
حركات العامة الدمشقية في القرنين ١٨ ١٩
يُشكّل كتاب «حركات العامة الدمشقية في القرنين ١٨ و١٩» عملاً تاريخياً يُعنى بدراسة تحرّكات الطبقات الشعبية في دمشق خلال العهد العثماني المتأخر، محاولاً فهم طبيعتها وأسبابها ونتائجها في سياق مجتمع إقطاعي شرقي متخلّف. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك الظاهرة الاحتجاجية عند العامة، والكشف عن جذورها في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمدينة، دافعاً بأطروحة رئيسية مفادها أن هذه التحركات لم تكن حركات واعية ذات أهداف سياسية أو اجتماعية واضحة تهدف إلى تغيير النظام، بل كانت انفجارات غريزية فوضوية، سرعان ما خبت جذوتها، واستوعبتها آليات السلطة، ولم تنجح في إحداث تحول جوهري في واقع العامة.
يسير الكتاب وفق تسلسل منطقي يحاول الإجابة عن سؤال مركزي: لماذا فشلت هذه التحركات في التحول إلى ثورات منظمة؟ يبدأ الفصل الأول (الحرف الدمشقية في كتاب القدسي) بتقديم إطار تاريخي واجتماعي شامل لدمشق في تلك الفترة، موضحاً طبيعة الحكم العثماني المتقلّب، حيث بلغ عدد ولاة دمشق من عام 1516م إلى 1914م قرابة 270 والياً، وافتقارهم للاستقرار، ودور اليهود (وخاصة أسرة فارحي) في جباية الأموال وابتزاز السكان، وهيكل السلطة المحلية الفاسد الذي شمل الإنكشارية الذين تحولوا من قوة دفاع إلى «آلة فساد وخراب». يشرح الفصل كيف أن النظام الإقطاعي العثماني أعاق تطور المدن ومنع ظهور ورشات رأسمالية مبكرة، وأبقى المجتمع راكداً تحت سيطرة قوى الإقطاع ورجال الدين وكبار الموظفين، رغم محاولات الإصلاح المتعثرة مثل «التنظيمات» التي بدأت بإعلان خط شريف كلخانة عام 1839م.
ينتقل الفصل الرابع إلى دراسة البنية التنظيمية للحرف الدمشقية بالتفصيل، معتمداً على مؤلف الياس بن عبده بك قدسي، فيصف الهرمية الصارمة التي تبدأ بـشيخ المشايخ (الذي كانت تحتكره عائلة العجلاني) وتنتهي بالأجير. يظهر الفصل التحول الجذري الذي أحدثته «التنظيمات الخيرية» في منتصف القرن التاسع عشر، حيث سلبت صلاحيات شيخ المشايخ الواسعة وحدّت من جبروته، وأصبح منصبه مقتصراً على التصديق على تنصيب شيخ حرفة بعد انتخابه، وهو ما لم يعد ضرورياً بعد أن لجأ كثير من مشايخ الحرف (وخاصة غير المسلمين) للحصول على الأمر من مجلس البلدية مباشرة. ثم يتناول الفصل التقسيم الطبقي داخل الحرفة (معلم، صانع، أجير) ومراسم الانتقال من أجير إلى صانع (شد الحرفة)، مختتماً بثلاث قصص صارخة تظهر دور السلطة في إعاقة الابتكار، حيث هدّد باشا العسكر حرفياً صنع بندقية من طراز هنري بالسجن إن هو صنع غيرها، وكافأ والٍ حرفياً صنع قارباً بخارياً بنقود أقل من كلفته، واكتفى والٍ آخر بكلمة «عفرين» لحرفي صنع كرة أرضية دقيقة. يرى المؤلف في هذه الأمثلة دليلاً واضحاً على طبيعة العلاقات الإقطاعية الشرقية التي عرقلت تطور الحرف.
يغوص الفصل الخاص بـ«نماذج من روحانيات العامة وفروسيتها» في الحالة الروحية للعامة، معتبرها مرآة للمجتمع الإقطاعي المتخلف. يبدأ بتحليل البيئة الفكرية السائدة، واصفاً حالة الجهل المتفشي رغم وجود سبع وثمانين مدرسة في دمشق وحلب، حيث حلّت الكتاتيب محلها وأشرف عليها مشايخ أقرب إلى الأمية. يبرز الفصل شخصيتي الشيخ طاهر الجزائري وعبد الرحمن الكواكبي كرائدَي تنوير، لكن تأثيرهما كان محدوداً في زمنهما. ثم يستعرض ستة نماذج لروحانيات العامة، من مراسم الأذكار الصوفية التي تضمنت طعن المشاركين بأنفسهم ولحس أسياخ حديد محماة، وخلوة الشيخ يوسف الشريف لاستحضار الجن، والأوراد التي تحمي قائلها من النائبات، والأساطير التي أحاطت بجبل قاسيون وربطته بقصة قابيل وهابيل، والحال الروحي في الأوساط المسيحية الذي لم يختلف كثيراً عن الأوساط المسلمة قبل منتصف القرن التاسع عشر. يختتم الفصل بقصة طير السمرمر التي كان يعتقد أنها تقضي على الجراد، ومحاولة إحضاره إلى حلب سنة 1547 ببطولات خاصة فاشلة، وقصة الشيخ رسلان (أرسلان الجعبري) كأحد أولياء دمشق بكراماته الخارقة، معتبراً إياها نماذج لروحانيات العامة التي تقدس الأولياء وتؤمن بالكرامات. يقر المؤلف بحدود هذا الفصل مؤكداً أنه ليس بحثاً شاملاً، بل مجرد نماذج لرسم صورة أوضح.
يحلل الفصل الخامس أهداف وأشكال ونتائج تحركات العامة، مستنداً إلى أدلة من يوميات مؤرخين محليين كـبريك الدمشقي والبديري الحلاق. يوضح الفصل أن هذه التحركات لم تكن موجهة ضد السلطة المركزية في إسطنبول، بل ضد ممثليها المباشرين (الولاة) وظلمهم، وأنها اتسمت بالعشوائية وعدم التنظيم والفردية. يصف الفصل الأشكال المتعددة للمقاومة، من المواجهات المسلحة (كما في أحداث سنة 1175هـ/1761م حيث انحازت العامة للإنكشارية المحلية) إلى المقاومة السلبية كإغلاق الدكاكين (سَكَرت البلد) عند فرض عملة مغشوشة، والشكوى للسلطان في العاصمة. ويخلص الفصل إلى نتيجتين مهمتين: الأولى أن تحركات العامة لم تكن موجهاً مباشرة ضد السلطة المركزية، والثانية أن الفترة خلت من أي حركات زندقة دينية، ويعزو المؤلف ذلك لكون التيار الصوفي كان مؤيداً لتحرك العامة، مما جعل الدين غطاءً للاحتجاج لا أداة للثأر.
يُفرد الفصل الخاص بـ«الحكومة الوطنية الشامية» مساحةً واسعة لـثورة أهل دمشق ضد الوالي محمد سليم باشا في عام 1811، والتي اندلعت رفضاً لضريبة جديدة تُعرف بـ«الصليان». يسرد الفصل بتسلسل درامي تفاصيل أشهر من الاقتتال، من إحراق السرايا وامتداد النيران إلى الأسواق، إلى حصار جامع المعلق وخان الدالاتية لمدة ستة أيام، ثم حصار القلعة لأربعين يوماً. يصف الفصل كيف أن الثوار لم يمتلكوا الوعي الطبقي الكافي، فكانت قيادتهم بيد أعيان وأغوات إنكشارية، وكان همهم الأكبر الحصول على استقلالية محلية وضمان مصالحهم. ورغم نجاحهم في إجبار الوالي على الاستسلام، إلا أنهم فشلوا في بناء نظام بديل، وعادت الفوضى والتعديات، خاصة ضد النصارى، رغم أن الصراع لم يكن دينياً بل طبقي كما يتضح من نجاة الصيارفة اليهود والنصارى لأنهم دعموا الثوار مادياً. يختتم الفصل بمقتل الوالي وأعوانه بعد خروجه في أمان، مما يظهر بوضوح غياب أي رؤية سياسية واضحة لدى الثوار.
يحلل الفصل التالي (موقع ثورة أيلول التاريخي) عواقب هذه الثورة، مؤكداً أنها لم تكن حركة تحررية وطنية أو اجتماعية، بل انتفاضة محدودة الأهداف سرعان ما خبت. يصف الفصل كيف أن الحكومة المحلية المؤلفة من أغوات اليرلية احتفظت بسلطتها بعد الثورة، وسعت لاستغلال مواقعها لاحتكار الحبوب، مما أدى إلى تفاقم أزمة الغلاء حيث ارتفع سعر رطل الخبز من أربعة وأربعين فضة إلى ستين فضة. يخلص الفصل إلى أن الثورة لم تحمل أي نزعة قومية نحو الاستقلال عن الحكم العثماني، إذ لم يكن مفهوم العروبة قد ظهر بعد، كما أنها لم تكن ثورة اجتماعية تسعى لتدمير النظام الإقطاعي، لأن القوى الاجتماعية (البورجوازية) لم تكن قد تكونت بعد، بل كانت ثورة ضد الظلم والتعسف فقط.
ينتقل الكتاب إلى تحليل «خمود تحركات العامة وأسبابه»، رابطاً هذا الخمود بعدة عوامل: هزيمة قادة العامة وإعدامهم على يد الحكم المصري، وتصدّع العلاقات الاقتصادية القديمة مع بداية ارتباط بلاد الشام بالسوق الرأسمالية العالمية، وظهور طبقة بورجوازية جديدة. يحلل الفصل بالتفصيل فتنة 1860 في دمشق، والتي يراها نتاج تظافر عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، وليست مجرد صراع ديني. يصف الفصل كيف أن الوالي أحمد عزت باشا استغل أحداث الصراع الطائفي في جبل لبنان لتهيئة الأجواء، وانتهت الفتنة بمقتل ما بين خمسة آلاف وستة آلاف شخص، وحرق ألفين وخمسمائة منزل، مما جعل خمس مسيحيي دمشق ضحايا. يخلص الفصل إلى أن الرابح الأكبر من الفتنة كان الدولة العثمانية الإقطاعية التي تخلّصت من قيادات الحركة الشعبية، والخاسر الأكبر كان الحركة الشعبية والطبقة البورجوازية الناشئة التي هاجر الكثيرون منها إلى بيروت.
يختتم الكتاب بفصل عن «أصناف العائلات الثرية وأدوارها»، محاولاً تصنيف النخب الدمشقية التي صعدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. يشرح كيف أن قانون الأراضي العثماني لعام 1858 فتح الباب أمام أثرياء المدينة لتسجيل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بأسمائهم، مما أدى إلى نزع ملكية الفلاحين الفقراء. يصنف الفصل هذه العائلات إلى: أسر مرتبطة بالمؤسسة الدينية (مثل العجلاني، الغزي، والحسيبي)، وأسر ذات جذور انكشارية أو شبه عسكرية (الأغوات) تمركزت في حي الميدان (مثل آل سكر، آل العابد، آل يوسف)، وأسر تجارية وصفت بأنها بذور البورجوازية الوطنية الناشئة (مثل آل القوتلي، آل مردم، آل الشمعة). يربط الفصل هذا التحليل بالإصلاح الزراعي في أيلول 1958، معتبراً أن هذه العائلات هي التي قبضت على ناصية الأمور في دولة الاستقلال قبل أن تقتلعها رياح التغيرات الاجتماعية في الستينات.
يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الكتاب هو: هل كانت هذه الحركات مجرد "زعرنة" و"فوضوية" كما وصفها بعض المؤرخين في الفصل الأول، أم أنها كانت تعبيراً مشروعاً عن وعي اجتماعي عميق، وإن كان غير منظم، بظلم النظام الإقطاعي؟ يبدو أن الكتاب يحاول التوفيق بين هاتين الرؤيتين، فيقر بعشوائية التحركات وعدم تنظيمها، لكنه في الوقت نفسه يظهر بوضوح أن هذه التحركات كانت تستهدف الطبقة المستثمرة بغض النظر عن دينهم، وأنها كانت تعبيراً عن حقد عام على الظلم والقهر. ربما يكون الجانب الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب هو تفسيره المادي للظاهرة الدينية، فرغم أن الفصل الخاص بالروحانيات يقر بوجود جوانب "خرافية" في معتقدات العامة، إلا أن ربط هذه الظواهر مباشرة بالتخلف الاقتصادي الاجتماعي هو تفسير قد لا يتفق معه الجميع، وقد يكون من الممكن النظر إلى هذه المعتقدات من زاوية ثقافية أو أنثروبولوجية أوسع. رغم هذه التحفظات، ينجح الكتاب في تقديم صورة معقدة وثرية لمجتمع دمشقي ليس طرفاً سلبياً في التاريخ، بل فاعلاً بحضور واضح، وإن كان محدوداً بفعل بنية المجتمع الإقطاعي وتخلف قواه المنتجة.
Chapitres(9)
1.العوامل الرئيسية المؤثرة في الحياة الفكرية39–64▼ résumé
يُشكّل الفصل الرابع من كتاب «حركات العامة الدمشقية في القرنين ١٨ و١٩» دراسة تفصيلية للبنية التنظيمية والاجتماعية للحرف الدمشقية، معتمداً بشكل أساسي على مؤلَّف الياس بن عبده بك قدسي «نبذة تاريخية عن الحرف الدمشقية» الذي قُدِّم للمؤتمر السادس للمستشرقين عام ١٨٨١. يُقدّم الفصل وصفاً دقيقاً لهرمية الحرف، بدءاً من رأس الهرم، وهو شيخ المشايخ، وصولاً إلى قاعدته المتمثّلة في الأجير. الرسالة المحورية للفصل هي أن هذه البنية لم تكن جامدة، بل شهدت تحوّلات جذرية بفعل التدخلات الحكومية، ممثلة في «التنظيمات الخيرية» في منتصف القرن التاسع عشر، والتي أدّت إلى تآكل سلطات شيخ المشايخ وتراجع دور التقاليد الموروثة لصالح القوانين الرسمية للدولة.
يسير الفصل وفق تسلسل هرمي واضح، مبتدئاً بأعلى سلطة. يصف المؤلف شخصية شيخ المشايخ في زمن قدسي، وهو السيد الشيخ أحمد أفندي منجك أرشد بن عجلان، من أشراف دمشق ومن السلالة البوية الحسينية. يوضح الفصل أن عائلة العجلاني كانت تحتكر هذا المنصب، إلى جانب نقابة الأشراف ومشيخة الطرق، وكانت تنتقل وراثياً للأكبر سناً. يُذكر أن الشيخ أحمد تنازع على المنصب مع أخيه عطا أفندي، مما اضطره للسفر إلى إسطنبول والحصول على فرمان سلطاني (بعد دفع رشوة كبيرة). كان شيخ المشايخ يتمتع بسلطات مطلقة تقريباً؛ فهو يأمر وينهى، ويفصل في المسائل الهامة، ويجوس في أمور الحرف، وكان بإمكانه إلقاء أي شيخ أو صانع في السجن وتقييده وضربه، ولا يعزله من منصبه إلا الموت أو الاستقالة.
لكن الفصل يبيّن التحول الحاسم الذي أحدثته التنظيمات الخيرية، حيث سلبت صلاحيات شيخ المشايخ الواسعة وحدّت من جبروته. تقلّصت سلطته بشكل كبير، وأصبح منصبه مقتصراً على التصديق على تنصيب شيخ حرفة بعد انتخابه من قبل معلميها. والأهم أن هذا التصديق لم يعد ضرورياً، إذ أن كثيراً من مشايخ الحرف، وخاصة غير المسلمين، تخلوا عنه وسعوا للحصول على الأمر (البيولوردي) وختم المشيخة من مجلس البلدية، ليتخلصوا من دفع الرسوم وأداء يمين الصداقة ذي المحتوى الإسلامي. بالمقابل، كان المتدينون من مشايخ الحرف، وهم الكثرة الغالبة، يحرصون على الحصول على تصديق شيخ المشايخ اعتقاداً منهم بأنه «سليل النبي وببركاته تجلب الخيرات وتدفع المضرات». هذا التغير قلّل أيضاً من أهمية منصب النقيب، الذي كان بمثابة سكرتير خاص لشيخ المشايخ، لكنه لم يعد يشغل تلك الأهمية بعد تقلص سلطات سيده.
ينتقل الفصل إلى وصف إدارة الحرفة على المستوى الأدنى. لكل حرفة شيخ ينتخبه معلمو الكار، وإذا اختلفوا يُعيّن شيخ المشايخ أحد المرشحين. كان التصديق على الانتخاب من قبل شيخ المشايخ واجباً، ويتم عبر مراسم تتضمن تلاوة آيات قرآنية ونصائح، ثم تسليم «العهد» لشيخ الحرفة الجديد. لكن بعد التنظيمات، لم تعد هذه الموافقة شرطية. يظل الشيخ شيخاً طول حياته ما لم يوجد سبب لاستبداله، وكانت له حقوق وواجبات كدعوة مجلس الحرفة للانعقاد، والإشراف على النظام، والتصديق على ترفيع المبتدئين والصناع، ووساطة الاتصال بين شيخ المشايخ ومعلمي الحرفة. إلى جانب شيخ الحرفة يوجد شاويش الحرفة، الذي ينتخبه أهل الحرفة (بخلاف النقيب الذي يعينه شيخ المشايخ)، وهو بمثابة رسول الشيخ ومُنفّذ أوامره، ويدعو للاجتماعات ويُبلّغ العقوبات. ونقطة جوهرية يذكرها الفصل أن الشاويش كان يقف غالباً مع الصناع ضد المعلمين عند «الثورات» التي تنشب من الفعلة على المعلمين بطلب زيادة الأجرة (ويعبرون عنها بقولهم «الكار قالع»)، مما يشير لوجود نزاعات طبقية واضحة داخل الحرفة.
بعد وصف الهرم الإداري، ينتقل الفصل إلى التركيبة الداخلية للحرفة نفسها، معتمداً على تحليل الباحث بدر الدين السباعي. يُقدّم الفصل تقسيم العمل الطبقي داخل كل حرفة إلى ثلاث فئات رئيسية: المعلم، وهو مالك أو مستأجر أدوات العمل ووسائله، ويصدر الأوامر ويُشرف ويملك المنتوج ويحصل على الربح أو الخسارة. الصانع، وهو الذي لا يملك أدوات العمل، ويقدم عمله ومهارته مقابل أجر، وعلاقته بالمعلم قائمة على تناقض مصالح قد يصل لصراع طبقي، خاصة إذا كان الصناع منظمين وواعين. الأجير، وهو الفئة الدنيا، لا يملك شيئاً مادياً أو معرفياً، ويدخل المهنة ليتعلم من الصفر، ويبدأ غالباً بلا أجر أو بأجر زهيد، وعمله يقتصر على الخدمات الشخصية. يُضيف الفصل من قاموس الصناعات الشامية تعريفاً إضافياً يميّز بين «أجير مقيد» (من يلزم نفسه بتعلم مهنة) و«أجير مطلق»، وهو نوعان: عامل في صنعة الطين، أو من يؤجر نفسه يومياً لأي عمل لا يحتاج خبرة. ويُشير الفصل إلى أن معظم القادمين من الريف كانوا من الأجراء المطلقين.
يفرد الفصل مساحة لوصف مراسم الانتقال من أجير (مبتدئ) إلى صانع، والتي دُعيت بـ«شد الحرفة». يوضح الفصل أن الأجير يظل سنوات بلا أجر أو بأجر زهيد حتى يتقن المهنة. مراسم الشد تتم بعد إلحاح الشاويش وزملاء الأجير المشدودين لزيادة عددهم وربط الداخل بعهود الإخاء، بينما يماطل المعلم راغباً في استثمار الأجير أطول فترة. تقام وليمة (التمليحة). يجتمع الحضور، ويقوم الشاويش بإيقاف الأجير على بساط أخضر ويشد يديه، ثم يردد النقيب «السبعة سلامات». بعدها، يُربط الأجير بمحزم إشارة إلى تمسك الحرفة بالعهود، ثم يُقدم له شيخ الحرفة النصيحة. ثم توزع هدايا رمزية (صابون، شاش، مسواك، عرق أخضر) وتبدأ الوليمة. يُذكر أن المراسم كانت واحدة لدى المسيحيين، إلا في قراءة الفاتحة التي تستبدل بـ«أبانا الذي في السموات»، باستثناء حرفة البنائين والنحاتين الذين لم يعرفوا الشد لاستقلالهم عن شيخ المشايخ.
يتطرق الفصل إلى تدرج المعلمين إلى ثلاثة أصناف: معلم يعمل بيده ويساعده صناع وأجراء، وهو الغالب. معلم ترك العمل اليدوي وأمسى يُشرف على إنتاج صناع يعملون لحسابه، وهذا النوع إما أن يملك مكان العمل أو يستأجره، وغالباً ما يتحول إلى نصف تاجر، وإذا كانت المهنة مُدرّة للربح قد يتحول إلى تاجر يحتكر المنتجات (مثل معلم العبجي). النوع الثالث هو معلم ترك المهنة تماماً وأمسى تاجراً يبيع منتجاتها بعد ربط الصناع به وإجبارهم على بيع إنتاجه له. يُشير الفصل إلى أن دراسة هذا التراكم الرأسمالي بين المعلمين والصراعات الناتجة عنه هو أمر ضروري لفهم علاقة ذلك بالسلطة الحاكمة ودورها في إبقاء المجتمع راكداً.
في فصله الأخير، يتناول الياس قدسي موضوع «المكافآت والقصاص». يقرّ الفصل بأن المكافآت الرسمية لم تكن موجودة، ويعتبر قدسي أن انعدامها كان سبباً رئيسياً لعدم تطور الحرف وظهور الصناعة. مع ذلك، يُقرّ الفصل بوجود مكافآت تشجيعية غير رسمية بين المعلمين والصناع لزيادة الإنتاج. أما القصاص أو العقوبات فكانت موجودة بهدف الحفاظ على جودة الإنتاج وسمعة الحرفة وأسرارها. ويختتم الفصل بإيراد ثلاث قصص من كتاب قدسي تُظهر بوضوح دور السلطة في إعاقة الابتكار والتطوير: حرفي صنع بندقية من طراز هنري وعرضها على باشا العسكر، فهدّده بالسجن إن هو صنع غيرها خوفاً من انتشار السلاح. وحرفي آخر صنع قارباً بخارياً، فكافأه الوالي بنقود أقل من كلفته، قاضياً على تطوير القوارب. وحرفي ثالث صنع كرة أرضية دقيقة، فكافأه أحد الولاة بكلمة «عفرين» فقط دون تشجيع مالي. يرى المؤلف أن هذه الأمثلة دليل واضح على طبيعة العلاقات الإقطاعية الشرقية التي عرقلت تطور الحرف إلى مصانع فصناعة حديثة.
يخلو الفصل من تحفظات أو أسئلة مفتوحة صريحة من قبل المؤلف حول المادة المقدمة، إذ يبدو أن هدفه الأساسي هو العرض الوصفي والتحليلي للبنية الحرفية وتحولاتها. إن كان لا بد من الإشارة لحجج قابلة للنقاش، فإنّ اعتماد الفصل بشكل شبه كامل على مصدر واحد (الياس قدسي) لوصف البنية الحرفية، ومن ثم الانتقال إلى تحليل نظري (بدر الدين السباعي) لتفسير هذه البنية، قد يثير تساؤلاً حول مدى تكامل الرؤيتين ومدى دقة تعميم النموذج النظري على كامل تفاصيل الوصف الميداني. كما أن التركيز على السلطة كعامل رئيسي للإعاقة، من خلال الأمثلة الثلاث الأخيرة، يقدم تفسيراً تقليدياً للجمود الصناعي، دون أن يبحث بالضرورة في عوامل داخلية أخرى قد تكون ساهمت في هذا الجمود.
1.خمود تحركات العامة وأسبابه245–276▼ résumé
يُحلل هذا الفصل أسباب “خمود تحركات العامة” في دمشق بعد فترة من النشاط الثوري بلغ ذروته في ثورة أيلول 1831. يقدّم المؤلّف إجابة محورية: لم تخمد هذه التحركات اختفاءً، بل تحوّلت جذرياً بعد سلسلة من العوامل العميقة، أهمها هزيمة قادة العامة وإعدامهم على يد الحكم المصري، وتصدّع العلاقات الاقتصادية القديمة مع بداية ارتباط بلاد الشام بالسوق الرأسمالية العالمية، وظهور طبقة بورجوازية جديدة، إلى جانب بدايات “عصر التنوير” أو “النهضة العربية” التي حملتها هذه العناصر البورجوازية من لبنان والساحل نحو الداخل. هذه العوامل مجتمعة، وفقاً للمؤلّف، غيّرت طبيعة الصراع الاجتماعي ونقلته من ساحات الشارع إلى مستويات أخرى.
يسير الفصل في تسلسل منطقي، مبتدئاً بفترة الركود النسبي بين عامي 1840 و1860، حيث انعدمت الأحداث ذات الشأن. ثم ينتقل إلى الأسباب البعيدة، مستعرضاً كيف أن الحكم المصري (1831-1840) زرع بذور المساواة بين الطوائف وأدخل إصلاحات بورجوازية لكنه قمع القيادات الشعبية. وبعد عودة الحكم العثماني، أدت محاولات العودة إلى الوراء إلى “تخلخل في المجتمع” وطغيان التوتر. ويشير المؤلّف إلى أن تحرّر عامة المسلمين اقتصادياً وسياسياً كان محدوداً، بينما بدأت تظهر نواة بورجوازية مسيحية في التجارة، مما جعل الصراع الطبقي بين الإقطاع القديم وهذه القوى الجديدة يتخذ شكلاً طائفياً.
يُفصّل الفصل الأسباب القريبة المباشرة لـفتنة 1860 في دمشق، مركزاً على دور الوالي أحمد عزت باشا، المنتَمي إلى “الرجعية العسكرية والمدنية” الناقمة على إصلاحات الخط الهمايوني (1856) الذي ساوى بين الطوائف. ويصف المؤلّف كيف استغل الوالي والقوى الرجعية المحلية أحداث الصراع الطائفي في جبل لبنان (كسروان 1858، ثم صراع الموارنة والدروز) لتهيئة الأجواء في دمشق. الاستفزاز الحاسم كان في يوم الاثنين 4 تموز 1860، حيث أمر الوالي بقيد خمسة عشر مراهقاً مسلماً بالسلاسل وطاف بهم الأسواق متوجهاً إلى الحي المسيحي بدعوى تنظيفه، في استفزاز منظم لدفع العامة إلى الهياج، وهو ما حدث وأطلقت معه قذيفة من القلعة لزيادة التوتر.
يُظهر الفحص التفصيلي للفئات الاجتماعية المشاركة في الهجوم أن الجماهير لم تكن متجانسة. يستند المؤلّف إلى مخطوطة أبو السعود الحسيبى، لكنه يتحفظ عليها، مرحّحاً أن القيادة الفعلية لم تكن بيد الوجهاء بل في أيدي “الفئات الوسطى الصاعدة” من بيروقراطيين وزعماء الانكشارية المحليين السابقين (الأغوات) الذين خسروا نفوذهم العسكري. وشارك في الهجوم تجار وباعة متضررون من البضائع الأجنبية، وحرفيون عاطلون عن العمل بسبب المنتجات المستوردة التي احتكرها تجار مسيحيون، بالإضافة إلى مهاجرين أكراد وريفيين (حوارنة) فقراء يبحثون عن غنيمة. ويؤكد المؤلّف أن هؤلاء، بفعل الجهل ونظام الحارات المنعزلة، لم يدركوا طبيعة الصراع، فاختلط في أذهانهم خراب حرفهم بالمسيحيين كسبب، مما سهّل توجيههم نحو القتل والنهب. ويقدّم الفصل شهادةً مضادة على أن قوى الخير والتعقل من مسلمين، كأهالي الميدان بقيادة صالح آغا المهايني والشيخ عبد الرزاق البيطار، والأمير عبد القادر الجزائري، قاموا بدور بطولي في إيواء وحماية المسيحيين، مؤكداً أن الفتنة لم تكن صراعاً دينياً محضاً.
ينتقل الفصل إلى نتائج الفتنة، وهي وخيمة على التطور البورجوازي والحركة الوطنية في دمشق. فقد أدت الأحداث إلى مقتل ما بين خمسة آلاف وستة آلاف شخص، وحرق ألفين وخمسمائة منزل، مما جعل خمس مسيحيي دمشق ضحايا. تدخلت فرنسا بإرسال حملة إلى بيروت (تموز 1860)، مما أجبر السلطان العثماني عبد المجيد على إرسال فؤاد باشا بصلاحيات غير محدودة. أجرى الأخير إعدامات جماعية، قتل فيها 111 شخصاً في دمشق، ونُفي حوالي ألف آخرين، وأُرسل ثلاثة آلاف شاب إلى الجندية الإجبارية، وأُعدم الوالي أحمد باشا نفسه “لتضيع مسؤولية الدولة”. كما فُرضت غرامة كبيرة على دمشق لتعويض المنكوبين، لكن المؤلّف ينقل عن محمد كرد علي أن ربع المبلغ فقط وصل إلى المسيحيين، بينما ضاعت بقية الأموال في النفقات أو اختلسها الموظفون والصيارفة اليهود.
يخلص المؤلّف إلى أن الرابح الأكبر من الفتنة كان الدولة العثمانية الإقطاعية التي تخلّصت من قيادات الحركة الشعبية وأخّرت الحركة الوطنية العربية في دمشق لعقود، إلى جانب صيارفة اليهود وموظفي الدولة. أما الخاسر الأكبر فكانت الحركة الشعبية الدمشقية والطبقة البورجوازية الناشئة التي هاجر الكثيرون منها إلى بيروت وقبرص، مما رسّخ العلاقات الإقطاعية لزمن أطول. وأخيراً، يُقرّ المؤلّف بوضوح بأن فتنة 1860 كانت نتاج “تظافر عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية”، وليست مجرد صراع ديني، وأن قوى الرجعية في إسطنبول ودمشق هزمت مؤقتاً قوى التقدم الاجتماعي، مما أرجأ ظهور حركة الإصلاح الوطنية حتى مطلع القرن العشرين، وجعل مركز النهضة ينتقل إلى جبل لبنان وبيروت.
4.الحرف الدمشقية في كتاب القدسي (1883)21–38▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل مدخلاً تاريخياً واجتماعياً لفهم سياق حركات العامة في دمشق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مركزاً على طبيعة الحكم العثماني، والبنية الاجتماعية والاقتصادية للمدينة، وأدوار الفاعلين الرئيسيين مثل الحكام، والإنكشارية، واليهود، والمؤسسات الدينية، والمنظمات الحرفية. يهدف الفصل إلى تقديم الإطار الذي نشأت فيه تحركات العامة، موضحاً العوامل التي جعلت هذه التحركات تميل إلى الفوضوية والعنف والطائفية، بدلاً من أن تكون حركات احتجاجية منظمة ذات أهداف سياسية أو اجتماعية واضحة.
يبدأ الفصل بوصف السلبيات التي اتسمت بها تحركات العامة، مثل عدم الانضباط، والميل إلى السلب والنهب دون سبب، وتحويل التحرك المطلبي إلى تحرك طائفي ضد الأقلية المسيحية، مما يخدم الطبقة الحاكمة الإقطاعية. كما يذكر عدم الصمود في القتال والتراجع السريع للعامة، واصفاً هذه التحركات بـ"اللصوصية والزعرنة والفجور والتعصب المذهبي". ثم ينتقل إلى تاريخ المدن السورية قبل الفتح العثماني، مستعرضاً ازدهارها في العهد الأموي ثم تراجعها بعد نقل الخلافة إلى العراق، وتوالي عصور الفوضى بسبب الغزوات والتتار والصليبيين، وازدياد الخراب في العهد الفاطمي، ثم تحسن الأوضاع نسبياً في العهدين السلجوقي والأيوبي. ومع الاجتياح المغولي عام 1259م، خضعت سورية للمماليك الذين عرفوا بعهد من الإرهاب والسلب، مما عجّل بأسباب الخراب حتى مجيء العثمانيين.
يصف الفصل المدن السورية في مطلع الحكم العثماني، حيث احتل السلطان سليم الأول سورية عام 1515م، ثم القاهرة عام 1516م. احتفظ العثمانيون بالنظام الاجتماعي القائم، حيث قُسّمت ملكية الأرض إلى ثلاثة أصناف: أراضي الدولة (الأميرية)، وأراضي الأوقاف، وأراضي الملكيات الخاصة (القليلة نسبياً). بقيت المدن العربية مراكز للحرف والتجارة والإدارة، مع وجود نسبة كبيرة من السكان غير المنتجين مثل العساكر وأصحاب الأطيان ورجال الدين والتجار والخدم. وقد أعاق النظام الإقطاعي العثماني تطور المدن، ومنع منافسة التجار المحليين للأجانب، وأدّى إلى تأخر الزراعة والحرف، مما أحبط قيام ورشات رأسمالية مبكرة. ومع ذلك، حافظت دمشق على بعض النشاط الاقتصادي بفضل موقعها على طريق الحج، حيث تركزت مستودعات الحبوب من حوران في حي الميدان، وشكّلت مواسم الحج فترة ازدهار اقتصادي.
يتناول الفصل بالتفصيل طبيعة الحكم العثماني في دمشق، فيصف التغيير المتكرر للولاة، ففي القرن الحادي عشر/السابع عشر حكم خمسة ولاة ربع المدة، بينما حكم نصفهم في القرن الثامن عشر، وارتفعت النسبة إلى أربعة وستين والياً حكموا ربع المدة في النصف الأول من القرن الثالث عشر/التاسع عشر. بلغ عدد ولاة دمشق من عام 1516م إلى 1914م قرابة 270 والياً، بينما حكم حلب أكثر من 200 والٍ خلال الفترة ذاتها. كان معظمهم من أصول غير عربية أو تركية (شركسية، مجرية، إيطالية...)، وكانوا يفتقرون للاستقرار، فيسعون لجمع الأموال بسرعة قبل عزلهم. كان دور الوالي الرئيسي هو الإشراف على بناء المرافق العامة والعناية بطريق الحج، كما مارس بعضهم أعمالاً "خيرية" لكسب ود العامة.
ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن دور اليهود في بلاد الشام، وخاصة أسرة فارحي الأندلسية الأصل. ارتبط اسمهم بجباية الأموال الأميرية، وإدارة حسابات الولاية، وابتزاز الأموال. على الرغم من قلة عددهم، كان نفوذهم كبيراً بفضل تعاطيهم التجارة والصرافة والصناعات البسيطة. لعبت أسرة فارحي دوراً محورياً من خلال احتكارها الشؤون الحسابية المالية للولاية، واستطاعت بفضل صلاتها في إسطنبول إبعاد الولاة المعارضين لهم، وتقديم الحماية المالية للولاة مقابل الحصول على "الغنيمة". استخدموا الربا الفاحش مع الفلاحين، ورفع أسعار النقود، وتزوير الحسابات. نفوذهم وصل إلى حد بناء قصر شمعايا في دمر لاستضافة الولاة الجدد. على الرغم من علاقاتهم القوية مع السلطة، بقي اليهود منعزلين عن السكان، وعُرفوا بتعصبهم الشديد وكراهيتهم للمسيحيين. تعرضوا لبعض الاعتداءات من العامة بسبب ثرائهم الفاحش.
يصف الفصل بعد ذلك هيكل السلطة المحلية، التي شملت إلى جانب الوالي: قائمقام (المتسلم)، والدفتردار (مدير الخزينة) الذي يؤمن إرسال "الميري" (المبلغ المالي) إلى الباب العالي، والقاضي، والمفتي. كانت السلطة القضائية بيد القاضي والمفتي، حيث اشترى القضاة مناصبهم بالرشوة، واضطروا لتعويضها عن طريق الرشاوى من القضايا. كانت عائلات محلية مثل العمادي والكزبري والأسطواني تشتري مناصبها القضائية من القاضي. أما السلطة العسكرية فكانت للإنكشارية، الذين وُصفوا بأنهم تحولوا من قوة دفاع إلى "آلة فساد وخراب". كانوا يبيعون "العلوفات" (المرتبات العسكرية) للراغبين، ويتحكمون بالحرف والمهن، ولا يجتمعون إلا للعصيان والمطالبة بالزيادات أو لتنصيب وعزل الولاة. فشلت جهود الدولة لقطع العلاقة بين العسكريين والحرف، وأصبحوا عائقاً كبيراً أمام التطور.
يتناول الفصل الأزمة التي دخلتها الدولة العثمانية في أواخر القرن السابع عشر، حيث تدهور الاقتصاد، وفشا الفساد، وخرجت الأقاليم عن الطاعة، وفقد الجيش قدرته القتالية. ثم يصف محاولات الإصلاح التي بدأت مع السلطان سليم الثالث (1789-1807) والتي انتهت بثورة الإنكشارية وخلعه وقتله. تبعتها بإبادة الإنكشارية تحت حكم السلطان محمود الثاني، مما أزال مصدراً رئيسياً للفوضى. ومع ذلك، لم تصل حركة الإصلاح هذه إلى أعماق المجتمع المدني، حيث بقيت القوى الإقطاعية ورجال الدين وكبار الموظفين عقبة في وجه التنظيمات. يذكر الفصل "التنظيمات" التي بدأت بإعلان خط شريف كلخانة عام 1839م، وتهدف لإصلاح النظم الإدارية والمالية والعسكرية، ولكنها اصطدمت بالمصالح القائمة. ثم يذكر إعلان الخط الهمايوني عام 1856م بعد حرب القرم، والذي ضمن حريات أوسع لرأس المال الأجنبي. تلا ذلك تأسيس البنك الامبراطوري العثماني عام 1863م، وقوانين تملك الأراضي للأجانب عام 1858م، وقانون الملكية عام 1858م، وقانون الجنسية عام 1869م. كما ظهرت حركة "تركيا الفتاة" الليبرالية التي سعت لإقامة ملكية دستورية، وتمكنت عام 1876م من إصدار الدستور. لكن السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) عطل الدستور، وأقام حكماً أوتوقراطياً مطلقاً، واتبع سياسة الجامعة الإسلامية، واضطهد الأقليات مثل الأرمن. في عام 1908م، قامت جمعية الاتحاد والترقي بانقلاب، وأعلنت الدستور، وحكمت حتى الحرب العالمية الأولى التي أدت لزوال الحكم العثماني عن الأقطار العربية.
أخيراً، يختتم الفصل بالحديث عن المنظمات الحرفية التي نشأت كرد فعل لاضطراب الأمن وانعدام الاستقرار. اضطر العامة إلى التكتل في هذه النقابات للحماية من ظلم الحكام ومزاحمة الآخرين. كان لكل حرفة شيخ يُسمى شيخ الحرفة، وفوقهم جميعاً شيخ المشايخ، الذي انتقصت سلطاته في القرن التاسع عشر. اعتمدت هذه المنظمات على قواعد عرفية تحدد الأجور وساعات العمل والتعطيل في الأعياد. لم توضع قوانين تنظم العلاقات الحرفية إلا في مستهل القرن العشرين، مع ظهور المشكلات العمالية واستفحالها وتأثرها بأفكار الحركة العمالية الأوروبية.
يمكن القول إن هذا الفصل ينجح في تقديم خلفية شاملة ومعقدة للسياق الذي تحرك فيه العامة، لكنه يركز بشكل كبير على وصف الفساد والإخفاق المؤسسي، وهو ما قد يترك انطباعاً بأن التحركات الشعبية لم تكن سوى نتاج حتمي لبيئة فاسدة، دون أن يناقش بعمق الوعي الذاتي للعامة أو إمكانية وجود أهداف سياسية أو اقتصادية بناءة لديهم تتجاوز ردة الفعل الفوضوية.
5.الحكومة الوطنية الشامية201–212▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على ثورة أهل دمشق ضد الوالي العثماني محمد سليم باشا في عام 1811، ويكشف عن أسبابها المباشرة ومسارها الدموي ونهايتها المأساوية. الموضوع المحوري هو رفض العامة لضريبة جديدة تُعرف بـ«الصليان»، والتي فرضتها الدولة العثمانية، وتولى جبايتها شخصيات نافذة وطموحة. يقدم المؤلف الثورة على أنها انفجار شعبي عنيف وغريزي، ليس موجهاً ضد السلطان أو الدولة المركزية في إسطنبول، بل موجهاً ضد الطبقة المستغلة والمستثمرة محلياً، ممثلة بالوالي وأعوانه والتجار المتعاونين معه.
يسير الفصل بتسلسل زمني درامي، يبدأ بإحراق السرايا (مقر الحكومة) والنيران التي امتدت إلى الأسواق المجاورة مثل سوق الحديد وسوق الأروام وغيرها، مستعرضاً جهود الثوار بمساعدة «المعمارية والفعالة» لإخماد الحريق لمنعه من الامتداد إلى الأحياء السكنية. ثم ينتقل الفصل إلى حصار جامع المعلق وخان الدالاتية حيث احتمى عدد من العسكر، ويصف تفاصيل الحصار العنيد الذي استمر ستة أيام، وكيف أن مئذنة الجامع كانت موقعاً استراتيجياً قاتلاً بيد ضابط يُدعى قاضي قران، إلى أن نفدت ذخيرة المحاصرين فتسلموا لأهل البلد. يبرز الفصل مقتلات انتقامية لشخصيات بارزة، مثل التفكجي باشي لاعتداءاته السابقة، وأغاة السكمان بتهمة قتل سابق، وقاسم أغا العقيلي، التاجر البغدادي الذي حصل على «براءة» بضمان ضريبة الصليان، وقُتل وقطعت أوصاله رغم محاولته التخفي بحلق لحيته، مما يدل على أن الثأر كان شخصياً وطبقياً في آن.
يستعرض الفصل تفاصيل عريضة الأهالي التي رُفعت إلى «الدولة العلية» في إسطنبول، وهي وثيقة مهمة تُظهر وعي الثوار أو عدمه. يوضح المؤلف أن العريضة لم تكن تطالب بإسقاط السلطان، بل كانت تشكو إليه من تصرفات الوالي وتعاونه مع الفلاحين «الغشم» من حارة العمارة الذين هاجوا، وتصف كيف رد الوالي بإحراق البلد وضربها بالمدفع من القلعة. ويخلص المؤلف من هذه العريضة إلى أن الثورة كانت تعبيراً عفوياً عن حقد العامة على الطبقة المستثمرة، وأنهم لم يمتلكوا الوعي الطبق الكافي لفهم طبيعة الدولة العثمانية الاستغلالية، بل كانوا ما زالوا يحيطونها بهالة من القدسية، كما أن طبقة ثورية قيادية جديدة لم تكن قد تكونت بعد؛ فقيادة الثورة كانت بيد أعيان وأغوات إنكشارية كان همهم الأكبر هو الحصول على استقلالية محلية وضمان مصالحهم ونصيبهم من الغنيمة.
بعد السيطرة على السرايا والجامع، يُفصّل الفصل تشديد الحصار على القلعة نفسها لمدة أربعين يوماً. نصب الثوار مدفعين (في الدرويشية وسوق الأروام) وقسّموا حراسة المتاريس على الحارات، فيما كانت القلعة تضم حوالي 1600 جندي. يصف الفصل المعاناة الاقتصادية للمدينة من تعطل الأعمال وغلاء الأسعار، لكنه يلفت إلى استتباب نوع من النظام حيث آلت الأمور إلى «أولاد البلد» وأغوات اتخذوا من بيت البكري مقراً للحكم. ثم يروي عودة شخصية مثيرة للجدل تُدعى الجوريجي الداراني الذي حكم الشام لأسابيع قبل مجيء سليم باشا، فاستُقبل بعرضة عظيمة واشتدت العزائم، رغم أن الفوضى والتعديات كانت تبرز، خاصة ضد النصارى، لكن زعماءهم اتفقوا مع أغوات الإنكشارية على إرسال حراس لحمايتهم على نفقتهم، مما يشير إلى أن الصراع لم يكن دينياً، بل طبقي، حيث نجا الصيارفة اليهود والنصارى من الأذى لأنهم دعموا الثوار مادياً، وكان أحدهم يطبخ لزعماء الثوار يومياً.
يفشل محاول الثوار فتح ثغرة في القلعة بواسطة مدفعين، فيلجأون إلى أسلوب تفجير لغم تحت البرج المواجه للدرويشية، مستعينين بـ «المعمارية والنحاتين النصارى» في حفر خطير تحت نيران العسكر. تفشل المحاولة الأولى والثانية بسبب متانة البناء. ولما نفذت المؤن من القلعة، يبدأ الوالي مفاوضات الاستسلام، ويخرج في أمان أعيان البلد ليلة 20 تشرين الأول 1811، ويتوزع عسكره على الحارات المختلفة. بعد يومين من استسلام الوالي، يُسفَّر العسكر إلى حمص تحت حراسة مشددة، لكن الثوار يقررون تصفية الوالي وأعوانه في ليلة 27 تشرين الأول. يُروى مقتل كيخيا الوالي وخاله والقبجي والسلحداد والخزندار والمهردار، ثم يُقتل الوالي نفسه بعد مقاومة يائسة، حيث اضطر المهاجمون إلى نقب سقف غرفته وإطلاق النار عليه من فوق. ووصف الفصل كيف سُلبت حاشية الوالي (عشرة أشخاص) من أموال طائلة حتى كاد الناس يقتلون بعضهم من شدة النهب، ليجدوا في النهاية «مشمعات» مخبأة في الأرض مليئة بالذهب.
في خضم السرد، يطرح الفصل قضايا قابلة للنقاش. أولها أن المؤلف يقر صراحة بأن الثوار لم يكونوا واعين طبياً، ولا يقدم الثورة كحركة تحرر وطني، بل كانوعفوي وغريزي. إلا أن وصفه التفصيلي للمقتلات الانتقامية واستهدافه للطبقة المستثمرة بغض النظر عن دينهم (مسلمين، يهود، نصارى) يُظهر بوضوح وعياً اجتماعياً عميقاً ولو غير منظم. ثانياً، يثير الفصل تساؤلاً حول دور القيادة: هل كان الأغوات والأعيان قادة ثوار حقيقيين أم انتهازيين سعوا للاستفادة من غضب العامة لتعزيز مكانتهم؟ وبقاء مسألة إلغاء ضريبة الصليان أو إبقائها غائبة عن اتفاق الاستسلام يبدو ثغرة كبرى أدت إلى استمرار العنف. أخيراً، يترك الفصل الباب مفتوحاً حول مصير المدينة بعد هذه الأحداث العنيفة، وهل استطاعت أن تحقق استقلالاً ذاتياً ولو مؤقتاً أم سادتها الفوضى، مما يدفع القارئ لتأمل نتائج الثورات الشعبية عندما تفتقد لرؤية سياسية واضحة وقيادة موحدة.
5.نماذج من روحانيات العامة وفروسيتها83–128▼ résumé
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو روحانيات العامة وفروسيتها في دمشق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويسعى المؤلف من خلاله إلى تقديم نماذج عن هذه الروحانيات لفهم الحالة الروحية للعامة، وما ينتج عنها من تحركات وهياج أو ركود واستكانة. يرى المؤلف أن هذه الروحانيات هي مرآة صادقة للمجتمع الإقطاعي الشرقي المتخلف، وتعكس التناقضات بين الفئات المستغلة والمستثمرة من حكام ورجال دين من جهة، والفئات الاجتماعية المستثمرة والمستغلة من جهة أخرى.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة أقسام، يبدأ بتحليل البيئة الفكرية السائدة. يصف المؤلف حالة الجهل المتفشي، حيث كانت مدارس قليلة، ومع أن عدد المدارس في دمشق وحلب بلغ سبعاً وثمانين مدرسة، إلا أن الجهل قضى عليها وأكل المتولون أوقافها. حلّت الكتاتيب محلها، وأشرف عليها مشايخ أقرب إلى الأمية، وكانت وظيفتهم تعليم الأطفال قراءة القرآن بأجر. أما الزوايا والخوائق والتكايا فلم تقدم سوى معرفة سطحية. وتبرز في هذا السياق شخصية الشيخ طاهر الجزائري (المولود في دمشق سنة 1852 والمتوفي سنة 1920) كأحد رواد التنوير. تأثر بأستاذه الشيخ عبد الغني الغنيمي الذي ترك طريق أجداده الصوفية وسلك طريق الكتاب والسنة. دعا الجزائري إلى عدة أفكار ريادية، منها: رفض التأليف العقيم، وتوحيد المكتبات وجمع الكتب النفيسة، وإحياء اللغة العربية والتاريخ، والسعي للتوفيق بين الدين والعلم والعمران، ومطالعة الصحف والمجلات، ومحاربة الاستبداد وتنوير عوام المسلمين. يلي ذلك تناول شخصية عبد الرحمن الكواكبي (المولود في حلب سنة 1848)، الذي أصدر جريدة «الشهباء» التي أغلقتها السلطات العثمانية، وهرب إلى مصر سنة 1898 حيث نشر كتابيه «طبائع الاستبداد» و«مصارع الاستعباد». رأى الكواكبي أن بين الاستبداد والعلم حرباً دائمة، وأن جهل العامة هو سبب شقائهم، ودعا إلى الوحدة الوطنية بين الناطقين بالضاد من مسلمين وغير مسلمين. يشير المؤلف إلى أن تأثير الجزائري كان داخلياً ومغموراً خارجياً، بينما كان تأثير الكواكبي خارجياً أكبر منه داخل حلب، وأن تيارهما عبر عن آمال الطبقة الوسطى ذات التفكير البورجوازي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل مظاهر روحانيات العامة، مستعرضاً ستة نماذج رئيسية. النموذج الأول هو مراسم الأذكار وهي حفلات تقيمها الطرق الصوفية في الأعياد والمناسبات، وكانت وسيلة للبحث عن النجاة وتنظيم شؤون العامة والدفاع عن حقوقها. يصف المؤلف حلقة ذكر في مزار الشيخ جاكير في حلب، نقلها حرفياً عن الراهب اليسوعي توتل، والتي تضمنت إنشاداً وضرب طبول وطعن المشاركين بأنفسهم بالسلاح ولحس أسياخ حديد محماة، معتبراً إياها ظواهر مشعوذة. النموذج الثاني هو الخلوة واستحضار الجن، مثل طريقة الشيخ يوسف الشريف، الذي كان له طريقة في استحضار الجن بخلوة تستمر أياماً ويتبعها طقوس وأدعية غريبة. النموذج الثالث هو الأوراد، وهي تسابيح وأدعية تحمي قائلها من النائبات، ويورد الفصل نموذجاً من ورد في مخطوطة البديري كحرز للسفر. النموذج الرابع هو دمشق والأساطير، حيث أضفى الناس قدسية على المدينة والجبل المحيط بها جبل قاسيون، ونسجوا حوله أساطير تربطه بقصة قابيل وهابيل وكهف جبريل ومولد إبراهيم الخليل، وهو ما ساعد في جذب الزوار وتعزيز مكانة المدينة التي فقدت مركزها السياسي. النموذج الخامس هو الحال الروحي في الأوساط المسيحية، الذي لم يختلف كثيراً عن الأوساط المسلمة قبل منتصف القرن التاسع عشر، مع انتشار الاعتقاد بالخرافات والأساطير مثل قصة المرأة الحامل التي سمع بكاء الجنين في بطنها، وامرأة مسيحية حل بها الشيطان، وظهور عمود نار على قبر كاهن صابر على زوجته الشريرة، وشائعة ظهور قديس في لبنان يشفي المرضى. ومع ذلك، يشير الفصل إلى أن اتصال بعض الأوساط المسيحية بأوروبا جعلها تبدأ في التشكيك بهذه الخرافات، كما في حادثة كسوف الشمس سنة 1895 التي حاول الآباء اليسوعيون تفسيرها علمياً دون جدوى، وخاف الناس من حدوث زلزال.
يتناول الفصل بعد ذلك تسلية العامة وفروسيتها، مستعرضاً مجموعة من المظاهر التي كانت ترفّه عن العامة وتنسيهم همومهم في مجتمع قاسٍ. من أبرز هذه المظاهر مواكب «السيارة» التي تنظمها الطرق الصوفية لزيارة الأضرحة، وتتضمن طقوساً مثل «الدوسة» حيث يسير شيخ الطريقة بفرسه فوق ظهور المنكفئين على وجوههم. كما يشمل التسلية ألعاب الفروسية مثل لعبة السيف والترس، والاستماع لروايات الفروسية الخيالية مثل سيرة عنتر وقصة الملك الظاهر، ومشاهدة «خيال الظل» (كراكوز) التي كانت أداة نقد لاذع للسلطة والعادات السيئة، رغم أن بعضها كان مليئاً بالفحش. ويخصص الفصل فقرات لـ الحمامات التي كانت أشبه بنوادٍ رياضية تنتشر فيها القصص الخارقة والخرافات، والسيران والمرأة حيث كانت نزهات الرجال والنساء إلى البساتين متنفساً، لكن النساء كن يعانين من تضييق شديد على حريتهن لدرجة إجبارهن على البقاء في البيوت أو ارتداء الثياب الرثة عند الخروج، كما يوضح النص من خلال وصف حال النساء المسيحيات في عهد الوالي أسعد باشا.
يختتم الفصل بقصة طير السمرمر كأحد أغرب الخرافات، حيث كان يعتقد أن هذا الطير يقضي على الجراد، وكان يُحضر من بلاد العجم بطقوس خاصة تتضمن حمل ماء من عين معينة دون النظر إلى الخلف. يروي الفصل محاولة إحضار الطير إلى حلب سنة 1547، وخروج الناس في دمشق لاستقباله بالبكاء والعويل، لكنه لم يقض على الجراد، مما دفع الوالي إلى إجبار الفلاحين على جمع الجراد وحرقه. وأخيراً، يعرض الفصل قصة الشيخ رسلان (أرسلان الجعبري) كأحد أولياء دمشق المشهورين بكراماته الخارقة، مثل تحويل الطين إلى ذهب وفضة، والمشي على الماء، وحضوره موسم الحج في يوم عرفة بينما كان موجوداً في دمشق، معتبراً إياه نموذجاً للروحانيات العامة التي تقدس الأولياء وتؤمن بكراماتهم.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات واضحة، فهو يؤكد أن هذا الفصل ليس بحثاً شاملاً، بل يهدف فقط إلى تقديم بعص النماذج لرسم صورة أوضح عن الحالة الروحية. كما يشير إلى أن تأثير رجال التنوير مثل الجزائري والكواكبي لم يكن قوياً في زمنهم، وأن حركة التجديد الإسلامي واجهت مقاومة ضارية من التيار الرجعي، كما في حادثة مهاجمة الشيخ رشيد رضا في الجامع الأموي بدمشق في رمضان سنة 1908 (1336 هـ). ويقر أيضاً بأن تدوينات بعض المؤرخين مثل «البديري» و«توتل» تحتوي على أخطاء لغوية وأساطير، مما يعكس صعوبة الفصل بين الحقيقة والخيال في المصادر التاريخية. هناك في الفصل حجج قابلة للنقاش، مثل ربط المؤلف الوثيق بين تخلف الروحانيات والتخلف الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع الإقطاعي، وهو تفسير مادي للظاهرة الدينية قد لا يتفق معه الجميع. كما أن اعتبار طقوس مثل «الدوسة» وأكل السيوف الحامية مجرد «شعوذة» هو حكم قيمي، بينما يراها المؤمنون بها تعبيراً عن حالات روحية صوفية حقيقية.
5.الأهداف والأشكال والنتائج157–184▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل، وهو الفصل الخامس من الكتاب، محاولةً لتحليل وتصنيف تحركات العامة في دمشق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بعد أن استعرض المؤرخ وقائعها في الفصول السابقة. الموضوع المحوري هو فهم طبيعة هذه الحركات الاحتجاجية، وأهدافها، وأشكالها، ونتائجها، في محاولة للإجابة عن سؤال جوهري: ما الذي كانت تعنيه هذه الانتفاضات المتكررة، وما مدى فعاليتها في تغيير واقع الناس؟
يسير الفصل خطوةً خطوةً، فيبدأ بتحديد السياق العام الذي نشأت فيه هذه التحركات، وهو المستوى المتدني لتطور القوى المنتجة، وسيادة الإنتاج اليدوي الصغير، وطبيعة النظام الإقطاعي الشرقي في ولاية بعيدة عن العاصمة. ثم ينتقل إلى تحليل الأسباب المباشرة التي أشعلت هذه الانتفاضات، فيذكر كثرة الضرائب، وارتفاع الأسعار، واحتكار المواد الغذائية أو قلتها. بعد ذلك، يتناول الفصل بالتفصيل الأشكال المختلفة التي اتخذتها هذه التحركات، مستعيناً بأمثلة تاريخية دامغة من واقع دمشق في تلك الفترة.
يقدم المؤرخ أدلةً غزيرة من مصادر تاريخية متنوعة، مثل يوميات مؤرخين محليين كـبريك الدمشقي والبديري الحلاق وميخائيل الدمشقي، ليوضح أن العامة لم تكن كتلة واحدة، بل كانت تتأرجح بين الفئات العليا منها التي كانت تميل إلى المساومة والتفاهم مع السلطة، والفئات الدنيا الأكثر فقراً وراديكالية. ويضرب أمثلة على ذلك، ففي أحداث سنة 1175هـ/1761م، نرى العامة تنحاز إلى الإنكشارية المحلية (اليرلية) ضد القابي قول (انكشارية الدولة)، ليس حباً بهم، بل لأنهم وجدوا فيهم حماية مؤقتة من ظلم أشد، وسرعان ما كانوا يدفعون الثمن عندما تتحول اليرلية إلى أداة سلب ونهب. وفي حادثة أخرى خلال تولي إبراهيم باشا الدالاتي (1206هـ/1792م)، يصف المؤرخ كيف أن العامة اشتبكت مع جنود الوالي في الميدان، واستطاعت أن تجبره على الانسحاب إلى حماة، لكنها عجزت عن الحفاظ على هذا الانتصار بعد أن عاد الجيش بقيادة الوالي واقتحم المدينة من حي الميدان.
يوضح الفصل أن ردود فعل العامة لم تكن مقتصرة على المواجهة المسلحة، بل شملت أشكالاً متعددة من المقاومة السلبية. فعندما فرض الوالي عبد الله باشا الشتجي (1181هـ/1768م) عملة ذهبية مغشوشة بالقوة، امتنع الأهالي عن البيع والشراء وأغلقت الدكاكين (سَكَرت البلد)، في شكل من أشكال العصيان المدني. وعندما ضاقت السبل، كان العامة يلجأون إلى الشكوى للسلطان في العاصمة، كما فعلوا ضد أحمد باشا الجزار (1218هـ/1804م)، مستغلين فترة غيابه في الحج، مما أدى إلى عزله لفترة وجيزة.
يتناول الفصل بالتفصيل دور الفرق الصوفية في هذه التحركات، معتبراً إياها بمثابة "الأحزاب السياسية العامة"، حيث امتزج في بوتقة واحدة النضال الاجتماعي والديني والسياسي. ويشير إلى أن رجال الدين في دمشق، على عكس ما حدث في أوروبا، لم يكونوا دعاة للخضوع للسلطة، بل انحازوا غالباً لتحرك العامة ضد ظلم الحكام.
في خضم هذا التحليل، لا يخفي المؤرخ بعض التحفظات والحدود. فهو يقرّ بأن معظم التحركات اتسمت بالعشوائية، وعدم التنظيم، والفردية، وسرعة الحماسة وسرعة الفتور. كما يلاحظ بوضوح انفصال المدينة عن الريف في حالات النضال المشترك؛ فاضطهاد الولاة للفلاحين كان يصل إلى المدينة كخبر، وكان رد فعل العامة في الغالب هو الدعاء بالفرج والخلاص، لا التحالف مع الفلاحين. ويشير أيضاً إلى أن العامة التزمت الحياد في معظم الأحيان عندما كانت المعارك تدور بين قوى السلطة المختلفة على اقتسام الغنائم.
ويخلص الفصل إلى نتيجتين مهمتين: الأولى، أن تحركات العامة لم تكن موجهة مباشرة ضد السلطة المركزية في إسطنبول، بل ضد ممثليها المباشرين (الولاة) وظلمهم. الثانية، والأكثر إثارة للدهشة، أن المؤرخ يذكر خلو هذه الفترة من أي حركات زندقة (هرطقة دينية)، على غرار ما شهدته أوربا الوسيطة. ويعزو ذلك إلى عاملين: الأول، أن التيار الديني المتمثل بالصوفية كان مؤيداً لتحرك العامة، فلم يكن الدين في أيدي المظلومين أداة للثأر بقدر ما كان غطاءً لاحتجاجهم. والثاني، أن جماعات اجتماعية جديدة كانت قادرة على تغليف مطالبها بقالب ديني لم تكن قد ظهرت بعد في دمشق حتى منتصف القرن التاسع عشر.
في نهاية هذا التحليل، يمكن القول إن الفصل يطرح صورة معقدة للعامة الدمشقية، ليست طرفاً سلبياً في التاريخ، بل فاعلة بحضور واضح، لكنه حضور محدود بفعل بنية المجتمع الإقطاعي وتخلف قواه المنتجة. يستخدم المؤرخ المنهج المادي التاريخي، حيث يربط بين البنية الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة وأشكال الوعي والنضال. ربما يكون الجانب الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هو افتراض أن غياب "الهرطقة" الدينية يعكس ضعفاً في الوعي الثوري، في الوقت الذي يمكن أن يُفسر حيوياً للدين كوعاء للمقاومة في غياب الأيديولوجيات البديلة. يظل الإرث الأهم لهذه التحركات ليس في نجاحها في تغيير النظام، بل في تكريس ثقافة احتجاجية، وغرس فكرة أن الظلم ليس قدراً محتوماً، وقابلية العامة للتحرك ضده، ولو مؤقتاً.
5.أصناف العائلات الثرية وأدوارها291–304▼ résumé
يُحلل هذا الفصل عملية ظهور وترسيخ أقدام «العائلات الثرية» في دمشق خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويبين كيف تحولت هذه العائلات إلى قوى اجتماعية وسياسية مؤثرة في توجيه السياسة المحلية حتى منتصف القرن العشرين. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذا الصعود لم يكن مصادفة، بل كان نتاجاً مباشراً لعملية «الإصلاح المتعثر» في الدولة العثمانية، والتي خلقت ظروفاً جديدة لتراكم الثروة والسلطة، وأدت إلى إعادة تشكيل التوازنات الاجتماعية لصالح فئات معينة.
يسير الفصل خطوة بخطوة، فيشرح أولاً السياق الاقتصادي العام الذي مهد لهذا التحول، وأهمه: اندفاع العلاقات النقدية محل اقتصاد المقايضة، وازدياد التبادل التجاري بين المدينة والريف وبين بلاد الشام والعالم الخارجي. ثم يركز على العامل الحاسم، وهو قانون الأراضي العثماني لعام 1858، الذي ألغى نظام الاقطاعيات العسكرية (التيمار)، لكنه لم يمنح الأراضي للفلاحين، بل أعطى المستأجرين حق شرائها، مما فتح الباب أمام أثرياء المدينة وأصحاب النفوذ لتسجيل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بأسمائهم. ويوضح الفصل كيف أن هذا القانون، الذي تلاه قانون تسجيل الأراضي «الطابو» عام 1859، طُبق لصالح «أولي الأمر» وأصحاب النفوذ السياسي والديني والعسكري، مما أدى إلى نزع ملكية الفلاحين الفقراء وتحولهم إلى مزارعين لدى ملاك جدد من دمشق.
يقدم الفصل أدلة على هذه العملية باقتباس من أحمد وصفي زكريا، الذي يذكر أن «هجمات البدو وتشدد ملتزمي الأعشار» في القرن التاسع عشر أجبرت فلاحي الغوطة الشرقية على بيع قراهم بأثمان بخسة لأعيان دمشق، مثل آل اليوسف، العظم، العابد، الجزائري، البارودي، الدالاتي، وآخرين. ويصف الفصل كيف أن هذا التملك الجديد للأراضي أحدث «خللاً في نسق التوازنات الاجتماعية» وخلق «قوى جديدة صعدت في السلم الاجتماعي من الفئات الوسطى»، بينما تراجعت مكانة العائلات الدينية القديمة التي كانت تعتمد على نفوذها الديني وإشرافها على الأوقاف، وذلك بسبب معارضتها للإصلاحات واحتكاره للمناصب القضائية التي بدأت المحاكم المدنية في انتزاعها منهم.
ثم يتوسع الفصل في الحديث عن وسائل أخرى لصعود هذه العائلات، فيذكر ظهور نوعين من المدارس: مدارس الدولة العثمانية التي خرجت الكوادر الإدارية والعسكرية التي تمكنت من الإثراء عبر الرشوة وتسجيل الأراضي، ومدارس البعثات التبشيرية الأكثر حداثة والتي خرجت كوادر مثقفة نشطت في الأعمال الاقتصادية والحركة الوطنية العربية، ومنهم شخصيات مثل عزت باشا العابد (سكرتير السلطان عبد الحميد) والدكتور عبد الرحمن الشهبندر. ويصف الفصل ظاهرة التزاوج بين العائلات كأداة لتعزيز التحالفات، فبينما كانت العائلات الدينية تتردد في مصاهرة الآخرين، كان التجار الأغنياء يسعون لمصاهرة العائلات السياسية ذات النفوذ لتسيير تجارتهم، كما لوحظ اتجاه للزواج من بنات العائلات «الاستمبولية» الرفيعة.
يخلص الفصل إلى وصف ما يسميه «عملية ديالكتيكية» يترابط فيها الاقتصاد بالسياسة: فالمنصب الرفيع وسيلة لتسجيل الأرض، والأرض مصدر ثروة، والثروة تمكن من رشوة الحكام وشراء مناصب جديدة للأبناء. وكانت الأراضي تسجل باسم العائلة كوحدة متماسكة، وتوضع أحياناً كـ«وقف» يديره عميد الأسرة، مما عزز تماسك العائلة الاقتصادي والاجتماعي. ويضرب مثلاً شعبياً: «الأرض تلد القمل والقمل يلد الصئبان»، لوصف كيفية تركز الثروة في جيوب الأقلية بينما يزداد المنتجون فقراً.
في الفصل الذي يليه (الرابع)، ينتقل الفصل لوصف «طباع العائلات الثرية وسلوكيتها»، مستشهداً بشهادة فخري البارودي الذي يصف المحيط الأرستقراطي بأنه «محيط نفاق وجهل»، حيث ينظر الأغنياء للعامة كالعبيد. كما ينقل عن الحسيبي (نقيب الأشراف في منتصف القرن التاسع عشر) وصفاً للأخلاق السائدة في هذه الأوساط كالسكر والفسق والرشوة والنميمة، مشيراً إلى أن هذه الأخلاق كانت أقل شيوعاً بين الفئات المنتجة لعدم توفر المال أو الوقت لديهم. ويفرق الفصل بين الفئات الثرية ذات الأصول الأرستقراطية «الذوات» والفئات الثرية التجارية، فالأخيرة رغم طبيعتها الاستثمارية والديناميكية وحملها «بذور التطور»، إلا أنها بقيت منغلقة على نفسها، وكان التمييز في اللباس صارماً داخل فئة التجار أنفسهم، حيث يُعاقب من يرتدي لباساً أعلى من طبقته.
اعترف الفصل ضمنياً بحدود تحليله، فلم يتناول بالتفصيل دور هذه العائلات في الحركة الوطنية بشكل معمق في هذا الفصل، بل أشار إليه بإيجاز كنتاج لتعليمها الحديث. كما أن وصف «طباع» العائلات يعتمد بشكل كبير على شهادات شخصية من أبناء تلك الفئة (مثل البارودي والحسيبي)، مما يجعلها شهادات داخلية وليست تحليلاً خارجياً محايداً بالكامل. الفصل لا يترك أسئلة مفتوحة بقدر ما يقدم تفسيراً محدداً لعملية صعود هذه العائلات، معتبراً إياها حتمية في ظل النظام الطبقي الإقطاعي الشرقي العثماني، ومؤكداً أنها «سنة ذلك النظام» الذي يزداد فيه الملاك ثراءً والمنتجون فقراً.
7.خاتمة305–346▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل الخاتمة للكتاب، وتتمثل مهمته المحورية في تقديم تصنيف شامل للعائلات الدمشقية الثرية وذات النفوذ، وتحليل أدوارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه العائلات لم تكن كتلة واحدة، بل تشكلت من طبقات وأصول مختلفة، لكل منها استراتيجياتها في اكتساب الثروة والسلطة، مما خلق بنية اجتماعية معقدة كانت بذور البورجوازية الوطنية والطبقة العاملة في سورية.
يسير الفصل عبر تصنيف هذه العائلات إلى أصناف رئيسية، مفصلاً حججه وأمثلته. يبدأ الفصل بتحليل الأسر المرتبطة بالمؤسسة الدينية (أسر العلم)، والتي انقسمت بدورها إلى ثلاثة أنواع: الأولى هي الأسر التي احتلت المراكز الدينية الرئيسية (مثل الإفتاء، الخطابة، نقابة الأشراف) وسعت للسيطرة على الأوقاف والنظامين القضائي والتربوي. يوضح المؤلف أن سعي هذه الأسر للحصول على الدعم من إسطنبول جعلها أكثر التصاقاً بالسلطة المركزية العثمانية وأبعدها عن التيارات المحلية الداعية للإصلاح. لكنه يذكر استثناءات، مثل بعض عائلات هذه المجموعة التي ارتبطت بالتجارة المحلية، مما دفعها للاهتمام بالسياسة الداخلية. ويضرب أمثلة على عائلات مثل العجلاني، الغزي، والحسيبي التي نجحت في تعزيز نفوذها في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر بقدرتها على الجمع بين الثروة العقارية والمناصب غير الدينية رفيعة المستوى، مع الحفاظ على غطاء ديني. في المقابل، تراجع نفوذ عائلات أخرى مثل حمزة، المرادي، الأسطواني، المحاسني، والعطار لأنها لم تسلك طريق المزج بين الثروة والعمل في مؤسسات الدولة غير الدينية. النوع الثاني هو الأسر التي انغلقت على نفسها ومؤسساتها الدينية. أما النوع الثالث، فيشمل عائلات مثل البكري، الأيوبي، المالكي، الحلبي، العمري، والميداني، التي لم تحتل المراكز الدينية العليا، مما دفعها نحو البيروقراطية العسكرية والمدنية، ومكنها من امتلاك الأراضي ودخول دائرة الصفوة.
يتناول الفصل بعد ذلك الأسر ذات الجذور الانكشارية أو شبه العسكرية (الأغوات)، والتي برزت قبل الحملة المصرية. يوضح أن إبراهيم باشا ثم الإصلاحات العثمانية وسعي الدولة لجيش نظامي وجهت ضربات لهذه الفئات. ورغم ذلك، استطاع قسم منها التكيف مع الأوضاع الجديدة والمحافظة على نفوذه وثروته. نظراً لجذورها العسكرية، ركزت هذه العائلات على تجارة الحبوب والمواشي والربا، واستخدمت بأسها وقوتها لحماية الطرق والوصول إلى المناصب الإدارية وامتلاك الأراضي بعد قانون 1858. يذكر المؤلف أن هذه الأسر، على عكس النخب الدينية والمبادرات الإصلاحية، تمركزت في حي الميدان جنوب دمشق وضاحية الأكراد على سفوح جبل قاسيون. من أشهرها آل سكر، آل المهايني، آل العابد، آل الشملي، آل اليوسف، آل شمدين، وآل بوظو. ويقدم تفصيلاً عن آل العابد، حيث خدم هولو العايد كمتصرّف في حماة ونابلس، ووصل ابنه أحمد عزت العابد إلى منصب كاتم أسرار السلطان عبد الحميد، ثم أصبح محمد علي العابد سفيراً في الولايات المتحدة ثم رئيساً للجمهورية السورية في 1932. أما آل يوسف، فتحالفوا مع آل شمدين ونالوا إمارة الحج الشامي، ومن أبرزهم عبد الرحمن باشا اليوسف، الذي قُتل على يد الفلاحين الحوارنة في انتفاضة آب 1920.
ينتقل الفصل إلى الأسر التجارية، ويصفها بأنها كانت أكثر ارتباطاً بالاقتصاد المحلي والسوق الداخلية. هذه المجموعة، التي تشكلت من أسر دينية صغيرة وبرجوازية حرفية وقادمين من خارج الولاية، توصف بأنها البذور المنتشة للبورجوازية الوطنية الناشئة ذات الطبيعة المزدوجة: فهي تحمل بذور الثورة والتحرر من القديم الإقطاعي، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بملكية الأرض. يشير المؤلف إلى أنها تزعمت حركة الإصلاح في دمشق ونادت بالحكم اللامركزي. من ناحية أخرى، بدأت تظهر بورجوازية كومبرادورية (وسيطة) ضعيفة في دمشق، تعمل كوسيط مع الرأسمال الأجنبي، وكان أفرادها في الغالب من التجار المسيحيين. يمثل لهذه الأسر التجارية بـ آل القوتلي، التي قدمت من بغداد وبرز منها شكري القوتلي، عضو جمعية العربية الفتاة ورئيس الجمهورية السورية (1944-1949 و1954-1958)؛ وآل مردم، الذين قدموا من البلقان وكانوا مقاولين ماهرين، وبرز منهم جميل مردم، عضو جمعية العربية الفتاة ورئيس وزراء؛ وآل الشمعة، الذين برز منهم رشدي الشمعة، والذي أعدمه جمال باشا في 1915-1916.
في الجزء الأخير، يربط المؤلف تحليله التاريخي بقانون الإصلاح الزراعي الصادر في أيلول 1958 وتعديلاته، ولا سيما المرسوم التشريعي رقم 88 في أيار 1957. يوضح أن هذه القوانين استهدفت اقتلاع الجذور الاقتصادية للعائلات الكبيرة التي ملكت الأرض في أواخر العهد العثماني ومطلع القرن العشرين، ثم ثبتت أقدامها في عهد الانتداب الفرنسي. يقدم الفصل قائمة بأسماء هذه العائلات التي شملها القانون، ومنها: الأيوبي، الأسطواني، الجزائري، الحسيبي، سكر، الشمعة، العجلاني، العظم، العابد، الغزي، القوتلي، المهايني، اليوسف، والكيلاني. يرى المؤلف أن هذه العائلات هي التي قبضت على ناصية الأمور في دولة الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية قبل أن تقتلعها رياح التغيرات الاجتماعية في الستينات.
يعترف المؤلف بحدود الدراسة، وذلك من خلال الإشارة إلى تعقيد البنية الاجتماعية ووجود استثناءات للقواعد التي يضعها، وكذلك من خلال اعتماده على عدد من المصادر التاريخية والتراجم، وتركه الباب مفتوحاً لفهم أعمق للخلفيات الأيديولوجية للحركة العمالية من خلال دراسة تقاليد العامة. وتبرز في الفصل حجة قابلة للنقاش وهي ربطه المباشر والجذري بين البنى الاقتصادية والاجتماعية للعائلات في القرن التاسع عشر ومواقفها السياسية في القرن العشرين، وتقديمه التصنيفات الصارمة وكأنها محددة سلفاً لمسارات هذه العائلات، مما قد لا يترك مجالاً كبيراً للصدفة أو للتحولات الفردية المستقلة عن السياق الطبقي.
7.موقع ثورة أيلول التاريخي221–234▼ résumé
يُحلل هذا الفصل الموقع التاريخي لثورة أيلول عام 1811 في دمشق، ويقدم إجابة محورية مفادها أن هذه الثورة لم تكن حركة تحررية وطنية أو اجتماعية تسعى لتغيير النظام الإقطاعي، بل كانت انتفاضة شعبية محدودة الأهداف، سرعان ما خبت جذوتها واستوعبتها آليات السلطة العثمانية، تاركةً الباب مفتوحاً لتدخلات خارجية لاحقة.
يبدأ الفصل بسرد تفصيلي للأحداث التي أعقبت الثورة، فيرسم صورة لاستقبال حاشد في سهل القابون للنائب (المتسلم) الجديد القادم من الدولة، حيث خرجت الحارات بمختلف أحيائها في عرض عضلات للقوى الثائرة، ما أرعب المسؤول الجديد وأجبره على الاستسلام لإرادة الثوار، فبقيت مقاليد الأمور في المدينة بيد "أولاد البلد" – أي زعماء الثورة والحرفيين – لمدة سبعة عشر يوماً حتى وصول الوالي الجديد في 28 كانون الأول 1811. لكن هذا الوالي، الذي حاول في البداية كسب ود السكان عبر عقد ديوان (مجلس) مع أعيان البلد ووعدهم بضبط الأسعار وتحسين الأوضاع، سرعان ما اصطدم بواقع أن الحكومة المحلية المؤلفة من أغوات اليرلية (الإنكشارية المحلية) احتفظت بسلطتها، وسعت لاستغلال مواقعها لاحتكار الحبوب مثل القمح والشعير والأرز، مما أدى إلى تفاقم أزمة الغلاء.
يسجل الفصل كيف ارتفع سعر رطل الخبز من أربعة وأربعين فضة إلى ستين فضة، مما أثار حفيظة الصُنّاع (عمال الحرف). وعندما تظاهروا احتجاجاً على الغلاء، تراجعوا خوفاً من "تفكجي باشي أب وردة الميداني"، وهو من كبار محتكري الغلال، وأعلنوا بدلاً من ذلك أن تظاهراتهم كانت لمطالبة أصحاب العمل بزيادة أجورهم. ويوضح الفصل أن الحكومة المحلية لم تمانع في مطلب زيادة الأجور الذي لا يمس مصالحها، إنما الذي أثار غضبها هو المطالبة بتخفيض أسعار الخبز الذي يمس احتكارها. وتشير المصادر التي يعتمد عليها الفصل إلى أن الغلاء استفحل في شهري كانون الثاني وشباط، وأصبح الخبز "أسود مثل الكبد"، حتى أن أكثر من خمسين حادثة خطف للخبز والعجين وقعت في الأزقة، بالتزامن مع وصول أكثر من مائتي زق (حمل) من القمح من حماة. ومع ذلك، لم يُحل هذا الأزمة جذرياً، خاصة وأن موسم الحج في تلك السنة قد أُلغي بأمر من الدولة العليا في 5 ذي الحجة سنة 1226 هـ، بسبب حملة إبراهيم باشا على عكا، مما حرم دمشق من واردات مالية مهمة كانت تُستخدم لتحريك عجلة الاقتصاد.
ينتقل الفصل بعدها إلى التحليل التاريخي، فيقارن بين وضع المدن العثمانية والمدن الأوروبية الإقطاعية. ويجادل المؤلف بأن الإقطاعيين في الشرق عاشوا داخل المدن في قلب المجتمع، مما منع تطور الحرف والحرفيين إلى رأسماليين مستقلين (مانيفاكتورات)، لأن النظام الإقطاعي ظل يستنزف فائضهم المادي عبر الضرائب والمصادرة والإتاوات (البلص). على النقيض من أوروبا حيث عاش الإقطاعيون في قصور ريفية، متيحين للمدن درجة من الاستقلال الذاتي.
يخلص الفصل إلى أن ثورة أيلول، رغم هزها لأركان المجتمع الإقطاعي، لم تكن تحمل أي نزعة قومية نحو الاستقلال عن الحكم العثماني، إذ كان مفهوم العروبة لم يظهر بعد في دمشق. كما أنها لم تكن ثورة اجتماعية تسعى لتدمير النظام الإقطاعي واستبداله بنظام برجوازي جديد، لأن تلك القوى الاجتماعية (البورجوازية) لم تكن قد تكونت بعد في قلب المجتمع. بل كانت ثورة ضد الظلم والتعسف وأساليب الاستثمار القاسية، ساعية لتخفيف العبء والمشاركة في جزء من الحياة السياسية.
في تحليله للتناقضات الداخلية للثورة، يشير الفصل إلى أن الحرفيين لم يثوروا ضد القمة الإقطاعية في الآستانة، بل ضد ممثليها المحليين. وقد سعوا لاستقطاب القوى العسكرية الناقمة من اليرلية المحلية المنافسة، وهو ما أكسبهم قوة عسكرية مكّنتهم من احتلال القلعة وتشكيل حكومة، ولكنه أضعف الثورة في النهاية، لأن هذه العناصر العسكرية عادت إلى ممارسة السلب والابتزاز كما في السابق، مما أدى إلى فك قوى الثورة ونشر الفساد. ويؤكد الفصل أن أهداف الحكومة الوطنية الشامية المشكلة بعد الثورة لم تكن واضحة، وأن ممارساتها لم تختلف عن الحكم الإقطاعي السابق، مما يفسر سرعة خضوع الثوار للعفو السلطاني ومغازلتهم من قبل المركز. ويختتم الفصل بالقول إن نتائج الثورة طُمست تماماً بحملة إبراهيم باشا على سورية عام 1831-1832، والتي مهدت الطريق دون عناء يذكر لاحتلال بلاد الشام، بفضل حالة الضعف والانقسام التي خلّفتها الثورة.