Almawred
English

Nusayriah in Secular Turkish Rep

1 janvier 2008enIstanbul Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi

يقدّم كتاب "النصيرية في الجمهورية التركية العلمانية" للأستاذ المشارك الدكتور محمد دالكليتش دراسةً أكاديميةً شاملةً عن جماعة النصيرية (التي تُعرف أيضاً بالعلويين في السياق التركي)، بوصفها طائفةً دينيةً باطنيةً تعيش في محيط علماني. الموضوع المحوري للكتاب هو استقصاء كيفية حفاظ هذه الطائفة على هويتها ومعتقداتها السرية لأكثر من ألف عام، رغم الاضطهاد المتكرر وتهديد الانقراض من قبل الحكام والحكومات ذات الأغلبية السنية، وذلك ضمن الدولة التركية الحديثة التي تبني النظام العلماني. يدافع المؤلف عن فكرة أن النصيرية ليست مجرد فرقة من الإسلام، بل هي ديانة مستقلة ذات طابع توفيقي، وأن بقاءها يعود إلى حد كبير إلى مبدأ التقية الذي يوجب إخفاء المعتقدات. الكتاب لا يقدم حكماً قيمياً على هذه المعتقدات، بل يسعى إلى شرحها وتحليل وضعها القانوني والاجتماعي في تركيا.

تنطلق حجة الكتاب من تعريف الطائفة وأصولها التاريخية، ثم تنتقل إلى وضعها ضمن السياق القانوني والديموغرافي للجمهورية التركية، وتنتهي بتحليل معتقداتها وطقوسها وعلاقاتها مع الجماعات الأخرى. يبدأ المؤلف بمناقشة إشكالية التسمية، فيوضح أن المصطلح التاريخي "نصيرية" مشتق من اسم مؤسس الطائفة محمد بن نصير النميري (الذي عاش في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي)، والذي ادّعى النبوة وألوهية الإمام علي الهادي. أما تسمية "علويين" فهي تسمية لاحقة، استخدمها المستعمر الفرنسي في سوريا بين 1920 و1936 حين أنشأ "دولة العلويين"، وفضّل أفراد الطائفة هذا الاسم لتجنب الوصم المرتبط بكلمة "نصيري". ينتقل المؤلف بعدها ليصف الإطار القانوني في تركيا، مُظهراً أن الدستور التركي لعام 1982 يكرّس العلمانية وحرية الدين والمعتقد، لكنه في الوقت نفسه يُلزم الدولة بتوفير التعليم الديني الإسلامي السني في المدارس، وتوجد مؤسسة حكومية (ديانت) تُنظّم الحياة الدينية للمسلمين. هذه الثنائية تشكل إشكالاً للطائفة التي لا تعترف بها الدولة كجماعة دينية مستقلة.

في سياق الحجة التاريخية، يتتبع المؤلف أصول الطائفة العقائدية التي تعود إلى الغلو الشيعي، وتأثرها بأفكار عبد الله بن سبأ وبيان بن سمعان وأبي الخطاب الأسدي الذين ألّهوا الأئمة. بعد وفاة ابن نصير، توالى على قيادة الطائفة شخصيات مهمة مثل الحسين بن حمدان الخصيبي (الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي للطائفة ومؤلف كتابها المقدس "كتاب المجموع")، ثم محمد بن علي الجيلي وأبو سعيد الميمون. يشير المؤلف إلى أن الطائفة وجدت ملاذاً آمناً في جبال اللاذقية وأنطاكية، وعاشت تحت حكم دول متعاقبة: الحمدانيين، الصليبيين (الذين ساعدوهم أحياناً، مما عرضهم لعقاب صلاح الدين الأيوبي)، المماليك (الذين قيدوا حرياتهم لتآمرهم مع المغول)، وأخيراً العثمانيين الذين سيطروا عليهم بعد معركة مرج دابق (1516)، وكان أفراد الطائفة يثورون ضد الحكم العثماني كلما سنحت لهم الفرصة. أما في العصر الحديث، فبعد ضم هاتاي لتركيا في 1937، انقسم أفراد الطائفة بين دولتين، وفي سوريا تمكنوا من الوصول إلى السلطة عام 1970 مع حافظ الأسد.

أما الأرقام والوقائع اللافتة التي يقدمها الكتاب فتبدأ بتعداد سكان الطائفة عالمياً، والذي يقدّره بنحو 2.2 مليون نسمة، يعيش 1.6 مليون منهم في سوريا (أي حوالي 13% من السكان، مما يجعلهم أكبر أقلية هناك)، بينما يعيش 250 ألف في جنوب تركيا. في تركيا، يتركزون في محافظات هاتاي وأضنة ومرسين، وتشير التقديرات إلى وجود نحو 350-400 ألف نسمة وفقاً لإحصاءات 1998، مع توزيع تفصيلي في مناطق مثل أنطاكية وسامانداغ وإسكندرون. من الوقائع الملفتة أيضاً سياسة السلطان عبد الحميد الثاني الذي بنى مساجد في مناطق النصيرية محاولاً استمالتهم للمذهب السني، وهي محاولة لم تنجح في تغيير هويتهم الدينية.

يغوص الكتاب في تفاصيل المعتقدات النصيرية التي يصفها بأنها توفيقيّة تجمع عناصر من الغلو الشيعي والوثنية القديمة والغنوصية والمسيحية. العقيدة الأساسية تقوم على ثالوث (معنى - اسم - باب) يتجسد في علي (معنى) ومحمد (اسم) وسلمان الفارسي (باب)، ويُعبر عنه بالرمز "عين - ميم - سين" (ع.م.س). يُعتقد أن الإله تجسد ست مرات قبل أن يحل في علي بن أبي طالب في المرة السابعة. ترفض الطائفة أركان الإسلام الظاهرية وتؤوّلها باطنياً؛ فالشهادة التقليدية تُستبدل بالشهادة على ألوهية علي، والصلاة هي معرفة شخصيات مقدسة، والحج هو زيارة أضرحة شيوخ الطائفة (مثل مقام الخضر في هاتاي)، والصيام هو كتمان السر. العقيدة الأكثر إثارة هي التناسخ (تقمّص الأرواح)، حيث يعتقدون أن الروح تنتقل بعد الموت إلى جسد آخر (تقمص)؛ فالمؤمن يمر بسبع دورات تناسخ ليصل إلى السماء، بينما من لا يؤمن بعلي يتحول إلى حيوان مثل الحصان أو الحمار. يذكر المؤلف أن أحد شيوخ النصيرية، جودت رندا، جمع أكثر من 300 قصة عن عودة الأرواح ونشرها في كتاب "تكرار دوغانلار" (الولادات المتكررة).

في حديثه عن البنية الدينية، يوضح الكتاب أن الطائفة تنقسم هرمياً إلى شيخ كبير وشيخ ونقيب ونجيب، مع امتيازات خاصة للشيوخ الذين ينحدرون من سلالات عائلية متوارثة. الطقوس سرية للغاية، ولا يُقبل في الطائفة إلا الذكور البالغون عبر مراسم معقدة تستمر تسعة أشهر، يتم خلالها تعهد المبتدئ بكتمان الأسرار تحت طائلة الموت. للمرأة دور منعدم في الحياة الدينية، فهي لا تُقبل في الطائفة ولا تُطلع على أسرارها. الأعياد الدينية تشمل أعياداً إسلامية (رمضان، الأضحى)، وأعياداً شيعية (غدير خم)، وأعياداً فارسية (نوروز، مهرجان)، وعيداً مسيحياً (الميلاد). يبرز المؤلف أهمية عيد الغدير الذي يُقام في هاتاي بذبيحة وطبق خاص يسمى "الهريسة"، وهو طقس يعزز التضامن الاجتماعي.

يعترف المؤلف بحدود دراسته وتحدياتها بوضوح. فيقرّ بصعوبة الحصول على معلومات دقيقة حول أعداد النصيرية في مدن مثل أضنا ومرسين بسبب اندماجهم الاجتماعي وغياب إحصاءات رسمية خاصة بهم. كما يشير إلى أن عقيدة ألوهية علي، رغم كونها جوهرية في نصوصهم المقدسة، لا يعترف بها النصيريون في تركيا المعاصرة، خاصة الجيل الجديد الذي يشكك فيها، ويستشهد بكتاب لأحد شيوخهم (نصر الدين إسكي أوجاق) يحاول معالجة هذه الإشكالية. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مستقبل الطائفة، مشيراً إلى أن التقاليد السرية تؤدي إلى خلق أجيال غير متعلمة دينياً، وأن أعداد الراغبين في إرسال أطفالهم لطقوس القبول في المدن تتناقص بسرعة.

من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب الادعاء بأن العلمانية التركية، رغم نصوصها الدستورية، لا تخلق مساحة متساوية لجميع الجماعات الدينية بسبب هيمنة المؤسسة الدينية الرسمية (ديانت) التي تخدم المذهب السني. هذا الوضع يضع النصيرية في منطقة رمادية، فهي ليست معترفاً بها كأقلية دينية منفصلة مثل المسيحيين أو اليهود، كما أنها ليست مندمجة بالكامل في الخطاب الإسلامي السائد. كما أن وصف المؤلف للعلاقات بين النصيرية والجماعات الأخرى في تركيا بأنها "ودية وإيجابية في الغالب" رغم الوعي بالاختلافات، قد يكون متفائلاً، خاصة في ضوء التوترات الطائفية التاريخية والإقصاء الاجتماعي الذي قد لا يظهر في المعاملات اليومية. مع ذلك، يبقى التزام المؤلف بالموضوعية الأكاديمية واضحاً، فهو لا يخفي التناقضات بين الماضي والحاضر، وبين النصوص المقدسة والممارسات الفعلية، مما يجعل الكتاب مساهمة قيمة في فهم هذه الجماعة العريقة في سياقها التركي الصعب والمتغير باستمرار.