Almawred
عربي

حازم السيد - السلفية الريفية الصاعدة في سوريا

1 janvier 2013arمركز دراسات الجمهورية الديموقراطية

يبحث كتاب "السلفية الريفية الصاعدة في سوريا: حركة أحرار الشام الإسلامية نموذجاً" للمؤلف حازم السيد في ظاهرة تحولت إلى أحد المفاتيح الأساسية لفهم الصراع السوري: صعود تيار إسلامي سلفي ذي جذور ريفية، لم يعد مجرد تيار جهادي نخبوي، بل أصبح لاعباً مجتمعياً وعسكرياً وسياسياً يسعى لفرض مشروعه. يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن حركة أحرار الشام تمثل نموذجاً فريداً لهذا التيار، فهي لم تنبثق من عباءة تنظيم القاعدة أو فكر الجهاد العالمي الكلاسيكي، بل من تفاعل معقد بين عوامل داخلية (عسكرة الثورة السورية، إخفاق الدولة الوطنية، حاجة الإنسان المقهور إلى هوية وملاذ) وعوامل إقليمية ودولية (دعم قوى إقليمية للإسلاميين، تخلي الغرب عن العلمانيين). ويرى الكاتب أن هذه الحركة نجحت في احتكار صفة "معارضة الداخل" وأصبحت القوة المسيطرة على مساحات واسعة في سوريا، مما يفرض مراجعة جذرية لمفاهيم العلمانية والتنوير والدولة في سياق الربيع العربي الذي أظهر فشل النخب الطليعية.

يسير الكتاب في حجته من تحليل النشأة والامتداد الجغرافي والتمويل، مروراً بالاستراتيجية العسكرية والأيديولوجية، وصولاً إلى النشاط الأهلي والمدني والانتهاكات الحقوقية. يبدأ الكاتب بتأسيس الفكرة: هذه الحركة ليست وليدة الثورة وحدها، بل تشكلت نواتها من نخب دعوية سلفية كانت تنشط قبل الثورة في مجالي الدعوة والسجون (خصوصاً سجن صيدنايا)، حيث تمكنت من بناء شبكات علاقات قوية. أعلنت الحركة عن تشكيلها في أيار 2011، لكنها استمرت في إعداد خلاياها حتى الإعلان الرسمي عن تشكيل كتائبها في تموز 2011. وقد نشأت من اجتماع ما يقارب 30 كتيبة، ثم ازداد عددها ليقارب 90 كتيبة، بعد انضمام ألوية مهمة مثل لواء الإيمان ولواء الحق وحركة الفجر الإسلامية. هذا التوسع لم يؤدِ إلى الاندماج الكامل، بل تحول إلى شكل من أشكال الاتحاد عُرف بـ"الجبهة الإسلامية السورية"، التي باتت أكبر تشكيل عسكري معارض في سوريا، ضماً كتائب من اللاذقية ودير الزور وحلب وغيرها. تمددت الحركة جغرافياً انطلاقاً من معقلها في الشمال (إدلب وريفها كمعرة النعمان وسراقب وجسر الشغور) نحو ريف حلب وحماة ودير الزور والرقة وحمص واللاذقية ودرعا ودمشق، باستثناء محافظتي السويداء وطرطوس. يقدم الكاتب تقديراً لعدد مقاتليها بما لا يقل عن 10,000 مقاتل، وتشير بعض التقارير إلى أن العدد قد يصل إلى 18,000 مقاتل.

أما في باب التمويل، فيوضح الكتاب أن الحركة اعتمدت على ثلاثة مصادر: التمويل الذاتي (من أثرياء المجتمعات المحلية واغتنام الأسلحة والموارد العامة)، والتمويل عبر الشبكات الجهادية العربية والعالمية (بارزة كانت "الهيئة الشعبية الكويتية" بقيادة الشيخ حجاج العجمي)، والتمويل الإقليمي حيث كان لقطر وتركيا دور كبير في تقديم الدعم العسكري النوعي. وتشير الملخصات إلى أن الحركة حصلت على حصة الأسد في إحدى صفقات تمرير صواريخ الكونكورس وحشوات أر بي جي المخصصة للجبهة الإسلامية. كما سيطرت على معبري باب الهوى وتل أبيض الحدوديين مع تركيا، مما وفر لها مورداً مالياً ضخماً، إضافة إلى السيطرة على مقر البنك المركزي في الرقة الذي يُشاع أنه كان يحتوي على ما بين 4 و6 مليارات ليرة سورية. تمكنت الحركة أيضاً من استثمار الموارد الحكومية في المناطق الخاضعة لسيطرتها ودفع رواتب الموظفين، مما عزز شرعيتها الشعبية. ويشير الكاتب إلى أن الحركة تسعى للعودة إلى التمويل الذاتي لضمان استقلاليتها وتجنب "مكر التاريخ".

في الاستراتيجية العسكرية، تميزت أحرار الشام في بدايتها بالعمليات النوعية (زرع عبوات ناسفة، تفجير سيارات مفخخة) مستفيدة من خبرات أعضائها في أفغانستان والعراق، رغم نفيها الرسمي لاستخدام "استشهاديين" في هذه العمليات. سرعان ما تطورت قدراتها بفضل التمويل لتصبح قادرة على استخدام الدبابات والبيكا والمدفعية والصواريخ مثل الغراد وفاغوت وكونكورس، بل وغنمت طائرات هليكوبتر ومقاتلات تدريبية. لعبت دوراً محورياً في تحرير ريف إدلب وحلب وحماة، وكانت التشكيل الأكبر الذي قاد عملية تحرير الرقة. كما اشتركت في معارك المطارات (تفتناز، كوبرس، الضبعة، النيرب) وفي تحرير سجني إدلب وحلب ومعسكر الشبيبة. وتتميز الحركة بمرونة عالية في الانضمام إليها حيث لا تشترط التزاماً كاملاً، وتقوم بتأهيل المجندين في معسكرات تدريب. ورغم أنها حليف للجيش السوري الحر إعلامياً وعسكرياً، إلا أنها سعت لتشكيل كتل إسلامية مستقلة عن قيادته السياسية وتعليق مشاركتها في هيئة الأركان المشتركة. وفي علاقتها مع جبهة النصرة، فالعمل العسكري المشترك وثيق، مع خلاف سياسي واضح حول إعلان الدولة الإسلامية وبيعة الجولاني للظواهري، حيث أصدرت أحرار الشام بياناً اعتبرت فيه أن هذه الخطوة "تؤلم الوضع" وتبتعد عن أولوية إسقاط النظام التي "لا شيء بعد الإيمان أوجب منها ولا شيء يمكن أن يزاحمها من أشكال العمل أو تغيير الوضع".

تنتقل حجة الكتاب بعد ذلك إلى العمق الأيديولوجي للحركة. تعتمد الحركة سردية سنية تنظر للصراع على أنه بين "شعب ثائر من المساجد" ونظام "علوي نُصيري". ترفع راية "لا إله إلا الله" البيضاء بدل علم الاستقلال، وتتبنى خطاباً وسطياً لا يطالب بالخلافة بل بـ"حكم إسلامي راشد"، وتؤكد أنها "حركة إسلامية مجاهدة لا حركة جهادية"، متجنبةً مفردات العنف والشدة. الأهم أنها رفضت النزعة النخبوية لتنظيم القاعدة، مؤكدة أن المعركة تمر عبر "الثورة الشعبية لا جهاد النخبة"، مما يعكس استيعابها لدرس فشل العقلية الطليعية التي ظهرت مع الربيع العربي. في علاقتها مع الأقليات، ترفض التقسيم وتدعو للتعايش وفق "أحكام الشريعة الإسلامية" وترى أن الخلط بين الأديان مرفوض، وتقر بمظلومية الشعب الكردي وحقه في اللغة والثقافة والسياسة. وتبدو الحركة متقدمة إعلامياً حيث تدير مكتباً إعلامياً نشطاً على تويتر، وتحررت من أساليب القاعدة الدموية الإعلامية، مما جعلها أكثر قدرة على التواصل مع الرأي العام والمنظمات الدولية.

لكن الكاتب لا يخفي الانتقادات، فيشير إلى أن المرجعيات النظرية للحركة تظل مأزومة. إذ تعتمد على كلاسيكيات السلفية (ابن تيمية، ابن القيم، محمد بن عبد الوهاب) وتستند إلى تجارب جهادية سابقة (أفغانستان والعراق) التي شكل السوريون فيها ما يقارب 96% من مجاهدي العراق. كبار منظريها، مثل أبو بصير الطرطومي، يصفون النظام بـ"النصيري القرمطي"، مع غياب أي صلة تاريخية بين العلويين والقرامطة، ويدافعون عن مقولة "الجهاد ولا المذلة" مقابل "الموت ولا المذلة". ورغم معارضتهم للديمقراطية، إلا أنهم يرون إمكانية "استثمارها" لتمرير المشروع الإسلامي. هذا المزيج يجعل الحركة في حالة من التناقض بين خطابها المرن وأصولها الفكرية المتصلبة.

في النشاط الأهلي والمدني، تظهر الحركة كدولة ناشئة تدير شؤون الناس. أسست هيئات شرعية وتنموية وإغاثية، حيث قامت بتوزيع الحصص الإغاثية وتأهيل الأفران والطرق ومعالجة أزمات المياه، بل ودفعت رواتب الموظفين. تسعى إلى بناء "هيئة شرعيّة" قضائيّة مستقلة عن المحسوبيات، نموذجها هيئة سراقب الشرعية التي ضمت القضاة من أحرار الشام والنصرة، والتي اشتهرت بحادثة جلد رجلين لعدم مراعاة فترة العدة الشرعية. هنا يسلط الكاتب الضوء على خط أحمر: الشريعة تختزل غالباً في قانون عقوبات (جلد، قطع، جدع)، مما ينتج عنه انتهاكات حقوقية واضحة، رغم أن الحركة تظهر انضباطاً مقارنة بغيرها، إذ فصلت عناصرها لاعتدائهم على متظاهرين وأصدرت بيانات تبرئها من مجزرة المدمومة. ورغم ذلك، لا يمكن التغاضي عن أن هذا الفصل يأتي بعد وقوع الانتهاك وليس قبله، وأن مبدأ "حرية" المرأة هو "حقوق وواجبات" متبادلة لكن ضمن إطار الشريعة.

يختتم الكاتب بتحليل يقر فيه أن هذه الحركة تمثل تحدياً حقيقياً يتجاوز تسميات "سلفية جهادية" أو "سلفية حركية" أو حتى "إسلامية مجاهدة". فهي نتاج تداخل معقد بين عوامل عسكرة الصراع، دعم إقليمي وغربي انتقائي، إخفاق الدولة الوطنية، ودور الدين كملاذ في الأزمات. ويشير الكاتب إلى توقف الثورة السورية عند "سؤال الدولة" بدلاً من "سؤال الحرية"، حيث أن صعود هذه الحركات يفتح الباب أمام مراجعات جذرية للعلمانية والتنوير والوطن. ويختم المؤلف بتفاؤل حذر، لافتاً النظر إلى أن إعادة الإعمار وبروز نخب مدينية جديدة قد تشكل ديناميكية قادرة على مساءلة هذه الحركات وإجبارها على تذويب مرجعياتها الفكرية ومشروعها السياسي إذا ما تمكنت هذه النخب من إجراء مراجعاتها الخاصة. هذا الكتاب، إذاً، ليس مجرد وصف لظاهرة، بل هو استفهام في جوهر الصراع السوري ومستقبل معارضة الداخل، وضرورة نقدية لفهم المشهد بعيداً عن أفخاخ المقاربات الثقافوية العلمانوية والإستشراقية التي اختزلت الإسلام السياسي بكاريكاتور القاعدة الدموي.