Almawred
عربي

جبهة النصرة سلطان الله على الأرض - صبر درويش

arمركز دراسات الجمهورية الديمقراطية

ملخص كتاب "جبهة النصرة سلطان الله على الأرض" للباحث صبر درويش

يتناول هذا الكتاب جبهة النصرة السورية بوصفها أحد أقوى التشكيلات العسكرية التي برزت في سياق الثورة السورية التي انطلقت في آذار 2011. يدافع المؤلف عن رؤية تحليلية تنطلق من فكرة مفادها أن النصرة لم تكن وليدة اللحظة أو نتاج الثورة وحدها، بل هي نتاج تراكم تاريخي ونظري وتنظيمي يعود إلى تنظيم القاعدة العالمي وفرعه في العراق. يرى الكتاب أن النصرة، وبالرغم من التمويه الأولي حول أهدافها، كانت تحمل منذ البداية مشروعاً واضحاً لتأسيس إمارة إسلامية على أرض الشام، انطلاقاً من أيديولوجية سلفية جهادية لا تقبل التعددية السياسية أو الديمقراطية.

تتتبع حجة الكتاب بشكل متسلسل ومنطقي مسار تكون الجبهة وتطورها. يبدأ الباحث من سياق التكوين، موضحاً أن جبهة النصرة خرجت من عباءة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بقيادة أبي بكر البغدادي، الذي كلف أبا محمد الجولاني بتشكيل خلايا في سوريا عام 2011. يشرح الكتاب كيف كانت العلاقة بين التنظيمين امتداداً قبل أن تتحول إلى صراع عنيف، ويروي كيفية إعلان البغدادي في نيسان 2013 عن ضم النصرة إلى دولته، وكيف رد الجولاني برفض القرار ومبايعة الدكتور أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، معلناً بذلك أن النصرة هي الفرع الرسمي للقاعدة في سوريا.

ثم ينتقل الكتاب إلى عرض شخصيات القيادة في النصرة، ويكشف عن خلفياتها المتنوعة. يستعرض أبا محمد الجولاني، الغامض والبراغماتي، الذي لم يُعرف عنه سوى القليل، وتردد أن اسمه الحقيقي أسامة الحداوي من دير الزور. ثم يتناول شخصية أبي ماريا القحطاني، الشرعي العام السابق والقائد العسكري للمنطقة الشرقية، وهو عراقي من الموصل له دور بارز في الصراع مع تنظيم الدولة. ويلي ذلك الحديث عن أبي الليث التبوكي، السعودي الذي مثل قناة تواصل مهمة مع الخليج قبل أن يعزل ويطرد من التنظيم بتهم مخالفة السياسة العامة. كما يذكر الكتاب أنس حسن خطاب، الفلسطيني الأردني الذي يعد الرجل الثالث في التنظيم، وسنافي النصر، السعودي الشاب الذي قاد جبهة الساحل قبل مقتله. ويختتم هذا القسم بـ الدكتور سامي العريدي، الأردني الذي حل محل القحطاني كأول شرعي للتنظيم، وهو حاصل على الدكتوراه في الحديث، ويمثل المرجعية الفكرية للجبهة.

في المحور الثالث من الكتاب، ينتقل التحليل من "جبهة للنصرة" إلى "إمارة للسيطرة". يصف الباحث كيف بدأت النصرة خطابها معتدلاً، مظهرة نفسها كجزء من الثورة لا تسعى لفرض سلطتها، لكنها مع اشتداد الصراع وفي تموز 2014، أعلن الجولاني في خطاب احتفالي عن تأسيس "إمارة الشام الإسلامية". يكشف الكتاب أن هذا الإعلان جاء بعد عشرة أيام فقط من إعلان تنظيم الدولة الإسلامية "الخلافة" بزعامة البغدادي، مما يجعله ردة فعل استراتيجية لوقف التصدع في صفوف النصرة ومواجهة تفوق الدولة في الشرق. يؤكد الكاتب أن هذه اللحظة أماطت اللثام عن الهدف الحقيقي للجبهة وهو إقامة خلافة إسلامية على أرض الشام الكبرى، وعدم السماح لمشاريع علمانية أو ديمقراطية.

أما فيما يتعلق بمصادر التمويل، فيقدم الكتاب تفصيلاً دقيقاً. يبدأ بتأكيد أن التمويل الأولي جاء من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق ثم من تنظيم القاعدة الأم بعد المبايعة. ثم يعدد المصادر الذاتية كالغنائم الحربية من معارك مثل قاعدة الشيخ سليمان والفوج 46، والسيطرة على حقول النفط في دير الزور والحسكة، والاستيلاء على المرافق العامة وفرض الضرائب. يخصص الكتاب فقرة مهمة لعملية خطف 12 راهبة من دير معلولا، مشيراً إلى أن قطر دفعت 16 مليون دولار فدية للإفراج عنهن، كما توسطت لتحرير مواطن أمريكي و45 جندياً من قوة حفظ السلام الدولية. ويتناول أيضاً دور تبرعات مشايخ الخليج والمنظمات الخيرية الكويتية والقطرية، مع ذكر اسم الشيخ حجاج العجمي كأحد الممولين الرئيسيين. في النهاية، يطرح الكتاب تساؤلات حول المصادر الإقليمية، مشيراً إلى مؤشرات قوية تدعم دور قطر، أبرزها المقابلة الحصرية مع الجولاني على قناة الجزيرة، دون أن يقدم أدلة قطعية.

في القسم الثاني من الكتاب، يتعمق الباحث في البنية الفكرية والنظرية للجبهة. يوضح أن مرجعية النصرة العقائدية لا تختلف عن السلفية الجهادية العالمية، مستندة إلى الكتاب والسنة وأعمال سيد قطب (خاصة كتاب "معالم في الطريق") والشيخ عبد الله عزام. وبحسب العريدي، فإن النظام الديمقراطي يخالف الإسلام، فالحكم إما رباني أو جاهلي. يظهر الكتاب الطابع الطائفي الجذري في تحليل النصرة للصراع، باعتباره صراعاً بين أهل السنة والنصيريين (العلويين)، متبنية أفكار ابن تيمية التي تصف النصيريين بأنهم أكفر من اليهود والنصارى. ويترك مستقبل الأقليات ضبابياً في تصريحات الجولاني، حيث يكتفي بالقول أن لهم حقوقاً وعليهم "فروق" دون تحديدها، مما يترك الباب مفتوحاً لتطبيق الجزية أو نظام مواطنة من الدرجة الثانية.

أخيراً، يحلل الكتاب الهيكلية التنظيمية لجبهة النصرة، معتبراً أنها استلهمت بشكل كبير من تنظيرات أبي مصعب السوري، خاصة في كتابه "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية". يشرح الكاتب كيف طبقت النصرة نظرية العمل اللامركزي القائمة على "السرايا الصغيرة المفككة"، حيث ترتبط الأفراد بالتنظيم عبر ثلاثة روابط فقط: الاسم المشترك (جبهة النصرة)، والمنهج الشرعي، والهدف المشترك (مقاومة الأسد). يفسر هذا النموذج الغموض الكبير الذي أحاط بالتنظيم لفترة طويلة وصعوبة اختراقه. ويتكون الهيكل من ثلاث دوائر: على رأس الهرم الأمير والشرعي العام ومجلس الشورى المكون من 12 عضواً، ثم القواعد الميدانية التي تضم المجموعة (حتى 25 مقاتلاً)، والسرية (حتى 200 مقاتل) والكتيبة التي يقودها أمير الإقليم. كما يشرح شروط الانتساب الصارمة، خاصة للمقاتلين الأجانب، عبر منسقين معتمدين.

يقر المؤلف في النهاية بحدود واضحة، خاصة فيما يتعلق بمعلومات غير موثقة حول شخصية الجولاني الحقيقية، والتكهنات حول المصادر الإقليمية للتمويل، والغموض الذي يكتنف مستقبل الأقليات. تظل أسئلة مفتوحة حول كيفية معالجة النصرة للفقر وإعادة الإعمار وبناء دولة اقتصادية حديثة، فهي تفتقر إلى إجابات ملموسة، وتكتفي بالاستعانة بأشباح الماضي. من الحجج القابلة للنقاش التي يقدمها الكتاب، التركيز الكبير على دور قطر كممول رئيسي، وهو أمر مدعوم بمؤشرات قوية كوساطتها للإفراج عن المخطوفين وإجراء المقابلة الحصرية، لكنه يظل في إطار الاستنتاج التحليلي لا الدليل القاطع. كما أن تبرير تطور النصرة من كيان داعم للثورة إلى مشروع إمارة يطرح سؤالاً حول ما إذا كان هذا التطور نتيجة حتمية لأيديولوجيتها أم رد فعل على تهديدات تنظيم الدولة. يخلص الكتاب إلى أن جبهة النصرة هي التكثيف الملموس لتجربة تنظيم القاعدة، وهي أخطر تنظيمات التيار السلفي الجهادي في سوريا، لم تكتفِ بالقتال بل رسمت مستقبلاً للبلاد على مقاس أفكارها المتطرفة.