ثورة سوريا من يوم الغضب ليوم الحسم فواز حداد
الموضوع المحوري لكتاب "ثورة سوريا من يوم الغضب ليوم الحسم" للكاتب فواز حداد هو تفكيك الأيام الأولى للانتفاضة السورية التي انطلقت في منتصف آذار/مارس عام 2011، وتقديم قراءة تحليلية لتحولها من احتجاجات سلمية ومطالب بالإصلاح إلى ثورة شاملة ضد النظام. يدافع الكتاب عن فكرة أن الثورة لم تكن مجرد عدوى من ثورات تونس ومصر، بل كانت نتيجة حتمية لتراكم القهر والفساد والإهانة تحت حكم عائلي مستبد، وأن النظام بقيادة بشار الأسد هو من جعل الثورة حتمية باختياره الحل الأمني والقمعي الدموي رفضاً لأي تنازل حقيقي. يوضح الكاتب أن يوم 30 آذار/مارس، الذي ألقى فيه الأسد خطابه الشهير أمام مجلس الشعب، كان "يوم الحسم" الذي أنهى أي أمل في حل سلمي وأعلن الحرب على الشعب، محولاً الانتفاضة إلى ثورة لا رجعة فيها.
يسير الكتاب في حجته وفق تسلسل زمني ومنطقي مرتبط بتطور الأحداث. يبدأ بوصف "يوم الغضب" في 15 آذار/مارس، حيث كانت التظاهرة في دمشق صغيرة ومحدودة التأثير، ويكشف عن هشاشة التنظيم وعدم وجود قيادة معارضة موحدة. ثم ينتقل إلى حادثة "الحريقة" التي سبقت هذا التاريخ بيومين، والتي يصفها الكاتب بأنها كشفت عن احتقان شعبي عفوي ومزاج متحفّر للاحتجاج، لكنه كان يفتقر إلى الحوافز طويلة الأمد. بعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى الحدث الجوهري الذي غيّر مسار كل شيء: شرارة درعا. يخصص الكتاب مساحة كبيرة لتفصيل ما حدث في درعا، معتبراً أنها البوتقة الحقيقية التي تشكلت فيها الثورة. يشرح كيف أن اعتقال أطفال كتبوا شعارات على الجدران، وتعذيبهم باقتلاع أظفارهم، والرد المهين من مسؤول الأمن السياسي الذي قال لأهاليهم "انسوا أولادكم"، كل ذلك كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وأطلقت احتجاجات عنيفة ومستمرة.
يواصل الكتاب سرد حجة النظام المزدوجة في التعامل مع الأزمة: من جهة، الإيحاء بتقديم تنازلات وإرسال وفود للتفاوض وإطلاق وعود إصلاحية (مثل وعود بثينة شعبان)، ومن جهة أخرى، القمع الدموي الفوري بإطلاق الرصاص الحي واقتحام المساجد. يوضح الكاتب أن النظام، بحسب مصادر الكتاب، لم يكن لديه أدنى نية لتقديم تنازلات جدية، لأن ذلك كان سيهدد بنية السلطة نفسها، فاعتمد على الأجهزة الأمنية التي لا تعرف لغة الحوار ولا تملك إلا لغة العنف. ذروة هذه الحجة تأتي في فصل "خطاب الرئيس: الكارثة التي لا عودة عنها"، حيث يصف الكاتب كيف أن الخطاب الذي كان منتظراً ليكون إعلان إصلاحات تاريخية تحول إلى خطاب كشف المؤامرة واتهام المحتجين والتلويح بالحرب، ليخيب آمال الجميع، حتى الموالين الذين كانوا قد بشروا بالتسريبات بأن الرئيس سيقدم على خطوات جرئية.
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها في الكتاب، حادثة "الحريقة" العفوية التي شارك فيها أكثر من 500 شخص بعد مشاجرة بين شاب ورجال شرطة، وهتافهم "الشعب السوري ما بينذل". هناك أيضاً تفصيل دقيق لوقع الاعتقالات في درعا، حيث كان الأطفال لا يزيد عمر أكبرهم على 15 عاماً، وجاء رد الأمن على توسلات الأمهات بعبارة "انسوا أولادكم". وإحصاءات القتلى في "الأربعاء الدامي" (23 آذار/مارس)، حيث سقط عشرات القتلى في اقتحام المسجد العمري، وتجاوز عددهم 50 شخصاً وفقاً لمصادر. ومن الشهادات المروعة التي يوردها الكتاب، تفاصيل التعذيب في مراكز الأمن، بدءاً من انتزاع المعلومات إلى القتل، ثم ما بعد الموت من حرق أو سلخ الجثث أو إخفائها في حاويات القمامة. كما لا يمكن نسيان هتاف المتظاهرين لـ بثينة شعبان: "يا بثينة يا شعبان شعب سورية مش جوعان"، الذي يعكس السخرية من الوعود الإصلاحية.
يعترف الكاتب ببعض الحدود والتحفظات بشكل غير مباشر ضمن سياقه. فهو يقر بأن "يوم الغضب" كان محدوداً، ولم يحظ باستجابة شعبية كاسحة في البداية، وأن المنظمين أنفسهم كانوا يتعلمون مع تقدم الأحداث. كما يقر بأن حسابات النظام الأولية كانت خاطئة، إذ توقع أن تبدأ الاحتجاجات من حلب، لكنها انطلقت من الجنوب (درعا)، مما أربك خططه. والكتاب لا يخفي أن الناشطين كانوا متأخرين في فهم زخم ثورة درعا، بل أن "الثورة كانت قد سبقتهم". بالإضافة إلى ذلك، يطرح الكتاب سؤالاً مفتوحاً حول التناقض بين وعود فاروق الشرع وبثينة شعبان قبل الخطاب وبين مضمون الخطاب نفسه، تاركاً للتفسير احتمالات وجود تيارات داخل النظام أو تأثير جهات خارجية (مثل إيران وروسيا) في تغيير القرارات في اللحظات الأخيرة.
على الرغم من أن الكتاب يقدم سرداً تحليلياً مقنعاً ومتماسكاً، إلا أنه يحتوي على حجج قابلة للنقاش. أولها، تحميل النظام وحده المسؤولية الكاملة عن تحويل الاحتجاجات إلى ثورة، مع إغفال نسبي لدور بعض الجهات المسلحة التي ظهرت لاحقاً في إطالة أمد الصراع وجعله أكثر دموية، على الرغم من ذكر الكاتب للعبارات التي اتهم بها النظام المحتجين بـ"العصابات الإرهابية". ثانياً، يعتمد الكتاب بشكل كبير على شهادات الناشطين والملخصات المقدمة، وقد تكون بعض التحليلات، مثل فكرة أن الأسد كان يخطط عمداً للحرب منذ البداية، قابلة للنقاش لو تم أخذ سياقات أخرى في الاعتبار. وأخيراً، قد يرى بعض القراء أن الكتاب يركز على الجانب السردي للأحداث اليومية بشكل مفصل، مما قد يطغى أحياناً على تقديم تحليل أوسع للبنية الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت هذه الثورة. ومع ذلك، يبقى الكتاب وثيقة مهمة لفهم اللحظات الأولى الحاسمة التي شكلت مسار الثورة السورية، ويكشف عن المفارقة المأساوية بين آمال شعب كان يريد الإصلاح وتعنت نظام لم يكن ليقبل بأقل من السحق.