Almawred
حمص: الحصار العظيم - توثيق سبعمئة يوم من الحصار
عربي

حمص: الحصار العظيم - توثيق سبعمئة يوم من الحصار

وليد الفارس1 janvier 2015arالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

كتاب "حمص: الحصار العظيم - توثيق سبعمئة يوم من الحصار" لـوليد الفارس هو شهادة تفصيلية على مأساة إنسانية وسياسية لا تزال تنزف. الموضوع المحوري للكتاب هو توثيق عملية تحويل مدينة حمص من عاصمة للتنوع السوري إلى ساحة للحصار الشامل، والإجابة التي يدافع عنها المؤلف بوضوح هي أن هذه المأساة لم تكن مجرد نتيجة حتمية للحرب، بل كانت نتيجة استراتيجية متعمدة من نظام بشار الأسد لاختراق الثورة وإخمادها، وذلك من خلال مزيج من القوة العسكرية المفرطة، الحصار الخانق، الاختراق الاستخباراتي المنظم، والتواطؤ الدولي الذي ترك المدينة وحيدة في وجه آلة الحرب.

يسير الكتاب وفق تسلسل منطقي يأخذ القارئ من التأصيل التاريخي إلى التفاصيل اليومية للمعاناة. يبدأ الفصل الأول بتقديم خلفية ديموغرافية وسياسية شاملة لحمص، موضحاً تركيبها السكاني المعقد الذي شكّل أساس الصراع. يذكر الكتاب أن عدد سكان حمص بلغ حوالي 1,529,402 نسمة عام 2004، وارتفع إلى نحو 2,147,000 نسمة في عام 2011. ويقدم تفصيلاً دقيقاً للتركيبة الدينية والعرقية: المسلمون السنة يشكلون النسبة الأكبر (65.5%، أي حوالي 1,445,000 نسمة)، يليهم العلويون (20%، أي 440,000)، ثم المسيحيون (12%، أي 265,000)، والشيعة (1%، أي 22,000). هذا التحليل ليس مجرد إحصاء جاف، بل هو تمهيد لفهم كيف استغل النظام التعددية لتحويل الاحتجاجات السلمية في منتصف آذار/مارس 2011 إلى حرب طائفية، مؤكداً أن عسكرة الثورة كانت ردة فعل مباشرة على عنف النظام.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى وصف الحياة اليومية تحت الحصار، الذي بدأ فعلياً بعد إغلاق المنفذ الأخير في 9 حزيران/يونيو 2012، ليستمر نحو عامين. هنا يتحول السرد من التحليل السياسي إلى التوثيق الإنساني المفصل. يصف المؤلف المراحل المختلفة للمعاناة: في الستة أشهر الأولى، اعتمد السكان على المؤن المخزنة، لكن في العام الثاني، بعد خسارة حي الخالدية الذي كان يحتوي مطاحن القمح، أصبح الطعام نادراً جداً. يصل الوصف إلى درجات قصوى من التفاصيل، حيث يذكر أن الناس لجأوا إلى أكل الحشائش وأوراق الشجر وبذور النباتات وعلف الدجاج، ثم اضطروا إلى ذبح القطط والسلاحف والضفادع، وسُجلت أكثر من ثلاثين حالة وفاة بسبب نقص التغذية. أما الجانب الصحي فكان مأساوياً بنفس القدر، حيث غابت تخصصات أساسية مثل طب العيون والطب النسائي، واضطر أطباء عامون لإجراء عمليات ولادة دون خبرة، وتوفي عدد كبير من الجرحى بسبب ضعف الإمكانات.

في خضم هذا الجوع والمرض، يوثق الكتاب أيضاً الجهود الاستثنائية للحفاظ على الحياة الاجتماعية والثقافية. يذكر إنشاء مجالس للقضاء والتحكيم سجلت أكثر من مئة وخمسين حالة زواج وأكثر من خمسين ولادة، وتنظيم بطولات لكرة القدم والشطرنج، وإنتاج مسلسلات كوميدية ساخرة مثل مرايا حمص وبقعة ضوء حمصية. هذه التفاصيل تشكل صورة متناقضة ولكنها معبرة: حياة تحت الموت، وإصرار على الإنسانية في وجه الإبادة.

وبالتوازي مع هذا السرد الإنساني، يقدم الكتاب تحليلاً سياسياً وعسكرياً عميقاً. فهو لا يكتفي بتوثيق الجرائم، بل يحاول فهم آليات السقوط. يكرس فصلاً كاملاً للاختراقات الاستخباراتية التي تعرضت لها حمص، معتبراً أنها شكلت تهديداً داخلياً موازياً للقصف والحصار الخارجي. يصف المؤلف بالمخبرين المندسين الذين دخلوا المنطقة المحاصرة عبر منفذ إمداد مفتوح، وكان لهم دور حاسم في سقوط حي الخالدية. ويكشف عن شبكة تجسس تخصصت في الإبلاغ عن نقاط الحرس واغتيال شخصيات رئيسية مثل الشيخ أبو راتب والأب فرانس. كما يوثق كيف تم استخدام الاتصالات الخلوية كأداة تجسس، حيث كانت شركتا سيريتل وأم تي أن الخاضعتان للفروع الأمنية تسهلان عملية التنصت، مما أدى إلى اعتقالات لأهالي المحاصرين عند الحواجز فقط بتهمة الاتصال بهم.

أحد أكثر الأجزاء إثارة للجدل في الكتاب هو تحليل المؤلف لدور المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية. يقر بحدود واضحة في روايته، مثل صعوبة التحقق من الأرقام الدقيقة، لكنه يطرح بثقة حجة قوية مفادها أن عزلة حمص لم تكن فقط نتيجة للحصار العسكري، بل كانت نتيجة متعمدة لسياسة إقليمية ودولية تخلت عن المدينة عمداً. يذكر كيف أن مبادرة الأمم المتحدة لإخراج المدنيين كانت بمثابة «حصان طروادة»، حيث اشترطت على الرجال من عمر 14 إلى 55 سنة تسوية أوضاعهم في مركز احتجاز تحت رقابة دولية. استجاب الثوار للمبادرة بسبب انسداد الأفق، ونتيجة لذلك خرج أكثر من 500 شخص بعد تسليم قطع سلاح وذخائر. يوضح المؤلف أن الفروع الأمنية أجرت تحقيقات مع الخارجين، وحصلت على «كنز من المعلومات» مكنها من اكتشاف أنفاق وخطط عسكرية. هذا التحليل يضع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في موضع المسؤولية، ويطرح سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه المبادرات الإنسانية تهدف حقاً لإنقاذ المدنيين أم أنها كانت تغطية لعمليات استخباراتية.

كما يقدم الكتاب انتقاداً لاذعاً لأداء المؤسسات السياسية والعسكرية السورية في الخارج. يصف علاقة المحاصرين بـ المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بأنها كانت محدودة ومحبطة. يذكر لقاء عبر سكايب في نهاية عام 2013 بين قادة الكتائب وجورج صبراء رئيس المجلس الوطني، حيث صرح لهم بأن المجتمع الدولي لا يفي بوعوده وأن المجلس لا يملك قدرة على تقديم دعم مادي أو سياسي للمحاصرين. ويضرب مثالاً دالاً على الفجوة بين الواقع المحاصر والائتلاف: في 2 و3 أيار/مايو 2014، أي قبل أيام من مغادرة المقاتلين حمص المحاصرة، كانت الهيئة السياسية للائتلاف تناقش أربعة بنود إدارية وخامساً يتعلق بتشكيل لجنة إغاثة للأسر النازحة من حمص! هذا النقد القاسي للقيادة السياسية في الخارج يعكس شعوراً عميقاً بالخيانة والإهمال، ويعزز حجة المؤلف بأن الثوار كانوا وحدهم في معركتهم.

الكتاب لا يتجاهل نقاط الضعف الداخلية للثورة. بل يخصص فصولاً لتحليل الفشل في التوحيد، حيث يصف التشرذم الفصائلي والتنافس الأيديولوجي الذي أضعف الصف الثوري. يذكر كيف أن بعض الكتائب، مثل كتائب الفاروق التي تشكلت لاحقاً، انضم أغلب مقاتليها إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) دون قناعة كاملة، لكنهم حملوا معهم السلاح والعتاد الذي زودتهم به الكتيبة سابقاً. كما ينتقد المؤلف بعض سلوكيات الثوار كالاستهتار الأمني في الاتصالات، وسرقة المنازل، ومعاكسة الفتيات، معترفاً بأن هذه التصرفات، رغم أنها لم تكن واسعة الانتشار، أضرت بالبيئة الحاضنة للثورة وأضعفت العلاقة بين المقاتلين والمدنيين.

في الختام، يمكن القول إن كتاب "حمص: الحصار العظيم" هو أكثر من مجرد توثيق تاريخي؛ إنه تحليل نقدي لمأساة متعددة الأوجه. أسلوب الكاتب واضح وبسيط لكنه مليء بالتفاصيل الدقيقة التي تخلق صورة حية ومؤلمة. من نقاط القوة في الكتاب أنه لا يقدم رواية بطولية بحتة عن الثوار، بل يعترف بإخفاقاتهم ويحلل أسبابها، مما يضفي مصداقية على سرده. لكن من ناحية أخرى، يظل الكتاب منحازاً بشكل واضح للرؤية الثورية، حيث يُصوَّر النظام على أنه مخادع وغير جاد، بينما تخلو محاولات الثوار من أي نقد ذاتي حقيقي لانقساماتهم أو لغياب استراتيجية واضحة لديهم. هذا الانحياز لا ينتقص من قيمة التوثيق، بل يجعله شهادة حية على المأساة، لكنه يترك القارئ مع سؤال مفتوح: هل كان هناك بديل آخر عن هذا المصير المأساوي، أم أن الثوار كانوا ضحية حتمية لظروف إقليمية ودولية لا ترحم؟

Chapitres(8)

1.حمص: عاصمة الثورة السورية17–58▼ résumé

يقدم هذا الفصل من كتاب "حمص: الحصار العظيم" لـوليد الفارس دراسة تحليلية معمقة لمدينة حمص، مسلطاً الضوء على دورها المحوري كـ"عاصمة الثورة السورية". الموضوع المحوري هو الانتقال الذي شهدته المدينة من حالة الاستقرار والتنوع إلى بؤرة للصراع الدموي، ويسعى الكاتب للإجابة عن كيفية تحول الاحتجاجات السلمية إلى انتفاضة مسلحة، مع تحليل العوامل الديموغرافية والسياسية والعسكرية التي شكلت هذا المسار.

يبدأ الفصل بتقديم لمحة ديموغرافية وتاريخية شاملة، مستنداً إلى إحصاءات وأبحاث. يذكر أن عدد سكان حمص بلغ حوالي 1,529,402 نسمة عام 2004 وفقاً للمكتب المركزي للإحصاء، وارتفع إلى نحو 2,147,000 نسمة في عام 2011 بحسب سجلات الأحوال الشخصية. مساحة المحافظة هي 4 ملايين هكتار. يوضح الكاتب التركيبة الدينية والعرقية المعقدة، حيث يشكل المسلمون السنة النسبة الأكبر (65.5%، أي حوالي 1,445,000 نسمة)، يليهم العلويون (20%، أي 440,000)، ثم المسيحيون (12%، أي 265,000)، والشيعة (1%، أي 22,000). كما يسلط الضوء على وجود عشائر وعائلات من أصول مختلفة مثل الشركس والتركمان. يستعرض الجذور التاريخية للمدينة التي يعود تاريخها إلى 2300 ق.م، مروراً بفتحها على يد أبو عبيدة عامر بن الجراح عام 636 م، ووصولاً إلى العصر الحديث حيث هاجر إليها الكثير من سكان الريف في عهد حافظ الأسد. ينتقد الكاتب مشروع "حلم حمص" الذي طرحه المحافظ إياد غزال عام 2008، معتبراً أنه كان يهدف لإعادة توزيع ديموغرافي على حساب سكان المدينة الأصليين، مما أثار معارضة شعبية.

بعد هذا التأصيل، ينتقل الفصل إلى سرد وقائع الثورة. يصف اندلاع التظاهرات الأولى في منتصف آذار/مارس 2011، والتي كانت مفاجئة في حجمها، حيث خرج الآلاف في "جمعة العزة" مطالبين بالحرية. يتتبع الكاتب تطور أساليب القمع التي اتبعها النظام، بدءاً من إطلاق الأعيرة النارية، مروراً بنشر القناصة في الأبراج العالية، وصولاً إلى إقامة الحواجز العسكرية. في المقابل، يصف إبداع الشباب الثائر في تنظيم التظاهرات داخل الأحياء واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي و القنوات الفضائية لنقل فعالياتهم.

يتناول الفصل بالتفصيل مرحلة التحول نحو العسكرة. يشرح كيف أدى إرسال النظام لسيارات مدنية تقوم بإطلاق النار إلى إنشاء ما عرف بـ "أمن التظاهرات"، الذي تطور لاحقاً إلى خلايا مسلحة. يذكر أن الانشقاقات بين الجنود وانتشار السلاح، خاصة في الأحياء الشعبية مثل البياضة والخالدية ودير بعلبة، كانت من أبرز ملامح هذه المرحلة. ويصف الفترة التي أعقبت ذلك بـ "الأيام الذهبية" للثورة السلمية، والتي امتدت من نهاية 2011 حتى بداية شباط/فبراير 2012، حين بدأ القصف المكثف على حي بابا عمرو. يخلص الكاتب إلى أن عسكرة الثورة كانت ردة فعل مباشرة على عنف النظام، بالاعتماد على البنية العشائرية في المدينة التي تعتبر السلاح جزءاً من تراثها، وقدرة أهالي المناطق الشرقية والجنوبية على توريد السلاح.

في تحليل لبنية الفصائل المسلحة، يصف الفصل بداياتها كخلايا صغيرة مكونة من الأصدقاء والأقارب، ثم تطورها إلى كتائب أكبر مثل كتيبة خالد بن الوليد (التي أنشئت في تموز/يوليو 2011) وكتيبة الفاروق (التي أنشئت في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2011). كانت هذه الكتائب تعاني من ضعف الموارد المالية واللوجستية، وقلة الخبرة العسكرية، وغياب التخطيط الاستراتيجي الواضح. يناقش الفصل ظاهرة "التأدلج" أو "التسلفن" حيث توجهت بعض المجموعات نحو المنهج السلفي طمعاً في الحصول على التبرعات الخليجية، مما أدى إلى مزايدات وتنافس أضعف الجهد الثوري الموحد. ويروي كيف أن كتائب الفاروق الإسلامية التي تشكلت لاحقاً، انضم أغلب مقاتليها إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام دون قناعة كاملة، لكنهم حملوا معهم السلاح والعتاد الذي زودتهم به الكتيبة سابقاً.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لسرد "مجازر حمص"، مصنفاً إياها حسب طبيعتها. يبدأ بـ مجزرة ساحة الحرية في 17 نيسان/أبريل 2011، حيث فتحت قوات الأمن النار على تظاهرة سلمية واعتصام في وسط المدينة، مما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء. ثم يليها مجزرة تل النصر في 21 أيار/مايو 2011، والتي استهدفت مشيعي الشهداء. ينتقل بعدها إلى مجازر "الشبيحة" في كرم الزيتون، حيث كانت الضحايا من الأطفال والنساء يُقتلون طعناً بالسكاكين، وأبرزها مجزرة 11 آذار/مارس 2012 التي راح ضحيتها أكثر من 45 طفلاً. يستعرض مجزرة العدوية في 12 آذار/مارس 2012، ومجزرة الحولة في 26 أيار/مايو 2012 التي قتل فيها نحو 96 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، مع الإشارة إلى أن تقريراً للأمم المتحدة أشار إلى أن الميليشيات الموالية للنظام هي المسؤولة. بعد ذلك، يسرد مجازر الاقتحام في أحياء مثل بابا عمرو، وعشيرة (الذي أصبح يسمى حي الشهداء)، وجب الجندلي، والبياضة، حيث قتل كل من وجد في المنازل. يذكر الكاتب أن عدد المفقودين في حي عشيرة تجاوز الـ 200 شخص. كما يغطي مجازر القصف بالهاون والصواريخ في الخالدية وتلبيسة والرستن، وأخيراً المجازر التي وقعت على الطرقات والأطراف مثل مجزرة كفرعايا والقريتين والمشيرفة.

يفرد الفصل مساحة لمنطقتين بارزتين في الثورة: بابا عمرو والخالدية. يصف بابا عمرو بأنه أصبح مكاناً لاستقطاب طلاب الحرية والملتزمين دينياً، حيث تشكلت فيه مكاتب إعلامية وسياسية، وبرزت كتيبة الفاروق كأكثر التنظيمات فعالية. يصف حصاره واقتحامه الذي استمر 28 يوماً من المقاومة الشرسة، اعتمد فيه النظام على الدبابات بينما لم تتجاوز أسلحة الثوار البنادق والقواذف التقليدية. يذكر أن النظام استخدم دبابات T-72 وعربات مدرعة، بينما لم يستخدم الطيران الحربي. تم اقتحام الحي بعد أن استقدم النظام أكثر من أربعة آلاف جندي. يذكر الكاتب مقتل الصحافية الأميركية ماري كولفن والصحافي الفرنسي ريمي أوشليك خلال القصف. في المقابل، يصف حي الخالدية بأنه كان مركزاً للتنسيق الإعلامي والطبي والإغاثي والصالونات الفكرية، وقد تعرض لأكثر من ثلاثين عملية اقتحام ولم ينجح النظام في السيطرة عليه إلا في نهاية حزيران/يونيو 2013، بمشاركة قوات من حزب الله اللبناني. كما يناقش التحديات الكبيرة في التنسيق بين الريف والمدينة، والتي تعود لعوامل اجتماعية واقتصادية وديموغرافية عميقة عززها النظام في فترة حكمه.

أخيراً، يقدم الفصل عرضاً شاملاً للمنظمات الثورية في حمص ومحاولات توحيد الجهود. يذكر كيانات مثل اتحاد أحياء حمص الذي قاده الشيخ أنس سويد وركز على الجانب الإغاثي والإعلامي، ومجلس الثورة في محافظة حمص الذي ضم تيارات مختلفة وحاول الحفاظ على خط ثوري غير أيديولوجي، ومجلس محافظة حمص المحلي الذي حاول ضم العسكري والمدني لكنه فشل بسبب صعوبات التواصل والانقسامات الداخلية. كما يخصص فقرات للمجلس العسكري وجبهة حمص، مشيراً إلى مشاكلهما التنظيمية والقيادية. ويختتم بنظرة على دور طلاب العلم الشرعي (المشايخ) الذين كان لهم تأثير كبير في توجيه العمل الثوري وتقديم الدعم، بفضل ثقة الناس بهم، لكن الكاتب يقر بافتقارهم للرؤية الاستراتيجية والتأهيل الإداري، مما ساهم أحياناً في خلق خلافات. في خضم كل هذا، يُقر الكاتب بأن محاولات المأسسة لم تحقق أهدافها الكاملة، وأن العسكرة هيمنت على القرار في نهاية المطاف، على الرغم من أن تجربة مجلس الثورة كانت الأكثر نضجاً واستمرت في جمع الجهد المدني طوال العام الأول.

2.العيش في حمص المحاصرة59–80▼ résumé

بدأ المؤلف الفصل بوصف المشهد التنظيمي في حمص قبل الحصار، حيث عملت مؤسسات مدنية وأحزاب سياسية مثل حزب التحرير الإسلامي وهيئة التنسيق الوطنية والحزب الشيوعي السوري، لكن تأثيرها بقي محدوداً ونخبوياً، وتلاشى نشاط بعضها بسبب مواقفها من الثورة المسلحة. كما برزت مؤسسات خيرية مثل مؤسسة AY الخيرية التي دعمت النشاط المدني. ينتقل المؤلف بعدها إلى صلب الموضوع: تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار الذي فرضه نظام بشار الأسد على أحياء حمص القديمة (الخالدية، البياضة، جب الجندلي، القصور، القرابيص) منذ بداية عام 2012، بعد اقتحام حي بابا عمرو.

يسير الفصل خطوة بخطوة، موثقاً مراحل تشدد الحصار. يشرح أولاً كيف اعتمد ثوار حمص في البداية على حرب العصابات، بالانسحاب من الأحياء عند المداهمات ثم العودة ليلاً لمهاجمة قوات النظام. لكن هذا التكتيك تغير جذرياً في شباط/ فبراير 2012، حين أدرك الثوار أن الحملات العسكرية ليست عادية، بل تهدف إلى «تطهير حمص على أساس طائفي» بعد ارتكاب مجازر بحق المدنيين في حي عشيرة وكرم الزيتون. عندها عقدوا اجتماعاً حاسماً واتخذوا قراراً مصيرياً: التمسك بالأرض والمحافظة عليها، رافعين شعار أن حمص «عاصمة الثورة السورية، لا عاصمة أي طائفة».

يصف المؤلف بالتفصيل لحظة إغلاق المنفذ الأخير في 9 حزيران/ يونيو 2012، عندما سيطرت قوات النظام على منطقة جورة الشياح، ليبدأ حصار كامل استمر نحو عامين. بعد هذا الإغلاق، أصبح أي اقتراب من المنطقة مستحيلاً، وتوقف دخول المواد الغذائية والطبية تماماً، عدا ما يصل بطريق التهريب. لم تسلم من الحصار حتى الأحياء التي لم يظهر فيها سلاح، بل حوصرت بجدران عازلة، وازدادت عمليات القتل والتهجير والاغتصاب، فارتكبت قوات النظام مجزرة الحصوية ومجزرة الدوير، وهي قرية مسيحية في شمال حمص.

يتناول الفصل تفاصيل المعاناة اليومية في حمص المحاصرة عبر عدة محاور رئيسية. في موضوع المواد الغذائية، يشرح كيف مر الحصار بمرحلتين: الأولى (الستة أشهر الأولى) كانت مقبولة نسبياً حيث اعتمد السكان على المؤن المخزنة والأطعمة الجافة (النواشف) والطيور الداجنة وأشجار الفاكهة في المنازل. لكن الأمور انهارت في العام الثاني، بعد خسارة حي الخالدية الذي كانت فيه مطاحن القمح. أصبح الطعام نادراً جداً، واعتمد الناس على شوربة الأرز والعدس المخففة، ثم على الحشائش وأوراق الشجر (التوت والأكيدنيا) وبذور النباتات وعلف الدجاج وطعام العصافير. في مراحل متأخرة، أكل المحاصرون جلود البقر وذبحوا القطط والسلاحف والضفادع حتى انقرضت، وسُجلت أكثر من ثلاثين حالة وفاة بسبب نقص التغذية، بالإضافة إلى حالات تسمم بالأعشاب.

في الخدمات الصحية، أنشئت مشافٍ ميدانية ونقاط طبية، لكن النقص كان فادحاً في السيروم والحقن وأدوية الإسعافات الأولية. غابت تخصصات أساسية مثل طب العيون والطب النسائي، مما اضطر الأطباء لإجراء عمليات ولادة دون تخصص، وتوفي عدد كبير من الجرحى بسبب ضعف الإمكانات. أما الخدمات العامة، فكانت منعدمة تقريباً: الكهرباء والمياه والهاتف مقطوعة، واعتمد الناس على مولدات تعمل ساعات قليلة يومياً، وعلى آبار المياه القديمة التي تسبب تسمماً. المدارس دُمّرت، وفشلت محاولات إنشاء حلقات تعليمية بسبب قنص الأطفال. ورغم ذلك، برزت حياة اجتماعية وثقافية، مثل إنشاء مجالس للقضاء والتحكيم سجلت أكثر من مئة وخمسين حالة زواج وأكثر من خمسين ولادة، وتنظيم بطولات لكرة القدم والشطرنج، وإنتاج مسلسلات كوميدية ساخرة (مرايا حمص، بقعة ضوء حمصية).

يخصص الفصل قسماً مهماً لطرق الإمداد بالسلاح، التي كانت شريان الحياة الوحيد، موضحاً صعوباتها الكبيرة. كانت الوسائل الجوية (طائرات ألعاب، منجنيق، قذائف هاون مفرغة) فاشلة وخطيرة. أما الوسيلة الأرضية الوحيدة فكانت حفر الأنفاق التي تمر تحت مناطق سيطرة النظام، لكنها كانت تُكتشف وتُفجّر بسرعة لأسباب عدة: مرورها تحت مبان أمنية حساسة (مثل فرع الاستخبارات الجوية)، عدم انضباط بعض الثوار الذين استخدموا الهواتف المحمولة المراقبة، أو الكتابة عن الإمدادات على وسائل التواصل الاجتماعي. نجح الثوار نحو ست مرات فقط خلال عامين في فتح ممرات إمداد، ولم تكن الكميات كبيرة (بضعة آلاف طلقة لكل مرة).

يتناول الفصل أيضاً دور الحدود السورية-اللبنانية، حيث كانت القصير البوابة الرئيسية لتهريب السلاح، لكن تدخل حزب الله إلى جانب النظام جعل العملية صعبة جداً. بعد إغلاق الحدود اللبنانية، أصبح طريق الإمداد الوحيد عبر شمال سورية، حيث تعطلت الشحنات لمدة عشرة أو عشرين يوماً أو لم تصل أبداً. يبرز المؤلف معاناة حمص من عزلة سياسية وعسكرية، مشيراً إلى الشعور العام بأن المجتمع الدولي يمنع إرسال السلاح إليها «منعاً لارتكاب مجازر بحق الأقلية العلوية». في المقابل، يذكر أن مناطق أخرى مثل الغوطة في ريف دمشق حصلت على منظومات متطورة مضادة للطائرات والدروع في منتصف عام 2013، بينما كانت حمص المحاصرة تعجز عن توفير طلقات لبندقية كلاشنكوف.

يتطرق الفصل إلى عرقلة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) لشحنات السلاح المتجهة إلى حمص. يورد مثالاً في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، عندما صادر التنظيم شحنة كاملة، واضطرت ألوية حمص لإصدار بيان وتقديم وساطات لاستعادة جزء منها وتعهد التنظيم بعدم التكرار. أما داخلياً في المنطقة المحاصرة، فلم تكن إدارة المخازن موحدة؛ فبينما أدارت كتيبة الأنصار مخازنها بحرفية وتدريب على ترشيد الاستهلاك، راهن معظم المحاصرين في البداية على فك الحصار سريعاً، مما أدى إلى هدر الموارد.

يقرّ المؤلف بحدود واضحة في روايته، مثل صعوبة التحقق من الأرقام الدقيقة (كعدد القتلى أو الشهداء الذين سقطوا بسبب القنص أثناء البحث عن طعام). كما يترك أسئلة مفتوحة حول فاعلية المؤسسات المدنية في ظل الحصار، مشيراً إلى أن مجلس المدينة لم يستطع تقديم الكثير. لا يخفي تحفظاً على بعض سلوكيات الثوار، كالاستهتار الأمني في الاتصالات، واصفاً فكرة أن «الاستخبارات تعرف كل شيء» بأنها فكرة خاطئة تربّت عليها الأجيال. هذه الإشارات تجعل السرد أميناً، رغم أنه يفضح جرائم النظام بوضوح.

في الختام، يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش وهي أن عزلة حمص لم تكن فقط نتيجة للحصار العسكري، بل أيضاً بسبب سياسة إقليمية ودولية تخلت عن المدينة عمداً، مما جعلها تدفع ثمناً باهظاً لمقاومتها. هذا الطرح، رغم كونه مأساوياً، يستند إلى تفاصيل ملموسة في النص حول تباين الإمدادات بين حمص ومناطق ثورية أخرى، مما يجعله نقطة جدلية تستحق التأمل.

3.المؤسسات في حمص المحاصرة ومحاولات التنظيم81–100▼ résumé

يتركز هذا الفصل حول التحديات التنظيمية التي واجهتها المؤسسات العسكرية والمدنية في مدينة حمص أثناء الحصار، والمحاولات المتعددة لتوحيد الجهود تحت كيانات جامعة. يقدم المؤلف وصفاً تفصيلياً لكيفية تشكل الجماعات المسلحة، مستعرضاً التعددية الفصائلية التي نشأت نتيجة لغياب هيكل قيادي موحد في بداية العمل المسلح. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن محاولات التوحيد، رغم إخلاص القائمين عليها، اصطدمت بعوائق بنيوية وشخصية وأيديولوجية حالت دون تحقيق اندماج كامل.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر استعراض أبرز هذه الكيانات، بدءاً بـ كتائب الفاروق التي شكلها أمجد البيطار والملازم عبد الرزاق طلاس، والتي كانت أولى محاولات التنظيم العسكري. يوضح الفصل كيف أن شخصية البيطار الحادة وتفرده بالقرار، إضافة إلى الخلافات الداخلية بين التيار الديني والتيار العسكري، أدت إلى انقسام الفاروق إلى فصائل مثل فاروق إسلامية وفاروق حمص، ثم انشقاق مجموعات مثل لواء الخير. كان الانهيار ناتجاً عن صعوبة الحفاظ على كيان جامع في ظل تنوع الولاءات وتبعية بعض المجموعات لقادة محليين. مثال على ذلك، أن ثوار البياضة شعروا بالتهميش وانفصلوا لتشكيل لواء أحرار البياضة، وهو ما يعكس الحساسية "المناطقية" العميقة.

ينتقل الفصل إلى هيئة حماية المدنيين، التي أسسها رجال أعمال سوريون، وارتبطت بشكل غير مباشر بتيار الإخوان المسلمين، على رغم نفي الجماعة ذلك رسمياً. قدمت الهيئة دعماً مالياً وتنظيمياً لكتائب صغيرة مثل كتيبة عمر بن عبد العزيز وكتيبة كعب الأحبار، مما جذبها إليها. ولكن، ربط الهيئة بالإخوان شكل عقبة أمام قبولها ككيان جامع، فتطورت إلى كيان قوي لكنه محدود النطاق. يبرز الفصل دور أبو ثابت حاكمي في إعادة تنظيم الهيئة وتحسين أدائها بعد وفاة أبو الليل الأزهري، لكنه يعترف بأنها لم تتمكن من جمع كل الكتائب تحت مظلتها.

ثم يصف الفصل مشروع اتحاد ثوار حمص - المرابطون، الذي رعاه الشيخ أبو راتب، والذي حاول إنشاء كيان ثوري شامل يجمع العسكري والمدني. يوضح أن المشروع تأخر بسبب تعقيدات الوضع وانسحاب بعض القيادات، مثل عبد الرزاق طلاس وأبو أسعد النمر اللذين غادرا إلى دمشق، مما أضعف تماسكه. كما أن ضعف الإمكانات المادية حال دون تطبيقه بشكل واسع. في المقابل، نجح مشروع لواء الحق الذي تأسس على أساس كتيبة الشيخ محمود الفراتي، وضم كتيبة أتباع الرسول وكتيبة الأنصار، في أن يصبح أقوى لواء في المدينة من حيث عدد المقاتلين والتخطيط، بفضل شخصية الشيخ أبو راتب الجامعة، رغم أن اشتراطه التزاماً دينياً معيناً منع انضمام جميع الكتائب.

يستعرض الفصل أيضاً كيانات أصغر مثل لواء شهداء حمص بقيادة عبد القادر جمعة، ولواء حمص القديمة بقيادة محمود سلامة، وكتيبة شهداء البياضة التي استشهد معظم عناصرها، وكتيبة أحفاد خالد التي تميزت بتصنيع الصواريخ. في خضم هذا التشرذم، برزت محاولة لتجاوزها عبر مشروع "مجلس مدينة حمص المحاصرة" و"مجلس التنسيق العسكري"، اللذين جمعا ممثلين عن الفصائل الكبرى (لواء الحق، الفاروق، المرابطون، الهيئة، لواء حمص القديمة، شهداء حمص) بالإضافة إلى مكاتب الخدمات والطب والإعلام والقضاء. ورغم نجاح المجلسين في خلق إطار إداري وتنسيقي مقبول لدى الناس واستقرار الأمور لفترة، اعترف الفصل بصعوبة تأمين الكوادر المؤهلة للعمل تحت القصف وبقاء مشكلة الموارد كعائق رئيسي، فلم يخلق المجلس قيادة عسكرية موحدة بقدر ما كان إطاراً للتنسيق.

يقر الفصل بحدود واضحة لمحاولات التوحيد، معترفاً بأن أغلب المشاريع لم تستوعب الجميع لأسباب أيديولوجية أو شخصية أو مادية. كما يترك أسئلة مفتوحة حول جدوى المشاريع المستقبلية في ظل استمرار الخلافات وانعدام الثقة. من الناحية القابلة للنقاش، يمكن الإشارة إلى أن الفصل قد يظهر أن التعددية الفصائلية كانت نتيجة حتمية لضعف القيادة المركزية وتنوع المرجعيات، لكنه في الوقت نفسه يظهر أن المحاولات المستمرة للتوحيد كانت تعكس حاجة ميدانية ملحة، رغم أنها لم تنجح إلا جزئياً، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان الفشل في التوحيد ناتجاً عن عوامل داخلية بحتة أم عن ضغوط الحصار نفسه.

4.المعارك في المنطقة المحاصرة101–124▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على توثيق المعارك التي دارت في المنطقة المحاصرة من مدينة حمص خلال حصار دام نحو سبعمئة يوم، ويُبين كيف تحولت المدينة إلى ساحة قتال يومي بين فصائل المعارضة المسلحة من جهة، وقوات الجيش السوري المدعومة بمليشيات موالية من جهة أخرى. يقدّم المؤلف تفصيلًا للمعارك الدفاعية والهجومية التي خاضها الثوار، ويستعرض محاولاتهم المستمرة لفك الحصار، سواء من داخل المنطقة المحاصرة أو من خارجها، مع شرح التحديات الإدارية والعسكرية التي واجهتهم.

يسير الفصل بتسلسل زمني ومكاني، فيبدأ بوصف آلية الحكم والإدارة في المنطقة المحاصرة بعد انهيار مؤسسات الدولة. يوضح المؤلف أنه مع توقف عمل الخدمات، أصبح مجلس التنسيق العسكري هو المرجع الإداري الوحيد، وكان يُدار عبر انتخابات دورية كل ستة شهور. تعاقب على رئاسته ستة قادة، بينهم أبو هلال الدروش والشيخ أبو راتب والحاج خضر الحلواني. تمكن المجلس من تنسيق العمليات العسكرية وتوزيع المصروفات على المقاتلين كل شهرين، لكنه لم يحقق اندماجًا حقيقيًا بين الفصائل أو توحيدًا للقرار، الأمر الذي أدى إلى ضعف الفعالية الإدارية وعدم كفاية الكوادر.

ينتقل الفصل بعدها إلى سرد تفصيلي للمعارك، واصفًا إياها كالتالي: أولًا، معركة جورة الشياح أو معركة البتر، التي بدأت باعتقاد الجيش أن الحي هو النقطة الأضعف في الحصار، لكن الثوار صمدوا لأكثر من شهر رغم سقوط ألف قذيفة يوميًا، مما أدى إلى كثرة البتر في الأطراف، ومنه جاء اسم المعركة. ثانيًا، معارك القصور، التي وصفت بأنها أول حرب أبنية في المدينة، حيث دارت اشتباكات عنيفة للسيطرة على مباني استراتيجية قرب فرع الاستخبارات الجوية، وقد لعبت فيها جبهة النصرة دورًا بارزًا بقيادة أبو العباس، وسقط فيها عشرون عنصرًا من حزب الله اللبناني على الأقل. ثالثًا، معارك القرابيص، حيث سيطر الجيش على الحي في بداية تموز/ يوليو 2012 بعد قصف عنيف استمر أكثر من شهر، ليحكم الحصار بشكل تام، ثم تمكن الثوار من تحريره في نهاية آذار/ مارس 2019 عبر الأنفاق دون سقوط أي شهيد مباشر.

يستمر الفصل بسرد معارك داخل المدينة القديمة، مثل باب هود وباب التركمان، حيث كان القتال يوميًا واستخدمت فيه الأسطوانات المتفجرة التي دمرت الأبنية الأثرية، وسقط في باب هود وحده أكثر من مئتي شهيد خلال عامين. وفي كرم شمشم، خاض الثوار معركة شرسة بقيادة أبو عرب وعبد الحكيم، لكن سقوطهما أدى إلى فقدان السيطرة على المنطقة لصالح قوات الأسد وحزب الله، مما مهد الطريق نحو الخالدية. وفي وادي السايح، حاول الجيش تقسيم المنطقة المحاصرة إلى قسمين، لكن وجود القائد الحاج خضر الحلواني في غرفة العمليات لأكثر من شهر حال دون تحقيق هذا الهدف بشكل كامل، رغم استشهاده لاحقًا.

أما معركة الخالدية التي أطلق عليها اسم معركة "كسر عظم"، فبدأت بعد تعزيزات كبيرة استمرت عشرة أيام. ورغم مقاومة الثوار ببسالة، استخدمت القوات المهاجمة أسلحة فتاكة، منها قذائف يُعتقد أنها تحتوي على مواد كيماوية، مما أدى إلى استشهاد ثمانية ثوار دفعة واحدة. في 19 تموز/ يوليو 2013، خسر الثوار الحي بالكامل بعد شهر من القتال، وسقط أكثر من أربعين شهيدًا وستين جريحًا. يعدد الفصل أسباب الخسارة، منها طول الحصار الذي أرهق المقاتلين جسديًا ونفسيًا، واستشهاد عدد كبير من القادة مثل أبو أسامة الأنصاري وأبو زياد الفراتي، وعدم وجود قيادة موحدة، واستخدام النظام لأسلحة مدمرة، إضافة إلى اختراق المنطقة عبر مخبرين تسللوا مع مؤازرة قادمة.

بعد المعارك الدفاعية، ينتقل الفصل إلى محاولات فك الحصار من الداخل. الأولى كانت عبر معارك القصور في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2013، حيث خطط الثوار لهجوم من ثلاثة محاور (الوعر، القرابيص، القصور) نحو المنطقة الصناعية، لكن فشل التنسيق أدى إلى سقوط تسعة شهداء وانسحاب القوات. الثانية كانت معركة المطاحن أو معركة رغيف الخبز في بداية كانون الثاني/ يناير 2014، حيث هدفت للسيطرة على المطاحن التي تحتوي على 15 طنًا من الدقيق. نجحت العملية في المحور الأول بقيادة عبد الباسط الساروت، لكن فشل المحور الثاني أدى إلى حصار نحو ستين مقاتلًا، استشهد منهم حوالي خمسين، مما زرع اليأس وأدى إلى الحديث عن الانسحاب.

يذكر الفصل أيضًا معركة البياضة التي استخدم فيها السلاح الكيماوي لأول مرة ضد الثوار في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2012، حين أطلقت دبابة قذائف دخانية تسبب في استشهاد تسعة أشخاص وإصابة عشرات. ثم تكرر الاستخدام مرة ثانية في الخالدية، حيث أطلقت القذائف من دبابة فأدت إلى سبعة شهداء على الأقل. ورغم توثيق هذه الحوادث وإرسالها إلى شخصيات معارضة وحكومات دولية، إلا أنها اكتفت بالتسجيل والتحذير، دون تقديم مساعدة فعلية. ويشير المؤلف إلى ظهور حيوانات نافقة وأعراض اختناق بين الأهالي، لكن عدم وجود إمكانيات للاختبار حال دون التأكد من طبيعة المواد المستخدمة.

أما محاولات فك الحصار من الخارج، فيصف الفصل معركة حاجز ملّوك التي بدأت بعد أشهر من الحصار، بهدف تدمير الحاجز الذي يُعد الفاصل الرئيس بين الريف الشمالي والمدينة. فشلت المحاولة بسبب صمود الحاجز وعدم وجود حلول بديلة للآليات المحصنة، وظل الحاجز هاجسًا للقوات الريفية. ثم ينتقل الفصل إلى معركة قادمون يا حمص، التي بدأت في مطلع عام 2013 بسلسلة اجتماعات في تركيا تحت شعار "مشروع إنقاذ حمص". تطورت إلى عملية عسكرية شاركت فيها كتائب أهل الأثر والفاروق الإسلامية بقيادة أمجد البيطار، وتمكنت من تحرير أكثر من خمس عشرة قرية في ريف حماة، لكن التقدم توقف عند بري الشرقي بسبب الغارات الجوية وضعف التمويل. وقبل بدء المحاولة الثانية، بايع عدد كبير من مقاتلي الفاروق تنظيم "داعش"، الذي عاد ليقاتل الحملة من الخلف بالتحالف مع النظام الأمامي، مما أدى إلى حصار القوات وأسر أكثر من 250 مقاتلًا، وانتهت الحملة بالفشل.

يختتم الفصل بتفصيل معركة الدوير والحصوية، التي جرت عبر خمس محاولات خلال عامين، لكنها توقفت لأسباب مثل تراجع القوات بعد يومين أو نفاد الذخيرة. وأخيرًا، يذكر دور كتيبة ثوار بابا عمرو بقيادة أبو النهار، التي وصفت بالورقة الجوكر، والتي تمكنت في 10 آذار/ مارس 2013 من تحرير بابا عمرو وإجبار النظام على وقف حملته العسكرية على الأحياء المحاصرة، كما شاركت في حملة "قادمون يا حمص"، لكنها كانت تعمل في بيئة صعبة، إذ تعرضت للسرقة من عناصر يصفهم المؤلف بـ "شبيحة طرقات".

يقرّ المؤلف صراحةً بحدود هذه المحاولات، مشيرًا إلى أن الاندماج بين الفصائل لم يتحقق أبدًا، وأن ضعف الإمكانات المادية والكوادر الإدارية حال دون تحقيق نتائج شاملة، كما أن غياب القيادة الموحدة وتعدد مراكز القرار أضعف الفعالية العسكرية. يترك الفصل سؤالًا مفتوحًا حول سبب تجاهل المجتمع الدولي لاستخدام السلاح الكيماوي مرارًا، رغم التوثيق الطبي والإبلاغ الرسمي. كما يمكن القول إن الفصل يثير جدلًا حول تناقض أداء الثوار؛ فهم يظهرون بسالة وصمودًا في المعارك الدفاعية اليومية، لكنهم يفشلون مرارًا في التخطيط الاستراتيجي للمعارك الكبرى، إما بسبب الانقسامات الداخلية أو الضعف اللوجستي أو تدخل تنظيم "داعش" الذي حوّل جهود فك الحصار إلى معارك على جبهتين.

5.الاستخبارات والاختراقات في حمص المحاصرة125–138▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو حملات الاختراق الاستخباراتي التي تعرضت لها مدينة حمص المحاصرة، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن النظام السوري اعتمد على استراتيجية متعددة المستويات لاختراق صفوف الثوار، لم تقتصر على المخبرين التقليديين، بل شملت التنصت على الاتصالات، والحروب النفسية عبر وسائل التواصل، والتسويات الأمنية التي تمت تحت غطاء دولي، وحتى عمليات التسميم عبر التهريب. يرى المؤلف أن هذه الاختراقات كانت منهجية منظمة، وأنها شكلت تهديداً داخلياً موازياً للقصف والحصار الخارجي.

يبدأ الفصل بمقدمة تاريخية عن طبيعة عمل الاستخبارات السورية قبل الثورة، ويؤكد أن سورية كانت «دولة استخبارات بامتياز»، وأن أجهزتها تمتلك خبرة طويلة في قمع التحركات الشعبية. ثم ينتقل إلى تفصيل خمس حملات استخباراتية رئيسية، أولها المخبرون المندسون. هنا يشرح المؤلف كيف تمكن بعض المخبرين من البقاء رغم محاولات الثوار «تنظيف» الصفوف، ويقدم مثالاً رئيسياً على ذلك باكتشاف شبكة مخبرين كان لها دور في سقوط حي الخالدية. يذكر أن هذه الشبكة دخلت المحاصرة عبر منفذ إمداد مفتوح، وكان يترأسها شخص تلقى تدريبات في إيران ودمشق، وتخصصت في الإبلاغ عن نقاط الحرس واغتيال شخصيات مثل الشيخ أبو راتب والأب فرانس. يصف الفصل كيف تم اكتشاف هذه الشبكة من خلال الشك في شخص يرغب في الخروج من المنطقة المحاصرة، وبعد ربط المعلومات في مركز التحقيق التابع للمجلس العسكري.

الحملة الثانية هي الاستخبارات من خلال الاتصالات، حيث يصف المفارقة في قطع كل الخدمات عن المنطقة المحاصرة باستثناء الاتصالات الخلوية. يوضح المؤلف أن الهواتف الخلوية أُطلق عليها اسم «المخبر الصغير»، إذ كانت شركتا سيريتل وأم تي أن الخاضعتان للفروع الأمنية تسهلان عملية التنصت. يشرح بالتفصيل كيف كانت الفروع الأمنية تحلل حركة مرور الاتصالات لتوقع العمليات العسكرية، وكيف أدى ذلك إلى اعتقالات لأهالي المحاصرين عند الحواجز بتهمة الاتصال بهم. بالإضافة إلى ذلك، يناقش الفصل استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث كانت تُنشأ حسابات وهمية مثل حساب «أبو الحكم الشاطر» و«محمد حمص» بهدف بث الفتنة بين الإعلاميين والمقاتلين وقادتهم. يصف المؤلف كيف تحولت «نعمة» مواقع التواصل في بداية الثورة إلى «نقمة»، حيث أصبحت ساحة للشتم والافتراء، مما دفع بعض الناشطين إلى التوقف عن استخدام فيسبوك.

الحملة الثالثة والأكثر تأثيراً هي التسويات الأمنية تحت غطاء دولي. يصف المؤلف كيف كانت مجرد فكرة التواصل مع النظام تعادل «الكفر» عند الثوار، مما جعل مبادرة الأمم المتحدة التي نصت على إخراج المدنيين وإدخال المساعدات بمثابة «حصان طروادة». يشير إلى أن المبادرة اشترطت على الرجال من عمر 14 إلى 55 سنة تسوية أوضاعهم في مركز احتجاز تحت رقابة دولية. استجاب الثوار للمبادرة بسبب انسداد الأفق ورغبتهم في العيش بسلام. ونتيجة لذلك، خرج أكثر من 500 شخص بعد تسليم قطع سلاح وذخائر. يوضح المؤلف أن الفروع الأمنية أجرت تحقيقات مع الخارجين، وحصلت على «كنز من المعلومات» مكنها من اكتشاف أنفاق وخطط عسكرية. ويذكر أن بعض الخارجين استطاعوا الفلاح، فيما احتجز آخرون في فروع أمنية واختفوا، كما تعرض آخرون للاختطاف من داخل مركز المراقب الخاص بالأمم المتحدة على أيدي «الشبيحة».

الحملة الرابعة هي اختراق صفوف النظام للحصول على الإمدادات، حيث استطاعت بعض الكتائب في حالات نادرة التوصل إلى اتفاقات مالية مع عناصر «الشبيحة». يصف الفصل تفاصيل تهريب السجائر التي بدأت من حي جب الجندلي، حيث بلغ سعر كيلوغرام التبغ أكثر من 500 ألف ليرة سورية، بينما كان ثمنه العادي لا يتجاوز 10 آلاف ليرة. يناقش الفصل محاولات المجلس العسكري بقيادة عبد القادر جمعة لتنظيم هذا التهريب وشراء السجائر بالجملة وتوزيعها، لكنه واجه احتجاجات من التجار والمدخنين وأصوات الوسطاء، فعاد الأمر إلى نقطة الصفر. كما يقدم الفصل مثالاً خطيراً على عملية تسميم منظمة، حيث تم شراء كميات من الطحين واللحوم والمواد الطبية من «الشبيحة»، لكن تبين أن العملية من تدبير فرع الاستخبارات العسكرية الذي سمم معظم المواد، مما أدى إلى حالات تسمم واسعة النطاق دون وفيات مسجلة.

الحملة الخامسة تتعلق بالاستخبارات الدولية والتدخلات لضبط السلاح. يرى المؤلف أن تدفق السلاح إلى حمص كان شبه معدوم رغم وعود دول «أصدقاء سورية». ويقتبس مقولة منسوبة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري مفادها أن تحرير حمص يعني سقوط النظام، مما يشير إلى إرادة دولية بعدم سقوط النظام السوري. يذكر الفصل حادثة في منتصف تموز/ يوليو 2013، حيث تعهد أحد الداعمين بمبلغ مليون دولار لحمص المحاصرة، وتم ترتيب صفقة سلاح نوعي عبر وسيط أجنبي اختفى فجأة، وتبين لاحقاً أن شحنة السلاح أوقفتها دولة أجنبية بناءً على طلب دولة أخرى. وفي 25 أيلول/ سبتمبر 2013، تم تسريب محادثة عبر سكايب بين شابة تسمى رزان شلب الشام وضابط استخبارات أميركي يدعى «رامي الإدلبي»، أكدت خلالها أن الاستخبارات الأميركية لا تريد وصول السلاح للحفاظ على التوازن. يصف الفصل الجلبة التي حدثت في حمص، واستفسار الثوار من اللواء سليم إدريس الذي نفى معرفته بالأمر، وتعهد بإرسال شحنة صغيرة و100 ألف دولار، لكن الشكوك بقيت قائمة حول حقيقة التدخل الدولي لعرقلة وصول السلاح.

يعترف الفصل بحدود واضحة، مثل عدم وجود قانون يعاقب على الإهمال في التحقيقات مع المشتبه بهم، مما أدى إلى تجاوزات في بعض الكتائب مثل كتائب الفاروق. كما يعترف بأن بعض الناشطين الخارجين عن المحاصرة ساهموا في نشر الفتنة عن كراهية للثوار، وليس عن تعاون مع النظام. ويترك الفصل أسئلة مفتوحة حول الحقيقة الكاملة لشحنة السلاح التي أوقفتها دولة أجنبية، وحول مصير المعتقلين الذين اختفوا بعد التسويات الأمنية. بناءً على النص، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن النظام استخدم «حصان طروادة» الأممي بذكاء لاختراق الصف الثوري من الداخل، لكنه لا يقدم دليلاً قاطعاً على أن المبادرة الدولية كانت متعمدة لهذا الغرض، بل يتركها كاستنتاج للمؤلف بناءً على النتائج.

6.العنصر البشري في المنطقة المحاصرة139–154▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو دراسة التركيبة البشرية داخل المنطقة المحاصرة في حمص، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن نجاح الثوار في الصمود طيلة الحصار لم يعتمد فقط على السلاح، بل على تفاعل معقد بين فئات متعددة من البشر (قادة، مقاتلين، مدنيين، أصحاب كفاءات، وجهاء) في بيئة شديدة القسوة، وأن الخلل في توازن هذه العناصر، خصوصاً نقص الكفاءات العلمية والخبرات، كان أحد أكبر التحديات التي واجهت المنطقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل هذه العناصر البشرية. يبدأ الفصل بالإشارة إلى جدل خارجي حول الإمدادات، حيث تذكر محادثة مسربة مع العقيد بشار سعد الدين (رئيس المجلس العسكري) الذي أقر بإرسال ذخائر لحمص لم تصل، متذرعاً بصعوبة الطريق وعدم وفاء الدول بوعودها. كما تنفي رزان شلب الشام أي علاقة لها بالموضوع، وتصدر هيئة الأركان رداً بعنوان «الرد على الأكاذيب» دون تقديم تفسير حاسم لعدم وصول السلاح. بعد هذا المدخل، يغوص الفصل في التحليل الداخلي، موضحاً أن العمل الثوري طغى على كل أشكال الحياة الأخرى في المنطقة المحاصرة، وشكل هيكلاً من ثلاث طبقات: القادة (واضعو السياسات)، والتنفيذيون والإداريون (قادة الجبهات ومدراء المخازن)، والمقاتلون والفنيون (المرابطون على الجبهات). ثم يقدم الفصل إحصاءات مؤلمة عن التناقص الحاد في عدد هذه الطبقات: 1200 شهيد، 1000 مصاب بترت أعضاؤهم، وأكثر من 1000 شخص غادروا المنطقة، بينما لم يصل الداخلون في فتحات الإمداد القصيرة إلى 1000 شخص كحد أقصى. ويوضح الرسم البياني أن عدد المقاتلين كان حوالي 6000 بينما لا يتجاوز الطاقم الخدمي 2000، مما يشير إلى ضغط هائل على كل فرد.

ينتقل الفصل بعدها إلى مشكلة الكفاءات العلمية، وهي أبرز إشكاليات المحاصرة حسب المؤلف. يذكر أن إحصاءً في آذار/مارس 2013 أظهر عزوف الكفاءات عن المشاركة، مما دفع لحملات مثل عائدون ومعسكر حمص لجذب الشباب. ويورد إحصاءً غير منشور سابقاً يُظهر فجوة صارخة: توفي أكثر من ستة أشخاص بسبب عدم وجود طبيب جراحة عامة، وفقد كثيرون بصرهم لغياب طبيب عيون، واضطر أطباء عامون لإجراء عمليات توليد. في الحقل العسكري، كان عدد الضباط قليلاً جداً، وأغلبهم لا ينتمون للثوار، مما جعل الاستفادة منهم صعبة. ويقدم الفصل أرقاماً دقيقة تفيد بوجود 900 حامل شهادة ثانوية، و125 حاملاً لشهادة جامعية، و3 فقط فوق الجامعية، في منطقة يقطنها عشرات الآلاف. ويختتم هذا القسم برسوم بيانية تُظهر أن العدد المطلوب في كل مجال (سياسي، عسكري، هندسي، طبي، شرعي) يفوق بكثير العدد الموجود، حيث يصل الطلب إلى 250 عسكرياً بينما لا يوجد سوى ما يقارب 50، و150 مهندساً مطلوبين مقابل 20 موجوداً تقريباً، وهكذا في الشرع والطب والإدارة والإعلام.

بعد ذلك، يتناول الفصل دور الوجهاء. يوضح أن القلة القليلة منهم (لم يتجاوزوا عدد أصابع اليد) الذين بقوا في حمص كان لهم دور كبير في تثبيت الأوضاع وحل الخلافات. لكن نظراً لندرتهم، لجأ المقاتلون والمدنيون إلى وجهاء جدد بلا خبرة، مما جعل تجاربهم ونصائحهم أميل للخطأ منها للصواب، وتكلفة التجريب كانت أرواحاً. ثم يتحدث عن أصحاب الخبرة العسكرية، وهم فئتان: الضباط المنشقون عن النظام، الذين كان عددهم قليلاً جداً في حمص، والمقاتلون الذين خشوا التعامل معهم أمنياً في البداية. يُشيد الفصل بدور الملازم أول عبد الرزاق طلاس في التأهيل العسكري، والملازم أسامة العلاوي الذي استشهد في بداية الحصار. لكن معظم الضباط غادروا سورية، أو أرادوا مهاماً إدارية بعيدة عن الميادين. الفئة الثانية هم الجهاديون السوريون الذين اكتسبوا خبرات في العراق وأفغانستان، وكان لهم دور كبير في التدريب، لكن يُعاب عليهم أنهم لا يحبون الحصار ويتبنون نظرية حرب العصابات التي ترى أن التمترس في المدن مهلك، لذلك غادر معظمهم، وبقي عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

يخصص الفصل قسماً مهماً للمدنيين بوصفهم البيئة الحاضنة للثورة. يصفهم بأنهم ضحوا بالكثير، فما من منزل إلا وفيه معتقل أو شهيد أو جريح، لكن روح العطاء تراجعت بمرور الوقت بسبب قلة الإنجازات وخسارة المناطق. ويعترف المؤلف بأن بعض تصرفات الثوار المسلحين أضعفت هذه البيئة، مثل سرقة المنازل، معاكسة الفتيات، والشتم في الأماكن العامة، ويؤكد أن هؤلاء لم يكونوا كثراً لكنهم أضروا بالثورة. في مقابل ذلك، يقدم صوراً مشرقة مثل قصة عشرة شهداء في جورة الشياح الذين فضلوا الموت على التحرك لتفجير دبابة كانت خلفها منازل مدنيين حفاظاً على أرواحهم. ثم يقدم الفصل تحليلاً نظرياً حول النظام الثوري، مؤكداً أنه تفاعل بين عناصر تعيش في بيئة حاضنة، وأن النظام استجاب لردات فعل البيئة الاقتصادية (مثل توزيع المساعدات والمرتبات)، لكنه فشل في الاستجابة لردات فعلها تجاه التصرفات الطائشة، فلم ينشئ جهاز محاسبة ثوري، مما جعل البيئة أحياناً تتمنى عودة مؤسسات النظام أو التنظيمات البديلة، كما أهمل معالجة الآثار النفسية طويلة الأمد كالصدمات وفقدان الأسر.

أخيراً، يناقش الفصل الفجوة بين الكتائب في المناطق المختلفة. يذكر أن الكتائب في كامل سورية كانت منشغلة بقتالها اليومي، مما خلق شعوراً بالمنافسة غير الصحية أحياناً. يعبر المحاصرون عن شعورهم بأن أوضاعهم كانت "خاصة جداً"؛ فبينما كانوا يبحثون عن عشرين طلقة نادرة، كانت كتائب أخرى تتحدث عن آلاف الطلقات، وكانوا يشاهدون أسلحة مثل التاو على شاشات التلفزيون فقط. يوضح الفصل أن المعركة في المنطقة المحاصرة كانت دفاعية بحتة، بينما خطط فك الحصار كانت تتطلب نصف مليون طلقة وأسلحة نوعية نادرة، مما يعكس تفاوتاً هائلاً في الإمكانات بين الثوار داخل حمص وخارجها. ويختتم الفصل بذكر أن ظروف الحرب كانت استثنائية، حيث استخدم النظام جميع أنواع الأسلحة الثقيلة ضد مساحة صغيرة تحت الحصار.

أما بالنسبة للتحفظات والأسئلة المفتوحة، فالمؤلف لا يدّعي الحياد بل يقر بوجود إخفاقات، ويترك سؤالاً مفتوحاً حول كيفية صمود المنطقة دون كفاءاتها، كما يعترف بأن كثيراً من الأسئلة حول عدم وصول الإمدادات بقيت دون إجابة. من الحجج القابلة للنقاش داخل الفصل نفسه: إلقاء جزء من مسؤولية تآكل البيئة الحاضنة على التصرفات الخاطئة لفئة قليلة من الثوار، مقابل تحميل النظام وطبيعة الحرب القاسية الجزء الأكبر من المسؤولية، إلى جانب الجدل حول دور الضباط المنشقين والجهاديين ومدى فاعليتهم في ظروف الحصار الفريدة.

7.العلاقات الخارجية في حمص المحاصرة155–170▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول العلاقات الخارجية التي أقامتها المنطقة المحاصرة في حمص مع مختلف الجهات خارجها، وكيف أثرت هذه العلاقات على مسار الأحداث داخل الحصار. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن التواصل مع العالم الخارجي كان شريان حياة أساسياً للمحاصرين، لكنه في الوقت نفسه كان مصدراً للإحباط وخيبة الأمل بسبب محدودية الدعم وغياب الاستجابة الفعالة من الهيئات السياسية والعسكرية والدولية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل علاقة حمص المحاصرة بسبع جهات رئيسية، مخصصاً لكل منها قسماً منفصلاً. يبدأ الفصل بتوضيح أن التواصل مع الخارج كان ممكناً عبر وسائل الاتصال، وكانت أغلب الكتائب مثل لواء الحق وكتائب أحفاد خالد والمرابطون تملك امتدادات في الريف الحمصي أو خارجه، وكان التواصل اليومي يتم عبر سكايب وأجهزة الثريا والبيغان والإنترنت الفضائي.

أولى هذه العلاقات كانت مع أبناء حمص في الخارج، الذين شكلوا المصدر الرئيسي لدعم الكتائب والمؤسسات. يذكر المؤلف أن طلاب العلم الشرعي في دول الخليج لعبوا الدور الأبرز في تأسيس مؤسسات دعم، لكن الدعم كان يصل بشكل فردي وغير منظم. حاولت مؤسسة الأركان والمجلس العسكري وجبهة حمص توجيهه، لكن محاولات توحيده عبر صندوق مشترك باءت بالفشل، واستمرت الموارد شحيحة. في منتصف نيسان/ أبريل 2014، استجاب بعض طلاب العلم ورجال الأعمال لإنشاء هيئة عليا لتوحيد الدعم، ضمت شخصيات مثل الشيخ ممدوح جنيد والدكتور الشيخ عبد الكريم والدكتور الشيخ ياسر المسدي، لكن تكلفة العمل العسكري والإغاثي كانت أكبر من طاقات هذه المؤسسات مجتمعة. يشير المؤلف بصراحة إلى أن بعض الشخصيات التي أوكلت إليها الأموال لم تكن تملك الكفاءة أو الرؤية لإدارتها، مما أدى إلى ضعف المخرجات، وأن الدعم كان أحياناً يُقدم وفقاً لمناهج محددة كـالمنهج السلفي طمعاً بالدعم الخليجي، مما فرق الصفوف بدلاً من أن يجمعها.

ثانياً، يتناول الفصل علاقة المحاصرين بالمجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة. كان المجلس الوطني يضم عناصر من حمص مثل نجاتي طيارة وسهير الأتاسي وبرهان غليون، لكن أثرهم كان محدوداً ومساهمته في دعم حمص بسيطة. يصف المؤلف لقاء عبر سكايب في نهاية عام 2013 بين قادة الكتائب وجورج صبراء رئيس المجلس الوطني، حيث صرح لهم بأن المجتمع الدولي لا يفي بوعوده وأن المجلس لا يملك قدرة على تقديم دعم مادي أو سياسي للمحاصرين. أما الائتلاف الوطني فكان له دور أكبر في تقديم الدعم السياسي والإعلامي، حيث أثار مسألة حمص في مجلس الأمن أكثر من مرة وأدرجها في مفاوضات جنيف 2، لكن نتائجه ظلت محدودة بسبب الفيتو الروسي. شكل الائتلاف لجاناً لدراسة وضع حمص مثل خلية الأزمة التي ضمت أبو سارية وأسامة العائد وسهير الأتاسي، لكن دورها تحول من إدارة أزمة إلى مراقبة توزيع الموارد، ويعزو المؤلف فشلها إلى خشية أعضائها من اتهامهم بالفساد أو الخيانة، وحرصهم على سمعتهم أكثر من حرصهم على الوضع في حمص. يذكر الفصل مثالاً دالاً على الفجوة بين الواقع المحاصر والائتلاف، ففي 2 و3 أيار/ مايو 2014، أي قبل أيام من مغادرة المقاتلين حمص المحاصرة، كانت الهيئة السياسية للائتلاف تناقش أربعة بنود إدارية وخامساً يتعلق بتشكيل لجنة إغاثة للأسر النازحة من حمص! ويؤكد المؤلف أنه لم يكن للمنطقة المحاصرة اتصال رسمي بالائتلاف، بل عبر شخصيات مثل عبد الإله فهد وصفوان الجندلي.

ثالثاً، يناقش الفصل علاقة المحاصرين بهيئة الأركان وقيادة جبهة حمص والمجلس العسكري لمحافظة حمص. يوضح أن المجلس العسكري كان أول كيان عسكري جامع برئاسة العقيد فاتح حسون، ثم أنشئت هيئة الأركان برئاسة اللواء سليم إدريس، وجبهة حمص التي عاد العقيد فاتح حسون لقيادتها في حملة "قادمون يا حمص". إلا أنه لم تكن ثمة علاقة هيكلية أو رسمية بين هذه الهيئات والكتائب في حمص المحاصرة، حيث أعلن لواء الحق مثلاً عدم اعترافه بهيئة الأركان لعدم تقديمها دعماً عملياً ولأسباب أيديولوجية. كانت موارد الهيئات محدودة، واعتمدت جبهة حمص على دعم أفراد وهيئة حماية المدنيين. قدمت هيئة الأركان دعماً متواضعاً لمعارك فك الحصار، لكن الحصار حال دون وصول السلاح إلى المنطقة المحاصرة. يكشف الفصل عن توتر وصراع بين الكتائب والهيئات العسكرية، حيث اعتقلت الكتائب قائد الجبهة العقيد فاتح حسون أكثر من مرة، وسطت على أسلحة ومخازن، مثلما فعل أبو حاتم الضحيك قائد لواء التوحيد وعاصم صويص في الريف الشمالي، واستولت على ذخائر كانت معدّة لعملية فك الحصار.

رابعاً، يتناول الفصل علاقة المحاصرين بالإعلام والمؤسسات الإنسانية. في بداية الثورة، كانت حوادث حمص محط أنظار العالم، لكن بعد عام ونصف من الحصار، باتت هذه الحوادث دورية واعتيادية في نظر الإعلام، الذي انشغل بمناطق ساخنة أخرى كخروج تظاهرة في الرقة، بينما بات قصف أحياء حمص خبراً قديماً. أما المؤسسات الإنسانية فكانت تهتم بالمناطق التي يمكنها إدخال المساعدات إليها، وحال حصار حمص دون ذلك، بالإضافة إلى ابتعادها عن الحدود. كانت منظمات الأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان تتلقى تقارير يومية من ناشطي حمص، لكن استجابتها لم تتجاوز إصدار بيانات وتقارير. يعبر المؤلف عن مرارة هذا الوضع بقوله إن المنطقة المحاصرة استهلكت آلاف الساعات للتواصل مع هذه المؤسسات التي استهلكت بدورها آلاف الأوراق لتدوين ما أرسل إليها.

خامساً، يخصص الفصل قسماً لـشركات خدمة الإنترنت، التي شكلت أجهزة الاتصال الفضائي منفذ الاتصال الرئيسي للمحاصرين. لكن المحاصرين تعرضوا للتلاعب والاحتيال من هذه الشركات، حيث صرفوا مبالغ هائلة تراوحت تكلفة الاشتراك الشهري فيها بين 250 و1500 دولار أميركي، ويتحملون غرامات تأخير تصل إلى أكثر من 1000 دولار، مما شكل تحدياً صعباً للكتائب والناشطين.

سادساً، يناقش الفصل علاقة المحاصرين باللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر السوري. يمتدح الفصل دور الهلال الأحمر في البدايات، واصفاً إياه بالجهة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها، وقام بسحب جثث الشهداء، رغم أن النظام بدأ يضغط عليه ويستهدف مركباته، مما أدى إلى استشهاد المسعف حكم السباعي وإصابة آخرين، واضطرار الهلال لوقف عمله أكثر من مرة. في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، استطاع مندوبو الصليب الأحمر دخول حمص القديمة والمناطق المحاصرة برفقة الهلال الأحمر، ومعهم كمية قليلة من المساعدات، ولم تدم زيارتهم سوى ساعات. يذكر المؤلف أن محاولات الإدخال استمرت، وأن النظام كان يماطل ويحاول تحقيق مكاسب، وفي النهاية أصدر قراراً بعدم الموافقة. يؤخذ على البعثات الدولية تعاملها مع النظام كأمر واقع وعدم الاحتكام للقوانين الدولية، في إشارة إلى تقرير مجلس الأمن في نهاية عام 2013 الذي قضى بحرية تحرك البعثات الدولية.

سابعاً وثامناً، يلخص الفصل تجربتي بعثة المراقبين العرب وبعثة المراقبين الدوليين. أرسلت جامعة الدول العربية مراقبين في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2011، لكن النظام تلاعب بهم عبر سحب الدبابات وطلاء المدرعات بألوان الشرطة، وأجرى حملة اعتقالات قبل وصولهم ثم أطلق سراحهم، واستمرت أعمال القنص والاعتقالات حتى في حضورهم، وعلقت البعثة عملها بعد شهرين دون أن تفلح في سحب الجيش. أما بعثة المراقبين الدوليين فدخلت في 14 نيسان/ أبريل 2012 بتفويض من مجلس الأمن، وكانت مختلفة في عملها، حيث اتصلت بالثوار والتقت وفوداً منهم. يذكر المؤلف أن الثوار قدموا خططاً للحل، أبرزها خطة أبو بكر السعدي التي قضت بإعادة الحياة للمدينة مقابل سحب الجيش وإخفاء السلاح، لكن النظام رفضها. ارتكب النظام مجزرة أطفال الحولة في الوقت الذي كان فيه المراقبون الدوليون في حمص، واكتفت الأمم المتحدة بالإشارة إلى أن النظام ربما كان وراءها. أنهيت بعثة المراقبين الدوليين بعد شهرين دون إحراز أي تقدم.

أخيراً، يتناول الفصل بعثة الأمم المتحدة لإجلاء المدنيين من حمص، مشيراً إلى أن النظام قدم مبادرة لترتيب وضع حلب ليشغل المجتمع الدولي، مدعياً أن ترتيب وضع حمص قد يحتاج لعام كامل بسبب تنوع القوى فيها. كانت الأمم المتحدة ترغب في إحراز تقدم كبريق أمل لحل سياسي، لكن الفصل لا يورد تفاصيل عن نتائج هذه البعثة بشكل محدد، تاركاً القارئ مع إحساس بأنها لم تحقق اختراقاً يذكر.

يحمل الفصل بين طياته حججاً قابلة للنقاش، أبرزها النقد اللاذع لأداء المؤسسات السياسية والعسكرية السورية في الخارج التي يراها المحاصرون مقصرة وبعيدة عن واقعهم. يظهر الفصل توتراً واضحاً بين منطق العمل الميداني والجهادي للكتائب المحاصرة، والمنطق السياسي للهيئات التي كانت تسعى لتمثيلها، حيث يصف المؤلف حالات من السطو والاعتداءات التي قامت بها الكتائب ضد قادة الجبهة وهيئة الأركان، مما يعكس انعدام الثقة وغياب التسلسل القيادي. كما أن تشخيص المؤلف لدور الدعم الخارجي وتأثيره السلبي على تماسك الصفوف، ولكونه سبباً في بروز مزايدات أيديولوجية، هو حجة قابلة للنقاش والتحليل.

8.المفاوضات مع النظام171–183▼ résumé

يسعى الفصل المحوري إلى تبيان تعقيدات عملية التفاوض بين الثوار المحاصرين في حمص والنظام السوري، وكيف تحولت هذه المفاوضات من أداة محتملة لتخفيف المعاناة الإنسانية إلى انعكاس لاختلال موازين القوى وغياب النية الحقيقية للتوصل إلى حل سلمي. يخلص المؤلف إلى أن كل محاولات التفاوض، رغم تعددها وتنوع أطرافها، باءت بالفشل في تحقيق أهدافها الأساسية، وكشفت عن أن النظام كان يتعامل مع الملف الإنساني كورقة ضغط سياسي وعسكري.

يبدأ الفصل بعرض محاولات الوساطة الدولية، فيذكر أن وفد الائتلاف طرح مبادرات في بدايات النزاع، أبرزها إخضاع حمص لرقابة دولية مع نزع السلاح من الطرفين. كما يشير إلى دور مركز جنيف للحوار الإنساني الذي أصدر دراسات عن الوضع في حمص، وكان من بين الشخصيات المحورية فيه خالد بن سلمان الذي يوصف بأنه صديق شخصي للرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما يفسر تساهل النظام مع أنشطة المركز. ورغم محاولة المركز لعب دور الوسيط، إلا أنه لم ينجح في تقديم وساطة مرضية للطرفين.

ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل تجارب التفاوض المختلفة التي نشأت من داخل المنطقة المحاصرة نفسها. بعد مرور أكثر من 500 يوم على الحصار، ونتيجة الجوع المتفشي، شكلت قيادات المنطقة خلية أزمة للتفاوض. يذكر المؤلف أربعة اتجاهات رئيسية نوقشت: الأول هو إدخال مساعدات مقابل مساعدات مماثلة لمنطقتي نبل والزهراء المحاصرتين من قبل الثوار، لكن هذا الاتجاه فشل لتفاوت مستوى الضغط. الثاني يتعلق بإطلاق صواريخ غراد لربط وقف القصف بإدخال المساعدات، حيث قدم أحمد الجرباء، رئيس الائتلاف، ثمن صواريخ من طراز غراد، لكن النظام لم يستجب. الثالث هو التفاوض على ملف الأسرى، وتحديداً إطلاق سراح معتقلات لبنانيات، وهو ما تم بإطلاق 250 معتقلة وأربعة طيارين أتراك، لكن إدخال المساعدات إلى حمص تعثر. الرابع والأكثر تفصيلاً هو تفويض الدكتور أمين الحلواني، وهو طبيب من حمص، للتفاوض على إجلاء المدنيين وإدخال المواد الطبية.

يخصص الفصل مساحة واسعة لمبادرة الحلواني، الذي حصل على تفويض مكتوب من جميع الفصائل وغادر إلى دول خليجية للقاء شخصيات ذات سلطة أدبية على الثوار. بنيت مبادرته على بنود مثل إخراج المدنيين، إدخال المساعدات، إعادة الحياة لمركز المدينة، إخفاء المظاهر المسلحة، والتوجه إلى مؤتمر جنيف 2. اصطحب الحلواني وجهاء المنطقة لزيارة مسؤولين في النظام والسفارة الإيرانية في دمشق، وهناك كانت المفاجأة بتلقي رد قاس من مسؤول إيراني قال إن الثورة قد قضي عليها. والأهم أن القيادات الأمنية والعسكرية أحالت الاتفاق برمته إلى مسؤول "جيش الدفاع الوطني" في حمص (المعروف بـ "الشبيحة") مما أظهر أن الدولة أصبحت خاضعة لهذه الميليشيا. ولم ينجح الحلواني رغم لقائه بالمبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي، إلا في تحقيق مكاسب بسيطة مثل إدخال الطعام والشراب إلى حي الوعر، فيما بقي النظام متمسكاً بحمص كورقة ضغط، وهو ما تأكد عندما سأل نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف الناشط ميشيل كيلو عن مقابل إدخال المساعدات.

في مرحلة لاحقة، وبعد أن مهد تدخل الأمم المتحدة الطريق، تم الانتقال إلى التفاوض المباشر. طلب العميد أسامة، المسؤول عن ملف حمص في القصر الجمهوري، مقابلة أمين الحلواني. بعد اجتماعات داخلية بين المحاصرين خلصوا فيها إلى استحالة الحسم العسكري، قرروا إرسال وفد إلى دمشق. بعد تأخير لأكثر من عشرة أيام سقطت خلالها مدن مثل يبرود والزارة وقلعة الحصن، مما منح النظام ثقة أكبر، غادر الوفد المنطقة المحاصرة في 24 آذار/مارس 2014. لكن التأخير استمر، ثم أُلغيت المفاوضات نهائياً بزعم اشتعال جبهة الساحل. بعدها، حاول الحلواني إقناع النظام بإرسال وزير المصالحة الوطنية للاجتماع بالوفد، لكن محور التفاوض تحول من الهدنة إلى "السلاح والمسلحين". ورغم لقاء الوفد بالوزير والمحافظ، لم يقدم أي منهما شيئاً، بل جرى الإعداد لعملية عسكرية شاملة لاقتحام المنطقة من خمسة محاور، والتي فشلت فشلاً ذريعاً.

أخيراً، يتناول الفصل المفاوضات عبر الجبهة الإسلامية، التي وافقت على إدخال مساعدات إلى نبل والزهراء مقابل إدخال طعام إلى حمص، لكن النظام رفض. لجأت الجبهة لممارسة الضغط عبر عناصر إيرانية وروسية معتقلة لديها، لكن دون جدوى. مع اشتداد الضغط النفسي، قرر المقاتلون الخروج من المنطقة المحاصرة، وعدلت الجبهة من طلبها للخروج بسلاحهم الفردي مقابل إعادة الحياة للمدينة. بدأ تنفيذ الاتفاق في 7 أيار/مايو 2014 تحت إشراف الأمم المتحدة، بخروج المصابين والمدنيين ثم المقاتلين، وغادرت الدفعة الأخيرة في 9 أيار/مايو 2014، بعد تأخير بسبب إدخال المساعدات إلى نبل والزهراء.

يقر المؤلف بحدود هذه العملية، معترفاً بأنها لم تكن حلاً حقيقياً، بل كانت نتيجة لاختلال موازين القوى وغياب أي أفق للحل السياسي. الأسئلة المفتوحة التي يتركها الفصل تدور حول ما إذا كان التفاوض قد أطال أمد المعاناة، وهل كان هناك بديل أفضل من هذا الخروج المهزوز الذي أوقف الحصار لكنه لم يحقق أي ضمانات للثوار.

يمكن القول إن الفصل يقدم سرداً دقيقاً وحزيناً لمسار التفاوض، لكنه يعكس أيضاً تحيزاً واضحاً للمنظور الثوري، حيث يُصوَّر النظام على أنه مخادع وغير جاد، والميليشيات الموالية له على أنها "الشبيحة" التي تسيطر على الدولة، بينما تُصوَّر محاولات الثوار على أنها يائسة ولكنها أخلاقية. هذا التوصيف، رغم صدقه من وجهة نظر المحاصرين، يخلو من أي نقد ذاتي لأخطاء الثوار التكتيكية أو الانقسامات التي أضعفت موقفهم التفاوضي، مما يجعل الفصل شهادة حية على المأساة أكثر منه تحليلاً سياسياً متوازناً.