يومياً. تذكر كيف صار الجوع أسوأ شيء في حياتها. لن تنسى وجه امرأة توقفها ترجوها الطعام، تقول إنها وبناتها الأربع لم يأكلن منذ ثلاثة أيام. تمنّت لو تموت وتنتهي الآلام. الأطفال يبحثون في حاويات القمامة الفارغة. تحولت الملاجئ نقاط موت. مات الناس بكثرة بسبب نقص الغذاء والدواء، وازدادت حالات الإجهاض. أجرى الأطباء العمليات الجراحية بأضواء الموبايلات لانقطاع الكهرباء، وانقطعت المياه فلم يستطيعوا تنظيف أرض المشفى، وانتشرت الروائح الكريهة. مع الحصار، تغير نوع القصف: قنابل ارتجاجية كالزلزال، وبراميل تحتوي الكلور، فتزايد الضحايا واستنشقت هي الكلور حتى أدمعت عيناها واحترق جلدها. كانت تأكل البقدونس فقط بدون زيت. رجال مثلوا هياكل عظمية، وأطفال يعانون فقر دم حاداً.

بعد سيطرة "داعش" على أحياء مثل "الصاخور" و**"مساكن هنانو"** كانت تشعر أنها ستختنق، وتفضل الموت تحت القصف على العودة إلى السجن. حملت جهاز لاسلكي تتابع به حركة الطائرات والقصف. صارت عادة جديدة لديها: تشغيل الموسيقى بأعلى صوت عندما تعود إلى بيتها، مستقبلة الموت السريع. نزحت مع الكتل البشرية الضخمة التي تتدفق من حي إلى آخر مع تقدم النظام. في أسبوع واحد سكنت ثلاثة بيوت. في اليوم الأخير قبل خروجها من حلب، كانت توصل معونات غذائية لمجموعة أطفال جائعين. كانت تركض في منطقة تشتعل فيها سيارة بها ناس يحترقون، لكنها لم تستطع إسعافهم لأنهم ماتوا. سقطت قذيفة فوقهم، وعاشت من جديد. أمضت ثلاثة أرباع الساعة تبحث عن سيارة لنقل الجرحى الذين ماتوا أمامها. هذا حدث في حي "أغيور" في الشهر الحادي عشر من 2016. كان هذا آخر حي خرجه الحلبيون قبل سيطرة النظام على حلب نهائياً.

قضت شهراً في الملاجئ، لم تستحم، لا كهرباء ولا إنترنت. كل عائلة خُصص لها دلو ماء فقط، وكل يوم وجبة برغل مسلوق. ساعدت العائلات بعضها. خرجت عشرات المرات من تحت الأنقاض والركام، وجدت جثث أصدقائها. مع مجموعة شباب من "تجمّع ثوار حلب"، حاولوا التفاوض مع "كتائب الأسد" و**"أحرار الشام"** لخروج آمن للمدنيين. تزامن ذلك مع ترتيب دولي. خرجت الدفعات البشرية في يوم سقوط حلب؛ النّاس كانوا شبه ميتين ولا يصدقون أنهم سيعيشون، حتى أن بعضهم أحرق بيوته قبل الرحيل. هي بقيت في المشفى تساعد الجرحى، ثم غادرت بسيارة إسعاف مع صديق مصاب، وليس مع القوافل خوفاً من الاعتقال. أوقفتهم حواجز تحت إمرة الجنود الروس لكن سمحوا لهم بالمرور. تركت صديقها في مشفى عند زوجته، واتجهت نحو الحدود. تقول إنها بكت بحرقة كما لم تبكِ منذ بداية الحرب، وهي تعرف أنها خارجة من حلب إلى غير رجعة. تقيم الآن في كندا، لكنها لم تتخيل أنها ستعيش لاجئة. تفكر دائماً في حلب.

تختتم الراوية بقناعتها أنه لا توجد بشريّة، وأن ما بدأ بقليل من الكرامة والحرية والعدالة انتهى بإبادتهم وتدمير بلدهم. في الفصل إشارة واضحة إلى تحفظات الراوية على الدور الذي لعبته "الكتائب الإسلامية" المسلحة التي بدأت تفرض قوانين دينية صارمة، مثل إجبار النساء على ارتداء العباءة السوداء الكاملة، ومنع قيادة النساء للسيارات، ومحاولة تغيير العلم إلى العلم الأسود المكتوب عليه "لا إله إلا الله". تسجل أيضاً كيف تعرضت لمضايقات من عناصر "جبهة النصرة" على الحواجز، وكيف حاولت صديقة انضمت إلى "داعش" إقناعها بالانضمام، لكنها رفضت معتبرة أن "داعش" عدوها مثل نظام الأسد.

2.الرّاوية السادسة89–106▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو سيرة ضحى عاشور، امرأة سورية في الثانية والخمسين من عمرها، تنتمي إلى حزب يساري معارض هو "حزب العمل الشيوعي" (الذي كان يُعرف سابقاً باسم "رابطة العمل الشيوعي" عند تأسيسه في منتصف السبعينيات). تروي ضحى تجربتها النضالية الطويلة التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، مسلطة الضوء على مسارها الشخصي والسياسي في ظل القمع في سورية. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن نضالها لم يكن مجرد عمل سياسي، بل كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتجاربها كامرأة فقيرة ومطاردة، تجمع بين الوعي الطبقي والوعي باضطهاد المرأة داخل المجتمع وحتى داخل الحزب نفسه.

يسير الفصل وفق السيرة الذاتية لضحى، مبتدئاً بفترة شبابها في بداية الثمانينيات، حيث انخرطت في العمل الحزبي السري مع "حزب العمل الشيوعي"، وهو حزب محظور. تصف كيف بدأت حملة اعتقالات واسعة ضد الحزب في عام 1985، مما أجبرها على العيش بهوية مزورة والعمل في معمل خياطة لـثلاث عشرة ساعة يومياً بأجر زهيد، والاختباء مع صديقتها في غرفة صغيرة على سطح أحد الأبنية في الأحياء الشعبية الفقيرة. تروي حادثة صادمة لتعرض صديقتها لمحاولة اغتصاب من رجل دخل غرفتهما ليلاً، وهو ما تعتبره مثالاً على صعوبة عيش النساء وحيدات في تلك الأحياء. هذا الغضب المتكرر، كما تقول، هو ما كان يغذي يقينها ويقود نضالها، ليس فقط ضد النظام، بل أيضاً من أجل إثبات وجودها كامرأة مستقلة.

تستكمل ضحى سرد ملاحقاتها السياسية، فبعد ست سنوات من التخفي والعيش تحت الأرض في دمشق، تم اعتقالها في عام 1990 إثر وشاية من صديق في الحزب، وكانت حاملاً في شهرها الثاني. تصف بأسى عملية اعتقالها عند فرع الأمن السياسي في ساحة "الميسات" حيث صرخت في الشارع طالبة الاستغاثة لكن الناس تراجعوا خوفاً. تذكر أنها في طريقه إلى الفرع أحست بالخذلان، لكنها أيضاً شعرت بـ"سعادة" غريبة عندما سمعت أحد رجال الأمن يناديها باسمها الحقيقي لأول مرة منذ ست سنوات. في التحقيق، قررت حماية زوجها فابتلعت مفتاح غرفتهما وخاتم زواجها وتخلصت منهما خوفاً من أن يعيدوا اعتقاله. تروي كيف كانت تتماسك مع أن جسدها بدأ يهتريء، وتقول إنها سمعت أن أحد رفاقها في الحزب، وهو "مضر الجندي"، قُتل تحت التعذيب.

تتناول تفاصيل فترة اعتقالها التي امتدت لست سنوات، وكيف أخفت حملها عن المحققين لأشهر، متظاهرة بالإصابة بنوبة ربو لترمي فوطاً نسائية ممزقة لإيهامهم أنها بحاجة إليها. بعد ثلاثة أشهر في فرع الأمن السياسي، نُقلت إلى سجن "دوما" حيث اكتشف المحققون حملها. تصف مشاعرها عندما شعرت بحركة جنينها لأول مرة، وكيف تحولت مشاعر الخوف إلى فيض من الحب وقررت حمايته. في 22/9/1987، بدأت ولادتها المبكرة، لكن رجال الأمن رفضوا نقلها للمشفى خوفاً من العقاب رغم تدهور حالتها الصحية، واحتجزوها لـثلاث ساعات وهي تنزف حتى صدرت موافقة من الفرع. تلد ابنتها "ديانا" منتفخة ونحيلة، وتصاب هي بعاهة دائمة في عمودها الفقري تستدعي عدة عمليات جراحية. تصف كيف أن زميلاتها المعتقلات هن من أنقذتها برعايتهن لها ولرضيعتها.

بعد خروجها من السجن في عام 1996، تواجه ضحى صعوبات كبيرة في الاندماج مجدداً في مجتمع تحول استهلاكياً بفضل قانون الاستثمار في عهد الأسد الذي فتح الباب للشركات الأجنبية والتكنولوجيا. تجد أن المجتمع قد تناسى المعتقلين وتركهم يواجهون مصيرهم. خلال فترة "ربيع دمشق"، تنشط في منتديات فكرية وسياسية مثل منتدى "رياض سيف" ومنتدى "اليسار" و**"حركة مناهضة العولمة"**، لكن النظام يعاود اعتقال النشطاء وتنتهي الفرصة سريعاً. تتابع ضحى حياتها كمعلمة حتى اندلاع الثورة السورية في 2011. تعبر عن خوفها من معرفتها بحقيقة النظام وقسوته، ومن موقف العالم المعادي للثورات الديمقراطية.

في الفترة الأخيرة من الفصل، تنتقل ضحى إلى سرد مشاركتها في بدايات الثورة. تتحدث عن ذهابها إلى "درعا" للقاء الشباب، وعن علاقة متوترة ومشحونة بين جيلها السياسي القديم والشباب الثائر الذي رفض التدخل. تسافر إلى "جسر الشغور" وتروي حادثة حصار الأهالي لمقر الشرطة العسكرية وقتل سبعين عنصراً من الأمن داخل المقر، وتصف كيف أن نساء المدينة بكين على أولئك القتلى معتبرينهم شباباً لهم أمهات. تعمل ضحى في الإغاثة والتعليم للنازحين من "داريا" وغيرها، وتصبح مطلوبة لأجهزة الأمن فتضطر لبيع بيتها والانتقال إلى "اللاذقية". هناك تواجه مشكلة طائفية جديدة حيث يرفض أصحاب المكاتب تأجيرها بيتاً لأن هويتها من "حلب"، فتظاهر بأنها شيعية لتتمكن من الاستئجار. تشير إلى أن الثورة بدأت تتأسلم وتتسلح، وتتحدث بشفقة عن الجنود الفقراء على الحواجز.

يقر الفصل بحدود واعترافات واضحة. تعترف ضحى بازدواجية رفاقها في الحزب، الذين تبنوا خطاباً تحررياً لكنهم عاشوا حياة تقليدية ذكورية في محيطهم العائلي. تعترف بضعف جيلها السياسي وبانقسامات الماضي التي جعلتهم غير قادرين على تقديم نموذج مفيد للشباب أثناء الثورة. كما تترك أسئلة مفتوحة عن استحالة المعرفة المطلقة واليقين، مؤكدة رفضها للتعميم وتنميط البشر، ومشيرة إلى تعقيد الصراع الذي لا يمكن اختزاله في فكرة "الخير" و"الشر".

في نهاية الفصل، تُقر ضحى بفكرة مركزية قابلة للنقاش وهي أن النضال الحقيقي ليس في هدم "الشر" أو إقصائه، بل في "تفكيك السلطة" عبر فهم ترابطات البشر وإيجاد وسائل جديدة للتعايش بعنف أقل وشّر أخف. هذه الرؤية تنبع من تجربتها الشخصية الغنية بالمرارة والتضامن، حيث عاشت أقصى الحرمان وأقصى الحب، مما جعلها ترفض الأحكام المطلقة وتؤمن بأن الحياة ليست سوداء أو بيضاء.

2.الرّاوية السابعة107–136▼ ملخص

ملخص الفصل: «الرّاوية السابعة»

تتناول الرّاوية السابعة قصّتين لامرأتين من سوريّتين خلال الحرب، الأولى اسمها "سعاد" (اسم مستعار) والثانية "ليلى" (اسم مستعار أيضاً)، ترويان تجربتين مختلفتين لكنّها متوازيتين في المعاناة. تروي سعاد قصّة نزوحها من "دير الزور" ومحاولاتها اليائسة لإكمال تعليمها الجامعي، بينما تروي ليلى قصّة علويّة من "حمص" تعيش صراع الهويّة والانتماء في ظلّ الحرب الطائفيّة.


تبدأ سعاد قصّتها بوصف الثورة حيث كانت تدرس في الجامعة عندما اندلعت التظاهرات. استشهد أخوها في الشهر السابع من العام نفسه عندما كان عمره أربع عشرة سنة، أصابته رصاصة في بطنه أثناء مشاركته في تظاهرة في السوق. بعد حصول إضراب في الشهر السادس، نزح أهالي دير الزور ومنهم عائلتها إلى قرية اسمها "البصيرة". تعرّضت جامعتها لقصف من "الجيش الحر" بالمدفعيّة، وأحرقت أوراق الجامعة كلّها وذهبت امتحاناتهم هباءً. بقيت عوائل فقيرة في دير الزور، ومنهم جيرانهم الذين قُصفت عائلتهم كاملة بالطيران، ستّة أولاد وأمّهم وأبوهم.

تتحدّث سعاد عن ظروف النزوح القاسية، حيث عاشت عائلتها (ستّة أفراد) في غرفة عرضها ثلاثة أمتار وطولها خمسة أمتار. فقد والدها وظيفته في القطاع الحكومي الذي توقّف عن العمل. لم يكن لديهم ثمن الطعام ولا الخبز، حتّى المازوت انقطع فكانوا يخبزون على الحطب بأغصان الأشجار، ويعجنون الطحين بالماء فقط. بقوا على هذه الحال بالكاد يأكلون الخبز على نار الحطب. ساعدهم انتماؤهم إلى عشيرة كانت العشائر تساعد أفرادها، فاستمرّوا على المساعدات.

تتحدّث سعاد عن معاناتها لاجتياز المعابر للوصول إلى جامعتها. كان هناك معبر تهريب إلى منطقة "الجورة" الخاضع للمهرّبين. مدينة دير الزور كانت تحت سيطرة "الجيش الحرّ" ما عدا حيّ الجورة. كان عليها أن تجتاز المعبر الذي يخضع لتفتيش عناصر "الحسبة" الذين يفتّشون النساء ويأمرونهنّ بخلع ملابسهنّ خوفاً من أن يحملن أسلحة. كانت تنتظر دورها نهاراً كاملاً في صفّ طويل أمام الحاجز. جهّزت نفسها للأسوأ، وكان تفكيرها منحصراً بإكمال تعليمها الجامعيّ.

بعد أن وصلت إلى منطقة النظام، سكنت في غرفة مهجورة لا تتجاوز الثلاثين متراً، سكنت فيها مع ثلاث عائلات نازحة. كان الوضع الاقتصاديّ صعباً، والعائلات النازحة بالكاد تعيش، والحصار والأسعار مرتفعة. ذهبت إلى الجامعة بينما القذائف تتساقط وهم في الامتحان، وكان هناك بضعة طلاب فقط. قرّرت ألّا شيء سيوقفها عن إكمال تعليمها سوى الموت. كانت الجامعة تقع في خطّ مواجهة فاصلة بين منطقتين، وقدّموا الامتحان على خطّ النار. كانت تخرج لتعبّر الحواجز، كلّ مئة متر حاجز. بقيت على هذه الحال حتّى أنهت امتحاناتها ورجعت إلى أهلها عبر رحلة العبور نفسها. حين علمت من صديقاتها أن هناك تقديماً للفصل الجامعيّ الذي أُحرق في القصف، قرّرت تقديم الامتحان لتحصل على شهادتها الجامعيّة. درست ليلاً ونهاراً، لكنّها لم تكن تملك أجرة الطريق، فكانت تعيش على إعانة المنظمات من سكّر وطحين. استعانت بأقارب في العشيرة لأجرة الطريق إلى الجامعة. كانت تمشي ولا تشتري مواصلات كي تذهب إلى الجامعة. المنطقة الصحراويّة شتاؤها قارس وصيفها حار، لم يكن لديهم ثياب شتاء ولا تدفئة، وفي أثناء هطول الأمطار تنزل المياه من السقف والجدران.


تتحدّث سعاد عن فترة سيطرة تنظيم "داعش" على المنطقة. كان التنظيم قد بسط نفوذه على دير الزور، وكانت له حواجز كثيرة للعبور إلى منطقة النظام حيث جامعتها. كان نهر الفرات يفصل بين حواجز النظام وحواجز "داعش". تقول: "كان الخوف من 'داعش' والنظام على حدّ سواء". مرّة أمام الحاجز، قال لها أحد "الدّواعش" إن منطقة النظام منطقة كفر وممنوع العبور إليها. صار تنظيم "داعش" دولة لها قوانينها وعقوباتها، بدأ ذلك في أيلول 2014 حيث كانت تمرّ بين حواجز "داعش". كان "الدّواعش" على المرأة أن لا شيء يظهر من أجسادها إلّا عيناها، يقولون لها "تحشّمي... تستري". فصرت ترتدي العباءة التي قرّروا أن ترتديها النساء. في إحدى المرّات، قال لها أحدهم إنّها غير محتشمة، وهو تابع "للحسبة" (الهيئة الدينيّة الشرعيّة)، على الرغم من أنّها كانت ترتدي عباءة سوداء. كان مطلوباً أن تكون العباءة سميكة وأن يكون القماش عريضاً جداً على شكل جرس، وأن ترتدي نقاباً يغطّي نصف الوجه. هذا اللباس هو شكل "داعش" حيث يجب أن يكون شكل المرأة مستوراً بالكامل، وألّا تظهر إشارة توحي بجسد المرأة؛ وأن يصل طول النقاب إلى أطراف العباءة الواسعة. تقول سعاد: "أنا مسلمة وملتزمة، وكنت أرى هذا غريباً جداً وغير مفهوم، ولا علاقة له بالدين". منعها العناصر من العبور لأنّ حذاءها الرياضيّ المطرّز بعدّ (خرز) اعتبروه تبرّجاً، على الرغم من أنّ عباءتها كانت طويلة وتغطّي الحذاء. كانت تريد فقط أن تنهي امتحاناتها الجامعيّة، فلبست كما يريدون، واستعارت نقاباً من إحدى الصديقات، لكنّها خافت ألّا يسمحوا لها بالعبور، فذهبت في طريق تهريب عبر البساتين بعيداً منهم.

تصف سعاد معاناة التهريب: ركضوا مسافات طويلة بين البساتين، وعندما وصلوا إلى ضفّة النهر ليعبروا، كانت القوارب مكتظة، والناس يعبرون وينقلون الطعام والبشر كلّ شيء عبر قوارب الصيد هذه. بعد أن قصفت قوّات النظام جسر دير الزور، ظلّوا لنهار كامل في القارب. عندما وصلوا إلى منطقة النظام، وجدوا حاجزاً للنظام. كانت لا تزال ترتدي النقاب الذي ارتدته من أجل حواجز "داعش"، فأوقفها عنصر من النظام وحقّق معها كيف ترتدي النقاب وكان ممنوعاً. كانوا يدفعون النقود من أجل كلّ حركة يقومون بها، ولم يكن لديهم النقود ليدفعوا. دفعت ما تملك لصاحب القارب. وقفوا داخل صفّ طويل ينتظرون طوال النهار ليدخلوا منطقة النظام. شرحت لعناصر النظام أنّها مضطرّة لارتداء النقاب للمرور من حواجز "داعش" وأنّها فقط تريد الوصول إلى جامعتها. كانت مصدومة ومقهورة: "لقد استطعت النفاذ من حصار 'داعش' وخاطرت بحياتي، والآن سيعيدونني من حيث أتيت". أحد عناصر الحاجز تعاطف معهم، وسأل معها، وسمح لهم بالمرور على مسؤوليّته أمام الآخرين. عندما وصلوا، لم يجدوا العائلة التي كانت ستنزل في غرفتها، بقوا طوال الليل مشرّدين من مكان إلى آخر، حتّى وجدوا غرفة عند امرأة عجوز سمحت لهم بالبقاء مقابل أن تنظّف لها بيتها وتساعدها. في تلك الفترة، لم يتوقّف القتال بين "جبهة النصرة" و"داعش"، و"داعش" يبسط نفوذه في دير الزور. في الشهر العاشر من عام 2014، عندما انتهت الامتحانات وأرادت العودة إلى أهلها، بقيت لشهرين في مناطق "داعش". سيطر التنظيم بالكامل على دير الزور، وانضمّت عشائر مثل "عشيرة البكارة" إلى التنظيم. تحوّل الاقتتال بين العشائر معارك دمويّة، كان العنف ينتشر بسرعة. عندما سمعت بهدنة بين "جبهة النصرة" و"داعش"، حاولت العبور إلى الطرف الآخر للعودة إلى أهلها. ذهبت إلى حاجز النظام: عندما يريد الناس الخروج، النظام يسمح لهم بسهولة، أمّا العودة والدخول فصعبان. ركبت القارب من جديد، وكانت هناك تجمّعات لحافلات تقل النازحين أو الناس الذين يريدون العبور بين دير الزور والرّقّة في منطقة اسمها "الحسينيّة" (قرية بساتين على نهر الفرات). لم يعثروا على مكان للمبيت، الخوف من "داعش" أوقف انتقال الناس. بقيت هي وأخوها يرتجفان من الخوف. "داعش" كان يقطع رؤوس الناس. مشوا طوال الليل في الصحراء، حتّى جاءتهم إحدى مركبات نقل النازحين، أخبرهم السائق أنّه ذاهب إلى "الميادين"، كانت معركة كبيرة تدور بين "داعش" و"جبهة النصرة" يموت فيها عشرات الآلاف. غيّروا طريقهم للابتعاد من حواجز "داعش"، فتوجّهوا إلى الصحراء لتجنّب الحواجز. كانت ساعات عصيبة، القصف القريب لم يتوقّف حولهم، أغمضت عينيها واعتقدت أنّها ستموت، لكنّهم نجوا ووصلوا إلى أهلها.


عندما أُعلنت الامتحانات، نجحت سعاد، فأخبرتها إحدى صديقاتها بنجاحها. قرّرت أن تعمل في مكان نزوحها، وكان ذلك في نهاية 2015. كان الوضع فظيعاً، "الدواعش" سيطروا على المنطقة التي يعيشون فيها، وأقفلوا المدارس وافتتحوا أخرى خاصّة بمناهجهم، وقدّموا رواتب مغرية للمدرّسين، وطلبوا من سعاد حضور دورة شرعيّة لتأهيل الطلاب للدين الخاصّ بهم، فرفضت. رفض أهلها ما فعله "الدواعش" وقاوموهم بطرائق مختلفة. كانت مقاومتها بتعليم الأطفال. توقّف المدرّسون عن التدريس وأغلقت المدارس، فجمعت سعاد الأطفال في غرفتها الصغيرة ودرّستهم. لم تعرف الهيئة الشرعيّة بما كانت تقوم به، فقد كانوا نازحين في مكان ناءٍ. حصلت على تعاطف الأهالي، وتستّروا على الأمر بداية، ثمّ رفضوا "داعش". ساعدها الأهالي ودفعوا مبالغ بسيطة لم تكن تغنيهم لكنّها ساعدتهم على ألّا يموتوا جوعاً. تابعت في المدرسة الصغيرة في بيتها مدّة أشهر، حتّى داهمت "الحسبة" المنزل. عرفت الجارة أنّ سعاد تدرّس الطلاب، وقالت إن ما تفعله ضدّ الدين. قالت سعاد إنّها تعلّم الأطفال القراءة والكتابة والرياضيّات، وهذا ليس ضدّ الدين. أصرّت جماعة "الحسبة" على أن تكون ضمن برنامجهم، وعرضوا عليها مبلغاً كبيراً، لكنّها رفضت عرضهم، فأوقفونها عن التدريس. كانوا يفتّشون المدارس والبيوت ليتأكّدوا من أنّ لا أحد يدرس أولاده في البيت. تقول سعاد: "عشنا في جحيم ورعب معهم!". قالت لهم إنّها تعتزل التدريس، وأغلقت المدرسة، لكنّها كانت خائفة من أن يذبحوها.

كانت سعاد مخطوبة لخطيب في ألمانيا، فقرّرت الخروج من المكان، قالت: "أنا لا أريد البقاء مع هؤلاء الوحوش في المكان نفسه". كانوا يروّعون الناس في الأسواق ويقطّعون الأعضاء. كانت تسمع عن عمليّات قطع الرؤوس والأعضاء لكنّها لم تكن تخرج لمشاهدتها. كان عليها أن تذهب إلى دمشق معقل النظام من أجل الحصول على جواز سفر. "الدواعش" يمنعون المرأة من السفر وحيدة من دون محرّم (قريب ذكر)، فذهب أخوها معها. تقول سعاد: "لقد عشنا في سجن اسمه الحياة معهم". لم يعودوا يرون النساء في الشوارع، اختفين، كنّ يخرجن للضرورة مع الآباء أو الإخوة أو الأبناء. كان هذا قانوناً، من يخالفه يتعرّض للجلد والحبس. عندما ركبت الحافلة المتوجّهة إلى دمشق رفعت النقاب لتتنفّس، قال لها السائق إنّه يجب أن تبقي النقاب وهي في الحافلة لأنّ "الدواعش" على الحواجز لا يريدون رؤية وجوه النساء. كانت تشعر أنّها تختنق وتحتاج إلى التنفّس. قال السائق إنّهم سيعيدونهم من حيث أتوا إذا ظهر وجه امرأة، وكان يقول ذلك من أجلهم لأنّه اختبر الأمر قبلهم. كانت الكراسي في أوّل الحافلة للرجال، وجلس أخوها مع الرجال، أمّا النساء فجلسن في المقاعد الخلفيّة.

تتحدّث سعاد عن تدقيق حواجز "داعش": "مثله على حواجز النظام وأسوأ". قالت لهم إنّها مريضة. كان العناصر من خارج سورية، تظنّهم من تونس وليبيا والجزائر، يتحدّثون العربيّة الفصحى، لم يكن بينهم سوريّ واحد. بعد عبور حاجزهم، أوقفهم عنصر من النظام وقال: "ارفعن النقاب، أظهرن وجوهكنّ لنعبُر حاجز النظام". خلعت العباءة والنقاب وتنفّست، بقيت ترتدي الثياب العاديّة. كانت تغيّر ثيابها حسب الحاجز. في طريق العودة في اليوم نفسه، اعتقلها أحد حواجز "داعش" فقط لأنّ ثوبها ظهر من تحت العباءة عندما نزلت من الحافلة. كان الحاجز تابعاً لجماعة "النصرة"، وفيه سوريّون. أخبرتهم أنّ معها أخوها، فأخذوهم إلى مبنى خاصّ بـ"الحسبة". كانت فيه غرف كثيرة، والمحقّق شيخ دين. قال لها المحقّق إنّها ترتدي ثياباً مخالفة للقوانين، وأعطاها محاضرة في الحشمة والدين والأخلاق. كانت مغطاة بالكامل بالأسود كما يريدون، لكنّه أصرّ على أن يعطيها عباءة من عنده قال إنّها "قانونيّة وهنّ ملزمات بارتدائها"، وجعلتها تدفع ثمنها، ثم احتجزها لمدّة حتّى يأتي شيخ آخر من الهيئة الشرعيّة يقرّر أمرها. لم تكن تعرف ما مصيرها، كانت تعرف أن مصيرها سيكون قطع الرأس في حال غضبهم. قالت للشيخ: "سمعاً وطاعة". كانوا متشدّدين وصارمين في قضايا النساء التي تشغلهم، "يصيبهم الجنون فيما يتعلّق بظهورنا ووجودنا". لديهم في "الحسبة" غرفة خاصّة بالعباءات والأحذية السوداء، ويجب ألّا تُصدر هذه الأحذية صوتاً. قال الشيخ إنّه إذا مشت المرأة وأصدر حذاؤها صوتاً، فهذا يعني أنّها تفتن الرجال، وهذه "فتنة" ويجب أن تمرّ المرأة أمام الرجال بصمت.

الغرفة التي احتجزوها فيها صغيرة وضيقة، كانت معها امرأة عجوز كانت ترتعد من الخوف. خافت سعاد أن يجلدوها (أربعين جلدة) لأنّ ذلك سيجلب العار لأهلها. كانت تهمة المرأة العجوز أنّ ابنها في "الجيش الحرّ" الذي يعتبرونه كفّاراً، وكانوا قتلوا كثيراً منهم. في الغرف المجاورة، نساء محتجزات بتهمة خرق قانون الالتزام باللباس. السجن كان في الغالب لعناصر "الجيش الحرّ" الذين كانوا يقطعون رؤوسهم. جاء الشيخ الأعلى وهو يتكلّم الفصحى، حقّق معها في تفاصيل ثيابها، صرخ بها أنّها "متبرّجة" و"غير محتشمة"، و"تثير الرجال"، وأعطاها مجموعة أوراق عن "الالتزام بالدين". تقول سعاد: "كنت مندهشة لأنّي مغطاة بالأسود بالكامل، مثل خيمة سوداء". بقيت بلا طعام كلّ الوقت، أعطوها ماءً فقط. رأت امرأة اعتقلوها بتهمة السفر وحيدة، وعقاب سفر المرأة من دون محرّم أربعون جلدة على الظهر، جلدوها، وسمعت سعاد صراخها من ألم الجروح في ظهرها. قرّرت سعاد أن تفعل ما يريدون، "لم يكن يناقشهم أحد في تلك الفترة، فالموت وقطع الرؤوس والأعضاء كان أسهل ما يقومون به". كانت تقول لهم: "سمعاً وطاعة"، لأنّها تريد النجاة فقط.

تخبرها المرأة التي جُلدت أن "داعش" جلدوا نساء قرى دير الزور عندما دخلوها، فاحتجّت النساء العجائز وقلن إنّهنّ يردن وضع النقاب لكنّ مكانهنّ صحراويّ ولا يستطعن الخبز والعمل في الأرض، فجلدوهنّ بقسوة ووحشيّة ورموهنّ في السجن. كان أهل "الحسبة" يدورون حول بيوت الناس ويراقبونهم من النوافذ، وإذا رأوا امرأة لا ترتدي اللباس المفروض كانوا يعتقلونها في "الحسبة" ويجلدونها على الملا. قرّروا أن أصابع المرأة يجب ألّا تظهر، وعليها وضع قفّازين سوداوين، وعيناها أيضاً ممنوعتان من الظهور. كانت جلود النساء على الملا يجلب العار لأهلها ولعشيرتها. تقول سعاد: "لو أدرك الجميع في قرارة أنفسهم ظلم ما يفعله 'الدواعش'".

تتحدّث سعاد عن مشاهد مروّعة: جلد النساء في السوق علناً. امرأة كان لها حذاء ذو كعب عالٍ فجلدوا قدميها في السوق على الملا. كانوا يجمعون الناس ليشاهدوا الجلد وقطع الرؤوس. امرأة ظهرت أصابعها من دون قفّاز جلدوها على أصابعها حتّى نفرت الدماء منها. امرأة أخرى كان حذاؤها يصدر صوتاً فجلدوها. فعلوا ذلك كلّه علانية أمام الجميع، ولم يكن يجرؤ أحد على الاعتراض. منعوا حمل الحقائب على الكتف، قالوا إنّ حمل المرأة حقيبة الكتف يثير الرجال وفيه إغراء. منعوا دخول النساء محالّ تجاريّة فيها رجال، وكان القانون يسمح للنساء بالبيع شرط أن يغلقن المحالّ في النهار ويضعن نقاباً. كان دخول المرأة متجراً من دون محرّم جريمة كبيرة. منعوا عرض الألبسة النسائيّة في المحالّ، لذلك لم تكن النساء يذهبن إلى السوق، فضّلن البقاء في البيوت.

قريب لسعاد ترك "الجيش الحرّ" (كان من قرية "ذيبان") وجاء إلى دير الزور، ففرضوا عليه التوبة عند الشيخ، فخضع وذهب ليتوب. لكنّ الشيخ رفض توبته، فاعتقلوه وأخذوه إلى السوق، هو مع شاب آخر من الميادين، علّقوه على عامود، وقالوا للناس المتجمّعين حوله: "هذا جندي من 'الجيش الحرّ'". قال لهم إنّه مرتدّ وأنّه لم يقاتل مع "الجيش الحرّ" ولا يريد القتال. جاء رجل من "الدواعش" يمسك بسيف وقطع رأس قريب سعاد، والناس يشاهدون. علّقوا رأسه أمام الجميع وصلبوا الجثة وتركوه عبرة للناس. منذ ذلك اليوم، توقّفت سعاد عن الذهاب إلى السوق، لأنّها لا تريد أن ترى ذلك مجدّداً، بعد أن صارت الرؤوس المعلّقة في ساحة السوق أمراً عادياً بشكل يوميّ. تغيّرت حياتهم بلا تسوّق، كثيرون فعلوا مثلها وابتعدوا من السوق. كان "الدواعش" يطلبون من الشباب الانضمام إليهم للقتال، فهرب إخوتها الشباب، وبقيت هي مع أمّها وأبيها وأختها الصغيرة لأشهر، بالكاد يخرجون ليأتوا بالطعام، "كنا مثل سجناء". حتّى استطاعوا الهرب إلى تركيا. طريق الهروب واللجوء كان قاسياً وصعباً، احتاجوا وقتاً طويلاً ليهربوا من حواجز "داعش" والكتائب الأخرى، والقصف لم يتوقّف كلّ الوقت. قرّروا الخروج، فالموت وهم يحاولون النجاة أهون من البقاء. خرجوا بطريقة التهريب عبر الجبال ونجوا، عبروا البحر وغابات وحدوداً. تقول سعاد: "الموت كان يطاردنا، لكنّنا نجونا وعشنا". هي الآن لاجئة مع زوجها في ألمانيا، تتعلم اللغة، وأهلها نجوا أيضاً. تقول: "فهري وحزني لا أستطيع الحديث عنهما ووصفهما الآن، ربّما في المستقبل".


الرواية الثانية تبدأ بقصّة "ليلى" من "حمص" من حيّ "كرم الزيتون". كان عمرها اثنتين وعشرين سنة، تعيش بين دمشق وحمص. عائلتها تنتمي إلى الطبقة الوسطى، أهاليها قدموا من "الجولان": نزحوا وتفرّقوا في أنحاء سورية في حرب حزيران عام 1967، لجؤوا إلى قرية "شبعا" في لبنان، ثم إلى دمشق، ثم انتقلوا إلى حيّ "كرم الزيتون" منذ عام 1975. كان أبوها بعثياً، ومشهوداً له بنظافة اليد والأخلاق، وقد حرص على تعليمهم وجعلهم يكملون دراساتهم في الجامعة.

عندما بدأت الثورة، لم يكن لليلى اهتمام بالسياسة في البداية، لكنّها عرفت أنّ هناك تظاهرات ضدّ نظام الأسد. تقول: "لم أكن أعرف ما يحصل في البلاد، كنت أعرف أنّ الشعب فقير، والنظام يتحدّث عن سوريا الحديثة، لكن لم يكن يعدّل شيئاً، كلّ شيء يزداد سوءاً". في دمشق، كان أصدقاؤها يتحدّثون أمامها عن تفاصيل ما يحصل في سورية، فدخلت إلى موقع "الفايسبوك" لتتابع ما يحصل. كانت هي ومجموعة من الأصدقاء يتابعون الحوادث، ومنذ اللحظة الأولى أدركت هذه المجموعة (من أوساط مختلفة ومعارضة) أنّ ما يحصل ليس كما يقوله التلفزيون وإعلام النظام. كان لها أصدقاء ومعارف في "الغوطة" يروون لها رواية مختلفة عن رواية النظام. عندما تعود في نهاية الأسبوع إلى

2.الرّاوية الثامنة137–146▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو رحلة أمل، امرأة سورية في أوائل الأربعينيات من عمرها، من حياتها المستقرة في دمشق إلى قرارها بمغادرة البلاد ثم محاولاتها المحفوفة بالمخاطر لعبور البحر إلى أوروبا. لا يقدم الفصل إجابة واحدة محددة، بل يسرد تفاصيل التراكم الذي دفعها إلى هذا القرار، موضحاً كيف أن الفساد المستشري في الدولة، وقمع الثورة، والحصار، ثم ظهور الفصائل الإسلامية المسلحة، جعل البقاء مستحيلاً. الجوهر هو سرد دقيق وشخصي لتجربة التفكك التدريجي لوطن، وما يترتب عليه من خيارات يائسة.

يبدأ الفصل بتقديم أمل، التي تعمل موظفة حكومية وفي مجال الإغاثة مع دور النشر. تشرح كيف أن عملها في دوائر الدولة عرّفها عن قرب بآلية الفساد والمحسوبيات، وتدخل رجال الأمن في تفاصيل القرارات وحتى تعيين الموظفين، وشراكات كبار رجال الأعمال مع شخصيات من العائلة الحاكمة. تعطي مثالاً عن دخول البضائع التركية السوق بعد استلام بشار الأسد الحكم وتأثيرها على الصناعة الوطنية كالمفروشات والألبسة وحتى البوظة، وكيف أن ما تبقى من صناعات مزدهرة ضاع من أجل صفقات هؤلاء، بينما كان الفقر يزداد والمعامل تغلق. مثال آخر هو محاولة صديق فتح معمل زيت، ولم يُسمح له إلا بعد أن شاركه ضابط أمن في الأرباح دون أن يدفع شيئاً.

تتسع دائرة الألم عندما تعتقل المخابرات أختها عام 2011 لمشاركتها في تظاهرة سلمية من أجل أطفال درعا. من خلال متابعة قضية أختها، تعرفت أمل على العالم السري للمحاكم والسجون، ورأت بأم عينيها الأعداد الهائلة للمعتقلين وكيف يُساقون كالحيوانات في قصر العدل مع الإهانات والضرب. بعد هذه الحادثة، انضم أخوها إلى الثورة بينما بقي زوجها مع النظام خائفاً من إعلان موقفه. بدأت أمل بالمشاركة والعمل في الإغاثة، مؤمنة بالثورة، ورأت بوضوح ما يفعله النظام: إعدام صديقها في حي تشرين من دون ذنب، واختفاء صديق آخر بعد خطفه بسيارة أمن، وإجبار الموظفين على الخروج في مسيرات تأييد للأسد. تقول إنها أرادت فقط الوقوف إلى جانب المظلومين وفهم دوافع حملهم السلاح.

تتطرق أمل إلى معرفتها بـ "الجيش الحر" في "الغوطتين الشرقية والغربية" عام 2012، حيث كان أفراده من أهل المنطقة ومنشقين عن جيش النظام. ومع إحكام النظام الحصار على الغوطة، اقتصر التواصل على "سكايب"، وازداد الأمر سوءاً بعد مجزرة الغوطة في شهر آب عام 2013. قبل المجزرة، اعتقل أخوها في حملة اعتقالات، مما دفعها مع صديقة للتفكير بدخول الغوطة والاستقرار فيها، لكن إحدى الناشطات نصحتها بعدم المجيء لأن "الكتائب الإسلامية" لن تقبل بوجود امرأة سافرة مثلها. هنا تبرز نقطة تحول جديدة: شعرت أنها لم تعد قادرة على فعل شيء، فالمناطق التي حررها الجيش الحر استولت عليها الكتائب الإسلامية التي بدأت تنشر أخبار الفظائع الكبيرة التي تقوم بها كتائب معارضة أخرى. اقتصر عملها على مساعدة النازحين الذين تزايدت أعدادهم بعد مجزرة الكيماوي، لكنها شعرت بالضعف وعدم القدرة، خاصة مع بدء التساؤلات حول عملها في مساعدة المجتمع المحلي، وخبر اعتقال أخيها وأصدقائها، والأثر النفسي على ولديها بعد سقوط قذيفتين في محيط مدرستهما وسط دمشق، إضافة إلى حوادث الخطف والانفلات الأمني.

تأخذ القصة منعطفاً جذرياً مع تفاصيل رحلتها. تروي أمل مغامرة واحدة خاضتها وهي مساعدة ناشط مطلوب للحواجز في العبور من شرق دمشق إلى الريف الغربي ليهرب إلى لبنان، واضطرت لتمثيل دور زوجته. ثم تلخص قرارها النهائي بالخروج. في أيار 2015، اقترضت مالاً من أخيها وسافرت إلى إسطنبول وحدها، تاركة أطفالها عند أختها. تبدأ هنا السلسلة الطويلة والمؤلمة من محاولات عبور البحر. وصلت إلى مدينة "مرمريس" في جنوب تركيا، واتفقت مع وسيط على أن تحصل على رقم سري تدفع مقابله عمولة بعد دخولها اليونان. في المرة الأولى دفعت ألفين وثمانمئة دولار، لكن بعد دفع المال في محاولة أولى مع مجموعة من ثلاثين شخصاً بينهم أطفال وعجوزان، انكشف كل شيء: القارب صغير جداً، والوسيط خدعهم. وصلوا إلى شاطئ في منتصف الليل ليكتشفوا أنهم يقفون فوق مزبلة كبيرة، وانتظروا هناك لأربع ساعات قبل أن يظهر قارب صغير لا يتسع لعشرة أشخاص بينما هم ثلاثون، مما تسبب بشجار كبير رفضت بعده أمل الركوب، ليهرب الوسطاء ويتركوهم على الشاطئ في مدينة "جشمة".

تتوالى المحاولات الفاشلة والبشعة في مدن "مرمريس" و "بودروم" و "إزمير"، لكنها لم تيأس. تصف إحدى أبشع المحاولات من مدينة "ألتينكون" مع اثني عشر شخصاً، حيث ركبوا قارباً خشبياً يقوده شاب ليبي في السابعة عشرة من عمره تم تدريبه لفترة قصيرة، لتكون الرحلة إلى جزيرة يونانية بدلاً من الميناء المعتاد. بعد وصولهم إلى جزيرة صخرية مليئة بالأشواك، وأثناء صعودهم الجبل، أطلق عناصر من خفر السواحل اليوناني النار عليهم وهم يضحكون. حاصرتهم كتيبة عسكرية، وضربوا الشباب بعنف شديد، وأعادوهم إلى البحر مرغمين على ركوب قاربهم المعطوب الذي بدأ يتسرب إليه الماء. مكثوا لعشرين ساعة وهم يفرغون الماء ويستعدون للموت، ليعود خفر السواحل التركي وينقذهم، لكن بعد أن التقطوا صوراً لهم، وأبقوهم تحت الحراسة في ميناء "جشمة" من الساعة الثانية ليلاً حتى السابعة صباحاً. أطلقوا سراحهم في النهاية بسبب الأعداد الهائلة من السوريين المقبوض عليهم. تذكر أمل شعوراً غريباً بالهدوء والسكينة وهي تغرق، ويخالجها يقين أنها ستعيش، رغم ضعف سباحتها، بينما تتخيل عيون أطفالها ورفاقها وهم يغرقون.

بعد أكثر من عشر محاولات، نجحت أخيراً بعبور البحر بدفع ضعف المبلغ المتفق عليه ليتم تهريبها على متن يخت سياحي من "بودروم" إلى جزيرة "سيمي". في اليونان، حصلت على هوية بلغارية بواسطة المال، وسافرت من أثينا إلى مقدونيا ثم صربيا ثم هولندا لأن إجراءات لم الشمل فيها هي الأسرع. أنهت رحلتها بتسليم نفسها للسلطات الهولندية، حيث وضعت في مخيم للاجئين، وبعد ثمانية أشهر استلمت أطفالها وزوجها. تختتم أمل قصتها بأنها تعيش الآن في هولندا مع عائلتها، تدرس اللغة الهولندية وتعمل متطوعة في إحدى المنظمات الإنسانية في مخيم للاجئين، على وشك استلام عمل جديد.

في ختام الملخص، يمكن الإشارة إلى أن الفصل يطرح بصمت أسئلة قابلة للنقاش حول أخلاقيات الهروب الفردي مقابل البقاء والمقاومة، ودور المال في تحديد من ينجو ومن يغرق، وتشابك مسؤولية أطراف متعددة (النظام، الفصائل المسلحة، خفر السواحل الأوروبي، شبكات التهريب) في دفع المدنيين إلى خيارات شبه مستحيلة.

2.الرّاوية التاسعة147–164▼ ملخص

هذا الفصل هو سرد شهادتي طويل ومفصل لامرأة سورية تُدعى آمنة خولاني، تحكي فيه مسيرتها الفكريّة والنضاليّة منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى خروجها القسري من سورية بعد اندلاع الثورة. الموضوع المحوري هو محاولة بناء مشروع إصلاحي تنويري داخل المجتمع السوري، قائم على العقل واللا عنف والمواطنة، ثم صدام هذا المشروع مع الاستبداد السياسي من جهة، ومع التطرّف الديني والعسكرة من جهة أخرى. الإجابة التي يقدّمها الفصل هي أن أيّ حراك مجتمعي حقيقي في سورية تمّ تحطيمه بمنهجية، إمّا بالقمع المباشر أو بتوظيف التطرّف لقتله، وأنّ الثمن الذي دفعته هذه العائلة والمجموعة كان باهظاً جداً.

تبدأ الراوية بسرد خلفيتها: امرأة من داريا، درست في جامعة دمشق ثم نالت دبلوم التأهيل التربوي. تزوجت ولديها أولاد. في عام 1994، انضمت إلى معهد "أنس بن مالك" لتعليم القرآن، الذي كان يديره الشيخ عبد الأكرم، وهو شخصية محورية في الفصل. تصف أتباعه بتجمّع "الأكرميّين". تشرح أن الشيخ كان يمثّل تياراً إسلاموياً حداثوياً متنوّراً، يرفض التكفير والمذهبية ويركّز على الوعي والأخلاق ومحاربة الفساد، ويدعو لفكر لا إكراه في الدين، مما وضعه في صدام مع شيوخ داريا وشيوخ الشام.

تسرد آمنة تفاصيل المشروع التعليمي الذي بدأوه في المسجد منذ عامي 1994 وحتى عام 2002، حيث قسّموا الأسبوع لتعليم الكبار والصغار. حوّلوا المسجد إلى مركز تعليم وفقه وفكر، وطوّروا مناهج خاصّة، وبنوا مكتبة. ظهرت ثلاثة أجيال من طلاب هذه المدرسة التجديدية، وطُبعت مناهج خاصّة للجيل الثالث على نفقة الشيخ. من الأفكار الجريئة التي أثارت الجدل: فتوى الشيخ بإباحة دخول الحائض المسجد ومسّها القرآن، وهو ما كان ممنوعاً عند شيوخ آخرين، مما أثار احتجاجاً واسعاً. ثم تتابع بفتوى أخرى أباحت الموسيقى. ازداد إقبال النساء والفتيات على حلقات العلم، مما أزعج المحيط التقليدي.

عند موت حافظ الأسد، طلبت المخابرات من الشيخ أن يُقرأ القرآن في الجامع لثلاثة أيام وأن تكون خطبة الجمعة مديحاً لـبشار الأسد. هنا، يعقد الشيخ اجتماعاً للتصويت، وكان قرار المجموعة رفض الطلب، واختاروا المقاومة السلمية متأثرين بـغاندي، على الرغم من أن جميع الجوامع الأخرى لبّت الطلب. رفض الشيخ الدعاء لبشار، واعتُقل فوراً من قبل المخابرات وبقي في المعتقل أربعة أشهر. بعد خروجه، تابعت آمنة نشاطها وتولّت إدارة قسم البنات، وأقاموا مسابقات للقرّاء والحفظة، ووضعوا شاشات لعرض أفلام علمية وتربوية. لكن الضغط تصاعد، وأغلقت دار النشر التي يملكها الشيخ، وأصدرت المخابرات أمراً بطردهم من المسجد، وحرّضت عليهم جماعة "القبيسيات" (جماعة إسلامية نسائية محافظة)، فاستولوا على المعهد.

تصف آمنة خلافها الفكري مع "القبيسيات"، معتبرة إياهن جزءاً من نظام التجهيل وإخضاع النساء للاستبداد، بينما كان تركيز مجموعتها على بناء مجتمع نقدي رافض لتقديس الأفراد. انتقلت اجتماعاتهم إلى البيوت، لكن الضغط المجتمعي زاد لاختلاط الرجال والنساء. مع ذلك، استمروا في توسيع نشاطهم، وتواصلوا مع مثقفين وعلمانيين وأكراد وجماعة ربيع دمشق. قرّروا فتح مركز "سبل السلام" في داريا، وهو مشروع جماعي تموّله النساء من حليهنّ، يضم صالة كمبيوتر ومكتبة وسينما، لكن الأمن السياسي أغلقه بالشمع الأحمر وصادر الممتلكات، واعتُقل الشيخ مجدداً وضرب.

تنتقل الراوية إلى فترة الغزو الأمريكي للعراق، حيث تحالف شيوخ الدين مع المخابرات لحشد الشباب للجهاد في العراق، وتصف ذلك بأنه "لعبة سياسية قذرة من النظام". في المقابل، أطلقوا هم حملة "لو يعلمون ما بأنفسهم" بقيادة يحيى الشربجي وهيثم الحموي، رافضين القتل والتفجير وداعين للمقاومة المدنية السلمية. بدأوا بنشر منشورات ضد الفساد والرشوة، وقاموا بحملات لتنظيف شوارع المدينة. هدفهم كان القول للشباب: لا تذهبوا لتفجير أنفسكم، بل اهتموا بحياتكم في سورية، فأصلاحها مسؤوليتكم. بعد ذلك، اقتحم الأمن بيوتهم، واعتقل الشيخ مجدداً، واعتقل زوجها وخمسة وعشرين شاباً منهم أخوها. حُققت معها ومع صديقاتها، وأُحيل الشباب إلى محكمة عسكرية وأودعوا سجن صيدنايا سيئ السمعة. سخط الناس عليهم لأن أولادهم اعتقلوا، لكنهم رفضوا التعاون مع الأمن.

مع اندلاع الثورات العربية وحادثة أطفال درعا، خرجت آمنة للشارع في 15 آذار 2011 في تظاهرة في داريا، هاتفة بـ"سلمية سلمية" و"إسلام ومسيحية بدنا وحدة وطنية". تصف سكان داريا: 80% مسلمون و20% مسيحيون. في تظاهرة أخرى، قمعوا بالعصي الكهربائية والقنص، واعتقل كثيرون. طلب المتظاهرون من النساء عدم الخروج لحمايتهنّ، فأنشأن تجمّع "حرائر داريا" وخرجن في تظاهرات واعتصامات نسائية. تسرد بالتفصيل أحد "الجمعة العظيمة" في نيسان 2011 حيث سقط شهداء خلعوا قمصانهم، وحمى المتظاهرون المراكز الحكومية، وفي تشييع الشهداء الأربعين، قرعت الكنائس الأجراس ورمت النساء الورود من الكنائس على المتظاهرين. تروي كيف كان الثوار يطعمون الناس والجنود على الحواجز، قائلين إن معركتهم ليست معهم. تذكر أن بعض المشايخ رفضوا مطالب الأمن وشاركوا في التظاهرات، ومات الشيخ أبو النور الأحمر تحت التعذيب. أرسل النظام ضباطاً للتفاوض، فطالب المتظاهرون بإلغاء قانون الطوارئ. بعد اعتقال أخيها عبد القادر في الشهر السابع، استمروا وأصدروا جريدة "عنب بلدي" المعارضة.

في مرحلة لاحقة، عُثر على جثث خمسة وعشرين شاباً من داريا في مقبرة جماعية في صحنايا، بعضهم من الدروز والمسيحيين والعلويين، مما يؤكد محاولة إشعال فتنة طائفية. اهتمّت هي وصديقاتها بعوائل المعتقلين والشهداء، وحتى عوائل أعوان النظام الذين قتلوا، للحفاظ على اللحمة الاجتماعية. بسبب نشاطها، نُقلت إلى مدرسة أقل شأناً، ثم أوقفت عن العمل. في أيلول 2012، اعتُقل يحيى الشربجي وأُعدم تحت التعذيب، وتسلم أهله جثته مشوّهة. هنا تشير إلى أن هذه الحادثة أشعلت الغضب وأدّت لتشكيل "الجيش الحرّ" لحماية التظاهرات، وحمل الناس السلاح.

بعد خروج النظام من داريا في تموز 2013 وتحريرها، أطلق الثوار حملة لتنظيف الشوارع وتنظيم أمور البلدة. تدفّق النازحون من حمص وباب عمرو، وكبرت مسؤولياتهم في تأمين الطعام والمأوى عبر تنسيقية داريا. لكن الأمور انقلبت حين حصلت مجزرة كبرى في داريا، حيث قصفت الميليشيات الإيرانية والفرقة الرابعة بقذائف الهاون، وقتلوا المئات واقتلعوا كروم العنب من جذورها. كانت هذه "مجزرة العنب والدم". تصف آمنة مشاهد مروعة: إعدامات ميدانية، امرأة قتلت زوجها لئلا يعدّم، جثث على جوانب الطريق، وأشجار مقتلعة. خرجت هي وعائلتها من داريا، واكتشفت حجم الفظاعة بعد وصولها لدمشق حيث كان الناس يعيشون حياتهم بشكل طبيعي. تشير إلى أن العدد الكامل لضحايا المجزرة غير معروف لكن سُجّلت أسماء 780 شخصاً، وربما تجاوز الألف.

بعد المجزرة، تأسس المجلس المحلي في داريا في أيلول، وكان قراره أن يكون العسكر أحد أطرافه ولكن تحت القرار المدني. لكن في تشرين الثاني 2013، اقتحم النظام داريا من جديد، وأحرقوا وأعدموا، وبدأ الحصار والقصف. هنا يعود صوت العسكرة ليعلو. تنتقل آمنة لدمشق مع أهلها وتواصل العمل الإغاثي، لكنها كانت مطلوبة للأمن. تداهم الأمن بيت أهلها وتعتقل إخوتها الأربعة واحداً تلو الآخر. تروي تفاصيل اعتقالها هي وزوجها في الشهر العاشر من عام [لم يحدد]. تذكر أن ابنتها الصغيرة تبولت خوفاً. احتجزت في فرع 215 (فرع الموت سيئ السمعة)، حيث عوملت بوحشية، وضربها المحقق وهزّ رأسه بالحائط متهماً إياها بأنها من جماعة غاندي. تذكر لحظة إيهامهم بإعدام زوجها بخرطوشة الكلاشينكوف. سُجنت في غرفة معزولة، ثم مع ثلاث عشرة معتقلة أخرى، معظمهن من الفقيرات ومن مناطق مثل الحسكة ودير الزور. تذكر قصة شابة من حلب عمرها ثمانية عشر عاماً، اتهمت بـ"جهاد النكاح" (وهي إشاعة من النظام)، وقد حاولت حمايتها. تنقلن إلى سجن عدرا المزدحم بـ 350 سجينة في عشر غرف، بلا ماء ساخن ولا تدفئة. هناك نظّمت آمنة دروساً في القراءة والكتابة وفرقاً رياضية، واشترت من السجينات الفقيرات ما يصنعنه.

الأهم، أنها لم تخرج من السجن عبر القضاء، بل عبر صفقة تبادل أسرى في 10 آذار 2014 بين النظام و"جبهة النصرة" و"الجيش الحرّ"، حيث بادلوا 40 معتقلة لدى النظام بـ 10 راهبات من دير معلولا (كانت الراهبات محتجزات لدى المعارضة). تصف المشهد المؤلم على الحدود اللبنانية، حيث رأت الراهبات بصحة جيدة بينما كانت هي ورفيقاتها مهالكات. وعدهم محافظ ريف دمشق بإعادة حقوقهم، لكنها أدركت أن الصفقة كانت مسرحية، وأنها مطلوبة للأمن مجدداً. خرجت من سورية عبر رحلة استغرقت شهراً كاملاً في الجبال والصحاري مع جرحى، إلى أن وصلت إلى تركيا. تعيش الآن مع زوجها وأولادها في تركيا، وتعمل مع شبكة نسوية في تعليم وتوعية النساء بحقوقهن، وتصرّ على أنها لن تتوقف عن العمل من أجل قضيتها حتى تعود إلى سورية. تختتم قائلة إنهم طالبوا بقليل من العدالة، وكانت النتيجة أن حصدوا الموت والخراب.

القارئ يلاحظ أن الفصل يقرّ بحدود وصراعات داخلية، مثل صعوبة الحفاظ على المشروع السلمي المدني في وجه العسكرة والتطرف، وانتقاد بعض قادة الثوار لعسكرة المجتمع التي أدت للمجازر، وغياب النساء عن المجلس المحلي بسبب أولوية وقف الموت. كما أن الفصل يطرح أسئلة مفتوحة عن جدوى المقاومة السلمية في مواجهة آلة قمع وحشية وعن مسؤولية الثوار في تحوّل مسار الثورة إلى حرب.

2.الرّاوية الحادية عشرة175–186▼ ملخص

ملخص الفصل: «الراوية الحادية عشرة»

يتناول هذا الفصل سيرة لينا محمد الناشطة السياسية السورية، التي كانت تبلغ من العمر تسعاً وعشرين سنة عندما انطلقت الثورة السورية. المحور الأساسي للفصل هو تجربتها الشخصية مع الاعتقال والتعذيب، ثم انتقالها إلى العمل الميداني في المناطق المحاصرة، ومراقبتها عن كثب لتحولات الثورة من حراك شعبي سلمي إلى صراع مسلح تخترقه أجندات خارجية وتطرف ديني. تقدم الراوية إجابة واضحة: الثورة التي بدأت بحلم بالحرية والكرامة تحولت تدريجياً إلى مشهد من العنف والقتل والفساد، حيث ضعف دور الناشطين الديمقراطيين أمام قوة السلاح وتمويل الكتائب من جهات إقليمية.

تبدأ الراوية بسرد اعتقالها الأول في ساحة "عرنوس" وسط دمشق، حيث شاركت في تظاهرة احتجاجاً على قمع المتظاهرين في درعا. استمرت التظاهرة عشر دقائق فقط قبل أن ينقض عليها رجال الأمن. تصف التعذيب الذي تعرضت له على يد جلاد اسمه أبو علي، الذي ضربها بالكهرباء على رقبتها وخاطبها بصيغة المذكر. وضعوها في زنزانة انفرادية طولها ثمانون سنتيمتراً وعرضها سبعون سنتيمتراً، وحُرموا من النوم لأيام مع التنقل بين فروع أمنية متعددة. تسمي عملية الخروج إلى الحمام "الجحيم" لأنهم كانوا يُضربون ذهاباً وإياباً. بعد نقلها إلى فرع كفرسوسة، تعرضت للتحرش من ضابط برتبة ملازم.

بين الاعتقالين الأول والثاني، حاولت لينا مع مجموعة من الشباب والفتيات تأسيس تجمع سياسي جديد اسمه "سوريون" خارج الأحزاب والمعارضة التقليدية. شاركوا في تظاهرات عدة، لكنهم اكتشفوا أن المجموعة مخترقة من قبل رجال الأمن، واعتقل أفرادها بين تموز وكانون الأول عام 2011، فانتهى المشروع. تشير إلى وجود مجموعات يسارية أخرى حاولت الشيء نفسه، واعتقل أفرادها أيضاً. تذكر مجموعة "الشباب السوري الثائر" التي تكونت من شيوعيين، اعتقلهم الأمن وانتهى نشاطها نهاية العام، وقتل منهم تحت التعذيب: رودين عجك، عامر ظاظا، عماد غنم، فائز أيوبي، والأخوان معاذ وقصي برهان.

قررت لينا الدخول إلى "الغوطة" بشكل مستقل لتنسيق العمل بين التظاهرات والجلسات السياسية، ثم وسعت نشاطها إلى "الغوطة الشرقية". تصف كيف كانت قبضة الأمن محكمة في دمشق والاعتقالات تتضاعف، بينما في الغوطة لم تكن التظاهرات الشكل الوحيد للانخراط في الثورة. دخلت الغوطة المحاصرة وخرجت منها إلى أن اعتقلت مرة ثانية وسط دمشق في عام 2012، عندما دعت مجموعة "أوقفوا القتل، نريد أن نبني وطن" إلى تظاهرة أمام البرلمان. شارك أربعمئة متظاهر، ووقفوا عشر دقائق فقط قبل أن ينقض عليهم الأمن بالهراوات. رفعت لينا لافتة كتب عليها: "أوقفوا القتل، لا نريد أن نموت". رأت امرأة سورية فلسطينية أوقفت السيارات وهتفت: "الشعب يريد إسقاط النظام"، ثم اختفت. اعتقلوا أربعين شخصاً ووضعوهم مع خمسة وعشرين آخرين في حافلة، لكنها خرجت بعد أسبوع دون تعذيب هذه المرة، وكان المحقق في فرع الخطيب لطيفاً معها.

بعد خروجها من المعتقل، أدركت لينا أن دور الناشطين الديمقراطيين والسياسيين قد ضعف أمام عنف النظام وحركة تمويل السلاح من جهة المعارضة. تفرغت للعمل في المناطق المحاصرة، ورأت أن المناطق التي خرج منها النظام تركتها الطبقات الوسطى وتركت الفقراء للكتائب المعارضة. عملت مع الطبقات المسحوقة التي لم تستطع مغادرة منازلها، وكانت تحاور عسكريين في الدولة ورجال شريعة وتشكل حلقات حوار سياسي مع الناس العاديين حول شكل الدولة المرجوة. لم تنم تقريباً، وتنقلت بين الحواجز وهي مطلوبة لأجهزة الأمن، ودخلت خلسة إلى المناطق المحاصرة في الغوطة.

في الشهر الخامس، قصف بشار الأسد، وكان الاقتتال بين الجيش النظامي وكتائب الجيش الحر قبل دخول الكتائب الإسلامية إلى برزة. اختبأت مع امرأتين وطبيب في سيارة بيك أب لمحاولة الخروج، وقد أقام الجيش حواجز رملية وسط الشوارع مع قصف بالهاون والمدفعية. كانوا تحت مرمى قناص، أطلق الرصاص على سيارتهم فتحولت خردة. أكملوا طريقهم مشياً نحو الجامع الذي تحول إلى مشفى ميداني، وكانوا مضطرين لاجتياز خمسين متراً في مرمى القناص. مات ناس كثيرون وهم يعبرون هذه المسافة. تصف كيف تحركت مثل كائنات من الغبار بعد أن سقطت قذيفة قربهم. في الجامع، رأت أهوالاً: امرأة تناثرت الشظايا في جسدها كله، مات زوجها وأمها وأولادها ونجت هي. مات أربعة رجال وامرأتان وصبي عمره ست عشرة سنة. تعاونت مع نساء الغوطة القويات، بعضهن محافظات لم يسمحن بأن يقترب منهن أحد، وأخريات كن قائدات يتحركن بثبات. حمل الرجال الجثث تحت نيران القنص وركضوا معهم حتى تمكنوا من الخروج والنجاة. تشعر لينا بالسعادة في كل مرة تخرج منها لأنها ما زالت على قيد الحياة، وتقول إنها كانت مؤمنة بأن الناس يستحقون الكرامة والعدالة.

في نهاية الشهر السادس، نوديت من أحد قادة الغوطة أثناء "مجزرة زملكا"، وكان اسمها الحركي "زينة". طلب منها أدوية وأدوات إسعاف بسرعة، فذهبت إلى زملكا ووصلت إلى موقع المجزرة. تصف مشهداً مرعباً: الجثث مقطعة، الشارع مليء بأشلاء بشرية، أمعاء القتلى في الشارع، بقايا لحوم ملتصقة على الجدران. وقعت المجزرة عندما تجمع الناس في المنطقة للتظاهر، فانفجرت سيارة بينهم. أصيبت بصدمة وتخشب جسدها، واعتقدت أن قلبها سيتوقف. حاولت حمل أحد القتلى إلى جانب الطريق فإذا بجسده فقط بين يديها، نصف جثة ممزقة. انهارت تماماً، فطلب المسعفون مغادرتها. ما كان يدمي القلب هو صراخ الذين ما زالوا على قيد الحياة وأجسادهم مقطعة، ينادون "أخ، يا أخي". كادت تصاب بالجنون لولا امرأة خلعت حجابها وربطت جرح أحدهم. عادت لتجمع الأعضاء والأشلاء. عندما وصلت إلى المشفى الميداني، كان يحتوي على ستين سريراً، وبدا أشبه بمدينة زعب لكثرة الأعضاء البشرية المقطعة، وفيه خمسة عشر طبيباً للاهتمام بالجرحى الذين وصل عددهم إلى مئة وخمسين. كان الرعب يجتاحها كلما قابلت أصدقاء يسألونها عن البقية في زملكا، فتنظر في لوائح الموتى وتقرأ الأسماء.

بعد المجزرة، أصيبت لينا بغضب عارم، وقررت ألا تتخلى عن موقفها في معارضة النظام. عندما حلقت "معركة دمشق" ودخلت كتيبة شهداء الأقصى بقيادة أبو علي إلى الميدان، شاركت فيها. تقول إنهم لم يكونوا يفكرون في جدوى المعركة، فالعنف لم يترك مجالاً للتفكير، وشعرت أن واجبها يقتضي وجودها على خط المواجهة. ذهبت إلى الميدان حيث كان الجيش الحر وحيث كان مشفى ميداني، بقيت فيه. طلب منها قائد الكتيبة البقاء في المشفى، لكنها اعتقدت أن النظام سيسقط، وأن الكتائب المعارضة الأخرى ستنضم إلى كتيبة شهداء الأقصى لتكون حرب عصابات مع النظام. تعترف بأنهم كانوا حالمين. كانت معها ثلاث نساء في المشفى الميداني وإعلامية واحدة من غير حجاب. احترمهم المقاتلون وقدموا تقديراً لهم، وعرضوا عليها مسدساً على خط الجبهة فرفضت، فقال أحدهم: "هذا المسدس لا لتقتلي أحداً، بل لتدافعي عن نفسك... دافعي عن نفسك بطريقتك، اقتلي نفسك أو افعلي ما تريدين".

تصف المعركة: دبابة على بعد شارع واحد، المقاتلون لا يملكون سوى قنابل يدوية ورشاشات، وكانوا يتورعون في إطلاق النار ويختفون. كانت الخطة أن ينتظروا حتى تقصف الدبابة عليهم ثم يطلقون "آر بي جي" نحوها، وهو ما حصل فعلاً وأعطبوها. مات عشرون شخصاً في اليوم الأخير قبل الانسحاب، ثمانية عشر منهم في ساعة واحدة بسبب نقص الإسعاف. تقول لينا إن الموت كان أسهل بكثير مما كانت تتخيل، واعترفت بأن تهورها في دخول خط الجبهة في معركة خاسرة هو نوع من اليأس. خرجت من معركة دمشق امرأة أخرى، أكثر قدرة على مواجهة الحقائق.

بعد الهزيمة، تفرغت للعمل الإعلامي في الشهر الحادي عشر من عام 2012 مع "شبكة الإعلام الحر" التي تأسست قبل أشهر من شباب عربين، سقبا، وحمورية. من بينهم عبد الكريم إسماعيل المعروف بـأبو المجد، الذي تصفه بأنه من أنبل رجال سورية وأكثرهم نزاهة. استشهد لاحقاً مع الكادر الإعلامي كله بقذيفة في نهاية الشهر الأول من عام 2013. أصيبت بصدمة عندما استشهدوا، فقد تركتهم قبل يومين لتعود إلى بيتها في دمشق وتغير ثيابها. قبل استشهادهم، اشترطت عليهم ألا يتدخلوا بلبسها وهي سافرة، فوافقوا؛ لم يكن موضوع الحجاب مشكلة لديهم. حاضرت فيهم حول كتابة التقارير الصحفية، وكانت مصرّة على ألا يستخدموا شعارات دينية أو كلمات مثل "فطايس". كانت تدريباتها عن الخطاب الإنساني السياسي.

في أثناء عملها مع الشبكة في عربين، بدأت الكتائب تتكاثر وحلت فوضى السلاح، واشتد قصف النظام، وتدفقت أموال هائلة إلى الكتائب. تقول إن الناس لم يفهموا ما يحصل، إنهم دفعوا إلى التدين بسبب العنف الوحشي من النظام. المجازر الطائفية مثل مجزرة داريا وجديدة الفضل فعلت فعلها، فغادر جزء كبير من ناشطي الطبقة الوسطى ومثقفيها الغوطة، وكون الباقون "تجمّع القوى الوطنية في الغوطة الشرقية" من شخصيات محلية من أرياف وطوائف عدة، استمر لسنة تقريباً قبل أن يعتقل النظام بعض أعضائه ويغتال جيش الإسلام آخرين. اختلف الباقون حول فرض الإخوان المسلمين لشعارات دينية، وحول ما إذا كانت أموال الإغاثة يجب أن تذهب إلى هيئات مدنية أم إلى العسكر.

تنتقد لينا ناشطات الطبقة الوسطى اللواتي قبلن وضع الحجاب لدخول الغوطة، معتبرة أن هذا الموقف المهادن للكتائب الإسلامية ضيق على عملها وأضعف وجودها. كانت النساء قليلات في المشافي والمكاتب الإعلامية، وهددت الكتائب الإسلامية إحداهن بالقصاص لأنها كانت تقود سيارة وتوزع العمل على المحتاجين. بسبب التمويل الإسلامي، صار المنهج الديني في المدارس، وفصل البنات عن البنين، وطلبوا من الأطفال الصيام. اكتشفت لينا أن هناك ممولاً سعودياً بالإضافة إلى مشايخ من قطر، وكان التنافس بينهم على تأسيس الهيئات الشرعية والمدارس لا يتوقف. حزنت لأن الأمور خرجت عن سياقها الوطني.

تصف تحول الشعارات: كان شعار "كتيبة شهداء عربين" علم الثورة مع ثلاث نجوم حمراء وعبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" وكلمة "كرامة، حرية، عدالة اجتماعية"، لكن في بداية عام 2013 أصبح للكتيبة علم أسود مكتوب عليه "لا إله إلا الله" محل الشعارات الوطنية. كانت موجودة عندما أجرى قائد عسكري اتصالاً عبر سكايب مع شيخ سعودي لم تستطع تحديد هويته، طلب منه صواريخ وذخيرة ومضاداً للدبابات بمبلغ عشرة ملايين دولار، وطلب الشيخ تسمية المعركة باسمه، فرفض القائد وقال: "نحن عندنا مجرم ونريد محاكمته"، وأصر الشيخ ورفض القائد، فلم تحصل المعركة. تقول لينا إن الكتائب قاومت التطرف الديني بداية لكنها انساقت له لاحقاً، وأن جيش الإسلام نشأ من كتيبة اسمها "لواء الإسلام" ثم تلقى دعماً مباشراً من السعودية، كما أن الإخوان المسلمين دعموا كتائب "أجناد الشام".

في أثناء هذه التحولات، اعتقل أخ لينا في آذار عام 2015، فذهبت إلى دمشق لمتابعة قضيته، لكنها فشلت في عبور الحواجز للعودة إلى الغوطة. عندما حدثت مجزرة الكيماوي في آب 2013، قيل لها أن تنتظر. اقتحم الأمن بيتها في دمشق فاختبأت، وقرر أهليها مغادرتها. هربت من بيت إلى بيت، لكن رجال الأمن اعتقلوا من هربها وثلاثة شباب من البيوت التي اختبأت فيها. لم يبق أمامها إلا الخروج من سورية. عبرت عشرات الكيلومترات بدراجة مع شباب، لكنها رفضت وضع الحجاب لعبور حواجز جبهة النصرة في درعا. في أثناء هروبها نحو درعا، تفاجأت بحاجز للنصرة يضم أربعة أجانب وسوريين، أوقفوها وأرادوا أخذها إلى "الهيئة الشرعية" لمحاسبتها لأنها غير محجبة. صرخت ولم تسكت، وصارت الأسلحة موجهة نحوها. قالت للعناصر إنها مستعدة للذهاب معهم، فأجرى مقاتل من الجيش الحر اتصالاته وسمح لهم بالمرور. لم تستطع البقاء هناك، وواصلت رحلة طويلة حتى وصلت إلى نقطة حدود غير نظامية تسيطر عليها جبهة النصرة، وخرجت من سورية في تشرين الثاني عام 2014. هي الآن لاجئة في فرنسا.

في نهاية الفصل، لا تقدم الكاتبة حججاً قابلة للنقاض بشكل واضح بقدر ما تقدم سرداً شخصياً غنياً بالتفاصيل. يمكن الإشارة إلى أن موقف لينا من وضع الحجاب كشرط للعمل الميداني يثير تساؤلات حول حدود المهادنة في ظروف الحرب، كما أن ملاحظاتها حول تحول التمويل الخارجي للكتائب وتأثيره على الطابع الوطني للثورة تستحق التأمل، خاصة في ضوء تباين مواقف الفاعلين المحليين بين مقاومة التطرف أو الانسياق له تحت وطأة الحصار والموت.

2.الرّاوية الثالثة عشرة197–210▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو رحلة امرأة سورية تدعى رولاء مع بداية الثورة السورية، وهي في نهاية العشرينيات من عمرها، تعيش بين اللاذقية وطرطوس. تقدم رولاء شهادة عن تحولها من موقف معارض للعنف الذي استخدمه النظام في مواجهة الحراك الشعبي، لكنها في الوقت نفسه لم تكن موافقة على ما رأته من طائفية في شعارات الثورة لاحقاً. الإجابة التي يقدمها الفصل معقدة ومؤلمة: الحلم بالثورة من أجل الحرية والكرامة تحطم على صخرة العنف الطائفي المتبادل، مما جعل المدنية والتعايش هدفاً شبه مستحيل، وأدى إلى خواء داخلي وفقدان المعنى.

يسير الفصل عبر سيرة ذاتية لرولاء تبدأ من نشأتها في بيت كان أبيها يستقبل فيه سوريين من كل المناطق مثل الديري والرقاوي والحلبي والحمصي، دون أن يدع أحداً منهم بمسماه الطائفي، لترسيخ فكرة الوحدة. ثم تتوالى الأحداث: مع بدء تدفق النازحين من حلب وإدلب وحمص نتيجة القصف، كرست نفسها للعمل معهم ومساعدتهم وتعليم أطفالهم، لكن العنف الطائفي كان يكبر. تصف رولاء كيف أن جيرانها وأهلها وأصدقاءها قاطعوها، وكيف أصبحت عرضة للرفض الاجتماعي والضغط من البيئة المحلية، مما شل قدرتها على العمل بين النازحين.

تقدم رولاء المجزرة كدليل صارخ على فشل المشروع الإنساني والوطني. تروي تفاصيل مروعة عن مجزرة اشتبرق، وهي قرية علوية في ريف جسر الشغور، حيث دخلتها جبهة النصرة وذبحت النساء والأطفال والرجال واعتقلت آخرين. تقدم شهادة امرأة ناجية من القرية تصف كيف منعهم ضابط حاجز للجيش من الخروج قائلاً “هذه أوامر ولا يستطيع مخالفتها”، وهو نفس السيناريو الذي تكرر في قرى علوية أخرى. تصف الناجية كيف هربت مع بناتها الأربع، إحداهن معوقة، وكيف تم أسرها وسجنها في سجن حارم التابع لـ جبهة النصرة، وتصف التعذيب النفسي والجسدي: إجبارهم على الوقوف لساعات، إطعامهم الخبز العفن، الصراخ فيهم “يا كفار”، ووضع “سبيكرات” تبث أناشيد دينية عن ذبح العلويين. تبرز الشهادة أيضاً مفارقة غريبة: أن السجانين السوريين كانوا يسرقونهم ويجلدونهم بينما لم تتعرض أي امرأة لاعتداء جنسي، وأن أحدهم كان رحيماً بها وبابنتها المريضة حتى اختفى بعد أن استنكر رفاقه تعاطفه.

تستمر رولاء في سرد شهادات أخرى، كشهادة عجوز ناجية من مجزرة أخرى ذُبح فيها ثلاثون شخصاً من عائلتها، وهي تتنقل بين حواجز جبهة النصرة لزيارة أسراها في السجن، وتصف لقاءها بأحفادها المرعب الذي انتهى برفض السجانين بقاءها معهم. وظيفة هذه الشهادات هي إظهار حجم الكارثة الإنسانية والأخلاقية التي حلت بالجميع، بغض النظر عن انتمائهم الطائفي. الأرقام مثل مئتان وأربعة عشر مفقوداً من قرية اشتبرق، ومئة وخمسين شخصاً قتلوا في القرية نفسها، وخمسة آلاف نازح، كلها تؤكد ضخامة المأساة.

يعترف الفصل بحدود وتحفظات واضحة. رولاء نفسها تقول إنها لا تستطيع البوح بتفاصيل حياتها الشخصية لأسباب أمنية. كما أنها تعترف بأن الضغط الأمني كان يشل حركتهم، وأن أجهزة الأمن لم ترغب في نشوء أي حركة تضامن إنساني. وتقر بصعوبة الجمع بين نازحي ريف حلب وإدلب ونازحي القرى العلوية، وكيف أن البداية كانت صعبة جداً. تترك الفصل أسئلة مفتوحة: “كيف وصلنا إلى هذه الحال المتوحشة في دواخلنا؟” و”أي مستقبل ينتظرنا هنا؟”، وتعترف بأنها فقدت نفسها وأصبحت لا تشعر بشيء، وأن الكراهية “قتلتها”.

فيما يتعلق بالحجج القابلة للنقاش، فإن الفصل يقدم نقداً لاذعاً لخطاب الثورة الطائفي الذي ظهر لاحقاً والذي “أفقدنا متعاطفين معنا ومع قضية الثورة”. كما يحمل انتقادات شديدة لمنظمات الأمم المتحدة، حيث تقول رولاء إنها لم تسكت عن عدم اهتمامها الحقيقي بالنازحين، وقدمت تقارير تشرح حقيقة ما يحصل وتم تجاهلها. هناك أيضاً نقد لفساد عملية التعليم وتباطؤ الدولة الذي يخلق أرضية للجهل والتطرف. الخلاصة أن الفصل يقدم وثيقة إنسانية مؤلمة، تظهر كيف أن العمل الإنساني البسيط لبناء جسور بين السوريين أصبح عملاً مقاوماً وشجاعاً، في خضم انقسام طائفي حاد غذته ممارسات الجميع، مما جعل المستقبل كابوسياً وغير قابل للتصور.

16.الرّاوية السّادسة عشرة229–248▼ ملخص

أنا حذام عدي، امرأة سوريّة في السابعة والسبعين من عمري عندما بدأت الثورة. أعيش بين مدينتي "غار" و**"أولور"** حيث أدير مدرسة، وأسافر باستمرار بينهما. زوجي انخرط في الحركة الاحتجاجية، وقد فاجأني حجم التظاهرات في سورية، لأن بنية النظام القمعي جعلت الحديث في السياسة أمراً مرعباً. في "حمص"، وتحديداً داخل "أوبا"، خرجت نساء في تظاهرة نسائية خلال أيار، بعد أن قتل الأمن متظاهرين. ضمت التظاهرة أطيافاً دينية متنوعة من السوريات، لكنهن اختفين لاحقاً تحت الضغط الاجتماعي والأمني. كانت إحدى النساء من حي "عكرمة" الذي يغلب عليه الطابع "العلوي" تشارك هي وبناتها، ثم اختفت بعد تهديد "الشبيحة" باختطاف بناتها. في حي "الحميدية" في حمص، حيث الغالبية المسيحية، كان السكان يقفون على الشرفات ويرشون الماء والسكاكر على المتظاهرين.

تغيرت العادات مع حركة الاحتجاج، ففي حارة مجاورة، آوت امرأة محافظة زوجها مسافر عشرات الشباب الهاربين من رجال الأمن وخبأتهم في بيتها، كاسرة الحدود الاجتماعية. وعندما علم جيرانها، قالت لهم إنها لا تخاف أحداً لأنهم جميعاً إخوتها، وأثنوا عليها وساعدوا الشباب. كان يندس بين المتظاهرين في الشهور الأولى شباب يضعون لحى اصطناعية ويتظاهرون، ثم تنتشر صورهم كمتظاهرين. رأى الراوي وزوجهم هذا في "حمص" وفي "حماه" حيث كان متنقلاً بين المدينتين. كان خوف الراوي الأكبر من تحول التظاهرات إلى طائفية. قال أحد الشباب إن مشكلتهم ليست مع العلويين، بل مع النظام. في أيار، عندما أراد طلاب من القرى العلوية القدوم إلى حمص للامتحانات وطالبوا بمراكز في قراهم خوفاً، أرسل المتظاهرون رسائل إلى وجهاء علويين، واستقلوا حافلات وزاروهم، وأخبروهم أن المدينة مفتوحة. وعندما جاء الطلاب استقبلوهم بالورود وشكلوا سور حماية. صديقة كانت مع النظام ثم انقلبت عليه بعد أن فجروا أنابيب غاز في أحيائها، مع أن الحقيقة أن الأجهزة الأمنية اقتعلت حوادث بين الطائفتين لإيقاظ الفتنة.

في حمص، شاركت الراوي في اعتصام الساعة في نيسان 2011. انطلقت تظاهرة ضخمة شبيهة باعتصام "الميدان" في ساحة "التحرير" بالقاهرة من حيث التنظيم، مع خيام وطعام وشراب. في اليوم الأول كان المعتصمون قلة، ثم ازدادوا وأجروا حوارات سياسية بين العاديين المتأثرين بشيوخ الدين والديمقراطيين المثقفين. طرح الشباب شعار "الله والوطن" بينما المشايخ صامتون. كانت الموجة الديمقراطية أقوى، ولكن بعد اعتقال ونفي الديمقراطيين، ظهر شيوخ الدين على السطح. في مجزرة الساعة، كانت الراوي في بيتها القريب من الساحة. سمعت دوي رصاص ومدافع في الساعة الخامسة بعد منتصف الليل، وكانت الذخيرة حية. اقتحم رجال أمن وجيش بالدبابات ساحة "الساعة"، ووقف الراوي على السطح تراقبهم يفتحون النار على المعتصمين النائمين في الخيام، وكانوا حوالي ألفين وخمسمئة. أرسل الأمن شيخاً ذا سلطة معنوية لينذرهم، فتشاور المعتصمون وقرروا البقاء، فانهمر عليهم الرصاص من فوق الأسطح. قتلوا الكثير، وقتل من حاول الهروب. هرب زوج الراوي عبر الأزقة إلى بيتها، وأوقفه حاجز أمني لكنهم لم يشكوا فيه لكبر سنه. بعد عشر دقائق اقتحموا البيت، وكانت الراوي منبطحة. توقف نشاط زوجي منذ تلك اللحظة. قُتل أمامه خمسة وسبعون شخصاً.

تحول بيت الراوي إلى قاعات اجتماعات سياسية بعد ذلك. كان الشباب يأتون للتشاور وفهم تاريخ سورية السياسي، وهؤلاء أسسوا "تنسيقية حمص". قتلوا برصاص القناصة، واعتقلوا، وهرب الباقون. كانوا طلاب جامعة مثقفين سلميين، اعتقدوا أن النظام سيتجاوب، لكن أصدقاءهم كانوا يموتون كل يوم برصاص الأمن الذي صور قادة الحراك عرفهم وسهل قنصهم. مع المسعفين والأطباء أيضاً. في حوارات الراوي، رأت أن تحويل الثورة إلى عسكرة هو الورقة الرابحة الوحيدة للنظام، لأن الشباب لن يقاروه عسكرياً. لكن الشباب اعتقدوا أن المجتمع لن يسكت عن المجازر، فبدأوا حمل السلاح. كان أساس الحوارات ضرورة الابتعاد عن الفعل الطائفي. في حمص، دهم الأمن حارتي "عكرمة" و**"الزهراء"**، واعتقلوا بنات العوائل المحافظة وتحرشوا جنسياً، مما أثار النعرات الطائفية. بدأ الأمن يخطف نساء من الأحياء الأخرى ويخرب المحال التجارية. لعبت الأجهزة على الوتر الطائفي بقتل رجل مسيحي معروف في حي "الحميدية" المسيحي، وتقول الأمن إن المتظاهرين قتلوه. خرجت حمص كلها في جنازته، وزوج الراوي في المقدمة، ويهتفون "واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد".

عمل زوج الراوي وغيره ضد المشروع الطائفي للنظام، فاعتقل. بقيت الراوي في "حمص" حتى أواخر 2011، واشتغلت مع الشباب على نزع الطائفية. قالوا إن الموضوع أكبر منهم، وهم يموتون ويأخذون معهم الآخرين. قالت لهم إنهم لا يملكون طائرات ولا دبابات، فقط كلاشينكوف، وهذا عدم توازن سيربح النظام ويجعل العالم يرى الحرب مسلحة. لم يقتنعوا وحملوا السلاح. ترى الراوي أن الأمر لم يكن صحيحاً لولا التدخل الخارجي، من دول دعمت المتظاهرين أو الأسد. ابتدأ شراء السلاح بعد مجزرة "الساعة". الفساد كان لاحماً من جميع الجهات، برشى ومبالغ هائلة لإطلاق سراح المعتقلين، محولة السجن لعملية تجارية. كانت الراوي تزور زوجها في السجن وتسمع عن ذلك.

في الثانية والسبعين من عمرها، شعرت الراوي أن عمرها سبعة وسبعون سنة يتجدد. كانت في "حماه" أثناء مجزرة "أطفال الخرّيّة". تفاوض المتظاهرون مع المحافظ ورجال الأمن للخروج بتظاهرة، فتعهد الأمن بعدم التعرض، وتعهد المتظاهرون بعدم المساس بالمنشآت وعدم رفع شعارات إسقاط النظام، بل الإصلاح كإلغاء قانون الطوارئ وتغيير المادة الثامنة من الدستور، وعدم ذكر اسم بشار أو حافظ الأسد. وافق العسكري والمحافظ، وسمحوا بالتظاهرة بحضور الشرطة فقط. خرج الناس بأطفالهم بثياب بيضاء وورود، وشعارات إصلاحية فقط، على أن ينظفوا الساحة بعدها. اجتمعوا في ساحة "العاصي" وسط حي "المرابط". حمل الأطفال الورود وقدموها للشرطة. حين توقفوا عند "خان رستم" ورددوا الشعارات، فُتح باب سيارة وأطلقت نار على الأطفال من رشاش. رمى الأهل أنفسهم فوق أطفالهم. سقط قتلى وجرحى نقلوا إلى مشفى الحوراني. دم غطى الممرات، فشطفه الناس. احتل الجيش بنك الدم وأخذ أكياسه كلها. قدر الأطباء عدد القتلى بـ مئة وسبعة وأربعين، ثم ارتفع العدد. صنعت نساء شجاعات سياجاً بأجسادهن منع الأمن من دخول المشفى، واتصلن بقناة تلفزيونية. كانت أعداد النساء كبيرة حول المشفى تمنع إجهاز الأمن على الجرحى. سُميت المجزرة بمجزرة "أطفال الخرّيّة" وكانت في حزيران 2012. بقيت الراوي في حماه بعدها، ثم عادت إلى حمص لتتابع التظاهرات مع الشباب.

الراوي من مدينة "حماه"، تربت في حي "المرابط" وترعرعت في حي "المحطة"، وتذكر تحولات المدينة قبل عائلة الأسد وبعدها. في السادسة من عمرها، عام 1947، شهدت مغادرة الفرنسيين سورية، ودباباتهم تغادر متجهة إلى حمص. رفرفت الأعلام الفرنسية فوقها، ووقف الراوي وإخوتها أمام المنزل، ونوّار الاستقلال يرشقون الفرنسيين بالبيض والبندورة. في اليوم التالي احتفلوا بعيد الجلاء. شهدت التظاهرة الأولى في حماه عام 1956 ضد ارتفاع أسعار الخبز. شاركت نساء كثيرات، وهتف الرجال، واتجهوا نحو مكتبة "خان رستم" مقابل المبنى الحكومي، وحملوا أرغفة خبز ورشقوا المبنى بها. كانت الراوي تدرس في مدرسة البنات بحماه. والدها كان مفتي المذهب الشافعي، منفتحاً، بينما جدها كان قاضياً عثمانياً متشددا. كانت الراوي عالقة بين بيئة والدها الفقهية وحوارات إخوتها السياسية المتنوعة: قومي، اشتراكي، ديني. في ذلك الوقت، شهدت سورية حراكاً سياسياً نهضوياً. قسم من أهل حماه كانوا من "الإخوان المسلمين"، وخسروا تقدميتهم لتحالفهم مع الإقطاعيين. كانت الراوي تتردد على الاشتراكيين، وتحاول إقناع أخيها الديني بالسماح لها بالخروج سافرة. وقف أخوها الاشتراكي إلى جانبها، ووضعت فولاراً صغيراً على رأسها. قال والدها إن لا حجاب في الدين، لكن هناك "توجيه السترة"، وهو فولار خفيف. عادت سافرة.

بعد تخرجها من الجامعة عام 1960، كانت الراوي نشيطة في جمعية المرأة العربية في "حماه"، التي تعمل ثقافياً وسياسياً، وتعمل على تعليم المرأة في الريف الحموي، وتأسيس حضانة للأطفال. حاضرت عن حقوق المرأة، وحصل جدال بينها وبين نساء "الإخوان المسلمين". انتشرت نواد ثقافية ورياضية، وشاركت النساء في الانتخابات والحملات الانتخابية. عشقت الراوي المطالعة منذ الصغر، وكانت تقرأ لوالدها بعد أن فقد بصره. اهتمت نساء الطبقة البرجوازية والمتوسطة بتعليم أنفسهن. دخلت الراوي الجامعة في دمشق عام 1959/1960، حيث لم تكن في سورية جامعة غيرها. عاشت في دمشق وحدها رغم اعتراض إخوتها، لكن والدها دعّمها. بقيت في دمشق حتى عام 1965 وشاركت في نشاط سياسي. انتقدوا الديكتاتور عبد الحميد السراج وجمال عبد الناصر، وخرجوا في تظاهرات. أصبحت الراوي ناشطة سياسية، أرادوا سورية ديمقراطية مهيأة لذلك. كان في مجموعتهم نساء من الساحل ودمشق ومن البحرين والأردن والسعودية، وكان اتجاههم قومياً، وأطلقوا على مجموعتهم اسم "الطليعة الطلابية".

بقيت الراوي خارج حماه حتى عام 1967، وبعد الجامعة عملت مديرة لمدرسة "الفارعة الشيبانية" في "الحسكة". عرفت هناك البنية الاجتماعية المتنوعة في الحسكة، من مذاهب وأديان: مسلمين، مسيحيين، سريان، أرمن، آشوريين، كلدانيين. نسبة المسلمين خمسون في المئة، ونسبة المسيحيين خمسون في المئة، من أرثوذكس وكاثوليك، إضافة إلى الأكراد. بعد ذلك، قررت الراوي متابعة دراستها في الجامعة اليسوعية في لبنان، وحصلت على الماجستير عام 1970، وكانت تسافر أسبوعياً بين لبنان وسورية. تطورت ثقافتها في لبنان، وتعرفت على طبيعة المجتمع اللبناني، والتقت بمجموعات قريبة من "موسى الصدر"، وزارت مكتبات وقرأت، وتعرفت على عرب فلسطينيين. صادقت مجموعات من المسيحيين والقوميين، مع أن ذكر الطوائف لم يكن موجوداً في القرى الشيعية التي زارتها. درست على حسابها الشخصي، وتنقلت في المناطق السورية لفهم المجتمع أكثر. درست في مدرسة مسيحية، وأجرت حوارات مع الأب أفرام شهرستان. سعت لمتابعة دراستها في فرنسا بعد الماجستير، لكن وزير التربية السوري آنذاك رفض إعطاءها إذناً بالسفر، لأن البعثيين كانوا متقوقعين. عرفت الراوي وجوهاً من المجتمع السوري وتنوعه، قابلت شيوخاً إسماعيليين، وقرأت في مكتباتهم، وكانت مندهشة من غنى المجتمع السوري وتنوعه.

كانت الراوي مهتمة بالسياسة والعمل الديمقراطي، وكانت بداية الخمسينيات فترة تحولات عنيفة. انتقلت للعمل مدرسة في "دار المعلمات" بحماه، وعملت لسنوات مع نساء الريف في التعليم، ووجدت مجالاً حيوياً لنشر الوعي السياسي. كان التواصل مع الناس حوارات وطنية. والدها كان من ثوار عام 1925 ضد الاحتلال الفرنسي، وهو الوحيد الذي عقد حوارات مع مشايخ علويين في عشرينيات القرن الماضي. كان يقول إن المذاهب لا تفرقهم، واستمرت الحوارات بين مشايخ الطوائف. فعلت الراوي مثله، وتواصلت مع الجميع. في عام 1961، كان من المقرر عرض مسرحية لشكسبير في الجامعة بحضور جمال عبد الناصر، فأعد المتظاهرون للمناداة بإسقاطه، لكنه لم يحضر، فاعتصموا ضد عبد الحميد السراج في مطعم الجامعة القديمة. كانت جامعة دمشق مؤلفة من ثلاث طبقات، الطبقة العليا للآلات ومخصصة للنشاطات الفنية. أقاموا أمسيات أدبية وموسيقية، وكانت الجامعة مركزاً للنشاط، يضم بعثيين وشيوعيين وإخوان مسلمين. في ذلك الوقت، كانت حركة "القبيسيات" في حماه في بدايتها، من نساء قليلات من الأسر الإقطاعية. بعد قصف حماه عام 1962 وهزيمة حزيران 1967، ازداد وجودها. عندما عادت الراوي إلى حماه، حصل إشكال وتصادم مع القبيسيات، لأنها كانت ضد الإقطاعيين الذين تحالفوا مع القبيسيات بعد نزع مكتسباتهم. كان التحالف واضحاً، لكن سطوة القبيسيات لم تكن قوية حينذاك، إلا أنها تعاظمت بعد حوادث حماه.

تلخص الراوي حوادث حماه بأن الحمويين رأوا بعد استيلاء اللجنة العسكرية البعثية على السلطة إقصاء للضباط الحمويين. كان هؤلاء يريدون وحدة مع مصر، لكن مع تقييد حكم جمال عبد الناصر المطلق. تصادموا مع البعثيين وأعدموا عدداً منهم في تموز 1963 بتهمة العلاقة مع عبد الناصر. رداً على ذلك، أعلن في حماه أن هناك مؤامرة على التيار الشعبي الوحدوي، ودارت حرب بين الطرفين. كان عم الراوي وزير اقتصاد حينذاك فاستقال. في 1964، بدأ "الإخوان المسلمون" يحشدون، متحالفين مع البعث القومي العراقي، وأعلنوا تمرّداً مسلحاً. تعتقد الراوي أن تدين المدينة بدأ من تلك اللحظة، لعامل العسكرة والرواسب الدينية والطائفية. قصف البعثيون المدينة والجوامع، واعتقلوا النساء. تحول قصف حماه إلى عنف ظهر لاحقاً في تشدد المدينة، وازداد ظهور القبيسيات في أواخر الستينيات.

في مجموعتها "الطليعة الطلابية"، ناضلوا في العاصمة على تأسيس "اتحاد الطلبة" عام 1964. اجتمعوا مع التنظيمات كلها دون الانتماء لحزب. بدأ عملهم منذ الوحدة والانفصال ضد جمال عبد الناصر لاستبداده. بعد قصف حماه، أصبح البعثيون حاقدين على المدينة وأهملوها. تتذكر الراوي أنها كانت عرضة للتمييز العنصري في دمشق لكونها من حماه. بعد هزيمة حزيران، شعرت بانهيار المشروع القومي، فقررت التفرغ للنضال الفلسطيني، وانضمت إلى حركة فتح النشطة في حماه. بقيت معها من 1978 حتى 1980، وصارت عضواً في "المجلس الثوري"، وحضرت مؤتمرها في دمشق، وألقت محاضرات سياسية في المخيمات الفلسطينية. عملوا معاً من الأردن، والتحقت بالفلسطينيين على خط الجبهة دون حمل السلاح. عادت إلى عمان ثم إلى سورية، واستمرت مع جمعية المرأة العربية في حماه في أواخر الستينيات. في عهد صلاح جديد الذي كان منفتحاً على المقاومة الفلسطينية، لم يكن حافظ الأسد قد برز بعد. ترى الراوي أن خطأ صلاح جديد كان ترك الجيش والتفرغ لتنظيم الحزب، معتقداً أن الحزب يستطيع الوقوف في وجه العسكر.

في حماه، أسست الراوي مجموعات من معلمات المدارس وعقدت اجتماعات سياسية. تعرفت على "الماركسية" من خلال "إلياس مرقص"، وتعرفت على ياسين الحافظ الذي كتب المنطلقات الأساسية لحزب البعث ثم تخلى عن نظرية الحزب الواحد. عاشت في أجواء سياسية بحتة، وساهما في تشكيل ثقافتها السياسية. قبل انقلاب حافظ الأسد العسكري عام 1970، أجريت انتخابات حرة لنقابة المعلمين في "دير الزور" و**"حماه"** دون تدخل البعث أو الجيش. ترشحت الراوي مستقلة وفازت في الانتخابات. استهدفت شريحة أساتذة المدارس الابتدائية، وكانت الانتخابات شفافة وديمقراطية. خسر الإخوان المسلمون والبعثيون، وفاز المستقلون فقط. بعد مجيء حافظ الأسد، حوصرت الراوي تماماً لموقفها الواضح ضد الانقلاب العسكري. عرض عليها عام 1976 أن تكون عضواً في مجلس قيادة الحزب، فرفضت، لأن ما حصل في 1963 كان انقلاباً لا ثورة. بعد هزيمة 1967، اعتقل البعثيون النشطاء الذين أصدرا بيان الوحدة الوطنية لتوحيد الصف وتشكيل حكومة وطنية، فاعتقلهم عبد الكريم الجندي، وكان منهم عم الراوي عبد الكريم زهور عدي الذي أرسل لها تحذيراً من سجنه.

انتقدت الراوي في مقالاتها عبر جريدة "الفداء" طريقة البعثيين في التعامل مع القضية الفلسطينية، ودعت لقراءة منفتحة للفكر الإسلامي، وانتقدت التخلف والحرب الإعلامية الفارغة المليئة بالكراهية. حاولت إيجاد خطاب إعلامي جديد تجاه إسرائيل. في عام 1977، ألقت محاضرة في المركز الثقافي بحماه بعنوان "كيف نكسب معركة الوعي؟"، تحدثت عن الطرح الإعلامي الإسرائيلي وكيف يجب الرد عليه، وقالت إن النخبة المثقفة لم تتشكل لديها رؤية ناضجة للصراع، مما أزعج البعثيين. عاشت في بيت مفتوح يزوره الأصدقاء، فرضت ذلك على المجتمع، ووالدتها دعمتها. اعتبرت الراوي نفسها إنساناً قبل أن تكون امرأة، ونسيت جسدها لتخفف المجتمع، واختبأت خلف القوة التي يظهرها الرجال. أنكرت هويتها الجنسية في العمل مع المقاومة الفلسطينية، معتقدة أن نضالها لم يكن ليؤخذ على محمل الجد لو لم تفعل. تركت المقاومة عام 1980 بعد خلاف سياسي وعقائدي.

بعد عام 1975، عاشت الراوي تحت حصار اجتماعي، وهو جزء من تغيير ملامح المجتمع السوري الذي كان يهوي. في عام 1985، كان هناك مشروع "المملكة المتحدة" بين الأردن وفلسطين، فخرجت تظاهرة من طالبات حماه ضده. خرجت الفتيات، منهن رولا ابنة المناضل فيصل الركبي، ورفعن شعارات مناهضة للمشروع. وصلن إلى ساحة "المحافظة"، فطلب المحافظ تشكيل وفد لمعرفة مطالبهن. كانت هذه التظاهرة الوحيدة في سورية ضد المشروع، وكانت كلها من حماه. اجتمعت الفتيات في بيت الراوي بعد التظاهرة. كانت حماه مدينة مقاومة ومركزاً للنضال الفلسطيني. حين كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع، أرسل برقية تهديد إلى مسؤول فتح في حماه ليخرج من المدينة. بعد استلامه الحكم، نشطت الراوي مع مجموعة طالبات ومجموعة معلمات، فأرسل مدير التربية وأبلغها بوجود أمر بإعارة مدرسين للكويت والإمارات. كان اسمها على رأس القائمة، فرفضت، وانتقدت مدير التربية. وافقت المعلمات وسافرن، وبقيت الراوي. في الوقت نفسه، فصلت ثماني عشرة مديرة مدرسة من ذوات الانتماء الاشتراكي التحرري من عملهن في حماه، وحل محلهن "الشيخات القبيسيات" تلميذات "معرّز العضم". بدا واضحاً إحكام قبضة الإسلاميين على حماه وتفريغها من قواها المعارضة. جاء تغيير المديرات بعد تظاهرة الفتيات.

عندما رفضت الراوي السفر إلى الكويت، تم نقلها من المدرسة حيث طالباتها بين السابعة عشرة والعشرين إلى مدرسة إعدادية في منطقة بعيدة تغلب عليها التقاليد المتخلفة. ترى الراوي أن بشار الأسد بنى حكمه بين الدين والفساد، وأطلق يد المتدينين في المجتمع وتراجع دور الديمقراطيين. شعرت بالإحباط عام 1985 لأن نضالاتهم ذهبت أدراج الرياح. فقدت أدوات نشاطها كالمقالات في جريدة "الفداء"، رغم أن حماه كانت متطورة في جمعيات المرأة في الخمسينيات. تركت حماه عام 1987 بعد ضياع حركتهم الديمقراطية من جميع الجهات. تعتقد أن الأسد كان يدرك أن الخط الديني يمثل خطراً أكبر عليه من الديمقراطيين، لكنه لم يصدر قراراً واضحاً بمنعها، بل توجيهاً بالتضييق. سافرت إلى الجزائر عام 1974، وعادت إلى **

19.الرّاوية التاسعة عشرة267–281▼ ملخص

يُركّز الفصل على شهادة فاتن، وهي امرأة من مدينة دوما، تروي تحوّلها من فتاة نشأت في عائلة بعثية وانتمت لـ"القبيسيات" إلى ناشطة مدنية وتعليمية خلال الثورة السورية. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن الثورة لم تكن مجرد مواجهة مع النظام، بل كشفت عن صراعات داخلية عميقة، وأبرزت كيف أن القوى الدينية والعسكرية الجديدة مارست ضغوطاً هائلة على النساء، وحوّلت دورهن من فاعلات في الميدان إلى عاملات تحت التهديد والوصاية.

تتتبّع فاتن مسارها خطوة بخطوة، فتبدأ بوصف حياتها قبل 2011، حيث كانت جزءاً من النسيج الاجتماعي في دوما. تتذكر فترة الثمانينيات التي كثرت فيها اعتقالات الأطباء والصيادلة بتهمة الانتماء لـ"الإخوان المسلمين". وهي التي التزمت دينياً مبكراً، انتقدت لاحقاً الفساد في العمل الحزبي المسموح، وتطوعت في جمعية خيرية وتعاونت مع اليونيسكو في التعليم المجتمعي للأطفال الفقراء. تشير إلى أن حلقات تحفيظ القرآن التي شكلتها في بيتها كانت تعكس قاعدتها الفكرية: أنها "من النسيج الإسلامي" لكنها لا تؤمن بإقامة خلافة إسلامية، بل ترى أن القانون لا يخالف المجتمع بل الإنسان هو من يخالفه.

تستعرض فاتن تاريخاً عائلياً مريراً مع عائلة الأسد، وتذكر قانوناً قديماً أجبر عماتها على ارتداء الحجاب في المدرسة، مما منعهن من التعليم، وأدى إلى ظهور جيلين كاملين من النساء غير المتعلمات في دوما. وتقول إن هذا القانون أُلغي عندما وجد المجتمع نفسه أمام مشكلة نساء أميات. في 3 نيسان 2011، بدأت مشاركتها في التظاهرات، ولم تفوت أي تظاهرة منذ ذلك اليوم. تصف كيف كانت النساء غالباً من أمهات الشهداء، والرجال في المقدمة، لكن التظاهر المدني تضاءل تدريجياً بحلول نهاية 2012، حيث بقيت أربع نساء فقط في المظاهرات بسبب القصف على الجوامع، وخروج الكثير من المتعلمين من دوما، وظهور تيارات دينية وسلفية من الغوطة الشرقية ومن داريا.

تتحدث فاتن عن اعتقالها الأول في الشهر الأول من 2012 لدى كتيبة البراء، بعد أن أدخلت وفداً إعلامياً إلى دوما. استمر تعذيبها لشهر كامل في فرع كفرسوسة، حيث حاول عناصر سرية المداهمات الحصول على معلومات عن ثمانية وأربعين إيرانياً مختطفاً. خرجت بصفقة تبادل بين كتيبة البراء ومنظمة إيهاها الإيرانية، وأُخذت إلى مائدة السفير الإيراني الذي قال لها إن أبناءها "اختطفوا جنوداً"، لكنها ردّت بأنهم ليسوا جنوداً بل مدنيين. بعد خروجها من السجن، عادت إلى دوما وتطوعت في الدفاع المدني، وأسست مع مجموعة من الشباب مركزاً تعليمياً أسمته "اقرأ"، ليستقبل مئتين وخمسين طالباً في أسبوع واحد.

يصف الفصل الصراع المرير الذي خاضته فاتن مع القوى العسكرية والدينية في دوما. تذكر أن زهران علوش، قائد "لواء الإسلام"، جاء لزيارة مركزها بصفته قائد الكتيبة الأقوى، ووافقت هي وزملاؤها على عمله بشرط عدم تدخله. لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم تحت ضغط "مجلس الشورى" الذي تشكل من سبع كتائب وشيوخ، وأنشأ سجوناً خاصة به. تشرح فاتن كيف كانت ترى أن التعليم والقضاء يجب ألا يخضعا لسلطة العسكر، ولهذا منعت وضع شعارات الكتائب على مراكزها التعليمية، ورفضت رفع شعارات لأي فصيل. كانت معركتها مع "الكتائب" حول المنهج التعليمي وعقيدتها الشخصية: لقد قالت لهم إنها "خرجت من ظلم الأسد ولن أرضخ لكم"، مؤكدة أن رفضها لم يأت من "سلفي" أو "إخواني" فقط، بل من جميع الرجال، حتى العلمانيين منهم.

تصل فاتن إلى لحظة فارعة في سردها، وهي وصف مجزرة الطلاب التي حدثت في 16 تشرين الثاني 2016، عندما قصفت الطائرات الروسية مدرسة في دوما. كان الطيران الروسي يقصف ليلاً ونهاراً، بينما كانت طائرات النظام السوري تقصف نهاراً فقط. تصف مشهد الصاروخ العنقودي الذي سقط في الساعة الثامنة صباحاً، وأدى إلى رؤية رأس صديقتها مشقوقاً، وطفلات مبتورات الأطراف وهن يحملن حقائبهن على أكتافهن. تذكر طفلة اسمها ليلى الخطيب رفضت إعطاءها ورقة من دفترها لأن أمها أوصتها بعدم إهدار الأوراق. وصل عدد الشهداء في ذلك اليوم إلى ثمانية وأربعين، وكانت هناك حالات بتر وأخرى مفتوحة البطون. بعد هذه المجزرة، فقدت فاتن قدرتها على الأكل وأصيبت باضطرابات هضمية، وشعرت باللاحدوى لأنها كانت تقود حملة تعليمية والطائرات تقتل الكادر التعليمي والطلاب.

في تحليلها الاجتماعي، تنتقد فاتن التغيرات التي طرأت على المجتمع في دوما تحت الحصار والقصف. تشير إلى أن أسوأ ما فعلته الحرب هو إنتاج "الانغلاق الاجتماعي"، حيث أصبح الفقر عاملاً مساعداً للتيار الديني المتطرف، بعد أن خرجت طبقة المتعلمين من المدينة، وحكمتها طبقة غير متعلمة. تشرح كيف أن زهران علوش نفسه كان من دوما، وأُطلق سراحه من سجن صيدنايا مع رفاق آخرين في الشهر الأول من 2011، وكيف أن التنافس بين الكتائب كان مدعوماً من قطر والسعودية. وتنتقد فكرة أن اللباس المتشدد لم يكن موجوداً قبل الثورة، وتقول إن هناك دائماً من يرتديه، لكن النساء بدأن يضعن الكفوف والنقاب عندما امتلك "زهران" القوة والسلطة.

تخصص فاتن جزءاً كبيراً من شهادتها لانتقاد ما تسميه "الحسبة"، أي دوريات النساء اللواتي كن يضبطن الأعراس ويمنعن الموسيقى والألوان البراقة، تحت حجة مخالفة الشرع. وتكشف أن العديد من اللواتي عملن في "الحسبة" لم يكنّ متدينات قبل الثورة، بل "مُنتشيات بسلطتهن على الناس". أضف إلى ذلك، أن زوجات قادة الكتائب حصلن على أموال الإغاثة والمشاريع، مما خلق طبقة ثرية مقابل طبقة معدومة، مما دفع العديد من الناشطات إلى مغادرة دوما بسبب الضغط الاجتماعي الذي جعلهن مرفوضات وغير قابل للزواج.

تؤكد فاتن أن وجود المرأة في المجالس المحلية كان شكلياً، وأن الضغط الاجتماعي عليها كان أصعب من القصف. تذكر أن سجن النساء في دوما كانت تديره امرأة تدعى سلوى ساعور، والتي كانت جُلاّدة بنفسها، وقد تعرضت فتاة مختلة عقلياً للتعذيب حتى الموت تحت إدارتها. كما تشير إلى أن خطف نساء مثل رزان زيتونة وسميرة الخليل ساهم في انكفاء حضور النساء خوفاً من العار. وتختتم بالقول إن أكثر ما يخيفها الآن هو أن تُجبر على الخروج من دوما، مثلما حدث في داريا وحلب. وتؤكد أنها ترفض الخضوع لحكم عسكر أو مستبد، وأنها ستواصل حملتها حتى لو كانت وحدها، قائلة: "أنهيت حملة عن مساوئ الزواج المبكر، وعندما اعترضوا، قلت لهم: يجب أن أمشي إلى النهاية، ولن يوقفني سوى الموت".

الرواية بأكملها تشكل حجة قابلة للنقاش حول دور النساء في الحرب الأهلية السورية، وتقدم انتقاداً لاذعاً للقوى الدينية والعسكرية داخل المعارضة نفسها، وتكشف عن تناقض عميق بين الخطاب الثوري السلمي والواقع الاجتماعي القاسي الذي عاشته الناشطات، حيث كنّ محاصرات من النظام ومن المجتمع ومن الفصائل المسلحة على حد سواء.

التحليل والكلمات المفتاحية