المورد
تقرير المسألة الطائفية في سوريا - اليوم التالي

تقرير المسألة الطائفية في سوريا - اليوم التالي

ar

يستعرض هذا التقرير، الصادر عن جهة بحثية، المسألة الطائفية في سوريا ليس كإشكالية متأصلة في المجتمع، بل كمشكلة سياسية بالدرجة الأولى، نتجت عن عقود من الاستبداد وتفاقمت بفعل الثورة السورية في عام 2011 وما تلاها من حرب. الموقف المحوري للكتاب هو أن السوريين، رغم وعيهم العميق بخطورة الاستقطاب الطائفي، لا يرون في تعددهم الديني مشكلة بحد ذاتها، بل ينظرون إليه كأمر إيجابي. ويدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاحات تجميلية، بل يتطلب تغييرات جذرية في بنية السلطة التي كانت المصدر الأساسي للتمييز، والانتقال إلى دولة المواطنة كحل وحيد قادر على لم شمل المجتمع.

تسير حجة الكتاب من التشخيص إلى الحلول، عبر تحليل بيانات كمية ونوعية مستقاة من استبيان واسع النطاق. يبدأ التقرير بتأكيد أن الاستبداد أثر سلباً على النسيج الاجتماعي، ثم انتقل إلى تبيان كيف خلقت الثورة والحرب استقطاباً حاداً وانعدام ثقة كبيراً بين الطوائف، خصوصاً بين السنة من جهة والعلويين والشيعة من جهة أخرى. وتبرز قوة الحجة في استخدامه لجداول رقمية، مثل الجدول رقم 8 والجدول رقم 9، اللذين يوضحان كيف تنظر كل طائفة إلى علاقة الطوائف الأخرى بالسلطة. فبينما يكاد السنة يجمعون على أن العلويين والشيعة موالون للنظام، نجد أن العلويين والشيعة أنفسهم يرون السنة معارضين، مما يرسم صورة واضحة عن انقسام التصورات وتطابقها مع خطوط الصراع السياسي.

لا يقتصر التقرير على رصد الاتجاهات العامة، بل يغوص في التفاصيل المثيرة للقلق والأمل معاً. ففي الجدول رقم 10 حول تفضيل شكل الحكم، يظهر أن 65.3% من المستجيبين يريدون دولة المواطنة، وهو رقم يعبر عن رغبة جامحة في تجاوز المحاصصة الطائفية. لكن بالمقابل، توجد نسب متفاوتة تؤيد المحاصصة أو التقسيم أو الحكم الإسلامي، مع اختلافات واضحة بين الطوائف والمناطق. ومن أكثر الشهادات لفتاً للانتباه تلك المتعلقة بتحليل آراء من يريدون حكماً إسلامياً، حيث قال حوالي نصفهم إنه يجب على الأقليات دفع الجزية أو اعتناق الإسلام، بينما انقسم النصف الآخر بين الرفض وعدم الإجابة. وتكتمل الصورة المأساوية بسؤالهم عن مجزرة قلب لوزة التي راح ضحيتها العديد من الدروز في إدلب، حيث أن 61.5% منهم سمعوا بها، وقال 70.5% ممن سمعوا إنه يجب محاكمة المسؤولين. هذا التناقض الداخلي بين التطرف ومبدأ المحاسبة لدى الفئة ذاتها يظهر عمق الأزمة ووجود بصيص أمل في الوقت نفسه.

في خاتمة التقرير وتوصياته، يقر المؤلف صراحة بحدود البحث، وأهمها عدم شمول الدراسة للاجئين السوريين في كل البلدان المجاورة، مع الإشارة إلى أن نتائج عينة اللاجئين في مخيمات تركيا تثير مسألة التبعات الخطيرة للممارسات الوحشية التي تعرضوا لها. ورغم هذه الحدود، يترك التقرير أسئلة مفتوحة، داعياً إلى إجراء دراسات نوعية للإجابة على استفسارات لم يجب عنها المسح، وإجراء مسوحات دورية لرصد التغيرات في اتجاهات السوريين، وفهم تأثير السياسات السابقة والحالية والإقليمية والدولية التي يبدو أن دورها ساهم في تفاقم المشكلة.

إن الجانب الأكثر إيجابية في التقرير، والذي يشكل محور توصياته، هو التأييد شبه الإجماعي من جميع الطوائف للإجراءات العملية المقترحة لتجاوز المشكلة الطائفية. هذه الإجراءات، التي حظيت بنسب تأييد عالية جداً مع معارضة قليلة تتركز لدى فئات محددة، تتضمن: حل أجهزة المخابرات (حيث يصل التأييد إلى 99.1% من السنة و 70.5% من العلويين)، حل كافة الجماعات المسلحة وإعادة بناء الجيش على أسس وطنية، إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية على مبدأ تكافؤ الفرص، إدراج التربية على المواطنة في المناهج الدراسية، حظر الجهات التي تحرض طائفياً، وإعداد الخطباء في المساجد لنشر خطاب متسامح.

يمكن القول إن التقرير يقدم تشخيصاً دقيقاً ومؤلماً للحالة الطائفية في سوريا، معتمداً على أدوات بحثية منهجية. يُظهر بوضوح كيف أن الاستقطاب السياسي قد تحول إلى تمزق اجتماعي، وأن ذاكرة العنف لا تزال حاضرة بقوة. لكن رسالته ليست يائسة تماماً؛ فالتأييد الواسع لخيار دولة المواطنة وللإجراءات الإصلاحية الجذرية يكشف عن وجود رغبة شعبية حقيقية لدى شريحة كبيرة لتجاوز الماضي الأليم. التقرير بذلك هو أداة لفهم التعقيدات، لكنه يظل مفتوحاً على سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل هذه الرغبة الواسعة إلى واقع سياسي ملموس وسط مشهد إقليمي ودولي معقد، واستمرار نفس بنية السلطة التي يعتبرها التقرير أصل المشكلة؟ في رأيي، تكمن قوة التقرير في جعل هذا السؤال هو الاستنتاج الطبيعي لكل من يقرؤه، محولاً إياه من مجرد وثيقة تحليلية إلى دعوة صامتة للتفكير في الحلول السياسية العادلة.