Almawred
حزب البعث العربي
عربي

حزب البعث العربي

جلال السيد1 janvier 1971arدار النهار للنشر

المحور الأساسي الذي يدور حوله كتاب «حزب البعث العربي» لجلال السيد هو مسار التحول الجذري الذي أصاب الحزب من كونه حركة قومية ناهضة، ذات مثالية عالية وشعارات طموحة، إلى أداة سلطوية في الدول التي حكمها، متخلياً عن مبادئه الأولى ومنحرفاً عن أهدافه التحررية. يدافع المؤلف، وهو أحد أبرز المؤسسين الأوائل للحزب، عن موقف واضح مفاده أن الحزب الذي خرجه هو ورفاقه الأوائل لم يعد موجوداً بعد أن استولت عليه فئات محلية ومصالح خارجية وانجراف أيديولوجي يساري، مما جعله يتحمل مسؤولية «نكبات» كبرى حلت بالأمة العربية.

يسير السرد في الكتاب وفق منطق تراكمي وشخصي، فهو أشبه بمذكرات سياسية وليس دراسة أكاديمية محايدة. يبدأ بمرحلة ما بعد سقوط حكم أديب الشيشكلي في سورية، حيث ينخرط المؤلف في تحليل أسباب إقصاء حزب البعث عن الحكومة. في هذه الفترة المبكرة، ينتقد المؤلف بحدة ما يسميه «التعفف السياسي» الخاطئ لدى زملائه القياديين، الذين آثروا العزوف عن الوزارة بدافع الزهد، وهو ما يراه تقاعساً عن المسؤولية وعدم كفاءة سياسية فادحة. يروي المؤلف كيف أن مؤتمر حمص الثاني، الذي ضم ممثلين عن الأحزاب والمستقلين، أقصى الحزب عن السلطة، ويلمح بقوة إلى دور حكومة العراق في التخطيط لهذا الإقصاء. يصل الأمر بالمؤلف إلى محاولة إقناع القيادة العليا بضرورة العودة، فيقترح ميشيل عفلق (زعيم الحزب) وبعض الأسماء الأخرى للوزارة، لكن الأحزاب تنكث بموافقتها الأولية، ويجزم المؤلف بأن اتفاقاً تاماً كان قائماً بين حزب الشعب والحزب الوطني وحكومة العراق للانقضاض على العهد الجديد وإبعاد البعث، رغم أن معظم السجناء الذين أسقطوا الشيشكلي كانوا من البعث.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مرحلة انسحاب المؤلف نفسه من الحزب في آب من عام 1965، وهي نقطة تحول حاسمة في السرد. يتعرض المؤلف لاتهامات وجهت إليه بالإقطاعية والرأسمالية وقسوة معاملة الفلاحين، ويرد عليها بقوة مستنداً إلى وضعه المالي المتواضع وإرثه الاجتماعي لا المادي. لكن الأسباب الأعمق للانسحاب كانت غير شخصية؛ إذ يحدد تحولات جوهرية في الحزب نفسه: التآمر الداخلي المتزايد، والابتعاد عن الخط القومي والانجرار خلف التيار الشيوعي، والتخلي عن الأخلاق الحزبية كالوفاء والإيثار، وصولاً إلى استباحة دماء المواطنين. يرى المؤلف أن الحزب أصبح أداة في يد قوى خارجية، بتآمر داخلي، يسير نحو طريق مسدود. يصف المؤلف كيف أن تهمة «التقدّمية» أصبحت «زينة» للشباب في منتصف الخمسينات، وتزامنت مع انتشار واسع للكتب الشيوعية، مما غطى على المعرفة بالقومية العربية والإسلام. ونتيجة لذلك، أصبح شعار «الاشتراكية» هو المهيمن على حساب شعارَي الوحدة والحرية.

في مرحلة ما قبل الوحدة مع مصر، ينتقل الكتاب إلى تحليل العلاقة المتشابكة مع الشيوعيين ومصر والسعودية. يصف المؤلف كيف تحالف الحزب مع خصومه الأيديولوجيين السابقين بشكل واقعي، وكيف أن السفير المصري في دمشق أصبح نافذ القول والمشورة. يروي حادثة لافتة على مائدة عشاء عند رئيس الأركان السوري، حيث اتصل السفير المصري يطلب تعطيل تكليف خصم لتشكيل الحكومة، فاتصل رئيس الأركان بالرئيس شكري القوتلي مدعياً أن الجيش في حالة توتر، مما أجبر القوتلي على التراجع. ويكشف المؤلف أن قيادة الحزب لم تبدِ أسفاً لحل الحزب ضمن اتفاقية الوحدة مع مصر، ظناً منها أنها ستنال مناصب عليا في الدولة الجديدة، لكن خيبة الأمل حلّت سريعاً عندما تبين أن ضباط الحزب لم يحصلوا على المراكز التي توقعوها. ويخلص إلى أن الحزب، بدلاً من أن يظل متمسكاً بشعاراته القومية، انغمس في تحالفات واقعية مع خصومه السابقين وتأثر بالمد الشيوعي واليساري، مما أفقده هويته ومهد الطريق لإنهاء وجوده المستقل.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل النكبات التي حلت بالعرب في عهد حكم البعث في كل من سوريا والعراق. يتحمل المؤلف الحزب مسؤولية هذه الكوارث، معتبراً أنه استعجل الوصول إلى السلطة قبل أن يكتمل بناؤه التنظيمي. يستعرض ست نكبات رئيسية، أبرزها حرب حزيران 1967، حيث يرى أن الحزب أوهم نفسه بانتصار وهمي وانشغل بملاحقة المعارضين داخلياً وتعبئة السجون بدلاً من الإعداد للحرب. ثم ينتقد فشل الحزب في احتواء المسألة الكردية في العراق، متسائلاً لماذا وصلت القضية إلى حافة الانفصال إلا في عهد حكومة البعث. ويصف تدهور العلاقات بين الدول العربية بفعل البعث، الذي حوّل الخلافات السياسية إلى خلافات عقائدية ترفض الحلول الوسطى. ويضرب مثلاً صارخاً بأن العلاقة بين سوريا ولبنان كانت أفضل مئات المرات في عهد الانتداب الفرنسي مما هي عليه اليوم في زمن «البعث الوحدوي». ويتناول سوء سمعة العرب دولياً بسبب البطش والإرهاب في الداخل وتصريحات مسؤولين بعثيين غير مسؤولة مثل «جعل الأسطول الأمريكي السادس طعمة للسمك». والنكبة الأعمق هي إذلال العرب داخلياً، حيث يقارن المؤلف حكم البعث بالحجاج بن يوسف الثقفي من حيث انتزاع عزة النفس وكرامة الإنسان، معتبراً أن الذل الداخلي أصبح «ملكة» نفسية انعكست رعباً وهلعاً أمام العدو الإسرائيلي.

في محاولة لفهم الجذور الاجتماعية العميقة لهذه التحولات، يقدم الكتاب تحليلاً لثلاثة تيارات رئيسية في العالم العربي: التيار المصري (الناصري)، والتيار السعودي (الإسلامي)، والتيار البعثي. لكنه يضيف طبقة أعمق من التحليل، ويكشف عن التيار القبلي والتيار الطائفي كقوى أكثر رسوخاً من الأيديولوجيات. يضرب المؤلف أمثلة واقعية، مثل انحياز القبائل في اليمن للثورة ضد الإمام البدر لأسباب قبلية ومصلحية لا أيديولوجية، وسيطرة القبائل على السلطة في عدن بعد رحيل البريطانيين. وينتقد بشدة سياسات البعث في العراق وسورية في هذا السياق، متّهماً الحزب بإذلال الزعامات العربية القبلية في جنوب العراق ووصفها بالرجعية، وفي المقابل تمكين القوميات الأخرى في الشمال على حساب العرب، والاستيلاء على أراضي العرب في الجزيرة السورية تحت ستار الإصلاح الزراعي. بالنسبة للمؤلف، هذا يمثل طعناً في صميم العروبة وانتقالاً من شعارات القومية والوحدة إلى تغليب شعارات التقدمية واليسار.

أخيراً، يتناول الكتاب انقلاب 17 تموز 1968 في العراق، الذي يعتبره نقطة تحول حاسمة، حيث استولى البعثيون على السلطة كاملة. يقر المؤلف بإمكانية وجود أيادٍ خارجية في تأسيس الحزب ووصوله للحكم، لكنه يؤكد أن ذلك لا ينفي جلال الفكرة ولا وطنية المؤسسين. ويوضح البون الشاسع بين نصوص دستور الحزب التي تنص على الديمقراطية واستقلال القضاء وحرية العقيدة، وبين التطبيق الفعلي الذي شهد سيطرة على القضاء واغتيالات وتصفيات ومصادرة أموال المواطنين وإقرار ربا حكومي. ويذكر تحديداً قانون الإصلاح الزراعي في سورية الذي خفّض الملكية إلى 15 هكتاراً للأرض البعلية و5 هكتارات للمروية، معتبراً أنه ضرب التوازن البشري في الجزيرة السورية لصالح غير العرب على حساب العرب. ويخلص إلى أن البعث الجديد لم يعد هو الحزب القديم، بل خلط المفاهيم وفهم الاشتراكية كماركسية، والحرية كحق حصري للحزبيين، والمساواة كحجر على المواطنين.

يقر المؤلف بحدود روايته في أكثر من موضع، معترفاً بأنه بعد انسحابه أصبح مراقباً خارجياً غير مطلع على التفاصيل الداخلية، كما يطرح أسئلة مفتوحة عن دور الأيادي الخفية التي قد تكون ساهمت في إجهاض الحزب وإفساده من الداخل، دون أن يمتلك أدلة قاطعة. هناك عدة نقاط قابلة للنقاش بوضوح في الكتاب: أولها أن المؤلف يتبنى نظرية المؤامرة في تفسير انحراف الحزب، ملقياً باللوم على قوى خارجية وأجنحة داخلية، مع أنه في الوقت نفسه يتحمل جزءاً من مسؤولية الإقصاء بسبب إصراره هو وعفلق على البقاء خارج الوزارة. ثانياً، هناك تناقض ظاهري بين دفاعه عن ضرورة دخول الحزب للسلطة وإصراره الشخصي على عدم دخولها، وإن كان يبرر ذلك بفلسفة توزيع الأدوار. ثالثاً، ربطه بين الاشتراكية البعثية الأصيلة والمذهب الحنبلي هو تأويل يحتاج إلى تثبت، خاصة أن نصوص الدستور توحي بتأثيرات عصرية أكثر منها دينية. وأخيراً، فإن الرواية كلها تبقى شهادة شخصية ودفاعاً عن موقف سياسي لا يمكن قبوله كحقيقة مطلقة، لكنها تبقى وثيقة مهمة لفهم تيار من خيبة الأمل الداخلية ضمن النخبة المؤسسة التي انقلبت على مشروعها حين رأته يبتعد عن مبادئه.

Chapitres(6)

1.توزيع الشركة114–120▼ résumé

هذا الفصل من كتاب جلال السيد بعنوان «توزيع الشركة» يتناول بالتفصيل الفترة التي تلت سقوط حكم أديب الشيشكلي في سورية، والصراع على تشكيل الحكومة الجديدة، والموقف المتردد لحزب البعث من المشاركة في السلطة. الموضوع المحوري هو تحليل أسباب إقصاء حزب البعث عن الحكومة التي تشكلت بعد انعقاد مؤتمر حمص الثاني، والانتقادات الداخلية القاسية التي وجهها المؤلف لقيادة الحزب التي آثرت العزوف عن الوزارة بدافع «التعفف السياسي» الخاطئ.

يسير الفصل على شكل مذكرات شخصية وسرد تاريخي، يبدأ المؤلف بتبرير منطقي عام حول ضرورة العمل المشترك حتى لو استفاد منه الآخرون، ويرفض فكرة التفرد بالنتائج لأنها تؤدي إلى الشلل. ثم ينتقل إلى التفاصيل: بعد رحيل الشيشكلي، انعقد مؤتمر حمص برئاسة هاشم الأتاسي وضم ممثلين عن الأحزاب الرئيسية والمستقلين. تقرر اعتبار عهد الشيشكلي غير شرعي، وأعيد دعوة مجلس النواب المنحل. يشير المؤلف إلى أنه تأخر عن المؤتمر لأنه كان في السجن، وعندما أفرج عنه كان المؤتمر قد أوشك على الانتهاء، ويرى أن هناك تآمراً متعمداً لإبعاد حزب البعث، مدعوماً من جهات خارجية – ويلمح بقوة إلى حكومة العراق التي كان لها دور في التخطيط لإسقاط الشيشكلي.

يوجه المؤلف نقداً لاذعاً لممثلي حزب البعث في المؤتمر، معتبراً أنهم أظهروا «عدم كفاءة سياسية» حين مكنوا الأطراف الأخرى من إقصائهم بطلبهم هم أنفسهم، عبر المزايدة في التعفف والزهد عن الوزارة. ويرى أن هذا الموقف ينطلق من منطق عامي خاطئ يعتبر الوزارة ربحاً ورفاهية، بينما هي في الحقيقة مسؤولية وعبء، والهروب منها في الظروف القاسية هو تقاعس عن حمل المسؤولية. يشير المؤلف إلى أن الحكومة الجديدة تشكلت من ثلاثة أطراف: المستقلون، حزب الشعب، والحزب الوطني، دون مشاركة البعث.

بعد عودته من السجن وهو مريض، يروي المؤلف أنه رفض ما فعله زملاؤه وقرر إقناعهم بضرورة إعادة النظر. كان يرى أن حزب البعث هو من قاد المعركة ضد الطغيان وتسبب في سقوط العهد، فكيف لا يكون من الوراثين للسلطة؟ وحذر من أن ابتعاد الحزب عن الحكم سيجعل الأحزاب الأخرى تقول إن البعث مجرد حزب طلابي يهتف له في الشوارع، وليس أهلاً لقيادة الدولة. نجح المؤلف في إقناع القيادة، وبدأت مساعٍ للتفاوض مع الأحزاب الأخرى، وتوسط شخصيات من خارج سورية مثل سلطان باشا الأطرش وكمال جنبلاط من لبنان.

بعد مداولات استمرت أياماً، وافقت الأحزاب على مشاركة البعث بثلاثة مقاعد وزارية. هنا يتوقف المؤلف لتصحيح خطأ وقع فيه الدكتور منيف الرزاز في كتابه «التجربة الملزمة»، حيث قال إن المؤلف رفض دخول الوزارة، بينما الحقيقة أن الأحزاب هي التي نكثت بعد موافقتها الأولية، بتأثير من جهات خارجية – ويجزم بأن حكومة العراق كان لها «الباع الطويل» في تقويض العهد الجديد أيضاً. يكشف المؤلف عن اتفاق تام بين حزب الشعب والحزب الوطني وحكومة العراق للانقضاض على العهد، وأن حزب البعث كان خارج هذه «المباراة» رغم أن معظم السجناء الذين أسقطوا الشيشكلي كانوا من البعث.

يختتم الفصل بمشهد حواري مطول بين المؤلف وميشيل عفلق، يوضح فيه المؤلف فلسفته في اختيار الوزراء. يقترح أن يكون هو وعفلق خارج الوزارة، الأول ليبقى متفرغاً لقيادة الحزب وضبطه (لأن عفلق كان وزيراً من قبل وحاز شهرة واسعة)، والثاني (المؤلف) ليبقى في مجلس النواب حيث ميدانه المناسب. بدلاً منهما، يقترح صلاح البيطار ليكون وزيراً لأنه لم يمارس عملاً رسمياً من قبل، ولإخراجه من انطوائيته واختبار كفاءاته. ويقترح أيضاً أكرم الحوراني ليكون وزيراً، لأن بقاءه خارج الوزارة سيجعله متطرفاً في مطالبه، بينما المسؤولية الرسمية ستجبره على الاعتدال والواقعية، وقد تحسن علاقته مع زملائه. يقبل عفلق هذه التحليلات بارتياح. وفي النهاية، يعلن المؤلف أن الأحزاب رفضت التعاون معهم وطمست البحث كله، ويؤكد أن قصده من عرض هذا الحوار هو إطلاع القراء على المناخ الفكري والنفسي الذي كان يعيشه حزب البعث، والذي كان زعماؤه عازفين عن السلطة إلى حد الذهول، وكانت مهمتهم الأساسية قاصرة على التبشير القومي والأخلاقي وليس على الحكم.

تظهر في الفصل حجج قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها أن المؤلف يتحمل جزءاً من مسؤولية إقصاء الحزب عبر إصراره هو وعفلق على البقاء خارج الوزارة وتزكية آخرين، لكنه في الوقت نفسه يلقي باللوم كله على الأحزاب الأخرى والتدخل العراقي. هناك أيضاً تناقض ظاهري بين دفاعه عن ضرورة دخول الحزب للسلطة وإصراره الشخصي على عدم دخولها، لكنه يبرر ذلك بفلسفة التخصص وتوزيع الأدوار.

2.ذيول الانسحاب133–145▼ résumé

يطرح الفصل المحوري من كتاب جلال السيد موضوع انسحاب المؤلف من حزب البعث العربي الاشتراكي، ويقدم سرداً تفصيلياً للأسباب التي أدت إلى هذا القرار الحاسم، مع التركيز على الادعاءات والاتهامات التي وجهت إليه دفاعاً عن موقفه. يهدف المؤلف من خلال هذا السرد إلى توضيح ملابسات الانسحاب وتبيان أنه لم يكن نتيجة خلاف شخصي بل انعكاساً لتباين جوهري في الرؤى القومية والاجتماعية والأخلاقية داخل الحزب.

يسير الفصل خطوة خطوة بدءاً من اتهامات وجهت للمؤلف لدفعه للانسحاب، أبرزها اتهامه بـ "الإقطاعية" و "الرأسمالية" و "قسوة معاملة الفلاحين" واستغلال نفوذ الحزب لمصالحه الشخصية بعد انقلاب آذار 1963. يفند المؤلف هذه الاتهامات واحداً تلو الآخر؛ فيرد على تهمة الإقطاع بأنه لم يملك أراضٍ شاسعة تستوجب تطبيق قانون الإصلاح الزراعي الذي حدد الملكية بـ 50 دونماً في الأراضي المروية على ضفاف الخابور، وبأنه ورث مكانة اجتماعية لا أرضاً، شبيهاً بـ "جان سان تير" (جان بلا أرض) في الثورة الفرنسية. أما تهمة الرأسمالية فيرد عليها بأن عائلته كانت مضرب مثل في الفقر، وأن ديون الضرائب الباهظة التي تراكمت عليه أتت نتيجة سخائه وإنفاقه على القضايا القومية والخيرية لا ثرائه. ونفى بشدة تهمة قسوته على الفلاحين مستشهداً بعلاقته الأخوية معهم وبالتحقيق الرسمي الذي أوقفه الفلاحون أنفسهم، وأكد أن البنية القبلية في المنطقة تجعل أي اعتداء على فلاح مستحيلاً.

ينتقل المؤلف بعدها إلى الأسباب الأعمق لانسحابه، والتي تتعلق بتحولات جوهرية في الحزب نفسه. يذكر منها: تزايد التآمر الداخلي بين الفئات والأجنحة داخل الحزب، وابتعاد الحزب عن خطه القومي وانجراره خلف التيار الشيوعي، والتخلي عن الأخلاق الحزبية الرفيعة كالوفاء والإيثار والنخوة، وصولاً إلى استباحة دماء المواطنين المخالفين. ويتهم الحزب بالانخراط في تحالفات غير مبدئية مع دول عربية وأطراف داخلية متناقضة مع أيديولوجيته، مثل التحالف مع دول يصفها بـ "مرتع الرأسمالية" ومع زعماء القبائل وكبار ملاك الأراضي في البرلمان، مما جعله يتدول ولم يعد ملكاً لأعضائه. كل ذلك قاده إلى قناعة بأن الحزب يسير في طريق مسدود تحت تأثير أيدٍ خفية تهدف لإنهاء وجوده.

نتيجة لهذه القناعات، يصف المؤلف قراره بالانسحاب بعد أن أعدّم الفكر فلم يجد مخرجاً سوى السلامة، فقدم كتاب استقالته في آب من عام 1965 إلى الأمين العام ميشيل عفلق. لم يكتفِ بذلك، بل أوضح أنه بعد انسحابه، تلقى عرضاً من الرئيس شكري القوتلي لتولي منصب وزاري، رفضه خوفاً من أن يُفسر على أنه نتيجة تفاهم مسبق مع الانسحاب. ويعترف المؤلف في هذا السياق بحدود روايته، مؤكداً أنه حاول إبراز الأحداث ذات الأثر على الحزب مع شرح الأهداف والمقاصد البعيدة، لكنه يقر بأنه بعد الانسحاب أصبح مراقباً خارجياً ليس مطلعاً على التفاصيل الداخلية، الأمر الذي غير لهجته في الكتابة عن الحزب.

أخيراً، يتناول الفصل "ذيول الانسحاب" المتمثلة في ردود فعل الأعضاء. فقد جاءت وفود من فروع متعددة كـ منطقة دير الزور و فرع الأردن تطلب توضيحاً، وأبدى بعضهم رغبة في الاقتداء به. لكن المؤلف نصحهم بالبقاء لعل السلوك الجديد يكون أنجع. لكن هذه النصيحة لم تمنع، كما يذكر، انفصالاً تدريجياً لأعضاء كثر، خاصة في المناطق الشرقية، مما أوجد فراغاً ملأته عناصر أخرى. ويخلص المؤلف إلى أن انسحابه مثّل ضربةً للحزب، حيث توقف نموه وركد، ونفرت منه الجماهير في المناطق التي كانت تمثل معقله، وأصيب الشبان في لبنان الذين كانوا معجبين بمبادئه ومواقفه القومية في مجلس النواب بخيبة أمل عندما غاب ذلك الصوت. ويشير سخريةً إلى أن الوحدة المصرية السورية التي جاءت بعد أكثر من ثلاث سنوات من انسحابه، كانت بمثابة إجهاض الحزب لنفسه بقرار من قيادته. يختم المؤلف باستنتاجه أن مثالية البعث في الخارج لم تعد تعبر عن واقع الحزب المنحل داخلياً، مما يؤكد صحة قراره بالانسحاب وإن كان موجعاً، ويترك الباب مفتوحاً لإمكانية أن يكون تقديره خاطئاً ويأمل أن يثبت العكس.

هذا السرد، على قوته، يظل رواية شخصية تحمل منظوراً واحداً للأحداث من الداخل، وهو بطبيعته دفاع عن موقف سياسي لا يمكن قبوله كحقيقة مطلقة. يقدم الفصل نفسه كوثيقة مهمة لفهم تيار من خيبة الأمل الداخلية ضمن الحزب، لكنه يخلو من أي منظور نقدي خارجي أو تقييم موضوعي لسياسات البعث بشكل عام. يمكن القول إن الفصل يشكل شهادة مؤثرة لأحد المؤسسين الذين انقلبوا على مشروعهم حين رأوه يبتعد عن مبادئه، لكن هذه الشهادة تبقى جزئية ومحكومة بإطارها الذاتي والدفاعي.

3.البعث والعلاقة مع مصر قبل الوحدة147–158▼ résumé

ملخص الفصل: «البعث والعلاقة مع مصر قبل الوحدة»

يدور هذا الفصل حول التحولات الكبرى التي طرأت على حزب البعث العربي في مرحلة ما قبل الوحدة مع مصر، مركزاً على علاقاته المتشابكة مع الشيوعيين ومصر والسعودية، وكيف أدت هذه العلاقات إلى انحراف الحزب عن مثاليته الأولى وصولاً إلى حله الطوعي لاحقاً. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الحزب، بدلاً من أن يظل متمسكاً بشعاراته القومية، انغمس في تحالفات واقعية مع خصومه السابقين وتأثر بالمد الشيوعي واليساري، مما أفقده هويته ومهد الطريق لإنهاء وجوده المستقل.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل. يبدأ بوصف كيف بدأ الحزب بمجد من مقاومة الشيوعيين، ثم انقلب إلى التحالف معهم. يعلل المؤلف هذا التحول بعاملين: الأول، أن الشيوعية الدولية رأت في البعث أداة للتعاون ضد الغرب وحلفائه في المنطقة. الثاني، تسلل شيوعيين إلى الحزب تحت غطاء الانتماء للحصول على مكاسب، مستشهداً بحادثة في العراق حيث دخل سجن الحزب اثنان وعشرون شاباً شيوعياً، وبعد أشهر خرجوا جميعاً بعثيين، وهي نتيجة لمؤامرة وليست معجزة. يصف المؤلف كيف أصبح الانتماء للشيوعية "زينة" للشباب في منتصف الخمسينات، وتزامن ذلك مع انتشار واسع للكتب الشيوعية الموزعة مجاناً، والتي غطت على المعرفة بالإسلام وقادة القومية العربية.

يشرح الفصل الأسباب التي جعلت المواطنين العرب يتقبلون المد الشيوعي، وأهمها النقمة على الغرب بسبب دعمه لـ إسرائيل واستعماره لبلاد مثل المغرب وعمان وعدن، مما جعل الانحياز للشرق (المعسكر السوفياتي) يُرى كخدمة قومية. لكن المؤلف يشير إلى أن هذا كان مخططاً غربياً صهيونياً لخلخلة الوجود العربي، وأن الغرب كان واثقاً من إمكانية اقتلاع هذا المد لاحقاً كما حدث في مصر حين طردت الخبراء الروس. ونتيجة لهذا المناخ، أصبح شعار "الاشتراكية" هو المهيمن في الحزب على حساب شعارَي الوحدة والحرية، وظهر تكيف أخلاقي بين البعثيين والشيوعيين جعل إحدى الفئتين تشبه الأخرى.

بعد ذلك، ينتقل الفصل للحديث عن "المد اليساري" الذي تزامن مع صعود نجم جمال عبد الناصر ونفوذ السفير المصري في دمشق، الذي أصبح يتمتع بمنزلة استثنائية. يصف المؤلف تحالفاً واقعياً غير رسمي في سورية يجمع الشيوعيين وأقصى اليمين مثل خالد العظم وأقصى اليسار، بالإضافة إلى أنصار مصر والسعودية، وكان الغرض الأساسي منه منع أي وحدة أو تنسيق بين سورية والعراق. يروي المؤلف حادثة اغتيال عدنان المالكي على يد سوري قومي اجتماعي، والتي استغلها البعثيون والشيوعيون معاً لتوجيه ضربة قاصمة لحزب السوريين القوميين الاجتماعي، واتهام خصومهم في الحزب من "اليمين" بالتآمر مع حكومة العراق لإسقاط الحكم. تم اغتيال الرجلين معنوياً ومادياً بمحاكمة انتهت بأحكام إعدام، ثم أفرج عنهم لاحقاً في عهد الوحدة السورية المصرية.

في محاولة أخيرة لرصد الانحراف، يذكر الفصل موقف الحزب من الانتخابات الرئاسية السورية التي تنافس فيها شكري القوتلي وخالد العظم. على الرغم من أن خالد العظم كان معروفاً ببعده عن العمل القومي، إلا أن الحزب تحالف معه وتبناه بدعم من السعودية ومن حكومة الاتحاد السوفياتي. كانت النتيجة أن الحزب لم يحقق فوزاً لمرشحه، بل حصل القوتلي على أكثر الأصوات، وكشف هذا الموقف عن ضعف الحزب وتبعّيته لتحالفات خارجية.

الجزء الأخير من الفصل يركز على العلاقة مع مصر قبل الوحدة مباشرة. يصف المؤلف هذه العلاقة بأنها كانت تبعية كاملة، حيث أن السفير المصري كان "نافذ القول والمشورة". يروي حادثة حدثت على مائدة عشاء عند رئيس الأركان السوري، حيث أتصل به السفير المصري يطلب منه تعطيل تكليف خصم لتشكيل الحكومة، فاتصل رئيس الأركان بالرئيس القوتلي مدعياً أن الجيش في حالة توتر، مما أجبر القوتلي على التراجع عن تكليفه. ويكشف المؤلف أن حزب البعث ساعد في تمهيد الطريق للوحدة، لكن المفاجأة كانت أن الوحدة تحققت بشكل اندماجي كامل لم يكن متوقعاً، مما فكك التحالف القديم الذي جمع البعث بالشيوعيين والسعودية. وأخيراً، يقرر المؤلف أن قيادة الحزب لم تبدِ أسفاً لحل الحزب ضمن اتفاقية الوحدة، لأنها رأت في ذلك فرصة للتخلص من انقساماته، ولأنها ظنت أنها ستنال مناصب عليا في الدولة الجديدة. لكن خيبة الأمل سرعان ما حلت عندما تبين أن ضباط الحزب لم يحصلوا على المراكز التي توقعوها، وأن رجالاً من فئات أخرى نالوا حظوة لدى جمال عبد الناصر.

يقر المؤلف ضمنياً بحدود هذا السرد، فيُشير إلى أن الحادثة التي رواها عن رئيس الأركان والسفير المصري هي مثال واحد فقط من "مثيلاتها الكثيرة"، تاركاً المجال للقارئ لاستنتاج حجم التبعية. يُبقي الفصل أسئلة مفتوحة حول كيف يمكن لحزب قومي أن يتحالف بسهولة مع خصومه الأيديولوجيين (الشيوعيين) ومع خصومه التاريخيين (اليمين المتطرف)، وكيف أن الانغماس في السياسة اليومية وفي المناورات الخارجية جعله يضيع هويته حتى قبل أن تُحل مؤسساته. حجة رئيسية قابلة للنقاش في النص هي أن التحولات التي أصابت البعث لم تكن مجرد خطأ تكتيكي، بل كانت نتيجة انجراف كامل نحو واقعية سياسية جعلت منه أداة في يد قوى خارجية (مصر، السعودية، الاتحاد السوفياتي) بدلاً من أن يكون فاعلاً قومياً مستقلاً.

4.17 تموز 1998200–229▼ résumé

ملخص الفصل: «17 تموز 1998»

يتناول هذا الفصل من كتاب "حزب البعث العربي" لجلال السيد انقلاب 17 تموز 1968 في العراق، وهو التاريخ الذي يصفه الكاتب بأنه نقطة تحول حاسمة في مسار الحزب، حيث استولى البعثيون على السلطة كاملة بعد أن كانوا شركاء في انقلاب 17 تموز 1958. يقدم المؤلف إجابة محورية مفادها أن حزب البعث تحوّل بشكل جذري عن مبادئه التأسيسية بعد وصوله إلى السلطة، وأصبح أداة في أيدي فئات محلية ذات مصالح خاصة، لا تعبّر عن الفكر البعثي الأصيل.

يسير الفصل عبر عدة مسارات متوازية. يبدأ بمقارنة بين انقلاب شباط 1953 الأول في العراق وانقلاب تموز 1958، مشيراً إلى أن الأول كان دفاعياً عن الكيان القومي بينما الثاني جاء في ظل حكم ضعيف مهلهل لـعبد الرحمن عارف، وكان سلمياً لا يحمل طابعاً وحدوياً. ثم ينتقل إلى وصف طبيعة العنف في الحزب، مستشهداً بكيفية إقصاء البعثيين لشركائهم في الانقلاب مثل عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود، معتبراً أن هذه الممارسات ليست غدراً خاصاً بالبعثيين بل هي طبيعة الانقلابات العسكرية نفسها.

يخصص الكاتب جزءاً كبيراً لتفنيد الاتهامات الموجهة للحزب بأنه تأسس بتخطيط أجنبي يهدف لتمزيق الوجود العربي. يقرّ الكاتب بإمكانية وجود أيادٍ خارجية، لكنه يؤكد أن ذلك لا ينفي جلالة الفكرة ولا وطنية المؤسسين الأولين، وأن الحزب استجاب لحاجات الأمة لا لضغوط خارجية. لكنه يعود ليقول إن الاتباع هم الذين طبعوا العقيدة بطابعهم المحلي وانحرافاتهم.

يتناول الفصل بالتفصيل البون الشاسع بين نصوص دستور الحزب وتطبيقاته. يورد الكاتب نصوصاً دستورية تنص على الديمقراطية، واستقلال القضاء، وحرية العقيدة، ومنع استثمار جهد الآخرين، وتحريم الربا، ثم يبيّن أن التطبيق جاء على النقيض تماماً: سيطرة على القضاء، اغتيالات وتصفيات، مصادرة أموال المواطنين، وإقرار ربا حكومي. ويذكر تحديداً قانون الإصلاح الزراعي في سورية الذي خفّض الملكية إلى 15 هكتاراً للأرض البعلية و5 هكتارات للمروية، معتبراً أنه ضرب التوازن البشري في الجزيرة السورية لصالح غير العرب على حساب العرب.

ينتقل الكاتب إلى تحليل الانحراف الأيديولوجي للحزب. يرى أن الاشتراكية البعثية الأصيلة كانت عربية إسلامية حنبلية، لا تمت للماركسية بصلة، فهي تنادي بالأمة وتناهض الصراع الطبقي. لكن الحزب تحوّل تدريجياً نحو الماركسية، متأثراً بالعلاقات مع الدول الشيوعية وباتباعه النموذج الاشتراكي على حساب الدعامة القومية. ويخلص إلى أن البعث الجديد لم يعد هو الحزب القديم، بل خلط المفاهيم وفهم الاشتراكية كماركسية، والحرية كحق حصري للحزبيين، والمساواة كحجر على المواطنين.

يوثق الفصل عزلة حكومات البعث في السياسة العربية والخارجية. في العلاقات العربية، يصف عداءها للدول الملكية وبرودها مع الدول التقدمية، وصولاً إلى الخلافات بين جناحي الحزب في سورية والعراق. ويعتبر أن سبب التباعد هو المصالح الخاصة للحكام، رغم انتسابهم لحزب واحد. ويضرب مثلاً بحادثة القطيعة بين سورية ولبنان في 1980، مقارناً بين موقف البعث آنذاك الذي عارض القطيعة وموقعه الحالي الذي يعزلها. وفي السياسة الخارجية، يرى الكاتب الحزب متحالفاً مع الاتحاد السوفياتي وحيداً، متجاهلاً مصالحه القومية لصالح مواقف مبدئية جامدة، منتقداً معاهدة العراق مع الاتحاد السوفياتي واعتبارها تفرداً يضر بالعمل العربي المشترك كحلف بغداد.

يقرّ الكاتب في مواضع متعددة بصعوبة تحديد علاقات السببية بين الأحداث. هو يطرح احتمالات عدة دون الجزم بإجابة واحدة، مثل التساؤل عن كيفية وصول البعث للسلطة وهو غير مؤهل عددياً ولا كفاءةً. ويترك الأسئلة مفتوحة حول دور الأيادي الخفية في تمهيد الطريق للحزب ليتحطم بالحكم، كما يعترف بأنه يعجز عن الإجابة العقلية المنطقية عن بعض الظواهر. في نهاية الفصل، يصف المؤلف موقف الحزب من إسرائيل بأنه سليم، رافضاً الحل السلمي وقرارات مجلس الأمن.

يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه: أبرزها أن الكاتب يتبنى نظرية المؤامرة في تفسير انحراف الحزب، معتبراً أن الأعداء خططوا لـ"إجهاض" الحزب وإفساده. هذه النظرة تلقي بظلالها على تحليله، على الرغم من اعترافه المتكرر بأن التطبيق المحلي والاتباع هم المسؤولون المباشرون. كما أن ربطه بين الاشتراكية البعثية الأصيلة والمذهب الحنبلي هو تأويل يحتاج لتثبت، خاصة أن نصوص الدستور التي يوردها توحي بتأثيرات عصرية أكثر منها دينية. كذلك، فإن انتقاده للعلاقات العربية–العربية دون تقديم بديل عملي يترك فجوة في المنطق، خاصة في ظل الظروف الإقليمية التي يصفها بنفسه بأنها مليئة بالأخطار على الوجود العربي.

5.نكبات على عهد البعث234–247▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على "النكبات" التي حلت بالعرب في عهد حكم حزب البعث في كل من سوريا والعراق، ويحاول المؤلف جلال السيد تفكيك مسؤولية الحزب عنها. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الحزب تحمّل مسؤولية هذه الكوارث لأنه استعجل الوصول إلى السلطة قبل أن يكتمل بناؤه التنظيمي واستعداداته لإدارة الدولة، مما جعله يتحمل تبعات أحداث كانت ستقع حتى لو لم يكن في الحكم، لكنه أُجبر على دفع الثمن سياسياً وأخلاقياً.

يسير الفصل باستعراض ست نكبات رئيسية، يبدأها بـحرب حزيران (1967)، ويصفها بأنها كارثة لم يشهد لها التاريخ العربي الحديث مثيلاً منذ نكبة فلسطين. هنا، يتحمل حزب البعث في سوريا المسؤولية الكبرى لأنه كان "الدولة" الحاكمة. يرى المؤلف أن الحزب لم يكتفِ بالإعداد غير الكافي للحرب، بل وأوهم نفسه والآخرين بانتصار وهمي، حيث قال مسؤول حزبي إن فشل إسرائيل هو انتصار لسوريا لأن نظام الحكم بقي مستقراً. نقطة الضعف الكبرى التي يوجهها المؤلف هي انشغال الحزب بملاحقة المعارضين داخلياً وتعبئة السجون بالقيادات الشعبية، مما شلّ القدرة على المواجهة وقت الأزمة.

ثم ينتقل الفصل إلى المسألة الكردية في العراق، محمّلاً الحزب مسؤولية فشله في احتواء الأزمة. بصفته حزباً قومياً واحداً، لم يكن لـ"بعث سوريا" أن يتخلى عن "بعث العراق" في هذا الملف. يرى المؤلف أن الأكراد إخوة للعرب، وأن اتفاقية 11 آذار [عام 1970 يحتاج تحققاً] كانت محاولة لحل الخلاف، لكنه يتساءل لماذا وصلت القضية إلى حافة الانفصال إلا في عهد حكومة البعث؟ ويشير إلى احتمال وجود "يد خفية" أوّجَدت الخصومة، لكنه يصر على أن الحزب كان بإمكانه ترك مسؤولية الاتفاقية لغيره بدلاً من تحمّل وزر اتفاقية لا تخدم العرب ولا الأكراد على المدى البعيد.

أما النكبة الثالثة فهي تدهور العلاقات بين الدول العربية، حيث يرى المؤلف أن البعث بدلاً من أن يكون وسيطاً جامعاً، عمّق الخلافات وحوّلها من خلافات سياسية إلى خلافات عقائدية (إيديولوجية) ترفض الحلول الوسطى. يشير إلى مفارقة كبرى: بينما يتعايش الغرب والشرق رغم خلافاتهم، فإن الدول العربية المتقدمة مثل سوريا، العراق، الجزائر، واليمن الشعبية لا رابط بينها، والقطيعة أصبحت هي الغاية. ويضرب مثالاً صارخاً بالعلاقة بين سوريا ولبنان التي كانت أفضل مئات المرات في عهد الانتداب الفرنسي مما هي عليه اليوم في زمن "البعث الوحدوي"، حيث الحدود والجمارك والأمن العام أصبحت عائقاً.

وفي النكبة الرابعة، سوء سمعة العرب دولياً، يرى المؤلف أن المبادئ الإنسانية التي قام عليها الحزب كانت كفيلة بتحسين صورة العرب عالمياً، لكن العكس حدث. حكومات البعث أظهرت تخلفاً سياسياً وفكرياً وبطشاً وإرهاباً في الداخل، مما جعل العالم ينظر إليها كأنظمة لا. ديمقراطية. وكمثال على "المراهقة السياسية"، يسرد تصريحات لمسؤولين بعثيين مثل "جعل الأسطول الأمريكي السادس طعمة للسمك" أو "بناء نفق من دمشق إلى القدس"، وهي تصريحات لا تعكس قوة بل انعدام الشعور بالمسؤولية وتعرض العرب لخطر المادية والمعنوية.

أما النكبة الخامسة فهي إذلال العرب داخلياً؛ فيقرن المؤلف حكم البعث بـ الحجاج بن يوسف الثقفي من حيث انتزاع عزة النفس وكرامة الإنسان. يفسر المؤلف ذلك بأن الحزب استخدم الإرهاب كضرورة لاستتباب حكمه، مما عمّق شعور الذل والخوف داخل المجتمع، حتى بين الأقرباء والأصدقاء. ويصرح بأن هذه المذلّة الداخلية أصبحت "ملكة" نفسية امتدت إلى الخارج، فانعكست رعباً وهلعاً أمام العدو الإسرائيلي، وهو رعب يرى المؤلف أنه هزم العرب قبل أي سلاح. ويستدرك بأن العراق وسورية اختلفت درجات الإرهاب، ففي سورية بعض التورع، لكن الصدمة لدى الشعب كانت أكبر لأن البعث كان يُفترض به أن يجلب الحرية لا العبودية.

آخر النكبات هي بروز الإقليمية (القطرية) رغم شعارات الوحدة. يرى المؤلف أن الانقسامات بدأت بعد انفصال الوحدة مع مصر، لكن البعث لم يعالجها بل عمّقها. انقلاب 8 آذار 1963 جاء لتحقيق الوحدة، لكن بعد عشر سنوات لم تتحقق. ينتقد المؤلف سياسة الرئيس جمال عبد الناصر التي يراها تهدف إلى وحدة تقوم على هيمنة مصر، وليس وحدة حقيقية بين متساويين. ويتساءل: إذا كان الحزب يعجز عن تحقيق الوحدة بسبب مقاومة داخلية، فلماذا يعيب على الآخرين عجزهم؟ ويضرب مثلاً بتصرف كل قطر كدولة مستقلة بذاتها تبرم المعاهدات دون مراعاة للمصلحة القومية.

يقرّ المؤلف في أكثر من موضع بأن الأحداث كانت أكبر من البعث، لكنه يرفض إعفاءه من المسؤولية لأنه تصدّر المشهد. كما أنه يطرح تساؤلات مفتوحة عن وجود "أيادٍ خفية" قد تكون ساهمت في تأجيج الخلافات، لكنه لا يملك الدليل. هناك حجة واضحة قابلة للنقاش وهي أن المؤلف يعتبر أن أخطاء البعث في الملف الكردي والحرب والإعلام كانت اختياراً سيئاً وليس قدراً محتماً. كما يُظهر تحيزاً واضحاً في معالجة حادثة ميونيخ، حيث يُبررها نفسياً ويحمل الإعلام العربي والإسرائيلي مسؤولية تشويه صورة العرب، مما يطرح تساؤلاً عن مدى موضوعيته في هذا المقطع تحديداً. في المجمل، الفصل هو لائحة اتهام سياسية وأخلاقية لحزب البعث، تركز على فجوة قاتلة بين الشعارات القومية والممارسة السلطوية.

6.ثلاث تيارات في بلاد العرب248–259▼ résumé

ملخص فصل «ثلاث تيارات في بلاد العرب» من كتاب "حزب البعث العربي" لجلال السيد

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول طبيعة القوى الفاعلة في العالم العربي، ويقدم إجابة مفادها أن الصراع الدائر لا يقتصر على تيارات سياسية أو أيديولوجية سطحية، بل تمتد جذوره إلى تيارات اجتماعية ونفسية أعمق، وعلى رأسها التيار القبلي والطائفي، التي تتفاعل مع التيارات الفكرية الكبرى وتطغى عليها غالباً. يرى المؤلف أن فهم هذه التيارات الثلاثة الرئيسية — المصري (الناصري)، السعودي (الإسلامي)، والبعثي — وتفاعلها مع التيارات التقليدية، هو مفتاح فهم السياسة العربية المعاصرة وعقبات الوحدة.

يسير الفصل خطوة خطوة عبر تحليل هذه التيارات. يبدأ بالتشخيص بأن مرحلة ما بعد عبد الكريم قاسم في العراق رسخت مفهوم "الدولة التامة" لكل قطر، مما أدى إلى شرذمة وتبادل للشكوك بين الدول العربية، وأضعف المشروع الوحدوي. ثم ينتقل إلى تفصيل التيارات الثلاثة. التيار الأول، وهو التيار المصري (الناصري)، ينظر إلى القومية العربية من منظور سياسي ودولي، ويرى أن تحقيق الوحدة يبدأ ببناء دولة عربية موحدة عبر الحوار والمصلحة المشتركة. التيار الثاني، التيار السعودي، ينطلق من مركزية الإسلام، معتبراً أن النهضة العربية لا تتم إلا بالعودة إلى الشريعة الإسلامية وجعلها أساس الدولة، وهو يرفض إدخال الأيديولوجيات اليسارية أو الماركسية. التيار الثالث، وهو تيار البعث في انطلاقته الأولى، يرى أن العروبة والإسلام مادة واحدة متلاحمة، ويؤمن بوحدة الأمة قبل وحدة الدولة، معتبراً أن وحدة الأمة هي الطريق لتحقيق وحدة الدولة، وهذا يختلف جوهرياً عن النظرة المصرية التي تبدأ بالدولة.

لكن الفصل لا يكتفي بهذه التيارات الفكرية، بل يغوص أعمق ليكشف عن التيار القبلي و التيار الطائفي كقوى أكثر رسوخاً في النفوس. يقدم المؤلف أدلة من الواقع: في اليمن، انحياز القبائل للثورة ضد الإمام البدر أو للجمهوريين لم يكن مدفوعاً بشعارات التقدمية أو الرجعية، بل بأسباب قبلية ومصلحية بحتة، الأمر الذي يتجلى في انحياز القبيلة بأكملها ككتلة واحدة في اتجاه سياسي واحد. وفي عدن، سيطرت القبائل على السلطة بعد رحيل البريطانيين. وفي العراق، يرى المؤلف أن السلوك القبلي غالباً ما يتحكم في الدولة رغم الشعارات التقدمية. يضرب مثلاً بأن بعض المدن السورية كانت القبائل فيها تتخذ هويات سياسية (بعثية، ناصرية) تعبيراً عن تنافسها القبلي لا عن قناعة أيديولوجية. أما التيار الطائفي، فيعتبره المؤلف امتداداً للتيار القبلي، حيث لاحظ أن الصراع في اليمن اتخذ بُعداً طائفياً بين الشافعية (الجمهوريون) والزيدية (الملكيون)، وهو ما يتكرر في العراق وسورية. ويشير الفصل إلى أن الحكومات تُتهم دائماً بالعمل لصالح طائفة معينة، حتى لو كانت هذه الاتهامات نابعة من رقابة خارجية أو من طبيعة التكوين الاجتماعي للحكام.

يتناول الفصل بعد ذلك قضية حساسة: هل حزب البعث عنصري؟ يعود إلى نص دستور الحزب ليفسر تعريف "العربي" بأنه من يتحدث العربية ويعيش في أرضها أو يتطلع لذلك ويؤمن بانتمائه للأمة. يرى المؤلف أن هذا التعريف، رغم أنه لا يعتمد على العرق الصرف كالنظرية النازية، إلا أنه فضفاض ويمكن تفسيره بشكل عنصري في مراحله الأولى، متأثراً بالمناخ القومي السائد والنزاع مع الأتراك حول لواء إسكندرونة. لكن الفصل يتابع ليقول إن البعث تراجع عن هذه النزعة وتأثر بالشيوعيين، مما دفعه للصمت عن الهجوم على العرب في زنجبار بحجة أن الحكم الذي ذبحهم كان "تقدمياً"، واضعاً التقدمية فوق العروبة. والأكثر أهمية، أن الفصل ينتقد بشدة سياسات البعث في العراق وسورية، متّهماً الحزب في طور الدولة بإذلال الزعامات العربية القبلية في جنوب العراق ووصفها بالرجعية، وتمكين القوميات الأخرى في الشمال على حساب العرب، والاستيلاء على أراضي العرب في الجزيرة السورية تحت ستار الإصلاح الزراعي. بالنسبة للمؤلف، هذا يمثل طعناً في صميم العروبة وانتقالاً من شعارات القومية والوحدة إلى تغليب شعارات الاشتراكية والتقدمية واليسار.

يقر الفصل بوجود حدود وتحفظات. ففي مناقشة الطائفية، يعترف المؤلف بأن ظاهرة تهميش الحكام الحزبيين لطوائف أخرى قد تكون غير مقصودة، بل ناتجة عن طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تجعل الحكام يحيطون أنفسهم بأبناء طائفتهم أو منطقتهم دون تعصب صريح. لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن هذا لا يعفي الحزب من مسؤولية تجنب هذه المظاهر التي تشوه أهدافه وتغذي الاتهامات ضده. ويترك الفصل أسئلة مفتوحة حول كيفية التوفيق بين هذه التيارات الثلاثة وبين التيار القبلي والطائفي، معتبراً أن أي محاولة للقضاء على أحدها هي أمر صعب وقد يضر بالقوى العربية في مواجهة أعدائها، وبالتالي فإن "التسوية" بينها ضرورة ملحة.

من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، الطريقة التي يقدّم بها التأثير القبلي والطائفي كعامل حاسم ومفسّر رئيسي للسلوك السياسي العربي، مما قد يُقلل من أهمية الأيديولوجيا والقناعات السياسية كعوامل مستقلة. كما أن انتقاده للبعث كدولة (في العراق وسورية) بأنه تخلّى عن القومية لصالح التقدمية هو تقييم قاسٍ يحمّل الحزب مسؤولية تراجع النفوذ العربي لصالح قوى أخرى، وهي مسألة يعتبرها المؤلف دليلاً على تراجع المبادئ الأولى للحزب.