
تطور المجتمع السوري
كتاب "تطور المجتمع السوري" لنشوان الأتاسي ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو بحث في الجذور العميقة للتحولات التي شهدتها سورية على مدى قرن ونصف، من منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 2011. يدافع المؤلف عن أطروحة محورية مفادها أن تشكل المجتمع السوري ودولته لم يكن نتيجة حتمية لتطور طبيعي، بل كان محصلة صراعات حادة بين طبقات ونخب متعددة، تداخلت فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية مع السياسات الخارجية والطائفية، مما أدى في النهاية إلى بناء نظام حكم استبدادي لا يزال قائماً. يرى الكاتب أن كل مرحلة من تاريخ سورية الحديث كانت بمثابة حلقة في سلسلة من الاختيارات السياسية والإيديولوجية الخاطئة التي فضلت المصالح الفئوية على بناء هوية وطنية جامعة ومؤسسات ديمقراطية مستقرة.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني محكم، حيث يبدأ من اللحظة التي اعتبرها نقطة تحول أساسية: الحملة المصرية على سورية عام 1831 بقيادة إبراهيم باشا. هذه الحملة، التي هدفت إلى تأمين الموارد للتمدد المصري، أنهت فترة طويلة من السبات الاجتماعي، وأدخلت المجتمع السوري في دوامة التغيير البنيوي. يبين المؤلف كيف أن نظام الحكم العثماني، الذي كان يقوم على اعتبار الدولة مالكاً فعلياً للأرض وفرض الضرائب عبر نظام «الالتزام»، تطور تدريجياً نحو تكوين طبقة من الملاكين. لكن التحول الحقيقي بدأ مع تكامل الاقتصاد السوري مع السوق العالمية في القرن التاسع عشر، مما أفرز طبقة جديدة من «الملاكين-البيروقراطيين» الذين سيطروا على المشهد السياسي المحلي بفضل تملكهم للأرض وشبكة علاقاتهم مع العاصمة العثمانية. في المقابل، تفككت الأواصر القبلية وتحول الفلاحون إلى عمال مأجورين، بينما ارتقت طبقة التجار المسيحيين بفضل الحماية الأوروبية.
يخصص الفصل الأول مساحة واسعة لتحليل الفتنة الطائفية في دمشق عام 1860، التي يعتبرها المؤلف نتيجة مباشرة للسياسات السابقة. فبعد عودة الحكم العثماني، صاحبته إصلاحات «التنظيمات» التي هدفت إلى مركزة السلطة، لكنها منحت الأعيان المحليين مواقع جديدة تمكنوا من استخدامها لوقف الإصلاحات التي تمس مصالحهم، خاصة المتعلقة بمساواة الأقليات. هذا الاستياء الشعبي من منح المسيحيين حماية أكبر، بالإضافة إلى البطالة بين الحرفيين المسلمين، انفجر في موجة عنف استهدفت المجتمع المسيحي. لكن رد فعل الوالي العثماني فؤاد باشا كان عنيفاً بحق الدمشقيين أنفسهم، مما أضعف هيبة الزعامة التقليدية. هذا الضعف، إلى جانب قانون الأراضي العثماني عام 1858 الذي دفع الفلاحين لتسجيل أراضيهم بأسماء كبار الأعيان، وقرارات التحديث الإداري التي جردت «العلماء» من احتكارهم للتعليم والقضاء، كلها عوامل مهّدت لبروز طبقة «الملاكين-البيروقراطيين» التي تبنّت إيديولوجيا «العثمانوية».
لكن المفارقة التي يطرحها الكتاب هي: لماذا بدأت هذه الطبقة التي كانت تعمل لصالح النظام العثماني، تعمل ضده في مطلع القرن العشرين؟ الإجابة تكمن في صعود جمعية الاتحاد والترقي عام 1906 وسياساتها التتريكية. فرض اللغة التركية في المدارس والقضاء والإدارة أثار حفيظة الأعيان السوريين، فتحولوا نحو العروبة، ليس كإيديولوجيا انفصالية، بل كسلاح سياسي للمطالبة بلامركزية أكبر داخل الإمبراطورية. يؤكد الكاتب أن الصراع لم يكن طبقيًا، بل كان صراعاً داخل طبقة واحدة على السلطة والنفوذ، وأن العروبة كانت رد فعل على فشل النخبة الحاكمة في إسطنبول، ولم تختلف جذرياً عن العثمانوية في أهدافها حتى عام 1914. يحتفي المؤلف هنا بإسهام ألبرت حوراني في مناقشة دور القوى الغربية في نشوء الفكر القومي العربي، محذراً من التفسير المادي المحدود لهذه الفكرة.
ينتقل الفصل الثاني إلى فترة تشكل الدولة السورية الحديثة بين الثورة العربية الكبرى عام 1916 والجلاء الفرنسي عام 1946. هنا، يحلل الكتاب مخاضاً عسيراً اتسم بمحاولات متعددة لبناء كيان مستقل، واجهت إخفاقات متكررة بسبب تداخل العوامل الداخلية والخارجية. يبدأ بتحليل حكم الأمير فيصل (1918-1920)، مسلطاً الضوء على الصراع بين ثلاثة أقطاب: فيصل وقواته، وأعيان دمشق التقليديين مثل محمد فوزي العظم، والتنظيمات القومية السرية. يقدم المؤلف أدلة على فشل حكم فيصل، أبرزها الفجوة بين نظرته القومية وواقع النخب المحلية العثمانية الهوى، ويتجلى هذا الصراع في مذبحة الأرمن في حلب في شباط 1919 التي تظهر هشاشة الأوضاع. كما يصف الدمار الاقتصادي الذي خلفته الحرب وانهيار قيمة الليرة التركية، وهي أزمة معيشية خانقة جعلت الدولة الفيصلية متخبطة، لتصل ذروتها في معركة ميسلون في 24 تموز 1920، حيث هُزمت القوات العربية بقيادة يوسف العظمة أمام الجيش الفرنسي.
يتعمق الفصل في تحليل سياسات الانتداب الفرنسي (1920-1946)، معتبراً أن إخفاق فرنسا لم يأتِ فقط من رعونة أهدافها بل من تناقض نظام الانتداب نفسه. يعدد ثلاث استراتيجيات رئيسية: التقسيم الجغرافي الذي أنشأ كيانات مذهبية صغيرة مثل دولة جبل العلويين ودولة جبل الدروز، وتأليب المناطق الريفية على المدن الوطنية، والحكم باستخدام نخب متعاونة من الأعيان. يوضح المؤلف فشل معظم هذه الاستراتيجيات؛ فمحاولات تفتيت الملكية المشاعية اصطدمت بنفوذ كبار الملاك، كما أن اعتماد الحكم غير المباشر حافظ على قوة الأعيان بدلاً من تدميرها. على الصعيد الاقتصادي، يؤكد الفصل أن فترة الانتداب كانت كارثة حقيقية، حيث أدى فصل سورية عن محيطها الطبيعي بـسلخ لواء الإسكندرون وضمه لتركيا عام 1939، وتدفق البضائع الفرنسية، إلى تراجع الصناعة المحلية، لدرجة أن نسبة العمالة السورية في القطاع الصناعي في ثلاثينيات القرن العشرين تدنت عما كانت عليه في ظل الحكم التركي. هنا أيضاً، يقرّ المؤلف بحدوده، مكتفياً بعرض أسس الفترة الأولى من الانتداب حتى 1924، تاركاً للقارئ تخيل كيف تطورت هذه الأسس نحو الثورة السورية الكبرى.
يصل الكتاب إلى الفصل الأكثر حساسية وتعقيداً، وهو الفترة بين الاستقلال عام 1946 وانفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1963. يحاول الفصل الإجابة عن سؤال مصيري: كيف انتقلت سورية من دولة وليدة تبني مؤسساتها الديمقراطية إلى ساحة للانقلابات العسكرية والصراعات الإقليمية؟ يرى المؤلف أن الجذور تعود إلى إرث الانتداب في الجيش، وتحديداً في القوات الخاصة التي شكلها الفرنسيون. يوضح كيف أن أبناء الطبقتين البيروقراطية والوسطى في المدن احتقروا الخدمة العسكرية، بينما انجذب إليها أبناء الأقليات والطبقات الفقيرة، خاصة العلويين. مع فتح باب الكلية العسكرية في حمص أمام الجميع، تدفق أبناء الأقليات إليها، ويصفها الكاتب نقلاً عن كمال ديب بأنها "غلطة تاريخية" ارتكبتها العائلات السنية المدينية بتعاليهم، مما مكن "أعداءهم الطبقيين" من السيطرة على الجيش لاحقاً.
في مقابل الأحزاب التقليدية التي لم تطرح برامج عقائدية، برزت أحزاب إيديولوجية راديكالية تعبر عن صعود الطبقة الوسطى: حزب البعث، الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش، الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه أنطون سعادة، والإخوان المسلمون. يشير المؤلف إلى مفارقة مفجعة: هذه الأحزاب، باستثناء الإخوان، اشتركت في احتقار الهوية الوطنية السورية ووصفها بـ"القطرية"، مما جعلها عاجزة عن بناء هوية وطنية جامعة. يضيف أن القضية الفلسطينية كانت العامل الحاسم، فبعد نكبة 1948، استغلها القوميون والجيش للهجوم على الحكم الوطني وتبرير الانقلابات. يسجل الكتاب أرقاماً صادمة: الجيوش العربية المرسلة لم تتجاوز 15,000 مقاتل مقابل 70,000 جندي يهودي مدرب.
يتناول الفصل الاقتصاد السوري بعد الاستقلال الذي شهد نمواً ملحوظاً بفضل مكننة الزراعة وارتفاع أسعار القطن إبان الحرب الكورية، مما أدى إلى توسع زراعي في منطقة الجزيرة وزيادة سكانها بنسبة 90% بين 1949 و1953. كما صدر قانون العمل التقدمي رقم 279 في حزيران 1946، مما ضاعف عضوية النقابات ثلاث مرات. لكن هذا التطور اصطدم بالصراع على سورية بين المحور الهاشمي والمحور السعودي-المصري. يصل السرد إلى ذروته في عهد الانقلابات العسكرية، بدءاً من حسني الزعيم في 30 آذار 1949 الذي وصفه خالد العظم بأنه "آلة صماء استعملها الأميركيون" للمصادقة على خط أنابيب النفط واتفاقية الهدنة مع إسرائيل. يمر الفصل بـ أديب الشيشكلي الذي حكم ديكتاتورياً حتى 1954، مما دفع ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني لتشكيل حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم الوصول إلى الوحدة مع مصر.
يقدم الفصل تفاصيل مثيرة عن تمهيد الطريق للوحدة، أبرزها اغتيال الضابط عدنان المالكي في نيسان 1955، حيث تشير التحقيقات إلى تورط المخابرات المصرية، ثم الزيارة السرية لوفد عسكري سوري مكون من 14 ضابطاً إلى القاهرة في شباط 1958 والتي دفعت نحو وحدة اندماجية فورية مع جمال عبد الناصر دون استشارة الحكومة. كانت الضحية الأولى هي الديمقراطية، تلتها أخطاء اقتصادية جسيمة، حيث صدرت قوانين التأميم في تموز 1961 دون مراعاة أن معظم أصحاب الشركات في سورية كانوا من أبناء البلاد، مما أدى إلى تدمير الاقتصاد وتهريب رؤوس الأموال. يختتم الفصل بالإشارة إلى أن فترة الانفصال التي أعقبت انقلاب عبد الكريم النحلاوي كانت مجرد تمهيد لدكتاتورية العسكر تحت ستار البعث.
أما الفصل الأخير والأطول، فيحلل مسار حزب البعث الحاكم من خلال عدسة نموذج ابن خلدون الثلاثي (دعوة - عصبية - مُلك). يرى المؤلف أن الحزب تحول من حركة إيديولوجية ذات دعوة قومية إلى أداة للسيطرة العسكرية الطائفية، ثم إلى نظام حكم استبدادي يقوم على المحسوبية والفساد. يبدأ بتحليل سيطرة اللجنة العسكرية الخماسية بعد 8 آذار 1963، والتي تمكنت من تهميش القيادة المدنية. يسرد الفصل بالتفصيل مراحل الصراع بين أعضائها الخمسة: محمد عمران، صلاح جديد، أحمد الأمير، حافظ الأسد، وعبد الكريم الجندي، وصولاً لسيطرة الأسد النهائية في 16 تشرين الثاني 1970.
يقدم الفصل أحداثاً صادمة، أبرزها إقرار المؤرخ محمد حيدر بأن أمين الحافظ اعترف لاحقاً أن عمليات التأميم كانت تتم استناداً إلى دليل الهاتف، مما وجه "ضربة قاصمة للاقتصاد السوري". كما يتناول قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلياهو كوهين الذي تمكن من بناء شبكة علاقات مع الطبقة الحاكمة، ويشير إلى الشكوك التي أثارتها القصيدة التي كتبها شاعر البعث سليمان العيسى. يسجل الفصل أن التصفيات الداخلية في الجيش أدخلت سورية حرب 1967 بدون كفاءات عسكرية قادرة، ويقدم جدولاً زمنياً دقيقاً: 140 ألف مواطن سوري كانوا يقطنون الجولان (مساحته 1860 كم²)، فر منهم 35 ألف أثناء القتال، وتهجر سكان القنيطرة البالغ عددهم 17 ألفاً، وغادر الجولان 90 ألفاً، ولم يبق سوى 8000 شخص (أي 9%، معظمهم من الدروز).
يصف الفصل كيف استغل حافظ الأسد الهزيمة لتعزيز نفوذه، فأزاح رئيس هيئة الأركان أحمد سويداني وعين مصطفى طلاس، وبدأ بتأسيس تشكيلات عسكرية على أسس طائفية وقبلية. بلغت المواجهة مع صلاح جديد ذروتها في أحداث شباط 1969 باستنفار عسكري مزيف، وانتهت بانتحار (أو اغتيال) عبد الكريم الجندي في 2 آذار 1969، رمز القمع في النظام. بعد سيطرة الأسد النهائية، أعاد تأسيس حزب البعث من الصفر بإصدار حكم إعدام على عفلق وأمين الحافظ، ووسع قواعده بإدخال منتسبين جدد حتى بلغ عدد أعضائه 65 ألفاً في أوائل السبعينيات ثم تضاعف إلى 374 ألفاً لاحقاً. صدر دستور شباط 1973 الذي جعل الحزب "القائد في المجتمع والدولة"، وبدأت عبادة الفرد التي بلغت ذروتها في 1985 بشعار "قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد".
يختتم الفصل بتحليل التدخل السوري في الحرب الأهلية اللبنانية، الذي بدأ ليل 31 أيار 1976 ورسمت له "الخطوط الحمراء" الأميركية-الإسرائيلية. يسجل مجزرة مخيم تل الزعتر التي سقط فيها 30 ألف مدني محاصرين وثلاثة آلاف قتيل، معلقاً عليها إسحق رابين بقوله إن إسرائيل "لن تزعج الجيش السوري وهو يقتل إرهابيي عرفات". يصف ظهور فوارق طبقية حادة وتركز ثروة هائلة في يد "البورجوازية الجديدة" التي سقطت قناع الاشتراكية. يختم الفصل بذكر الانتفاضة الكبرى في الفترة 1979-1982 التي قمعها النظام بعنف مطلق، من مجزرة سجن تدمر إلى مجزرة حماة 1982، ثم الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 والهجوم السوري على بيروت الشرقية في 13 تشرين الأول 1990 بعد أن منحت سورية تفويضاً بالوصاية على لبنان.
يطرح الكتاب في هذه الفصول الأخيرة عدة تساؤلات مفتوحة تترك مجالاً للتحليل. يسأل عن سهولة نجاح انقلاب 23 شباط 1966، وعن ملابسات قضية إيلياهو كوهين التي بقيت "مثار العديد من التساؤلات والشكوك"، وعن أسباب تردد الأسد بين شباط 1969 وتشرين الثاني 1970، مشيراً إلى أنها أسئلة "لن يقدر التاريخ على تقديم أجوبة شافية عنه". كما يلمح المؤلف عبر مذكرات الحوراني إلى شكوك حول "انتحار" الجندي، وعلاقة حاطوم بحافظ الأسد التي لم يكشف عنها البيان الرسمي.
أما الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، فهي متعددة. الأطروحة المركزية بتطبيق نموذج ابن خلدون على تاريخ البعث السوري هي بحد ذاتها قابلة للنقاش، خاصة في تفسيرها للصراعات كمراحل طبيعية وليست نتاجاً لظروف موضوعية. كما أن تفسير السياسة السورية في لبنان والدور السوفييتي بناءً على فرضية "المقايضة" في قمة غلاسبورو يبقى مثار جدل. وأخيراً، فإن تحليل الفصل للطائفية كعامل حاسم ووصف قوانين التأميم بأنها "انتقامية" يمثلان حججاً قوية يمكن مناقشتها من زوايا أخرى، لتكتمل الصورة حول تاريخ معقد ومأساوي.
الأشخاص
الفصول(4)
1.من الفتنة الطائفية الكبرى إلى الثورة العربية الكبرى (1860 - 1916)11–54▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل بتحليل التغيّرات البنيوية العميقة التي طرأت على المجتمع السوري بدءاً من الحملة المصرية على سورية عام 1831 بقيادة إبراهيم باشا، والتي تُنهي فترة سبات مجتمعي طويل. يركز الكاتب على التبدلات التي حدثت في البنى الاجتماعية وعلاقات الإنتاج خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث كانت هذه التبدلات هي المسؤولة عن بروز طبقات جديدة استمر تأثيرها نحو قرن من الزمان، أي حتى وصول حزب البعث إلى السلطة في منتصف القرن العشرين.
يقدم الفصل لمحة تاريخية عن نظام الحكم العثماني في سورية بعد الفتح عام 1516، حيث كانت الدولة تعتبر نفسها المالك الفعلي للأرض، وكانت تفرض الضرائب عبر نظام «الالتزام». تطور هذا النظام تدريجياً من مزايدات سنوية إلى التزام مدى الحياة، مما جعل الملتزمين مالكين فعليين للأرض. يوضح الكاتب أن تشكل طبقات مستقرة لم يبدأ إلا في القرن التاسع عشر، نتيجة لتكامل الاقتصاد السوري مع السوق العالمية. في فترة سابقة، كان مفهوم «الأعيان» هو الأكثر استخداماً لوصف القوى المحلية ذات النفوذ، وهي فئات غير متجانسة اجتماعياً شملت «العلماء» و«الأشراف» والوجهاء العلمانيين من تجار وإقطاعيين، بالإضافة إلى «الأغوات» العسكريين.
بعد عام 1860، بدأت طبقة «الملاكين-البيروقراطيين» بالظهور والسيطرة على المسرح السياسي المحلي، وذلك بفضل تملكها للأرض وشبكة علاقاتها بالعاصمة الإمبراطورية ودعم الدولة. في المقابل، تآكلت مواقع الطبقات الأخرى، حيث وجد الفلاحون أنفسهم في شرك رأس المال وتحولوا إلى مشاركين في المحصول أو عمال مأجورين، وتفككت الأواصر القبلية تحت ضغط الدولة. كما ارتقت مصالح الطبقة التجارية المسيحية بفضل الحماية الأوروبية والامتيازات الخاصة التي حصلت عليها.
يتناول الفصل بالتفصيل الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا، التي احتلت سورية في 1832/1831 بهدف الحصول على الموارد وتأمين العنصر البشري لتوسعات محمد علي. يُعتبر حكمه بداية الفترة المعاصرة لإنشائه حكومة مركزية قوية ونظاماً ضريبياً حديثاً، لكنه فقد شعبيته بتطبيق التجنيد الإلزامي والسخرة والضرائب العالية. أدى تدخل القوى الغربية (بريطانيا وروسيا) إلى إجباره على الانسحاب عام 1841 وعودة سورية إلى الحكم العثماني.
مع عودة العثمانيين، رافقهم برنامج إصلاحي عُرف بـ«التنظيمات»، والذي هدفت إلى مركزة الإدارة في إسطنبول. منحت هذه الإصلاحات الأعيان مواقع في مجالس محلية جديدة، مما مكنهم من العودة إلى مواقعهم السابقة واستخدام السلطة لوقف الإصلاحات التي تتعارض مع مصالحهم، خاصة تلك المتعلقة بمساواة الأقليات. وبينما قاموا بتطبيق التجنيد الإجباري على الجماهير، ضمنوا الإعفاء لأنفسهم، مما وسع الفجوة بين القيادة التقليدية وعامة الناس.
يركز الفصل على الفتنة الطائفية التي اندلعت في تموز 1860 في دمشق، والتي يرجع أسبابها إلى الاحتلال المصري والإصلاحات العثمانية وازدياد النفوذ الأوروبي. شعر مسلمو دمشق باستياء كبير من منح الأقليات مساواة وحماية أكبر، مما أدى إلى انفجار عنيف استهدف المجتمع المسيحي المحلي. يلاحظ الكاتب أن معظم من قاموا بأعمال العنف كانوا من الحرفيين المسلمين العاطلين عن العمل. كان رد فعل السلطة العثمانية، ممثلة بالوالي فؤاد باشا، عنيفاً بحق الدمشقيين، وتحمل الأعيان الدينيون والعلمانيون الوطأة الأكبر من الغضب، حيث أُعدم بعضهم أو نُفوا مؤقتاً، مما أضعف هيبتهم الاجتماعية.
أعقبت أحداث 1860 تغييرات بنيوية أدت إلى إضعاف الزعامة التقليدية وبروز طبقة جديدة من كبار الملاكين البيروقراطيين في بداية القرن العشرين. من أهم عوامل هذا البروز: انتشار الملكية الخاصة للأرض، وتزايد دور الدولة، وتحول الاقتصاد نحو التجارة، بالإضافة إلى إصدار قانون الأراضي العثماني عام 1858. فشل هذا القانون في تحقيق أهدافه، حيث أرعب الفلاحين ودفعهم لتسجيل أراضيهم بأسماء كبار الأعيان، مما أدى إلى تراكم ملكية الأرض في أيدي قلة من العائلات الثرية.
يوضح الفصل أن التغيير البنيوي العميق كان نتيجة أيضاً لتحديث الإدارة ومركزتها. مع فقدان «العلماء» احتكارهم للتعليم والنظام القضائي مع إنشاء المدارس العلمانية والمحاكم المدنية، بدأت النخب الإسلامية تتعلم في إسطنبول وتتشرّب الثقافة العثمانية، مما ساهم في صعود طبقة «الملاكين-البيروقراطيين» التي تبنّت إيديولوجيا «العثمانوية». في المقابل، لعبت المدارس التبشيرية دوراً مهماً في تعليم النخبة المسيحية وتمكينها.
قرب نهاية القرن التاسع عشر، أفرزت الفترة بين 1831 و1860 طبقة «الملاكين-البيروقراطيين» المسيطرة، والتي كانت قريبة من خط إسطنبول. يتساءل الفصل: إذا كان النظام العثماني يعمل لصالح هذه الطبقات والنخبة المسيحية، فلماذا بدأت تعمل ضده في مطلع القرن العشرين؟ كيف أصبحت دمشق مهداً للعروبة بعد أن كانت معقلاً للعثمانوية؟ الإجابة تكمن في صعود إيديولوجيا القومية العربية، وتحديداً بعد تشكل جمعية الاتحاد والترقي عام 1906.
بعد نجاح الاتحاد والترقي في إجبار السلطان على إعادة العمل بالدستور عام 1908 وإحباط الانقلاب المضاد عام 1909، بدأت سياساتهم بالتوجه نحو التتريك، مما أثار حفيظة الأعيان السوريين. أدى فرض اللغة التركية في المدارس والقضاء والإدارة إلى تحولهم نحو العروبة، لكن ليس كإيديولوجيا انفصالية، بل كسلاح سياسي للمطالبة بلامركزية أكبر ضمن الإمبراطورية، وللحصول على مواقعهم المفقودة. أسس هؤلاء «جمعية النهضة العربية» التي تطورت لاحقاً إلى «جمعية الأمة العربية الفتاة»، وكانت الوحيدة التي نادت باستقلال العرب.
يعقد الفصل مؤتمراً عربياً في باريس عام 1913 طالباً بإصلاحات أكبر. ويخلص إلى أن العروبة كانت رد فعل على فشل النخبة الحاكمة في إسطنبول، لكنها لم تختلف جذرياً عن العثمانوية في أهدافها حتى عام 1914. ويؤكد الكاتب أن الصراع لم يكن طبقيًا، بل كان صراعاً داخل طبقة واحدة على السلطة والنفوذ. أخيراً، يشير الفصل إلى أن احتلال القوات الأوروبية والشريفية للولايات السورية عام 1918 كان عاملاً حاسماً في انحياز النخبة السياسية للعروبة، في حين ظل بعض المسيحيين السوريين رواداً في صياغة الفكر القومي العربي العلماني سعياً للمساواة. يختتم الفصل بتحذير من أن التفسير المادي لفكرة العروبة قد يكون مقيداً، مشيداً بإسهام ألبرت حوراني في مناقشة دور القوى الغربية في نشوء هذا الفكر.
2.من الثورة العربية الكبرى الى الجلاء (1916 - 1946)55–154▼ ملخص
من الثورة العربية الكبرى إلى الجلاء (1916-1946)
يتناول هذا الفصل فترة محورية في تاريخ سورية الحديث، ممتدة من انطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1916 ضد العثمانيين وصولاً إلى جلاء القوات الفرنسية عام 1946. يطرح المؤلف إجابة واضحة مفادها أن هذه الفترة شهدت مخاضاً عسيراً لتشكل الدولة السورية الحديثة، تخللته محاولات متعددة لبناء كيان مستقل، واجهت إخفاقات متكررة بسبب تداخل العوامل الداخلية والخارجية، وعلى رأسها التطلعات الاستعمارية الأوروبية، والصراعات بين النخب المحلية، والهشاشة الاقتصادية.
يسير الفصل خطوة بخطوة وفق تسلسل زمني وأحداثي، بدءاً من استسلام دمشق في الأول من تشرين الأول عام 1918، حيث يبين المؤلف كيف دخلت القوات البريطانية المدينة، بينما تشكلت إدارة محلية متنازع عليها. ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل معمق لحكم الأمير فيصل (1918-1920)، مسلطاً الضوء على الصراع الرئيسي بين ثلاثة أقطاب: الأمير فيصل وقواته الحجازية والسوريين القوميين من جهة، وأعيان دمشق التقليديين من عائلات الملاك البيروقراطيين مثل محمد فوزي العظم وعبد الرحمن اليوسف من جهة أخرى، والتنظيمات القومية السرية مثل "العربية الفتاة" و**"النادي العربي"** و**"حزب الاستقلال العربي"** من جهة ثالثة.
يقدم المؤلف أدلة على فشل حكم فيصل، أبرزها الفجوة بين نظرته القومية وواقع النخب المحلية التي كانت عثمانية الهوى بالأساس وتخشى فقدان نفوذها. يضرب مثالاً حياً على هذا الصراع في مذبحة الأرمن في حلب في شباط 1919، والتي تظهر هشاشة الأوضاع وتوتر العلاقات بين الشرائح المختلفة في المجتمع السوري آنذاك. كما يوضح كيف أن الدمار الاقتصادي الذي خلفته الحرب، وانهيار قيمة الليرة التركية، وتوقف حركة القطارات، أدى إلى أزمة معيشية خانقة جعلت الدولة الفيصلية متخبطة.
يواصل الفصل تتبع الأحداث وصولاً إلى مؤتمر سورية العام الذي انعقد في 6 تموز 1919، لكنه يبين أن سيطرة القوميين عليه لم تقدم دعماً حقيقياً لفيصل بل أحرجته بمواقفها الراديكالية. يصل السرد إلى ذروته بوصف معركة ميسلون في 24 تموز 1920، معركة الدفاع الأخيرة بقيادة وزير الدفاع يوسف العظمة، والتي انتهت بهزيمة سريعة للقوات العربية أمام الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غورو، تلاها احتلال دمشق في اليوم التالي ونفي فيصل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل متعمق لسياسات الانتداب الفرنسي (1920-1946)، مشيراً إلى أن إخفاق فرنسا لم يأتِ فقط من رعونة أهدافها، بل من طبيعة نظام الانتداب نفسه الذي خلق حالة تناقض بين الأهداف الاستعمارية التقليدية والالتزامات الدولية بقيادة الشعوب نحو الاستقلال. يعدد المؤلف ثلاث استراتيجيات فرنسية رئيسية: التقسيم الجغرافي الذي أنشأ كيانات مذهبية صغيرة مثل دولة جبل العلويين ودولة جبل الدروز، وتأليب المناطق الريفية على المدن الوطنية عبر محاولة تغيير قواعد ملكية الأراضي، والحكم باستخدام نخب متعاونة من أعيان المدن التقليديين.
يستخدم المؤلف أمثلة مفصلة لتقييم هذه الاستراتيجيات، موضحاً فشل معظمها؛ فمحاولة تفتيت الملكية المشاعية اصطدمت بنفوذ كبار الملاك، كما أن اعتماد الحكم غير المباشر على الأعيان المحليين حافظ على قوتهم بدلاً من تدميرها. أما على الصعيد الاقتصادي، فيؤكد الفصل أن فترة الانتداب كانت كارثة اقتصادية وفقاً للمؤرخين، حيث أدى فصل سورية عن محيطها الطبيعي (بـسلخ لواء الإسكندرون وضمه لتركيا عام 1939) وتدفق البضائع الفرنسية إلى تراجع الصناعة المحلية و"تدنى نسبة العمالة السورية في القطاع الصناعي في ثلاثينيات القرن العشرين عما كانت عليه في ظل الحكم التركي".
في الجزء المخصص للثورات الشعبية الأولى (1920-1924)، يفصل الفصل في مقاومة الشيخ صالح العلي في جبال العلويين وإبراهيم هنانو في ريف حلب، مبيناً كيف استمرت هذه الثورات بفضل دعم القوميين الأتراك بقيادة مصطفى كمال، لكنها انهارت بعد التوصل إلى اتفاقية فرانكلين-بويون في آذار 1921 التي قطعت الدعم التركي. أما في المدن، فيركز الفصل على دمشق، ويصور ظهور "جمعية القبضة الحديدية" بقيادة عبد الرحمن الشهبندر، والتي نظمت أول إضراب شامل في نيسان 1922 تبعاً لزيارة تشارلز كرين، مذكراً بالدور المحفز الذي لعبه كرين والجمعية في تأجيج المشاعر المعادية للفرنسيين، رغم أن اعتقال الشهبندر بشيك قيمته ألف دولار أثار موجة احتجاجات عنيفة استمرت ثلاثة أسابيع.
ويشير الفصل إلى أن "جمعية القبضة الحديدية" ورغم قمعها، وضعت أسس الحركة الوطنية المنظمة، ونجحت في إنشاء فروع في حمص وحماة وحلب. كما يبين تطور المقاومة في الشمال وصولاً إلى تأسيس الاتحاد السوري عام 1923، والذي سرعان ما انهار بسبب سياسة فرنسا في سنجق الإسكندرون، مما دفع البورجوازية الحلبية إلى صفوف المعارضة.
يقرّ المؤلف بحدود هذا السرد التاريخي، إذ أن الفصل لا يغطي الفترة الممتدة من نهاية 1924 حتى الجلاء النهائي عام 1946، مكتفياً بعرض الأسس التي وضعت في السنوات الأولى للانتداب، ويترك للقارئ تصور كيف تطورت هذه الأسس نحو الثورة السورية الكبرى (1925-1927) وما بعدها. إن كانت في الفصل حجج قابلة للنقاش، فهي تنطلق من النص نفسه عند ربط أسباب إخفاق المشروع الوطني السوري المبكر بعوامل بنيوية كالصراع بين النخب والتبعية الاقتصادية، وهي أسباب تطرح إشكاليات لا تزال صالحة للتأمل حول استمرارية التحديات التي تواجه الدول الناشئة.
3.العهد الاستقلالي.. بين انتدابين (1946 - 1963)185–238▼ ملخص
يُشكّل الفصل قراءة تحليلية للمرحلة التأسيسية في تاريخ سورية الحديث، الممتدة بين استقلالها الناجز عام 1946 وانفصالها عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1963. يتمحور الموضوع حول الإجابة عن سؤال مركزي: كيف انتقلت سورية من دولة وليدة تحاول بناء مؤسساتها الوطنية والديمقراطية، إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية والانقلابات العسكرية، مما أدى إلى إجهاض تجربتها الديمقراطية وتمهيد الطريق لحكم استبدادي طويل الأمد. يرى المؤلف أن جذور هذه الإشكالية تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، وتحديداً في التركيبة الطائفية والمناطقية التي أسس لها الفرنسيون في الجيش، وفي غياب أحزاب سياسية ذات برامج اجتماعية-اقتصادية واضحة، وفي الرفض العميق للهوية الوطنية السورية من قبل النخب الإيديولوجية الصاعدة.
يسير الفصل خطوة خطوة عبر عدة محاور مترابطة. يبدأ بتحليل التركيبة الاجتماعية للجيش السوري بعد الاستقلال، مركزاً على إرث القوات الخاصة التي شكلها الفرنسيون. يوضح كيف أن أبناء الطبقتين البيروقراطية والوسطى في المدن احتقروا الخدمة العسكرية، بينما انجذب إليها أبناء الأقليات والطبقات الفقيرة، خاصة العلويين، الباحثين عن فرصة عمل ومهنة واعدة. هذا الإرث جعل الجيش ساحة لصراعات طائفية وإثنية لاحقة. يذكر المؤلف أن عدد المنتسبين للقوات الخاصة ارتفع إلى 15,000 عام 1936، وكان الهدف الفرنسي منها قمع التحركات الوطنية. بعد الجلاء، وبضغط من أكرم الحوراني، تم الإبقاء على هذه القوات كنواة للجيش الوطني، مع فتح باب الكلية العسكرية في حمص أمام جميع السوريين دون تمييز، مما أدى إلى تدفق أبناء الأقليات إليها. يورد الفصل اقتباساً من كمال ديب يصف هذا الأمر بأنه "غلطة تاريخية" ارتكبتها العائلات السنية المدينية بتعاليهم عن الخدمة العسكرية، مما مكن "أعداءهم الطبقيين" من السيطرة على الجيش لاحقاً.
ينتقل الفصل بعد ذلك لرسم خريطة الأحزاب السياسية التي ظهرت بعد حل الكتلة الوطنية فور الاستقلال. ظهر حزبان تقليديان هما الحزب الوطني في دمشق وحزب الشعب في حلب، عكسان انقساماً مناطقياً واقتصادياً، ولم يطرحا أي برنامج عقائدي، مكتفيين بدعم التجار والصناعيين والملاك في الأرياف. في مقابل ذلك، برزت أحزاب إيديولوجية راديكالية تعبر عن صعود الطبقة الوسطى، وأبرزها حزب البعث الذي ورث أفكار عصبة العمل القومي، والحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش، والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه أنطون سعادة، والإخوان المسلمون. يشير المؤلف إلى مفارقة حادة في هذه الأحزاب الأربعة: فهي رغم خطابها الثوري الموجّه للعمال والفلاحين، إلا أنها جميعاً، باستثناء الإخوان، اشتركت في احتقار الهوية الوطنية السورية ووصفها بـ"القطرية" و"الانفصالية"، مما جعلها عاجزة عن بناء هوية وطنية جامعة، بل وساهمت في تمزيق المجتمع. هذه الأحزاب، في التحليل النهائي للمؤلف، استخدمت الإيديولوجيا كواجهة للوصول إلى السلطة، وليس كغاية حقيقية، وهذه كانت "المفارقة التاريخية والوطنية المفجعة" التي وسمت تاريخ سورية.
يتناول القسم الثالث من الفصل القضية الفلسطينية كعامل حاسم في تشكيل السياسة السورية. يستعرض ألبرت حوراني البدايات الأولى للصراع، مشيراً إلى أن الحركة الصهيونية والفكر القومي العربي نشآ في وقت متزامن تقريباً، وتصادما على أرض فلسطين بعد وعد بلفور ومراسلات الحسين-ماكماهون. بعد قرار التقسيم في تشرين الأول 1947، خرجت تظاهرات حاشدة في سورية، وشُكل "جيش الإنقاذ" بمتطوعين سوريين. ويبرز الفصل التناقض الصارخ بين أعداد المقاتلين: الجيوش العربية المرسلة لم تتجاوز 15,000 مقاتل، بينما كان الجيش اليهودي المدرب والمتسلح يضم 70,000 جندي. كان تأثير نكبة 1948 صاعقاً في سورية، حيث استغلها القوميون الراديكاليون والجيش، الذي أراد التغطية على خسارته، للهجوم على الحكم الوطني القائم وتبرير الانقلابات العسكرية اللاحقة.
يخصص الفصل مساحة واسعة لتحليل الاقتصاد السوري بعد الاستقلال، والذي تمتع بنظام ديمقراطي واقتصاد حر نسبياً. تم تعديل النظام الانتخابي عام 1947 ليصبح مباشراً، وصدر دستور جديد عام 1950 خلا من ذكر "الإسلام دين الدولة". شهد الاقتصاد نمواً ملحوظاً في الزراعة والصناعة بفضل عدة عوامل: إنفاق جيوش الحلفاء أثناء الحرب، ومكننة الزراعة (وكانت سورية أول بلد عربي يفعل ذلك)، وارتفاع أسعار القطن إبان الحرب الكورية، مما أدى إلى توسع زراعي كبير في منطقة الجزيرة وزيادة سكانها بنسبة 90% بين 1949 و1953. كما تطورت صناعة النسيج في البداية بفضل الحماية الجمركية والانفصال الجمركي عن لبنان عام 1950، وأصبحت تجارة الترانزيت مصدراً هاماً للدخل. صدر قانون العمل التقدمي رقم 279 في حزيران 1946، مما ضاعف عضوية النقابات العمالية ثلاث مرات. أدى هذا النمو الاقتصادي إلى صعود واضح للطبقة الوسطى، التي أصبحت عنواناً للمجتمع السوري المعاصر، لكن هذا التطور اصطدم بالضغوط الجيوسياسية والصراع على سورية بين محورين: المحور الهاشمي (العراق) المرتبط ببريطانيا، والمحور السعودي-المصري المرتبط بأميركا.
يصل الفصل إلى ذروته في سرد عهد الانقلابات العسكرية الذي بدأه حسني الزعيم في 30 آذار 1949، بتحريض من الفرنسيين والأميركيين، لإجبار البرلمان على التصديق على اتفاقية خط أنابيب النفط (التابلاين) واتفاقية الهدنة مع إسرائيل، التي قبل فيها الانسحاب من أراضٍ كانت سورية قد احتلتها. يعلق المؤلف نقلاً عن خالد العظم أن الزعيم كان "آلة صماء استعملها الأميركيون". لم يدم حكم الزعيم سوى أربعة أشهر، حيث أطاح به سامي الحناوي، الذي أطاح به بدوره أديب الشيشكلي في كانون الأول 1949، ليعيد سورية إلى المحور المصري. حكم الشيشكلي ديكتاتورياً حتى عام 1954، مما دفع ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني إلى الاندماج عام 1952 مشكلين حزب البعث العربي الاشتراكي لمواجهته. بعد إطاحة الشيشكلي، جرت انتخابات أيلول 1954 التي اعتُبرت الأكثر نزاهة، وأظهرت صعوداً للتيارات اليسارية والقومية وتراجعاً للحزبين التقليديين.
قادت الأحداث نحو الوحدة مع مصر. في نيسان 1955، اغتيل الضابط عدنان المالكي في حادثة اتُهم بها الحزب السوري القومي الاجتماعي وتم تصفيته، لكن التحقيقات اللاحقة أشارت إلى تورط المخابرات المصرية. لعبت هذه الحادثة دوراً في تمهيد الطريق للبعث. في شباط 1958، قام وفد عسكري سوري يضم 14 ضابطاً بزيارة سرية إلى القاهرة ودفع باتجاه وحدة اندماجية فورية مع جمال عبد الناصر، دون استشارة الحكومة السورية، مما أدى إلى ولادة الجمهورية العربية المتحدة. كانت الضحية الأولى هي الديمقراطية السورية، حيث حلّت الأحزاب، وسُجن الشيوعيون، وتم تطهير الجيش السوري من الضباط البعثيين، وفي عام 1959 تشكلت "اللجنة العسكرية الخماسية" السرية من خمسة ضباط صغار (محمد عمران، صلاح جديد، أحمد الأمير، حافظ الأسد، عبد الكريم الجندي)، والتي ستقود انقلاب 8 آذار 1963 فيما بعد.
يختتم الفصل بتحليل فترة الوحدة وأخطائها الاقتصادية الجسيمة. صدرت قوانين الإصلاح الزراعي في أيلول 1958 ولكنها طبقت بشكل خاطئ، وتبعتها مراسيم التأميم الكامل للمصارف وشركات التأمين والتأميم الجزئي لـ 24 مصنعاً في تموز 1961، دون الأخذ في الاعتبار أن معظم أصحاب هذه الشركات في سورية كانوا من أبناء البلاد وليسوا أجانب كما في مصر. أدى ذلك إلى تدمير الاقتصاد السوري، وتهريب رؤوس الأموال، وإفلاس الشركات، واستياء الطبقة العاملة نفسها. في 28 أيلول 1961، قاد عبد الكريم النحلاوي انقلاباً من ضباط لم تطهرهم تصفيات الوحدة، وأعلن الانفصال. رغم العودة إلى النظام البرلماني وإجراء انتخابات فاز فيها الحوراني وخالد العظم، إلا أن الفصل يختم مشيراً إلى أن فترة الانفصال كانت مجرد "فترة انتقالية وتمهيدية لبدء دكتاتورية العسكر تحت ستار إيديولوجية البعث"، والتي ما زالت مستمرة.
يقرّ المؤلف في أكثر من موضع بحدود تحليله، ويترك بعض الأسئلة مفتوحة، مثل غموض الدوافع الحقيقية لاغتيال عدنان المالكي، أو تناقض موقف عبد الناصر من الانفصال (قدرته على قمعه وتراجعه السهل ثم هجومه اللاحق). كما يعترف بصعوبة الفصل بين العوامل الداخلية والضغوط الدولية والإقليمية في تفسير الأحداث، مع إشارته الدائمة إلى دور الحروب الباردة والمشاريع الغربية كحلف بغداد ومشروع أيزنهاور. وأخيراً، يمكن القول بأن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش، وهي أن الإخفاق في بناء دولة وطنية حديثة في سورية لم يكن نتيجة حتمية للظروف الموضوعية، بل كان نتاجاً لسلسلة من الخيارات السياسية والإيديولوجية التي اتخذتها النخب الحاكمة والناشئة، والتي فضلت المصالح الحزبية والفئوية والطائفية على بناء هوية وطنية جامعة ومؤسسات ديمقراطية مستقرة.
4.العصبية الدعوة_ المُلك حزب البعث نموذجاً لـ «الدعوة» (1963 - 2011)239–331▼ ملخص
ملخص الفصل: «العصبية الدعوة_المُلك حزب البعث نموذجاً لـ «الدعوة» (1963 - 2011)»
الموضوع المحوري هو تحليل مسار حزب البعث في سورية من خلال عدسة نموذج ابن خلدون الثلاثي (دعوة - عصبية - مُلك)، حيث يرى المؤلف أن الحزب تحول من حركة إيديولوجية ذات دعوة قومية إلى أداة للسيطرة العسكرية الطائفية، ثم إلى نظام حكم استبدادي يقوم على المحسوبية والفساد، مع تركيز خاص على دور الانقلابات العسكرية والصراعات الداخلية في تشكيل الدولة والمجتمع السوري.
بناء الفصل وتطور الحجج:
يبدأ الفصل بتحليل مرحلة اللجنة العسكرية التي سيطرت على الحزب بعد 8 آذار 1963، حيث تمكن العسكر من تهميش القيادة المدنية للحزب. يوضح المؤلف كيف استخدمت اللجنة العسكرية المزايدة على جمال عبد الناصر بالاشتراكية والثورية كغطاء لتعزيز سيطرتها، متبنية وثيقة المؤتمر التي اعتمدت الصراع الطبقي وتأميم المزارع الجماعية و«الديمقراطية الشعبية»، مع اعتبار البورجوازية حليفة للإمبريالية.
يسرد الفصل بالتفصيل مراحل الصراع على السلطة بين أعضاء اللجنة العسكرية الخماسية. يشير إلى تصنيف محمد حيدر لهذه المراحل ثلاث: مرحلة محمد عمران (من 8 آذار 1963 حتى 23 شباط 1966)، مرحلة صلاح جديد (من 23 شباط 1966 حتى 16 تشرين الثاني 1970)، ومرحلة حافظ الأسد (من 16 تشرين الثاني 1970 وما زالت مستمرة وقت كتابة الكتاب). يؤكد التصنيف أن الشخصيات الأخرى التي تعاقبت على الحكم كانت مجرد واجهات لهذه الشخصيات المحورية الثلاثة.
يقدم الفصل أحداثاً مفصلة عن المواجهات الطائفية، بدءاً من أحداث بانياس الطائفية حيث هتف بعثيون «البعثية علوية»، مروراً بـ أحداث حماة في نيسان 1964 التي قصفَت خلالها المدينة بالدبابات والمدفعية لأول مرة، وانتهاءً بإضرابات المدن الكبرى. يكشف المؤلف أن هذه الأحداث أظهرت الأمراض الطائفية في الجيش، مشيراً إلى أن العقيد الدرزي حمد عبيد هو من أمر بقصف حماة انتقاماً من قصف الشيشكلي لجبل الدروز سابقاً.
يتناول الفصل بالتفصيل الصراع بين محمد عمران وصلاح جديد، حيث كسر عمران قسم السرية وأفشى أسرار اللجنة العسكرية لـ ميشيل عفلق، مما أدى إلى اعتبار خطوته «خيانة» من قبل اللجنة، فنُقل سفيراً إلى مدريد. في المقابل، دعم حافظ الأسد صلاح جديد الذي رقاه إلى رتبة لواء وعينه آمراً لسلاح الجو.
يسجل الفصل سياسة التأميم الانتقامية التي اتبعت بعد سيطرة جديد، حيث صدرت مراسيم 2 كانون الثاني 1965 بتأميم معظم الشركات المساهمة وعشرات المؤسسات الصناعية والزراعية، تلتها مراسيم أخرى بعد ثلاثة أيام. يذكر المؤلف اعتراف أمين الحافظ لاحقاً لـ أكرم الحوراني بأن عمليات التأميم كانت تتم استناداً إلى دليل الهاتف. ويخلص إلى أن هذه السياسة وجهت «ضربة قاصمة للاقتصاد السوري» باستبدال البورجوازية السورية النشيطة بطبقة طفيلية تستغل السلطة.
يتناول الفصل قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلياهو كوهين، الذي دخل سورية عام 1962 بصفة مغترب سوري وتمكن من بناء شبكة علاقات مع الطبقة الحاكمة. يشير المؤلف إلى الشكوك التي أثارتها القضية، ويعبر عنها الشاعر سليمان العيسى (شاعر البعث) بقصيدة تتضمن الكثير من الترميز والتشكيك.
يسجل الفصل تفاصيل حركة 23 شباط 1966 التي أطاحت بعمران وأمين الحافظ، ويطرح التساؤلات حول سهولة نجاحها. يجيب بأن دور حافظ الأسد كقائد لسلاح الطيران كان حاسماً، إذ كان أمين الحافظ يعتقد أن سلاح الطيران سيدعمه، لكن الأسد وقف مع الانقلابيين وهدد الوحدات المدرعة التي هرعت لنجدة الحافظ.
يقدم الفصل تحليلاً لمحاولة الانقلاب التي قادها سليم حاطوم مع ضباط دروز، والتي كشفت بالصدفة. يصف كيف تمكن صلاح جديد من العودة إلى دمشق بعد احتجاز وفد السلطة في السويداء، وأذيع بيان يهدد بتدمير السويداء بالصواريخ، مما اضطر حاطوم للهرب إلى الأردن. يعقب أكرم الحوراني في مذكراته بأن حاطوم كان قريباً من حافظ الأسد في مواجهة جديد، ولم يكن يتوقع أن يوجه إليه الأسد إنذاره بتدمير السويداء.
يسجل الفصل أن هذه التصفيات أدت إلى دخول سورية حرب 1967 بعدد ضئيل جداً من الضباط ذوي الرتب العالية وبدون كفاءات عسكرية قادرة. ويصف الفصل بالتفصيل مراحل الحرب، مشيراً إلى أن الجيش السوري لم يقم بأي هجوم أرضي حتى 9 حزيران، وأن إعلان الإذاعة السورية المبكر عن سقوط القنيطرة قبل احتلالها فعلياً دفع الجنود للفرار في فوضى تاركين أسلحتهم الثقيلة. ويذكر أن جدول زمني مهم: 140 ألف مواطن سوري كانوا يقطنون الجولان (مساحته 1860 كم²)، فر منهم 35 ألف أثناء القتال، وتهجر سكان القنيطرة البالغ عددهم 17 ألفاً، وغادر الجولان 90 ألفاً، ولم يبق سوى 8000 شخص (أي 9%، معظمهم من الدروز).
يتناول الفصل استمرار الصراع على السلطة بعد الهزيمة، وكيف استغل حافظ الأسد الوضع لتعزيز نفوذه. في شباط 1968، أزاح رئيس هيئة الأركان أحمد سويداني (سني من حوران) وعين بدلاً منه مصطفى طلاس، ثم أزاح عزت جديد عن قيادة اللواء السبعين المدرع. وصف الفصل كيف أن الأسد «أغلق» الجيش في وجه الحزب في خريف 1968، بادئاً بتأسيس تشكيلات عسكرية على أسس طائفية وقبلية.
يسجل الفصل بتفصيل كبير أحداث شباط 1969 التي بلغت ذروتها باستنفار عسكري مزيف رداً على غارات إسرائيلية، حيث أمر الأسد دباباته باحتلال نقاط استراتيجية في العاصمة وعزل رجال جديد من الصحف الرسمية والإذاعة. يصف الفصل نهاية عبد الكريم الجندي (رمز القمع في النظام) الذي قادته المواجهة مع الأسد إلى الانتحار في 2 آذار 1969، كما انتحرت زوجته بعد أسابيع، وقُتل سائقه برصاص من سيارة مسرعة.
يقدم الفصل تحليلاً للسياق الإقليمي والدولي، مشيراً إلى قمة غلاسبورو بين الرئيس الأميركي ليندون جونسون ورئيس الوزراء السوفييتي ألكسي كوسيغين في حزيران 1967، والتي يزعم المؤلف أنها تضمنت مقايضة بتخلّي السوفييت عن الشرق الأوسط مقابل تنازل أميركا عن فيتنام. ويرى الفصل أن هذا الاتفاق أعاد رسم وجه المنطقة، وأن الدور السوفييتي بعدها أصبح دور المكمّل للسياسات الأميركية.
يسجل الفصل تفاصيل حركة 16 تشرين الثاني 1970، ويشير إلى دور معمر القذافي الذي هبط فجأة في مطار دمشق وطالب بلقاء «زعيم سورية»، ثم أعلن دعم مصر وليبيا والسودان للأسد. يعلق المؤلف بأن فترة التردد كانت مستمرة منذ 25 شباط 1969، وأن وفاة عبد الناصر في أيلول 1970 خلقت فراغاً أفسح المجال للأسد.
يحلل الفصل ملامح سلطة النظام الجديد، ويصف إعادة تأسيس حزب البعث من الصفر بإصدار حكم إعدام على ميشيل عفلق وأمين الحافظ. يشير إلى توسيع قواعد الحزب بإدخال منتسبين جدد من خلفيات مناطقية وعشائرية وطائفية، حتى بلغ عدد أعضائه 65 ألفاً في أوائل السبعينيات ثم تضاعف إلى 374 ألفاً لاحقاً. يصف تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية في آذار 1972، ويدرج تفاصيل دقيقة عن مكوناتها، بما في ذلك ضمّ جناح من «الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي يرى المؤلف أن استحضاره كان إشارة إلى صعود البعد الطائفي والمناطقي.
يسجل الفصل أن دستور شباط 1973 في مادته الثامنة جعل حزب البعث «القائد في المجتمع والدولة»، ويمنح الرئيس صلاحيات لم تعهد سورية لها مثيلاً. يتناول الفصل عبادة الفرد التي بدأت في أيار 1971 بإشادة القيادة بالأسد كـ«قائد المسيرة»، وصولاً إلى 1985 حيث رفع المؤتمر القطري الثامن شعار «قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد».
يقدم الفصل تحليلاً لبناء هرم السلطة في عهد الأسد، موزعاً على أربعة مستويات: المستوى الأول بيد الأسد وحده (السياسة العامة والأمن والجيش)، المستوى الثاني (رؤساء الأجهزة الأمنية وقواد وحدات النخبة المتنافسة لمنع تشكل أي تهديد)، المستوى الثالث (قيادة الحزب كـ«مستشارين» فقط)، والمستوى الرابع (الوزراء والبيروقراطية مع هامش محدود للنقاش).
يتناول الفصل بالتفصيل الدور السوري في الحرب الأهلية اللبنانية، ويصف كيف حصل التدخل السوري على الضوء الأخضر الأميركي-الإسرائيلي بعد رسم «الخطوط الحمراء». يسجل الفصل أن التدخل بدأ ليل 31 أيار 1976 بإرسال عدة فيالق مدرعة، وأنه خلال شهر تمكن الجيش السوري من قطع خطوط إمداد قوى الحركة الوطنية الفلسطينية-اليسارية، ورفع الحصار عن زحلة، وقلب الموازين لصالح القوى المسيحية. يصف مجزرة مخيم تل الزعتر التي سقط فيها 30 ألف مدني محاصرين وثلاثة آلاف قتيل، معلقاً عليها إسحق رابين بقوله إن إسرائيل «لن تزعج الجيش السوري وهو يقتل إرهابيي عرفات».
يسجل الفصل الآثار الاقتصادية للوجود السوري في لبنان، حيث تحولت عمليات التهريب إلى مؤسسة قائمة بذاتها أشرف عليها كبار الضباط والمسؤولين. يصف ظهور فوارق طبقية حادة، حيث تركزت ثروة هائلة في يد أقلية من «البورجوازية الجديدة» التي سقطت قناع الاشتراكية، متخذة مساكن فخمة في حي المالكي غرب دمشق. في المقابل، كان الدخل الفردي لمعظم الموظفين يتضاءل تضاؤلاً حاداً.
يختم الفصل بذكر الانتفاضة الكبرى التي واجهت النظام في الفترة 1979-1982 بقيادة الإخوان المسلمين وآخرين، والتي تعامل معها النظام بعنفه المعهود، من مجزرة سجن تدمر وأحداث حلب 1980 إلى مجزرة حماة 1982 التي أرادها درساً. يشير إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي واجهه الجيش السوري بالتقهقر والانسحاب بناءً على خطوط حددها اللواء أمير دروري، ثم الخروج الكامل لمنظمة التحرير الفلسطينية. يصف عودة القوات السورية إلى لبنان عام 1987، ومواجهة العماد ميشيل عون، وانتهاء الأمر بالهجوم السوري الكاسح على بيروت الشرقية في 13 تشرين الأول 1990 بعد أن منحت سورية تفويضاً بالوصاية على لبنان مقابل مشاركتها في تحالف طرد العراق من الكويت.
الأسئلة المفتوحة والتحفظات: يطرح الفصل عدة تساؤلات مفتوحة، خاصة عن سهولة نجاح انقلاب 23 شباط وعن ملابسات قضية إيلياهو كوهين التي بقيت «مثار العديد من التساؤلات والشكوك». يشير المؤلف إلى أن أسباب تردد الأسد بين شباط 1969 وتشرين الثاني 1970 تبقى سؤالاً جديداً «لن يقدر التاريخ على تقديم أجوبة شافية عنه ما دامت مفاعيل تلك الأحداث قائمة». يلمح المؤلف إلى شكوك حول «انتحار» عبد الكريم الجندي، نقلاً عن مذكرات الحوراني التي تتضارب فيها الأقوال حول انتحاره أو اغتياله. كما يذكر علاقة حاطوم بحافظ الأسد والتي لم يكشف عنها البيان الرسمي.
حجج قابلة للنقاش: الفصل بأكمله مبني على أطروحة مركزية هي تطبيق نموذج ابن خلدون على تاريخ البعث السوري، وهي أطروحة قابلة للنقاش. كما يقدم تفسيراً للسياسة السورية في لبنان والدور السوفييتي بناءً على فرضية «المقايضة» في غلاسبورو التي تبقى مثيرة للجدل. كذلك فإن تحليل الفصل للطائفية كعامل حاسم في تشكيل النظام السوري، وتأكيده على الطابع «الانتقامي» و«الثأري» لقوانين التأميم، يمثلان حججاً قوية يمكن مناقشتها من زوايا أخرى.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص