Almawred
حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية
عربي

حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية

محمد جمال باروت1 janvier 2017arالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

يُشكّل كتاب «حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية» لمحمد جمال باروت مقاربة نقدية جذرية لفهم العلاقة بين السياسة والدين في التاريخ الإسلامي الوسيط، وتفنيداً للروايات الطائفية الحديثة التي أساءت قراءة تلك الحقبة. يدافع المؤلف عن فكرة مركزية مفادها أن الحملات العسكرية المملوكية على منطقة كسروان في لبنان بين عامَيْ 691هـ/1292م و705هـ/1305م لم تكن مدفوعة بدوافع مذهبية أو دينية، بل كانت نتيجة لمتغيرات استراتيجية وسياسية واقتصادية بحتة، وأن دور ابن تيمية فيها كان لاحقاً وتبريرياً وليس تأسيسياً. يرى باروت أن القراءات اللبنانية المعاصرة لهذه الأحداث هي «تواريخ متخيلة» أُعيد تركيبها لتخدم صراعات الحاضر الطائفية، لا لتفكيك الماضي كما كان.

يسير الكتاب عبر فصوله المترابطة بحجة تحليلية محكمة تبدأ من نقد كتابة التاريخ وتنتهي بربط الفتوى بالسياق السياسي. في الفصل الأول، وهو دراسة إيستوريوغرافية، لا يسرد المؤلف أحداث الحملات بل يحلل كيفية كتابتها من قبل المؤرخين اللبنانيين المحدثين. يوضح باروت أن كل مؤرخ، سواء كان مارونياً أو شيعياً أو دروزياً أو سُنياً، بنى سرديته بما يخدم انتماءه الطائفي المعاصر، متجاهلاً عمداً المصادر الكلاسيكية للقرن الرابع عشر. يُبرز المؤلف انقطاعاً شبه تام لهذه الكتابات عن مدونات مؤرخي العصر مثل أبي الفداء والذهبي واليونيني والنويري وابن خلدون، التي وصفت سكان كسروان بأنهم «النصيرية» أو «الدروز» أو «الرافضة»، ولكنها لم تشر إطلاقاً إلى وجود مسيحيين (موارنة) في المنطقة وقت الحملات. يُقدم مثالاً صارخاً على ذلك من خلال «اختراع» المؤرخ الماروني يوسف الدبس لحملة مملوكية رابعة وهمية عام 1302م، بدمجه لنص غامض من صالح بن يحيى مع خيالات من زجلية جبرائيل بن القلاعي (توفي 1516م)، بينما لا دليل عليها في أي مصدر كلاسيكي. يقرّ المؤلف ببراعة منهج أحمد بيضون في كشف هذه التخييلات، لكنه يعترف بضعف في منهجية بيضون نفسه، ألا وهو عدم معرفته الكافية بالمصادر الكلاسيكية، مما جعله يلتمس العذر للمؤرخين اللبنانيين بندرة المصادر، بينما هي في الواقع كثيرة لكنهم تجاهلوها عمداً.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل الحملات العسكرية ذاتها في الفصل الثاني، مؤكداً أن الدوافع الحقيقية كانت سياسية وأمنية بحتة. يبين المؤلف أن منطقة كسروان ظلت «خاصرة رخوة» بعد طرد الصليبيين، وكانت السيطرة عليها ضرورة استراتيجية لمنع الغارات المحتملة على دمشق. يُحلل باروت الحملة الأولى عام 691هـ/1292م والتي فشلت ليس بسبب قوة الكسروانيين المذهبية، بل بسبب الصراعات الداخلية الحادة بين الأمراء المماليك، كالصراع بين الوزير ابن السلعوس ونائب السلطنة بيدرا الذي اتهم بالتواطؤ مع الكسروانيين وتقاضي الرشوة. ثم يتناول الحملة الثانية عام 699هـ/1300م التي وقعت كرد فعل على إساءات الكسروانيين للجنود المماليك المنهزمين أمام التتار في معركة وادي الخزندار، ويُظهر كيف انتهت هذه الحملة باستسلام سلمي ودفع غرامات، لا بإبادة مذهبية. يُبرز هنا دور ابن تيمية كوسيط بين أعيان كسروان ونائب دمشق، وهو ما أسفر عن «خير كثير» كما يذكر تلميذه ابن كثير، مما يُضعف فرضية العداء المذهبي المسبق. أما الحملة الثالثة والأعنف عام 705هـ/1305م، فيشير إليها الفصل كنقطة تحول حوّلت مفهوم ابن تيمية الفقهي «الطائفة الممتنعة» من مواجهة «العدو الخارجي» (التتار) إلى مواجهة «العدو الداخلي» (الشيعة والفرق العرفانية).

يتعمق الفصل الأخير في تفكيك المرحلة الثالثة من حياة ابن تيمية (بين عامَيْ 1312م و1318م) والتي تزامنت مع ذروة التوتر السياسي بين السلطنة المملوكية السنية والإمبراطورية الإيلخانية التترية بعد أن أعلن السلطان التتري خدابنده (أولجايتو) التشيع مذهباً رسمياً لدولته عام 709هـ/1310م. يرى المؤلف أن فتاوى ابن تيمية في هذه المرحلة، وعلى رأسها فتوى ماردين الشهيرة التي استحدث فيها مفهوم «الدار المركبة»، وكتابه الضخم «منهاج السنة النبوية» الذي نقض فيه «منهاج الكرامة» للفقيه الشيعي ابن المطهر الحلي، لم تكن مجرد إنتاج ديني مجرد، بل استجابة سياسية مباشرة لحاجة السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى تأطير الصراع العسكري كصراع مذهبي سني-شيعي لتعبئة الجماهير. يُقدم المؤلف مثالاً على ذلك بثورة «المهدي النصيري» في ريف جبلة في 17 ذي الحجة 717هـ (19 فبراير 1318م)، والتي يعزوها إلى عاملين سياسيين واقتصاديين: ضغط سياسة الروك الناصري (إعادة تنظيم الضرائب) والمرسوم السلطاني بفرض إقامة المساجد على النصيرية، وليس إلى فتوى ابن تيمية التي جاءت لاحقاً لتبرير القمع. يُقرّ المؤلف بأن ابن تيمية كان يخلط بين الفرق الباطنية (النصيرية، الإسماعيلية، القرامطة) وأن معرفته كانت انتقائية، مع أن باحثين مثل إميل آل معروف يرون أنه كان خبيراً ببعض تفاصيل عقائدهم كرمز «ع.م.س» (علي، محمد، سلمان).

يخلّف الكتاب أسئلة مفتوحة واضحة، أبرزها مدى دقة تعريف ابن تيمية لهوية الكسروانيين المذهبية، وهل كان هذا التعريف ناتجاً عن معرفة حقيقية أم عن حاجة لتبرير «المجزرة» التي شارك فيها؟ كما يُقرّ المؤلف بصعوبة تحديد الزمن الدقيق لصدور فتوى «الطائفة الممتنعة»، ويطرح ترجيحاً بأنها صدرت بين عودة التتار الثانية والمراسلات بين السلطان الناصر والتتار. الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب تدور حول تفسير دوافع ابن تيمية؛ ففي حين يصر المؤلف على أنه كان «مُسكوناً بهواجس شرعنة مجزرة»، يمكن القول بأنه كان يُعبّر عن قناعاته الفقهية العميقة ضد فرق كان يعدها خارجة عن جماعة المسلمين، بغض النظر عن السياق السياسي، وإن كان الكتاب يقدّم أدلة قوية على أن السياق السياسي هو الذي فعّل هذه القناعات وجعلها فتاوى مؤثرة، لا العكس. في المحصلة، ينجح باروت في تقديم قراءة سياسية واقتصادية للحملات، معترفاً بأن التفسيرات الطائفية هي نتاج حديث لمشروعات هوياتية معاصرة، لا انعكاس لحقيقة تاريخية.

Chapitres(3)

1.إيستوريوغرافيا الحملات الكسروانية: كسروان في الرؤية التاريخية السردية المتركزة طائفيًا11–114▼ résumé

هذا الفصل هو دراسة إيستوريوغرافية، أي تحليل لكتابات المؤرخين، وليس سرداً للأحداث التاريخية بحد ذاتها. موضوعه المحوري هو كيفية تناول المؤرخين اللبنانيين المعاصرين لتاريخ «حملات كسروان» (وهي الحملات المملوكية الثلاث على منطقة كسروان بين عامي 691هـ/1292م و705هـ/1305م). يرى المؤلف أن هذه الكتابات التاريخية لم تكن محايدة، بل خضعت لما يسميه «الرؤية التاريخية السردية المتركزة طائفياً»، حيث يقوم كل مؤرخ ببناء سردية تاريخية تخدم انتماءه الطائفي المعاصر (ماروني، شيعي، درزي، سني) وتبرر وجود طائفته وهويتها في المنطقة.

يسير الفصل على عدة مستويات. يبدأ بتعريف الإيستوريوغرافيا كعلم يدرس خطاب المؤرخين، وليس الحوادث نفسها. ثم يحدد الإشكالية في مستويين: الأول هو تحليل تأثير الرؤية الطائفية على كتابة تاريخ كسروان، والثاني هو نقد المصادر التي يعتمد عليها المؤرخون. بعد ذلك، يحلل الفصل ثلاثة محاور رئيسية. في المحور الأول، يفحص الفصل المصادر التاريخية التي اعتمد عليها المؤرخون اللبنانيون، ويركز بشكل خاص على المصادر المارونية المتأخرة مثل زجلية جبرائيل بن القلاعي (توفي 1516م/922هـ) وتاريخ الأزمنة لأسطفان الدويهي (توفي 1704م/1116هـ). يشير المؤلف إلى أن هذه المصادر، التي كُتبت بعد قرنين أو أكثر من الحملات، انقطعت بشكل شبه تام عن المدونات التاريخية الكلاسيكية للقرن الرابع عشر (مثل مؤرخي أبي الفداء، الذهبي، اليونيني، النويري) التي تقدم معلومات أدق عن هوية سكان كسروان المذهبية. يوضح المؤلف أن المصادر الكلاسيكية تتراوح في توصيفها للكسروانيين بين «النصيرية» (كما في أبو الفداء) و«الدروز» (كما في اليونيني وابن خلدون والمقريزي) و«الرافضة» الشيعة (كما في ابن تيمية وابن عبد الهادي) و«الجهلة» و«الزنادقة» (كما في الذهبي). نقطة محورية هنا هي أنه لا توجد إشارة واحدة في أي من هذه المصادر الكلاسيكية إلى وجود مسيحيين (موارنة) في كسروان وقت الحملات. هذا «الانقطاع» المتعمد عن المصادر الكلاسيكية من قبل مؤرخين مثل الدويهي، يفسره المؤلف بأن تلك المصادر كانت تتعارض مع رؤيتهم الطائفية التي تسعى لإثبات وجود ماروني مبكر في كسروان.

في المحور الثاني، ينتقل الفصل إلى النقد الإيستوريوغرافي اللبناني الحديث. يبرز أحمد بيضون كمؤرخ إيستوريوغرافي أساسي في كتابه «الصراع على تاريخ لبنان». يستخدم بيضون مفهوم «اللوحات الرورشية» (بقع حبر غامضة يفسرها الرائي وفق دواخله) لوصف كيفية تعامل المؤرخين اللبنانيين مع المصادر التاريخية القليلة والمبهمة، حيث يميل كل مؤرخ إلى تأويلها بما يخدم تمثله الطائفي لجماعته. يقدم المؤلف مثالاً مفصلاً على ذلك من خلال «اختراع» حملة مملوكية رابعة مزعومة على كسروان عام 1302م. يبين كيف أن المؤرخ الماروني يوسف الدبس التقط «بارقة» من نص صالح بن يحيى وخلطها بتخيلات من زجلية ابن القلاعي ليصنع سردية بطولية لمقدمي الموارنة يواجهون الجيش المملوكي، بينما لا يوجد أي دليل تاريخي على هذه الحملة. حتى المؤرخ الشيعي محمد علي مكي وقع في هذا الفخ بالاعتماد على مصادر ثانوية. ومع ذلك، يعترف المؤلف بوجود نقطة ضعف في منهجية بيضون نفسه، وهي عدم معرفته الكافية بالمصادر التاريخية الكلاسيكية للقرن الرابع عشر، مما جعله يلتمس العذر للمؤرخين اللبنانيين بندرة المصادر، بينما هي في الواقع كثيرة ومتاحة لكنها تعمدوا تجاهلها.

المحور الثالث هو الأكثر عمقاً، حيث ينتقل من نقد المؤرخين المحدثين إلى تحليل شخصية محورية: ابن تيمية. يناقش الفصل رسالتين أساسيتين لابن تيمية حول الحملة الثالثة (عام 705هـ/1305م). الرسالة الأولى إلى ابن عمه في دمشق (أثناء وجوده في كسروان) لا تحدد هوية الكسروانيين تحديداً دقيقاً، بل تصفهم بعبارات عامة مثل «أهل البدع والمنافقين». أما الرسالة الثانية إلى السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون (بعد عودته من كسروان)، فهي أكثر وضوحاً، حيث يصفهم بـ«الرافضة» (الشيعة الإمامية) ويضيف إليهم «خلقاً كثيراً من جنس الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية والباطنية». يقدم الفصل تحليلاً مهماً للعلاقة بين المتغيرات السياسية (المستقلة) والأيديولوجية (التابعة). يرى المؤلف أن الحملات كانت مدفوعة بدوافع سياسية مملوكية (كإخضاع المنطقة ومواجهة الخطر الإيلخاني)، وأن ابن تيمية لم يكن مفتياً للسلطان أو باعثاً للحملة، بل انخرط فيها ثم سعى لـ«شرعنتها» لاحقاً عبر رسالته. يصف الفصل ابن تيمية بأنه كان مسكوناً بهواجس هذه الحملة الوحشية، التي شكلت قطيعة مع حقبة «إحياء السنّة» النورية-الأيوبية التي كانت تعتمد على الإقناع والمؤسسات لا على السيف والإبادة.

يقرّ المؤلف في الفصل ببعض التحفظات والحدود. أبرزها أن الإيستوريوغرافيا اللبنانية، ممثلة ببيضون وكوثراني والصليبي، نجحت في نقد المصادر المتأخرة وكشف الأساطير الطائفية، لكنها لم تقدم بعد تاريخاً بديلاً مقنعاً يقوم على المصادر الكلاسيكية. كما يُظهر الفصل أن هناك أسئلة لا تزال مفتوحة، مثل مدى دقة تعريف ابن تيمية للهوية المذهبية للكسروانيين، وهل كان هذا التعريف ناتجاً عن معرفة حقيقية أم عن حاجة لتبرير ما حدث. أخيراً، الحجج التي يقدمها الفصل قابلة للنقاش، خصوصاً فيما يتعلق بتفسير دوافع ابن تيمية. ففي حين يرى المؤلف أن ابن تيمية كان مسكوناً بهواجس شرعنة «مجزرة»، يمكن القول بأنه كان يعبر عن قناعاته الفقهية والأيديولوجية العميقة ضد من يراهم خارجين عن جماعة المسلمين. هذا الجدل يظل مفتوحاً بناءً على النصوص المتاحة.

2.حملات كسروان115–192▼ résumé

**الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل حملات كسروان العسكرية التي شنها المماليك على منطقة كسروان الجبلية في لبنان بين أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الميلادي، وتفنيد الروايات الطائفية اللبنانية الحديثة التي تختزل هذه الحملات في صراع مذهبي بحت. يقدم المؤلف، محمد جمال باروت، إجابة مفادها أن هذه الحملات كانت مدفوعة بمتغيرات استراتيجية وسياسية واقتصادية (متغيرات مستقلة) وليست دينية أو مذهبية (متغيرات تابعة)، معتبراً أن التفسيرات الطائفية اللبنانية هي "تواريخ متخيلة" أُعيد بناؤها في العصر الحديث لخدمة أغراض طائفية معاصرة.

يسير الفصل خطوة خطوة عبر تحليل ثلاث حملات مملوكية كبرى على كسروان، مميزاً بين المتغيرات الحقيقية التي حكمتها وبين القراءات المذهبية المتأخرة لها. يبدأ الفصل بتحديد المنطقة جغرافياً وتسميات سكانها في المصادر التاريخية كـ "الجبليين" أو "الظنينية"، مشيراً إلى أن المنطقة ظلت خارج السيطرة المملوكية المباشرة بعد طرد الصليبيين، مما جعل السيطرة عليها ضرورة استراتيجية وأمنية (خاصرة رخوة) لمنع الغارات الصليبية المحتملة على دمشق. يبرز المؤلف أن المؤرخين اللبنانيين، مثل كمال الصليبي وأحمد حطيط، ركزوا على المتغير التابع المذهبي، بينما يؤكد الكتاب أن الدافع كان سياسياً وأمنياً.

ثم يناقش الفصل بالتفصيل الحملة الأولى (عام 691هـ/ 1292م) في عهد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون والتي انتهت بالفشل. يشرح المؤلف أن فشل هذه الحملة كان بسبب التناقضات والصراعات الداخلية الحادة بين الأمراء المماليك أنفسهم (الصراع على السلطة، والعصبية التركية مقابل الجركسية، والتنافس بين الوزير ابن السلعوس ونائب السلطنة بيدرا). اتهام بيدرا بالتواطؤ مع الكسروانيين وتقاضي الرشوة منهم يُظهر كيف أن القراءة السياسية هي الأكثر تفسيراً للحدث من القراءة المذهبية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن الغزو التتري بقيادة غازان للشام (عام 699هـ/ 1299م)، والذي شكل نقطة تحول في دور ابن تيمية. يُظهر الكاتب تطور ابن تيمية من "ابن تيمية الأول" المنشغل بالوعظ والتفسير، إلى "ابن تيمية الثاني" الفاعل السياسي والاجتماعي، وذلك أثناء فترة الفراغ في السلطة بعد هجوم التتار. يوضح المؤلف كيف استغل ابن تيمية هذا الفراغ لقيادة الناس وطمأنتهم، وطور مفهوم "الطائفة الممتنعة" الفقهي لشرعنة قتال التتار الذين يظهرون الإسلام، بدلاً من اللجوء إلى التكفير المباشر. هذا المفهوم، كما يبيّن الفصل، كان موجهاً في البداية ضد "العدو الخارجي" (التتار)، لكنه سيُستخدم لاحقاً ضد الجماعات الإسلامية داخل الدولة.

أما الحملة الثانية (عام 699هـ/ 1300م) فقد كانت رد فعل على "إساءات" الكسروانيين للجنود المماليك المنهزمين في معركة وادي الخزندار. يبين المؤلف أن هذه الحملة لم تكن عنيفة، بل انتهت باستسلام الكسروانيين مقابل دفع غرامات ورد الأموال المنهوبة. يُبرز الفصل هنا أهمية دور ابن تيمية كوسيط، حيث يذكر تلميذه ابن كثير أن أعيان كسروان جاءوا إلى ابن تيمية الذي توسط بينهم وبين نائب دمشق، مما أسفر عن "خير كثير". هذا الدور الوسيط، كما يجادل المؤلف، يضعف بشكل كبير فرضية أن الحملة كانت بدافع مذهبي بحت.

في تحليله للحجج والأدلة، يستخدم المؤلف مقارنة دقيقة بين المصادر التاريخية المعاصرة للأحداث (مثل مؤرخي اليونيني والنويري والذهبي) والمصادر المتأخرة (مثل تواريخ ابن القلاعي المارونية). يوضح الكاتب أن المؤرخين المعاصرين لا يركزون على المذهبية كسبب أساسي للحملات، بل يركزون على الأسباب الأمنية والمالية. في المقابل، يرى المؤلف أن الروايات اللبنانية الحديثة، مثل تاريخ يوسف الدبس، هي إعادة تأويل لتلك الأحداث في قالب طائفي "خيالي" لتجذير الطائفية المعاصرة في التاريخ. يستخدم المؤلف مثالاً واضحاً على ذلك من خلال تحليل سرديات ابن تيمية نفسه، حيث يخلط كتابه "منهاج السنة" (الذي كتب بعد الحملات بسنوات) بين تفاصيل الحملتين الثانية والثالثة، مما يظهر تطور رؤيته وتحولها من موقف وسيط إلى موقف أكثر تشدداً في مرحلة لاحقة.

أما فيما يتعلق بالحملة الثالثة (عام 705هـ/ 1305م) والتي كانت الأكبر والأعنف، فيشير إليها الفصل ضمنياً على أنها نقطة التحول في موقف ابن تيمية من الشيعة والفرق الصوفية، محولة مفهوم "الطائفة الممتنعة" من "الخارج" (التتار) إلى "الداخل" (الشيعة والفرق العرفانية داخل الدولة). هذا التحول، بحسب المؤلف، هو ما سيميز مرحلة "ابن تيمية الثالث".

يقر الفصل بوجود حدود تحفظية، حيث يعترف بصعوبة تحديد الزمن الدقيق لصدور فتوى "الطائفة الممتنعة"، ويطرح ترجيحاً بأنها صدرت بين عودة التتار الثانية والمراسلات بين السلطان الناصر وغازان. كما يشير إلى أن بعض المصادر المتأخرة تزعم وجود أربع حملات بدلاً من ثلاث، وهو ما يعتبره المؤلف زعماً "خيالياً". يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول التطور الدقيق لموقف ابن تيمية، خاصة في علاقته مع بعض فقهاء الشيعة مثل جمال الدين بن الحسام في مرحلته الأولى، وهو ما يعتبره "إشكالية" لفكرة أن عداءه للشيعة كان تكوينياً وثابتاً.

أخيراً، تكمن أهم الحجج القابلة للنقاش في النص في تأكيد المؤلف على أن التفسير الطائفي للحملات هو نتاج حديث ومُختلق ("تواريخ متخيلة")، مقابل رؤيته التي تضع المتغيرات السياسية والاستراتيجية كعوامل حاسمة. يقدم النص حججاً قوية لدعم هذا الموقف من خلال تتبع التغيرات في مواقف المماليك وابن تيمية، ومن خلال إظهار كيف أن الروايات اللبنانية المعاصرة تعيد بناء الماضي وفقاً لصراعات الحاضر.

3.ابن تيمية الثالث والسلطان: توتر العلاقات المملوكية - الشيعية الإيلخانية193–257▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على المرحلة الثالثة من حياة ابن تيمية وتأثير فتاواه، والتي امتدت من عام 1312م إلى 1318م تقريبًا، وتزامنت مع فترة توتر شديد في العلاقات بين السلطنة المملوكية السنية والإمبراطورية الإيلخانية (التتارية) الشيعية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن فتاوى ابن تيمية في هذه المرحلة، وخاصة كتابه الضخم "منهاج السنة"، لم تكن مجرد اجتهادات دينية مجردة، بل كانت استجابة مباشرة لحاجة سياسية وعسكرية للسلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، حيث استُخدمت لتأطير الصراع العسكري ضد الإيلخانيين كصراع مذهبي سني-شيعي، ولتعبئة الجماهير وحشد التأييد لسياسات السلطان.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح كيف تحول دور ابن تيمية. في بداية هذه المرحلة، عاد ابن تيمية مع السلطان الناصر محمد بن قلاوون من مصر إلى دمشق في 23 شوال 712هـ (20 فبراير 1313م) بعد غياب دام سبع سنين، وذلك في خضم استعدادات السلطان لمواجهة تهديد السلطان الإيلخاني خدابنده (أولجايتو) الذي كان قد أعلن التشيع مذهبًا رسميًا لدولته في عام 709هـ (1310م). كان خدابنده قد استقبل أمراء مماليك متمردين بقيادة أقوش الأفرم وقرا سنقر، مما أجج التوتر. بعد ذلك، حاصر التتار بلدة الرحبة في الفرات لمدة شهر تقريبًا، مما أثار حالة من الهلع في الشام.

يذكر المؤلف مثالين رئيسيين على فتاوى ابن تيمية التي أنتجها في هذا السياق. الأول هو فتوى ماردين الشهيرة، والتي صدرت ردًا على سؤال حول وضع بلدة ماردين التي كانت تحت حكم حليف للتتار. أفتى ابن تيمية بأن ماردين أصبحت "دارًا مركبة" (وهو مفهوم جديد استحدثه)، ليست دار حرب ولا دار سلام، مما سمح بمعاملة سكانها المسلمين وفق أحكام خاصة، ومقاتلة من يخرج عن شريعة الإسلام منهم. تشير الحواشي إلى أن هذه الفتوى بالذات ستعود لتظهر بقوة في أدبيات الجماعات الجهادية في أواخر القرن العشرين. المثال الثاني هو رده على الفقيه الشيعي الكبير ابن المطهر الحلي، والذي دعاه خدابنده إلى بلاطه لشرح المذهب الشيعي، فكتب له كتاب "منهاج الكرامة". رد ابن تيمية بكتابه الضخم "منهاج السنة النبوية"، والذي يُعد نقضًا شاملاً لعقائد الشيعة الإمامية والاعتزالية، وجمع فيه بينهما تحت مظلة واحدة لكونهما يشتركان في أصول يعتبرها فاسدة.

يتناول الفصل بعد ذلك حالة خاصة، وهي ثورة "المهدي النصيري" في ريف جبلة والتي اندلعت في 17 ذي الحجة 717هـ (19 فبراير 1318م). يعزو المؤلف هذه الثورة إلى عاملين: الأول هو سياسة الروك الناصري (إعادة تنظيم الأراضي والضرائب) التي قام بها السلطان للسيطرة على مملكة طرابلس، والتي ضغطت على الفلاحين. والثاني هو المرسوم السلطاني الصادر في 7 شوال 717هـ (12 ديسمبر 1317م) والذي فرض على الطائفة النصيرية إقامة المساجد وترك طقوسهم. قاد ثورة الفلاحين رجل يدعى شرف، ونادى بإقامة العدل وقسمة المحاصيل بالعشر فقط، مما حشد له حوالي 3000 إلى 5000 شخص. قمع المماليك الثورة بسرعة، واستسلم النصيريون لدفع غرامة مالية.

كجزء من هذه الديناميكية، أصدر ابن تيمية فتوى جديدة بشأن النصيرية، أفتى فيها بأنهم طائفة "مرتدة" يجب قتالهم إذا امتنعوا واحتموا، مع تفصيل في الأحكام بناءً على مذهبهم. يقر المؤلف بوجود حدود واضحة في فهم ابن تيمية للفرق الباطنية. فهو يخلط أحيانًا بين النصيرية والإسماعيلية والقرامطة، ويعتمد في فهمه على مراجع محددة مثل الشهرستاني وعلى نص السؤال الذي يوجه إليه، مما يجعله يجمع شذرات انتقائية لبناء حكمه. ومع ذلك، يرى باحثون مثل إميل آل معروف أن ابن تيمية كان خبيرًا بمذهب النصيرية في بعض تفاصيله، كمعرفته برمز "ع.م.س" (علي، محمد، سلمان).

وينتهي الفصل بالإشارة إلى أن هذه المرحلة انتهت بوفاة السلطان الإيلخاني خدابنده في عام 1316م، وتبني ابنه أبي سعيد بهادر خان سياسة سنية، وعقد الصلح مع المماليك عام 1320م وتأكيده عام 1323م. مع زوال التوتر السياسي، تراجع حجم إنتاج ابن تيمية في تكفير التتار والشيعة، ولم يعد للصراع العسكري ضرورة سياسية تستدعي فتاواه بالتركيز نفسه، على الرغم من أن هذه الفتاوى ستظل حاضرة في التراث الفقهي وتُستعاد في سياقات تاريخية لاحقة.